{لتسلكوا منها سبلا فجاجا} أي: خلقها لكم لتستقروا عليها وتسلكوا فيها أين شئتم، من نواحيها وأرجائها وأقطارها، وكل هذا مما ينبههم به نوح، عليه السلام على قدرة الله وعظمته في خلق السموات والأرض، ونعمه عليهم فيما جعل لهم من المنافع السماوية والأرضية، فهو الخالق الرزاق، جعل السماء بناء، والأرض مهادا، وأوسع على خلقه من رزقه، فهو الذي يجب أن يعبد ويوحد ولا يشرك به أحد؛ لأنه لا نظير له ولا عديل له، ولا ند ولا كفء، ولا صاحبة ولا ولد، ولا وزير ولا مشير، بل هو العلي الكبير. {قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ومكروا مكرا كبارا وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا } يقول تعالى مخبرا عن نوح، عليه السلام، أنه أنهى إليه، وهو العليم الذي لا يعزب عنه شيء، أنه مع البيان المتقدم ذكره، والدعوة المتنوعة المتشملة على الترغيب تارة والترهيب أخرى: أنهم عصوه وكذبوه وخالفوه، واتبعوا أبناء الدنيا ممن غفل عن أمر الله، ومتع بمال وأولاد، وهي في نفس الأمر استدراج وإنظار لا إكرام؛ ولهذا قال: {واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا} قرئ {وولده} بالضم وبالفتح، وكلاهما متقارب. وقوله: {ومكروا مكرا كبارا} قال مجاهد: {كبارا} أي عظيما. وقال ابن زيد: {كبارا} أي: كبيرا. والعرب تقول: أمر عجيب وعجاب وعجاب. ورجل حسان. وحسان: وجمال وجمال، بالتخفيف والتشديد، بمعنى واحد. والمعنى في قوله: {ومكروا مكرا كبارا} أي: باتباعهم في تسويلهم لهم بأنهم على الحق والهدى، كما يقولون لهم يوم القيامة: {بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا} [سبأ:33] ولهذا قال هاهنا: {ومكروا مكرا كبارا وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} وهذه أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله. قال البخاري: حدثنا إبراهيم، حدثنا هشام، عن ابن جريج، وقال عطاء، عن ابن عباس: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد: أما ود: فكانت لكلب بدومة الجندل؛ وأما سواع: فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، أما يعوق: فكانت لهمدان، وأما نسر: فكانت لحمير لآل ذي كلاع، وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح، عليه السلام، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم. ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت وكذا روي عن عكرمة، والضحاك، وقتادة، وابن إسحاق، نحو هذا. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هذه أصنام كانت تعبد في زمن نوح. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن موسى، عن محمد بن قيس { [يغوث] ويعوق ونسرا} قال: كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم. فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر، فعبدوهم. وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة شيث، عليه السلام، من طريق إسحاق بن بشر قال: وأخبرني جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس أنه قال: ولد لآدم عليه السلام، أربعون ولدا، عشرون غلاما وعشرون جارية، فكان ممن عاش منهم: هابيل، وقابيل، وصالح، وعبد الرحمن -والذي كان سماه عبد الحارث-وود، وكان ود يقال له "شيث" ويقال له: "هبة الله" وكان إخوته قد سودوه، وولد له سواع ويغوث ويعوق ونسر. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عمر الدوري، حدثني أبو إسماعيل المؤدب، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز عن أبي حزرة، عن عروة بن الزبير قال: اشتكى آدم، عليه السلام، وعنده بنوه: ود، ويغوث، [ويعوق] وسواع، ونسر -قال وكان ود أكبرهم وأبرهم به.
الإمام ابن كثير - تفسير القرآن العظيم
عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير · AR
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا يعقوب، عن أبي المطهر قال: ذكروا عند أبي جعفر -وهو قائم يصلي-يزيد بن المهلب، قال: فلما انفتل من صلاته قال: ذكرتم يزيد بن المهلب، أما إنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله. قال: ثم ذكر ودا -قال: وكان ود رجلا مسلما وكان محببا في قومه، فلما مات عسكروا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جزعهم عليه، تشبه في صورة إنسان، ثم قال: إني أرى جزعكم على هذا الرجل، فهل لكم أن أصور لكم مثله، فيكون في ناديكم فتذكرونه؟ قالوا: نعم. فصور لهم مثله، قال: ووضعوه في ناديهم وجعلوا يذكرونه. فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أن أجعل في منزل كل واحد منكم تمثالا مثله، فيكون له في بيته فتذكرونه؟ قالوا: نعم. قال: فمثل لكل أهل بيت تمثالا مثله، فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به، قال: وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به، قال وتناسلوا ودرس أمر ذكرهم إياه، حتى اتخذوه إلها يعبدونه من دون الله أولاد أولادهم، فكان أول ما عبد من غير الله: الصنم الذي سموه ودا. وقوله: {وقد أضلوا كثيرا} يعني: الأصنام التي اتخذوها أضلوا بها خلقا كثيرا، فإنه استمرت عبادتها في القرون إلى زماننا هذا في العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم. وقد قال الخليل، عليه السلام، في دعائه: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس} [إبراهيم: 35، 36] . وقوله: {ولا تزد الظالمين إلا ضلالا} دعاء منه على قومه لتمردهم وكفرهم وعنادهم، كما دعا موسى على فرعون ومثله في قوله: {ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 88] وقد استجاب الله لكل من النبيين في قومه، وأغرق أمته بتكذيبهم لما جاءهم به. {مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا } يقول تعالى: {مما خطاياهم} وقرئ: {خطيئاتهم} {أغرقوا} أي: من كثرة ذنوبهم وعتوهم وإصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم {أغرقوا فأدخلوا نارا} أي: نقلوا من تيار البحار إلى حرارة النار، {فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا} أي: لم يكن لهم معين ولا مغيث ولا مجير ينقذهم من عذاب الله كقوله: {قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} [هود: 43] . {وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} أي: لا تترك على [وجه] الأرض منهم أحدا ولا تومريا وهذه من صيغ تأكيد النفي. قال الضحاك: {ديارا} واحدا. وقال السدي: الديار: الذي يسكن الدار. فاستجاب الله له، فأهلك جميع من على وجه الأرض من الكافرين حتى ولد نوح لصلبه الذي اعتزل عن أبيه، وقال: {سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين} [هود: 43] . وقال ابن أبي حاتم: قرئ على يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني شبيب بن سعد، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو رحم الله من قوم نوح أحدا، لرحم امرأة، لما رأت الماء حملت ولدها ثم صعدت الجبل، فلما بلغها الماء صعدت به منكبها، فلما بلغ الماء منكبها وضعت ولدها على رأسها، فلما بلغ الماء رأسها رفعت ولدها بيدها. فلو رحم الله منهم أحدا لرحم هذه المرأة". هذا حديث غريب، ورجاله ثقات. ونجى الله أصحاب السفينة الذين آمنوا مع نوح، عليه السلام، وهم الذين أمره الله بحملهم معه.
وقوله: {إنك إن تذرهم يضلوا عبادك} أي: إنك إن أبقيت منهم أحدا أضلوا عبادك، أي: الذين تخلقهم بعدهم {ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا} أي: فاجرا في الأعمال كافر القلب، وذلك لخبرته بهم ومكثه بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاما. ثم قال: {رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا} قال الضحاك: يعني: مسجدي، ولا مانع من حمل الآية على ظاهرها، وهو أنه دعا لكل من دخل منزله وهو مؤمن، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، أنبأنا سالم بن غيلان: أن الوليد بن قيس التجيبي أخبره: أنه سمع أبا سعيد الخدري -أو: عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد:-أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تصحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي". ورواه أبو داود والترمذي، من حديث عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح، به ثم قال الترمذي: إنما نعرفه من هذا الوجه. وقوله: {وللمؤمنين والمؤمنات} دعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات، وذلك يعم الأحياء منهم والأموات؛ ولهذا يستحب مثل هذا الدعاء، اقتداء بنوح، عليه السلام، وبما جاء في الآثار، والأدعية [المشهورة] المشروعة. وقوله: {ولا تزد الظالمين إلا تبارا} قال السدي: إلا هلاكا. وقال مجاهد: إلا خسارا، أي: في الدنيا والآخرة. آخر تفسير سورة "نوح" [عليه السلام ولله الحمد والمنة] . تفسير سورة الجن وهي مكية. بسم الله الرحمن الرحيم {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا } يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر قومه: أن الجن استمعوا القرآن فآمنوا به وصدقوه وانقادوا له، فقال تعالى: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد} أي: إلى السداد والنجاح، {فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا} وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن} [الأحقاف: 29] وقد قدمنا الأحاديث الواردة في ذلك بما أغنى عن إعادته هاهنا. وقوله: {وأنه تعالى جد ربنا} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: {جد ربنا} أي: فعله وأمره وقدرته. وقال الضحاك، عن ابن عباس: جد الله: آلاؤه وقدرته ونعمته على خلقه. وروي عن مجاهد وعكرمة: جلال ربنا. وقال قتادة: تعالى جلاله وعظمته وأمره. وقال السدي: تعالى أمر ربنا. وعن أبي الدرداء، ومجاهد أيضا وابن جريج: تعالى ذكره. وقال سعيد بن جبير: {تعالى جد ربنا} أي: تعالى ربنا. فأما ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: الجد: أب. ولو علمت الجن أن في الإنس جدا ما قالوا: تعالى جد ربنا. فهذا إسناد جيد، ولكن لست أفهم ما معنى هذا الكلام؛ ولعله قد سقط شيء، والله أعلم. وقوله: {ما اتخذ صاحبة ولا ولدا} أي: تعالى عن اتخاذ الصاحبة والأولاد، أي: قالت الجن: تنزه الرب تعالى جلاله وعظمته، حين أسلموا وآمنوا بالقرآن، عن اتخاذ الصاحبة والولد. ثم قالوا: {وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا} قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والسدي: {سفيهنا} يعنون: إبليس، {شططا} قال السدي، عن أبي مالك: {شططا} أي: جورا. وقال ابن زيد: ظلما كبيرا.
ويحتمل أن يكون المراد بقولهم: {سفيهنا} اسم جنس لكل من زعم أن لله صاحبة أو ولدا. ولهذا قالوا: {وأنه كان يقول سفيهنا} أي: قبل إسلامه {على الله شططا} أي: باطلا وزورا؛ {وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا} أي: ما حسبنا أن الإنس والجن يتمالئون على الكذب على الله في نسبة الصاحبة والولد إليه. فلما سمعنا هذا القرآن وآمنا به، علمنا أنهم كانوا يكذبون على الله في ذلك. وقوله: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} أي: كنا نرى أن لنا فضلا على الإنس؛ لأنهم كانوا يعوذون بنا، أي: إذا نزلوا واديا أو مكانا موحشا من البراري وغيرها كما كان عادة العرب في جاهليتها. يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان، أن يصيبهم بشيء يسوؤهم كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير وذمامه وخفارته، فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم، {فزادوهم رهقا} أي: خوفا وإرهابا وذعرا، حتى تبقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذا بهم، كما قال قتادة: {فزادوهم رهقا} أي: إثما، وازدادت الجن عليهم بذلك جراءة. وقال الثوري، عن منصور عن إبراهيم: {فزادوهم رهقا} أي: ازدادت الجن عليهم جرأة. وقال السدي: كان الرجل يخرج بأهله فيأتي الأرض فينزلها فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من الجن أن أضر أنا فيه أو مالي أو ولدي أو ماشيتي، قال: فإذا عاذ بهم من دون الله، رهقتهم الجن الأذى عند ذلك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، حدثنا الزبير بن الخريت، عن عكرمة قال: كان الجن يفرقون من الإنس كما يفرق الإنس منهم أو أشد، وكان الإنس إذا نزلوا واديا هرب الجن، فيقول سيد القوم: نعوذ بسيد أهل هذا الوادي. فقال الجن: نراهم يفرقون منا كما نفرق منهم. فدنوا من الإنس فأصابوهم بالخبل والجنون، فذلك قول الله: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} وقال أبو العالية، والربيع، وزيد بن أسلم: {رهقا} أي: خوفا. وقال العوفي، عن ابن عباس: {فزادوهم رهقا} أي: إثما. وكذا قال قتادة. وقال مجاهد: زاد الكفار طغيانا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن المغراء الكندي، حدثنا القاسم بن مالك -يعني المزني-عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبيه، عن كردم بن أبي السائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي من المدينة في حاجة، وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم. فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم، فوثب الراعي فقال: يا عامر الوادي، جارك. فنادى مناد لا نراه، يقول: يا سرحان، أرسله. فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة. وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} ثم قال: وروي عن عبيد بن عمير، ومجاهد، وأبي العالية، والحسن، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، نحوه. وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحمل -وهو ولد الشاة-وكان جنيا حتى يرهب الإنسي ويخاف منه، ثم رده عليه لما استجار به، ليضله ويهينه، ويخرجه عن دينه، والله أعلم. وقوله: {وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا} أي: لن يبعث الله بعد هذه المدة رسولا. قاله الكلبي، وابن جرير. {وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا }
يخبر تعالى عن الجن حين بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه له أن السماء ملئت حرسا شديدا، وحفظت من سائر أرجائها، وطردت الشياطين عن مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك؛ لئلا يسترقوا شيئا من القرآن. فيلقوه على ألسنة الكهنة، فيلتبس الأمر ويختلط ولا يدرى من الصادق. وهذا من لطف الله بخلقه ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه العزيز، ولهذا قال الجن: {وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا} أي: من يروم أن يسترق السمع اليوم يجد له شهابا مرصدا له، لا يتخطاه ولا يتعداه، بل يمحقه ويهلكه، {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} أي: ما ندري هذا الأمر الذي قد حدث في السماء، لا ندري أشر أريد بمن في الأرض، أم أراد بهم ربهم رشدا؟ وهذا من أدبهم في العبارة حيث أسندوا الشر إلى غير فاعل، والخير أضافوه إلى الله عز وجل. وقد ورد في الصحيح: "والشر ليس إليك". وقد كانت الكواكب يرمى بها قبل ذلك، ولكن ليس بكثير بل في الأحيان بعد الأحيان، كما في حديث ابن عباس بينما نحن جلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رمي بنجم فاستنار، فقال: "ما كنتم تقولون في هذا؟ فقلنا: كنا نقول: يولد عظيم، يموت عظيم، فقال: "ليس كذلك، ولكن الله إذا قضى الأمر في السماء"، وذكر تمام الحديث، وقد أوردناه في سورة "سبأ" بتمامه وهذا هو السبب الذي حملهم على تطلب السبب في ذلك، فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بأصحابه في الصلاة، فعرفوا أن هذا هو الذي حفظت من أجله السماء، فآمن من آمن منهم، وتمرد في طغيانه من بقي، كما تقدم حديث ابن عباس في ذلك، عند قوله في سورة "الأحقاف": {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن} الآية 29. ولا شك أنه لما حدث هذا الأمر وهو كثرة الشهب في السماء والرمي بها، هال ذلك الإنس والجن وانزعجوا له وارتاعوا لذلك، وظنوا أن ذلك لخراب العالم -كما قال السدي: لم تكن السماء تحرس إلا أن يكون في الأرض نبي أو دين لله ظاهر، فكانت الشياطين قبل محمد صلى الله عليه وسلم قد اتخذت المقاعد في السماء الدنيا، يستمعون ما يحدث في السماء من أمر. فلما بعث الله محمدا نبيا، رجموا ليلة من الليالي، ففزع لذلك أهل الطائف، فقالوا: هلك أهل السماء، لما رأوا من شدة النار في السماء واختلاف الشهب. فجعلوا يعتقون أرقاءهم ويسيبون مواشيهم، فقال لهم عبد يا ليل بن عمرو بن عمير: ويحكم يا معشر أهل الطائف. أمسكوا عن أموالكم، وانظروا إلى معالم النجوم فإن رأيتموها مستقرة في أمكنتها فلم يهلك أهل السماء، إنما هذا من أجل ابن أبي كبشة -يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم-وإن أنتم لم تروها فقد هلك أهل السماء. فنظروا فرأوها، فكفوا عن أموالهم. وفزعت الشياطين في تلك الليلة، فأتوا إبليس فحدثوه بالذي كان من أمرهم، فقال: ائتوني من كل أرض بقبضة من تراب أشمها. فأتوه فشم فقال: صاحبكم بمكة. فبعث سبعة نفر من جن نصيبين، فقدموا مكة فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يصلي في المسجد الحرام يقرأ القرآن، فدنوا منه حرصا على القرآن حتى كادت كلاكلهم تصيبه، ثم أسلموا. فأنزل الله تعالى أمرهم على نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا هذا الفصل مستقصى في أول البعث من (كتاب السيرة) المطول، والله أعلم، ولله الحمد والمنة.
{وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا } {وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا } يقول مخبرا عن الجن: أنهم قالوا مخبرين عن أنفسهم: {وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك} أي: غير ذلك، {كنا طرائق قددا} أي: طرائق متعددة مختلفة وآراء متفرقة. قال ابن عباس، ومجاهد وغير واحد: {كنا طرائق قددا} أي: منا المؤمن ومنا الكافر. وقال أحمد بن سليمان النجاد في أماليه، حدثنا أسلم بن سهل بحشل، حدثنا علي بن الحسن بن سليمان -هو أبو الشعثاء الحضرمي، شيخ مسلم-حدثنا أبو معاوية قال: سمعت الأعمش يقول: تروح إلينا جني، فقلت له: ما أحب الطعام إليكم؟ فقال الأرز. قال: فأتيناهم به، فجعلت أرى اللقم ترفع ولا أرى أحدا. فقلت: فيكم من هذه الأهواء التي فينا؟ قال: نعم. قلت: فما الرافضة فيكم ؟ قال شرنا. عرضت هذا الإسناد على شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي فقال: هذا إسناد صحيح إلى الأعمش. وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة العباس بن أحمد الدمشقي قال سمعت بعض الجن وأنا في منزل لي بالليل ينشد: قلوب براها الحب حتى تعلقت مذاهبها في كل غرب وشارق تهيم بحب الله، والله ربها معلقة بالله دون الخلائق وقوله: {وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا} أي: نعلم أن قدرة الله حاكمة علينا وأنا لا نعجزه في الأرض، ولو أمعنا في الهرب، فإنه علينا قادر لا يعجزه أحد منا. {وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به} يفتخرون بذلك، وهو مفخر لهم، وشرف رفيع وصفة حسنة. وقولهم: {فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا} قال ابن عباس، وقتادة، وغيرهما: فلا يخاف أن ينقص من حسناته أو يحمل عليه غير سيئاته، كما قال تعالى: {فلا يخاف ظلما ولا هضما} [طه: 112] {وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون} أي: منا المسلم ومنا القاسط، وهو: الجائر عن الحق الناكب عنه، بخلاف المقسط فإنه العادل، {فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا} أي: طلبوا لأنفسهم النجاة، {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} أي: وقودا تسعر بهم. وقوله: {وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه} اختلف المفسرون في معنى هذا على قولين: أحدهما: وأن لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام وعدلوا إليها واستمروا عليها، {لأسقيناهم ماء غدقا} أي: كثيرا. والمراد بذلك سعة الرزق. كقوله تعالى: {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم} [المائدة: 66] وكقوله: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} [الأعراف: 96] وعلى هذا يكون معنى قوله: {لنفتنهم فيه} أي: لنختبرهم، كما قال مالك، عن زيد بن أسلم: {لنفتنهم} لنبتليهم، من يستمر على الهداية ممن يرتد إلى الغواية؟. ذكر من قال بهذا القول: قال العوفي، عن ابن عباس: {وأن لو استقاموا على الطريقة} يعني بالاستقامة: الطاعة. وقال مجاهد: {وأن لو استقاموا على الطريقة} قال: الإسلام. وكذا قال سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والسدي، ومحمد بن كعب القرظي. وقال قتادة: {وأن لو استقاموا على الطريقة} يقول: لو آمنوا كلهم لأوسعنا عليهم من الدنيا. وقال مجاهد: {وأن لو استقاموا على الطريقة} أي: طريقة الحق. وكذا قال الضحاك، واستشهد على ذلك بالآيتين اللتين ذكرناهما، وكل هؤلاء أو أكثرهم قالوا في قوله: {لنفتنهم فيه} أي لنبتليهم به. وقال مقاتل: فنزلت في كفار قريش حين منعوا المطر سبع سنين.
والقول الثاني: {وأن لو استقاموا على الطريقة} الضلالة {لأسقيناهم ماء غدقا} أي: لأوسعنا عليهم الرزق استدراجا، كما قال: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون} [الأنعام: 44] وكقوله: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} [المؤمنون: 55، 56] وهذا قول أبي مجلز لاحق بن حميد؛ فإنه في قوله: {وأن لو استقاموا على الطريقة} أي: طريقة الضلالة. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وحكاه البغوي عن الربيع بن أنس، وزيد بن أسلم، والكلبي، وابن كيسان. وله اتجاه، وتيأيد بقوله: {لنفتنهم فيه} وقوله: {ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا} أي: عذابا شاقا شديدا موجعا مؤلما. قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، وابن زيد: {عذابا صعدا} أي: مشقة لا راحة معها. وعن ابن عباس: جبل في جهنم. وعن سعيد بن جبير: بئر فيها. {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا } يقول تعالى آمرا عباده أن يوحدوه في مجال عبادته، ولا يدعى معه أحد ولا يشرك به كما قال قتادة في قوله: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} قال: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم، أشركوا بالله، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يوحدوه وحده. وقال ابن أبي حاتم: ذكر علي بن الحسين: حدثنا إسماعيل بن بنت السدي، أخبرنا رجل سماه، عن السدي، عن أبي مالك -أو أبي صالح-عن ابن عباس في قوله: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} قال: لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد إلا المسجد الحرام، ومسجد إيليا: بيت المقدس. وقال الأعمش: قالت الجن: يا رسول الله، ائذن لنا نشهد معك الصلوات في مسجدك. فأنزل الله: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} يقول: صلوا، لا تخالطوا الناس. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن محمود عن سعيد بن جبير،: {وأن المساجد لله} قال: قالت الجن لنبي الله صلى الله عليه وسلم: كيف لنا أن نأتي المسجد ونحن ناءون [عنك] ؟، وكيف نشهد الصلاة ونحن ناءون عنك؟ فنزلت: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} وقال سفيان، عن خصيف، عن عكرمة: نزلت في المساجد كلها. وقال سعيد بن جبير. نزلت في أعضاء السجود، أي: هي لله فلا تسجدوا بها لغيره. وذكروا عند هذا القول الحديث الصحيح، من رواية عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -أشار بيديه إلى أنفه- واليدين والركبتين وأطراف القدمين" وقوله: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا} قال العوفي، عن ابن عباس يقول: لما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن كادوا يركبونه؛ من الحرص، لما سمعوه يتلو القرآن، ودنوا منه فلم يعلم بهم حتى أتاه الرسول فجعل يقرئه: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن} يستمعون القرآن. هذا قول، وهو مروي عن الزبير بن العوام، رضي الله عنه.
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن معمر، حدثنا أبو مسلم، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال الجن لقومهم: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا} قال: لما رأوه يصلي وأصحابه، يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده، قالوا: عجبوا من طواعية أصحابه له، قال: فقالوا لقومهم: {لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا} وهذا قول ثان، وهو مروي عن سعيد بن جبير أيضا. وقال الحسن: لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا إله إلا الله" ويدعو الناس إلى ربهم، كادت العرب تلبد عليه جميعا. وقال قتادة في قوله: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا} قال: تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، فأبى الله إلا أن ينصره ويمضيه ويظهره على من ناوأه. هذا قول ثالث، وهو مروي عن ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقول ابن زيد، واختيار ابن جرير، وهو الأظهر لقوله بعده: {قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا} أي: قال لهم الرسول-لما آذوه وخالفوه وكذبوه وتظاهروا عليه، ليبطلوا ما جاء به من الحق واجتمعوا على عداوته: {إنما أدعو ربي} أي: إنما أعبد ربي وحده لا شريك له، وأستجير به وأتوكل عليه، {ولا أشرك به أحدا} وقوله: {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} أي: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي، وعبد من عباد الله ليس إلي من الأمر شيء في هدايتكم ولا غوايتكم، بل المرجع في ذلك كله إلى الله عز وجل. ثم أخبر عن نفسه أيضا أنه لا يجيره من الله أحد، أي: لو عصيته فإنه لا يقدر أحد على إنقاذي من عذابه، {ولن أجد من دونه ملتحدا} قال مجاهد، وقتادة، والسدي: لا ملجأ. وقال قتادة أيضا: {قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا} أي: لا نصير ولا ملجأ. وفي رواية: لا ولي ولا موئل. وقوله تعالى: {إلا بلاغا من الله ورسالاته} قال بعضهم: هو مستثنى من قوله: {لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} {إلا بلاغا} ويحتمل أن يكون استثناء من قوله: {لن يجيرني من الله أحد} أي: لا يجيرني منه ويخلصني إلا إبلاغي الرسالة التي أوجب أداءها علي، كما قال تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} [المائدة: 67] وقوله: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا} أي: أنما أبلغكم رسالة الله، فمن يعص بعد ذلك فله جزاء على ذلك نار جهنم خالدين فيها أبدا، أي لا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها. وقوله: {حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا} أي: حتى إذا رأى هؤلاء المشركون من الجن والإنس ما يوعدون يوم القيامة فسيعلمون يومئذ من أضعف ناصرا وأقل عددا، هم أم المؤمنون الموحدون لله عز وجل، أي: بل المشركين لا ناصر لهم بالكلية، وهم أقل عددا من جنود الله عز وجل. {قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا } يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس: إنه لا علم له بوقت الساعة، ولا يدري أقريب وقتها أم بعيد؟ {قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا} ؟ أي: مدة طويلة.
وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الحديث الذي يتداوله كثير من الجهلة من أنه عليه السلام، لا يؤلف تحت الأرض، كذب لا أصل له، ولم نره في شيء من الكتب. وقد كان صلى الله عليه وسلم يسأل عن وقت الساعة فلا يجيب عنها، ولما تبدى له جبريل في صورة أعرابي كان فيما سأله أن قال: يا محمد، فأخبرني عن الساعة؟ قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" ولما ناداه ذلك الأعرابي بصوت جهوري فقال: يا محمد، متى الساعة؟ قال: "ويحك. إنها كائنة، فما أعددت لها؟ ". قال: أما إني لم أعد لها كثير صلاة ولا صيام، ولكني أحب الله ورسوله. قال: "فأنت مع من أحببت". قال أنس: فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا محمد بن حمير حدثني أبو بكر بن أبي مريم، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا بني آدم، إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده، إنما توعدون لآت" وقد قال أبو داود في آخر "كتاب الملاحم": حدثنا موسى بن سهيل، حدثنا حجاج بن إبراهيم، حدثنا ابن وهب، حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم" انفرد به أبو داود، ثم قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عثمان. حدثنا أبو المغيرة، حدثني صفوان، عن شريح بن عبيد، عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إني لأرجو ألا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم". قيل لسعد: وكم نصف يوم؟ قال: خمسمائة عام. انفرد به أبو داود وقوله: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول} هذه كقوله تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} [البقرة: 255] وهكذا قال هاهنا: إنه يعلم الغيب والشهادة، وإنه لا يطلع أحد من خلقه على شيء من علمه إلا مما أطلعه تعالى عليه؛ ولهذا قال: {فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول} وهذا يعم الرسول الملكي والبشري. ثم قال: {فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا} أي: يختصه بمزيد معقبات من الملائكة يحفظونه من أمر الله، ويساوقونه على ما معه من وحي الله؛ ولهذا قال: {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا} وقد اختلف المفسرون في الضمير الذي في قوله: {ليعلم} إلى من يعود؟ فقيل: إنه عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي عن جعفر، عن سعيد بن جبير في قوله: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا} قال: أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل، {ليعلم} محمد صلى الله عليه وسلم {أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا} ورواه ابن أبي حاتم من حديث يعقوب القمي به. وهكذا رواه الضحاك، والسدي، ويزيد بن أبي حبيب. وقال عبد الرزاق، عن معمر عن قتادة: {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} قال: ليعلم نبي الله أن الرسل قد بلغت عن الله، وأن الملائكة حفظتها ودفعت عنها. وكذا رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. واختاره ابن جرير. وقيل غير ذلك، كما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: {إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا} قال: هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي من الشيطان، حتى يتبين الذي أرسل به إليهم، وذلك حين يقول، ليعلم أهل الشرك أن قد أبلغوا رسالات ربهم. وكذا قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} قال: ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغوا رسالات ربهم. وفي هذا نظر.
وقال البغوي: قرأ يعقوب: "ليعلم" بالضم، أي: ليعلم الناس أن الرسل بلغوا. ويحتمل أن يكون الضمير عائدا إلى الله عز وجل، وهو قول حكاه ابن الجوزي في "زاد المسير" ويكون المعنى في ذلك: أنه يحفظ رسله بملائكته ليتمكنوا من أداء رسالاته، ويحفظ ما بين إليهم من الوحي؛ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ويكون ذلك كقوله: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} [البقرة: 143] وكقوله: {وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين} [العنكبوت: 11] إلى أمثال ذلك، مع العلم بأنه تعالى يعلم الأشياء قبل كونها قطعا لا محالة؛ ولهذا قال بعد هذا: {وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا} . تفسير سورة المزمل وهي مكية قال الحافظ أبو بكر [أحمد] بن عمرو بن عبد الخالق البزار: حدثنا محمد بن موسى القطان الواسطي، حدثنا معلى بن عبد الرحمن، حدثنا شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا: سموا هذا الرجل اسما تصدر الناس عنه. فقالوا: كاهن. قالوا: ليس بكاهن. قالوا: مجنون قالوا: ليس بمجنون. قالوا: ساحر. قالوا: ليس بساحر. فتفرق المشركون على ذلك، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فتزمل في ثيابه وتدثر فيها. فأتاه جبريل، عليه السلام، فقال: " يا أيها المزمل " " يا أيها المدثر ". ثم قال البزار: معلى بن عبد الرحمن: قد حدث عنه جماعة من أهل العلم، واحتملوا حديثه، لكن تفرد بأحاديث لا يتابع عليها. بسم الله الرحمن الرحيم {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا إن لك في النهار سبحا طويلا واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا } يأمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يترك التزمل، وهو: التغطي في الليل، وينهض إلى القيام لربه عز وجل، كما قال تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون} [السجدة: 16] وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ممتثلا ما أمره الله تعالى به من قيام الليل، وقد كان واجبا عليه وحده، كما قال تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79] وهاهنا بين له مقدار ما يقوم، فقال تعالى: {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا} ء قال ابن عباس، والضحاك، والسدي: {يا أيها المزمل} يعني: يا أيها النائم. وقال قتادة: المزمل في ثيابه، وقال إبراهيم النخعي: نزلت وهو متزمل بقطيفة. وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: {يا أيها المزمل} قال: يا محمد، زملت القرآن. وقوله: {نصفه} بدل من الليل {أو انقص منه قليلا. أو زد عليه} أي: أمرناك أن تقوم نصف الليل بزيادة قليلة أو نقصان قليل، لا حرج عليك في ذلك. وقوله: {ورتل القرآن ترتيلا} أي: اقرأه على تمهل، فإنه يكون عونا على فهم القرآن وتدبره. وكذلك كان يقرأ صلوات الله وسلامه عليه، قالت عائشة: كان يقرأ السورة فيرتلها، حتى تكون أطول من أطول منها. وفي صحيح البخاري، عن أنس: أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كانت مدا، ثم قرأ {بسم الله الرحمن الرحيم} يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم. وقال ابن جريج، عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة: أنها سئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان يقطع قراءته آية آية، {بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين} رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها".