Qur'an&Sunnahالقرآن

İbn Kesîr - Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

İbn Kesîr · AR

قسم V06/P588–V06/P590İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P588–V06/P590)

وهذا في شعر طرفة بن العبد، في معلقته المشهورة، وهذا المذكور [هو عجز بيت] منها، أوله: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود ويأتيك بالأخبار من لم تبع له بتاتا ولم تضرب له وقت موعد وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الحافظ، حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن نعيم -وكيل المتقي ببغداد-حدثنا أبو محمد عبد الله بن هلال النحوي الضرير، حدثنا علي بن عمرو الأنصاري، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت شعر قط، إلا بيتا واحدا. تفاءل بما تهوى يكن فلقلما يقال لشيء كان إلا تحققا سألت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي عن هذا الحديث، فقال: هو منكر. ولم يعرف شيخ الحاكم، ولا الضرير. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: قيل لعائشة: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان أبغض الحديث إليه، غير أنه كان يتمثل ببيت أخي بني قيس، فيجعل أوله آخره، وآخره أوله. فقال أبو بكر ليس هكذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني والله ما أنا بشاعر ولا ينبغي لي". رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وهذا لفظه. وقال معمر عن قتادة: بلغني أن عائشة سئلت: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت: لا إلا بيت طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود فجعل يقول: "من لم تزود بالأخبار". فقال أبو بكر: ليس هذا هكذا. فقال: "إني لست بشاعر، ولا ينبغي لي" وثبت في الصحيحين أنه، عليه الصلاة والسلام، تمثل يوم حفر الخندق بأبيات عبد الله بن رواحة، ولكن تبعا لقول أصحابه، فإنهم يرتجزون وهم يحفرون، فيقولون: لاهم لولا أنت ما اهتدينا ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا إن الألى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا ويرفع صوته بقوله: "أبينا" ويمدها . وقد روي هذا بزحاف في الصحيح أيضا. وكذلك ثبت أنه قال يوم حنين وهو راكب البغلة، يقدم بها في نحور العدو: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب لكن قالوا: هذا وقع اتفاقا من غير قصد لوزن شعر، بل جرى على اللسان من غير قصد إليه. وكذلك ما ثبت في الصحيحين عن جندب بن عبد الله قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار فنكبت أصبعه، فقال: هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت وسيأتي عند قوله تعالى: {إلا اللمم} [النجم: 32] إنشاد إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك ما ألما وكل هذا لا ينافي كونه صلى الله عليه وسلم ما علم شعرا ولا ينبغي له؛ فإن الله تعالى إنما علمه القرآن العظيم، الذي {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} [فصلت: 42] . وليس هو بشعر كما زعمه طائفة من جهلة كفار قريش، ولا كهانة، ولا مفتعل، ولا سحر يؤثر، كما تنوعت فيه أقوال الضلال وآراء الجهال. وقد كانت سجيته صلى الله عليه وسلم تأبى صناعة الشعر طبعا وشرعا، كما رواه أبو داود قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثنا شرحبيل بن يزيد المعافري، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول : [سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول] : ما أبالي ما أوتيت إن أنا شربت ترياقا، أو تعلقت تميمة، أو قلت الشعر من قبل نفسي". تفرد به أبو داود.

قسم V06/P590–V06/P592İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P590–V06/P592)

وقال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن الأسود بن شيبان، عن أبي نوفل قال: سألت عائشة: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسامع عنده الشعر؟ فقالت: كان أبغض الحديث إليه. وقال عن عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك. وقال أبو داود: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا، خير له من أن يمتلئ شعرا". تفرد به من هذا الوجه، وإسناده على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وقال الإمام أحمد: حدثنا بريد، حدثنا قزعة بن سويد الباهلي، عن عاصم بن مخلد، عن أبي الأشعث، الصنعاني (ح) وحدثنا الأشيب فقال: عن ابن عاصم، عن [أبي] الأشعث عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرض بيت شعر بعد العشاء الآخرة، لم تقبل له صلاة تلك الليلة". وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة. والمراد بذلك نظمه لا إنشاده، والله أعلم. على أن الشعر فيه ما هو مشروع، وهو هجاء المشركين الذي كان يتعاطاه شعراء الإسلام، كحسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة، وأمثالهم وأضرابهم، رضي الله عنهم أجمعين. ومنه ما فيه حكم ومواعظ وآداب، كما يوجد في شعر جماعة من الجاهلية، ومنهم أمية بن أبي الصلت الذي قال فيه النبي الله صلى الله عليه وسلم: "آمن شعره وكفر قلبه". وقد أنشد بعض الصحابة منه للنبي صلى الله عليه وسلم مائة بيت، يقول عقب كل بيت: "هيه". يعني يستطعمه، فيزيده من ذلك. وقد روى أبو داود من حديث أبي بن كعب، وبريدة بن الحصيب ، وعبد الله بن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن من البيان سحرا، وإن من الشعر حكما" . ولهذا قال تعالى: {وما علمناه الشعر} يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم ما علمه الله شعرا، {وما ينبغي له} أي: وما يصلح له، {إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} أي: ما هذا الذي علمناه، {إلا ذكر وقرآن مبين} أي: بين واضح جلي لمن تأمله وتدبره. ولهذا قال: {لينذر من كان حيا} أي: لينذر هذا القرآن البين كل حي على وجه الأرض، كقوله: {لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] ، وقال: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} [هود: 17] . وإنما ينتفع بنذارته من هو حي القلب، مستنير البصيرة، كما قال قتادة: حي القلب، حي البصر. وقال الضحاك: يعني: عاقلا {ويحق القول على الكافرين} أي: هو رحمة للمؤمن، وحجة على الكافر. {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون } يذكر تعالى ما أنعم به على خلقه من هذه الأنعام التي سخرها لهم، {فهم لها مالكون} : قال قتادة: مطيقون أي: جعلهم يقهرونها وهي ذليلة لهم، لا تمتنع منهم، بل لو جاء صغير إلى بعير لأناخه، ولو شاء لأقامه وساقه، وذاك ذليل منقاد معه. وكذا لو كان القطار مائة بعير أو أكثر، لسار الجميع بسير صغير. وقوله: {فمنها ركوبهم ومنها يأكلون} أي: منها ما يركبون في الأسفار، ويحملون عليه الأثقال، إلى سائر الجهات والأقطار. {ومنها يأكلون} إذا شاؤوا نحروا واجتزروا. {ولهم فيها منافع} أي: من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين، {ومشارب} أي: من ألبانها وأبوالها لمن يتداوى، ونحو ذلك. {أفلا يشكرون} ؟ أي: أفلا يوحدون خالق ذلك ومسخره، ولا يشركون به غيره؟ {واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون } يقول تعالى منكرا على المشركين في اتخاذهم الأنداد آلهة مع الله، يبتغون بذلك أن تنصرهم تلك الآلهة وترزقهم وتقربهم إلى الله زلفى.

قسم V06/P592–V06/P593İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P592–V06/P593)

قال الله تعالى: {لا يستطيعون نصرهم} أي: لا تقدر الآلهة على نصر عابديها، بل هي أضعف من ذلك وأقل وأذل وأحقر وأدخر، بل لا تقدر على الانتصار لأنفسها، ولا الانتقام ممن أرادها بسوء؛ لأنها جماد لا تسمع ولا تعقل. وقوله: {وهم لهم جند محضرون} : قال مجاهد: يعني: عند الحساب، يريد أن هذه الأصنام محشورة مجموعة يوم القيامة، محضرة عند حساب عابديها؛ ليكون ذلك أبلغ في خزيهم، وأدل عليهم في إقامة الحجة عليهم. وقال قتادة: {لا يستطيعون نصرهم} يعني: الآلهة، {وهم لهم جند محضرون} ، والمشركون يغضبون للآلهة في الدنيا وهي لا تسوق إليهم خيرا، ولا تدفع عنهم سوءا، إنما هي أصنام. وهكذا قال الحسن البصري. وهذا القول حسن، وهو اختيار ابن جرير، رحمه الله. وقوله: {فلا يحزنك قولهم} أي: تكذيبهم لك وكفرهم بالله، {إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون} أي: نحن نعلم جميع ما هم عليه، وسنجزيهم وصفهم ونعاملهم على ذلك، يوم لا يفقدون من أعمالهم جليلا ولا حقيرا، ولا صغيرا ولا كبيرا، بل يعرض عليهم جميع ما كانوا يعملون قديما وحديثا. {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون } قال مجاهد، وعكرمة، وعروة بن الزبير، والسدي. وقتادة: جاء أبي بن خلف [لعنه الله] إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم رميم وهو يفتته ويذريه في الهواء، وهو يقول: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟ فقال: "نعم، يميتك الله تعالى ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار". ونزلت هذه الآيات من آخر "يس": {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة} ، إلى آخرهن. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا عثمان بن سعيد الزيات، عن هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس، أن العاصى بن وائل أخذ عظما من البطحاء ففته بيده، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيحيي الله هذا بعد ما أرى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم، يميتك الله ثم يحييك، ثم يدخلك جهنم". قال: ونزلت الآيات من آخر "يس". ورواه ابن جرير عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، فذكره ولم يذكر "ابن عباس" . وروي من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: جاء عبد الله بن أبي بعظم ففته وذكر نحو ما تقدم. وهذا منكر؛ لأن السورة مكية، وعبد الله بن أبي بن سلول إنما كان بالمدينة. وعلى كل تقدير سواء كانت هذه الآيات قد نزلت في أبي بن خلف، أو [في] العاص [بن وائل] ، أو فيهما، فهي عامة في كل من أنكر البعث. والألف واللام في قوله: {أولم ير الإنسان} للجنس، يعم كل منكر للبعث. {أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين} أي: أولم يستدل من أنكر البعث بالبدء على الإعادة، فإن الله ابتدأ خلق الإنسان من سلالة من ماء مهين، فخلقه من شيء حقير ضعيف مهين، كما قال تعالى: {ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم} [المرسلات: 20-22] . وقال {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه} [الإنسان: 2] أي: من نطفة من أخلاط متفرقة، فالذي خلقه من هذه النطفة الضعيفة أليس بقادر على إعادته بعد موته؟ كما قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا حريز، حدثني عبد الرحمن بن ميسرة، عن جبير بن نفير، عن بسر ابن جحاش؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق يوما في كفه، فوضع عليها أصبعه، ثم قال: "قال الله تعالى: ابن آدم، أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك وعدلتك، مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق وأنى أوان الصدقة؟ ".

قسم V06/P593–V06/P595İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P593–V06/P595)

ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن جرير بن عثمان، به . ولهذا قال: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم} ؟ أي: استبعد إعادة الله تعالى -ذي القدرة العظيمة التي خلقت السموات والأرض-للأجساد والعظام الرميمة، ونسي نفسه، وأن الله خلقه من العدم، فعلم من نفسه ما هو أعظم مما استبعده وأنكره وجحده؛ ولهذا قال تعالى: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} أي: يعلم العظام في سائر أقطار الأرض وأرجائها، أين ذهبت، وأين تفرقت وتمزقت. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي قال: قال عقبة بن عمرو لحذيفة: ألا تحدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: سمعته يقول: "إن رجلا حضره الموت، فلما أيس من الحياة أوصى أهله: إذا أنا مت فاجمعوا لي حطبا كثيرا جزلا ثم أوقدوا فيه نارا، حتى إذا [أكلت] لحمي وخلصت إلى عظمي فامتحشت، فخذوها فدقوها فذروها في اليم. ففعلوا، فجمعه الله إليه فقال له: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك. فغفر الله له". فقال عقبة بن عمرو: وأنا سمعته يقول ذلك، وكان نباشا. وقد أخرجاه في الصحيحين، من حديث عبد الملك بن عمير، بألفاظ كثيرة منها: أنه أمر بنيه أن يحرقوه ثم يسحقوه، ثم يذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، في يوم رائح، أي: كثير الهواء -ففعلوا ذلك. فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال له: كن. فإذا هو رجل قائم. فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: مخافتك وأنت أعلم. فما تلافاه أن غفر له". وقوله: {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون} أي: الذي بدأ خلق هذا الشجر من ماء حتى صار خضرا نضرا ذا ثمر وينع، ثم أعاده إلى أن صار حطبا يابسا، توقد به النار، كذلك هو فعال لما يشاء، قادر على ما يريد لا يمنعه شيء. قال قتادة في قوله: {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون} يقول: الذي أخرج هذه النار من هذا الشجر قادر على أن يبعثه. وقيل: المراد بذلك سرح المرخ والعفار، ينبت في أرض الحجاز فيأتي من أراد قدح نار وليس معه زناد، فيأخذ منه عودين أخضرين، ويقدح أحدهما بالآخر، فتتولد النار من بينهما، كالزناد سواء. روي هذا عن ابن عباس، رضي الله عنهما . وفي المثل: لكل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار. وقال الحكماء: في كل شجر نار إلا الغاب. {أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون } يقول تعالى منبها على قدرته العظيمة في خلق السموات السبع، بما فيها من الكواكب السيارة والثوابت، والأرضين السبع وما فيها من جبال ورمال، وبحار وقفار، وما بين ذلك، ومرشدا إلى الاستدلال على إعادة الأجساد بخلق هذه الأشياء العظيمة، كقوله تعالى: {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس} [غافر: 57] . وقال هاهنا: {أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} أي: مثل البشر، فيعيدهم كما بدأهم. قاله ابن جرير. وهذه الآية كقوله تعالى: {أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير} [الأحقاف: 33] ، وقال: {بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} أي: يأمر بالشيء أمرا واحدا، لا يحتاج إلى تكرار: إذا ما أراد الله أمرا فإنما يقول له "كن" قولة فيكون

قسم V06/P595–V06/P597İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P595–V06/P597)

وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا موسى بن المسيب، عن شهر، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي ذر، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يقول: يا عبادي، كلكم مذنب إلا من عافيت، فاستغفروني أغفر لكم. وكلكم فقير إلا من أغنيت، إني جواد ماجد واجد أفعل ما أشاء، عطائي كلام، وعذابي كلام، إذا أردت شيئا فإنما أقول له كن فيكون". وقوله: {فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون} أي: تنزيه وتقديس وتبرئة من السوء للحي القيوم، الذي بيده مقاليد السموات والأرض، وإليه يرجع الأمر كله، وله الخلق والأمر، وإليه ترجع العباد يوم القيامة، فيجازي كل عامل بعمله، وهو العادل المتفضل. ومعنى قوله: {فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء} كقوله عز وجل: {قل من بيده ملكوت كل شيء} [المؤمنون: 88] ، وكقوله تعالى: {تبارك الذي بيده الملك} [الملك: 1] ، فالملك والملكوت واحد في المعنى، كرحمة ورحموت، ورهبة ورهبوت، وجبر وجبروت. ومن الناس من زعم أن الملك هو عالم الأجساد والملكوت هو عالم الأرواح، والأول هو الصحيح، وهو الذي عليه الجمهور من المفسرين وغيرهم. قال الإمام أحمد: حدثنا حماد، عن عبد الملك بن عمير، حدثني ابن عم لحذيفة، عن حذيفة -وهو ابن اليمان-رضي الله عنه، قال: قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فقرأ السبع الطول في سبع ركعات، وكان إذا رفع رأسه من الركوع قال: "سمع الله لمن حمده". ثم قال: "الحمد لذي ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة" وكان ركوعه مثل قيامه، وسجوده مثل ركوعه، فأنصرف وقد كادت تنكسر رجلاي. وقد روى أبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي حمزة -مولى الأنصار-عن رجل من بني عبس، عن حذيفة؛ أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل، وكان يقول: "الله أكبر -ثلاثا -ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة". ثم استفتح فقرأ البقرة، ثم ركع فكان ركوعه نحوا من قيامه، وكان يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم". ثم رفع رأسه من الركوع، فكان قيامه نحوا من] ركوعه، يقول: " لربي الحمد". ثم سجد، فكان سجوده نحوا من] قيامه، وكان يقول في سجوده: "سبحان ربي الأعلى". ثم رفع رأسه من السجود، وكان يقعد فيما بين السجدتين نحوا من سجوده، وكان يقول: "رب، اغفر لي، رب اغفر لي". فصلى أربع ركعات، فقرأ فيهن البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة -أو الأنعام --شك شعبة-هذا لفظ أبي داود. وقال النسائي: "أبو حمزة عندنا: طلحة بن يزيد، وهذا الرجل يشبه أن يكون صلة". كذا قال. والأشبه أن يكون ابن عم حذيفة، كما تقدم في رواية الإمام أحمد، [والله أعلم] . فأما رواية صلة بن زفر، عن حذيفة، فإنها في صحيح مسلم، ولكن ليس فيها ذكر الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة. وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، حدثني معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس، عن عاصم بن حميد، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقام فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ. قال: ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة". ثم سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة. ورواه الترمذي في الشمائل، والنسائي، من حديث معاوية بن صالح، به. ] آخر تفسير سورة "يس" ولله الحمد أولا وآخرا وظاهرا وباطنا] تفسير سورة الصافات [وهي] مكية. قال النسائي: أخبرنا إسماعيل بن مسعود، حدثنا خالد -يعني ابن الحارث-عن ابن أبي ذئب قال: أخبرني بن عبد الرحمن، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف، ويؤمنا بالصافات. تفرد به النسائي . بسم الله الرحمن الرحيم

قسم V06/P597–V07/P006İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P597–V07/P006)

{والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا إن إلهكم لواحد رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق } قال سفيان الثوري، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه أنه قال: {والصافات صفا} وهي: الملائكة، {فالزاجرات زجرا} وهي: الملائكة، {فالتاليات ذكرا} هي: الملائكة. وكذا قال ابن عباس، ومسروق، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والسدي، وقتادة، والربيع بن أنس. قال قتادة: الملائكة صفوف في السماء. وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي، عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت لنا تربتها طهورا إذا لم نجد الماء" . وقد روى مسلم أيضا، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم؟ " قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال صلى الله عليه وسلم: "يتمون الصفوف المتقدمة ويتراصون في الصف" . وقال السدي وغيره: معنى قوله {فالزاجرات زجرا} أنها تزجر السحاب. وقال الربيع بن أنس: {فالزاجرات زجرا} : ما زجر الله عنه في القرآن. وكذا روى مالك، عن زيد بن أسلم. {فالتاليات ذكرا} قال السدي: الملائكة يجيئون بالكتاب، والقرآن من عند الله إلى الناس. وهذه الآية كقوله تعالى: {فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا} [المرسلات:5، 6] . وقوله: {إن إلهكم لواحد} هذا هو المقسم عليه، أنه تعالى لا إله إلا هو {رب السموات والأرض وما بينهما} أي: من المخلوقات، {ورب المشارق} أي: هو المالك المتصرف في الخلق بتسخيره بما فيه من كواكب ثوابت، وسيارات تبدو من المشرق، وتغرب من المغرب. واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالتها عليه. وقد صرح بذلك في قوله: {فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون} [المعارج:40] . وقال في الآية الأخرى: {رب المشرقين ورب المغربين} [الرحمن:17] يعني في الشتاء والصيف، للشمس والقمر. {إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب } يخبر تعالى أنه زين السماء الدنيا للناظرين إليها من أهل الأرض {بزينة الكواكب} ، قرئ بالإضافة وبالبدل، وكلاهما بمعنى واحد، فالكواكب السيارة والثوابت يثقب ضوءها جرم السماء الشفاف، فتضيء لأهل الأرض، كما قال تعالى {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير} [الملك:5] ، وقال: {ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم. إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين} [الحجر:16-18] . وقوله ها هنا: {وحفظا} تقديره: وحفظناها حفظا، {من كل شيطان مارد} يعني: المتمرد العاتي إذا أراد أن يسترق السمع، أتاه شهاب ثاقب فأحرقه، ولهذا قال: {لا يسمعون إلى الملإ الأعلى} أي: لئلا يصلوا إلى الملأ الأعلى، وهي السماوات ومن فيها من الملائكة، إذا تكلموا بما يوحيه الله مما يقوله من شرعه وقدره، كما تقدم بيان ذلك في الأحاديث التي أوردناها عند قوله تعالى: {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} [سبأ:23] ولهذا قال {ويقذفون} أي: يرمون {من كل جانب} أي: من كل جهة يقصدون السماء منها، {دحورا} أي:رجما يدحرون به ويزجرون، ويمنعون من الوصول إلى ذلك، {ولهم عذاب واصب} أي:في الدار الآخرة لهم عذاب دائم موجع مستمر، كما قال: {وأعتدنا لهم عذاب السعير} [الملك:5] . وقوله: {إلا من خطف الخطفة} أي: إلا من اختطف من الشياطين الخطفة، وهي الكلمة يسمعها من السماء فيلقيها إلى الذي تحته، ويلقيها الآخر إلى الذي تحته، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها بقدر الله قبل أن يأتيه الشهاب فيحرقه، فيذهب بها الآخر إلى الكاهن، كما تقدم في الحديث، ولهذا قال: {إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب} أي: مستنير.

قسم V07/P006–V07/P007İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V07/P006–V07/P007)

قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان للشياطين مقاعد في السماء فكانوا يستمعون الوحي. قال: وكانت النجوم لا تجري، وكانت الشياطين لا ترمى قال: فإذا سمعوا الوحي نزلوا إلى الأرض، فزادوا في الكلمة تسعا. قال: فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعل الشيطان إذا قعد مقعده جاء شهاب فلم يخطئه حتى يحرقه. قال: فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هو إلا من أمر حدث. قال: فبث جنوده، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي بين جبلي نخلة -قال وكيع: يعني بطن نخلة-قال: فرجعوا إلى إبليس فأخبروه، فقال: هذا الذي حدث. وستأتي الأحاديث الواردة مع الآثار في هذا المعنى عند قوله تعالى إخبارا عن الجن أنهم قالوا: {وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا. وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} [الجن:8-10] . {فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب بل عجبت ويسخرون وإذا ذكروا لا يذكرون وإذا رأوا آية يستسخرون وقالوا إن هذا إلا سحر مبين أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أوآباؤنا الأولون قل نعم وأنتم داخرون فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون } يقول تعالى: فسل هؤلاء المنكرين للبعث: أيما أشد خلقا هم أم السماوات والأرض، وما بينهما من الملائكة والشياطين والمخلوقات العظيمة؟ -وقرأ ابن مسعود: "أم من عددنا"-فإنهم يقرون أن هذه المخلوقات أشد خلقا منهم، وإذا كان الأمر كذلك فلم ينكرون البعث؟ وهم يشاهدون ما هو أعظم مما أنكروا . كما قال تعالى: {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [غافر:57] ثم بين أنهم خلقوا من شيء ضعيف، فقال {إنا خلقناهم من طين لازب} قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك: هو الجيد الذي يلتزق بعضه ببعض. وقال ابن عباس، وعكرمة: هو اللزج. وقال قتادة: هو الذي يلزق باليد. وقوله: {بل عجبت ويسخرون} أي: بل عجبت -يا محمد-من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث، وأنت موقن مصدق بما أخبر الله به من الأمر العجيب، وهو إعادة الأجسام بعد فنائها. وهم بخلاف أمرك، من شدة تكذيبهم يسخرون مما تقول لهم من ذلك. قال قتادة: عجب محمد صلى الله عليه وسلم، وسخر ضلال بني آدم. {وإذا رأوا آية} أي: دلالة واضحة على ذلك {يستسخرون} قال مجاهد وقتادة: يستهزئون. {وقالوا إن هذا إلا سحر مبين} أي:إن هذا الذي جئت به إلا سحر مبين، {أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون، أوآباؤنا الأولون} يستبعدون ذلك ويكذبون به، {قل نعم وأنتم داخرون} أي: قل لهم يا محمد: نعم تبعثون يوم القيامة بعد ما تصيرون ترابا وعظاما، {وأنتم داخرون} أي: حقيرون تحت القدرة العظيمة، كما قال تعالى {وكل أتوه داخرين} [النمل:87] ، وقال: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر:60] . ثم قال: {فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون} أي: إنما هو أمر واحد من الله عز وجل، يدعوهم دعوة واحدة أن يخرجوا من الأرض، فإذا هم [قيام] بين يديه، ينظرون إلى أهوال يوم القيامة. {وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسئولون } {ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون }

قسم V07/P007–V07/P009İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V07/P007–V07/P009)

يخبر تعالى عن قيل الكفار يوم القيامة أنهم يرجعون على أنفسهم بالملامة، ويعترفون بأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدار الدنيا، فإذا عاينوا أهوال القيامة ندموا كل الندم حيث لا ينفعهم الندم، {وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين} . فتقول لهم الملائكة والمؤمنون: {هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون} . وهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ، ويأمر الله الملائكة أن تميز الكفار من المؤمنين في الموقف في محشرهم ومنشرهم، ولهذا قال تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} قال النعمان بن بشير رضي الله عنه، يعني بأزواجهم أشباههم وأمثالهم. وكذا قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة ومجاهد، والسدي، وأبو صالح، وأبو العالية، وزيد بن أسلم [وغيرهم] . وقال سفيان الثوري، عن سماك، عن النعمان بن بشير، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} قال إخوانهم: . وقال شريك، عن سماك، عن النعمان قال: سمعت عمر يقول {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} قال:أشباههم قال: يجيء صاحب الربا مع أصحاب الربا، وصاحب الزنا مع أصحاب الزنا، وصاحب الخمر مع أصحاب الخمر، وقال خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس: {أزواجهم} : نساءهم. وهذا غريب، والمعروف عنه الأول، كما رواه مجاهد وسعيد بن جبير، عنه: {أزواجهم} :قرناءهم . "وما كانوا يعبدون من دون الله" أي: من الأصنام والأنداد، تحشر معهم في أماكنهم. وقوله: {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} أي: أرشدوهم إلى طريق جهنم، وهذا كقوله تعالى: {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا} [الإسراء:97] . وقوله: {وقفوهم إنهم مسئولون} أي: قفوهم حتى يسألوا عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في الدار الدنيا كما قال الضحاك، عن ابن عباس: يعني احبسوهم إنهم محاسبون. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا النفيلي، حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت ليثا يحدث عن بشر، عن أنس بن مالك [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما داع دعا إلى شيء كان موقوفا معه إلى يوم القيامة، لا يغادره ولا يفارقه، وإن دعا رجل رجلا"، ثم قرأ: {وقفوهم إنهم مسئولون} . ورواه الترمذي، من حديث ليث بن أبي سليم. ورواه ابن جرير، عن يعقوب بن إبراهيم، عن معتمر، عن ليث، عن رجل، عن أنس مرفوعا . وقال عبد الله بن المبارك: سمعت عثمان بن زائدة يقول: إن أول ما يسأل عنه الرجل جلساؤه، ثم يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ: {ما لكم لا تناصرون} أي: كما زعمتم أنكم جميع منتصر، {بل هم اليوم مستسلمون} أي: منقادون لأمر الله، لا يخالفونه ولا يحيدون عنه. { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين قالوا بل لم تكونوا مؤمنين وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون فأغويناكم إنا كنا غاوين فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون إنا كذلك نفعل بالمجرمين إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون بل جاء بالحق وصدق المرسلين } يذكر تعالى أن الكفار يتلاومون في عرصات القيامة، كما يتخاصمون في دركات النار، {فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار. قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد} [غافر:47، 48] . وقال: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين. قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين. وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} [سبأ:31-33] . قالوا لهم ههنا: {إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} قال الضحاك، عن ابن عباس: يقولون: كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا، لأنا كنا أذلاء وكنتم أعزاء.

قسم V07/P009–V07/P011İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V07/P009–V07/P011)

وقال مجاهد: يعني: عن الحق، الكفار تقوله للشياطين. وقال قتادة: قالت الإنس للجن: {إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} قال: من قبل الخير، فتنهونا عنه وتبطئونا عنه. وقال السدي تأتوننا [عن اليمين] من قبل الحق، تزينون لنا الباطل، وتصدونا عن الحق. وقال الحسن في قوله: {إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} إي والله، يأتيه عند كل خير يريده فيصده عنه. وقال ابن زيد: معناه تحولون بيننا وبين الخير، ورددتمونا عن الإسلام والإيمان والعمل بالخير الذي أمرنا به. وقال يزيد الرشك: من قبل "لا إله إلا الله". وقال خصيف: يعنون من قبل ميامنهم. وقال عكرمة {إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} ، قال: من حيث نأمنكم. وقوله: {قالوا بل لم تكونوا مؤمنين} تقول القادة من الجن، والإنس للأتباع: ما الأمر كما تزعمون؟ بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان، قابلة للكفر والعصيان، {وما كان لنا عليكم من سلطان} أي: من حجة على صحة ما دعوناكم إليه، {بل كنتم قوما طاغين} أي: بل كان فيكم طغيان ومجاوزة للحق، فلهذا استجبتم لنا وتركتم الحق الذي جاءتكم به الأنبياء، وأقاموا لكم الحجج على صحة ما جاءوكم به، فخالفتموهم. {فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون فأغويناكم إنا كنا غاوين} ، يقول الكبراء للمستضعفين: حقت علينا كلمة الله : إنا من الأشقياء الذائقين العذاب يوم القيامة، {فأغويناكم} أي: دعوناكم إلى الضلالة، {إنا كنا غاوين} أي: دعوناكم إلى ما نحن فيه، فاستجبتم لنا، قال الله تعالى: {فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون} أي: الجميع في النار، كل بحسبه، {إنا كذلك نفعل بالمجرمين إنهم كانوا} أي: في الدار الدنيا {إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} أي: يستكبرون أن يقولوها، كما يقولها المؤمنون. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا الليث، عن ابن مسافر -يعني عبد الرحمن بن خالد-عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله، وأنزل الله في كتابه -وذكر قوما استكبروا-فقال: {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} . وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن سعيد الجريري، عن أبي العلاء قال: يؤتى باليهود يوم القيامة فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: الله وعزيرا. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال، ثم يؤتى بالنصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله والمسيح. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال. ثم يؤتى بالمشركين فيقال لهم: "لا إله إلا الله"، فيستكبرون. ثم يقال لهم: "لا إله إلا الله"، فيستكبرون. ثم يقال لهم: "لا إله إلا الله" فيستكبرون. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال -قال أبو نضرة: فينطلقون أسرع من الطير-قال أبو العلاء: ثم يؤتى بالمسلمين فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد الله. فيقال لهم: هل تعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم. فيقال لهم: فكيف تعرفونه ولم تروه؟ قالوا: نعلم أنه لا عدل له. قال: فيتعرف لهم تبارك وتعالى، وينجي الله المؤمنين. {ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون} أي: أنحن نترك عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا عن قول [هذا] الشاعر المجنون، يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قال الله تعالى تكذيبا لهم، وردا عليهم: {بل جاء بالحق} يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالحق في جميع شرعة الله له من الإخبار والطلب، {وصدق المرسلين} أي: صدقهم فيما أخبروه عنه من الصفات الحميدة، والمناهج السديدة، وأخبر عن الله في شرعه [وقدره] وأمره كما أخبروا، {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} الآية [فصلت:43] .

قسم V07/P011–V07/P013İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V07/P011–V07/P013)

{إنكم لذائقو العذاب الأليم وما تجزون إلا ما كنتم تعملون إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم فواكه وهم مكرمون في جنات النعيم على سرر متقابلين يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون وعندهم قاصرات الطرف عين كأنهن بيض مكنون } يقول تعالى مخاطبا للناس: {إنكم لذائقو العذاب الأليم. وما تجزون إلا ما كنتم تعملون} ، ثم استثنى من ذلك عباده المخلصين، كما قال تعالى {والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [العصر:1-3] . وقال: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. ثم رددناه أسفل سافلين. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [التين:4-6] ، وقال: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا. ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا} [مريم:71، 72] ، وقال: {كل نفس بما كسبت رهينة. إلا أصحاب اليمين} [المدثر:38، 39] ولهذا قال هاهنا: {إلا عباد الله المخلصين} أي: ليسوا يذوقون العذاب الأليم، ولا يناقشون في الحساب، بل يتجاوز عن سيئاتهم، إن كان لهم سيئات، ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، إلى ما يشاء الله تعالى من التضعيف. وقوله: {أولئك لهم رزق معلوم} قال قتادة، والسدي: يعني الجنة. ثم فسره بقوله تعالى {فواكه} أي: متنوعة {وهم مكرمون} أي: يخدمون [ويرزقون] ويرفهون وينعمون، {في جنات النعيم. على سرر متقابلين} قال مجاهد: لا ينظر بعضهم في قفا بعض. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدثنا حسان بن حسان، حدثنا إبراهيم بن بشر، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا إبراهيم القرشي، عن سعيد بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية {على سرر متقابلين} ينظر بعضهم إلى بعض. حديث غريب . وقوله {يطاف عليهم بكأس من معين. بيضاء لذة للشاربين. لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون} ، كما قال في الآية الأخرى: {يطوف عليهم ولدان مخلدون. بأكواب وأباريق وكأس من معين. لا يصدعون عنها ولا ينزفون} [الواقعة:17-19] فنزه الله خمر الآخرة عن الآفات التي في خمر الدنيا، من صداع الرأس ووجع البطن -وهو الغول-وذهابها بالعقل جملة، فقال تعالى هاهنا: {يطاف عليهم بكأس من معين} أي: بخمر من أنهار جارية، لا يخافون انقطاعها ولا فراغها. قال مالك، عن زيد بن أسلم: خمر جارية بيضاء، أي: لونها مشرق حسن بهي لا كخمر الدنيا في منظرها البشع الرديء، من حمرة أو سواد أو اصفرار أو كدورة، إلى غير ذلك مما ينفر الطبع السليم. وقوله عز وجل: {لذة للشاربين} أي طعمها طيب كلونها، وطيب الطعم دليل على طيب الريح، بخلاف خمر الدنيا في جميع ذلك. وقوله: {لا فيها غول} يعني: لا تؤثر فيهم غولا -وهو وجع البطن. قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد-كما تفعله خمر الدنيا من القولنج ونحوه، لكثرة مائيتها. وقيل: المراد بالغول هاهنا: صداع الرأس. وروي هكذا عن ابن عباس. وقال قتادة: هو صداع الرأس، ووجع البطن. وعنه، وعن السدي: لا تغتال عقولهم، كما قال الشاعر: فما زالت الكأس تغتالنا وتذهب بالأول الأول وقال سعيد بن جبير: لا مكروه فيها ولا أذى. والصحيح قول مجاهد: إنه وجع البطن. وقوله: {ولا هم عنها ينزفون} قال مجاهد: لا تذهب عقولهم، وكذا قال ابن عباس، ومحمد بن كعب، والحسن، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني، والسدي، وغيرهم. وقال الضحاك، عن ابن عباس: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول. فذكر الله خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال، كما ذكر في سورة "الصافات" . وقوله: {وعندهم قاصرات الطرف} أي: عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن. كذا قال ابن عباس، ومجاهد، وزيد بن أسلم، وقتادة، والسدي، وغيرهم.

%0
10 Bölüm

الأسئلة