الأنعام : ( 164 ) قل أغير الله . . . . . > > < > ( الانعام 164 ) <
Kurtubî - el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân
İmam Kurtubî · AR
> قوله تعالى : ( قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ) أي مالكه روى أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ارجع يا محمد إلى ديننا واعبد آلهتنا واترك ما أنت عليه ونحن نتكفل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وآخرتك فنزلت الآية وهي استفهام يقتضي التقرير والتوبيخ وغير نصب ب أبغي وربا تمييز قوله تعالى : ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ) فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ولا تكسب كل نفس إلا عليها أي لا ينفعني في ابتغاء رب غير الله كونكم على ذلك إذ لا تكسب كل نفس إلا عليها أي لا يؤخذ بما أتت من المعصية وركبت من الخطيئة سواها الثانية وقد استدل بعض العلماء من المخالفين بهذه الآية على أن بيع الفضولي لا يصح وهو قول الشافعي وقال علماؤنا : المراد من الآية تحمل الثواب والعقاب دون أحكام الدنيا بدليل قوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى على ما يأتي وبيع الفضولي عندنا موقوف على إجازة المالك فإن أجازه جاز هذا عروة البارقي قد باع للنبي صلى الله عليه وسلم واشتري وتصرف بغير أمره فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم وبه قال أبو حنيفة وروى البخاري والدارقطني عن عروة بن أبي الجعد قال : عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جلب فأعطاني دينارا وقال : ( أي عروة آيت الجلب فاشتر لنا شاة بهذا الدينار ( فأتيت الجلب فساومت فاشتريت شاتين بدينار فجئت أسوقهما أو قال أقودهما فلقيني رجل في الطريق فساومني فبعته إحدى الشاتين بدينار وجئت بالشاة الأخرى وبدينار فقلت : يا رسول الله هذه الشاة وهذا ديناركم قال : ( كيف صنعت ( فحدثته الحديث قال : ( اللهم بارك له في صفقة يمينه ( قال : فلقد رأيتني أقف في كناسة الكوفة فأربح أربعين ألفا قبل أن أصل إلى أهلي لفظ الدارقطني قال أبو عمر : وهو حديث جيد وفيه صحة ثبوت النبي صلى الله عليه وسلم للشاتين ولولا ذلك ما أخذ منه الدينار ولا أمضى له البيع وفيه دليل على جواز الوكالة ولا خلاف فيها بين العلماء فإذا قال الموكل لوكيله : اشتر كذا فاشترى زيادة على ما وكل به فهل يلزم ذلك الأمر أم لا كرجل قال لرجل : اشتر بهذا الدرهم رطل لحم صفته كذا فاشترى له أربعة أرطال من تلك الصفة بذلك الدرهم فالذي عليه مالك وأصحابه أن الجميع يلزمه إذا وافق الصفة ومن جنسها لأنه محسن وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن وقال أبو حنيفة : الزيادة للمشتري وهذا الحديث حجة عليه قوله تعالى : ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى أي لا تؤخذ نفس بذنب غيرها بل كل نفس مأخوذة بجرمها ومعاقبة بإثمها وأصل الوزر الثقل ومنه قوله تعالى : ووضعنا عنك وزرك الشرح وهو هنا الذنب كما قال تعالى : وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم وقد تقدم قال الأخفش : يقال وزر يوزر ووزر يزر ووزر يوزر وزرا ويجوز إزرا كما يقال : إسادة والآية نزلت في الوليد بن المغيرة كان يقول : اتبعوا سبيلي أحمل أوزاركم ذكره بن عباس وقيل : إنها نزلت ردا على العرب في الجاهلية من مؤاخذة الرجل بأبيه وبابنه وبجريرة حليفه قلت : ويحتمل أن يكون المراد بهذه الآية في الآخرة وكذلك التي قبلها فأما التي في الدنيا فقد يؤاخذ فيها بعضهم بجرم بعض لا سيما إذا لم ينه الطائعون العاصين كما تقدم في حديث أبي بكر في قوله : ( عليكم أنفسكم ( المائدة وقوله تعالى : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة الأنفال إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم الرعد وقالت زينب بنت جحش : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال : ( نعم إذا كثر الخبث ( قال العلماء : معناه أولاد الزنى والخبث ( بفتح الباء ) أسم للزنى فأوجب الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم دية الخطأ على العاقلة حتى لا يطل دم الحر المسلم تعظيما للدماء وأجمع أهل العلم على ذلك من غير خلاف بينهم في ذلك فدل على ما قلناه وقد يحتمل أن يكون هذا في الدنيا في ألا يؤاخذ زيد بفعل عمرو وأن كل مباشر لجريمة فعليه مغبتها وروى أبو داود عن أبي رمثة قال : انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي : ( ابنك هذا ( قال : إي ورب الكعبة قال : ( حقا ( قال : أشهد به قال : فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم ضاحكا من ثبت شبهي في أبي ومن حلف أبي علي ثم قال : ( أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه ( وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تزر وازرة وزر أخرى ولا يعارض ما قلناه أولا بقوله : وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم العنكبوت فإن هذا مبين في الآية الأخرى قوله : ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم فمن كان إماما في الضلالة ودعا إليها واتبع عليها فإنه يحمل وزر من أضله من غير أن ينقص من وزر المضل شيء على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى < <
الأنعام : ( 165 ) وهو الذي جعلكم . . . . . > > < > ( الانعام 165 ) < > قوله تعالى : ( وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض ) خلائف جمع خليفة ككرائم جمع كريمة وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة أي جعلكم خلفا للأمم الماضية والقرون السالفة قال الشماخ : تصيبهم وتخطئني المنايا وأخلف في ربوع عن ربوع ( ورفع بعضكم فوق بعض ) في الخلق الرزق والقوة والبسطة والفضل والعلم ( درجات ) نصب بإسقاط الخافض أي إلى درجات ( ليبلوكم ) نصب بلام كي والابتلاء الأختبار أي ليظهر منكم ما يكون غايته الثواب والعقاب ولم يزل بعلمه غنيا فابتلى الموسر بالغني وطلب منه الشكر وابتلى المعسر بالفقر وطلب منه الصبر ويقال : ليبلوكم أي بعضكم ببعض كما قال : وجعلنا بعضكم لبعض فتنة الفرقان على ما يأتي بيانه ثم خوفهم فقال : ( إن ربك سريع العقاب ) لمن عصاه ( وإنه لغفور رحيم ) لمن أطاعه وقال : سريع العقاب مع وصفه سبحانه بالإمهال ومع أن عقاب النار في الآخرة لأن كل آت قريب فهو سريع على هذا كما قال تعالى : وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب وقال : يرونه بعيدا ونراه قريبا المعارج ويكون أيضا سريع العقاب لمن استحقه في دار الدنيا فيكون تحذيرا لمواقع الخطيئة على هذه الجهة والله أعلم تمت سورة الأنعام بحمد الله تعالى وصلواته على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا < > بسم الله الرحمن الرحيم < > < > تفسير سورة الأعراف < > هي مكية إلا ثمان آيات وهي قوله تعالى : واسألهم عن القرية إلى قوله : وإذ نتقنا الجبل فوقهم وروى النسائي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف فرقها في ركعتين صححه أبو محمد عبدالحق < < الأعراف : ( 1 ) المص > > < > ( الاعراف 1 : 2 ) < > قوله تعالى : ( المص ) تقدم في أول البقرة أو تكون رفعا على الابتداء والخبر ذلك كما تقول زيد ذلك الرجل وقال بن كيسان النحوي الم في موضع نصب كما تقول اقرأ الم أو عليك الم وقيل في موضع خفض بالقسم لقول بن عباس إنها أقسام أقسم الله بها وكتاب ) خبره كأنه قال : المص حروف ( كتاب إنزل إليك ) وقال الكسائي : أي هذا كتاب قوله تعالى : ( فلا يكن في صدرك حرج منه ) فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( حرج ) أي ضيق أي لا يضيق صدرك بالإبلاغ لأنه روي عنه عليه السلام أنه قال : ( إني أخاف أن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة ( الحديث خرجه مسلم قال الكيا : فظاهره النهي ومعناه نفي الحرج عنه أي لا يضيق صدرك ألا يؤمنوا به فإنما عليك البلاغ وليس عليك سوى الإنذار به من شيء من إيمانهم أو كفرهم ومثله قوله تعالى : فلعلك باخع نفسك الكهف الآية وقال : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ومذهب مجاهد وقتادة أن الحرج هنا الشك وليس هذا شك الكفر إنما هو شك الضيق وكذلك قوله تعالى : ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون وقيل : الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته وفيه بعد والهاء في منه للقرآن وقيل للإنذار أي أنزل إليك الكتاب لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج منه فالكلام فيه تقديم وتأخير وقيل للتكذيب الذي يعطيه قوة الكلام أي فلا يكن في صدرك ضيق من تكذيب المكذبين له الثانية قوله تعالى : ( وذكرى ) يجوز أن يكون في موضع رفع ونصب وخفض فالرفع من وجهين قال البصريون : هي رفع على إضمار مبتدأ وقال الكسائي : عطف على كتاب والنصب من وجهين على المصدر أي وذكر به ذكرى قال البصريون وقال الكسائي : عطف على الهاء في أنزلناه والخفض حملا على موضع لتنذر به والإنذار للكافرين والذكرى للمؤمنين لأنهم المنتفعون به < <
الأعراف : ( 3 ) اتبعوا ما أنزل . . . . . > > < > ( الاعراف 3 ) < > فيه مسألتاه : الأولى قوله تعالى : ( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ) يعني الكتاب والسنة قال الله تعالى : وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا الحشر وقالت فرقة : هذا أمر يعم النبي صلى الله عليه وسلم وأمته والظاهر أنه أمر لجميع الناس دونه أي اتبعوا ملة الإسلام والقرآن وأحلوا حلاله وحرموا حرامه وامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه ودلت الآية على ترك اتباع الآراء مع وجود النص الثانية قوله تعالى : ( ولا تتبعوا من دونه أولياء ) من دونه من غيره والهاء تعود على الرب سبحانه والمعنى : لا تعبدوا معه غيره ولا تتخذوا من عدل عن دين الله وليا وكل من رضي مذهبا فأهل ذلك المذهب أولياؤه وروي عن مالك بن دينار أنه قرأ ولا تبتغوا من دونه أولياء أي ولا تطلبوا ولم ينصرف أولياء لأن فيه ألف التأنيث وقيل : تعود على ما من قوله : اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ( قليلا ما تذكرون ) ما زائدة وقيل : تكون مع الفعل مصدرا < < الأعراف : ( 4 ) وكم من قرية . . . . . > > < > ( الاعراف 4 : 5 ) < > قوله تعالى : ( وكم من قرية أهلكناها ) كم للتكثير كما أن رب للتقليل وهي في موضع رفع بالأبتداء وأهلكنا الخبر أي وكثير من القرى وهي مواضع اجتماع الناس أهلكناها ويجوز النصب بإضمار فعل بعدها ولا يقدر قبلها لأن الأستفهام لا يعمل فيه ما قبله ويقوي الأول قوله : وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح ولولا اشتغال أهلكنا بالضمير لانتصب به موضع كم ويجوز أن يكون أهلكنا صفة للقرية وكم في المعنى هي القرية فإذا وصفت القرية فكأنك قد وصفت كم يدل على ذلك قوله تعالى : وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا النجم فعاد الضمير على كم على المعنى إذ كانت الملائكة في المعنى فلا يصح على هذا التقدير أن يكون كم في موضع نصب بإضمار فعل بعدها ( فجاءها بأسنا ) فيه إشكال للعطف بالفاء فقال الفراء : الفاء بمعنى الواو فلا يلزم الترتيب وقيل : أي وكم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا كقوله : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم وقيل : إن الهلاك واقع ببعض القوم فيكون التقدير : وكم من قرية أهلكنا بعضها فجاءها بأسنا فأهلكنا الجميع وقيل : المعنى وكم من قرية أهلكناها في حكمنا فجاءها بأسنا وقيل : أهلكناها بإرسالنا ملائكة العذاب إليها فجاءها بأسنا وهو الاستئصال والبأس : العذاب الآتي على النفس وقيل : المعنى أهلكناها فكان إهلاكنا إياهم في وقت كذا فمجيء البأس على هذا هو الإهلاك وقيل : البأس غير الإهلاك كما ذكرنا وحكى الفراء أيضا أنه إذا كان معنى الفعلين واحدا أو كالواحد قدمت أيهما شئت فيكون المعنى وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها مثل دنا فقرب وقرب فدنا وشتمني فأساء وأساء فشتمني لأن الإساءة والشتم شيء واحد وكذلك قوله : اقتربت الساعة وانشق القمر القمر المعنى والله أعلم انشق القمر فاقتربت الساعة والمعنى واحد ( بياتا ) أي ليلا ومنه البيت لأنه يبات فيه يقال : بات يبيت بيتا وبياتا ( أو هم قائلون ) أي أو وهم قائلون فاستثقلوا فحذفوا الواو قاله الفراء وقال الزجاج : هذا خطأ إذا عاد الذكر استغنى عن الواو تقول : جاءني زيد راكبا أو هو ماش ولا يحتاج إلى الواو قال المهدوي : ولم يقل بياتا أو وهم قائلون لأن في الجملة ضميرا يرجع إلى الأول فاستغنى عن الواو وهو معنى قول الزجاج سواء وليس أو للشك بل للتفصيل كقولك : لأكرمنك منصفا لي أو ظالما وهذه الواو تسمى عند النحويين واو الوقت وقائلون من القائلة وهي القيلولة وهي نوم نصف النهار وقيل : الإستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن معها نوم والمعنى : جاءهم عذابنا وهم غافلون إما ليلا وإما نهارا والدعوى الدعاء ومنه قول : وآخر دعواهم يونس وحكى النحويون : اللهم أشركنا في صالح دعوى من دعاك وقد تكون الدعوى بمعنى الأدعاء والمعنى : أنهم لم يخلصوا عند الإهلاك إلا على الإقرار بأنهم كانوا ظالمين و دعواهم ) في موضع نصب خبر كان وأسمها ( إلا أن قالوا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين المعنى أنهم لم يخلصوا عند الإهلاك إلا على الإقرار بأنهم كانوا ظالمين ) نظيره فما كان جواب قومه إلا أن قالوا النمل ويجوز أن تكون الدعوى رفعا وأن قالوا نصبا كقول تعالى : ليس البر أن تولوا برفع البر وقوله : ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى أن كذبوا الروم برفع عاقبة < <
الأعراف : ( 6 ) فلنسألن الذين أرسل . . . . . > > < > ( الاعراف 6 : 7 ) < > قوله تعالى : ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ) دليل على أن الكفار يحاسبون وفي التنزيل ثم إن علينا حسابهم الغاشية وفي سورة القصص ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون القصص يعني إذا استقروا في العذاب والآخرة مواطن : موطن يسألون فيه للحساب وموطن لا يسألون فيه وسؤالهم سؤال تقرير وتوبيخ وإفضاح وسؤال الرسل سؤال استشهاد بهم وإفصاح أي عن جواب القوم لهم وهو معنى قوله : ليسأل الصادقين عن صدقهم على ما يأتي وقيل : المعنى فلنسألن الذين أرسل إليهم أي الأنبياء ولنسألن المرسلين أي الملائكة الذين أرسلوا إليهم واللام في فلنسألن لام القسم وحقيقتها التوكيد وكذا ( فلنقصن عليهم بعلم ) قال بن عباس : ينطق عليهم ( وما كنا غائبين ) أي كنا شاهدين لأعمالهم ودلت الآية على أن الله تعالى عالم بعلم < < الأعراف : ( 8 ) والوزن يومئذ الحق . . . . . > > < > ( الاعراف 8 : 9 ) <
> قوله تعالى : ( والوزن يومئذ الحق ) ابتداء وخبر ويجوز أن يكون الحق نعته والخبر يومئذ ويجوز نصب الحق على المصدر والمراد بالوزن وزن أعمال العباد بالميزان قال بن عمر : توزن صحائف أعمال العباد وهذا هو الصحيح وهو الذي ورد به الخبر على ما يأتي وقيل : الميزان الكتاب الذي فيه أعمال الخلق وقال مجاهد : الميزان الحسنات والسيئات بأعيانها وعنه أيضا والضحاك والأعمش : الوزن والميزان بمعنى العدل والقضاء وذكر الوزن ضرب مثل كما تقول : هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه أي يعادله ويساويه وإن لم يكن هناك وزن قال الزجاج : هذا سائغ من جهة اللسان والأولى أن يتبع ما جاء في الأسانيد الصحاح من ذكر الميزان قال القشيري : وقد أحسن فيما قال إذ لو حمل الميزان على هذا فليحمل الصراط على الدين الحق والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة والملائكة على القوى المحمودة وقد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر وصارت هذه الظواهر نصوصا قال بن فورك : وقد أنكرت المعتزلة الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها إذ لا تقوم بأنفسها ومن المتكلمين من يقول : إن الله تعالى يقلب الأعراض أجساما فيزنها يوم القيامة وهذا ليس بصحيح عندنا والصحيح أن الموازين تثقل بالكتب التي فيها الأعمال مكتوبة وبها تخف وقد روي في الخبر ما يحقق ذلك وهو أنه روي ( أن ميزان بعض بني آدم كاد يخف بالحسنات فيوضع فيه رق مكتوب فيه لا إله إلا الله فيثقل ( فقد علم أن ذلك يرجع إلى وزن ما كتب فيه الأعمال لا نفس الأعمال وأن الله سبحانه يخفف الميزان إذا أراد ويثقله إذا أراد بما يوضع في كفتيه من الصحف التي فيها الأعمال وفي صحيح مسلم عن صفوان بن محرز قال قال رجل لابن عمر : كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى قال سمعته يقول : ( يدني المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول هل تعرف فيقول أي رب أعرف قال فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم فيعطى صحيفة حسناته وأما الكفار والمنافقون فينادي بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله ( فقوله : ( فيعطى صحيفة حسناته دليل على أن الأعمال تكتب في الصحف وتوزن وروى بن ماجة من حديث عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق فينشر عليه تسعة وتسعو سجلا كل سجل مد البصر ثم يقول الله تبارك وتعالى هل تنكر من هذا شيئا فيقول لا يا رب فيقول أظلمتك كتبتي الحافظون فيقول لا ثم يقول ألك عذر ألك حسنة فيهاب الرجل فيقول لا فيقول بلى إن لك عندنا حسنات وإنه لا ظلم عليك اليوم فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقول إنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ( زاد الترمذي ( فلا يثقل مع أسم الله شيء ( وقال : حديث حسن غريب وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في الكهف والأنبياء إن شاء الله تعالى قوله تعالى : ( فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون ) موازينه جمع ميزان وأصله موزان قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها وقيل : يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله ويمكن أن يكون ذلك ميزانا واحدا عبر عنه بلفظ الجمع كما تقول : خرج فلان إلى مكة على البغال وخرج إلى البصرة في السفن وفي التنزيل : كذبت قوم نوح المرسلين كذبت عاد المرسلين وإنما هو رسول واحد في أحد التأويلين وقيل : الموازين جمع موزون لا جمع ميزان أراد بالموازين الأعمال الموزونة ومن خفت موازينه مثله قال بن عباس : توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته فذلك قوله : فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون يؤتى بعمل الكافر في أقبح صورة فيوضع في كفة الميزان فيخف وزنه حتى يقع في النار وما أشار إليه بن عباس قريب مما قيل : يخلق الله تعالى كل جزء من أعمال العباد جوهرا فيقع الوزن على تلك الجواهر ورده بن فورك وغيره وفي الخبر ( إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت فيقول أنا محمد نبيك وهذه صلواتك التي كنت تصلي علي قد وفيتك أحوج ما تكون إليها ( ذكره القشيري في تفسيره وذكر أن البطاقة ( بكسر الباء ) رقعة فيها رقم المتاع بلغة أهل مصر وقال بن ماجة : قال محمد بن يحيى : البطاقة الرقعة وأهل مصر يقولون للرقعة بطاقة وقال حذيفة : صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام يقول الله تعالى : يا جبريل زن بينهم فرد من بعض على بعض قال : وليس ثم ذهب ولا فضة فإن كان للظالم حسنات أخذ من حسناته فرد على المظلوم وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتحمل على الظالم فيرجع الرجل وعليه مثل الجبال وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن الله تعالى يقول يوم القيامة يا آدم ابرز إلى جانب الكرسي عند الميزان وانظر ما يرفع إليك من أعمال بنيك فمن رجح خيره على شره مثقال حبة فله الجنة ومن رجح شره على خيره مثقال حبة فله النار حتى تعلم أني لا أعذب إلا ظالما ( < <
الأعراف : ( 10 ) ولقد مكناكم في . . . . . > > < > ( الاعراف 10 ) < > أي جعلناها لكم قرارا ومهادا وهيأنا لكم فيها أسباب المعيشة والمعايش جمع معيشة أي ما يتعيش به من المطعم والمشرب وما تكون به الحياة يقال : عاش يعيش عيشا ومعاشا ومعيشا ومعيشة وعيشة وقال الزجاج : المعيشة ما يتوصل به إلى العيش ومعيشة في قول الأخفش وكثير من النحويين مفعلة وقرأ الأعرج : معائش بالهمز وكذا روى خارجة بن مصعب عن نافع قال النحاس : والهمز لحن لا يجوز لأن الواحدة معيشة أصلها معيشة فزيدت ألف الوصل وهي ساكنة والياء ساكنة فلا بد من تحريك إذ لا سبيل إلى الحذف والألف لا تحرك فحركت الياء بما كان يجب لها في الواحد ونظيره من الواو منارة ومناور ومقام ومقاوم كما قال الشاعر : وإني لقوام مقاوم لم يكن جرير ولا مولى جرير يقومها وكذا مصيبة ومصاوب هذا الجيد ولغة شاذة مصائب قال الأخفش : إنما جاز مصائب لأن الواحدة معتلة قال الزجاج : هذا خطأ يلزمه عليه أن يقول مقائم ولكن القول أنه مثل وسادة وإسادة وقيل : لم يجز الهمز في معايش لأن المعيشة مفعلة فالياء أصلية وإنما يهمز إذا كانت الياء زائدة مثل مدينة ومدائن وصحيفة وصحائف وكريمة وكرائم ووظيفة ووظائف وشبه < < الأعراف : ( 11 ) ولقد خلقناكم ثم . . . . . > > < > ( الاعراف 11 ) < > قوله تعالى : ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ) لما ذكر نعمه ذكر ابتداء خلقه وقد تقدم معنى الخلق في غير موضع ثم صورناكم أي خلقناكم نطفا ثم صورناكم ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم وعن بن عباس والضحاك وغيرهما : المعنى خلقنا آدم ثم صورناكم في ظهره وقال الأخفش : ثم بمعنى الواو وقيل : المعنى ولقد خلقناكم يعني آدم عليه السلام ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ثم صورناكم على التقديم والتأخير وقيل : ولقد خلقناكم يعني آدم ذكر بلفظ الجمع لأنه أبو البشر ثم صورناكم راجع إليه أيضا كما يقال : نحن قتلناكم أي قتلنا سيدكم ( ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) وعلى هذا لا تقديم ولا تأخير عن بن عباس أيضا وقيل : المعنى ولقد خلقناكم يريد آدم وحواء فآدم من التراب وحواء من ضلع من أضلاعه ثم وقع التصوير بعد ذلك فالمعنى : ولقد خلقنا أبويكم ثم صورناهما قاله الحسن وقيل : المعنى خلقناكم في ظهر آدم ثم صورناكم حين أخذنا عليكم الميثاق هذا قول مجاهد رواه عنه بن جريج وبن أبي نجيح قال النحاس : وهذا أحسن الأقوال يذهب مجاهد إلى أنه خلقهم في ظهر آدم ثم صورهم حين أخذ عليهم الميثاق ثم كان السجود بعد ويقوي هذا وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم والحديث ( أنه أخرجهم أمثال الذر فأخذ عليهم الميثاق ( وقيل : ثم للإخبار أي ولقد خلقناكم يعني في ظهر آدم صلى الله عليه وسلم ثم صورناكم أي في الأرحام قال النحاس : هذا صحيح عن بن عباس قلت : كل هذه الأقوال محتمل والصحيح منها ما يعضده التنزيل قال الله تعالى : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين يعني آدم وقال : وخلق منها زوجها ثم قال : جعلناه أي جعلنا نسله وذريته نطفة في قرار مكين الآية فآدم خلق من طين ثم صور وأكرم بالسجود وذريته صوروا في أرحام الأمهات بعد أن خلقوا فيها وفي أصلاب الآباء وقد تقدم في أول سورة الأنعام أن كل إنسان مخلوق من نطفة وتربة فتأمله وقال هنا : خلقناكم ثم صورناكم وقال في آخر الحشر : هو الله الخالق البارئ المصور الحشر فذكر التصوير بعد البرء وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى وقيل : معنى ولقد خلقناكم أي خلقنا الأرواح أولا ثم صورنا الأشباح آخرا قوله تعالى : ( إلا إبليس لم يكن من الساجدين ) استثناء من غير الجنس وقيل : من الجنس وقد اختلف العلماء : هل كان من الملائكة أم لا كما سبق بيانه في البقرة < <
الأعراف : ( 12 ) قال ما منعك . . . . . > > < > ( الاعراف 12 ) <
> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ما منعك ) ما في موضع رفع بالأبتداء أي أي شيء منعك وهذا سؤال توبيخ ( ألا تسجد ) في موضع نصب أي من أن تسجد ولا زائدة وفي ص ما منعك أن تسجد ص وقال الشاعر : أبى جوده لا البخل فاستعجلت به نعم من فتى لا يمنع الجود نائله أراد أبي جوده البخل فزاد لا وقيل : ليست بزائدة فإن المنع فيه طرف من القول والدعاء فكأنه قال : من قال لك ألا تسجد أو من دعاك إلى ألا تسجد كما تقول : قد قلت لك ألا تفعل كذا وقيل : في الكلام حذف والتقدير : ما منعك من الطاعة وأحوجك إلى ألا تسجد قال العلماء : الذي أحوجه إلى ترك السجود هو الكبر والحسد وكان أضمر ذلك في نفسه إذا أمر بذلك وكان أمره من قبل خلق آدم يقول الله تعالى : إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ص فكأنه دخله أمر عظيم من قوله فقعوا له ساجدين فإن في الوقوع توضيع الواقع وتشريفا لمن وقع له فأضمر في نفسه ألا يسجد إذا أمره في ذلك الوقت فلما نفخ فيه الروح وقعت الملائكة سجدا وبقي هو قائما بين أظهرهم فأظهر بقيامه وترك السجود ما في ضميره فقال الله تعالى : ما منعك ألا تسجد أي ما منعك من الأنقياد لأمري فأخرج سر ضميره فقال : أنا خير منه الثانية قوله تعالى : ( إذ أمرتك ) يدل على ما يقوله الفقهاء من أن الأمر يقتضي الوجوب بمطلقه من غير قرينة لأن الذم علق على ترك الأمر المطلق الذي هو قوله عز وجل للملائكة : اسجدوا لآدم وهذا بين الثالثة قوله تعالى : ( قال أنا خير منه ) أي منعني من السجود فضلي عليه فهذا من إبليس جواب على المعنى كما تقول : لمن هذه الدار فيقول المخاطب : مالكها زيد فليس هذا عين الجواب بل هو كلام يرجع إلى معنى الجواب ( خلقتني من نار وخلقته من طين ) فرأى أن النار أشرف من الطين لعلوها وصعودها وخفتها ولأنها جوهر مضيء قال بن عباس والحسن وبن سيرين : أول من قاس إبليس فأخطأ القياس فمن قاس الدين برأيه قرنه الله مع إبليس قال بن سيرين : وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس وقالت الحكماء : أخطأ عدو الله من حيث فضل النار على الطين وإن كانا في درجة واحدة من حيث هي جماد مخلوق فإن الطين أفضل من النار من وجوه أربعة : أحدها أن من جوهر الطين الرزانة والسكون والوقار والأناة والحلم والحياء والصبر وذلك هو الداعي لآدم عليه السلام بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع فأورثه المغفرة والأجتباء والهداية ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدة والأرتفاع والأضطراب وذلك هو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الأستكبار والإصرار فأورثه الهلاك والعذاب واللعنة والشقاء قاله القفال الثاني إن الخبر ناطق بأن تراب الجنة مسك أذفر ولم ينطق الخبر بأن في الجنة نارا وأن في النار ترابا الثالث أن النار سبب العذاب وهي عذاب الله لأعدائه وليس التراب سببا للعذاب الرابع أن الطين مستغن عن النار والنار محتاجة إلى المكان ومكانها التراب قلت ويحتمل قولا خامسا وهو أن التراب مسجد وطهور كما جاء في صحيح الحديث والنار تخويف وعذاب كما قال تعالى : ذلك يخوف الله به عباده وقال بن عباس : كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه وهو أول من قاس برأيه والقياس في مخالفة النص مردود الرابعة واختلف الناس في القياس إلى قائل به وراد له فأما القائلون به فهم الصحابة والتابعون وجمهور من بعدهم وأن التعبد به جائز عقلا واقع شرعا وهو الصحيح وذهب القفال من الشافعية وأبو الحسين البصري إلى وجوب التعبد به عقلا وذهب النظام إلى أنه يستحيل التعبد به عقلا وشرعا ورده بعض أهل الظاهر والأول الصحيح قال البخاري في ( كتاب الأعتصام بالكتاب والسنة ) : المعنى لا عصمة لأحد إلا في كتاب الله أو سنة نبيه أو في إجماع العلماء إذا وجد فيها الحكم فإن لم يوجد فالقياس وقد ترجم على هذا ( باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين قد بين الله حكمها ليفهم السائل ) وترجم بعد هذا ( باب الأحكام التي تعرف بالدلائل وكيف معنى الدلالة وتفسيرها ) وقال الطبري : الأجتهاد والاستنباط من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة هو الحق الواجب والفرض اللازم لأهل العلم وبذلك جاءت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن جماعة الصحابة والتابعين وقال أبو تمام المالكي : أجمعت الأمة على القياس فمن ذلك أنهم أجمعوا على قياس الذهب والورق في الزكاة وقال أبو بكر : أقيلوني بيعتي فقال علي : والله لا نقيلك ولا نستقيلك رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاك لدنيانا فقاس الإمامة على الصلاة وقاس الصديق الزكاة على الصلاة وقال : والله لا أفرق بين ما جمع الله وصرح علي بالقياس في شارب الخمر بمحضر من الصحابة وقال : إنه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى فحده حد القاذف وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري كتابا فيه : الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب والسنة اعرف الأمثال والأشباه ثم قس الأمور عند ذلك فاعمد إلى أحبها إلى الله تعالى وأشبهها بالحق فيما ترى الحديث بطوله ذكره الدارقطني وقد قال أبو عبيدة لعمر رضي الله عنهما في حديث الوباء حين رجع عمر من سرغ : نفر من قدر الله فقال عمر : نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله ثم قال له عمر : أرأيت فقايسه وناظره بما يشبه من مسألته بمحضر المهاجرين والأنصار وحسبك وأما الآثار وآي القرآن في هذا المعنى فكثير وهو يدل على أن القياس أصل من أصول الدين وعصمة من عصم المسلمين يرجع إليه المجتهدون ويفزع إليه العلماء العاملون فيستنبطون به الأحكام وهذا قول الجماعة الذين هم الحجة ولا يلتفت إلى من شذ عنها وأما الرأي المذموم والقياس المتكلف المنهي عنه فهو ما لم يكن على هذه الأصول المذكورة لأن ذلك ظن ونزغ من الشيطان قال الله تعالى : ولا تقف ما ليس لك به علم الإسراء وكل ما يورده المخالف من الأحاديث الضعيفة والأخبار الواهية في ذم القياس فهي محمولة على هذا النوع من القياس المذموم الذي ليس له في الشرع أصل معلوم وتتميم هذا الباب في كتب الأصول < <
الأعراف : ( 13 ) قال فاهبط منها . . . . . > > < > ( الاعراف 13 ) < > قوله تعالى : ( قال فاهبط منها ) أي من السماء ( فما يكون لك أن تتكبر فيها ) لأن أهلها الملائكة المتواضعون ( فأخرج إنك من الصاغرين ) أي من الأذلين ودل هذا أن من عصى مولاه فهو ذليل وقال أبو روق والبجلي : فاهبط منها أي من صورتك التي أنت فيها لأنه افتخر بأنه من النار فشوهت صورته بالإظلام وزوال إشراقه وقيل : فاهبط منها أي انتقل من الأرض إلى جزائر البحار كما يقال : هبطنا أرض كذا أي انتقلنا إليها من مكان آخر فكأنه أخرج من الأرض إلى جزائر البحار فسلطانه فيها فلا يدخل الأرض إلا كهيئة السارق يخاف فيها حتى يخرج منها والقول الأول أظهر وقد تقدم في البقرة < < الأعراف : ( 14 ) قال أنظرني إلى . . . . . > > < > ( الاعراف 14 : 15 ) < > سأل النظرة والإمهال إلى يوم البعث والحساب طلب ألا يموت لأن يوم البعث لا موت بعده قال بن عباس والسدي وغيرها : أنظره إلى النفخة الأولى حيث يموت الخلق كلهم وكان طلب الإنظار إلى النفخة الثانية حيث يقوم الناس لرب العالمين فأبى الله ذلك عليه وقال : إلى يوم يبعثون ولم يتقدم ذكر من يبعث لأن القصة في آدم وذريته فدلت القرينة على أنهم هم المبعوثون < < الأعراف : ( 16 ) قال فبما أغويتني . . . . . > > < > ( الاعراف 16 : 17 ) < > فيه ثلاث مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فبما أغويتني ) الإغواء إيقاع الغي في القلب أي فبما أوقعت في قلبي من الغي والعناد والأستكبار وهذا لأن كفر إبليس ليس كفر جهل بل هو كفر عناد واستكبار وقد تقدم في البقرة قيل : معنى الكلام القسم أي فبإغوائك إياي لأقعدن لهم على صراطك أو في صراطك فحذف دليل على هذا القول قوله في ( ص ) : فبعزتك لأغوينهم أجمعين ص فكأن إبليس أعظم قدر إغواء الله إياه لما فيه من التسليط على العباد فأقسم به إعظاما لقدره عنده وقيل : الباء بمعنى اللام كأنه قال : فلإغوائك إياي وقيل : هي بمعنى مع والمعنى فمع إغوائك إياي وقيل : هو إستفهام كأنه سأل بأي شيء أغواه وكان ينبغي على هذا أن يكون : فبم أغويتني وقيل : المعنى فبما أهلكتني بلعنك إياي والإغواء الإهلاك قال الله تعالى : فسوف يلقون غيا مريم أي هلاكا وقيل : فبما أضللتني والإغواء : الإضلال والإبعاد قال بن عباس وقيل : خيبتني من رحمتك ومنه قول الشاعر : ومن يغو لا يعدم على الغي لائما أي من يخب وقال بن الأعرابي : يقال غوى الرجل يغوي غيا إذا فسد عليه أمره أو فسد هو في نفسه وهو أحد معاني قوله تعالى : وعصى آدم ربه فغوى أي فسد عيشه في الجنة ويقال : غوى الفصيل إذا لم يدر لبن أمه الثانية مذهب أهل السنة أي أن الله تعالى أضله وخلق فيه الكفر ولذلك نسب الإغواء في هذا إلى الله تعالى وهو الحقيقة فلا شيء في الوجود إلا وهو مخلوق له صادر عن إرادته تعالى وخالف الإمامية والقدرية وغيرهما شيخهم إبليس الذي طاوعوه في كل ما زينه لهم ولم يطاوعوه في هذه المسألة ويقولون : أخطأ إبليس وهو أهل للخطأ حيث نسب الغواية إلى ربه تعالى الله عن ذلك فيقال لهم : وإبليس وإن كان أهلا للخطأ فما تصنعون في نبي مكرم معصوم وهو ونوح عليه السلام حيث قال لقومه : ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون وقد روي أن طاوسا جاءه رجل في المسجد الحرام وكان متهما بالقدر وكان من الفقهاء الكبار فجلس إليه فقال له طاوس : تقوم أو تقام فقيل لطاوس : تقول هذا لرجل فقيه فقال : إبليس أفقه منه يقول إبليس : رب بما أغويتني ويقول هذا أنا أغوي نفسي الثالثة قوله تعالى : ( لآقعدن لهم صراطك المستقيم ) أي بالصد عنه وتزيين الباطل حتى يهلكوا كما هلك أو يضلوا كما ضل أو يخيبوا كما خيب حسب ما تقدم من المعاني الثلاثة في أغويتني والصراط المستقيم هو الطريق الموصل إلى الجنة وصراطك منصوب على حذف على أو في من قوله : صراطك المستقيم كما حكى سيبويه ضرب زيد الظهر والبطن وأنشد : لدن بهز الكف يعسل متنه فيه كما عسل الطريق الثعلب ومن أحسن ما قيل في تأويل ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ) أي لأصدنهم عن الحق وأرغبنهم في الدنيا وأشككهم في الآخرة وهذا غاية في الضلالة كما قال : ولأضلنهم حسب ما تقدم وروى سفيان عن منصور عن الحكم بن عتيبة قال : من بين أيديهم من دنياهم ومن خلفهم من آخرتهم وعن أيمانهم يعني حسناتهم وعن شمائلهم يعني سيئاتهم قال النحاس : وهذا قول حسن وشرحه : أن معنى ثم لآتينهم من بين أيديهم من دنياهم حتى يكذبوا بما فيها من الآيات وأخبار الأمم السالفة ومن خلفهم من آخرتهم حتى يكذبوا بها وعن أيمانهم من حسناتهم وأمور دينهم ويدل على هذا قوله : إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين الصافات وعن شمائلهم يعني سيئاتهم أي يتبعون الشهوات لأنه يزينها لهم ( ولا تجد أكثرهم شاكرين ) أي موحدين طائعين مظهرين الشكر < <