ثم قال: {هو الذي جعلكم خلائف في الأرض} أي: يخلف قوم لآخرين قبلهم، وجيل لجيل قبلهم، كما قال: {ويجعلكم خلفاء الأرض} [النمل:62] {فمن كفر فعليه كفره} أي: فإنما يعود وبال ذلك على نفسه دون غيره، {ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا} أي: كلما استمروا على كفرهم أبغضهم الله، وكلما استمروا فيه خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، بخلاف المؤمنين فإنهم كلما طال عمر أحدهم وحسن عمله، ارتفعت درجته ومنزلته في الجنة، وزاد أجره وأحبه خالقه وبارئه رب العالمين، [فسبحان المقدر المدبر رب العالمين] . {قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا } . يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: {أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله} أي: من الأصنام والأنداد، {أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات} أي: ليس لهم شيء من ذلك، ما يملكون من قطمير. وقوله: {أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه} أي: أم أنزلنا عليهم كتابا بما يقولون من الشرك والكفر؟ ليس الأمر كذلك، {بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا} أي: بل إنما اتبعوا في ذلك أهواءهم وآراءهم وأمانيهم التي تمنوها لأنفسهم، وهي غرور وباطل وزور. ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة التي بها تقوم السماء والأرض عن أمره، وما جعل فيهما من القوة الماسكة لهما، فقال: {إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا} أي: أن تضطربا عن أماكنهما، كما قال: {ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} [الحج: 65] ، وقال تعالى: {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} [الروم: 25] {ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده} أي: لا يقدر على دوامهما وإبقائهما إلا هو، وهو مع ذلك حليم غفور، أي: يرى عباده وهم يكفرون به ويعصونه، وهو يحلم فيؤخر وينظر ويؤجل ولا يعجل، ويستر آخرين ويغفر؛ ولهذا قال: {إنه كان حليما غفورا} . وقد أورد ابن أبي حاتم هاهنا حديثا غريبا بل منكرا، فقال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثني هشام بن يوسف، عن أمية بن شبل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى، عليه السلام على المنبر قال: "وقع في نفس موسى عليه السلام: هل ينام الله عز وجل فأرسل الله إليه ملكا، فأرقه ثلاثا ، وأعطاه قارورتين، في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما. قال: فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأخرى، حتى نام نومه، فاصطفقت يداه فتكسرت القارورتان. قال: ضرب الله له مثلا أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض". والظاهر أن هذا الحديث ليس بمرفوع، بل من الإسرائيليات المنكرة فإن موسى عليه السلام أجل من أن يجوز على الله سبحانه وتعالى النوم، وقد أخبر الله تعالى في كتابه العزيز بأنه: {الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض} [البقرة:255] . وثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
İbn Kesîr - Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm
İbn Kesîr · AR
وقد قال أبو جعفر بن جرير : حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل قال: جاء رجل إلى عبد الله -هو ابن مسعود- فقال: من أين جئت؟ قال: من الشام. قال: من لقيت؟ قال: لقيت كعبا. قال: ما حدثك كعب؟ قال: حدثني أن السموات تدور على منكب ملك. قال: أفصدقته أو كذبته؟ قال: ما صدقته ولا كذبته. قال: لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها، كذب كعب. إن الله تعالى يقول: {إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده} . وهذا إسناد صحيح إلى كعب وإلى ابن مسعود. ثم رواه ابن جرير عن ابن حميد، عن جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: ذهب جندب البجلي إلى كعب بالشام، فذكر نحوه. وقد رأيت في مصنف الفقيه يحيى بن إبراهيم بن مزين الطليطلي، سماه "سير الفقهاء"، أورد هذا الأثر عن محمد بن عيسى بن الطباع، عن وكيع، عن الأعمش، به. ثم قال: وأخبرنا زونان -يعني: عبد الملك بن الحسن- عن ابن وهب، عن مالك أنه قال: السماء لا تدور. واحتج بهذه الآية، وبحديث: "إن بالمغرب بابا للتوبة لا يزال مفتوحا حتى تطلع الشمس منه". قلت: وهذا الحديث في الصحيح، والله أعلم. {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا } . يخبر تعالى عن قريش والعرب أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم، قبل إرسال الرسول إليهم: {لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم} أي: من جميع الأمم الذين أرسل إليهم الرسل. قاله الضحاك وغيره، كقوله تعالى: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها} [الأنعام: 156، 157] ، وكقوله تعالى: {وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين فكفروا به فسوف يعلمون} [الصافات: 167-170] . قال الله تعالى: {فلما جاءهم نذير} -وهو: محمد صلى الله عليه وسلم-بما أنزل معه من الكتاب العظيم، وهو القرآن المبين، {ما زادهم إلا نفورا} ، أي: ما ازدادوا إلا كفرا إلى كفرهم، ثم بين ذلك بقوله: {استكبارا في الأرض} أي: استكبروا عن اتباع آيات الله، {ومكر السيئ} أي: ومكروا بالناس في صدهم إياهم عن سبيل الله، {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} [أي: وما يعود وبال ذلك إلا عليهم أنفسهم دون غيرهم. قال ابن أبي حاتم: ذكر علي بن الحسين، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن أبي زكريا الكوفي عن رجل حدثه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياك ومكر السيئ، فإنه لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله] ، ولهم من الله طالب"، ، وقد قال محمد بن كعب القرظي: ثلاث من فعلهن لم ينج حتى ينزل به من مكر أو بغي أو نكث، وتصديقها في كتاب الله: {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} . {إنما بغيكم على أنفسكم} [يونس: 23] ، {فمن نكث فإنما ينكث على نفسه} [الفتح: 10] . وقوله: {فهل ينظرون إلا سنة الأولين} يعني: عقوبة الله لهم على تكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره ، {فلن تجد لسنة الله تبديلا} أي لا تغير ولا تبدل، بل هي جارية كذلك في كل مكذب، {ولن تجد لسنة الله تحويلا} أي: {وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له} [الرعد: 11] ، ولا يكشف ذلك عنهم، ويحوله عنهم أحد.
{أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا } {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا } . يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به من الرسالة: سيروا في الأرض، فانظروا كيف كان عاقبة الذين كذبوا الرسل؟ كيف دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها، فخليت منهم منازلهم، وسلبوا ما كانوا فيه من النعم بعد كمال القوة، وكثرة العدد والعدد، وكثرة الأموال والأولاد، فما أغنى ذلك شيئا، ولا دفع عنهم من عذاب الله من شيء، لما جاء أمر ربك لأنه تعالى لا يعجزه شيء، إذا أراد كونه في السموات والأرض؟ {إنه كان عليما قديرا} أي: عليم بجميع الكائنات، قدير على مجموعها. ثم قال تعالى: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} أي: لو آخذهم بجميع ذنوبهم، لأهلك جميع أهل الأرض، وما يملكونه من دواب وأرزاق. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم، ثم قرأ: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} . وقال سعيد بن جبير، والسدي في قوله: {ما ترك على ظهرها من دابة} أي: لما سقاهم المطر، فماتت جميع الدواب. {ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى} أي: ولكن ينظرهم إلى يوم القيامة، فيحاسبهم يومئذ، ويوفي كل عامل بعمله، فيجازي بالثواب أهل الطاعة، وبالعقاب أهل المعصية؛ ولهذا قال تعالى: {فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا} . آخر تفسير سورة "فاطر" ولله الحمد والمنة. تفسير سورة يس [وهي] مكية. قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا قتيبة وسفيان بن وكيع، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن الحسن بن صالح، عن هارون أبي محمد، عن مقاتل بن حيان، عن قتادة ، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لكل شيء قلبا، وقلب القرآن يس. ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات". ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حميد بن عبد الرحمن. وهارون أبو محمد شيخ مجهول. وفي الباب عن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، ولا يصح لضعف إسناده، وعن أبي هريرة منظور فيه. أما حديث الصديق فرواه الحكيم الترمذي في كتابه نوادر الأصول. وأما حديث أبي هريرة فقال أبو بكر البزار: حدثنا عبد الرحمن بن الفضل، حدثنا زيد -هو ابن الحباب-حدثنا حميد -هو المكي، مولى آل علقمة-عن عطاء -هو ابن أبي رباح-عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لكل شيء قلبا، وقلب القرآن يس". ثم قال: لا نعلم رواه إلا زيد، عن حميد. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا حجاج بن محمد، عن هشام بن زياد، عن الحسن قال: سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ يس في ليلة أصبح مغفورا له. ومن قرأ: "حم" التي فيها الدخان أصبح مغفورا له". إسناد جيد. وقال ابن حبان في صحيحه: حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم -مولى ثقيف-حدثنا الوليد بن شجاع بن الوليد السكوني، حدثنا أبي، حدثنا زياد بن خيثمة، حدثنا محمد بن جحادة، عن الحسن، عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه الله، غفر له".
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عارم، حدثنا معتمر، عن أبيه، عن رجل، عن أبيه، عن معقل بن يسار، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكا، واستخرجت {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255] من تحت العرش فوصلت بها -أو: فوصلت بسورة البقرة-ويس قلب القرآن، لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة، إلا غفر له، واقرؤوها على موتاكم". وكذا رواه النسائي في "اليوم والليلة" عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر بن سليمان، به . ثم قال الإمام أحمد: حدثنا عارم، حدثنا ابن المبارك، حدثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان -وليس بالنهدي-عن أبيه، عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقرؤوها على موتاكم" -يعني: يس. ورواه أبو داود، والنسائي في "اليوم والليلة" وابن ماجه من حديث عبد الله بن المبارك، به إلا أن في رواية النسائي: عن أبي عثمان، عن معقل بن يسار. ولهذا قال بعض العلماء: من خصائص هذه السورة: أنها لا تقرأ عند أمر عسير إلا يسره الله. وكأن قراءتها عند الميت لتنزل الرحمة والبركة، وليسهل عليه خروج الروح، والله أعلم. قال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان قال: كان المشيخة يقولون: إذا قرئت -يعني يس-عند الميت خفف عنه بها. وقال البزار: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي" -يعني: يس. بسم الله الرحمن الرحيم يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون } . قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول "سورة البقرة"، وروي عن ابن عباس وعكرمة، والضحاك، والحسن وسفيان بن عيينة أن "يس" بمعنى: يا إنسان. وقال سعيد بن جبير: هو كذلك في لغة الحبشة. وقال مالك، عن زيد بن أسلم: هو اسم من أسماء الله تعالى. {والقرآن الحكيم} أي: المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. {إنك} يا محمد {لمن المرسلين على صراط مستقيم} أي: على منهج ودين قويم، وشرع مستقيم. {تنزيل العزيز الرحيم} أي: هذا الصراط والمنهج والدين الذي جئت به منزل من رب العزة، الرحيم بعباده المؤمنين، كما قال تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} [الشورى:52، 53] . وقوله تعالى: {لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون} يعني بهم: العرب؛ فإنه ما أتاهم من نذير من قبله. وذكرهم وحدهم لا ينفي من عداهم [كما زعمه بعض النصارى] ، كما أن ذكر بعض الأفراد لا ينفي العموم. وقد تقدم ذكر الآيات والأحاديث المتواترة في عموم بعثته، صلوات الله وسلامه عليه، عند قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158] . قوله: {لقد حق القول على أكثرهم} : قال ابن جرير: لقد وجب العذاب على أكثرهم بأن [الله قد] حتم عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون، {فهم لا يؤمنون} بالله، ولا يصدقون رسله. {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين }
يقول تعالى: إنا جعلنا هؤلاء المحتوم عليهم بالشقاء نسبتهم إلى الوصول إلى الهدى كنسبة من جعل في عنقه غل، فجمع يديه مع عنقه تحت ذقنه، فارتفع رأسه، فصار مقمحا؛ ولهذا قال: {فهم مقمحون} والمقمح: هو الرافع رأسه، كما قالت أم زرع في كلامها: "وأشرب فأتقمح" أي: أشرب فأروى، وأرفع رأسي تهنيئا وترويا. واكتفى بذكر الغل في العنق عن ذكر اليدين، وإن كانتا مرادتين، كما قال الشاعر : فما أدري إذا يممت أرضا أريد الخير أيهما يليني أالخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي لا يأتليني فاكتفى بذكر الخير عن ذكر الشر لما دل السياق والكلام عليه، وكذا هذا، لما كان الغل إنما يعرف فيما جمع اليدين مع العنق، اكتفى بذكر العنق عن اليدين. قال العوفي، عن ابن عباس في قوله: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون} قال: هو كقول الله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} [الإسراء:29] يعني بذلك: أن أيديهم موثقة إلى أعناقهم، لا يستطيعون أن يبسطوها بخير. وقال مجاهد: {فهم مقمحون} قال: رافعو رؤوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم، فهم مغلولون عن كل خير. وقوله: {وجعلنا من بين أيديهم سدا} : قال مجاهد: عن الحق، {ومن خلفهم سدا} قال مجاهد: عن الحق، فهم يترددون. وقال قتادة: في الضلالات. وقوله: {فأغشيناهم} أي: أغشينا أبصارهم عن الحق، {فهم لا يبصرون} أي: لا ينتفعون بخير ولا يهتدون إليه. قال ابن جرير: وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ: "فأعشيناهم" بالعين المهملة، من العشا وهو داء في العين. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: جعل الله هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان، فهم لا يخلصون إليه، وقرأ: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97] ثم قال: من منعه الله لا يستطيع. وقال عكرمة: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا لأفعلن ولأفعلن، فأنزلت: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا} إلى قوله: { [فهم] لا يبصرون} ، قال: وكانوا يقولون: هذا محمد. فيقول: أين هو أين هو؟ لا يبصره. رواه ابن جرير. وقال محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب قال: قال أبو جهل وهم جلوس: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه كنتم ملوكا، فإذا متم بعثتم بعد موتكم، وكانت لكم جنان خير من جنان الأردن وأنكم إن خالفتموه كان لكم منه ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم نار تعذبون بها. وخرج [عليهم] رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك، وفي يده حفنة من تراب، وقد أخذ الله على أعينهم دونه، فجعل يذرها على رؤوسهم، ويقرأ: {يس والقرآن الحكيم} حتى انتهى إلى قوله: {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون} ، وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته، وباتوا رصداء على بابه، حتى خرج عليهم بعد ذلك خارج من الدار، فقال: ما لكم؟ قالوا: ننتظر محمدا. قال قد خرج عليكم، فما بقي منكم من رجل إلا [قد] وضع على رأسه ترابا، ثم ذهب لحاجته. فجعل كل رجل منهم ينفض ما على رأسه من التراب. قال: وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قول أبي جهل فقال: "وأنا أقول ذلك: إن لهم مني لذبحا، وإنه أحدهم". وقوله: {وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} أي: قد ختم الله عليهم بالضلالة، فما يفيد فيهم الإنذار ولا يتأثرون به. وقد تقدم نظيرها في أول سورة البقرة، وكما قال تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس:96، 97] . {إنما تنذر من اتبع الذكر} أي: إنما ينتفع بإنذارك المؤمنون الذين يتبعون الذكر، وهو القرآن العظيم، {وخشي الرحمن} أي: حيث لا يراه أحد إلا الله، يعلم أن الله مطلع عليه، وعالم بما يفعله، {فبشره بمغفرة} أي: لذنوبه، {وأجر كريم} أي: كبير واسع حسن جميل، كما قال: {إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير} [الملك: 12] .
ثم قال تعالى: {إنا نحن نحيي الموتى} أي: يوم القيامة، وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحيي قلب من يشاء من الكفار الذين قد ماتت قلوبهم بالضلالة، فيهديهم بعد ذلك إلى الحق، كما قال تعالى بعد ذكر قسوة القلوب: {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون} [الحديد: 17] . وقوله: {ونكتب ما قدموا} أي: من الأعمال. وفي قوله: {وآثارهم} قولان: أحدهما: نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها من بعدهم، فنجزيهم على ذلك أيضا، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، كقوله صلى الله عليه وسلم: "من سن في الإسلام سنة حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا". رواه مسلم، من رواية شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، عن المنذر بن جرير، عن أبيه جرير بن عبد الله البجلي، رضي الله عنه، وفيه قصة مجتابي النمار المضريين. ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن يحيى بن سليمان الجعفي، عن أبي المحياة يحيى بن يعلى، عن عبد الملك بن عمير، عن جرير بن عبد الله، فذكر الحديث بطوله، ثم تلا هذه الآية: {ونكتب ما قدموا وآثارهم} . وقد رواه مسلم من رواية أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن المنذر بن جرير، عن أبيه، فذكره. وهكذا الحديث الآخر الذي في صحيح مسلم عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: من علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده". وقال سفيان الثوري، عن أبي سعيد قال: سمعت مجاهدا يقول في قوله: {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم} قال: ما أورثوا من الضلالة. وقال ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير في قوله: {ونكتب ما قدموا وآثارهم} يعني: ما أثروا. يقول: ما سنوا من سنة، فعمل بها قوم من بعد موتهم، فإن كان خيرا فله مثل أجورهم، لا ينقص من أجر من عمله شيئا، وإن كانت شرا فعليه مثل أوزارهم، ولا ينقص من أوزار من عمله شيئا. ذكرهما ابن أبي حاتم. وهذا القول هو اختيار البغوي. والقول الثاني: أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية. قال ابن أبي نجيح وغيره، عن مجاهد: {ما قدموا} : أعمالهم. {وآثارهم} قال: خطاهم بأرجلهم. وكذا قال الحسن وقتادة: {وآثارهم} يعني: خطاهم. قال قتادة: لو كان الله تعالى مغفلا شيئا من شأنك يا بن آدم، أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار، ولكن أحصى على ابن آدم أثره وعمله كله، حتى أحصى هذا الأثر فيما هو من طاعة الله أو من معصيته، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله، فليفعل. وقد وردت في هذا المعنى أحاديث: الحديث الأول: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: "إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد". قالوا: نعم، يا رسول الله، قد أردنا ذلك. فقال: "يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم". وهكذا رواه مسلم، من حديث سعيد الجريري وكهمس بن الحسن، كلاهما عن أبي نضرة -واسمه: المنذر بن مالك بن قطعة العبدي-عن جابر. الحديث الثاني: قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الوزير الواسطي، حدثنا إسحاق الأزرق، عن سفيان الثوري، عن أبي سفيان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من المسجد، فنزلت: {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم} فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "إن آثاركم تكتب". فلم ينتقلوا.
انفرد بإخراجه الترمذي عند تفسير هذه الآية الكريمة، عن محمد بن الوزير، به. ثم قال: "حسن غريب من حديث الثوري". ورواه ابن جرير، عن سليمان بن عمر بن خالد الرقي، عن ابن المبارك، عن سفيان الثوري، عن طريف -وهو ابن شهاب أبو سفيان السعدي-عن أبي نضرة، به. وقد روي من غير طريق الثوري، فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عباد بن زياد الساجي، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا شعبة، عن سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: إن بني سلمة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد منازلهم من المسجد، فنزلت: {ونكتب ما قدموا وآثارهم} ، فأقاموا في مكانهم. وحدثنا ابن المثنى ، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه. وفيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية، والسورة بكمالها مكية، فالله أعلم. الحديث الثالث: قال ابن جرير: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت منازل الأنصار متباعدة من المسجد، فأرادوا أن ينتقلوا إلى المسجد، فنزلت: {ونكتب ما قدموا وآثارهم} فقالوا: نثبت مكاننا. هكذا رواه وليس فيه شيء مرفوع. ورواه الطبراني عن عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يتحولوا إلى المسجد، فنزلت: {ونكتب ما قدموا وآثارهم} فثبتوا في منازلهم. الحديث الرابع: قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: توفي رجل بالمدينة، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "يا ليته مات في غير مولده". فقال رجل من الناس ولم يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل إذا توفي في غير مولده، قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة". ورواه النسائي عن يونس بن عبد الأعلى، وابن ماجه عن حرملة، كلاهما عن ابن وهب، عن حيي بن عبد الله، به. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا أبو تميلة، حدثنا الحسين، عن ثابت قال: مشيت مع أنس فأسرعت المشي، فأخذ بيدي فمشينا رويدا، فلما قضينا الصلاة قال أنس: مشيت مع زيد بن ثابت فأسرعت المشي، فقال: يا أنس، أما شعرت أن الآثار تكتب؟ أما شعرت أن الآثار تكتب؟ . وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول، بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى والأحرى، فإنه إذا كانت هذه الآثار تكتب، فلأن تكتب تلك التي فيها قدوة بهم من خير أو شر بطريق الأولى، والله أعلم. وقوله: {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} أي: جميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين هاهنا هو أم الكتاب. قاله مجاهد، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وكذا في قوله تعالى: {يوم ندعوا كل أناس بإمامهم} [الإسراء: 71] أي: بكتاب أعمالهم الشاهد عليهم بما عملوه من خير وشر، كما قال تعالى: {ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء} [الزمر: 69] ، وقال تعالى: {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49] . {واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين } . يقول تعالى: واضرب -يا محمد-لقومك الذين كذبوك {مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون} .
قال ابن إسحاق -فيما بلغه عن ابن عباس، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه-: إنها مدينة أنطاكية، وكان بها ملك يقال له: أنطيخس بن أنطيخس بن أنطيخس، وكان يعبد الأصنام، فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل، وهم: صادق وصدوق وشلوم، فكذبهم. وهكذا روي عن بريدة بن الحصيب، وعكرمة، وقتادة، والزهري: أنها أنطاكية. وقد استشكل بعض الأئمة كونها أنطاكية، بما سنذكره بعد تمام القصة، إن شاء الله تعالى. وقوله: {إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما} أي: بادروهما بالتكذيب، {فعززنا بثالث} أي: قويناهما وشددنا أزرهما برسول ثالث. قال ابن جريج، عن وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي قال: كان اسم الرسولين الأولين شمعون ويوحنا، واسم الثالث بولص، والقرية أنطاكية. {فقالوا} أي: لأهل تلك القرية: {إنا إليكم مرسلون} أي: من ربكم الذي خلقكم، نأمركم بعبادته وحده لا شريك له. قاله أبو العالية. وزعم قتادة بن دعامة: أنهم كانوا رسل المسيح، عليه السلام، إلى أهل أنطاكية. {قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا} أي: فكيف أوحي إليكم وأنتم بشر ونحن بشر، فلم لا أوحي إلينا مثلكم؟ ولو كنتم رسلا لكنتم ملائكة. وهذه شبه كثير من الأمم المكذبة، كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله: {ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا} [التغابن: 6] ، فاستعجبوا من ذلك وأنكروه. وقوله: {قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين} [إبراهيم: 10] . وقوله حكاية عنهم في قوله: {ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون} [المؤمنون: 34] ، {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا} ؟ [الإسراء: 94] . ولهذا قال هؤلاء: {ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون} أي: أجابتهم رسلهم الثلاثة قائلين: الله يعلم أنا رسله إليكم، ولو كنا كذبة عليه لانتقم منا أشد الانتقام، ولكنه سيعزنا وينصرنا عليكم، وستعلمون لمن تكون عاقبة الدار، كقوله تعالى: {قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السموات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون} [العنكبوت: 52] . {وما علينا إلا البلاغ المبين} يقولون إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم، فإذا أطعتم كانت لكم السعادة في الدنيا والآخرة، وإن لم تجيبوا فستعلمون غب ذلك،والله أعلم. {قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون } فعند ذلك قال لهم أهل القرية: {إنا تطيرنا بكم} أي: لم نر على وجوهكم خيرا في عيشنا. وقال قتادة: يقولون إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم. وقال مجاهد: يقولون: لم يدخل مثلكم إلى قرية إلا عذب أهلها. {لئن لم تنتهوا لنرجمنكم} : قال قتادة: بالحجارة. وقال مجاهد: بالشتم. {وليمسنكم منا عذاب أليم} أي: عقوبة شديدة. فقالت لهم رسلهم: {طائركم معكم} أي: مردود عليكم، كقوله تعالى في قوم فرعون: {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله} [الأعراف: 131] ، وقال قوم صالح: {اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله} [النمل: 47] . وقال قتادة، ووهب بن منبه: أي أعمالكم معكم. وقال تعالى: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} [النساء: 78] . وقوله: {أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون} أي: من أجل أنا ذكرناكم وأمرناكم بتوحيد الله وإخلاص العبادة له، قابلتمونا بهذا الكلام، وتوعدتمونا وتهددتمونا؟ بل أنتم قوم مسرفون. وقال قتادة: أي إن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا، بل أنتم قوم مسرفون.
{وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين إني آمنت بربكم فاسمعون } . قال ابن إسحاق -فيما بلغه عن ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه-: إن أهل القرية هموا بقتل رسلهم فجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى، أي: لينصرهم من قومه -قالوا: وهو حبيب، وكان يعمل الجرير -وهو الحبال-وكان رجلا سقيما قد أسرع فيه الجذام، وكان كثير الصدقة، يتصدق بنصف كسبه، مستقيم النظرة. وقال ابن إسحاق عن رجل سماه، عن الحكم، عن مقسم -أو: عن مجاهد-عن ابن عباس قال: [كان] اسم صاحب يس حبيب، وكان الجذام قد أسرع فيه. وقال الثوري، عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز: كان اسمه حبيب بن مرى. وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس [أيضا] قال: اسم صاحب يس حبيب النجار، فقتله قومه. وقال السدي: كان قصارا. وقال عمر بن الحكم: كان إسكافا. وقال قتادة: كان يتعبد في غار هناك. {قال يا قوم اتبعوا المرسلين} : يحض قومه على اتباع الرسل الذين أتوهم، {اتبعوا من لا يسألكم أجرا} أي: على إبلاغ الرسالة، {وهم مهتدون} فيما يدعونكم إليه، من عبادة الله وحده لا شريك له. {وما لي لا أعبد الذي فطرني} أي: وما يمنعني من إخلاص العبادة للذي خلقني وحده لا شريك له، {وإليه ترجعون} أي: يوم المعاد، فيجازيكم على أعمالكم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. {أأتخذ من دونه آلهة} ؟ استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع، {إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون} أي: هذه الآلهة التي تعبدونها من دونه لا يملكون من الأمر شيئا. فإن الله لو أرادني بسوء، {فلا كاشف له إلا هو} [يونس: 107] وهذه الأصنام لا تملك دفع ذلك ولا منعه، ولا ينقذونني مما أنا فيه، {إني إذا لفي ضلال مبين} أي: إن اتخذتها آلهة من دون الله. وقوله: {إني آمنت بربكم فاسمعون} : قال ابن إسحاق -فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب-يقول لقومه: {إني آمنت بربكم} الذي كفرتم به، {فاسمعون} أي: فاسمعوا قولي. ويحتمل أن يكون خطابه للرسل بقوله: {إني آمنت بربكم} أي: الذي أرسلكم، {فاسمعون} أي: فاشهدوا لي بذلك عنده. وقد حكاه ابن جرير فقال: وقال آخرون: بل خاطب بذلك الرسل، وقال لهم: اسمعوا قولي، لتشهدوا لي بما أقول لكم عند ربي، إني [قد] آمنت بربكم واتبعتكم. وهذا [القول] الذي حكاه هؤلاء أظهر في المعنى، والله أعلم. قال ابن إسحاق -فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب-: فلما قال ذلك وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه، ولم يكن له أحد يمنع عنه. وقال قتادة: جعلوا يرجمونه بالحجارة، وهو يقول: "اللهم اهد قومي، فإنهم لا يعلمون". فلم يزالوا به حتى أقعصوه وهو يقول كذلك، فقتلوه، رحمه الله. {قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين } {وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون } . قال محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن ابن مسعود: إنهم وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره وقال الله له: {ادخل الجنة} ، فدخلها فهو يرزق منها، قد أذهب الله عنه سقم الدنيا وحزنها ونصبها. وقال مجاهد: قيل لحبيب النجار: ادخل الجنة. وذلك أنه قتل فوجبت له ، فلما رأى الثواب {قال يا ليت قومي يعلمون} . قال قتادة: لا تلقى المؤمن إلا ناصحا، لا تلقاه غاشا؛ لما عاين [ما عاين] من كرامة الله {قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} . تمنى على الله أن يعلم قومه ما عاين من كرامة الله [له] ، وما هجم عليه.
وقال ابن عباس: نصح قومه في حياته بقوله: {يا قوم اتبعوا المرسلين} [يس: 20] ، وبعد مماته في قوله: {يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} رواه ابن أبي حاتم. وقال سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز: {بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} بإيماني بربي وتصديقي المرسلين. ومقصوده أنهم لو اطلعوا على ما حصل من هذا الثواب والجزاء والنعيم المقيم، لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل، فرحمه الله ورضي عنه، فلقد كان حريصا على هداية قومه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله، حدثنا ابن جابر -وهو محمد-عن عبد الملك -يعني: ابن عمير-قال: قال عروة بن مسعود الثقفي للنبي صلى الله عليه وسلم: ابعثني إلى قومي أدعوهم إلى الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أخاف أن يقتلوك". فقال: لو وجدوني نائما ما أيقظوني. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انطلق". فانطلق فمر على اللات والعزى، فقال: لأصبحنك غدا بما يسوءك. فغضبت ثقيف، فقال: يا معشر ثقيف، إن اللات لا لات، وإن العزى لا عزى، أسلموا تسلموا. يا معشر الأحلاف، إن العزى لا عزى، وإن اللات لا لات، أسلموا تسلموا. قال ذلك ثلاث مرات، فرماه رجل فأصاب أكحله فقتله، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هذا مثله كمثل صاحب يس، {قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} وقال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم: أنه حدث عن كعب الأحبار: أنه ذكر له حبيب بن زيد بن عاصم -أخو بني مازن بن النجار- الذي كان مسيلمة الكذاب قطعه باليمامة، حين جعل يسأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يقول: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول: نعم. ثم يقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فيقول له مسيلمة: أتسمع هذا ولا تسمع ذاك؟ فيقول: نعم. فجعل يقطعه عضوا عضوا، كلما سأله لم يزده على ذلك حتى مات في يديه. فقال كعب حين قيل له: اسمه حبيب، وكان والله صاحب يس اسمه حبيب. وقوله: {وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين} : يخبر تعالى أنه انتقم من قومه بعد قتلهم إياه، غضبا منه تعالى عليهم؛ لأنهم كذبوا رسله، وقتلوا وليه. ويذكر تعالى: أنه ما أنزل عليهم، وما احتاج في إهلاكه إياهم إلى إنزال جند من الملائكة عليهم، بل الأمر كان أيسر من ذلك. قاله ابن مسعود، فيما رواه ابن إسحاق، عن بعض أصحابه، عنه أنه قال في قوله: {وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين} أي: ما كاثرناهم بالجموع الأمر كان أيسر علينا من ذلك، {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون} قال: فأهلك الله ذلك الملك، وأهلك أهل أنطاكية، فبادوا عن وجه الأرض، فلم يبق منهم باقية. وقيل: {وما كنا منزلين} أي: وما كنا ننزل الملائكة على الأمم إذا أهلكناهم، بل نبعث عليهم عذابا يدمرهم. وقيل: المعنى في قوله: {وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء} أي: من رسالة أخرى إليهم. قاله مجاهد وقتادة. قال قتادة: فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله، {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون} . قال ابن جرير: والأول أصح؛ لأن الرسالة لا تسمى جندا. قال المفسرون: بعث الله إليهم جبريل، عليه السلام، فأخذ بعضادتي باب بلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون عن آخرهم، لم يبق فيهم روح تتردد في جسد. وقد تقدم عن كثير من السلف أن هذه القرية هي أنطاكية، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلا من عند المسيح، عليه السلام، كما نص عليه قتادة وغيره، وهو الذي لم يذكر عن واحد من متأخري المفسرين غيره، وفي ذلك نظر من وجوه: