Qur'an&Sunnahالقرآن

Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)

محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي أبو بكر · AR

قسم V02/P077–V02/P079Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh) (s. V02/P077–V02/P079)

وله طريقان إما صرف الله تعالى عنها القلوب وإما موت من يحفظها من العلماء لا إلى خلف ثم هذا النوع من النسخ في القرآن كان جائزا في حياة رسول الله عليه السلام بقوله تعالى سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله فالاستثناء دليل على جواز ذلك وقال تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها وقال ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك فأما بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام لا يجوز هذا النوع من النسخ في القرآن عند المسلمين وقال بعض الملحدين ممن يتستر بإظهار الإسلام وهو قاصد إلى إفساده هذا جائز بعد وفاته أيضا واستدل في ذلك بما روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم و أنس رضي الله عنه كان يقول قرأنا في القرآن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا وقال عمر رضي الله عنه قرأنا آية الرجم في كتاب الله ووعيناها وقال أبي بن كعب إن سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة أو أطول منها والشافعي لا يظن به موافقة هؤلاء في هذا القول ولكنه استدل بما هو قريب من هذا في عدد الرضعات فإنه صحح ما يروى عن عائشة رضي الله عنها وإن مما أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس رضعات معلومات وكان ذلك مما يتلى في القرآن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث والدليل على بطلان هذا القول قوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ومعلوم أنه ليس المراد الحفظ لديه فإن الله تعالى يتعالى من أن يوصف بالنسيان والغفلة فعرفنا أن المراد الحفظ لدينا فالغفلة والنسيان متوهم منا وبه ينعدم الحفظ إلا أن يحفظه الله عز وجل ولأنه لا يخلو شيء من أوقات بقاء الخلق في الدنيا عن أن يكون فيما بينهم ما هو ثابت بطريق الوحي فيما ابتلوا به من أداء الأمانة التي حملوها إذ العقل لا يوجب ذلك وليس به كفاية بوجه من الوجوه وقد ثبت أنه لا ناسخ لهذه الشريعة بوحي ينزل بعد وفاة رسول الله عليه السلام ولو جوزنا هذا في بعض ما أوحي إليه لوجب القول بتجويز ذلك في جميعه فيؤدي إلى القول بأن لا يبقى شيء مما ثبت بالوحي بين الناس في ( حال ) بقاء التكليف وأي قول أقبح من هذا ومن فتح هذا الباب لم يأمن أن يكون بعض ما في أيدينا اليوم أو كله مخالف لشريعة رسول الله بأن نسخ الله ذلك بعده وألف بين قلوب الناس على أن ألهمهم ما هو خلاف شريعته فلصيانة الدين إلى آخر الدهر أخبر الله تعالى أنه هو الحافظ لما أنزله على رسوله وبه يتبين أنه لا يجوز نسخ شيء منه بعد وفاته بطريق الاندراس وذهاب حفظه من قلوب العباد وما ينقل من أخبار الآحاد شاذ لا يكاد يصح شيء منها ويحمل قول من قال في آية الرجم إنه في كتاب الله أي في حكم الله تعالى كما قال تعالى كتاب الله عليكم أي حكم الله عليكم وحديث عائشة لا يكاد يصح لأنه قال في ذلك الحديث وكانت الصحيفة تحت السرير فاشتغلنا بدفن رسول الله فدخل داجن البيت فأكله ومعلوم أن بهذا لا ينعدم حفظه من القلوب ولا يتعذر عليهم إثباته في صحيفة أخرى فعرفنا أنه لا أصل هذا الحديث فأما الوجهان الآخران فهما جائزان في قول الجمهور من العلماء ومن الناس من يأبى ذلك قالوا لأن المقصود بيان الحكم وإنزال المتلو كان لأجله فلا يجوز رفع الحكم مع بقاء التلاوة لخلوه عما هو المقصود ولا يجوز نسخ التلاوة مع بقاء الحكم لأن الحكم لا يثبت بدون السبب ولا يبقى بدون بقاء السبب أيضا

قسم V02/P079–V02/P081Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh) (s. V02/P079–V02/P081)

ومنهم من يقول يجوز نسخ الحكم مع بقاء التلاوة ولا يجوز نسخ التلاوة مع بقاء الحكم فإنه لا شك في وجوب الإعتقاد في المتلو أنه قرآن وأنه كلام الله تعالى كيف يصح أن يعتقد فيه خلاف هذا في شيء من الأوقات والقول بنسخ التلاوة يؤدي إلى هذا فكان هذا نوعا من الأخبار التي لا يجوز فيها النسخ فأما دليلنا على وجود نسخ الحكم مع بقاء التلاوة قوله تعالى فأمسكوهن في البيوت فإن الحبس في البيوت والأذى باللسان كان حد الزنا وقد انتسخ هذا الحكم مع بقاء التلاوة وكذلك قوله تعالى متاعا إلى الحول غير إخراج فإن تقدير عدة الوفاة بحول كان منزلا وانتسخ هذا الحكم مع بقاء التلاوة وقوله تعالى فقدموا بين يدي نجواكم صدقة فإن حكم هذا قد انتسخ بقوله فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم وبقيت التلاوة وحكم التخيير بين الصوم والفدية قد انتسخ بقوله فليصمه وبقيت التلاوة وهو قوله وأن تصوموا خير لكم والدليل على جواز ذلك أنه يتعلق بصيغة التلاوة حكمان مقصودان أحدهما جواز الصلاة والثاني النظم المعجز وبعد انتساخ الحكم الذي هو العمل به يبقى هذان الحكمان وهما مقصودان ألا ترى أن بالمتشابه في القرآن إنما يثبت هذان الحكمان فقط وإذا حسن ابتداء رسم التلاوة لهذين الحكمين فالبقاء أولى وقد بينا أن الدليل الموجب لثبوت الحكم لا يكون موجبا للبقاء وبالانتساخ إنما ينعدم بقاء الحكم وذلك ما كان مضافا إلى ما كان موجبا ثبوت الحكم فانتهاء الحكم لا يمنع بقاء التلاوة من هذا الوجه وأما نسخ التلاوة مع بقاء الحكم فبيانه فيما قال علماؤنا إن صوم كفارة اليمين ثلاثة أيام متتابعة بقراءة ابن مسعود فصيام ثلاثة أيام متتابعات وقد كانت هذه قراءة مشهورة إلى زمن أبي حنيفة ولكن لم يوجد فيه النقل المتواتر الذي يثبت بمثله القرآن وابن مسعود لا يشك في عدالته وإتقانه فلا وجه لذلك إلا أن نقول كان ذلك مما يتلى في القرآن كما حفظه ابن مسعود رضي الله عنه ثم انتسخت تلاوته في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بصرف الله القلوب عن حفظها إلا قلب ابن مسعود ليكون الحكم باقيا بنقله فإن خبر الواحد موجب للعمل به وقراءته لا تكون دون روايته فكان بقاء هذا الحكم بعد نسخ التلاوة بهذا الطريق والدليل على جوازه ما بينا أن بقاء الحكم لا يكون ببقاء السبب الموجب له فانتساخ التلاوة لا يمنع بقاء الحكم ألا ترى أن البيع موجب للملك ثم لو قطع المشتري ملكه بالبيع من غيره أو أزاله بالإعتاق لم ينعدم ذلك البيع لأن البقاء لم يكن مضافا إليه ثم قد بينا أن حكم تعلق جواز الصلاة بتلاوته وحرمة قراءته على الجنب والحائض مقصود وهو مما يجوز أن يكون موقتا ينتهي بمضي مدته فيكون نسخ التلاوة بيان مدة ذلك الحكم كما أن نسخ الحكم بيان المدة فيه وما توهمه بعضهم فهو غلط بين فإن بعدما اعتقدنا في المتلو أنه قرآن وأنه كلام الله تعالى لا نعتقد فيه أنه ليس بقرآن وأنه ليس بكلام الله تعالى بحال من الأحوال ولكن بانتساخ التلاوة ينتهي حكم تعلق جواز الصلاة به وحرمة قرآءته على الجنب والحائض لضرورة أن الله تعالى رفع عنا تلاوته وحفظه وهو نظير ما يقول فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما قبض نعتقد فيه أنه رسول الله وأنه خاتم الأنبياء عليهم السلام على ما كان في حال حياته وإن أخرجه الله من بيننا بانتهاء مدة حياته في الدنيا وأيد جميع ما ذكرنا قوله تعالى ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم قد بينا أنه يجوز إثبات الحكم ابتداء بوحي غير متلو فلأن يجوز بقاء الحكم بعدما انتسخ حكم التلاوة من الوحي المتلو كان أولى وأما الوجه الرابع وهو الزيادة على النص فإنه بيان صورة ونسخ معنى عندنا سواء كانت الزيادة في السبب أو الحكم وعلى قول الشافعي هو بمنزلة تخصيص العام ولا يكون فيه معنى النسخ حتى جوز ذلك بخبر الواحد والقياس

قسم V02/P081–V02/P082Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh) (s. V02/P081–V02/P082)

وبيان هذا في النفي مع الجلد وقيد صفة الإيمان في الرقبة في كفارة الظهار واليمين وجه قوله إن الرقبة اسم عام يتناول المؤمنة والكافرة فإخراج الكافرة منها يكون تخصيصا لا نسخا بمنزلة إخراج بعض الأعيان من الاسم العام ألا ترى أن بني إسرائيل استوصفوا البقرة وكان ذلك منهم طلب البيان المحض دون النسخ وبعدما بينها الله لهم امتثلوا الأمر المذكور في قوله إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة وهذا لأن النسخ يكون برفع الحكم المشروع وفي الزيادة تقرير الحكم المشروع وإلحاق شيء آخر به بطريق المحاورة فإن إلحاق النفي بالجلد لا يخرج الجلد من أن يكون مشروعا وإلحاق صفة الإيمان بالرقبة لا يخرج الرقبة من أن تكون مستحقة الإعتاق في الكفارة وهذا نظير حقوق العباد فإن من ادعى على غيره ألفا وخمسائة وشهد له شاهدان بألف وآخران بألف وخمسائة حتى قضى له بالمال كله كان مقدار الألف مقضيا به بشهادتهم جميعا وإلحاق الزيادة بالألف في شهادة الآخر يوجب تقرير الأصل في كونه مشهودا به لا رفعه فتبين بهذا أن الزيادة لا تتعرض لأصل الحكم المشروع فلا يكون فيها معنى النسخ بوجه من الوجوه ثم قد يكون بطريق التخصيص وقد لا يكون ولهذا لا يشترط فيها أن تكون مقرونة بالأصل كما يشترط ذلك في دليل الخصوص وحاجتنا إلى إثبات أن ذلك ليس بنسخ وقد أثبتناه بما قررنا وحجتنا في ذلك أن أكثر ما ذكره الخصم دليل على أن الزيادة بيان صورة ونحن نسلم ذلك ولكنا ندعي أنه نسخ معنى والدليل على إثبات ذلك أن ما يجب حقا لله تعالى من عبادة أو عقوبة أو كفارة لا يحتمل الوصف بالتجزي وليس للبعض منه حكم الجملة بوجه فإن الركعة من صلاة الفجر لا تكون فجرا والركعتين من صلاة الظهر في حق المقيم لا تكون ظهرا وكذلك المظاهر إذا صام شهرا ثم عجز فأطعم ثلاثين مسكينا لا يكون مكفرا به بالإطعام ولا بالصوم ولهذا قلنا القاذف إذا جلد تسعة وسبعين سوطا لا تسقط شهادته لأن الحد ثمانون سوطا فبعضه لا يكون حدا إذا تقرر هذا فنقول الثابت بآية الزنا جلد وهو حد فإذا التحق النفي به يخرج الجلد من أن يكون حدا لأنه يكون بعض الحد حينئذ وبعض الحد ليس بحد بمنزلة بعض العلة فإنه لا يوجب شيئا من الحكم الثابت بالعلة فكان نسخا من هذا الوجه وكذلك في الرقبة فإن مع الإطلاق التكفير بتحرير رقبة وبعد القيد تحرير رقبة بعض ما يتأدى به الكفارة فعرفنا أنه نسخ وبه فارق حقوق العباد فإنه مما يحتمل الوصف بالتجزي فيمكن أن يجعل إلحاق الزيادة به تقريرا للمزيد عليه حتى إن فيما لا يحتمل التجزي من حقوق العباد الحكم كذلك أيضا فإن البيع لما كان عبارة عن الإيجاب والقبول لم يكن الإيجاب المحض بيعا ونكاح أربع نسوة لما كان موجبا حرمة النكاح عليه لا يثبت شيء من ذلك بنكاح امرأة أو امرأتين لأن ليس بنكاح أربع نسوة وقد بينا في قصة بني إسرائيل أن ذلك كان بيانا صورة وكان نسخا معنى كما أشار إليه ابن عباس رضي الله عنهما بقوله شددوا فشدد الله عليهم يدل عليه أن النسخ لبيان مدة بقاء الحكم وإثبات حكم آخر ثم الإطلاق ضد التقييد فكان من ضرورة ثبوت التقييد انعدام صفة الإطلاق وذلك لا يكون إلا بعد انتهاء مدة حكم الإطلاق وإثبات حكم هو ضده وهو التقييد وإذا كان إثبات حكم غير الأول على وجه يعلم أنه لم يبق معه الأول نسخا فإثبات حكم هو ضد الأول أولى أن يكون نسخا بطريق المعنى وبه فارق التخصيص فإن التخصيص لا يوجب حكما فيما تناوله العام غير الحكم الأول ولكن يبين أن العام لم يكن متناولا لما صار مخصوصا منه ولهذا لا يكون التخصيص إلا مقارنا يقرره أن التخصيص للإخراج والتقييد للإثبات وأي مشابهة تكون بين الإخراج من الحكم وبين إثبات الحكم

قسم V02/P082–V02/P084Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh) (s. V02/P082–V02/P084)

وهذا لأن الإطلاق يعدم صفة التقييد والتقييد إيجاد لذلك الوصف فبعد ما ثبت التقييد لا يتصور بقاء صفة الإطلاق ولا يكون الحكم ثابتا لما تناوله صيغة الإطلاق وإنما يكون ثابتا بالمقيد من اللفظ فأما العام إذا خص منه شيء يبقى الحكم ثابتا فيما وراءه بمقتضى لفظ العموم فقط وإذا كان بقاء الحكم بما كان النص العام متناولا له عرفنا أن التخصيص لا يكون تعرضا لما وراء المخصوص بشيء وبيان هذا أن قوله تعالى فاقتلوا المشركين وإن خص منه أهل الذمة وغيرهم فمن لا أمان له يجب قتله لأنه مشرك وفي قوله فتحرير رقبة إذا قيدنا بصفة الإيمان لا تتأدى الكفارة بما يتناوله اسم الرقبة بل بما يتناوله اسم الرقبة المؤمنة فعرفنا أنه في معنى النسخ وليس بتخصيص ولأن التخصيص يصرف فيما كان اللفظ متناولا له باعتبار دليل الظاهر لولا دليل الخصوص والتقييد تصرف فيما لم يكن اللفظ متناولا له أصلا لولا التقييد فإن اسم الرقبة لا يتناول صفتها من حيث الإيمان والكفر فعرفنا أنه نسخ والنسخ في الحكم الثابت بالنص لا يكون بخبر الواحد ولا بالقياس وعلى هذا قلنا لا تتعين الفاتحة للقراءة في الصلاة ركنا لأنه زيادة على ما ثبت بالنص ولا تثبت الطهارة عن الحدث شرطا في ركن الطواف لأنه زيادة على النص ولا يثبت النفي حدا مع الجلد في زنا البكر لأنه زيادة ولا يثبت اشتراط صفة الإيمان في كفارة اليمين والظهار لأنه زيادة وعلى هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله شرب القليل من الطلاء المثلث لا يكون حراما لأن المحرم السكر بالنص وشرب القليل بعض العلة فيما يحصل به السكر فلا يكون مسكرا وعلى هذا قال أصحابنا إذا وجد المحدث من الماء ما لا يكفيه لوضوئه أو الجنب ما لا يكفيه لاغتساله فإنه يتيمم ولا يستعمل ذلك الماء لأن الواجب استعمال الماء الذي هو طهور وهذا بمنزلة بعض العلة في حكم الطهارة فلا يكون طهورا فوجوده لا يمنع التيمم وعلى هذا قلنا إذا شهد أحد الشاهدين بالبيع بألف والآخر بالبيع بألف وخمسمائة لا تقبل الشهادة في إثبات العقد بألف وإن اتفق عليه الشاهدان ظاهرا لأن الذي شهد بألف وخمسمائة قد جعل الألف بعض الثمن وانعقاد البيع بجميع الثمن المسمى لا ببعضه فمن هذا الوجه كل واحد منهما في المعنى شاهد لعقد آخر والألف المذكور في شهادة الثاني كان بحيث يثبت به العقد لولا وصل شيء آخر به بمنزلة التخيير في الطلاق والعتاق يصير شيئا آخر إذا اتصل به التعليق بالشرط فحكم الزيادة يكون بهذه الصفة أيضا والذي يقرر جميع ما ذكرنا أن النسخ إنما يثبت بما لو جهل التاريخ فيه كان معارضا وهذا يتحقق في الإطلاق والتقييد فإنه لو جهل التاريخ بين النص المطلق والمقيد يثبت التعارض بينهما فعرفنا أنه عند معرفة ويجوز أن يرد النسخ على ما هو ناسخ كما يجوز أن يرد النسخ على ما كان مشروعا ابتداء إذ المعنى لا يوجب الفرق بينهما وبيان هذا فيما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أن حرمة مفاداة الأسير الثابت بقوله تعالى ما كان لنبي أن يكون له أسرى قد انتسخ التاريخ بينهما يكون التقييد في النص المطلق نسخا من حيث المعنى بقوله تعالى فإما منا بعد وإما فداء ثم قال السدي هذا قد انتسخ بقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم لأن سورة براءة من آخر ما نزل فكان ناسخا للحكم الذي كان قبله وكذلك حكم الحبس في البيوت والأذى باللسان في كونه حدا قد انتسخ بقوله عليه السلام ( خذوا عني ) الحديث ثم هذا الحكم انتسخ بنزول قوله تعالى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة وبرجم النبي عليه السلام ماعز بن مالك رضي الله عنه واستقر الحكم على أن الحد الكامل في حق غير المحصن مائة جلدة وفي حق المحصن الرجم

قسم V02/P084–V02/P086Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh) (s. V02/P084–V02/P086)

ومما اختلفوا في أنه نسخ أم لا حكم الميراث فقد كان التوريث بالحلف والهجرة ثابتا في الابتداء قال تعالى والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم وقال تعالى إن الذين آمنوا وهاجروا إلى قوله أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا الآية ثم انتسخ هذا عند بعض العلماء بنزول قوله تعالى وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين الآية ومنهم من قال هذا ليس بنسخ ولكن هذا تقديم وارث على وارث فلا يكون نسخا كتقديم الابن على الأخ في الميراث لا يكون نسخ التوريث بالأخوة وتقديم الشريك على الجار في استحقاق الشفعة لا يكون نسخ حكم الشفعة بالجوار والأصح أن نقول هذا نسخ بعض الأحوال دون البعض فإن قوله تعالى فآتوهم نصيبهم تنصيص على أن بالحلف يستحق النصيب من الميراث مع وجود القريب ثم انتسخ هذا الحكم بقوله تعالى وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله حتى لا يستحق بالحلف شيئا مع وجود القريب أصلا فعرفنا أن هذا الحكم قد انتهى في هذه الحالة فكان نسخا وإن كان الإرث بهذا السبب باقيا في غير هذه الحالة وإلى ذلك أشار ابن مسعود رضي الله عنه في قوله يا معشر همدان إنه ليس حي من أحياء العرب أحرى أن يموت الرجل فيهم ولا يعرف له نسب منكم فإذا كان ذلك فليضع ماله حيث أحب والله أعلم باب الكلام في أفعال النبي عليه السلام اعلم بأن أفعاله التي تكون عن قصد تنقسم أربعة أقسام مباح ومستحب وواجب وفرض وهنا نوع خامس وهو الزلة ولكنه غير داخل في هذا الباب لأنه لا يصلح للاقتداء به في ذلك وعقد الباب لبيان حكم الاقتداء به في أفعاله ولهذا لم يذكر في الجملة ما يحصل في حالة النوم والإغماء لأن القصد لا يتحقق فيه فلا يكون داخلا فيما هو حد الخطاب وأما الزلة فإنه لا يوجد فيها القصد إلى عينها أيضا ولكن يوجد القصد إلى أصل الفعل وبيان هذا أن الزلة أخذت من قول القائل زل الرجل في الطين إذا لم يوجد القصد إلى الوقوع ولا إلى الثبات بعد الوقوع ولكن وجد القصد إلى المشي في الطريق فعرفنا بهذا أن الزلة ما تتصل بالفاعل عند فعله ما لم يكن قصده بعينه ولكنه زل فاشتغل به عما قصد بعينه والمعصية عند الإطلاق إنما يتناول ما يقصده المباشر بعينه وإن كان قد أطلق الشرع ذلك على الزلة مجازا ثم لا بد أن يقترن بالزلة بيان من جهة الفاعل أو من الله تعالى كما قال تعالى مخبرا عن موسى عليه السلام عند قتل القبطي هذا من عمل الشيطان الآية وكما قال تعالى وعصى آدم ربه فغوى الآية وإذا كان البيان يقترن به لا محالة علم أنه غير صالح للاقتداء به ثم اختلف الناس في أفعاله التي لا تكون عن سهو ولا من نتيجة الطبع على ما جبل عليه الإنسان ما هو موجب ذلك في حق أمته فقال بعضهم الواجب هو الوقف في ذلك حتى يقوم الدليل وقال بعضهم بل يجب اتباعه والاقتداء به في جميع ذلك إلا ما يقوم عليه دليل وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول إن علم صفة فعله أنه فعله واجبا أو ندبا أو مباحا فإنه يتبع فيه بتلك الصفة وإن لم يعلم فإنه يثبت فيه صفة الإباحة ثم لا يكون الاتباع فيه ثابتا إلا بقيام الدليل وكان الجصاص رحمه الله يقول بقول الكرخي رحمه الله إلا أنه يقول إذا لم يعلم فالاتباع له في ذلك ثابت حتى يقوم الدليل على كونه مخصوصا وهذا هو الصحيح

قسم V02/P086–V02/P088Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh) (s. V02/P086–V02/P088)

فأما الواقفون احتجوا فقالوا لما أشكل صفة فعله فقد تعذر اتباعه في ذلك على وجه الموافقة لأن ذلك لا يكون بالموافقة في أصل الفعل دون الصفة فإنه إذا كان هو فعل فعلا نفلا ونحن نفعله فرضا يكون ذلك منازعة لا موافقة واعتبر هذا بفعل السحرة مع ما رأوه من الكليم ظاهرا فإنه كان منازعة منهم في الابتداء لأن فعلهم لم يكن بصفة فعله فعرفنا أن الوصف إذا كان مشكلا لا تتحقق الموافقة في الفعل لا محالة ولا وجه للمخالفة فيجب الوقف فيه حتى يقوم الدليل وهذا الكلام عند التأمل باطل فإن هذا القائل إن كان يمنع الأمة من أن يفعلوا مثل فعله بهذا الطريق ويلومهم على ذلك فقد أثبت صفة الحظر في الاتباع وإن كان لا يمنعهم من ذلك ولا يلومهم عليه فقد أثبت صفة الإباحة فعرفنا أن القول بالوقف لا يتحقق في هذا الفصل وأما الفريق الثاني فقد استدلوا بالنصوص الموجبة للاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله نحو قوله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة وقوله تعالى وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وقوله تعالى فاتبعوني يحببكم الله وقوله تعالى الذين يتبعون الرسول النبي الأمي إلى قوله واتبعوه لعلكم تهتدون وقوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره أي عن سمته وطريقته وقال تعالى وما أمر فرعون برشيد ففي هذه النصوص دليل على وجوب الاتباع علينا إلى أن يقوم الدليل يمنع من ذلك فأما الدليل لنا في هذا الفصل أن نقول صح في الحديث أن النبي عليه السلام خلع نعليه في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما فرغ قال ما لكم خلعتم نعالكم الحديث فلو كان مطلق فعله موجبا للمتابعة لم يكن لقوله ما لكم خلعتم نعالكم معنى وخرج للتراويح ليلة أو ليلتين فلما قيل له في ذلك قال خشيت أن تكتب عليكم ولو كتبت عليكم ما قمتم بها فو كان مطلق فعله يلزمنا الاتباع له في ذلك لم يكن لقوله خشيت أن تكتب عليكم معنى ثم قد بينا أن الموافقة حقيقتها في أصل الفعل وصفته فعند الإطلاق إنما يثبت القدر المتيقن به وهو صفة الإباحة فإنه يترتب عليه التمكن من إيجاد الفعل شرعا فيثبت القدر المتيقن به ( وهو صفة الإباحة ) من الوصف ويتوقف ما وراء ذلك على قيام الدليل بمنزلة رجل يقول لغيره وكلتك بمالي فإنه يملك الحفظ لأنه متيقن لكونه مراد الموكل ولا يثبت ما سوى ذلك من التصرفات حتى يقوم الدليل يقرر ما ذكرنا أن الفعل قسمان أخذ وترك ثم أحد قسمي أفعاله وهو الترك لا يوجب الاتباع علينا إلا بدليل فكذلك القسم الآخر وبيان هذا أنه حين كان الخمر مباحا قد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم شربها أصلا ثم ذلك لا يوجب علينا ترك الشرب فيما هو مباح يوضحه أن مطلق فعله لو كان موجبا للاتباع لكان ذلك عاما في جميع أفعاله ولا وجه للقول بذلك لأن ذلك يوجب على كل أحد أن لا يفارقه آناء الليل والنهار ليقف على جميع أفعاله فيقتدي به لأنه لا يخرج عن الواجب إلا بذلك ومعلوم أن هذا مما لا يتحقق ولا يقول به أحد فعرفنا أن مطلق الفعل لا يلزمنا اتباعه في ذلك فأما الآيات ففي قوله لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة دليل على أن التأسي به في أفعاله ليس بواجب لأنه لو كان واجبا لكان من حق الكلام أن يقول عليكم ففي قوله لكم دليل على أن ذلك مباح لنا لا أن يكون لازما علينا والمراد بالأمر بالاتباع التصديق والإقرار بما جاء به فإن الخطاب بذلك لأهل الكتاب وذلك بين في سياق الآية والمراد بالأمر ما يفهم من مطلق لفظ الأمر عند الإطلاق وقد تقدم بيان هذا في أول الكتاب

قسم V02/P088–V02/P089Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh) (s. V02/P088–V02/P089)

ثم قال الكرخي قد ظهر خصوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بأشياء لاختصاصه بما لا شركة لأحد من أمته معه في ذلك فكل فعل يكون منه فهو محتمل للوصف لجواز أن يكون هذا مما اختص هو به ويجوز أن يكون مما هو غير مخصوص به وعند احتمال الجانبين على السواء يجب الوقف حتى يقوم الدليل لتحقق المعارضة ولكن الصحيح ما ذهب إليه الجصاص لأن في قوله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة تنصيص على جواز التأسي به في أفعاله فيكون هذا النص معمولا به حتى يقوم الدليل المانع وهو ما يوجب تخصيصه بذلك وقد دل عليه قوله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم وفي هذا بيان أن ثبوت الحل في حقه مطلقا دليل ثبوته في حق الأمة ألا ترى أنه نص على تخصيصه فيما كان هو مخصوصا به بقوله تعالى خالصة لك من دون المؤمنين وهو النكاح بغير مهر فلو لم يكن مطلق فعله دليلا للأمة في الإقدام على مثله لم يكن لقوله خالصة لك فائدة فإن الخصوصية تكون ثابتة بدون هذه الكلمة والدليل عليه أنه عليه السلام لما قال لعبد الله بن رواحة حين صلى على الأرض في يوم قد مطروا في السفر ألم يكن لك في أسوة فقال أنت تسعى في رقبة قد فكت وأنا أسعى في رقبة لم يعرف فكاكها فقال إني مع هذا أرجو أن أكون أخشاكم لله ولما سألت امرأة أم سلمة عن القبلة للصائم فقالت إن رسول الله عليه السلام يقبل وهو صائم فقالت لسنا كرسول الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ثم سألت أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سؤالها فقال هلا أخبرتها أني أقبل وأنا صائم فقالت قد أخبرتها بذلك فقالت كذا فقال إني أرجو أن أكون أتقاكم لله وأعلمكم بحدوده ففي هذا بيان أن اتباعه فيما يثبت من أفعاله أصل حتى يقوم الدليل على كونه مخصوصا بفعله وهذا لأن الرسل أئمة يقتدى بهم كما قال تعالى إني جاعلك للناس إماما فالأصل في كل فعل يكون منهم جواز الاقتداء بهم إلا ما يثبت فيه دليل الخصوصية باعتبار أحوالهم وعلو منازلهم وإذا كان الأصل هذا ففي كل فعل يكون مبهم بصفة الخصوص يجب بيان الخصوصية مقارنا به إذ الحاجة إلى ذلك ماسة عند كل فعل يكون ( منهم ) حكمه بخلاف هذا الأصل والسكوت عن البيان بعد تحقق الحاجة دليل النفي فترك بيان الخصوصية يكون دليلا على أنه من جملة الأفعال التي هو فيها قدوة أمته فصل في بيان طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في إظهار أحكام الشرع قد بينا أنه كان يعتمد الوحي فيما بينه من أحكام الشرع والوحي نوعان ظاهر وباطن فالظاهر منه قسمان ( أحدهما ) ما يكون على لسان الملك بما يقع في سمعه بعد علمه بالمبلغ بأنه قاطعة وهو المراد بقوله تعالى قل نزله روح القدس من ربك بالحق وبقوله تعالى إنه لقول رسول كريم الآية والآخر ما يتضح له بإشارة الملك من غير بيان بكلام وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب والوحي الباطن هو تأييد القلب على وجه لا يبقى فيه شبهة ولا معارض ولا مزاحم وذلك بأن يظهر له الحق بنور في قلبه من ربه يتضح له حكم الحادثة به وإليه أشار الله تعالى بقوله لتحكم بين الناس بما أراك الله وهذا كله مقرونا بالابتلاء ومعنى الابتلاء هو التأمل بقلبه في حقيقته حتى يظهر له ما هو المقصود وكل ذلك خاص لرسول الله تثبت به الحجة القاطعة ولا شركة للأمة في ذلك إلا أن يكرم الله به من شاء من أمته لحقه وذلك الكرامة للأولياء

قسم V02/P089–V02/P091Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh) (s. V02/P089–V02/P091)

وأما ما يشبه الوحي في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو استنباط الأحكام من النصوص بالرأي والاجتهاد فإنما يكون من رسول الله بهذا الطريق فهو بمنزلة الثابت بالوحي لقيام الدليل على أنه يكون ثوابا لا محالة فإنه كان لا يقر على الخطأ فكان ذلك منه حجة قاطعة ومثل هذا من الأمة لا يجعل بمنزلة الوحي لأن المجتهد يخطىء ويصيب فقد علم أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من صفة الكمال ما لا يحيط به إلا الله فلا شك أن غيره لا يساويه في إعمال الرأي والاجتهاد في الأحكام وهذا يبتنى على اختلاف العلماء في أنه عليه السلام هل كان يجتهد في الأحكام ويعمل بالرأي فيما لا نص فيه فأبى ذلك بعض العلماء وقال هذا الطريق حظ الأمة فأما حظ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العمل بالوحي من الوجوه التي ذكرنا وقال بعضهم قد كان يعمل بطريق الوحي تارة وبالرأي تارة وبكل واحد من الطريقين كان يبين الأحكام وأصح الأقاويل عندنا أنه عليه السلام فيما كان يبتلى به من الحوادث التي ليس فيها وحي منزل كان ينتظر الوحي إلى أن تمضي مدة الانتظار ثم كان يعمل بالرأي والاجتهاد ويبين الحكم به فإذا أقر عليه كان ذلك حجة قاطعة للحكم فأما الفريق الأول فاحتجوا بقوله تعالى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وقال تعالى قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي ولأنه لا خلاف أنه كان لا يجوز لأحد مخالفة رسول الله عليه السلام فيما بينه من أحكام الشرع والرأي قد يقع فيه الغلط في حقه وفي حق غيره فلو كان يبين الحكم بالرأي لكان يجوز مخالفته في ذلك كما في أمر الحرب فقد ظهر أنهم خالفوه في ذلك غير مرة واستصوبهم في ذلك ألا ترى أنه لما أراد النزول يوم بدر دون الماء قال له الخباب بن المنذر رضي الله عنه إن كان عن وحي فسمعا وطاعة وإن كان عن رأي فإني أرى الصواب أن ننزل على الماء ونتخذ الحياض فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه ونزل على الماء ولما أراد يوم الأحزاب أن يعطي المشركين شطر ثمار المدينة لينصرفوا قام سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رضي الله عنهما وقالا إن كان هذا عن وحي فسمعا وطاعة وإن كان عن رأي فلا نعطيهم إلا السيف قد كنا نحن وهم في الجاهلية لم يكن لنا ولا لهم دين فكانوا لا يطمعون في ثمار المدينة إلا بشري أو بقري فإذا أعزنا الله تعالى بالدين نعطيهم الدنية لا نعطيم إلا السيف وقال عليه السلام إني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة فأردت أن أصرفهم عنكم فإذا أبيتم أنتم وذاك ثم قال للذين جاءوا للصلح اذهبوا فلا نعطيكم إلا السيف ولما قدم المدينة استقبح ما كانوا يصنعونه من تلقيح النخيل فنهاهم عن ذلك فأحشفت وقال عهدي بثماركم بخلاف هذا فقالوا نهيتنا عن التلقيح وإنما كانت جودة الثمر من ذلك

قسم V02/P091–V02/P092Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh) (s. V02/P091–V02/P092)

قال أنتم أعلم بأمر دنياكم وأنا أعلم بأمر دينكم فتبين أن الرأي منه كالرأي من غيره في احتمال الغلط وبالاتفاق لا تجوز مخالفته فيما ينص عليه من أحكام الشرع فعرفنا أن طريق وقوفه على ذلك ما ليس فيه توهم الغلط أصلا وذلك الوحي ثم الرأي الذي فيه توهم الغلط إنما يجوز المصير إليه عند الضرورة وهذه الضرورة تثبت في حق الأمة لا في حقه فقد كان الوحي يأتيه في كل وقت وما هذا إلا نظير التحري في أمر القبلة فإنه لا يجوز المصير إليه لمن كان بمكة معاينا للكعبة ويجوز المصير إليه لمن كان نائيا عن الكعبة لأن من كان معاينا فالضرورة المحوجة إلى التحري لا تتحقق في حقه لوجود الطريق الذي لا يتمكن فيه تهمة الغلط وهو المعاينة وكذلك حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمل بالرأي في الأحكام ولأنه عليه السلام كان ينصب أحكام الشرع ابتداء والرأي لا يصلح لنصب الحكم به ابتداء وإنما هو لتعدية حكم النص إلى نظيره مما لا نص فيه كما في حق الأمة لأنه لا يجوز لأحد استعمال الرأي في نصب حكم ابتداء فعرفنا أنه إنما كان ينصب الحكم ابتداء بطريق الوحي دون الرأي وهذا لأن الحق في أحكام الشرع لله تعالى فإنما يثبت حق الله تعالى بما يكون موجبا للعلم قطعا والرأي لا يوجب ذلك وبه فارق أمر الحرب والشورى في المعاملات لأن ذلك من حقوق العباد فالمطلوب به الدفع عنهم أو الجر إليهم فيما تقوم به مصالحهم واستعمال الرأي جائز في مثله لحاجة العباد إلى ذلك فإنه ليس في وسعهم فوق ذلك والله تعالى يتعالى عما يوصف به العباد من العجز أو الحاجة فما هو حق الله تعالى لا يثبت ابتداء إلا بما يكون موجبا علم اليقين والحجة للقول الثاني قوله تعالى فاعتبروا يا أولي الأبصار ورسول الله صلى الله عليه وسلم أولي الناس بهذا الوصف الذي ذكره عند الأمر بالاعتبار فعرفنا أنه داخل في هذا الخطاب قال تعالى ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم وقد دخل في جملة المستنبطين من تقدم ذكره فعرفنا أن الرسول من جملة الذين أخبر الله أنهم يعلمون بالاستنباط وقال تعالى ففهمناها سليمان والمراد أنه وقف على الحكم بطريق الرأي لا بطريق الوحي لأن ما كان بطريق الوحي فداود وسليمان عليهما السلام فيه سواء وحيث خص سليمان عليه السلام بالفهم عرفنا أن المراد به بطريق الرأي وقد حكم داود بين الخصمين حين تسوروا المحراب بالرأي فإنه قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وهذا بيان بالقياس الظاهر وقال النبي عليه السلام للخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيت أكان يقبل منك وهذا بيان بطريق القياس وقال لعمر رضي الله عنه حين سأله عن القبلة للصائم أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك وقال في حرمة الصدقة على بني هاشم أرأيت لو تمضمضت بالماء أكنت شاربه وهذا بيان بطريق القياس في حرمة الأوساخ واستعمال المستعمل وقال إن الرجل ليؤجر في كل شيء حتى في مباضعة أهله فقيل له يقضي أحدنا شهوته ثم يؤجر على ذلك قال أرأيتم لو وضع ذلك فيما لا يحل هل كان يأثم به قالوا نعم قال فكذلك يؤجر إذا وضعه فيما يحل وهذا بيان بطريق الرأي والاجتهاد

قسم V02/P092–V02/P094Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh) (s. V02/P092–V02/P094)

والدليل عليه أنه كان مأمورا بالمشاورة مع أصحابه قال تعالى وشاورهم في الأمر وقد صح أنه كان يشاورهم في أمر الحرب وغير ذلك حتى روي أنه شاور أبا بكر وعمر رضي الله عنهما في مفاداة الأسارى يوم بدر فأشار عليه أبو بكر بأن يفادي بهم ومال رأيه إلى ذلك حتى نزل قوله تعالى لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ومفاداة الأسير بالمال جوازه وفساده من أحكام الشرع ومما هو حق الله تعالى وقد شاور فيه أصحابه وعمل فيه بالرأي إلى أن نزل الوحي بخلاف ما رآه فعرفنا أنه كان يشاورهم في الأحكام كما في الحروب وقد شاورهم فيما يكون جامعا لهم في أوقات الصلاة ليؤدوها بالجماعة ثم لما جاء عبد الله بن زيد رضي الله عنه وذكر ما رأى في المنام من أمر الأذان فأخذ به وقال ( ألقها على بلال ) ومعلوم أنه أخذ بذلك بطريق الرأي دون طريق الوحي ألا ترى أنه لما أتى عمر وأخبره أنه رأى مثل ذلك قال الله أكبر هذا أثبت ولو كان قد نزل عليه الوحي به لم يكن لهذا الكلام معنى ولا شك أن حكم الأذان مما هو ( من ) حق الله ثم قد جوز العمل فيه بالرأي فعرفنا أن ذلك جائز ولا معنى لقول من يقول إنه إنما كان يستشيرهم في الأحكام لتطييب نفوسهم وهذا لأن فيما كان الوحي فيه ظاهرا معلوما ما كان يستشيرهم وفيما كان يستشيرهم الحال لا يخلو إما أن كان يعمل برأيهم أو لا يعمل فإن كان لا يعمل برأيهم وكان ذلك معلوما لهم فليس في هذه الاستشارة تطييب النفس ولكنها من نوع الاستهز وظن ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم محال وإن كان يستشيرهم ليعمل برأيهم فلا شك أن رأيه يكون أقوى من رأيهم وإذا جاز له العمل برأيهم فيما لا نص فيه فجواز ذلك برأيه أولى ويتبين بهذا أنه إنما كان يستشيرهم لتقريب الوجوه وتحميس الرأي على ما كان يقول المشورة تلقيح العقول وقال من الحزم أن تستشير ذا رأي ثم تطيعه ثم الاستنباط بالرأي إنما يبتنى على العلم بمعاني النصوص ولا شك أن درجته في ذلك أعلى من درجة غيره وقد كان يعلم بالمتشابه الذي لا يقف أحد من الأمة بعده على معناه فعرفنا بهذا أن له من هذه الدرجة أعلى النهاية وبعد العلم بالطريق الذي يوقف به على الحكم المنع من استعمال ذلك نوع من الحجر وتجويز استعمال ذلك نوع إطلاق وإنما يليق بعلو درجته الإطلاق دون الحجر وكذلك ما يعلم بطريق الوحي فهو محصور متناه وما يعلم بالاستنباط من معاني الوحي غير متناه وقيل أفضل درجات العلم للعباد طريق الاستنباط ألا ترى أن من يكون مستنبطا من الأمة فهو على درجة ممن يكون حافظا غير مستنبط فالقول بما يوجب سد باب ما هو أعلى الدرجات في العلم عليه شبه المحال ولولا طعن المتعنتين لكان الأولى بنا الكف عن الاشتغال بإظهار هذا بالحجة فقد كان درجته في العلم ما لا يحيط به إلا الله وتمام معنى التعظيم في حق من هو دونه أن لا يشتغل بمثل هذا التقسيم في حقه وإنما ذكرنا ذلك لدفع طعن المتعنتين ثم ما بينه بالرأي إذا أقر عليه كان صوابا لا محالة فيثبت به علم اليقين بخلاف ما يكون من غيره من البيان بالرأي وهو نظير الإلهام على ما أشرنا إليه في بيان الوحي الباطن وأنه حجة قاطعة في حقه وإن كان الإلهام في حق غيره لا يكون بهذه الصفة على ما نبينه في بابه

%0
10 Bölüm