Qur'an&Sunnahالقرآن

Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)

محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي أبو بكر · AR

قسم V01/P302–V01/P304Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh) (s. V01/P302–V01/P304)

ركن الإجماع نوعان العزيمة والرخصة فالعزيمة هو اتفاق الكل على الحكم بقول سمع منهم أو مباشرة الفعل فيما يكون من بابه على وجه يكون ذلك موجودا من العام والخاص فيما يستوي الكل في الحاجة إلى معرفته لعموم البلوى فيه كتحريم الزنا والربا وتحريم الأمهات وأشباه ذلك ويشترك فيه جميع علماء العصر وفيما لا يحتاج العام إلى معرفته لعدم البلوى العام بهم فيه كحرمة المرأة على عمتها وخالتها وفرائض الصدقات وما يجب في الزروع والثمار وما أشبه ذلك وهذا لأن ركن الشيء ما يقوم به أصله فإنما يقوم أصل الإجماع في النوعين بهذا وأما الرخصة وهو أن ينتشر القول من بعض علماء أهل العصر ويسكت الباقون عن إظهار الخلاف وعن الرد على القائلين بعد عرض الفتوى عليهم أو صيرورته معلوما لهم بالانتشار والظهور فالإجماع يثبت به عندنا ومن العلماء من يقول بهذا الطريق لا يثبت الإجماع ويحكى عن الشافعي رحمه الله أنه كان يقول إن ظهر القول من أكثر العلماء والساكتون نفر يسير منهم يثبت به الإجماع وإن انتشر القول من واحد أو اثنين والساكتون أكثر علماء العصر لا يثبت به الإجماع وجه قولهم إن السكوت محتمل قد يكون للموافقة وقد يكون للمهابة والتقية مع إضمار الخلاف والمحتمل لا يكون حجة خصوصا فيما يوجب العلم قطعا ألا ترى أن فيما هو مختلف فيه السكوت لا يكون دليلا على شيء لكونه محتملا ويستدلون على صحة هذه القاعدة بما روي أن عمر رضي الله عنه لما شاور الصحابة في مال فضل عنده للمسلمين فأشاروا عليه بتأخير القسمة والإمساك إلى وقت الحاجة وعلي رضي الله عنه في القوم ساكت فقال له ما تقول يا أبا الحسن فقال لم تجعل يقينك شكا وعلمك جهلا أرى أن تقسم ذلك بين المسلمين وروى فيه حديثا فهو لم يجعل سكوته دليل الموافقة لهم حتى سأله واستخار علي رضي الله عنه السكوت مع كون الحق عنده في خلافهم ولما شاور عمر الصحابة في إملاص المغيبة التي بعث بها ففزعت فقالوا إنما أنت مؤدب وما أردت إلا الخير فلا شيء عليك وعلي رضي الله عنه في القوم ساكت فقال ما تقول يا أبا الحسن فقال إن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطؤوا وإن قاربوك فقد غشوك أرى عليك الغرة فقال أنت صدقتني فقد استخار السكوت مع إضمار الخلاف ولم يجعل عمر سكوته دليل الموافقة حتى استنطقه ولما بين ابن عباس حجته في مسألة العول للصحابة قالوا له هلا قلت هذا لعمر فقال كان رجلا مهيبا فهبته وفي رواية منعني درته من ذلك وكان عيسى بن أبان يقول ترك النكير لا يكون دليل الموافقة بدليل حديث ذي اليدين فإنه حين قال أقصرت الصلاة أم نسيتها يا رسول الله فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر وعمر وقال أحق ما يقول ذو اليدين ولو كان ترك النكير دليل الموافقة لاكتفى به رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ولما استنطقهم في الصلاة من غير حاجة وكان الكرخي رحمه الله يقول السكوت على النكير فيما يكون مجتهدا فيه لا يكون دليل الموافقة لأنه ليس لأحد المجتهدين أن ينكر على صاحبه باجتهاده وليس عليه أن يبين له ما أدى إليه اجتهاده فالسكوت في مثله لا يكون دليل الموافقة

قسم V01/P304–V01/P305Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh) (s. V01/P304–V01/P305)

وجه قولنا إنه لو شرط لانعقاد الإجماع التنصيص من كل واحد منهم على قوله وإظهار الموافقة مع الآخرين قولا أدى إلى أن لا ينعقد الإجماع أبدا لأنه لا يتصور اجتماع أهل العصر كلهم على قول يسمع ذلك منهم إلا نادرا وفي العادة إنما يكون ذلك بانتشار الفتوى من البعض وسكوت الباقين وفي اتفاقنا على كون الإجماع حجة وطريقا لمعرفة الحكم دليل على بطلان قول هذا القائل وهذا لأن المتعذر كالممتنع ثم تعليق الشيء بشرط هو ممتنع يكون نفيا لا صلة فكذا تعليقه بشرط هو متعذر وهذا لأن الله تعالى رفع عنا الحرج كما لم يكلفنا ما ليس في وسعنا وليس في وسع علماء العصر السماع من الذين كانوا قبلهم يقرون فكان ذلك ساقطا عنهم فكذلك يتعذر السماع من جميع علماء العصر والوقوف على قول كل واحد منهم في حكم حادثة حقيقة لما فيه من الحرج البين فينبغي أن يجعل اشتهار الفتوى من البعض والسكوت من الباقين كافيا في انعقاد الإجماع لأن السامعين من العلماء المجتهدين لا يحل لهم السكوت عن إظهار الخلاف إذا كان الحكم عندهم خلاف ما ظهر وسكوتهم محمول على الوجه الذي يحل فبهذا الطريق ينقطع معنى التساوي في الاحتمال ويترجح جانب إظهار الموافقة ومثل هذا السكوت لا يرجح أحد الجانبين فيما يكون مختلفا فيه فيبقى محتملا على ظاهره ولهذا قال الشافعي رحمه الله إنما يثبت الإجماع إذا اشتهر القول من أكثرهم لأن هذا القدر مما يتأتى وإقامة السكوت مقام إظهار الموافقة لدفع الحرج فيتقدر بقدره ولا حرج في اعتبار ظهور القول من الأكثر ولأن الأقل يجعل تبعا للأكثر فإذا كان الأكثر سكوتا يجعل ذلك كسكوت الكل وإذا ظهر القول من الأكثر يجعل كظهوره من الكل ولكنا نقول المعنى الذي لأجله جعل سكوت الأقل بمنزلة إظهار الموافقة أنه لا يحل لهم ترك إظهار الخلاف إذا كان الحكم عندهم خلاف ذلك وهذا المعنى فيما يشتهر من واحد أو اثنين أظهر لأن تمكن الأكثر من إظهار الخلاف يكون أبين فلأن يجعل سكوتهم عن إظهار الخلاف بعد ما اشتهر القول دليل الموافقة كان أولى وأما حديث القسمة فإنما سكت علي رضي الله عنه لأن ما أشاروا به على عمر كان حسنا فإن للإمام أن يؤخر القسمة فيما يفضل عنده من المال ليكون معدا لنائبة تنوب المسلمين ولكن كان القسمة أحسن عند علي لأنه أقرب إلى أداء الأمانة والخروج عما يحمل من العهدة وفي مثل هذا الموضع لا يجب إظهار الخلاف ولكن إذا سئل يجب بيان الأحسن فلهذا سكت علي في الابتداء وحين سأله بين الوجه الأحسن عنده وكذا حديث الإملاص فإن ما أشاروا به من الحكم كان صوابا لأنه لم يوجد من عمر رضي الله عنه مباشرة صنع بها ولا تسبب هو جناية ولكن إلزام الغرة مع هذا يكون أبعد من القيل والقال ويكون أقرب إلى بسط العدل وحسن الرعاية فلهذا سكت في الابتداء ولما استنطقه بين أولى الوجهين عنده يوضحه أن مجرد السكوت عن إظهار الخلاف لا يكون دليل الموافقة عندنا ما بقي مجلس المشاورة ولم يفصل الحكم بعد فإنما يكون هذا حجة أن لو فصل عمر الحكم بقولهم أو ظهر منه توقف في الجواب ويكون علي رضي الله عنه ساكتا بعد ذلك ولم ينقل هذا فإنما يحمل سكوته في الابتداء على أنه لتجربة أفهامهم أو لتعظيم الفتوى الذي يريد إظهاره باجتهاده حتى لا يزدري به أحد من السامعين أو ليروي النظر في الحادثة ويميزه من الأشباه حتى يتبين له ما هو الصواب فيظهره والظاهر أنه لو لم يستنطقه عمر رضي الله عنه لكان هو بين ما يستقر عليه رأيه من الجواب قبل إبرام الحكم وانقضاء مجلس المشاورة

قسم V01/P305–V01/P307Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh) (s. V01/P305–V01/P307)

فأما حديث ابن عباس فقد قيل إنه لا يكاد يصح لأن عمر رضي الله عنه كان يقدم ابن عباس رضي الله عنهما وكان يدعوه في مجلس الشورى مع الكبار من الصحابة لما عرف من فطنته وحسن ذهنه وبصيرته وقد أشار عليه بأشياء فقبل ذلك واستحسنه وكان يقول له غص يا غواص شنشنة أعرفها من أخزم يعني أنه شبه العباس في رأيه ودهائه فكيف يستقيم مع هذا أن يقال إنه امتنع من بيان قوله وحجته لعمر مهابة له وإن صح فهذه المهابة إنما كان باعتبار ما عرف من فضل رأي عمر وفقهه فمنعه ذلك من الاستقصاء في المحاجة معه كما يكون من حال الشبان مع ذوي الأسنان من المجتهدين في كل عصر فإنهم يهابون الكبار فلا يستقصون في المحاجة معهم حسب ما يفعلون مع الأقران ومتى كان ( الناس ) في تقية من عمر في إظهار الحق مع قوله عليه الصلاة والسلام أينما دار الحق فعمر معه وكان ألين وأسرع قبولا للحق من غيره حتى كان يشاورهم ويقول لهم لا خير فيكم إذا لم تقولوا لنا ولا خير فينا إذا لم نسمع منكم رحم الله امرأ أهدى إلى أخيه عيوبه فمع طلب البيان منه بهذه الصفة لا يتوهم أن يهابه أحد فلا يظهر عنده حكم الشرع مهابة له وحديث ذي اليدين رضي الله عنه قلنا مجرد السكوت عن النكير لا يكون دليل الموافقة عندنا ولكن مع ترك إظهار ما هو الحق عنده بعد مضي مدة المهلة ولم توجد هذه الصفة في حديث ذي اليدين فإنه كما أظهر مقالته سأل رسول الله أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وكان الكلام في الصلاة يومئذ مباحا فما كان هناك ما يمنعهم من الكلام وأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتعرف ما عندهم من خلاف له أو وفاق وذلك مستقيم قبل أن يحصل المقصود بالسكوت وإن كان يحصل ذلك بسكوتهم عن إظهار الخلاف أن لو قام رسول الله صلى الله عليه وسلم لإتمام الصلاة ولم يستنطقهم وكذلك ما قاله الكرخي رحمه الله فهو خارج على هذا الحرف لأنا لا نجعل مجرد السكوت عن النكير دليل الموافقة بل ترك إظهار ما عنده مما هو مخالف لما انتشر وهذا واجب على كل مجتهد من علماء العصر لا يباح له السكوت عنه بعد ما انتشر قول بخلاف قوله وبلغه ذلك فإنما يحمل السكوت على الوجه الذي يحل له شرعا ولهذا اعتبرنا في ثبوت الإجماع بهذا الطريق أن يسكت بعد عرض الفتوى عليه لأنه ما لم يبلغه قول هو مخالف لما عنده وما لم يسأل عنه لا يلزمه البيان وإنما يكون ذلك بعد عرض الفتوى عليه وبعد مضي مدة المهلة أيضا لأنه يحتاج إلى التروي وإلى رد الحادثة إلى الأشباه ليميز الأشبه بالحادثة من بين الأشباه برأيه ولا يتأتى ذلك إلا بمدة فإذا مضت المدة ولم يظهر خلاف ما بلغه كان ذلك دليلا على الوفاق باعتبار العادة فإن قيل كان ينبغي أن لا تنتهي هذه المدة إلا بموته لأن الإنسان قد يكون متفكرا في شيء مدة عمره فلا يستقر فيه رأيه على شيء وقد يرى رأيا في شيء ثم يظهر له رأي آخر فيرجع عن الأول فعلى هذا مدة التروي لا تنتهي إلا بموته قلنا لا كذلك بل إذا مضى من المدة ما يتمكن فيه من النظر والاجتهاد فعليه إظهار ما تبين له باجتهاده من توقف في الجواب أو خلاف أو وفاق لا يحل له السكوت عن الإظهار إلا عند الموافقة وبعدما ثبت الإجماع بهذا الطريق فليس له أن يرجع عنه برأي يعرض له لأن الإجماع موجب للعلم قطعا بمنزلة النص فكما لا يجوز ترك العمل بالنص باعتبار رأي يعترض له لا يجوز مخالفة الإجماع برأي يعترض له بعدما انعقد الإجماع بدليله

قسم V01/P307–V01/P309Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh) (s. V01/P307–V01/P309)

وكذلك إن لم يعرض عليه الفتوى ولكن اشتهر الفتوى في الناس على وجه يعلم أنه بلغ ذلك الساكتين من علماء العصر فإن ذلك يقوم مقام العرض عليهم لأنه يجب عليهم إظهار الخلاف الذي عندهم إن كانوا يعتقدون خلاف ذلك على وجه ينتشر هذا الخلاف منهم كما انتشر القول الأول ليكون الثاني معارضا للأول ولو أظهروا ذلك لانتشر فسكوتهم عن الإظهار الثابت بدليل عدم الانتشار دليل على الموافقة بهذا الطريق أثبتنا كون القرآن معجزا لأن العرب ما عارضوا بمثله ولو فعلوا لانتشر ذلك وعجزهم عن المعارضة بعد التحدي دليل على أنه معجز فإن قيل فقد اشتهر فتوى الناس بجواز المزارعة بعد أبي حنيفة قولا وفعلا مع سكوت أصحاب أبي حنيفة عن النكير ولم يكن ذلك دليل الموافقة قلنا كما انتشر ذلك فقد انتشر أيضا الخلاف من أصحاب أبي حنيفة لمن أجاز المزارعة محاجة ومناظرة وإنما تركوا التشنيع على من يباشر ذلك لأنه ظهر عند الناس نوع رجحان لقول من أجازها فأخذوا بذلك وذلك يمنع القائلين بفسادها من أن يظهروا منع الناس من ذلك لعلمهم أن الناس لا يمتنعون باعتبار ما ظهر لهم بمنزلة القاضي إذا قضى في فصل مجتهد فيه فإنه لا يجب على المجتهد الذي يعتقد خلافه أن يظهر للناس خطأ القاضي لعلمه أن الناس لا يأخذون بقوله ولاعتقاده أن قضاء القاضي بما قضى به نافذ وأن ذلك الجانب ترجح بالقضاء فترك النكير على من يباشر المزارعة بهذه المثابة يحقق ما قلنا إن من عادة المتشاورين من العوام في شيء يهمهم من أمر الدنيا ويتعلق به بعض مصالحهم أن البعض إذا أظهر فيه رأيا وعند البعض خلاف ذلك فإنهم لا يمتنعون من إظهار ما عندهم إلا نادرا ولا يبنى الحكم على النادر فإذا كان هذا في أمر الدنيا مع أن السكوت عن الإظهار يحل فيه شرعا فلأن يكون أمر الدين وما يرجع إلى إظهار حكم الله تعالى بهذه الصفة حتى يكون السكوت فيه دليل الوفاق كان أولى فكذلك العادة من حال من يسمع ما هو مستبعد عنه أن لا يمتنع من إظهار النكير عنده بل يكون ذلك جل همه ألا ترى أنه لو أخبر مخبر أن الخطيب يوم الجمعة لما صعد المنبر رماه إنسان بسهم فقتله وسمع ذلك منه قوم شهدوا الجمعة ولم يعرفوا من ذلك شيئا فإنه لا يكون في همتهم شيء أسبق من إظهار الإنكار عليه وقد بينا أن ما عليه العادة الظاهرة لا يجوز تركه في الأحكام فتبين باعتبار هذه العادة أن السكوت دليل الموافقة ونحن نعلم أنه قد كان عند الصحابة أن إجماعهم حجة موجبة للعلم قطعا فإذا علم الساكت هذا يفترض عليه بيان ما عنده ليتحقق الخلاف ويخرج ما اشتهر من أن يكون حكم الحادثة قطعا والسكوت إن لم يدل على الموافقة فلا إشكال أنه لا يدل على الخلاف ومن هذا الجنس ما إذا اختلفوا في حادثة على أقاويل محصورة فإن المذهب عندنا أن هذا يكون دليل الإجماع منهم على أنه لا قول في هذه الحادثة سوى هذه الأقاويل حتى ليس لأحد أن يحدث فيه قولا آخر برأيه وعند بعضهم هذا من باب السكوت الذي هو محتمل أيضا فكما لا يدل على نفي الخلاف لا يدل على نفي قول آخر في الحادثة فإن ذلك نوع تعيين ولا يثبت بالمحتمل ولكنا نقول قد بينا أنهم إذا اختلفوا على أقاويل فنحن نعلم أن الحق لا يعدو أقاويلهم وهذا بمنزلة التنصيص منهم على أن ما هو الحق حقيقة في هذه الأقاويل وماذا بعد الحق إلا الضلال وكذلك هذا الحكم في اختلاف بين أهل كل عصر إلا على قول بعض مشايخنا فإنهم يقولون هذا في أقاويل الصحابة خاصة لما لهم من الفضل والسابقة ولكن المعنى الذي أشرنا إليه يوجب المساواة وعلى هذا قالوا فيما ظهر من بعض الخلفاء عن الصحابة أنه قال في خطبته على المنبر ولم يظهر من أحد منهم خلاف لذلك فإن ذلك إجماع منهم بهذا الطريق

قسم V01/P309–V01/P311Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh) (s. V01/P309–V01/P311)

وقد قال بعض من لا يعبأ بقوله الإجماع الموجب للعلم قطعا لا يكون إلا في مثل ما اتفق عليه الناس من موضع الكعبة وموضع الصفا والمروة وما أشبه ذلك وهذا ضعيف جدا فإنه يقال لهذا القائل بأي طريق عرفت إجماع المسلمين على هذا بطريق سماعك نصا من كل واحد من آحادهم فإن قال نعم ظهر للناس كذبه وإن قال لا ولكن بتنصيص البعض وسكوت الباقين عن إظهار الخلاف فنقول كما ثبت بهذا الطريق الإجماع منهم على هذه الأشياء التي لا يشك فيها أحد فكذلك ثبت الإجماع منهم بهذا الطريق في الأحكام الشرعية فصل الأهلية زعم بعض الناس أن الإجماع الموجب للعلم لا يكون إلا باتفاق فرق الأمة أهل الحق وأهل الضلالة جميعا لأن الحجة إجماع الأمة ومطلق اسم الأمة يتناول الكل فأما المذهب عندنا أن الحجة اتفاق كل عالم مجتهد ممن هو غير منسوب إلى هوى ولا معلن بفسق في كل عصر لأن حكم الإجماع إنما يثبت باعتبار وصف لا يثبت إلا بهذه المعاني وذلك صفة الوساطة كما قال تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا وهو عبارة عن الخيار العدول المرضيين وصفة الشهادة بقوله لتكونوا شهداء على الناس فلا بد من اعتبار الأهلية لأداء الشهادة وصفة الأمر بالمعروف وذلك يشير إلى فرضية الاتباع فيما يأمرون به وينهون عنه وإنما يفترض اتباع العدل المرضي فيما يأمر به وثبوته بطريق الكرامة على الدين والمستحق للكرامات مطلقا من كان بهذه الصفة فأما أهل الأهواء فمن يكفر في هواه فاسم الأمة لا يتناوله مطلقا ولا هو مستحق للكرامة الثابتة للمؤمنين ومن يضلل في هواه إذا كان يدعو الناس إلى ما يعتقده فهو يتعصب لذلك على وجه يخرج به إلى صفة السفه والمجون فيكون متهما في أمر الدين لا معتبر بقوله في إجماع الأمة ولهذا لم يعتبر خلاف الروافض في إمامة أبي بكر ولا خلاف الخوارج في خلافة علي فإن كان لا يدعو الناس إلى هواه ولكنه مشهور به فقد قال بعض مشايخنا فيما يضلل هو فيه لا معتبر بقوله لأنه إنما يضلل لمخالفته نصا موجبا للعلم فكل قول كان بخلاف النص فهو باطل وفيما سوى ذلك يعتبر قوله ولا يثبت الإجماع مع مخالفته لأنه من أهل الشهادة ولهذا كان مقبول الشهادة في الأحكام قال رضي الله عنه والأصح عندي أنه إن كان متهما بالهوى ولكنه غير مظهر له فالجواب هكذا فأما إذا كان مظهرا لهواه فإنه لا يعتد بقوله في الإجماع لأن المعنى الذي لأجله قبلت شهادته لا يوجد هنا فإنها تقبل لانتفاء تهمة الكذب على ما قال محمد رحمه الله قوم عظموا الذنوب حتى جعلوها كفرا لا يتهمون بالكذب في الشهادة وهذا يدل على أنهم لا يؤتمنون في أحكام الشرع ولا يعتبر قولهم فيه فإن الخوارج هم الذين يقولون إن الذنب نفسه كفر وقد أكفروا أكثر الصحابة الذين عليهم مدار أحكام الشرع وإنما عرفناها بنقلهم فكيف يعتمد قول هؤلاء في أحكام الشرع وأدنى ما فيه أنهم لا يتعلمون ذلك إذا كانوا يعتقدون كفر الناقلين ولا معتبر بقول الجهال في الأحكام فأما من كان محقا في اعتقاده ولكنه فاسق في تعاطيه فالعراقيون يقولون لا يعتد بقوله في الإجماع أيضا لأنه ليس بأهل لأداء الشهادة ولأن التوقف في قوله واجب بالنص وذلك ينفي وجوب الاتباع قال رضي الله عنه والأصح عندي أنه إذا كان معلنا لفسقه فكذلك الجواب لأنه لما لم يتحرز من إعلان ما يعتقده باطلا فكذلك لا يتحرز من إعلان قول يعتقد بطلانه باطنا فأما إذا لم يكن مظهرا للفسق فإنه يعتد بقوله في الإجماع وإن علم فسقه حتى ترد شهادته لأنه لا يخرج بهذا من الأهلية للشهادة أصلا ولا من الأهلية للكرامة بسبب الدين ألا ترى أنا نقطع القول لمن يموت مؤمنا مصرا على فسقه أنه لا يخلد في النار فإذا كان هو أهلا للكرامة بالجنة في الآخرة فكذلك في الدنيا باعتبار قوله في الإجماع

قسم V01/P311–V01/P313Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh) (s. V01/P311–V01/P313)

فأما كونه عالما مجتهدا فهو معتبر في الحكم الذي يختص بمعرفته والحاجة إليه العلماء وعلى هذا قلنا من يكون متكلما غير عالم بأصول الفقه والأدلة الشرعية في الأحكام لا يعتد بقوله في الإجماع هكذا نقل عن الكرخي وكذلك من يكون محدثا لا بصر له في وجوه الرأي وطرق المقاييس الشرعية لا يعتد بقوله في الإجماع لأن هذا فيما يبني عليه حكم الشرع بمنزلة العامي ولا يعتد بقول العامي في إجماع علماء العصر لأنه لا هداية له في الحكم المحتاج إلى معرفته فهو بمنزلة المجنون حتى لا يعتد بمخالفته ثم قال بعض العلماء الذين هم بالصفة التي قلنا من أهل العصر ما لم يبلغوا حدا لا يتوهم عليهم التواطؤ على الباطل لا يثبت الإجماع الموجب للعلم باتفاقهم ألا ترى أن حكم التواتر لا يثبت بخبرهم ما لم يبلغوا هذا الحد فكذلك حكم الإجماع بقولهم لأن بكل واحد منهما يثبت علم اليقين والأصح عندنا أنهم إذا كانوا جماعة واتفقوا قولا أو فتوى من البعض مع سكوت الباقين فإنه ينعقد الإجماع به وإن لم يبلغوا حد التواتر بخلاف الخبر فإن ذلك محتمل للصدق والكذب فلا بد من مراعاة معنى ينتفي به تهمة الكذب بكثرتهم ألا ترى أن صفة العدالة لا تعتبر هناك وهذا إظهار حكم ابتداء ليس فيه من معنى احتمال تهمة الكذب شيء إنما فيه توهم الخطأ فإذا كانوا جماعة فالأمن عن ذلك ثابت شرعا كرامة لهم بسبب الدين وصفة العدالة على ما قررنا فإن قيل لا يؤمن على هؤلاء إعلان الفسق أو الضلالة أو الردة مثلا بعدما انعقد الإجماع منهم فكيف يؤمن الخطأ باعتبار اجتماعهم وعن هذا الكلام جوابان لمشايخنا رحمهم الله أحدهما أنا لا نجوز هذا على جماعتهم بعدما كان إجماعهم موجبا للعلم في حكم الشرع فإن الله تعالى يعصمهم من ذلك لأن إجماعهم صار بمنزلة النص عن صاحب الشريعة فكما أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان معصوما عن هذا نقطع القول به لأن قوله موجب للعلم فكذلك جماعة العلماء إذا ثبت لهم هذه الدرجة وهو أن قولهم موجب للعلم كرامة بسبب الدين والثاني أنه وإن تحقق هذا منهم فإن الله تعالى يقيم آخرين مقامهم ليكون الحكم ثابتا بإجماعهم لأن الدين محفوظ إلى قيام الساعة على ما قال رسول الله عليه السلام لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله فما يعترض على الأولين لا يؤثر في حكم الإجماع لقيام أمثالهم مقامهم بمنزلة موتهم وقال بعض العلماء الإجماع الموجب للعلم لا يكون إلا بإجماع الصحابة الذين كانوا خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم صحبوه وسمعوا منه علم التنزيل والتأويل وأثنى عليهم في آثار معروفة فهم المختصون بهذه الكرامة وهذا ضعيف عندنا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما أثنى عليهم فقد أثنى على من بعدهم فقال خير الناس قرني الذين أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ففي هذا بيان أن أهل كل عصر يقومون مقامهم في صفة الخيرية إذا كانوا على مثل اعتقادهم والمعاني التي بيناها لإثبات هذا الحكم بها من صفة الوساطة والشهادة والأمر بالمعروف لا يختص بزمان ولا بقوم وثبوت هذا الحكم بالإجماع لتحقيق بقاء حكم الشرع إلى قيام الساعة وذلك لا يتم ما لم يجعل إجماع أهل كل عصر حجة كإجماع الصحابة رضي الله عنهم فإن قيل ف أبو حنيفة رحمه الله قال بخلاف هذا لأنه قال ما جاءنا عن الصحابة اتبعناهم وما جاءنا عن التابعين زاحمناهم قلنا إنما قال ذلك لأنه كان من جملة التابعين فإنه رأى أربعة من الصحابة أنس بن مالك وعبد الله بن أبي أوفى وأبو الطفيل وعبد الله بن حارث بن جزء الزبيدي رضي الله عنهم وقد كان ممن يجتهد في عهد التابعين ويعلم الناس حتى ناظر الشعبي في مسألة النذر بالمعصية فما كان ينعقد إجماعهم بدون قوله فلهذا قال ذلك لا لأنه كان لا يرى إجماع من بعد الصحابة حجة

قسم V01/P313–V01/P315Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh) (s. V01/P313–V01/P315)

ومن الناس من يقول الإجماع الذي هو حجة إجماع أهل المدينة خاصة لأنهم أهل حضرة الرسول وقد بين رسول الله عليه السلام خصوصية تلك البقعة في آثار فقال إن الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها وقال عليه السلام إن الدجال لا يدخلها وقال عليه السلام من أراد أهلها بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء وقال عليه السلام إن المدينة تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد ولكن ما قررنا من المعاني لا يختص بمكان دون مكان ثم إن كان مراد القائل أهلها الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا لا ينازع فيه أحد وإن كان المراد أهلها في كل عصر فهو قول باطل لأنه ليس في بقعة من البقاع اليوم في دار الإسلام قوم هم أقل علما وأظهر جهلا وأبعد عن أسباب الخير من الذين هم بالمدينة فكيف يستجاز القول بأنه لا إجماع في أحكام الدين إلا إجماعهم والمراد بالآثار حال المدينة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كانت الهجرة فريضة كان المسلمون يجتمعون فيها وأهل الخبث والردة لا يقرون فيها وقد تكون البقعة محروسة وإن كان من يسكنها على غير الحق ألا ترى أن مكة كانت محروسة عام الفيل مع أن أهلها كانوا مشركين يومئذ ومن الناس من يقول لا إجماع إلا لعترة الرسول لأنهم المخصوصون بقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسباب العز قال عليه السلام إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي إن تمسكتم بهما لم تضلوا بعدي وقال تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا الموجب للعلم باعتبار نصوص ومعاني لا يختص ذلك بأهل البيت والنسب ليس من ذلك في شيء فالتخصيص به يكون زيادة كيف وقد قال تعالى واتبع ولكنا نقول أنواع الكرامة لأهل البيت متفق عليه ولكن حكم الإجماع سبيل من أناب إلي فكل من كان منيبا إلى ربه فهو داخل في هذه الآية وهو مراد بقوله تعالى ويتبع غير سبيل المؤمنين كما ذكرنا من الاستدلال به فصل الشرط زعم بعض الناس أن انقراض العصر شرط لثبوت حكم الإجماع وهو قول الشافعي رحمه الله أيضا لأن قبل انقراض العصر إذا بدا لبعضهم رأي خلاف رأي الجماعة فإن ما ظهر له في الانتهاء بمنزلة الموجود في الابتداء ولو كان موجودا لم ينعقد إجماعهم بدون قوله فكذلك إذا اعترض له ذلك ولا يقع الأمن عن هذا إلا بانقراض العصر على ذلك الإجماع ألا ترى أن أبا بكر رضي الله عنه كان يسوي بين الناس في العطايا وكانوا لا يخالفونه في ذلك ثم فضل علي رضي الله عنه في العطايا في خلافته ولا يظن به مخالفة الجماعة فعرفنا أن بدون انقراض العصر لا يثبت حكم الإجماع وقال علي رضي الله عنه اتفق رأيي ورأي عمر على أن أمهات الأولاد لا يبعن وأنهن أحرار عن دبر من الموالي ثم رأيت أن أرقهن فلو ثبت الإجماع قبل انقراض العصر لما استجاز خلاف الإجماع برأيه وأما عندنا انقراض العصر ليس بشرط لأن الإجماع لما انعقد باعتبار اجتماع معاني الذي قلنا كان الثابت به كالثابت بالنص وكما أن الثابت بالنص لا يختص بوقت دون وقت فكذلك الثابت بالإجماع ولو شرطنا انقراض العصر لم يثبت الإجماع أبدا لأن بعض التابعين في عصر الصحابة كان يزاحمهم في الفتوى فيتوهم أن يبدو له رأي بعد أن لم يبق أحد من الصحابة وهكذا في القرن الثاني والثالث فيؤدي إلى سد باب حكم الإجماع ( أصلا ) وهذا باطل ولكنا نقول بعد ما ثبت الإجماع موجبا للعلم باتفاقهم فليس لأحد أن يظهر خلاف ذلك برأيه لا من أهل ذلك العصر ولا من غيرهم كما لا يكون له أن يخالف النص برأيه وهذا بخلاف رأيه قبل انعقاد الإجماع لأن الدليل الموجب للعلم لم يتقرر هناك فكان قوله معتبرا في منع انعقاد الإجماع

قسم V01/P315–V01/P317Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh) (s. V01/P315–V01/P317)

وأما حديث التسوية في العطاء فقد كان مختلفا في الابتداء على ما روي عن عمر رضي الله عنه قال لأبي بكر لا تجعل من لا سابقة له في الإسلام كمن له سابقة فقال أبو بكر هم إنما عملوا لله فأجرهم على الله فتبين أن هذا الفصل كان مختلفا في الابتداء فلهذا مال علي رضي الله عنه إلى التفضيل وحديث أمهات الأولاد فالمروي أن عليا رضي الله عنه قال ثم رأيت أن أرقهن يعني أن لا أعتقهن بموت المولى حتى يكون الوارث أو الوصي هو المعتق لها كما دل عليه ظاهر بعض الآثار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس المراد جواز بيعهن إذ ليس من ضرورة الرق جواز البيع لا محالة وكان الكرخي رحمه الله يقول شرط الإجماع أن يجتمع علماء العصر كلهم على حكم واحد فأما إذا اجتمع أكثرهم على شيء وخالفهم واحد أو اثنان لم يثبت حكم الإجماع وهذا قول الشافعي رحمه الله أيضا لأن النبي عليه السلام قال أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ولأنه لا معتبر بالقلة والكثرة في المعنى الذي يبتنى عليه حكم الإجماع وبالاتفاق لو كان فريق منهم على قول وفريق مثلهم على قول آخر فإنه لا يثبت حكم الإجماع فكذلك إذا كان أكثرهم على قول ونفر يسير منهم على خلاف ذلك لا يثبت حكم الإجماع قال رضي الله عنه والأصح عندي ما أشار إليه أبو بكر الرازي رحمه الله أن الواحد إذا خالف الجماعة فإن سوغوا له ذلك الاجتهاد لا يثبت حكم الإجماع بدون قوله بمنزلة خلاف ابن عباس للصحابة في زوج وأبوين وامرأة وأبوين أن للأم ثلث جميع المال وإن لم يسوغوا له الاجتهاد وأنكروا ( عليه ) قوله فإنه يثبت حكم الإجماع بدون قوله بمنزلة قول ابن عباس في حل التفاضل في أموال الربا فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يسوغوا له هذا الاجتهاد حتى روي أنه رجع إلى قولهم فكان الإجماع ثابتا بدون قوله ولهذا قال محمد رحمه الله في الإملاء لو قضى القاضي بجواز بيع الدرهم بالدرهمين لم ينفذ قضاؤه لأنه مخالف للإجماع والدليل على صحة هذا القول قوله عليه السلام يد الله مع الجماعة فمن شذ شذ في النار وقال عليه السلام عليكم بالسواد الأعظم يعني ما عليه عامة المؤمنين ففي هذا إشارة إلى أن قول الواحد لا يعارض قول الجماعة ولأنا لو شرطنا هذا أدى إلى أن لا ينعقد الإجماع أبدا لأنه لا بد أن يكون في علماء العصر واحد أو اثنان ممن لم يسمع ذلك الفتوى أصلا وممن يرى خلاف ذلك وإنما كان الإجماع حجة باعتبار ظهور وجه الصواب فيه بالاجتماع عليه وإنما يظهر هذا في قول الجماعة لا في قول الواحد ألا ترى أن قول الواحد لا يكون موجبا للعلم وإن لم يكن بمقابلته جماعة يخالفونه وقول الجماعة موجب للعلم إذا لم يكن هناك واحد يخالفهم فكذلك مع وجود هذا الواحد لأن قوله لا يعارض قولهم بخلاف ما إذا كان على كل قول جماعة فهناك المعارضة تتحقق والمراد من قوله عليه السلام بأيهم اقتديتم اهتديتم إذا لم يكن هناك دليل موجبا للعلم بخلاف قول من يهتدي به ألا ترى أنه إذا كان هناك نص بخلاف قول الواحد لم يجز اتباعه ولم يكن هذا الحديث متناولا له وحكي عن أبي حازم القاضي رحمه الله أن الخلفاء الراشدين إذا اتفقوا على شيء فذلك إجماع موجب للعلم ولا يعتد بخلاف من خالفهم في ذلك لقوله عليه السلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ولهذا لم يعتبر خلاف زيد للخلفاء في توريث ذوي الأرحام وأمر المعتصم برد الأموال التي اجتمعت في بيت المال مما أخذت من تركات فيها ذوو الأرحام فأنكر ذلك عليه أبو سعيد البردعي رحمه الله وقال هذا شيء أمضى على قول زيد فقال لا أعتد خلاف زيد في مقابلة قول الخلفاء الراشدين وقد قضيت بذلك فليس لأحد أن يبطله بعدي فصل الحكم

قسم V01/P317–V01/P318Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh) (s. V01/P317–V01/P318)

ذكر هشام عن محمد رحمهما الله الفقه أربعة ما في القرآن وما أشبهه وما جاءت به السنة وما أشبهها وما جاء عن الصحابة وما أشبهه وما رآه المسلمون حسنا وما أشبهه ففي هذا بيان أن ما أجمع عليه الصحابة فهو بمنزلة الثابت بالكتاب والسنة في كونه مقطوعا به حتى يكفر جاحده وهذا أقوى ما يكون من الإجماع ففي الصحابة أهل المدينة وعترة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلاف بين من يعتد بقولهم إن هذا الإجماع حجة موجبة للعلم قطعا فيكفر جاحده كما يكفر جاحد ما ثبت بالكتاب أو بخبر متواتر فإن قيل كيف يستقيم هذا وتوهم الخطأ لم ينعدم بإجماعهم أصلا فإن رأيهم لا يكون فوق رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال تعالى عفا الله عنك لم أذنت لهم وقال تعالى ما كان لنبي أن يكون له أسرى الآية ففي هذا إشارة إلى أنه قد كان وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم الخطأ في بعض ما فعل به برأيه فعرفنا أنه لا يؤمن الخطأ في رأي دون رأيه أصلا قلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معصوما عن التقرير على الخطأ خصوصا في إظهار أحكام الدين ولهذا كان قوله موجبا علم اليقين واتباعه فرض على الأمة قال تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وسنقرر هذا الكلام في موضعه ( إن شاء الله تعالى ) فإذا ثبت هذا فيما ثبت بتنصيص رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذلك فيما يثبت بإجماع الصحابة فإنه لا يبقى فيه توهم الخطأ بعد إجماعهم حتى يكفر جاحده وقوله وما أشبهه المراد منه أن الصحابة إذا اختلفوا في حادثة على أقاويل فإن ذلك اتفاق منهم على أنه لا قول سوى ما ذكروا فيها وأن الحق لا يعدو أقاويلهم حتى ليس لأحد بعدهم أن يخترع قولا آخر برأيه ولهذا قلنا إن الصحابة لما اختلفوا في مقدار جعل الآبق على أقاويل كان ذلك اتفاقا منهم على أن الحق لا يعدو أقاويلهم فليس لأحد بعدهم أن يخترع فيه قولا آخر برأيه إلا أن هذا الإجماع دون الأول في الحكم لأن ثبوته بطريق الاستدلال وأصله مسكوت عنه فلا يكفر جاحده مثل هذا الإجماع فإن قيل أليس أنكم قلتم فيمن قال لامرأته اختاري فإن اختارت نفسها وقعت تطليقة بائنة وإن اختارت زوجها لم يقع شيء وقد كانت الصحابة فيها على قولين سوى هذا ثم اخترعتم قولا ثالثا برأيكم قلنا ما فعلنا ذلك فإن الكرخي رحمه الله ذكر مذهبنا عن معاذ بن جبل رضي الله عنه فليس ذلك بخروج عن أقاويلهم وفي قوله ما رآه المسلمون حسنا بيان أن إجماع أهل كل عصر حجة ولكن هذا في الحكم دون ما سبق وهو بمنزلة خبر مشهور حتى لا يكفر جاحده ولكن يجوز النسخ به لأن بين من يعتد بقولهم من العلماء اختلافا فيه ودون هذا بدرجة أيضا الإجماع بعد الاختلاف في الحادثة إذا كانت مختلفا فيها في عصر ثم اتفق أهل عصر آخر بعدهم على أحد القولين فقد قال بعض العلماء هذا لا يكون إجماعا وعندنا هو إجماع ولكنه بمنزلة خبر الواحد في كونه موجبا للعمل غير موجب للعلم قال رضي الله عنه وكان شيخنا ( الإمام الحلواني رحمه الله ) يقول هذا على قول محمد رحمه الله يكون إجماعا فأما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لا يكون إجماعا فإن الرواية محفوظة عن محمد رحمه الله أن قضاء القاضي بجواز بيع أم الولد باطل وقد كان هذا مختلفا فيه بين الصحابة ثم اتفق من بعدهم على أنه لا يجوز بيعها فكان هذا قضاء بخلاف الإجماع عند محمد وعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ينفذ قضاء القاضي به لشبهة الاختلاف في الصدر الأول ولا يثبت الإجماع مع وجود الاختلاف في الصدر الأول

قسم V01/P318–V01/P320Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh) (s. V01/P318–V01/P320)

قال رضي الله عنه والأوجه عندي أن هذا إجماع عند أصحابنا جميعا للدليل الذي دل على أن إجماع أهل كل عصر إجماع معتبر وإنما ينفذ قضاء القاضي بجواز بيعها لشبهة الاختلاف في أن مثل هذا هل يكون إجماعا فعلى اعتبار هذه الشبهة يكون قضاؤه في مجتهد فيه فلهذا نفذه أبو حنيفة رحمه الله وجه قول الفريق الأول أن الحجة إجماع الأمة والذي كان مخالفا في الصدر الأول من الأمة وبموته لا يبطل قوله فلا يثبت الإجماع بدون قوله ألا ترى أنه لو بقي حيا إلى هذا الوقت لم ينعقد الإجماع بدون قوله فكذلك إذا كان ميتا لأن اعتبار قوله لدليله لا لحياته ولأنه لو ثبت الإجماع بعده لوجب القول بتضليله ولا نظن أحدا يقول هذا لابن عباس رضي الله عنهما في زوج وأبوين وإن أجمعوا بعده على خلاف قوله ولا لابن مسعود رضي الله عنه في تقديم ذوي الأرحام على مولى العتاقة وإن أجمعوا بعده على خلاف قوله وقد قلتم إذا قال لامرأته أنت خلية ونوى ثلاثا ثم وطئها في العدة وقال علمت أنها علي حرام لا يلزمه الحد لأن عمر رضي الله عنه كان يراها تطليقة رجعية وقد أجمعوا بعده على خلاف ذلك ولهذا صح نية الثلاث فيه فدل أن الإجماع لا يثبت بمثل هذا وجه قولنا إن المعتبر إجماع أهل كل عصر لما بينا أن المقصود كون أحكام الشرع محفوظة وأن ثبوت هذا الحكم باعتبار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذلك يختص به الأحياء من أهل العصر دون من مات قبلهم فكما أن لا يعتبر توهم قول ممن يأتي بعدهم بخلاف قولهم في منع ثبوت حكم الإجماع فكذلك لا يعتبر قول واحد كان قبلهم إذا اجتمعوا في عصرهم على خلافه ويجعل هذا الإجماع بمنزلة التقدير من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لو عرض عليه الفتوى ومعلوم أنه لو عرض عليه فقال الصواب هذا فإنه تثبت الحجة به ولا يضلل القائل بخلافه قبل هذا التنصيص فكذلك هنا لا يضلل القائل بخلافه قبل هذا الإجماع ألا ترى أن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس بعدما نزلت فرضية التوجه إلى الكعبة حتى أتاهم آت فأخبرهم واستداروا كهيئتهم وجوز رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاتهم لأن ذلك كان قبل العلم بالنص الناسخ وابن عباس رضي الله عنهما كان يقول بإباحة المتعة ثم رجع إلى قول الصحابة ويثبت الإجماع برجوعه لا محالة ولم يكن ذلك موجبا تضليله فيما كان يفتي به قبل هذا فأما ما إذا قال لامرأته أنت خلية فإنما أسقطنا الحد هناك بالوطء لا لأن اتفاق أهل العصر بعد الخلاف ليس بإجماع ولكن للشبهة المتمكنة في هذا الإجماع بسبب اختلاف العلماء فإن الحد يسقط بأدنى شبهة والله أعلم بالحقيقة & باب الكلام في قبول أخبار الآحاد والعمل بها & قال فقهاء الأمصار رحمهم الله خبر الواحد العدل حجة للعمل به في أمر الدين ولا يثبت به علم اليقين وقال بعض من لا يعتد بقوله خبر الواحد لا يكون حجة في الدين أصلا وقال بعض أهل الحديث يثبت بخبر الواحد علم اليقين منهم من اعتبر فيه عدد الشهادة ليكون حجة ومنهم من اعتبر أقصى عدد الشهادة وهو الأربعة

%0
10 Bölüm