Qur'an&Sunnahالقرآن

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي · AR

قسم V06/P232Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P232)

المائدة : ( 59 ) قل يا أهل . . . . . > > < > ( المائده 59 : 60 ) <

قسم V06/P232–V06/P235Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P232–V06/P235)

> قوله تعالى : ( قل يأهل الكتاب هل تنقمون منا ) قال بن عباس رضي الله عنه : جاء نفر من اليهود فيهم أبو ياسر بن أخطب ورافع بن أبي رافع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الرسل عليهم السلام فقال : ( نؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل إلى قوله : ونحن له مسلمون ( فلما ذكر عيسى عليه السلام جحدوا نبوته وقالوا : والله ما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ولا دينا شرا من دينكم فنزلت هذه الآية وما بعدها وهي متصلة بما سبقها من إنكارهم الأذان فهو جامع للشهادة لله بالتوحيد ولمحمد بالنبوة والمتناقض دين من فرق بين أنبياء الله لا دين من يؤمن بالكل ويجوز إدغام اللام في التاء لقربها منها و ( تنقمون ) معناه تسخطون وقيل : تكرهون وقيل : تنكرون والمعنى متقارب يقال : نقم من كذا ينقم ونقم ينقم والأول أكثر قال عبد الله بن قيس الرقيات : ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا وفي التنزيل وما نقموا منهم البروج ويقال : نقمت على الرجل بالكسر فأنا ناقم إذا عتبت عليه يقال : ما نقمت عليه الإحسان قال الكسائي : نقمت بالكسر لغة ونقمت الأمر أيضا ونقمته إذا كرهته وانتقم الله منه أي عاقبه والاسم منه النقمة والجمع نقمات ونقم مثل كلمة وكلمات وكلم وإن شئت سكنت القاف ونقلت حركتها إلى النون فقلت : نقمة والجمع نقم مثل نعمة ونعم ( إلا أن آمنا بالله ) في موضع نصب ب ( تنقمون ) و ( تنقمون ) بمعنى تعيبون أي هل تنقمون منا إلا إيماننا بالله وقد علمتم أنا على الحق ( وأن أكثركم فاسقون ) أي في ترككم الإيمان وخروجكم عن امتثال أمر الله فقيل هو مثل قول القائل : هل تنقم مني إلا أني عفيف وأنك فاجر وقيل : أي لأن أكثركم فاسقون تنقمون منا ذلك قوله تعالى : ( قل هل أنبئكم بشر من ذلك ) أي بشر من نقمكم علينا وقيل : بشر ما تريدون لنا من المكروه وهذا جواب قولهم : ما نعرف دينا شرا من دينكم ( مثوبة ) نصب على البيان وأصلها مفعولة فألقيت حركة الواو على الثاء فسكنت الواو وبعدها واو ساكنة فحذفت إحداهما لذلك ومثله مقولة ومجوزة ومضوفة على معنى المصدر كما قال الشاعر : وكنت إذا جاري دعا لمضوفة أشمر حتى ينصف الساق مئزري وقيل : مفعلة كقولك مكرمة ومعقلة ( من لعنه الله ) ( من ) في موضع رفع كما قال : ( بشر من ذلكم النار الحج ) والتقدير : هو لعن من لعنه الله ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى : قل هل أنبئكم بشر من ذلك من لعنه الله ويجوز أن يكون في موضع خفض على البدل من شر والتقدير : هل أنبئكم بمن لعنه الله والمراد اليهود وقد تقدم القول في الطاغوت أي وجعل منهم من عبد الطاغوت والموصول محذوف عند الفراء وقال البصريون : لا يجوز حذف الموصول والمعنى من لعنه الله وعبد الطاغوت وقرأ بن وثاب والنخعي ( أنبئكم ) بالتخفيف وقرأ حمزة : ( عبد الطاغوت ) بضم الباء وكسر التاء جعله اسما على فعل كعضد فهو بناء للمبالغة والكثرة كيقظ وندس وحذر وأصله الصفة ومنه قول النابغة من وحش وجرة موشي أكارعه طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد بضم الراء ونصبه ب ( جعل ) أي جعل منهم عبدا للطاغوت وأضاف عبد إلى الطاغوت فخفضه وجعل بمعنى خلق والمعني : وجعل منهم من يبالغ في عبادة الطاغوت وقرأ الباقون بفتح الباء والتاء وجعلوه فعلا ماضيا وعطفوه على فعل ماض وهو غضب ولعن والمعنى عندهم من لعنه الله ومن عبد الطاغوت أو منصوبا ب ( جعل ) أي جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ووحد الضمير في عبد حملا على لفظ ( من ) دون معناها وقرأ أبي وبن مسعود ( وعبدوا الطاغوت ) على المعنى بن عباس : ( وعبد الطاغوت ) فيجوز أن يكون جمع عبد كما يقال : رهن ورهن وسقف وسقف ويجوز أن يكون جمع عباد كما يقال : مثال ومثل ويجوز أن يكون جمع عبد كرغيف ورغف ويجوز أن يكون جمع عابد كبازل وبزل والمعنى : وخدم الطاغوت وعن بن عباس أيضا ( وعبد الطاغوت ) جعله جمع عابد كما يقال : شاهد وشهد وغايب وغيب وعن أبي واقد : وعباد الطاغوت للمبالغة جمع عابد أيضا كعامل وعمال وضارب وضراب وذكر محبوب أن البصريين قرؤوا : ( وعباد الطاغوت ) جمع عابد أيضا كقائم وقيام ويجوز أن يكون جمع عبد وقرأ أبو جعفر الرؤاسي ( وعبد الطاغوت ) على المفعول والتقدير : وعبد الطاغوت فيهم وقرأ عون العقيلي وبن بريدة : ( وعابد الطاغوت ) على التوحيد وهو يؤدى عن جماعة وقرأ بن مسعود أيضا ( وعبد الطاغوت ) وعنه أيضا وأبي ( وعبدت الطاغوت ) على تأنيث الجماعة كما قال تعالى قالت الأعراب الحجرات وقرأ عبيد بن عمير : ( وأعبد الطاغوت ) مثل كلب وأكلب فهذه اثنا عشر وجها قوله تعالى : ( أولئك شر مكانا ) لأن مكانهم النار وأما المؤمنون فلا شر في مكانهم وقال الزجاج : أولئك شر مكانا على قولكم النحاس : ومن أحسن ما قيل فيه : أولئك الذين لعنهم الله شر مكانا في الآخرة من مكانكم في الدنيا لما لحقكم من الشر وقيل : أولئك الذين لعنهم الله شر مكانا من الذين نقموا عليكم وقيل : أولئك الذين نقموا عليكم شر مكانا من الذين لعنهم الله ولما نزلت هذه الآية قال المسلمون لهم : يا إخوة القردة والخنازير فنكسوا رؤوسهم افتضاحا وفيهم يقول الشاعر : فلعنة الله على اليهود إن اليهود إخوة القرود < <

قسم V06/P235–V06/P237Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P235–V06/P237)

المائدة : ( 61 ) وإذا جاؤوكم قالوا . . . . . > > < > ( المائده 61 : 63 ) < > قوله تعالى : ( وإذا جاءوكم قالوا آمنا ) الآية هذه صفة المنافقين والمعنى أنهم لم ينتفعوا بشيء مما سمعوه بل دخلوا كافرين وخرجوا كافرين ( والله أعلم بما كانوا يكتمون ) أي من نفاقهم وقيل : المراد اليهود الذين قالوا : آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار إذا دخلتم المدينة واكفروا آخره إذا رجعتم إلى بيوتكم يدل عليه ما قبله من ذكرهم وما يأتي قوله تعالى : ( وترى كثيرا منهم ) يعني من اليهود ( يسارعون في الإثم والعدوان ) أي يسابقون في المعاصي والظلم ( وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون ) قوله تعالى : ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار ) ( لولا ) بمعنى أفلا ( ينهاهم ) يزجرهم ( الربانيون ) علماء النصارى ( والأحبار ) علماء اليهود قاله الحسن وقيل : الكل في اليهود لأن هذه الآيات فيهم ثم وبخ علماءهم في تركهم نهيهم فقال : ( لبئس ما كانوا يصنعون ) كما وبخ من يسارع في الإثم بقوله : ( لبئس ما كانوا يعملون ) ودلت الآية على أن تارك النهي عن المنكر كمرتكب المنكر فالآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد مضى القول في هذا المعنى في البقرة وآل عمران وروى سفيان بن عيينة قال : حدثني سفيان بن سعيد عن مسعر قال بلغني أن ملكا أمر أن يخسف بقرية فقال : يا رب فيها فلان العابد فأوحى الله تعالى إليه : أن به فابدأ فإنه لم يتمعر وجهه في ساعة قط وفي صحيح الترمذي : ( إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده ( وسيأتي والصنع بمعنى العمل إلا أنه يقتضي الجودة يقال : سيف صنيع إذا جود عمله < < المائدة : ( 64 ) وقالت اليهود يد . . . . . > > < > ( المائده 64 ) <

قسم V06/P237–V06/P240Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P237–V06/P240)

> قال عكرمة : إنما قال هذا فنحاص بن عازوراء لعنه الله وأصحابه وكان لهم أموال فلما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم قل مالهم فقالوا : إن الله بخيل ويد الله مقبوضة عنا في العطاء فالآية خاصة في بعضهم وقيل : لما قال قوم هذا ولم ينكر الباقون صاروا كأنهم بأجمعهم قالوا هذا وقال الحسن : المعنى يد الله مقبوضة عن عذابنا وقيل : إنهم لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في فقر وقلة مال وسمعوا من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ورأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يستعين بهم في الديات قالوا : إن إله محمد فقير وربما قالوا : بخيل وهذا معنى قولهم : ( يد الله مغلولة ) فهو على التمثيل كقوله : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ويقال للبخيل : جعد الأنامل ومقبوض الكف وكز الأصابع ومغلول اليد قال الشاعر : كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها وكل باب من الخيرات مفتوح فاستبدلت بعده جعدا أنامله كأنما وجهه بالخل منضوح واليد في كلام العرب تكون للجارحة كقوله تعالى : وخذ بيدك ضغثا وهذا محال على الله تعالى وتكون للنعمة تقول العرب : كم يد لي عند فلان أي كم من نعمة لي قد أسديتها له وتكون للقوة قال الله عز وجل واذكر عبدنا داود ذا الأيد ص أي ذا القوة وتكون للملك والقدرة قال الله تعالى قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء وتكون بمعنى الصلة قال الله تعالى مما عملت أيدينا أنعاما يس أي مما عملنا نحن وقال : أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح أي الذي له عقدة النكاح وتكون بمعنى التأييد والنصرة ومنه قوله عليه السلام : ( يد الله مع القاضي حتى يقضي والقاسم حتى يقسم ( وتكون لإضافة الفعل إلى المخبر عنه تشريفا له وتكريما قال الله تعالى : يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ص فلا يجوز أن يحمل على الجارحة لأن الباري جل وتعالى واحد لا يجوز عليه التبعيض ولا على القوة والملك والنعمة والصلة لأن الإشتراك يقع حينئذ بين وليه آدم وعدوه إبليس ويبطل ما ذكر من تفضيله عليه لبطلان معنى التخصيص فلم يبق إلا أن تحمل على صفتين تعلقتا بخلق آدم تشريفا له دون خلق إبليس تعلق القدرة بالمقدور لا من طريق المباشرة ولا من حيث المماسة ومثله ما روي أنه عز اسمه وتعالى علاه وجده أنه كتب التوراة بيده وغرس دار الكرامة بيده لأهل الجنة وغير ذلك تعلق الصفة بمقتضاها قوله تعالى : ( غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ) حذفت الضمة من الياء لثقلها أي غلت في الآخرة ويجوز أن يكون دعاء عليهم وكذا ( ولعنوا بما قالوا ) والمقصود تعليمنا كما قال : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله الفتح علمنا الاستثناء كما علمنا الدعاء على أبي لهب بقوله : تبت يدا أبي لهب المسد وقيل : المراد أنهم أبخل الخلق فلا ترى يهوديا غير لئيم وفي الكلام على هذا القول إضمار الواو أي قالوا : يد الله مغلولة وغلت أيديهم واللعن الإبعاد وقد تقدم قوله تعالى : ( بل يداه مبسوطتان ) ابتداء وخبر أي بل نعمته مبسوطة فاليد بمعنى النعمة قال بعضهم : هذا غلط لقوله : ( بل يداه مبسوطتان ) فنعم الله تعالى أكثر من أن تحصى فكيف تكون بل نعمتاه مبسوطتان وأجيب بأنه يجوز أن يكون هذا تثنية جنس لا تثنية واحد مفرد فيكون مثل قوله عليه السلام : ( مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين ( فأحد الجنسين نعمة الدنيا والثاني نعمة الآخرة وقيل : نعمتا الدنيا النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة كما قال وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة لقمان وروى بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه : ( النعمة الظاهرة ما حسن من خلقك والباطنة ما ستر عليك من سيء عملك ( وقيل : نعمتاه المطر والنبات اللتان النعمة بهما ومنهما وقيل : إن النعمة للمبالغة كقول العرب : لبيك وسعديك وليس يريد الاقتصار على مرتين وقد يقول القائل : ما لي بهذا الأمر يد أي قوة قال السدي معنى قوله ( يداه ) قوتاه بالثواب والعقاب بخلاف ما قالت اليهود : إن يده مقبوضة عن عذابهم وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تعالى قال لي أنفق أنفق عليك ( وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يمين الله ملأى لا يغيضها سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه قال وعرشه على الماء وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض ( السح الصب الكثير ويغيض ينقص ونظير هذا الحديث قوله جل ذكره : والله يقبض ويبسط وأما هذه الآية ففي قراءة بن مسعود ( بل يداه مبسوطتان المائدة ) حكاه الأخفش وقال يقال : يد بسطة أي منطلقة منبسطة ( ينفق كيف يشاء ) أي يرزق كما يريد ويجوز أن تكون اليد في هذه الآية بمعنى القدرة أي قدرته شاملة فإن شاء وسع وإن شاء قتر ( وليزيدن كثيرا منهم ) لام قسم ( ما أنزل إليك من ربك ) أي بالذي أنزل إليك ( طغيانا وكفرا ) أي إذا نزل شيء من القرآن فكفروا ازداد كفرهم ( وألقينا بينهم ) قال مجاهد : أي بين اليهود والنصارى لأنه قال قبل هذا : لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء وقيل : أي ألقينا بين طوائف اليهود كما قال : تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى الحشر فهم متباغضون غير متفقين فهم أبغض خلق الله إلى الناس ( كلما أوقدوا نارا للحرب ) يريد اليهود و ( كلما ) ظرف أي كلما جمعوا وأعدوا شتت الله جمعهم وقيل : إن اليهود لما أفسدوا وخالفوا كتاب الله التوراة أرسل الله عليهم بختنصر ثم أفسدوا فأرسل عليهم بطرس الرومي ثم أفسدوا فأرسل عليهم المجوس ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين فكانوا كلما استقام أمرهم شتتهم الله فكلما أوقدوا نارا أي أهاجوا شرا وأجمعوا أمرهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم ( أطفأها الله ) وقهرهم ووهن أمرهم فذكر النار مستعار قال قتادة : أذلهم الله عز وجل فلقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم وهم تحت أيدي المجوس ثم قال جل وعز : ( ويسعون في الأرض فسادا ) أي يسعون في إبطال الإسلام وذلك من أعظم الفساد والله أعلم وقيل : المراد بالنار هنا نار الغضب أي كلما أوقدوا نار الغضب في أنفسهم وتجمعوا بأبدانهم وقوة النفوس منهم باحتدام نار الغضب أطفاها الله حتى يضعفوا وذلك بما جعله من الرعب نصرة بين يدي نبيه صلى الله عليه وسلم < <

قسم V06/P240–V06/P241Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P240–V06/P241)

المائدة : ( 65 ) ولو أن أهل . . . . . > > < > ( المائده 65 : 66 ) < > قوله تعالى : ( ولو أن اهل الكتاب ) ( أن ) في موضع رفع وكذا ( ولو أنهم أقاموا التوراة ) ( آمنوا ) صدقوا ( واتقوا ) أي الشرك والمعاصي ( لكفرنا عنهم ) اللام جواب ( لو ) وكفرنا غطينا وقد تقدم وإقامة التوراة والإنجيل العمل بمقتضاهما وعدم تحريفهما وقد تقدم هذا المعنى في البقرة مستوفى ( وما أنزل إليهم من ربهم ) أي القرآن وقيل : كتب أنبيائهم ( لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) قال بن عباس وغيره : يعني المطر والنبات وهذا يدل على أنهم كانوا في جدب وقيل : المعنى لوسعنا عليهم في أرزاقهم وأكلوا أكلا متواصلا وذكر فوق وتحت للمبالغة فيما يفتح عليهم من الدنيا ونظير هذه الآية ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب الطلاق وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا الجن ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض فجعل تعالى التقى من أسباب الرزق كما في هذه الآيات ووعد بالمزيد لمن شكر فقال : لئن شكرتم لأزيدنكم إبراهيم ثم أخبر تعالى أن منهم مقتصدا وهم المؤمنون منهم كالنجاشي وسلمان وعبد الله بن سلام اقتصدوا فلم يقولوا في عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام إلا ما يليق بهما وقيل : أراد بالاقتصاد قوما لم يؤمنوا ولكنهم لم يكونوا من المؤذين المستهزئين والله أعلم والاقتصاد الاعتدال في العمل وهو من القصد والقصد إتيان الشيء تقول : قصدته وقصدت له وقصدت إليه بمعنى ( ساء ما يعملون ) أي بئس شيء عملوه كذبوا الرسل وحرفوا الكتب وأكلوا السحت < < المائدة : ( 67 ) يا أيها الرسول . . . . . > > < > ( المائده 67 ) <

قسم V06/P241–V06/P244Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P241–V06/P244)

> فيه مسئلتان : الأولى قوله تعالى : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) قيل : معناه أظهر التبليغ لأنه كان في أول الإسلام يخفيه خوفا من المشركين ثم أمر بإظهاره في هذه الآية وأعلمه الله أنه يعصمه من الناس وكان عمر رضي الله عنه أول من أظهر إسلامه وقال : لا نعبد الله سرا وفي ذلك نزلت : يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين الأنفال فدلت الآية على رد قول من قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من أمر الدين تقية وعلى بطلانه وهم الرافضة ودلت على أنه صلى الله عليه وسلم لم يسر إلى أحد شيئا من أمر الدين لأن المعنى بلغ جميع ما أنزل إليك ظاهرا ولولا هذا ما كان في قوله عز وجل : ( وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) فائدة وقيل : بلغ ما أنزل إليك من ربك في أمر زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها وقيل غير هذا والصحيح القول بالعموم قال بن عباس : المعنى بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك فإن كتمت شيئا منه فما بلغت رسالته وهذا تأديب للنبي صلى الله عليه وسلم وتأديب لحملة العلم من أمته ألا يكتموا شيئا من أمر شريعته وقد علم الله تعالى من أمر نبيه أنه لا يكتم شيئا من وحيه وفي صحيح مسلم عن مسروق عن عائشة أنها قالت : من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الوحي فقد كذب والله تعالى يقول : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) وقبح الله الروافض حيث قالوا : إنه صلى الله عليه وسلم كتم شيئا مما أوحى الله إليه كان بالناس حاجة إليه الثانية قوله تعالى : ( والله يعصمك من الناس ) دليل على نبوته لأن الله عز وجل أخبر أنه معصوم ومن ضمن سبحانه له العصمة فلا يجوز أن يكون قد ترك شيئا مما أمره الله به وسبب نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نازلا تحت شجرة فجاء أعرابي فاخترط سيفه وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : من يمنعك مني فقال : ( الله ( فذعرت يد الأعرابي وسقط السيف من يده وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ذكره المهدوي وذكره القاضي عياض في كتاب الشفاء قال : وقد رويت هذه القصة في الصحيح وأن غورث بن الحارث صاحب القصة وأن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عنه فرجع إلى قومه وقال : جئتكم من عند خير الناس وقد تقدم الكلام في هذا المعنى في هذه السورة عند قوله : إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم مستوفى وفي النساء أيضا في ذكر صلاة الخوف وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة قبل نجد فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في واد كثير العضاة فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها قال : وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن رجلا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف صلتا في يده فقال لي من يمنعك مني قال قلت الله ثم قال في الثانية من يمنعك مني قال قلت الله قال فشام السيف فها هو ذا جالس ( ثم لم يعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعا وعرفت أن من الناس من يكذبني فأنزل الله هذه الآية ( وكان أبو طالب يرسل كل يوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا من بني هاشم يحرسونه حتى نزل ( والله يعصمك من الناس ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا عماه إن الله قد عصمني من الجن والإنس فلا أحتاج إلى من يحرسني ( قلت : وهذا يقتضي أن ذلك كان بمكة وأن الآية مكية وليس كذلك وقد تقدم أن هذه السورة مدنية بإجماع ومما يدل على أن هذه الآية مدنية ما رواه مسلم في الصحيح عن عائشة قالت : سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال : ( ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة ( قالت : فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح فقال : ( من هذا ( قال : سعد بن أبي وقاص فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما جاء بك ( فقال : وقع في نفسي خوف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نام وفي غير الصحيح قالت : فبينما نحن كذلك سمعت صوت السلاح فقال : ( من هذا ( فقالوا : سعد وحذيفة جئنا نحرسك فنام صلى الله عليه وسلم حتى سمعت غطيطه ونزلت هذه الآية فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من قبة أدم وقال : ( إنصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله ( وقرأ أهل المدينة : ( رسالاته ) على الجمع وأبو عمرو وأهل الكوفة : ( رسالته ) على التوحيد قال النحاس : والقراءتان حسنتان والجمع أبين لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي شيئا فشيئا ثم يبينه والإفراد يدل على الكثرة فهي كالمصدر والمصدر في أكثر الكلام لا يجمع ولا يثنى لدلالته على نوعه بلفظه كقوله : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ( إن الله لا يهدي القوم الكافرين ) أي لا يرشدهم وقد تقدم وقيل : أبلغ أنت فأما الهداية فإلينا نظيره ما على الرسول إلا البلاغ والله أعلم < <

قسم V06/P244–V06/P246Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P244–V06/P246)

المائدة : ( 68 ) قل يا أهل . . . . . > > < > ( المائده 68 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قال بن عباس : جاء جماعة من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ألست تقر أن التوراة حق من عند الله قال : ( بلى ( فقالوا : فإنا نؤمن بها ولا نؤمن بما عداها فنزلت الآية أي لستم على شيء من الدين حتى تعملوا بما في الكتابين من الإيمان بمحمد عليه السلام والعمل بما يوجبه ذلك منهما وقال أبو علي : ويجوز أن يكون ذلك قبل النسخ لهما الثانية قوله تعالى : ( وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ) أي يكفرون به فيزدادون كفرا على كفرهم والطغيان تجاوز الحد في الظلم والغلو فيه وذلك أن الظلم منه صغيرة ومنه كبيرة فمن تجاوز منزلة الصغيرة فقد طغى ومنه قوله تعالى كلا إن الإنسان ليطغى العلق أي يتجاوز الحد في الخروج عن الحق الثالثة قوله تعالى : ( فلا تأس على القوم الكافرين ) أي لا تحزن عليهم أسي يأسى أسى إذا حزن قال : وانحلبت عيناه من فرط الأسى وهذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وليس بنهي عن الحزن لأنه لا يقدر عليه ولكنه تسلية ونهي عن التعرض للحزن وقد مضى هذا المعنى في آخر آل عمران مستوفى < < المائدة : ( 69 ) إن الذين آمنوا . . . . . > > < > ( المائده 69 ) < > تقدم الكلام في هذا كله فلا معنى لإعادته ( والذين هادوا ) معطوف وكذا ( والصابئون ) معطوف على المضمر في ( هادوا ) في قول الكسائي والأخفش قال النحاس : سمعت الزجاج يقول وقد ذكر له قول الأخفش والكسائي : هذا خطأ من جهتين إحداهما أن المضمر المرفوع يقبح العطف عليه حتى يؤكد والجهة الأخرى أن المعطوف شريك المعطوف عليه فيصير المعنى أن الصابئين قد دخلوا في اليهودية وهذا محال وقال الفراء : إنما جاز الرفع في ( والصابئون ) لأن ( إن ) ضعيفة فلا تؤثر إلا في الاسم دون الخبر ( والذين ) هنا لا يتبين فيه الإعراب فجرى على جهة واحدة الأمران فجاز رفع الصابئين رجوعا إلى أصل الكلام قال الزجاج : وسبيل ما يتبين فيه الإعراب وما لا يتبين فيه الإعراب واحد وقال الخليل وسيبويه : الرفع محمول على التقديم والتأخير والتقدير : إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون والنصارى كذلك وأنشد سيبويه وهو نظيره : وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق وقال ضابيء البرجمي : فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب وقيل : ( إن ) بمعنى ( نعم ) فالصابئون مرتفع بالابتداء وحذف الخبر لدلالة الثاني عليه فالعطف يكون على هذا التقدير بعد تمام الكلام وانقضاء الاسم والخبر وقال قيس الرقيات بكر العواذل في الصبا ح يلمنني وألومهنه ويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنه قال الأخفش : ( إنه ) بمعنى ( نعم ) وهذه الهاء ) أدخلت للسكت < < المائدة : ( 70 ) لقد أخذنا ميثاق . . . . . > > < > ( المائده 70 ) <

قسم V06/P246–V06/P248Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P246–V06/P248)

> قوله تعالى : ( لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا ) قد تقدم في البقرة معنى الميثاق وهو ألا يعبدوا إلا الله وما يتصل به والمعنى في هذه الآية لا تأس على القوم الكافرين فإنا قد أعذرنا إليهم وأرسلنا الرسل فنقضوا العهود وكل هذا يرجع إلى ما افتتحت به السورة وهو قوله : ( أوفوا بالعقود ) ( كلما جاءهم ) أي اليهود ( رسول بما لاتهوى أنفسهم ) ولا يوافق هواهم ( فريقا كذبوا وفريقا يقتلون ) أي كذبوا فريقا وقتلوا فريقا فمن كذبوه عيسى ومن مثله من الأنبياء وقتلوا زكريا ويحيى وغيرهما من الأنبياء وإنما قال : ( يقتلون ) لمراعاة رأس الآية وقيل : أراد فريقا كذبوا وفريقا قتلوا وفريقا يكذبون وفريقا يقتلون فهذا دأبهم وعادتهم فاختصر وقيل : فريقا كذبوا لم يقتلوهم وفريقا قتلوهم فكذبوا و ( يقتلون ) نعت لفريق والله أعلم < < المائدة : ( 71 ) وحسبوا ألا تكون . . . . . > > < > ( المائده 71 ) < > قوله تعالى : ( وحسبوا ألا تكون فتنة ) المعنى ظن هؤلاء الذين أخذ عليهم الميثاق أنه لا يقع من الله عز وجل ابتلاء واختبار بالشدائد اغترارا بقولهم : نحن أبناء الله وأحباؤه وإنما اغتروا بطول الإمهال وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ( تكون ) بالرفع ونصب الباقون فالرفع على أن حسب بمعنى علم وتيقن و ( أن ) مخففة من الثقيلة ودخول ( لا ) عوض من التخفيف وحذف الضمير لأنهم كرهوا أن يليها الفعل وليس من حكمها أن تدخل عليه ففصلوا بينهما ب لا ) ومن نصب جعل ( أن ) ناصبة للفعل وبقي حسب على بابه من الشك وغيره قال سيبويه : حسبت ألا يقول ذلك أي حسبت أنه قال ذلك وإن شئت نصبت قال النحاس : والرفع عند النحويين في حسب وأخواتها أجود كما قال : ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وألا يشهد اللهو أمثالي وإنما صار الرفع أجود لأن حسب وأخواتها بمنزلة العلم لأنه شيء ثابت قوله تعالى : ( فعموا ) أي عن الهدى ( وصموا ) أي عن سماع الحق لأنهم لم ينتفعوا بما رأوه ولا سمعوه ( ثم تاب الله عليهم ) في الكلام إضمار أي أوقعت بهم الفتنة فتابوا فتاب الله عليهم بكشف القحط أو بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم يخبرهم بأن الله يتوب عليهم إن آمنوا فهذا بيان ( تاب الله عليهم ) أي يتوب عليهم إن آمنوا وصدقوا لا أنهم تابوا على الحقيقة ( ثم عموا وصموا كثير منهم ) أي عمي كثير منهم وصم بعد تبين الحق لهم بمحمد عليه الصلاة والسلام فارتفع ( كثير ) على البدل من الواو وقال الأخفش سعيد : كما تقول رأيت قومك ثلثيهم وإن شئت كان على إضمار مبتدأ أي العمي والصم كثير منهم وإن شئت كان التقدير العمي والصم منهم كثير وجواب رابع أن يكون على لغة من قال : أكلوني البراغيث وعليه قول الشاعر : ولكن ديافي أبوه وأمه بحوران يعصرن السليط أقاربه ومن هذا المعنى قوله : ( وأسروا النجوى الذين ظلموا ) ويجوز في غير القرآن ( كثيرا ) بالنصب يكون نعتا لمصدر محذوف < < المائدة : ( 72 ) لقد كفر الذين . . . . . > > < > ( المائده 72 ) <

قسم V06/P248–V06/P249Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P248–V06/P249)

> قوله تعالى : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم ) هذا قول اليعقوبية فرد الله عليهم ذلك بحجة قاطعة مما يقرون به فقال : ( وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم ) أي إذا كان المسيح يقول : يا رب ويا الله فكيف يدعو نفسه أم كيف يسألها هذا محال ( إنه من يشرك بالله ) قيل : وهو من قول عيسى وقيل : ابتداء كلام من الله تعالى والإشراك أن يعتقد معه موجدا وقد مضى في آل عمران القول في اشتقاق المسيح فلا معنى لإعادته ( وما للظالمين من أنصار ) < < المائدة : ( 73 ) لقد كفر الذين . . . . . > > < > ( المائده 73 : 74 ) < > قوله تعالى : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) أي أحد ثلاثة ولا يجوز فيه التنوين عن الزجاج وغيره وفيه للعرب مذهب آخر يقولون : رابع ثلاثة فعلى هذا يجوز الجر والنصب لأن معناه الذي صير الثلاثة أربعة بكونه منهم وكذلك إذا قلت : ثالث اثنين جاز التنوين وهذا قول فرق النصارى من الملكية والنسطورية واليعقوبية لأنهم يقولون أب وبن وروح القدس إله واحد ولا يقولون ثلاثة آلهة وهو معنى مذهبهم وإنما يمتنعون من العبارة وهي لازمة لهم وما كان هكذا صح أن يحكى بالعبارة اللازمة وذلك أنهم يقولون : إن الابن إله والأب إله وروح القدس إله وقد تقدم القول في هذا في النساء فأكفرهم الله بقولهم هذا وقال : ( وما من إله إلا إله واحد ) أي أن الإله لا يتعدد وهم يلزمهم القول بثلاثة آلهة كما تقدم وإن لم يصرحوا بذلك لفظا وقد مضى في البقرة معنى الواحد و ( من ) زائدة ويجوز في غير القرآن ( إلها واحدا ) على الاستثناء وأجاز الكسائي الخفض على البدل قوله تعالى : ( وإن لم ينتهوا ) أي يكفوا عن القول بالتثليث ليمسنهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ( أفلا يتوبون ) تقرير وتوبيخ أي فليتوبوا إليه وليسألوه ستر ذنوبهم والمراد الكفرة منهم وإنما خص الكفرة بالذكر لأنهم القائلون بذلك دون المؤمنين < < المائدة : ( 75 ) ما المسيح ابن . . . . . > > < > ( المائده 75 ) <

قسم V06/P249–V06/P251Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V06/P249–V06/P251)

> قوله تعالى : ( ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) ابتداء وخبر أي ما المسيح وإن ظهرت الآيات على يديه فإنما جاء بها كما جاءت بها الرسل فإن كان إلها فليكن كل رسول إلها فهذا رد لقولهم واحتجاج عليهم ثم بالغ في الحجة فقال : ( وأمه صديقة ) ابتداء وخبر ( كانا يأكلان الطعام ) أي أنه مولود مربوب ومن ولدته النساء وكان يأكل الطعام مخلوق محدث كسائر المخلوقين ولم يدفع هذا أحد منهم فمتى يصلح المربوب لأن يكون ربا وقولهم : كان يأكل بناسوته لا بلاهوته فهذا منهم مصير إلى الاختلاط ولا يتصور اختلاط إله بغير إله ولو جاز اختلاط القديم بالمحدث لجاز أن يصير القديم محدثا ولو صح هذا في حق عيسى لصح في حق غيره حتى يقال : اللاهوت مخالط لكل محدث وقال بعض المفسرين في قوله : ( كانا يأكلان الطعام ) إنه كناية عن الغائط والبول وفي هذا دلالة على أنهما بشران وقد استدل من قال : إن مريم عليها السلام لم تكن نبية بقوله تعالى : ( وأمه صديقة ) قلت : وفيه نظر فإنه يجوز أن تكون صديقة مع كونها نبية كإدريس عليه السلام وقد مضى في آل عمران ما يدل على هذا والله أعلم وإنما قيل لها صديقة لكثرة تصديقها بآيات ربها وتصديقها ولدها فيما أخبرها به عن الحسن وغيره والله أعلم قوله تعالى : ( أنظر كيف نبين لهم الآيات ) أي الدلالات ( ثم انظر أنى يؤفكون ) أي كيف يصرفون عن الحق بعد هذا البيان يقال : أفكه يأفكه إذا صرفه وفي هذا رد على القدرية والمعتزلة < < المائدة : ( 76 ) قل أتعبدون من . . . . . > > < > ( المائده 76 ) < > قوله تعالى : ( قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا ) زيادة في البيان وإقامة حجة عليهم أي أنتم مقرون أن عيسى كان جنينا في بطن أمه لا يملك لأحد ضرا ولا نفعا وإذ أقررتم أن عيسى كان في حال من الأحوال لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا ينفع ولا يضر فكيف اتخذتموه إلها ( والله هو السميع العليم ) أي لم يزل سميعا عليما يملك الضر والنفع ومن كانت هذه صفته فهو الإله على الحقيقة والله أعلم < < المائدة : ( 77 ) قل يا أهل . . . . . > > < > ( المائده 77 ) < > قوله تعالى : ( قل يأهل الكتاب لاتغلوا في دينكم غير الحق ) أي لا تفرطوا كما أفرطت اليهود والنصارى في عيسى غلو اليهود قولهم في عيسى ليس ولد رشدة وغلو النصارى قولهم : أنه إله والغلو مجاوزة الحد وقد تقدم في النساء بيانه قوله تعالى : ( ولا تتبعوا أهواء قوم ) ألاهواء جمع هوى وقد تقدم في البقرة وسمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار ( قد ضلوا من قبل ) قال مجاهد والحسن : يعني اليهود ( وأضلوا كثيرا ) أي أضلوا كثيرا من الناس ( وضلوا عن سواء السبيل ) أي عن قصد طريق محمد صلى الله عليه وسلم وتكرير ضلوا على معنى أنهم ضلوا من قبل وضلوا من بعد والمراد الأسلاف الذين سنوا الضلالة وعملوا بها من رؤساء اليهود والنصارى < < المائدة : ( 78 ) لعن الذين كفروا . . . . . > > < > ( المائده 78 ) <

%0
10 Bölüm

الأسئلة