Qur'an&Sunnahالقرآن

İbn Kesîr - Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

İbn Kesîr · AR

قسم V05/P250–V05/P251İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P250–V05/P251)

وقال: {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} [يس: 77-79] ، وقال هاهنا: {ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا} يستدل، تعالى، بالبداءة على الإعادة، يعني أنه، تعالى [قد] خلق الإنسان ولم يك شيئا، أفلا يعيده وقد صار شيئا، كما قال تعالى: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27] ، وفي الصحيح: "يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني، أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من آخره، وأما أذاه إياي فقوله: إن لي ولدا، وأنا الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد" . وقوله: {فوربك لنحشرنهم والشياطين} أقسم الرب، تبارك وتعالى، بنفسه الكريمة، أنه لا بد أن يحشرهم جميعا وشياطينهم الذين كانوا يعبدون من دون الله، {ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا} . قال العوفي، عن ابن عباس: يعني: قعودا كقوله: {وترى كل أمة جاثية} [الجاثية: 28] . وقال السدي في قوله: {ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا} : يعني: قياما، وروي عن مرة، عن ابن مسعود [مثله] . وقوله: {ثم لننزعن من كل شيعة} يعني: من كل أمة قاله مجاهد، {أيهم أشد على الرحمن عتيا} . قال الثوري، عن [علي بن الأقمر] ، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: يحبس الأول على الآخر، حتى إذا تكاملت العدة ، أتاهم جميعا، ثم بدأ بالأكابر، فالأكابر جرما، وهو قوله: {ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا} . وقال قتادة: {ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا} قال: ثم لننزعن من أهل كل دين قادتهم [ورؤساءهم] في الشر. وكذا قال ابن جريج، وغير واحد من السلف. وهذا كقوله تعالى: {حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون} [الأعراف: 38، 39] وقوله: {ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا} ثم" هاهنا لعطف الخبر على الخبر، والمراد أنه تعالى أعلم بمن يستحق من العباد أن يصلى بنار جهنم ويخلد فيها، وبمن يستحق تضعيف العذاب، كما قال في الآية المتقدمة: {قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون} {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا } . قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا خالد بن سليمان، عن كثير بن زياد البرساني، عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن. وقال بعضهم: يدخلونها جميعا، ثم ينجي الله الذين اتقوا. فلقيت جابر بن عبد الله فقلت له: إنا اختلفنا في الورود، فقال: يردونها جميعا -وقال سليمان مرة يدخلونها جميعا-وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه، وقال: صمتا، إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن بردا وسلاما، كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجا من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا، ويذر الظالمين فيها جثيا" غريب ولم يخرجوه. وقال الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن معاوية، عن بكار بن أبي مروان، عن خالد بن معدان قال: قال أهل الجنة بعدما دخلوا الجنة: ألم يعدنا ربنا الورود على النار؟ قال: قد مررتم عليها وهي خامدة.

قسم V05/P251–V05/P253İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P251–V05/P253)

وقال عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: كان عبد الله بن رواحة واضعا رأسه في حجر امرأته، فبكى، فبكت امرأته فقال ما يبكيك؟ فقالت: رأيتك تبكي فبكيت. قال: إني ذكرت قول الله عز وجل: {وإن منكم إلا واردها} ، فلا أدري أنجو منها أم لا؟ وفي رواية: وكان مريضا. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن يمان، عن مالك بن مغول، عن أبي إسحاق: كان أبو ميسرة إذا أوى إلى فراشه قال: يا ليت أمي لم تلدني ثم يبكي، فقيل: ما يبكيك يا أبا ميسرة؟ فقال: أخبرنا أنا واردوها، ولم نخبر أنا صادرون عنها . وقال عبد الله بن المبارك، عن الحسن البصري قال: قال رجل لأخيه: هل أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم. قال: فهل أتاك أنك صادر عنها؟ قال: لا. قال: ففيم الضحك؟ [قال فما رئي ضاحكا حتى لحق بالله] . وقال عبد الرزاق أيضا: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، أخبرني من سمع ابن عباس يخاصم نافع بن الأزرق، فقال ابن عباس: الورود الدخول؟ فقال نافع: لا فقرأ ابن عباس: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} [الأنبياء: 98] وردوا أم لا؟ وقال: {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار} [هود: 98] أورد هو أم لا؟ أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا؟ وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك فضحك نافع . وروى ابن جريج، عن عطاء قال: قال أبو راشد الحروري -وهو نافع بن الأزرق-: {لا يسمعون حسيسها} [الأنبياء: 102] فقال ابن عباس: ويلك: أمجنون أنت؟ أين قوله: {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار} [هود: 98] ، {ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا} [مريم: 86] ، {وإن منكم إلا واردها} ؟ والله إن كان دعاء من مضى: اللهم أخرجني من النار سالما، وأدخلني الجنة غانما . وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبيد المحاربي، حدثنا أسباط، عن عبد الملك، عن عبيد الله، عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس، فأتاه رجل يقال له: أبو راشد، وهو نافع بن الأزرق، فقال له: يا ابن عباس، أرأيت قول الله: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا} ؟ قال: أما أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها، فانظر: هل نصدر عنها أم لا . وقال أبو داود الطيالسي: قال شعبة، أخبرني عبد الله بن السائب، عمن سمع ابن عباس يقرؤها [كذلك] : "وإن منهم إلا واردها" يعني: الكفار وهكذا روى عمرو بن الوليد الشني ، أنه سمع عكرمة يقرؤها كذلك: "وإن منهم إلا واردها"، قال: وهم الظلمة. كذلك كنا نقرؤها. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير. وقال العوفي، عن ابن عباس قوله: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا} يعني: البر والفاجر، ألا تسمع إلى قول الله لفرعون: {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود} {ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا} ، فسمى الورود في النار دخولا وليس بصادر. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن إسرائيل، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله -هو ابن مسعود- {وإن منكم إلا واردها} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يرد الناس [النار] كلهم، ثم يصدرون عنها بأعمالهم". ورواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي به . ورواه من طريق شعبة، عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود موقوفا .

قسم V05/P253–V05/P254İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P253–V05/P254)

هكذا وقع هذا الحديث هاهنا مرفوعا. وقد رواه أسباط، عن السدي، عن مرة عن عبد الله بن مسعود قال: يرد الناس جميعا الصراط، وورودهم قيامهم حول النار، ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر مثل البرق ، ومنهم من يمر مثل الريح، ومنهم من يمر مثل الطير، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يمر كأجود الإبل، ومنهم من يمر كعدو الرجل، حتى إن آخرهم مرا رجل نوره على موضعي إبهامي قدميه، يمر يتكفأ به الصراط، والصراط دحض مزلة، عليه حسك كحسك القتاد، حافتاه ملائكة، معهم كلاليب من نار، يختطفون بها الناس. وذكر تمام الحديث. رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: حدثنا خلاد بن أسلم، حدثنا النضر، حدثنا إسرائيل، أخبرنا أبو إسحاق، عن أبي الأحوص عن عبد الله: قوله: {وإن منكم إلا واردها} قال: الصراط على جهنم مثل حد السيف، فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم، ثم يمرون والملائكة يقولون: اللهم سلم سلم. ولهذا شواهد في الصحيحين وغيرهما، من رواية أنس، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وجابر، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم . وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية عن الجريري، عن [أبي السليل] عن غنيم بن قيس قال: ذكروا ورود النار، فقال كعب: تمسك النار للناس كأنها متن إهالة حتى يستوي عليها أقدام الخلائق، برهم وفاجرهم، ثم يناديها مناد: أن امسكي أصحابك، ودعي أصحابي، قال: فتخسف بكل ولي لها، ولهي أعلم بهم من الرجل بولده، ويخرج المؤمنون ندية ثيابهم. قال كعب: ما بين منكبي الخازن من خزنتها مسيرة سنة، مع كل واحد منهم عمود ذو شعبتين ، يدفع به الدفع فيصرع به في النار سبعمائة ألف . وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان ، عن جابر، عن أم مبشر، عن حفصة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأرجو ألا يدخل النار -إن شاء الله-أحد شهد بدرا والحديبية" قالت فقلت: أليس الله يقول {وإن منكم إلا واردها} ؟ قالت : فسمعته يقول: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} . وقال [الإمام] أحمد أيضا: حدثنا ابن إدريس، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان ، عن جابر، عن أم مبشر -امرأة زيد بن حارثة-قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة، فقال: "لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية" قالت حفصة: أليس الله يقول: {وإن منكم إلا واردها} ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ثم ننجي الذين اتقوا} . وفي الصحيحين، من حديث الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسه النار، إلا تحلة القسم". وقال عبد الرزاق: قال معمر: أخبرني الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات له ثلاثة لم تمسه النار إلا تحلة القسم" يعني الورود . وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا زمعة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد، تمسه النار إلا تحلة القسم". قال الزهري: كأنه يريد هذه الآية: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا} . وقال ابن جرير: حدثني عمران بن بكار الكلاعي ، حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، حدثنا إسماعيل بن عبيد الله، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود رجلا من أصحابه وعكا، وأنا معه، ثم قال: "إن الله تعالى يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن؛ لتكون حظه من النار في الآخرة" غريب ولم يخرجوه من هذا الوجه . وحدثنا أبو كريب، حدثنا ابن يمان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد قال: الحمى حظ كل مؤمن من النار، ثم قرأ: "وإن منكم إلا واردها".

قسم V05/P254–V05/P256İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P254–V05/P256)

وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ: {قل هو الله أحد} حتى يختمها عشر مرات، بنى الله له قصرا في الجنة". فقال عمر: إذا نستكثر يا رسول الله، فقال رسول الله [صلى الله عليه وسلم: "لله] أكثر وأطيب" . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ ألف آية في سبيل الله، كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، إن شاء الله. ومن حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعا لا بأجرة سلطان، لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم، قال الله تعالى: {وإن منكم إلا واردها} وإن الذكر في سبيل [الله] يضعف فوق النفقة بسبعمائة ضعف". وفي رواية: "بسبعمائة ألف ضعف" وروى أبو داود، عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن يحيى بن أيوب [وسعيد بن أبي أيوب] كلاهما عن زبان ، عن سهل، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الصلاة والصيام والذكر تضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف" . وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قوله: {وإن منكم إلا واردها} قال: هو الممر عليها وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {وإن منكم إلا واردها} ، قال: ورود المسلمين المرور على الجسر بين ظهريها، وورود المشركين: أن يدخلوها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الزالون والزالات يومئذ كثير، وقد أحاط بالجسر يومئذ سماطان من الملائكة، دعاؤهم: يا ألله سلم سلم" . وقال السدي، عن مرة، عن ابن مسعود في قوله: {كان على ربك حتما مقضيا} قال: قسما واجبا. وقال مجاهد: [حتما] ، قال: قضاء. وكذا قال ابن جريج وقوله: {ثم ننجي الذين اتقوا} أي: إذا مر الخلائق كلهم على النار، وسقط فيها من سقط من الكفار والعصاة ذوي المعاصي، بحسبهم، نجى الله تعالى المؤمنين المتقين منها بحسب أعمالهم. فجوازهم على الصراط وسرعتهم بقدر أعمالهم التي كانت في الدنيا، ثم يشفعون في أصحاب الكبائر من المؤمنين، فيشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون ، فيخرجون خلقا كثيرا قد أكلتهم النار، إلا دارات وجوههم -وهي مواضع السجود-وإخراجهم إياهم من النار بحسب ما في قلوبهم من الإيمان، فيخرجون أولا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، [ثم الذي يليه] حتى يخرجوا من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان ثم يخرج الله من النار من قال يوما من الدهر: "لا إله إلا الله" وإن لم يعمل خيرا قط، ولا يبقى في النار إلا من وجب عليه الخلود، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال تعالى: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا } .

قسم V05/P256–V05/P257İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P256–V05/P257)

يخبر تعالى عن الكفار حين تتلى عليهم آيات الله ظاهرة الدلالة بينة الحجة واضحة البرهان: أنهم يصدون عن ذلك، ويعرضون ويقولون عن الذين آمنوا مفتخرين عليهم ومحتجين على صحة ما هم عليه من الدين الباطل بأنهم: {خير مقاما وأحسن نديا} [أي: أحسن منازل وأرفع دورا وأحسن نديا] ، وهو مجمع الرجال للحديث، أي: ناديهم أعمر وأكثر واردا وطارقا، يعنون: فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على باطل، وأولئك [الذين هم] مختفون مستترون في دار الأرقم بن أبي الأرقم ونحوها من الدور على الحق؟ كما قال تعالى مخبرا عنهم: {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه} [الأحقاف: 11] . وقال قوم نوح: {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} [الشعراء: 111] ، وقال تعالى: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين} [الأنعام: 53] ؛ ولهذا قال تعالى رادا عليهم شبهتهم: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن} أي: وكم من أمة وقرن من المكذبين قد أهلكناهم بكفرهم، {هم أحسن أثاثا ورئيا} أي: كانوا أحسن من هؤلاء أموالا وأمتعة ومناظر وأشكالا. [و] قال الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس: {خير مقاما وأحسن نديا} قال: المقام: المنزل، والندي: المجلس، والأثاث: المتاع، والرئي: المنظر. وقال العوفي، عن ابن عباس: المقام: المسكن، والندي: المجلس والنعمة والبهجة التي كانوا فيها، وهو كما قال الله لقوم فرعون حين أهلكهم وقص شأنهم في القرآن: {كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم} [الدخان: 25، 26] ، فالمقام: المسكن والنعيم، والندي: المجلس والمجمع الذي كانوا يجتمعون فيه، وقال [الله] فيما قص على رسوله من أمر قوم لوط : {وتأتون في ناديكم المنكر} [العنكبوت: 29] ، والعرب تسمي المجلس: النادي. وقال قتادة: لما رأوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في عيشهم خشونة، وفيهم قشافة، تعرض أهل الشرك بما تسمعون : {أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا} وكذا قال مجاهد، والضحاك. ومنهم من قال في الأثاث: هو المال. ومنهم من قال: المتاع. ومنهم من قال: الثياب، والرئي: المنظر كما قال ابن عباس، ومجاهد وغير واحد. وقال الحسن البصري: يعني الصور، وكذا قال مالك: {أثاثا ورئيا} : أكثر أموالا وأحسن صورا. والكل متقارب صحيح. {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا } . يقول تعالى: {قل} يا محمد، لهؤلاء المشركين بربهم المدعين، أنهم على الحق وأنكم على الباطل: {من كان في الضلالة} أي: منا ومنكم، {فليمدد له الرحمن مدا} أي: فأمهله الرحمن فيما هو فيه، حتى يلقى ربه وينقضي أجله، {إما العذاب} يصيبه، {وإما الساعة} بغتة تأتيه، {فسيعلمون} حينئذ {من هو شر مكانا وأضعف جندا} [أي] : في مقابلة ما احتجوا به من خيرية المقام وحسن الندي. قال مجاهد في قوله: {فليمدد له الرحمن مدا} فليدعه الله في طغيانه. هكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير، رحمه الله. وهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم على هدى فيما هم فيه ، كما ذكر تعالى مباهلة اليهود في قوله: {قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} [الجمعة: 6] أي: ادعوا على المبطل منا ومنكم بالموت إن كنتم تدعون أنكم على الحق، فإنه لا يضركم الدعاء، فنكلوا عن ذلك، وقد تقدم تقرير ذلك في سورة "البقرة" مبسوطا، ولله الحمد. وكما ذكر تعالى المباهلة مع النصارى في سورة "آل عمران" حين صمموا على الكفر، واستمروا على الطغيان والغلو في دعواهم أن عيسى ولد الله، وقد ذكر الله حججه وبراهينه على عبودية عيسى، وأنه مخلوق كآدم، قال بعد ذلك: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين} [آل عمران: 61] فنكلوا أيضا عن ذلك. {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا } .

قسم V05/P257–V05/P259İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P257–V05/P259)

لما ذكر [الله] تعالى إمداد من هو في الضلالة فيما هو فيه وزيادته على ما هو عليه، أخبر بزيادة المهتدين هدى كما قال تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون} [التوبة: 124، 125] . وقوله: {والباقيات الصالحات} قد تقدم تفسيرها، والكلام عليها، وإيراد الأحاديث المتعلقة بها في سورة "الكهف". {خير عند ربك ثوابا} أي: جزاء {وخير مردا} أي: عاقبة ومردا على صاحبها. وقال عبد الرزاق: أخبرنا عمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فأخذ عودا يابسا فحط ورقه ثم قال: "إن قول: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، تحط الخطايا كما تحط ورق هذه الشجرة الريح ، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة" قال أبو سلمة: فكان أبو الدرداء إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهللن الله، ولأكبرن الله، ولأسبحن الله، حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون وهذا ظاهره أنه مرسل، ولكن قد يكون من رواية أبي سلمة، عن أبي الدرداء، والله أعلم. وهكذا وقع في سنن ابن ماجه، من حديث أبي معاوية، عن عمر بن راشد، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي الدرداء، فذكر نحوه {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا ونرثه ما يقول ويأتينا فردا } . وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن خباب بن الأرت قال: كنت رجلا قينا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه. فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد [فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم] حتى تموت ثم تبعث. قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد، فأعطيتك، فأنزل الله: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا} إلى قوله: {ويأتينا فردا} . أخرجه صاحبا الصحيح وغيرهما، من غير وجه، عن الأعمش به ، وفي لفظ البخاري: كنت قينا بمكة، فعملت للعاص بن وائل سيفا، فجئت أتقاضاه. فذكر الحديث وقال: {أم اتخذ عند الرحمن عهدا} قال: موثقا. وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: قال خباب بن الأرت، كنت قينا بمكة، فكنت أعمل للعاص بن وائل، قال: فاجتمعت لي عليه دراهم، فجئت لأتقاضاه ، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث. قال: فإذا بعثت كان لي مال وولد. قال: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا} إلى قوله: {ويأتينا فردا} . وقال العوفي عن ابن عباس: إن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يطلبون العاص بن وائل السهمي بدين، فأتوه يتقاضونه، فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا، ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى. قال: فإن موعدكم الآخرة، فوالله لأوتين مالا وولدا، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به. فضرب الله مثله في القرآن فقال {أفرأيت الذي كفر بآياتنا} إلى قوله: {ويأتينا فردا} وهكذا قال مجاهد، وقتادة، وغيرهم: إنها نزلت في العاص بن وائل. وقوله: {لأوتين مالا وولدا} قرأ بعضهم بفتح "الواو" من "ولدا" وقرأ آخرون بضمها، وهو بمعناه، قال رؤبة: الحمد لله العزيز فردا لم يتخذ من ولد شيء ولدا وقال الحارث بن حلزة: ولقد رأيت معاشرا قد تمروا مالا وولدا وقال الشاعر: فليت فلانا كان في بطن أمه وليت فلانا كان ولد حمار وقيل: إن "الولد" بالضم جمع، "والولد" بالفتح مفرد، وهي لغة قيس، والله أعلم.

قسم V05/P259–V05/P261İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P259–V05/P261)

وقوله: {أطلع الغيب} : إنكار على هذا القائل، {لأوتين مالا وولدا} يعني: يوم القيامة، أي: أعلم ما له في الآخرة حتى تألى وحلف على ذلك، {أم اتخذ عند الرحمن عهدا} : أم له عند الله عهد سيؤتيه ذلك؟ وقد تقدم عند البخاري: أنه الموثق. وقال الضحاك، عن ابن عباس: {أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا} قال: لا إله إلا الله، فيرجو بها . وقال محمد بن كعب القرظي: {أم اتخذ عند الرحمن عهدا} قال: شهادة أن لا إله إلا الله، ثم قرأ: {أم اتخذ عند الرحمن عهدا} . وقوله: {كلا} : هي حرف ردع لما قبلها وتأكيد لما بعدها، {سنكتب ما يقول} أي: من طلبه ذلك وحكمه لنفسه بما تمناه، وكفره بالله العظيم {ونمد له من العذاب مدا} أي: في الدار الآخرة، على قوله ذلك، وكفره [بالله] في الدنيا. {ونرثه ما يقول} أي: من مال وولد، نسلبه منه، عكس ما قال: إنه يؤتى في الدار الآخرة مالا وولدا، زيادة على الذي له في الدنيا؛ بل في الآخرة يسلب من الذي كان له في الدنيا، ولهذا قال: {ويأتينا فردا} أي: من المال والولد. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {ونرثه ما يقول} ، [قال: نرثه] وقال مجاهد: {ونرثه ما يقول} : ماله وولده، وذلك الذي قال العاص بن وائل. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {ونرثه ما يقول} قال: ما عنده، وهو قوله: {لأوتين مالا وولدا} وفي حرف ابن مسعود: "ونرثه ما عنده". وقال قتادة: {ويأتينا فردا} : لا مال له، ولا ولد. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {ونرثه ما يقول} قال: ما جمع من الدنيا، وما عمل فيها، قال: {ويأتينا فردا} قال: فردا من ذلك، لا يتبعه قليل ولا كثير. {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا } . يخبر تعالى عن الكفار المشركين بربهم: أنهم اتخذوا من دونه آلهة، لتكون تلك الآلهة {عزا} يعتزون بها ويستنصرونها. ثم أخبر أنه ليس الأمر كما زعموا، ولا يكون ما طمعوا، فقال: {كلا سيكفرون بعبادتهم} أي: يوم القيامة {ويكونون عليهم ضدا} أي: بخلاف ما ظنوا فيهم، كما قال تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون. وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين } [الأحقاف: 5، 6] وقرأ أبو نهيك: "كل سيكفرون بعبادتهم". وقال السدي : {كلا سيكفرون بعبادتهم} أي: بعبادة الأوثان. وقوله: {ويكونون عليهم ضدا} أي: بخلاف ما رجوا منهم. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {ويكونون عليهم ضدا} قال: أعوانا. قال مجاهد: عونا عليهم، تخاصمهم وتكذبهم. وقال العوفي، عن ابن عباس: {ويكونون عليهم ضدا} قال: قرناء. وقال قتادة: قرناء في النار، يلعن بعضهم بعضا، ويكفر بعضهم ببعض. وقال السدي: {ويكونون عليهم ضدا} قال: الخصماء الأشداء في الخصومة. وقال الضحاك: {ويكونون عليهم ضدا} قال: أعداء. وقال ابن زيد: الضد: البلاء. وقال عكرمة: الضد: الحسرة. وقوله: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: تغويهم إغواء. وقال العوفي عنه: تحرضهم على محمد وأصحابه. وقال مجاهد: تشليهم إشلاء . وقال قتادة: تزعجهم إزعاجا إلى معاصي الله. وقال سفيان الثوري: تغريهم إغراء وتستعجلهم استعجالا. وقال السدي: تطغيهم طغيانا. وقال عبد الرحمن بن زيد: هذا كقوله تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} [الزخرف: 36] .

قسم V05/P261–V05/P262İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P261–V05/P262)

وقوله: {فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا} أي: لا تعجل يا محمد على هؤلاء في وقوع العذاب بهم، {إنما نعد لهم عدا} أي: إنما نؤخرهم لأجل معدود مضبوط، وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله ونكاله، {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} [إبراهيم: 42] ، {فمهل الكافرين أمهلهم رويدا} [الطارق: 17] {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} [آل عمران: 178] ، {نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ} [لقمان: 24] ، {قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار} [إبراهيم: 30] . قال السدي: {إنما نعد لهم عدا} السنين، والشهور، والأيام، والساعات. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {إنما نعد لهم عدا} قال: نعد أنفاسهم في الدنيا. {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا } . يخبر تعالى عن أوليائه المتقين، الذين خافوه في الدار الدنيا واتبعوا رسله وصدقوهم فيما أخبروهم، وأطاعوهم فيما أمروهم به، وانتهوا عما عنه زجروهم: أنه يحشرهم يوم القيامة وفدا إليه. والوفد: هم القادمون ركبانا، ومنه الوفود وركوبهم على نجائب من نور، من مراكب الدار الآخرة، وهم قادمون على خير موفود إليه، إلى دار كرامته ورضوانه. وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم، فإنهم يساقون عنفا إلى النار، {وردا} عطاشا، قاله [عطاء] ، وابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد. وهاهنا يقال: {أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا} [مريم: 73] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن خالد ، عن عمرو بن قيس الملائي، عن ابن مرزوق: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا} قال: يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها، وأطيبها ريحا، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله قد طيب ريحك وحسن وجهك. فيقول: أنا عملك الصالح، وهكذا كنت في الدنيا، حسن العمل طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلم اركبني، فيركبه. فذلك قوله: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا} . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا} قال: ركبانا. وقال ابن جرير: حدثني ابن المثنى، حدثنا ابن مهدي، عن شعبة ، عن إسماعيل، عن رجل، عن أبي هريرة: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا} قال: على الإبل. وقال ابن جريج: على النجائب. وقال الثوري: على الإبل النوق. وقال قتادة: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا} قال: إلى الجنة. وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثنا سويد بن سعيد، أخبرنا علي بن مسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، حدثنا النعمان بن سعد قال: كنا جلوسا عند علي، رضي الله عنه، فقرأ هذه الآية: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا} قال: لا والله ما على أرجلهم يحشرون، ولا يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة . وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، من حديث عبد الرحمن بن إسحاق المدني، به. وزاد: "عليها رحائل الذهب، وأزمتها الزبرجد" والباقي مثله. وروى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا غريبا جدا مرفوعا، عن علي فقال:

قسم V05/P262–V05/P264İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P262–V05/P264)

حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا مسلمة بن جعفر البجلي، سمعت أبا معاذ البصري قال: إن عليا كان ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ هذه الآية: {يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا} فقال: ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون -أو: يؤتون-بنوق بيض لها أجنحة، وعليها رحال الذهب، شرك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان، فيشربون من إحداهما، فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبدا، وتجري عليهم نضرة النعيم، فينتهون أو: فيأتون باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب، فيضربون بالحلقة على الصفيحة فيسمع لها طنين يا علي، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتبعث قيمها فيفتح له، فإذا رآه خر له -قال مسلمة أراه قال: ساجدا-فيقول: ارفع رأسك، فإنما أنا قيمك، وكلت بأمرك. فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه، ثم تقول: أنت -حبي، وأنا حبك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط، وأنا المقيمة التي لا أظعن. فيدخل بيتا من أسه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق: أصفر وأحمر وأخضر، ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها. وفي البيت سبعون سريرا، على كل سرير سبعون حشية، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء الحلل، يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه. الأنهار من تحتهم تطرد، أنهار من ماء غير آسن -قال: صاف لا كدر فيه -وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، لم يخرج من ضروع الماشية، وأنهار من خمر لذة للشاربين، لم يعتصرها الرجال بأقدامهم وأنهار من عسل مصفى لم يخرج من بطون النحل، فيستحلي الثمار، فإن شاء أكل قائما، وإن شاء قاعدا، وإن شاء متكئا، ثم تلا {ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا} [الإنسان: 14] ، فيشتهي الطعام، فيأتيه طير أبيض، وربما قال: أخضر فترفع أجنحتها، فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء، ثم تطير فتذهب، فيدخل الملك فيقول: سلام عليكم: {تلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} [الزخرف: 72] ولو أن شعرة من شعر الحوراء وقعت لأهل الأرض، لأضاءت الشمس معها سواد في نور" . هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعا، وقد رويناه في المقدمات من كلام علي، رضي الله عنه، بنحوه، وهو أشبه بالصحة، والله أعلم. وقوله: {ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا} أي: عطاشا. {لا يملكون الشفاعة} أي: ليس لهم من يشفع لهم، كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض، كما قال تعالى مخبرا عنهم: {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم} [الشعراء: 100، 101] وقوله: {إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا} : هذا استثناء منقطع، بمعنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بحقها. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا} قال: العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله، عز وجل. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عثمان بن خالد الواسطي، حدثنا محمد بن الحسن الواسطي، عن المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن أبي فاختة، عن الأسود بن يزيد قال: قرأ عبد الله -يعني ابن مسعود-هذه الآية: {إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا} ثم قال: اتخذوا عند الله عهدا، فإن الله يقول يوم القيامة: "من كان له عند الله عهد فليقم" قالوا: يا أبا عبد الرحمن، فعلمنا. قال: قولوا: اللهم، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أنك إن تكلني إلى عمل تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهدا تؤديه إلي يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد.

قسم V05/P264–V05/P266İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P264–V05/P266)

قال المسعودي: فحدثني زكريا، عن القاسم بن عبد الرحمن، أخبرنا ابن مسعود: وكان يلحق بهن: خائفا مستجيرا مستغفرا، راهبا راغبا إليك . ثم رواه من وجه آخر، عن المسعودي، بنحوه. {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } . لما قرر تعالى في هذه السورة الشريفة عبودية عيسى، عليه السلام، وذكر خلقه من مريم بلا أب، شرع في مقام الإنكار على من زعم أن له ولدا -تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوا كبيرا-فقال: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم} أي: في قولكم هذا، {شيئا إدا} قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ومالك: أي عظيما. ويقال: {إدا} بكسر الهمزة وفتحها، ومع مدها أيضا، ثلاث لغات، أشهرها الأولى. وقوله: {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا} أي: يكاد يكون ذلك عند سماعهن هذه المقالة من فجرة بني آدم، إعظاما للرب وإجلالا؛ لأنهن مخلوقات ومؤسسات على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا شريك له، ولا نظير له ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له، بل هو الأحد الصمد: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد قال ابن جرير: حدثني علي، حدثنا عبد الله، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، في قوله: {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا} قال: إن الشرك فزعت منه السماوات والأرض والجبال، وجميع الخلائق إلا الثقلين، فكادت أن تزول منه لعظمة الله، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله، فمن قالها عند موته وجبت له الجنة". قالوا: يا رسول الله، فمن قالها في صحته؟ قال: "تلك أوجب وأوجب". ثم قال: "والذي نفسي بيده، لو جيء بالسماوات والأرضين وما فيهن، وما بينهن، وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرجحت بهن" هكذا رواه ابن جرير، ويشهد له حديث البطاقة، والله أعلم. وقال الضحاك: {تكاد السماوات يتفطرن منه} أي: يتشققن فرقا من عظمة الله. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {وتنشق الأرض} أي: غضبا لله، عز وجل. {وتخر الجبال هدا} قال ابن عباس: هدما. وقال سعيد بن جبير: {هدا} ينكسر بعضها على بعض متتابعات. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن سويد المقبري، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا مسعر، عن عون بن عبد الله قال: إن الجبل لينادي الجبل باسمه: يا فلان، هل مر بك اليوم ذاكر الله عز وجل ؟ فيقول: نعم، ويستبشر. قال عون: لهي للخير أسمع، أفيسمعن الزور والباطل إذا قيل ولا يسمعن غيره، ثم قرأ: {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا} وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا هوذة، حدثنا عوف، عن غالب بن عجرد، حدثني رجل من أهل الشام في مسجد منى قال: بلغني أن الله لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر، لم يكن في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعة -أو قال: كان لهم فيها منفعة-ولم تزل الأرض والشجر بذلك، حتى تكلم فجرة بني آدم بتلك الكلمة العظيمة، قولهم: {اتخذ الرحمن ولدا} فلما تكلموا بها اقشعرت الأرض، وشكاك الشجر. وقال كعب الأحبار: غضبت الملائكة، واستعرت النار ، حين قالوا ما قالوا.

%0
10 Bölüm

الأسئلة