وقوله: {فلا تكن في مرية من لقائه} : قال قتادة: يعني به ليلة الإسراء. ثم روي عن أبي العالية الرياحي قال: حدثني ابن عم نبيكم -يعني ابن عباس -قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أريت ليلة أسري بي موسى بن عمران، رجلا آدم طوالا جعدا، كأنه من رجال شنوءة. ورأيت عيسى رجلا مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، مبسط الرأس، ورأيت مالكا خازن النار والدجال، في آيات أراهن الله إياه"، {فلا تكن في مرية من لقائه} ، أنه قد رأى موسى، ولقي موسى ليلة أسري به. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن علي الحلواني، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وجعلناه هدى لبني إسرائيل} ، قال: جعل موسى هدى لبني إسرائيل، وفي قوله: {فلا تكن في مرية من لقائه} قال: من لقاء موسى ربه عز وجل. وقوله: {وجعلناه} أي: الكتاب الذي آتيناه {هدى لبني إسرائيل} ، [كما قال تعالى في سورة الإسراء: {وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا} [الإسراء: 2] . وقوله: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} ، أي: لما كانوا صابرين على أوامر الله وترك نواهيه وزواجره وتصديق رسله واتباعهم فيما جاؤوهم به، كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر الله، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. ثم لما بدلوا وحرفوا وأولوا، سلبوا ذلك المقام، وصارت قلوبهم قاسية، يحرفون الكلم عن مواضعه، فلا عمل صالحا، ولا اعتقاد صحيحا؛ ولهذا قال: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا} قال قتادة وسفيان: لما صبروا عن الدنيا: وكذلك قال الحسن بن صالح. قال سفيان: هكذا كان هؤلاء، ولا ينبغي للرجل أن يكون إماما يقتدى به حتى يتحامى عن الدنيا. قال وكيع: قال سفيان: لا بد للدين من العلم، كما لا بد للجسد من الخبز. وقال ابن بنت الشافعي: قرأ أبي على عمي -أو: عمي على أبي -سئل سفيان عن قول علي، رضي الله عنه: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ألم تسمع قوله: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا} ، قال: لما أخذوا برأس الأمر صاروا رؤوسا. قال بعض العلماء: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. ولهذا قال تعالى] : {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة [ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين. وآتيناهم بينات من الأمر] فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم} [الجاثية: 16، 17] ، كما قال هنا: {إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} أي: من الاعتقادات والأعمال. {أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون } . يقول تعالى: أولم يهد لهؤلاء المكذبين بالرسل ما أهلك الله قبلهم من الأمم الماضية، بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم إياهم فيما جاؤوهم به من قويم السبل، فلم يبق منهم باقية ولا عين ولا أثر؟ {هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا} [مريم: 98] ؛ ولهذا قال: {يمشون في مساكنهم} أي: وهؤلاء المكذبون يمشون في مساكن أولئك المكذبين فلا يرون فيها أحدا ممن كان يسكنها ويعمرها، ذهبوا منها، {كأن لم يغنوا فيها} [الأعراف: 92] ، كما قال: {فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا} [النمل: 52] ، وقال: {فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد. أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 45، 46] ؛ ولهذا قال هاهنا: {إن في ذلك لآيات} أي: إن في ذهاب أولئك القوم ودمارهم وما حل بهم بسبب تكذيبهم الرسل، ونجاة من آمن بهم، لآيات وعبرا ومواعظ ودلائل متظاهرة.
İbn Kesîr - Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
İbn Kesîr · AR
{أفلا يسمعون} أي: أخبار من تقدم، كيف كان أمرهم؟. وقوله: {أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز} : يبين تعالى لطفه بخلقه، وإحسانه إليهم في إرساله الماء إما من السماء أو من السيح، وهو: ما تحمله الأنهار وينحدر من الجبال إلى الأراضي المحتاجة إليه في أوقاته؛ ولهذا قال: {إلى الأرض الجرز} ، وهي [الأرض] التي لا نبات فيها، كما قال تعالى: {وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا} [الكهف: 8] ، أي: يبسا لا تنبت شيئا وليس المراد من قوله: {إلى الأرض الجرز} أرض مصر فقط، بل هي بعض المقصود، وإن مثل بها كثير من المفسرين فليست [هي] المقصودة وحدها، ولكنها مرادة قطعا من هذه الآية، فإنها في نفسها أرض رخوة غليظة تحتاج من الماء ما لو نزل عليها مطرا لتهدمت أبنيتها، فيسوق الله إليها النيل بما يتحمله من الزيادة الحاصلة من أمطار بلاد الحبشة، وفيه طين أحمر، فيغشى أرض مصر، وهي أرض سبخة مرملة محتاجة إلى ذلك الماء، وذلك الطين أيضا لينبت الزرع فيه، فيستغلون كل سنة على ماء جديد ممطور في غير بلادهم، وطين جديد من غير أرضهم، فسبحان الحكيم الكريم المنان المحمود ابتداء. قال ابن لهيعة، عن قيس بن حجاج، عمن حدثه قال: لما فتحت مصر، أتى أهلها عمرو بن العاص -[وكان أميرا بها] -حين دخل بؤونة من أشهر العجم، فقالوا: أيها الأمير، إن لنيلنا سنة لا يجري إلا بها. قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كانت ثنتا عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها، فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل. فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون في الإسلام، إن الإسلام يهدم ما كان قبله. فأقاموا بؤونة والنيل لا يجري، حتى هموا بالجلاء، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إليه: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وقد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي هذا، فألقها في النيل. فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة ففتحها فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد ... فإنك إن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله أن يجريك. قال: فألقى البطاقة في النيل، وأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة، وقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم. رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي الطبري في كتاب "السنة" له. ولهذا قال تعالى: {أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون} ، كما قال تعالى: {فلينظر الإنسان إلى طعامه. أنا صببنا الماء صبا. ثم شققنا الأرض شقا. فأنبتنا فيها حبا. وعنبا وقضبا. وزيتونا ونخلا. وحدائق غلبا. وفاكهة وأبا. [متاعا لكم ولأنعامكم] } [عبس: 24-32] ؛ ولهذا قال هاهنا: {أفلا يبصرون} . وقال ابن أبي نجيح، عن رجل، عن ابن عباس في قوله: {إلى الأرض الجرز} قال: هي التي لا تمطر إلا مطرا لا يغني عنها شيئا، إلا ما يأتيها من السيول. وعن ابن عباس، ومجاهد: هي أرض باليمن. وقال الحسن، رحمه الله: هي قرى فيما بين اليمن والشام. وقال عكرمة، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن زيد: الأرض الجرز: التي لا نبات فيها وهي مغبرة. قلت: وهذا كقوله: {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون. وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون. ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون} [يس: 33-35] . {ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون } .
يقول تعالى مخبرا عن استعجال الكفار وقوع بأس الله بهم، وحلول غضبه ونقمته عليهم، استبعادا وتكذيبا وعنادا: {ويقولون متى هذا الفتح} ؟ أي: متى تنصر علينا يا محمد؟ كما تزعم أن لك وقتا تدال علينا، وينتقم لك منا، فمتى يكون هذا؟ ما نراك أنت وأصحابك إلا مختفين خائفين ذليلين! قال الله تعالى: {قل يوم الفتح} أي: إذا حل بكم بأس الله وسخطه وغضبه في الدنيا وفي الأخرى، {لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون} ، كما قال تعالى: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون. فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين. فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون} [غافر: 83-85] ، ومن زعم أن المراد من هذا الفتح فتح مكة فقد أبعد النجعة، وأخطأ فأفحش، فإن يوم الفتح قد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إسلام الطلقاء، وقد كانوا قريبا من ألفين، ولو كان المراد فتح مكة لما قبل إسلامهم؛ لقوله: {قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون} ، وإنما المراد الفتح الذي هو القضاء والفصل، كقوله تعالى: {فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين} [الشعراء: 118] ، وكقوله: {قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم} [سبأ: 26] ، وقال تعالى: {واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد} [إبراهيم: 15] ، وقال: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} [البقرة: 89] ، وقال: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] . ثم قال: {فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون} أي: أعرض عن هؤلاء المشركين وبلغ ما أنزل إليك من ربك، كقوله: {اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين} [الأنعام: 106] ، وانتظر فإن الله سينجز لك ما وعدك، وسينصرك على من خالفك، إنه لا يخلف الميعاد. وقوله: {إنهم منتظرون} أي: أنت منتظر، وهم منتظرون، ويتربصون بكم الدوائر، {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون} [الطور:30] ، وسترى أنت عاقبة صبرك عليهم وعلى أداء رسالة الله، في نصرتك وتأييدك، وسيجدون غب ما ينتظرونه فيك وفي أصحابك، من وبيل عقاب الله لهم، وحلول عذابه بهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، [والله أعلم] . [آخر تفسير سورة "الم السجدة"] تفسير سورة الأحزاب [وهي] مدنية. قال [عبد الله بن] الإمام أحمد : حدثنا خلف بن هشام، حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر قال: قال لي أبي بن كعب: كأين تقرأ سورة الأحزاب؟ أو كأين تعدها؟ قال: قلت: ثلاثا وسبعين آية: فقال: قط! لقد رأيتها وإنها لتعادل "سورة البقرة"، ولقد قرأنا فيها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، نكالا من الله، والله عليم حكيم" . ورواه النسائي من وجه آخر، عن عاصم -وهو ابن أبي النجود، وهو ابن بهدلة -به . وهذا إسناد حسن، وهو يقتضي أنه كان فيها قرآن ثم نسخ لفظه وحكمه أيضا، والله أعلم. بسم الله الرحمن الرحيم {يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا } . هذا تنبيه بالأعلى على الأدنى، فإنه تعالى إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا، فلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى. وقد قال طلق بن حبيب: التقوى: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، مخافة عذاب الله. وقوله: {ولا تطع الكافرين والمنافقين} أي: لا تسمع منهم ولا تستشرهم، {إن الله كان عليما حكيما} أي: فهو أحق أن تتبع أوامره وتطيعه، فإنه عليم بعواقب الأمور، حكيم في أقواله وأفعاله. ولهذا قال: {واتبع ما يوحى إليك من ربك} أي: من قرآن وسنة، {إن الله كان بما تعملون خبيرا} أي: فلا تخفى عليه خافية.
{وتوكل على الله} أي: في جميع أمورك وأحوالك، {وكفى بالله وكيلا} أي: وكفى به وكيلا لمن توكل عليه وأناب إليه. {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما } . يقول تعالى موطئا قبل المقصود المعنوي أمرا حسيا معروفا، وهو أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه، ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله: أنت علي كظهر أمي أما له، كذلك لا يصير الدعي ولدا للرجل إذا تبناه فدعاه ابنا له، فقال: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم} ، كقوله: {ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا} . [المجادلة:3] . وقوله: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم} : هذا هو المقصود بالنفي؛ فإنها نزلت في شأن زيد بن حارثة مولى النبي صلى الله عليه وسلم، كان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبناه قبل النبوة، وكان يقال له: "زيد بن محمد" فأراد الله تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم} كما قال في أثناء السورة: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما} [الأحزاب:40] وقال هاهنا: {ذلكم قولكم بأفواهكم} يعني: تبنيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابنا حقيقيا، فإنه مخلوق من صلب رجل آخر، فما يمكن أن يكون له أبوان، كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان. {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} : قال سعيد بن جبير {يقول الحق} أي: العدل. وقال قتادة: {وهو يهدي السبيل} أي: الصراط المستقيم. وقد ذكر غير واحد: أن هذه الآية نزلت في رجل من قريش، كان يقال له: "ذو القلبين"، وأنه كان يزعم أن له قلبين، كل منهما بعقل وافر. فأنزل الله هذه الآية ردا عليه. هكذا روى العوفي عن ابن عباس. قاله مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، واختاره ابن جرير. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا زهير، عن قابوس -يعني ابن أبي ظبيان -أن أباه حدثه قال: قلت لابن عباس: أرأيت قول الله تعالى : {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} ، ما عنى بذلك؟ قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما يصلي، فخطر خطرة، فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون له قلبين، قلبا معكم وقلبا معهم؟ فأنزل الله، عز وجل: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} . وهكذا رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن صاعد الحراني -وعن عبد بن حميد، عن أحمد بن يونس -كلاهما عن زهير، وهو ابن معاوية، به. ثم قال: وهذا حديث حسن. وكذا رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث زهير، به. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، في قوله: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} قال: بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة، ضرب له مثل، يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك . وكذا قال مجاهد، وقتادة، وابن زيد: أنها نزلت في زيد بن حارثة. وهذا يوافق ما قدمناه من التفسير، والله أعلم. وقوله: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} : هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب، وهم الأدعياء، فأمر [الله] تعالى برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل والقسط.
قال البخاري، رحمه الله: حدثنا معلى بن أسد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا موسى بن عقبة قال: حدثني سالم عن عبد الله بن عمر؛ أن زيدا بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} . وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي، من طرق، عن موسى بن عقبة، به . وقد كانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من كل وجه، في الخلوة بالمحارم وغير ذلك؛ ولهذا قالت سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة: يا رسول الله، كنا ندعو سالما ابنا، وإن الله قد أنزل ما أنزل، وإنه كان يدخل علي، وإني أجد في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا، فقال صلى الله عليه وسلم: "أرضعيه تحرمي عليه" الحديث. ولهذا لما نسخ هذا الحكم، أباح تعالى زوجة الدعي، وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش زوجة زيد بن حارثة، وقال: {لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} [الأحزاب:37] ، وقال في آية التحريم: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} [النساء:23] ، احترازا عن زوجة الدعي، فإنه ليس من الصلب، فأما الابن من الرضاعة، فمنزل منزلة ابن الصلب شرعا، بقوله عليه السلام في الصحيحين: "حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب" . فأما دعوة الغير ابنا على سبيل التكريم والتحبيب، فليس مما نهي عنه في هذه الآية، بدليل ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا الترمذي، من حديث سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات لنا من جمع، فجعل يلطخ أفخاذنا ويقول: "أبيني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس " . قال أبو عبيد وغيره: "أبيني" تصغير بني . وهذا ظاهر الدلالة، فإن هذا كان في حجة الوداع سنة عشر، وقوله: {ادعوهم لآبائهم} في شأن زيد بن حارثة، وقد قتل في يوم مؤتة سنة ثمان، وأيضا ففي صحيح مسلم، من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن الجعد أبي عثمان البصري، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بني". ورواه أبو داود والترمذي . وقوله: {فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم} : أمر [الله] تعالى برد أنساب الأدعياء إلى آبائهم، إن عرفوا، فإن لم يعرفوا آباءهم، فهم إخوانهم في الدين ومواليهم، أي: عوضا عما فاتهم من النسب. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خرج من مكة عام عمرة القضاء، وتبعتهم ابنة حمزة تنادي: يا عم، يا عم. فأخذها علي وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك فاحتمليها . فاختصم فيها علي، وزيد، وجعفر في أيهم يكفلها، فكل أدلى بحجة ؛ فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عميس -وقال زيد: ابنة أخي. وقال جعفر بن أبي طالب: ابنة عمي، وخالتها تحتي -يعني أسماء بنت عميس. فقضى النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها، وقال: "الخالة بمنزلة الأم". وقال لعلي: "أنت مني، وأنا منك". وقال لجعفر: "أشبهت خلقي وخلقي". وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا" . ففي هذا الحديث أحكام كثيرة من أحسنها: أنه، عليه الصلاة والسلام حكم بالحق، وأرضى كلا من المتنازعين، وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا"، كما قال تعالى: {فإخوانكم في الدين ومواليكم} . وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال أبو بكرة: قال الله، عز وجل: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم} ، فأنا ممن لا يعرف أبوه، وأنا من إخوانكم في الدين. قال أبي: والله إني لأظنه لو علم أن أباه كان حمارا لانتمى إليه.
وقد جاء في الحديث: "من ادعى لغير أبيه، وهو يعلمه، كفر . وهذا تشديد وتهديد ووعيد أكيد، في التبري من النسب المعلوم؛ ولهذا قال: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم} . ثم قال: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} أي: إذا نسبتم بعضهم إلى غير أبيه في الحقيقة خطأ، بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع؛ فإن الله قد وضع الحرج في الخطأ ورفع إثمه، كما أرشد إليه في قوله آمرا عباده أن يقولوا: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: 286] . وثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله: قد فعلت" . وفي صحيح البخاري، عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ، فله أجر" . وفي الحديث الآخر: "إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما يكرهون عليه". وقال هاهنا: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما} أي: وإنما الإثم على من تعمد الباطل كما قال تعالى : {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} . وفي الحديث المتقدم: "من ادعى إلى غير أبيه، وهو يعلمه، إلا كفر". وفي القرآن المنسوخ: "فإن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم". قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر أنه قال: بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل معه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده. ثم قال: قد كنا نقرأ: "ولا ترغبوا عن آبائكم [فإنه كفر بكم -أو: إن كفرا بكم -أن ترغبوا عن آبائكم] ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تطروني [كما أطري] عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبده ورسوله" . وربما قال معمر: "كما أطرت النصارى ابن مريم" . ورواه في الحديث الآخر: "ثلاث في الناس كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم" . {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا } . قد علم الله تعالى شفقة رسوله صلى الله عليه وسلم على أمته، ونصحه لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحكمه فيهم مقدما على اختيارهم لأنفسهم، كما قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] . وفي الصحيح: "والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين" . وفي الصحيح أيضا أن عمر، رضي الله عنه، قال: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال: "لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك". فقال: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي. فقال: "الآن يا عمر" . ولهذا قال تعالى في هذه الآية: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} . وقال البخاري عندها: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا [محمد بن] فليح، حدثنا أبي، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة. اقرؤوا إن شئتم: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} ، فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا. فإن ترك دينا أو ضياعا، فليأتني فأنا مولاه". تفرد به البخاري .
ورواه أيضا في "الاستقراض" وابن جرير، وابن أبي حاتم، من طرق، عن فليح، به مثله . ورواه الإمام أحمد، من حديث أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه . وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري في قوله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فأيما رجل مات وترك دينا، فإلي. ومن ترك مالا فلورثته " . ورواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل ، به نحوه. وقوله: {وأزواجه أمهاتهم} أي: في الحرمة والاحترام، والإكرام والتوقير والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وإن سمى بعض العلماء بناتهن أخوات المؤمنين، كما هو منصوص الشافعي في المختصر، وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم. وهل يقال لمعاوية وأمثاله: خال المؤمنين؟ فيه قولان للعلماء. ونص الشافعي على أنه يقال ذلك. وهل يقال لهن: أمهات المؤمنات، فيدخل النساء في جمع المذكر السالم تغليبا؟ فيه قولان: صح عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت: لا يقال ذلك. وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعي، رحمه الله. وقد روي عن أبي بن كعب، وابن عباس أنهما قرآ: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم"، وروي نحو هذا عن معاوية، ومجاهد، وعكرمة، والحسن: وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي. حكاه البغوي وغيره، واستأنسوا عليه بالحديث الذي رواه أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا ابن المبارك، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه"، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة. وأخرجه النسائي وابن ماجه، من حديث ابن عجلان . والوجه الثاني: أنه لا يقال ذلك، واحتجوا بقوله: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} : وقوله: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} أي: في حكم الله {من المؤمنين والمهاجرين} أي: القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار. وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحلف والمؤاخاة التي كانت بينهم، كما قال ابن عباس وغيره: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه، للأخوة التي آخى بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذا قال سعيد بن جبير، وغير واحد من السلف والخلف. وقد أورد فيه ابن أبي حاتم حديثا عن الزبير بن العوام، رضي الله عنه، فقال: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي بكر المصعبي -من ساكني بغداد -عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير بن العوام قال: أنزل الله، عز وجل، فينا خاصة معشر قريش والأنصار: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض} ، وذلك أنا معشر قريش لما قدمنا المدينة، قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان، فواخيناهم ووارثناهم. فآخى أبو بكر خارجة بن زيد، وآخى عمر فلانا، وآخى عثمان بن عفان رضي الله عنه رجلا من بني زريق، سعد الزرقي، ويقول بعض الناس غيره. قال الزبير: وواخيت أنا كعب بن مالك، فجئته فابتعلته فوجدت السلاح قد ثقله فيما يرى، فوالله يا بني، لو مات يومئذ عن الدنيا، ما ورثه غيري، حتى أنزل الله هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة، فرجعنا إلى مواريثنا. وقوله: {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} أي: ذهب الميراث، وبقي النصر والبر والصلة والإحسان والوصية.
وقوله: {كان ذلك في الكتاب مسطورا} أي: هذا الحكم، وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، حكم من الله مقدر مكتوب في الكتاب الأول، الذي لا يبدل، ولا يغير. قاله مجاهد وغير واحد. وإن كان قد يقال : قد شرع خلافه في وقت لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وهو يعلم أنه سينسخه إلى ما هو جار في قدره الأزلي ، وقضائه القدري الشرعي. {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما } . يقول تعالى مخبرا عن أولي العزم الخمسة، وبقية الأنبياء: أنه أخذ عليهم العهد والميثاق في إقامة دين الله، وإبلاغ رسالته، والتعاون والتناصر والاتفاق، كما قال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} [آل عمران: 81] فهذا العهد والميثاق أخذ عليهم بعد إرسالهم، وكذلك هذا. ونص من بينهم على هؤلاء الخمسة، وهم أولو العزم، وهو من باب عطف الخاص على العام، وقد صرح بذكرهم أيضا في هذه الآية، وفي قوله: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} [الشورى: 13] ، فذكر الطرفين والوسط، الفاتح والخاتم، ومن بينهما على [هذا] الترتيب. فهذه هي الوصية التي أخذ عليهم الميثاق بها، كما قال: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم [وموسى وعيسى ابن مريم] } ، فبدأ في هذه الآية بالخاتم؛ لشرفه -صلوات الله [وسلامه] عليه -ثم رتبهم بحسب وجودهم صلوات الله [وسلامه] عليهم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة الدمشقي، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا سعيد بن بشير، حدثني قتادة، عن الحسن ، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، في قول الله تعالى: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} الآية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث، [فبدئ بي] قبلهم" سعيد بن بشير فيه ضعف. وقد رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة مرسلا وهو أشبه، ورواه بعضهم عن قتادة موقوفا، والله أعلم. وقال أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو أحمد، حدثنا حمزة الزيات، حدثنا علي بن ثابت، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال: خيار ولد آدم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم أجمعين . موقوف، وحمزة فيه ضعف . وقد قيل: إن المراد بهذا الميثاق الذي أخذ منهم حين أخرجوا في صورة الذر من صلب آدم، كما قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: ورفع أباهم آدم، فنظر إليهم -يعني: ذريته -وأن فيهم الغني والفقير، وحسن الصورة، ودون ذلك، فقال: رب، لو سويت بين عبادك؟ فقال: إني أحببت أن أشكر. وأرى فيهم الأنبياء مثل السرج، عليهم كالنور، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة، فهو الذي يقول الله تعالى: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح [وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم] } الآية. وهذا قول مجاهد أيضا. وقال ابن عباس: الميثاق الغليظ: العهد. وقوله: {ليسأل الصادقين عن صدقهم} ، قال مجاهد: المبلغين المؤدين عن الرسل. وقوله: {وأعد للكافرين} أي: من أممهم {عذابا أليما} أي: موجعا، فنحن نشهد أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم، ونصحوا الأمم وأفصحوا لهم عن الحق المبين، الواضح الجلي، الذي لا لبس فيه، ولا شك، ولا امتراء، وإن كذبهم من كذبهم من الجهلة والمعاندين والمارقين والقاسطين، فما جاءت به الرسل هو الحق، ومن خالفهم فهو على الضلال.
{يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون } . يقول تعالى مخبرا عن نعمته وفضله وإحسانه إلى عباده المؤمنين، في صرفه أعداءهم وهزمه إياهم عام تألبوا عليهم وتحزبوا وذلك عام الخندق، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة على الصحيح المشهور. وقال موسى بن عقبة وغيره كانت في سنة أربع. وكان سبب قدوم الأحزاب أن نفرا من أشراف يهود بني النضير، الذين كانوا قد أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى خيبر، منهم: سلام بن أبي الحقيق، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع، خرجوا إلى مكة واجتمعوا بأشراف قريش، وألبوهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعدوهم من أنفسهم النصر والإعانة. فأجابوهم إلى ذلك، ثم خرجوا إلى غطفان فدعوهم فاستجابوا لهم أيضا. وخرجت قريش في أحابيشها، ومن تابعها، وقائدهم أبو سفيان صخر بن حرب، وعلى غطفان عيينة بن حصن بن بدر، والجميع قريب من عشرة آلاف، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسيرهم أمر المسلمين بحفر الخندق حول المدينة مما يلي الشرق ، وذلك بإشارة سلمان الفارسي، فعمل المسلمون فيه واجتهدوا، ونقل معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب وحفر، وكان في حفره ذلك آيات بينات ودلائل واضحات. وجاء المشركون فنزلوا شرقي المدينة قريبا من أحد، ونزلت طائفة منهم في أعالي أرض المدينة، كما قال الله تعالى: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم} ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن معه من المسلمين، وهم نحو ثلاثة آلاف، وقيل: سبعمائة، وأسندوا ظهورهم إلى سلع ووجوههم إلى نحو العدو، والخندق حفير ليس فيه ماء بينهم وبينهم يحجب الرجالة والخيالة أن تصل إليهم، وجعل النساء والذراري في آطام المدينة، وكانت بنو قريظة -وهم طائفة من اليهود -لهم حصن شرقي المدينة، ولهم عهد من النبي صلى الله عليه وسلم وذمة، وهم قريب من ثمانمائة مقاتل فذهب إليهم حيي بن أخطب النضري [اليهودي] ، فلم يزل بهم حتى نقضوا العهد، ومالؤوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعظم الخطب واشتد الأمر، وضاق الحال، كما قال الله تعالى: {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} . ومكثوا محاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قريبا من شهر، إلا أنهم لا يصلون إليهم، ولم يقع بينهم قتال، إلا أن عمرو بن عبد ود العامري -وكان من الفرسان الشجعان المشهورين في الجاهلية -ركب ومعه فوارس فاقتحموا الخندق، وخلصوا إلى ناحية المسلمين، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم خيل المسلمين إليه، فلم يبرز إليه أحد، فأمر عليا فخرج إليه، فتجاولا ساعة، ثم قتله علي، رضي الله عنه، فكان علامة على النصر. ثم أرسل الله عز، وجل، على الأحزاب ريحا شديدة الهبوب قوية، حتى لم تبق لهم خيمة ولا شيء ولا توقد لهم نار، ولا يقر لهم قرار حتى ارتحلوا خائبين خاسرين، كما قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا} . قال مجاهد: وهي الصبا، ويؤيده الحديث الآخر: "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور". وقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن عكرمة قال: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بالليل. قال: فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا . ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج، عن حفص بن غياث، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
وقال ابن جرير أيضا: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، حدثني عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: أرسلني خالي عثمان بن مظعون ليلة الخندق في برد شديد وريح إلى المدينة، فقال: ائتنا بطعام ولحاف. قال: فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذن لي، وقال: "من أتيت من أصحابي فمرهم يرجعوا". قال: فذهبت والريح تسفي كل شيء، فجعلت لا ألقى أحدا إلا أمرته بالرجوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فما يلوي أحد منهم عنقه. قال: وكان معي ترس لي، فكانت الريح تضربه علي، وكان فيه حديد، قال: فضربته الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد على كفي، فأنفدها إلى الأرض. وقوله: {وجنودا لم تروها} وهم الملائكة، زلزلتهم وألقت في قلوبهم الرعب والخوف، فكان رئيس كل قبيلة يقول: يا بني فلان إلي. فيجتمعون إليه فيقول: النجاء، النجاء. لما ألقى الله تعالى في قلوبهم من الرعب. وقال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال: قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي. قال: وكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد. قال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا. قال: قال حذيفة: يابن أخي، والله لو رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل، ثم التفت فقال: "من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم؟ -يشرط له النبي صلى الله عليه وسلم أنه يرجع -أدخله الله الجنة". قال: فما قام رجل. ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ثم التفت إلينا، فقال مثله، فما قام منا رجل. ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال: "من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع -يشترط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة -أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة". فما قام رجل من القوم؛ من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد. فلما لم يقم أحد، دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني فقال: "يا حذيفة، اذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون، ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا". قال: فذهبت فدخلت [في القوم] ، والريح وجنود الله، عز وجل، تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه. قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح الذي ترون . والله ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا، فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه، فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم. ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي: "ألا تحدث شيئا حتى تأتيني" ثم شئت، لقتلته بسهم. قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه مرحل، فلما رآني أدخلني بين رجليه، وطرح علي طرف المرط، ثم ركع، وسجد وإني لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم .