Qur'an&Sunnahالقرآن

İbn Kesîr - Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

İbn Kesîr · AR

قسم V06/P524–V06/P526İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P524–V06/P526)

فأما الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "أعطيت ثلاثا لم يعطهن من قبلي ولا فخر: أحلت لي الغنائم، ولم تحل لمن قبلي، كانوا قبلي يجمعون غنائمهم فيحرقونها. وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وكان كل نبي يبعث إلى قومه، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، أتيمم بالصعيد، وأصلي حيث أدركتني الصلاة، قال الله: {أن تقوموا لله مثنى وفرادى} وأعنت بالرعب مسيرة شهر بين يدي" -فهو حديث ضعيف الإسناد، وتفسير الآية بالقيام في الصلاة في جماعة وفرادى بعيد، ولعله مقحم في الحديث من بعض الرواة، فإن أصله ثابت في الصحاح وغيرها والله أعلم. وقوله: {إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد} : قال البخاري عندها: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن خازم، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا ذات يوم، فقال: "يا صباحاه". فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: ما لك؟ فقال: "أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم، أما كنتم تصدقوني؟ " قالوا: بلى. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". فقال أبو لهب: تبا لك! ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله: {تبت يدا أبي لهب وتب} [المسد] . وقد تقدم عند قوله: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] . وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا بشير بن المهاجر، حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فنادى ثلاث مرات فقال: "أيها الناس، أتدرون ما مثلي ومثلكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا يأتيهم، فبعثوا رجلا يتراءى لهم، فبينما هو كذلك أبصر العدو، فأقبل لينذرهم وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه: أيها الناس، أوتيتم. أيها الناس، أوتيتم -ثلاث مرات". وبهذا الإسناد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثت أنا والساعة جميعا، إن كادت لتسبقني". تفرد به الإمام أحمد في مسنده. {قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب } . {قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب } . يقول تعالى آمرا رسوله أن يقول للمشركين: {ما سألتكم من أجر فهو لكم} أي: لا أريد منكم جعلا ولا عطاء على أداء رسالة الله إليكم، ونصحي إياكم، وأمركم بعبادة الله، {إن أجري إلا على الله} أي: إنما أطلب ثواب ذلك من عند الله {وهو على كل شيء شهيد} أي: عالم بجميع الأمور، بما أنا عليه من إخباري عنه بإرساله إياي إليكم، وما أنتم عليه. وقوله: { قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب} ، كقوله تعالى: {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} [غافر: 15] . أي: يرسل الملك إلى من يشاء من عباده من أهل الأرض، وهو علام الغيوب، فلا تخفى عليه خافية في السموات ولا في الأرض.

قسم V06/P526–V06/P527İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P526–V06/P527)

وقوله: {قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد} أي: جاء الحق من الله والشرع العظيم، وذهب الباطل وزهق واضمحل، كقوله: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه [فإذا هو زاهق ] } [الأنبياء: 18] ، ولهذا لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الحرام يوم الفتح، ووجد تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة، جعل يطعن الصنم بسية قوسه، ويقرأ: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} ، {قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد} . رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وحده عند هذه الآية، كلهم من حديث الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة، عن ابن مسعود، به . أي: لم يبق للباطل مقالة ولا رياسة ولا كلمة. وزعم قتادة والسدي: أن المراد بالباطل ها هنا إبليس، إنه لا يخلق أحدا ولا يعيده، ولا يقدر على ذلك. وهذا وإن كان حقا ولكن ليس هو المراد هاهنا والله أعلم. وقوله: {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي} أي: الخير كله من عند الله، وفيما أنزله الله عز وجل من الوحي والحق المبين فيه الهدى والبيان والرشاد، ومن ضل فإنما يضل من تلقاء نفسه، كما قال عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، لما سئل عن تلك المسألة في المفوضة: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه. وقوله: {إنه سميع قريب} أي: سميع لأقوال عباده، قريب مجيب دعوة الداعي إذا دعاه. وقد روى النسائي هاهنا حديث أبي موسى الذي في الصحيحين [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال] : "إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا " قريبا مجيبا". {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب } . يقول تعالى: ولو ترى -يا محمد-إذ فزع هؤلاء المكذبون يوم القيامة، {فلا فوت} أي: فلا مفر لهم، ولا وزر ولا ملجأ {وأخذوا من مكان قريب} أي: لم يكونوا يمنعون في الهرب بل أخذوا من أول وهلة. قال الحسن البصري: حين خرجوا من قبورهم. وقال مجاهد، وعطية العوفي، وقتادة: من تحت أقدامهم. وعن ابن عباس والضحاك: يعني: عذابهم في الدنيا. وقال عبد الرحمن بن زيد: يعني: قتلهم يوم بدر. والصحيح: أن المراد بذلك يوم القيامة، وهو الطامة العظمى، وإن كان ما ذكر متصلا بذلك. وحكى ابن جرير عن بعضهم قال: إن المراد بذلك جيش يخسف بهم بين مكة والمدينة في أيام بني العباس، ثم أورد في ذلك حديثا موضوعا بالكلية. ثم لم ينبه على ذلك، وهذا أمر عجيب غريب منه {وقالوا آمنا به} أي: يوم القيامة يقولون: آمنا بالله وبكتبه ورسله ، كما قال تعالى: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون} [السجدة: 12] ؛ ولهذا قال تعالى: {وأنى لهم التناوش من مكان بعيد} أي: وكيف لهم تعاطي الإيمان وقد بعدوا عن محل قبوله منهم وصاروا إلى الدار الآخرة، وهي دار الجزاء لا دار الابتلاء، فلو كانوا آمنوا في الدنيا لكان ذلك نافعهم، ولكن بعد مصيرهم إلى الدار الآخرة لا سبيل لهم إلى قبول الإيمان، كما لا سبيل إلى حصول الشيء لمن يتناوله من بعيد. قال مجاهد: {وأنى لهم التناوش} قال: التناول لذلك. وقال الزهري: التناوش: تناولهم الإيمان وهم في الآخرة، وقد انقطعت عنهم الدنيا. وقال الحسن البصري: أما إنهم طلبوا الأمر من حيث لا ينال، تعاطوا الإيمان من مكان بعيد. وقال ابن عباس: طلبوا الرجعة إلى الدنيا والتوبة مما هم فيه، وليس بحين رجعة ولا توبة. وكذا قال محمد بن كعب القرظي، رحمه الله.

قسم V06/P527–V06/P529İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P527–V06/P529)

وقوله: {وقد كفروا به من قبل} أي: كيف يحصل لهم الإيمان في الآخرة، وقد كفروا بالحق في الدنيا وكذبوا بالرسل؟ {ويقذفون بالغيب من مكان بعيد} : قال مالك، عن زيد بن أسلم: {ويقذفون بالغيب} قال: بالظن. قلت: كما قال تعالى: {رجما بالغيب} [الكهف: 22] ، فتارة يقولون: شاعر. وتارة يقولون: كاهن. وتارة يقولون: ساحر. وتارة يقولون: مجنون. إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة، ويكذبون بالغيب والنشور والمعاد، ويقولون: {إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين} [الجاثية: 32] . قال قتادة: يرجمون بالظن، لا بعث ولا جنة ولا نار. وقوله: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} : قال الحسن البصري، والضحاك، وغيرهما: يعني: الإيمان. وقال السدي: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} وهي: التوبة. وهذا اختيار ابن جرير، رحمه الله. وقال مجاهد: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} من هذه الدنيا، من مال وزهرة وأهل. وروي [ذلك] عن ابن عباس وابن عمر والربيع بن أنس. وهو قول البخاري وجماعة. والصحيح: أنه لا منافاة بين القولين؛ فإنه قد حيل بينهم وبين شهواتهم في الدنيا وبين ما طلبوه في الآخرة، فمنعوا منه. وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا أثرا غريبا [عجيبا] جدا، فلنذكره بطوله فإنه قال: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا بشر بن حجر السامي ، حدثنا علي بن منصور الأنباري، عن الشرقي ابن قطامي، عن سعيد بن طريف، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله عز وجل: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} إلى آخر الآية، قال: كان رجل من بني إسرائيل فاتحا -أي فتح الله له مالا-فمات فورثه ابن له تافه -أي: فاسد-فكان يعمل في مال الله بمعاصي الله. فلما رأى ذلك إخوان أبيه أتوا الفتى فعذلوه ولاموه، فضجر الفتى فباع عقاره بصامت، ثم رحل فأتى عينا ثجاجة فسرح فيها ماله، وابتنى قصرا. فبينما هو ذات يوم جالس إذ شملت عليه [ريح] بامرأة من أحسن الناس وجها وأطيبهم أرجا -أي: ريحا-فقالت: من أنت يا عبد الله؟ فقال: أنا امرؤ من بني إسرائيل قالت: فلك هذا القصر، وهذا المال؟ قال: نعم. قالت: فهل لك من زوجة؟ قال: لا. قالت: فكيف يهنيك العيش ولا زوجة لك؟ قال: قد كان ذلك. فهل لك من بعل؟ قالت: لا. قال: فهل لك إلى أن أتزوجك؟ قالت: إني امرأة منك على مسيرة ميل، فإذا كان غد فتزود زاد يوم وأتني، وإن رأيت في طريقك هولا فلا يهولنك. فلما كان من الغد تزود زاد يوم، وانطلق فانتهى إلى قصر، فقرع رتاجه، فخرج إليه شاب من أحسن الناس وجها وأطيبهم أرجا -أي: ريحا-فقال: من أنت يا عبد الله؟ فقال: أنا الإسرائيلي. قال فما حاجتك؟ قال: دعتني صاحبة هذا القصر إلى نفسها. قال: صدقت، قال فهل رأيت في طريقك [هولا؟] قال: نعم، ولولا أنها أخبرتني أن لا بأس علي، لهالني الذي رأيت؛ أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل، إذا أنا بكلبة فاتحة فاها، ففزعت، فوثبت فإذا أنا من ورائها، وإذا جراؤها ينبحن في بطنها. فقال له الشاب: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان، يقاعد الغلام المشيخة في مجلسهم ويبزهم حديثهم. قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل، إذا أنا بمائة عنز حفل، وإذا فيها جدي يمصها، فإذا أتى عليها وظن أنه لم يترك شيئا، فتح فاه يلتمس الزيادة. فقال: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان، ملك يجمع صامت الناس كلهم، حتى إذا ظن أنه لم يترك شيئا فتح فاه يلتمس الزيادة. قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بشجر، فأعجبني غصن من شجرة منها ناضر، فأردت قطعه، فنادتني شجرة أخرى: "يا عبد الله، مني فخذ". حتى ناداني الشجر أجمع: "يا عبد الله، منا فخذ". قال: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان، يقل الرجال ويكثر النساء، حتى إن الرجل ليخطب المرأة فتدعوه العشر والعشرون إلى أنفسهن.

قسم V06/P529–V06/P531İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P529–V06/P531)

قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل قائم على عين، يغرف لكل إنسان من الماء، فإذا تصدعوا عنه صب في جرته فلم تعلق جرته من الماء بشيء. قال: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان، القاص يعلم الناس العلم ثم يخالفهم إلى معاصي الله. قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بعنز وإذا بقوم قد أخذوا بقوائمها، وإذا رجل قد أخذ بقرنيها، وإذا رجل قد أخذ بذنبها، وإذا رجل قد ركبها، وإذا رجل يحلبها. فقال: أما العنز فهي الدنيا، والذين أخذوا بقوائمها يتساقطون من عيشها، وأما الذي قد أخذ بقرنيها فهو يعالج من عيشها ضيقا، وأما الذي أخذ بذنبها فقد أدبرت عنه، وأما الذي ركبها فقد تركها. وأما الذي يحلبها فبخ [بخ] ، ذهب ذلك بها. قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل، وإذا أنا برجل يمتح على قليب، كلما أخرج دلوه صبه في الحوض، فانساب الماء راجعا إلى القليب. قال: هذا رجل رد الله [عليه] صالح عمله، فلم يقبله. قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل، إذا أنا برجل يبذر بذرا فيستحصد، فإذا حنطة طيبة. قال: هذا رجل قبل الله صالح عمله، وأزكاه له. قال: ثم أقبلت حتى [إذا] انفرج بي السبيل، إذا أنا برجل مستلق على قفاه، قال: يا عبد الله، ادن مني فخذ بيدي وأقعدني، فوالله ما قعدت منذ خلقني الله فأخذت بيده، فقام يسعى حتى ما أراه. فقال له الفتى: هذا عمر الأبعد نفد، أنا ملك الموت وأنا المرأة التي أتتك ... أمرني الله بقبض روح الأبعد في هذا المكان، ثم أصيره إلى نار جهنم قال: ففيه نزلت هذه: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} الآية. هذا أثر غريب ، وفي صحته نظر، وتنزيل [هذه] الآية عليه وفي حقه بمعنى أن الكفار كلهم يتوفون وأرواحهم متعلقة بالحياة الدنيا، كما جرى لهذا المغرور المفتون، ذهب يطلب مراده فجاءه الموت فجأة بغتة، وحيل بينه وبين ما يشتهي. وقوله: {كما فعل بأشياعهم من قبل} أي: كما جرى للأمم الماضية المكذبة للرسل، لما جاءهم بأس الله تمنوا أن لو آمنوا فلم يقبل منهم، {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين. فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون} [غافر: 84، 85] . وقوله: {إنهم كانوا في شك مريب} أي: كانوا في الدنيا في شك وريبة، فلهذا لم يتقبل منهم الإيمان عند معاينة العذاب. قال قتادة: إياكم والشك والريبة. فإن من مات على شك بعث عليه، ومن مات على يقين بعث عليه. آخر تفسير سورة "سبأ" ولله الحمد والمنة. تفسير سورة فاطر بسم الله الرحمن الرحيم {الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير } . قال سفيان الثوري، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما [لصاحبه] : أنا فطرتها، أنا بدأتها. فقال ابن عباس أيضا: {فاطر السموات والأرض} بديع السموات والأرض. وقال الضحاك: كل شيء في القرآن فاطر السموات والأرض فهو: خالق السموات والأرض. وقوله: {جاعل الملائكة رسلا} أي: بينه وبين أنبيائه، {أولي أجنحة} أي: يطيرون بها ليبلغوا ما أمروا به سريعا {مثنى وثلاث ورباع} أي: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة ومنهم من له أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك، كما جاء في الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى جبريل ليلة الإسراء وله ستمائة جناح، بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب؛ ولهذا قال: {يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير} . قال السدي: يزيد في الأجنحة وخلقهم ما يشاء.

قسم V06/P531–V06/P533İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P531–V06/P533)

وقال الزهري، وابن جريج في قوله: {يزيد في الخلق ما يشاء} يعني: حسن الصوت. رواه عن الزهري البخاري في الأدب، وابن أبي حاتم في تفسيره. وقرئ في الشاذ: "يزيد في الحلق"، بالحاء المهملة، والله أعلم. {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم } . يخبر تعالى أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، حدثنا مغيرة، أخبرنا عامر، عن وراد -مولى المغيرة بن شعبة-قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: اكتب لي بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدعاني المغيرة فكتبت إليه: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من الصلاة قال: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد"، وسمعته ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال، وعن وأد البنات، وعقوق الأمهات، ومنع وهات. وأخرجاه من طرق عن وراد، به. وثبت في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: "سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماء والأرض وملء ما شئت من شيء بعد. اللهم، أهل الثناء والمجد. أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد. اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". وهذه الآية كقوله تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله} [يونس: 107] . ولهذا نظائر كثيرة. وقال الإمام مالك: كان أبو هريرة إذا مطروا يقول: مطرنا بنوء الفتح، ثم يقرأ هذه الآية: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم} . ورواه ابن أبي حاتم، عن يونس عن ابن وهب، عنه. {يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون } . ينبه تعالى عباده ويرشدهم إلى الاستدلال على توحيده في إفراد العبادة له، كما أنه المستقل بالخلق والرزق فكذلك فليفرد بالعبادة ، ولا يشرك به غيره من الأصنام والأنداد والأوثان؛ ولهذا قال: {لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} ، أي: فكيف تؤفكون بعد هذا البيان، ووضوح هذا البرهان، وأنتم بعد هذا تعبدون الأنداد والأوثان؟ {وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } . يقول: وإن يكذبك -يا محمد-هؤلاء المشركون بالله ويخالفوك فيما جئتهم به من التوحيد، فلك فيمن سلف قبلك من الرسل أسوة، فإنهم كذلك جاؤوا قومهم بالبينات وأمروهم بالتوحيد فكذبوهم وخالفوهم، {وإلى الله ترجع الأمور} أي: وسنجزيهم على ذلك أوفر الجزاء.

قسم V06/P533–V06/P534İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P533–V06/P534)

ثم قال: {يا أيها الناس إن وعد الله حق} أي: المعاد كائن لا محالة، {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} أي: العيشة الدنيئة بالنسبة إلى ما أعد الله لأوليائه وأتباع رسله من الخير العظيم فلا تتلهوا عن ذلك الباقي بهذه الزهرة الفانية، {ولا يغرنكم بالله الغرور} وهو الشيطان. قاله ابن عباس. أي: لا يفتننكم الشيطان ويصرفنكم عن اتباع رسل الله وتصديق كلماته فإنه غرار كذاب أفاك. وهذه الآية كالآية التي في آخر لقمان: {فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} [لقمان: 33] . قال مالك، عن زيد بن أسلم: هو الشيطان. كما قال: يقول المؤمنون للمنافقين يوم القيامة حين يضرب {بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور} [الحديد: 13، 14] . ثم بين تعالى عداوة إبليس لابن آدم فقال: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} أي: هو مبارز لكم بالعداوة، فعادوه أنتم أشد العداوة، وخالفوه وكذبوه فيما يغركم به، {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} أي: إنما يقصد أن يضلكم حتى تدخلوا معه إلى عذاب السعير، فهذا هو العدو المبين. فنسأل الله القوي العزيز أن يجعلنا أعداء الشيطان ، وأن يرزقنا اتباع كتابه، والاقتفاء بطريق رسوله، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير. وهذه كقوله: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا} [الكهف: 50] . [وقال بعض العلماء: وتحت هذا الخطاب نوع لطيف من العتاب كأنه يقول: إنما عاديت إبليس من أجل أبيكم ومن أجلكم، فكيف يحسن بكم أن توالوه؟ بل اللائق بكم أن تعادوه وتخالفوه ولا تطاوعوه] . {الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون } . لما ذكر [الله] تعالى أن أتباع إبليس مصيرهم إلى [عذاب] السعير، ذكر بعد ذلك أن الذين كفروا لهم عذاب شديد ؛ لأنهم أطاعوا الشيطان وعصوا الرحمن، وأن الذين آمنوا بالله ورسله {وعملوا الصالحات لهم مغفرة} أي: لما كان منهم من ذنب، {وأجر كبير} على ما عملوه من خير. ثم قال: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا} يعني: كالكفار والفجار، يعملون أعمالا سيئة، وهم في ذلك يعتقدون ويحسون أنهم يحسنون صنعا، أي: أفمن كان هكذا قد أضله الله، ألك فيه حيلة؟ لا حيلة لك فيه، {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} أي: بقدره كان ذلك، {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} أي: لا تأسف على ذلك فإن الله حكيم في قدره، إنما يضل من يضل ويهدي من يهدي ، لما له في ذلك من الحجة البالغة، والعلم التام؛ ولهذا قال: {إن الله عليم بما يصنعون} . وقال ابن أبي حاتم عند هذه الآية: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني -أو: ربيعة-عن عبد الله بن الديلمي قال: أتيت عبد الله بن عمرو، وهو في حائط بالطائف يقال له: الوهط، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من نوره يومئذ فقد اهتدى، ومن أخطأه منه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على ما علم الله عز وجل". ثم قال: حدثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدثنا حسان بن حسان البصري، حدثنا إبراهيم بن بشر حدثنا يحيى بن معين حدثنا إبراهيم القرشي، عن سعد بن شرحبيل عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "الحمد لله الذي يهدي من الضلالة، ويلبس الضلالة على من أحب". وهذا أيضا حديث غريب جدا.

قسم V06/P534–V06/P536İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P534–V06/P536)

{والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير } . كثيرا ما يستدل تعالى على المعاد بإحيائه الأرض بعد موتها -كما في [أول] سورة الحج -ينبه عباده أن يعتبروا بهذا على ذلك، فإن الأرض تكون ميتة هامدة لا نبات فيها، فإذا أرسل إليها السحاب تحمل الماء وأنزله عليها، {اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج} [الحج: 5] ، كذلك الأجساد ، إذا أراد الله سبحانه بعثها ونشورها، أنزل من تحت العرش مطرا يعم الأرض جميعا فتنبت الأجساد في قبورها كما ينبت الحب في الأرض؛ ولهذا جاء في الصحيح: "كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب"؛ ولهذا قال تعالى: {كذلك النشور} . وتقدم في "الحج" حديث أبي رزين: قلت: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال: "يا أبا رزين، أما مررت بوادي قومك محلا ثم مررت به يهتز خضرا؟ " قلت: بلى. قال: "فكذلك يحيي الله الموتى". وقوله: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا} أي: من كان يحب أن يكون عزيزا في الدنيا والآخرة، فليلزم طاعة الله، فإنه يحصل له مقصوده؛ لأن الله مالك الدنيا والآخرة، وله العزة جميعها، كما قال تعالى: {الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا} [النساء: 139] . وقال تعالى: {ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا} [يونس: 65] ، وقال: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون} [المنافقون: 8] . قال مجاهد: {من كان يريد العزة} بعبادة الأوثان، {فإن العزة لله جميعا} . وقال قتادة: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا} أي: فليتعزز بطاعة الله عز وجل. وقيل: من كان يريد علم العزة، لمن هي، {فإن العزة لله جميعا} ، حكاه ابن جرير. وقوله: {إليه يصعد الكلم الطيب} يعني: الذكر والتلاوة والدعاء. قاله غير واحد من السلف. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي، أخبرني جعفر بن عون، عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، عن عبد الله بن المخارق، عن أبيه المخارق بن سليم قال: قال لنا عبد الله -هو ابن مسعود-إذا حدثناكم حديثا أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله: إن العبد المسلم إذا قال: "سبحان الله وبحمده، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، تبارك الله"، أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه، ثم صعد بهن إلى السماء فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن، حتى يجيء بهن وجه الرحمن عز وجل، ثم قرأ عبد الله: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} . وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا سعيد الجريري ، عن عبد الله بن شقيق قال : قال كعب الأحبار: إن ل "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" لدويا حول العرش كدوي النحل، يذكرن بصاحبهن، والعمل الصالح في الخزائن. وهذا إسناد صحيح إلى كعب الأحبار، رحمه الله، وقد روي مرفوعا. قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا موسى -يعني: ابن مسلم الطحان -عن عون بن عبد الله، عن أبيه -أو: عن أخيه -عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذين يذكرون من جلال الله، من تسبيحه وتكبيره وتحميده وتهليله، يتعاطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل، يذكرون بصاحبهن ألا يحب أحدكم ألا يزال له عند الله شيء يذكر به؟ ".

قسم V06/P536–V06/P538İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P536–V06/P538)

وهكذا رواه ابن ماجه عن أبي بشر بكر بن خلف، عن يحيى بن سعيد القطان، عن موسى بن أبي [عيسى] الطحان، عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبيه -أو: عن أخيه-عن النعمان بن بشير، به. وقوله: {والعمل الصالح يرفعه} : قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الكلم الطيب: ذكر الله، يصعد به إلى الله، عز وجل، والعمل الصالح: أداء فرائضه. ومن ذكر الله ولم يؤد فرائضه، رد كلامه على عمله، فكان أولى به. وكذا قال مجاهد: العمل الصالح يرفع الكلام الطيب. وكذا قال أبو العالية، وعكرمة، وإبراهيم النخعي، والضحاك، والسدي، والربيع بن أنس، وشهر بن حوشب، وغير واحد [من السلف] . وقال إياس بن معاوية القاضي: لولا العمل الصالح لم يرفع الكلام. وقال الحسن، وقتادة: لا يقبل قول إلا بعمل. وقوله: {والذين يمكرون السيئات} : قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وشهر بن حوشب: هم المراؤون بأعمالهم، يعني: يمكرون بالناس، يوهمون أنهم في طاعة الله، وهم بغضاء إلى الله عز وجل، يراؤون بأعمالهم، {ولا يذكرون الله إلا قليلا} [النساء: 142] . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المشركون. والصحيح أنها عامة، والمشركون داخلون بطريق الأولى، ولهذا قال: {لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور} ، أي: يفسد ويبطل ويظهر زيفهم عن قريب لأولي البصائر والنهى، فإنه ما أسر عبد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وما أسر أحد سريرة إلا كساه الله رداءها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. فالمرائي لا يروج أمره ويستمر إلا على غبي، أما المؤمنون المتفرسون فلا يروج ذلك عليهم، بل يكشف لهم عن قريب، وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية. وقوله: {والله خلقكم من تراب ثم من نطفة} أي: ابتدأ خلق أبيكم آدم من تراب، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، {ثم جعلكم أزواجا} أي: ذكرا وأنثى، لطفا منه ورحمة أن جعل لكم أزواجا من جنسكم، لتسكنوا إليها. وقوله: {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه} أي: هو عالم بذلك، لا يخفى عليه من ذلك شيء، بل {ما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} [الأنعام: 59] . وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام [وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار. عالم الغيب والشهادة الكبير] المتعال} [الرعد: 8، 9] . وقوله: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} أي: ما يعطى بعض النطف من العمر الطويل يعلمه، وهو عنده في الكتاب الأول، {ولا ينقص من عمره} الضمير عائد على الجنس، لا على العين؛ لأن العين الطويل للعمر في الكتاب وفي علم الله لا ينقص من عمره، وإنما عاد الضمير على الجنس. قال ابن جرير: وهذا كقولهم: "عندي ثوب ونصفه" أي: ونصف آخر. وروي من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير} ، يقول: ليس أحد قضيت له طول عمر وحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر وقد قضيت ذلك له، فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت لا يزاد عليه، وليس أحد قضيت له أنه قصير العمر والحياة ببالغ للعمر، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتبت له، فذلك قوله: {ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير} ، يقول: كل ذلك في كتاب عنده. وهكذا قال الضحاك بن مزاحم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه: {ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} قال: ما لفظت الأرحام من الأولاد من غير تمام. وقال عبد الرحمن في تفسيرها: ألا ترى الناس، يعيش الإنسان مائة سنة، وآخر يموت حين يولد فهذا هذا. وقال قتادة: والذي ينقص من عمره: فالذي يموت قبل ستين سنة.

قسم V06/P538–V06/P539İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P538–V06/P539)

وقال مجاهد: {وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} أي: في بطن أمه يكتب له ذلك، لم يخلق الخلق على عمر واحد، بل لهذا عمر، ولهذا عمر هو أنقص من عمره، وكل ذلك مكتوب لصاحبه، بالغ ما بلغ. وقال بعضهم: بل معناه: {وما يعمر من معمر} أي: ما يكتب من الأجل {ولا ينقص من عمره} ، وهو ذهابه قليلا قليلا الجميع معلوم عند الله سنة بعد سنة، وشهرا بعد شهر، وجمعة بعد جمعة، ويوما بعد يوم، وساعة بعد ساعة، الجميع مكتوب عند الله في كتاب. نقله ابن جرير عن أبي مالك، وإليه ذهب السدي، وعطاء الخراساني. واختار ابن جرير [القول] الأول، وهو كما قال. وقال النسائي عند تفسير هذه الآية الكريمة: حدثنا أحمد بن يحيى بن أبي زيد بن سليمان، سمعت ابن وهب يقول: حدثني يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أجله فليصل رحمه". وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود، من حديث يونس بن يزيد الأيلي، به . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الوليد بن عبد الملك بن عبيد الله أبو مسرح، حدثنا عثمان بن عطاء، عن مسلمة بن عبد الله، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي، عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، قال: ذكرنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد، فيدعون له من بعده، فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر". وقوله: {إن ذلك على الله يسير} أي: سهل عليه، يسير لديه علمه بذلك وبتفصيله في جميع مخلوقاته، فإن علمه شامل لجميع ذلك لا يخفى منه عليه شيء. {وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } . يقول تعالى منبها على قدرته العظيمة في خلقه الأشياء المختلفة: وخلق البحرين العذب الزلال، وهو هذه الأنهار السارحة بين الناس، من كبار وصغار، بحسب الحاجة إليها في الأقاليم والأمصار، والعمران والبراري والقفار، وهي عذبة سائغ شرابها لمن أراد ذلك، {وهذا ملح أجاج} ، وهو البحر الساكن الذي تسير فيه السفن الكبار، وإنما تكون مالحة زعاقا مرة، ولهذا قال: {وهذا ملح أجاج} ، أي: مر. ثم قال: {ومن كل تأكلون لحما طريا} يعني: السمك، {وتستخرجون حلية تلبسونها} ، كما قال تعالى: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان. فبأي آلاء ربكما تكذبان} [الرحمن: 22، 23] . وقوله: {وترى الفلك فيه مواخر} أي: تمخره وتشقه بحيزومها، وهو مقدمها المسنم الذي يشبه جؤجؤ الطير -وهو: صدره. وقال مجاهد: تمخر الريح السفن، ولا يمخر الريح من السفن إلا العظام. وقوله: {لتبتغوا من فضله} أي: بأسفاركم بالتجارة، من قطر إلى قطر، وإقليم إلى إقليم، {ولعلكم تشكرون} أي تشكرون ربكم على تسخيره لكم هذا الخلق العظيم، وهو البحر، تتصرفون فيه كيف شئتم، وتذهبون أين أردتم، ولا يمتنع عليكم شيء منه، بل بقدرته قد سخر لكم ما في السموات وما في الأرض، الجميع من فضله ومن رحمته. {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير } . وهذا أيضا من قدرته التامة وسلطانه العظيم، في تسخيره الليل بظلامه والنهار بضيائه، ويأخذ من طول هذا فيزيده في قصر هذا فيعتدلان. ثم يأخذ من هذا في هذا، فيطول هذا ويقصر هذا، ثم يتقارضان صيفا وشتاء، {وسخر الشمس والقمر} أي: والنجوم السيارات، والثوابت الثاقبات بأضوائهن أجرام السموات، الجميع يسيرون بمقدار معين، وعلى منهاج مقنن محرر، تقديرا من عزيز عليم. {كل يجري لأجل مسمى} أي: إلى يوم القيامة.

قسم V06/P539–V06/P540İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P539–V06/P540)

{ذلكم الله ربكم} أي: الذي فعل هذا هو الرب العظيم، الذي لا إله غيره، {والذين تدعون من دونه} أي: من الأنداد والأصنام التي هي على صورة من تزعمون من الملائكة المقربين، {ما يملكون من قطمير} . قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء وعطية العوفي، والحسن، وقتادة وغيرهم: القطمير: هو اللفافة التي تكون على نواة التمرة، أي: لا يملكون من السموات والأرض شيئا، ولا بمقدار هذا القطمير. ثم قال: {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم} يعني: الآلهة التي تدعونها من دون الله لا يسمعون دعاءكم ؛ لأنها جماد لا أرواح فيها {ولو سمعوا ما استجابوا لكم} أي: لا يقدرون على ما تطلبون منها، {ويوم القيامة يكفرون بشرككم} ، أي: يتبرؤون منكم، كما قال تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} [الأحقاف: 5، 6] ، وقال: {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} [مريم: 81، 82] . وقوله: {ولا ينبئك مثل خبير} أي: ولا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه، مثل خبير بها. قال قتادة: يعني نفسه تبارك وتعالى، فإنه أخبر بالواقع لا محالة. {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير } . يخبر تعالى بغنائه عما سواه، وبافتقار المخلوقات كلها إليه، وتذللها بين يديه، فقال: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} أي: هم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات، وهو الغني عنهم بالذات؛ ولهذا قال: {والله هو الغني الحميد} أي: هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له، وهو الحميد في جميع ما يفعله ويقوله، ويقدره ويشرعه. وقوله: {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد} أي: لو شاء لأذهبكم أيها الناس وأتى بقوم غيركم، وما هذا عليه بصعب ولا ممتنع؛ ولهذا قال: {وما ذلك على الله بعزيز} . وقوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي: يوم القيامة، {وإن تدع مثقلة إلى حملها} أي: وإن تدع نفس مثقلة بأوزارها إلى أن تساعد على حمل ما عليها من الأوزار أو بعضه، {لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} ، أي: ولو كان قريبا إليها، حتى ولو كان أباها أو ابنها، كل مشغول بنفسه وحاله، [كما قال تعالى: {يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} ] [عبس: 34-37] .

%0
10 Bölüm

الأسئلة