Qur'an&Sunnahالقرآن

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

محمد بن علي بن عطية الحارثي المشهور بأبي طالب المكي · AR

Dio V02/P330–V02/P331Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P330–V02/P331)
Orijinal Metin (AR)

وقد روينا عن ابن عباس : من اشترى ما لا يحتاج إليه باع ما يحتاج إليه ، وفضول الدنيا وهو الزيادة على الكفاية لا يحتاج إليه ، والدين يحتاج إليه ، فلا ينبغي للعاقل أن يبيع ما يحتاج إليه من دينه بشراء ما لا يحتاج إليه من دنياه ، فتكون صفقته خاسرة وتجارته بائرة ، والشهوات لا حد لها لأنه لا غاية ينتهي إليها فيها ، والقوت له حد وغاية ينتهي إليه فيها ، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا حق لابن آدم إلا في ثلاث ؛ طعام يقيم صلبه ، وثوب يواري عورته ، وبيت يكنه ، فما زاد فهو حساب ؛ وهذه الثلاث مع ابن آدم في بطن أمه ، وفي قبره ، وبين ذلك في دنياه ، وبعد ذلك في عقباه ، فالأخذ لمصالح هذه الثلاث مأجور عليه العبد والرد لما زاد عليها هو أفضل من الأخذ ، وينبغي أن يكون العبد الذي لا معلوم له عارفا بأحكام العطاء ؛ فإن العطاء من الله لعبده على أربعة أنواع : نوعان محمودان ، ونوعان مكروهان ، فالمحمودان ما كان بمعنى الرفق والمعونة ، والمكروهان ما يكون بمعنى الاختبار والابتلاء ، وبين الرفق والمعونة فتفصيل ذلك أن الابتلاء ما جاءه من الأسباب قبل الحاجة إليه أو جاءه وله غنية عنه أو عنده مثله ؛ فهذا ابتلاء من الله تعالى له لينظر عمله فيه ، فالأفضل في هذا أن يخرجه فيكون معاملا لله تعالى به في السر مسقطا لمنزلته عند الناس في العلانية ، فإن لم يقو على هذا الثقل وحمله على النفس فالأفضل بعده أن لا يأخذه ليحكم الله فيه ما يشاء ونصحا لأخيه في ما له - سيما إن كان من الواجب والاختيار - أن يكون الفقير قد نوى ترك أكل شيء أو اعتقد التقلل في شيء قربه إلى ربه تعالى لمخالفة هوى نفسه وعملا في صلاح قلبه يتباعد به مما يدخله في الكثرة ويحل عليه عقده ، فرد هذا أفضل وهو من الزهد والرعاية للعهد ، فإن أخذه ثم أخرجه إلى محتاج ؛ فهذا هو زهد الزهد ، وله في هذا معاملات ؛ منها أن العبد مندوب إلى الإيثار ، فإذا كان فقيرا وملك شيئا فأخرجه كان في ميزانه ، ومنها موافقة السنة في أنه قد أمر بأخذه أو دفعه إلى من هو أحوج إليه منه ، ومنها إن أخذ هذا في العلانية من الناس ورده في السر إلى الله تعالى كبيرة على النفوس إلا على الخاشعين لأن النفس تسقط في منزلتها ، ثم لا ينال به سعتها فلا يصبر على هذا إلا الموقنون ؛ وهذا مقام الزاهدين في النفس ؛ وهو حال أغنياء الفقراء ، وعلماء الزهاد ، وهم أهل الطبقة العليا الذين قدمنا ذكرهم : والوجهان الآخران من العطاء هو الرفق وصورته أن يأتيه الرزق عند حاجته أو مع شهوته للشيء الذي لا يقدر عليه ، فيعلم الله ذلك منه فيبعث به إليه من غير طمع في خلق ، أو يأتيه ما يصلح أن يشتريه ليرتفق بمنافعه ، فهذا النوع من العطاء رفق الله سبحانه ، الأفضل للعبد أن يأخذه وربما خيف من رد مثل هذا عقوبة من زوال عقل أو رد إلى غلبة طبع أو ابتلاء بطمع خلق أو دخول في دنيء من مكسب .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقد روينا عن ابن عباس : من اشترى ما لا يحتاج إليه باع ما يحتاج إليه ، وفضول الدنيا وهو الزيادة على الكفاية لا يحتاج إليه ، والدين يحتاج إليه ، فلا ينبغي للعاقل أن يبيع ما يحتاج إليه من دينه بشراء ما لا يحتاج إليه من دنياه ، فتكون صفقته خاسرة وتجارته بائرة ، والشهوات لا حد لها لأنه لا غاية ينتهي إليها فيها ، والقوت له حد وغاية ينتهي إليه فيها ، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا حق لابن آدم إلا في ثلاث ؛ طعام يقيم صلبه ، وثوب يواري عورته ، وبيت يكنه ، فما زاد فهو حساب ؛ وهذه الثلاث مع ابن آدم في بطن أمه ، وفي قبره ، وبين ذلك في دنياه ، وبعد ذلك في عقباه ، فالأخذ لمصالح هذه الثلاث مأجور عليه العبد والرد لما زاد عليها هو أفضل من الأخذ ، وينبغي أن يكون العبد الذي لا معلوم له عارفا بأحكام العطاء ؛ فإن العطاء من الله لعبده على أربعة أنواع : نوعان محمودان ، ونوعان مكروهان ، فالمحمودان ما كان بمعنى الرفق والمعونة ، والمكروهان ما يكون بمعنى الاختبار والابتلاء ، وبين الرفق والمعونة فتفصيل ذلك أن الابتلاء ما جاءه من الأسباب قبل الحاجة إليه أو جاءه وله غنية عنه أو عنده مثله ؛ فهذا ابتلاء من الله تعالى له لينظر عمله فيه ، فالأفضل في هذا أن يخرجه فيكون معاملا لله تعالى به في السر مسقطا لمنزلته عند الناس في العلانية ، فإن لم يقو على هذا الثقل وحمله على النفس فالأفضل بعده أن لا يأخذه ليحكم الله فيه ما يشاء ونصحا لأخيه في ما له - سيما إن كان من الواجب والاختيار - أن يكون الفقير قد نوى ترك أكل شيء أو اعتقد التقلل في شيء قربه إلى ربه تعالى لمخالفة هوى نفسه وعملا في صلاح قلبه يتباعد به مما يدخله في الكثرة ويحل عليه عقده ، فرد هذا أفضل وهو من الزهد والرعاية للعهد ، فإن أخذه ثم أخرجه إلى محتاج ؛ فهذا هو زهد الزهد ، وله في هذا معاملات ؛ منها أن العبد مندوب إلى الإيثار ، فإذا كان فقيرا وملك شيئا فأخرجه كان في ميزانه ، ومنها موافقة السنة في أنه قد أمر بأخذه أو دفعه إلى من هو أحوج إليه منه ، ومنها إن أخذ هذا في العلانية من الناس ورده في السر إلى الله تعالى كبيرة على النفوس إلا على الخاشعين لأن النفس تسقط في منزلتها ، ثم لا ينال به سعتها فلا يصبر على هذا إلا الموقنون ؛ وهذا مقام الزاهدين في النفس ؛ وهو حال أغنياء الفقراء ، وعلماء الزهاد ، وهم أهل الطبقة العليا الذين قدمنا ذكرهم : والوجهان الآخران من العطاء هو الرفق وصورته أن يأتيه الرزق عند حاجته أو مع شهوته للشيء الذي لا يقدر عليه ، فيعلم الله ذلك منه فيبعث به إليه من غير طمع في خلق ، أو يأتيه ما يصلح أن يشتريه ليرتفق بمنافعه ، فهذا النوع من العطاء رفق الله سبحانه ، الأفضل للعبد أن يأخذه وربما خيف من رد مثل هذا عقوبة من زوال عقل أو رد إلى غلبة طبع أو ابتلاء بطمع خلق أو دخول في دنيء من مكسب .

Dio V02/P331–V02/P333Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P331–V02/P333)
Orijinal Metin (AR)

وقال بعض العلماء : من أعطى ولم يأخذ سأل ولم يعط ، وهذا من النوع الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما المعطي من سعة بأعظم أجرا من الآخذ إذا كان محتاجا ، فأخذ هذا مشاركة لمعطيه في الأجر من حيث استويا على المعاونة في التقوى والبر المأمور بهما ، ولا يضر هذا العطاء آخذه ، وقد كان سري السقطي يوصل إلى أحمد ابن حنبل شيئا فيرده فقال له سري : يا أحمد إحذر آفة الرد فإنها أشد من آفة الأخذ ، فقال له أحمد : أعد علي ما قلت فأعاده ، فقال أحمد : ما رددت عليك إلا لأن عندي قوت شهر فأحبسه لي عندك ، فإذا كان بعد شهر فأنفذه إلى ، والرابع من العطاء هو المعونة ؛ وهذا يكون مخصوصا لأهله هو أن يكون في خلق هذا الفقير البذل والإفضال وفي غريزته السخاء والاتساع من إطعام الطعام وإيثار الفقراء ، فلا يتسع لذلك حاله وتضيق عنه يده فيبعث الله إليه بالعطاء معونة له على أخلاقه ليبلغه به مراده ، وينفذ له من المعروف والبر عادته ، ويعينه على خلقه ومروءته ؛ فهذا النوع من العطاء هو الاختبار عند العارفين والأفضل أخذه وإمضاؤه في سبله من المروءات والأخلاق ؛ وهذا كان طريقة كثير من السلف ، وقد غلط في هذا الطريق قوم لم يكن لهم زهد وقد كانت فيهم رغبة وهمم دنيئة ، فاقتنعوا في قبول هذا العطاء لنفوسهم وتملكوه واستأثروا به وزعموا أن هذا هو الاختبار ، فخالفوا السلف في معرفة الابتلاء من الاختبار لأن هذا عند العارفين ، إذا لم ينفذ ويؤثر به ابتلاء ووافقوا أهواءهم في التوسع منه والتكثر به ، وتملكوه بالدعوى فأخطؤوا في العلم لإحالة المعنى وغلطوا في طريق الحال لوجود الهوى ، وقد كان بعض القاعدين من الصادقين يدان على الله لحسن ظنه به ، فإذا رزقه قضاه ، فإن مات هذا على هذه النية فلا تبعة عليه فيه في دينه ، على مولاه قضاؤه ، وأن يرضى عنه غرماءه ، وقد كان فيما سلف يقضي دين مثل هذا من بيت مال المسلمين ، وكان آخرون لا يقترضون حتى يبيع أحدهم أحد ثوبيه أو فضل ما يحتاج إليه ؛ وهذا أحد الوجوه في قوله تعالى : ( ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ) الطلاق : 7 ، قال : من ضيق عليه معاشه فليبع أحد ثوبيه ، وقد قيل : فليستقرض بجاهه فذلك آتاه الله عز وجل . وقال بعضهم : لله عباد ينفقون على قدر بضائعهم ، وله عباد ينفقون على قدر حسن الظن به ، ومات بعض السلف فأوصى بماله أن يفرق على ثلاث طوائف : الأقوياء والأسخياء والأغنياء فقيل : من هؤلاء ؟ قال : أما الأقوياء فهم أهل التوكل على الله ، وأما الأسخياء فهم أهل حسن الظن بالله ، وأما الأغنياء فهم أهل الانقطاع إلى الله ، وينبغي لمن لامعلوم له من الأسباب أن يتورع في أخذها ويتحرى المعطين لها ، كما يتحرى أهل المكاسب في الاكتساب ؛ لأن الله سبحانه وتعالى له في كل شيء حكم ، والقعود عن المكاسب لا يسقط أحكامها ، والقاعد عن الطلب لا تسقط عنه أحكام الطالب ، لأن ترك العمل عمل يحتاج إلى عمل ، ولم تكن سيرة الفقراء الصالحين أن يأخذوا من كل أحد ، ولا في كل وقت ، ولا يأخذون كلما يعطون مما زاد على كفايتهم إلا أن يكونوا ممن يخرجه إلى غيرهم ، وإنما كانوا يقبلون ممن يخف على قلوبهم القبول منه وممن يرتفع الوحشة والحشمة فيما بينهم وبينه ؛ لأن ذلك هو الذي يفرح بقولك ويرى نعمة الله تعالى عليه في أخذك ومن يثقل على قلبك معروفه فهو الذي يثقل على قلبه إخراج ما في يده ولا يغتم بردك عليه .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقال بعض العلماء : من أعطى ولم يأخذ سأل ولم يعط ، وهذا من النوع الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما المعطي من سعة بأعظم أجرا من الآخذ إذا كان محتاجا ، فأخذ هذا مشاركة لمعطيه في الأجر من حيث استويا على المعاونة في التقوى والبر المأمور بهما ، ولا يضر هذا العطاء آخذه ، وقد كان سري السقطي يوصل إلى أحمد ابن حنبل شيئا فيرده فقال له سري : يا أحمد إحذر آفة الرد فإنها أشد من آفة الأخذ ، فقال له أحمد : أعد علي ما قلت فأعاده ، فقال أحمد : ما رددت عليك إلا لأن عندي قوت شهر فأحبسه لي عندك ، فإذا كان بعد شهر فأنفذه إلى ، والرابع من العطاء هو المعونة ؛ وهذا يكون مخصوصا لأهله هو أن يكون في خلق هذا الفقير البذل والإفضال وفي غريزته السخاء والاتساع من إطعام الطعام وإيثار الفقراء ، فلا يتسع لذلك حاله وتضيق عنه يده فيبعث الله إليه بالعطاء معونة له على أخلاقه ليبلغه به مراده ، وينفذ له من المعروف والبر عادته ، ويعينه على خلقه ومروءته ؛ فهذا النوع من العطاء هو الاختبار عند العارفين والأفضل أخذه وإمضاؤه في سبله من المروءات والأخلاق ؛ وهذا كان طريقة كثير من السلف ، وقد غلط في هذا الطريق قوم لم يكن لهم زهد وقد كانت فيهم رغبة وهمم دنيئة ، فاقتنعوا في قبول هذا العطاء لنفوسهم وتملكوه واستأثروا به وزعموا أن هذا هو الاختبار ، فخالفوا السلف في معرفة الابتلاء من الاختبار لأن هذا عند العارفين ، إذا لم ينفذ ويؤثر به ابتلاء ووافقوا أهواءهم في التوسع منه والتكثر به ، وتملكوه بالدعوى فأخطؤوا في العلم لإحالة المعنى وغلطوا في طريق الحال لوجود الهوى ، وقد كان بعض القاعدين من الصادقين يدان على الله لحسن ظنه به ، فإذا رزقه قضاه ، فإن مات هذا على هذه النية فلا تبعة عليه فيه في دينه ، على مولاه قضاؤه ، وأن يرضى عنه غرماءه ، وقد كان فيما سلف يقضي دين مثل هذا من بيت مال المسلمين ، وكان آخرون لا يقترضون حتى يبيع أحدهم أحد ثوبيه أو فضل ما يحتاج إليه ؛ وهذا أحد الوجوه في قوله تعالى : ( ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ) الطلاق : 7 ، قال : من ضيق عليه معاشه فليبع أحد ثوبيه ، وقد قيل : فليستقرض بجاهه فذلك آتاه الله عز وجل . وقال بعضهم : لله عباد ينفقون على قدر بضائعهم ، وله عباد ينفقون على قدر حسن الظن به ، ومات بعض السلف فأوصى بماله أن يفرق على ثلاث طوائف : الأقوياء والأسخياء والأغنياء فقيل : من هؤلاء ؟ قال : أما الأقوياء فهم أهل التوكل على الله ، وأما الأسخياء فهم أهل حسن الظن بالله ، وأما الأغنياء فهم أهل الانقطاع إلى الله ، وينبغي لمن لامعلوم له من الأسباب أن يتورع في أخذها ويتحرى المعطين لها ، كما يتحرى أهل المكاسب في الاكتساب ؛ لأن الله سبحانه وتعالى له في كل شيء حكم ، والقعود عن المكاسب لا يسقط أحكامها ، والقاعد عن الطلب لا تسقط عنه أحكام الطالب ، لأن ترك العمل عمل يحتاج إلى عمل ، ولم تكن سيرة الفقراء الصالحين أن يأخذوا من كل أحد ، ولا في كل وقت ، ولا يأخذون كلما يعطون مما زاد على كفايتهم إلا أن يكونوا ممن يخرجه إلى غيرهم ، وإنما كانوا يقبلون ممن يخف على قلوبهم القبول منه وممن يرتفع الوحشة والحشمة فيما بينهم وبينه ؛ لأن ذلك هو الذي يفرح بقولك ويرى نعمة الله تعالى عليه في أخذك ومن يثقل على قلبك معروفه فهو الذي يثقل على قلبه إخراج ما في يده ولا يغتم بردك عليه .

Dio V02/P333–V02/P334Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P333–V02/P334)
Orijinal Metin (AR)

وقال بعض العارفين ما تواخى اثنان في الله عز وجل فاحتشم أحدهما من صاحبه أو استوحش منه إلا من علة في أحدهما ، فلا يستحب للفقير أن يأخذ إلا من صديق ، ولا يقبل إلا ممن يحب لأن لأهل المعرفة بالله عز وجل أن يحكموا في الأسباب بما أراهم الله تعالى من الرد أو من القبول ، فإن اعتل معتل بما رويناه آنفا من جاءه شيء من غير مسألة فرده فإنما يرده على الله تعالى ، وبأن أهل المعرفة يشهدون أن العطاء من الله سبحانه وتعالى فلا يصلح أن يردوا عليه ، قيل له : إن من يشهد العطاء من الله تعالى هو الذي يشهد الرد أيضا منه ، فإن يرد إليه له أو رد إليه به لمعرفته باختباره وابتلاء حسن الرد منه وشكر الفعل له ، فهو أيضا إذا شهد تصريف الخلق بالعطاء فعل الله عز وجل ، كان يشهد فعل نفسه بالرد ، فعل الله تبارك وتعالى بالمنح ؛ فالحالان سواء عند من علم الأحكام ، ولم يتبع الهوى ، وقام بحكم ما منه يقتضي ، فليس في هذا حجة إلا لعالم مستكثر ، أو لعابد جاهل غير مستبصر ، على أن في القبول من بعض الناس دون بعض ، وفي رد بعض الهدية سنة ، أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم سمن وإقط وكبش فقبل السمن والإقط ورد الكبش ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل من بعض الناس ويرد على بعض ، وقال : لقد هممت مرارا أن لا أتهب إلا من قرشي أو ثقفي أو دوسي وفعل هذا جماعة من التابعين . جاءت صرة إلى فتح الموصلي فيها خمسون درهما فقال : حدثنا عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أتاه رزق من غير مسألة فرده ، فإنما يرده على الله عز وجل ، ثم فتح الصرة فأخذ منها درهما ورد سائرها ، وقد كان الحسن البصري يروي هذا الحديث أيضا ، ثم حدثنا عنه أن رجلا أهدى إليه كيسا فيه مال ورزمة فيها من دق خراسان ، فرد ذلك ، فقال له بعض أصحابه في ذلك فقال : من جلس مثل مجلسي هذا وقبل من الناس مثل هذا لقي الله عز وجل يوم القيامة ، وليس له عند الله عز وجل خلاق ، وقد كان الحسن يقبل من أصحابه ، وكان إبراهيم التيمي يسأل أصحابه الدرهم ونحوه ، ويعرض عليه غيرهم المائتين فلا يأخذ ، وقد كان بشر بن الحارث لا يقبل من الناس شيئا ، وكان بعضهم يقول : أحب أن أعلم من أين يأكل ؟ فقال له : من يخبر أمره ؟ أنا أدري من أين يأكل ، له صديق عاقل يعني نظيره في العقل والدين ، لأن بعضهم كان لا يقبل إلا من نظرائه ، لا من الأتباع ، وهذا الصديق العاقل الذي كان يقوم بكفايته ، ولم يكن يظهر أمره ، ولا يلتقي معه ؛ هو سري بن المغلس السقطي ، لأنا حدثنا عن بشر أنه قال : ما سألت أحد قط شيئا من الدنيا إلا سريا السقطي ، لأنه قد صح عندي زهده في الدنيا ، فهو يفرح بخروج الشيء من يده ، ويتبرم ببقائه عنده ، فأكون أعينه على ما يحب .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقال بعض العارفين ما تواخى اثنان في الله عز وجل فاحتشم أحدهما من صاحبه أو استوحش منه إلا من علة في أحدهما ، فلا يستحب للفقير أن يأخذ إلا من صديق ، ولا يقبل إلا ممن يحب لأن لأهل المعرفة بالله عز وجل أن يحكموا في الأسباب بما أراهم الله تعالى من الرد أو من القبول ، فإن اعتل معتل بما رويناه آنفا من جاءه شيء من غير مسألة فرده فإنما يرده على الله تعالى ، وبأن أهل المعرفة يشهدون أن العطاء من الله سبحانه وتعالى فلا يصلح أن يردوا عليه ، قيل له : إن من يشهد العطاء من الله تعالى هو الذي يشهد الرد أيضا منه ، فإن يرد إليه له أو رد إليه به لمعرفته باختباره وابتلاء حسن الرد منه وشكر الفعل له ، فهو أيضا إذا شهد تصريف الخلق بالعطاء فعل الله عز وجل ، كان يشهد فعل نفسه بالرد ، فعل الله تبارك وتعالى بالمنح ؛ فالحالان سواء عند من علم الأحكام ، ولم يتبع الهوى ، وقام بحكم ما منه يقتضي ، فليس في هذا حجة إلا لعالم مستكثر ، أو لعابد جاهل غير مستبصر ، على أن في القبول من بعض الناس دون بعض ، وفي رد بعض الهدية سنة ، أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم سمن وإقط وكبش فقبل السمن والإقط ورد الكبش ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل من بعض الناس ويرد على بعض ، وقال : لقد هممت مرارا أن لا أتهب إلا من قرشي أو ثقفي أو دوسي وفعل هذا جماعة من التابعين . جاءت صرة إلى فتح الموصلي فيها خمسون درهما فقال : حدثنا عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أتاه رزق من غير مسألة فرده ، فإنما يرده على الله عز وجل ، ثم فتح الصرة فأخذ منها درهما ورد سائرها ، وقد كان الحسن البصري يروي هذا الحديث أيضا ، ثم حدثنا عنه أن رجلا أهدى إليه كيسا فيه مال ورزمة فيها من دق خراسان ، فرد ذلك ، فقال له بعض أصحابه في ذلك فقال : من جلس مثل مجلسي هذا وقبل من الناس مثل هذا لقي الله عز وجل يوم القيامة ، وليس له عند الله عز وجل خلاق ، وقد كان الحسن يقبل من أصحابه ، وكان إبراهيم التيمي يسأل أصحابه الدرهم ونحوه ، ويعرض عليه غيرهم المائتين فلا يأخذ ، وقد كان بشر بن الحارث لا يقبل من الناس شيئا ، وكان بعضهم يقول : أحب أن أعلم من أين يأكل ؟ فقال له : من يخبر أمره ؟ أنا أدري من أين يأكل ، له صديق عاقل يعني نظيره في العقل والدين ، لأن بعضهم كان لا يقبل إلا من نظرائه ، لا من الأتباع ، وهذا الصديق العاقل الذي كان يقوم بكفايته ، ولم يكن يظهر أمره ، ولا يلتقي معه ؛ هو سري بن المغلس السقطي ، لأنا حدثنا عن بشر أنه قال : ما سألت أحد قط شيئا من الدنيا إلا سريا السقطي ، لأنه قد صح عندي زهده في الدنيا ، فهو يفرح بخروج الشيء من يده ، ويتبرم ببقائه عنده ، فأكون أعينه على ما يحب .

Dio V02/P334–V02/P335Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P334–V02/P335)
Orijinal Metin (AR)

وقد كان سري يوجه إلى أحمد بن حنبل في حاجاته فيقبل منه ، وكان إذا ذكر عند أحمد يقول : ذاك الغني المعروف بطيب الغنى أنه ليعجبني أمره ، وكان بعض العباد إذا دفع إليه بعض أبناء الدنيا الشيء يقول : دعه عندك ، وأعرض على قلبك كيف أنا عندك بعد الأخذ أفضل أو دون ذلك وأصدقني ، فإن قال له : أنت عندي الآن أفضل منك قبل ذلك قبل ، وإن أخبره بنقصانه في قلبه لم يقبل منه ، وكان بعضهم يرد على أكثر الناس صلته فعوتب في ذلك فقال : ماأرد إلا إشفاقا عليهم ونصحا لهم ، يذكرون ذلك ويحبون أن يعلم به فتذهب أموالهم وتحبط أجورهم ، وممن ذهب إلى هذا سفيان الثوري ، وقد كان يشترط على بعض من يأخذ منه أن لا يذكره إشفاقا عليه من ذهاب أجره ، لأنه قيل في معنى قوله عز وجل : ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) البقرة : 264 قال : المن أن يذكره والأذى أن يظهره ، وقال الجنيد للخراساني الذي جاءه بمال وسأله أن يأكله فقال الجنيد : بل أفرقه على الفقراء ، فقال : أنا أعلم بالفقراء منك ولم أختر هذا ، فقال الجنيد : أنا أؤمل أن أعيش حتى آكل هذا ، فقال : إني لم أقل لك أنفقه في الخل والكامخ والبقل ، إنما أريد أن تنفقه في الطيبات وألوان الحلاوة فكل ما نفد أسرع كان أحب إلي فقال الجنيد مثلك لا يحل أن يرد عليه ، فقبله ، فقال الرجل : ما ببغداد أحد أعطم منة علي منك ، فقال الجنيد : وما ينبغي لأحد أن يقبل منه إلا من كان مثلك ؛ فهذه كانت طرائق أهل الحقائق ، ولا ينبغي للقاعد عن المكاسب إلا أن يكون تاركا ذلك لأجل الله سبحانه ، عالما في قعوده بأحكام الله عز وجل ، قائما بعلم حاله ، فيحسن يومئذ قعوده عن الأسباب ثقة منه بالمسبب الوهاب ، ويحل تركه للمعلوم يقينا منه بالعالم . وقد كان بعض العلماء يقول : لا تأكل إلا عند من يعلم أنك أكلت رزقك ، ولا تشكر عليه إلا ربك ، ودعا بعض الناس شقيقا البلخي وكان في طبقة من أصحابه نحو الخمسين رجلا ، فوضع الرجل طعاما واسعا وأنفق نفقة كثيرة ، فلما قعدوا قال لهم شقيق : إن هذا الرجل يقول : من لم يرني صنعت هذا الطعام وأنا أقدمه إليه فطعامي عليه حرام ، قال : فقاموا كلهم خرجوا إلا شابا كان فيهم نقصت مشاهدته عنهم ، فقال صاحب المنزل لشقيق : رحمك الله ماأردت إلي هذا ؟ فقال : أردت أن أجرب توحيد أصحابي أي كلهم ، لا يراه فيما صنع ولا ينظرون إليه فيما قدم إلا ذلك الغلام وحده . وحدثونا عن موسى صلى الله عليه وسلم أنه قال : يارب جعلت رزقي هكذا على أيدي بني إسرائيل يغديني يوما هذا ويعشيني هذا الليلة ، فأوحى الله إليه : هكذا أصنع بأوليائي أجري أرزاقهم على أيدي الطالبين من عبادي ليؤجروا فيهم ، والعالم القاعد عندهم أفضل من الجاهل المتصرف ، والعالم المتكسب أفضل من القاعد الجاهد ، والقوي التارك للتصرف أفضل عندهم من الضعيف المتصرف ، والقوي المتصرف أفضل من الضعيف التارك للتصرف .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقد كان سري يوجه إلى أحمد بن حنبل في حاجاته فيقبل منه ، وكان إذا ذكر عند أحمد يقول : ذاك الغني المعروف بطيب الغنى أنه ليعجبني أمره ، وكان بعض العباد إذا دفع إليه بعض أبناء الدنيا الشيء يقول : دعه عندك ، وأعرض على قلبك كيف أنا عندك بعد الأخذ أفضل أو دون ذلك وأصدقني ، فإن قال له : أنت عندي الآن أفضل منك قبل ذلك قبل ، وإن أخبره بنقصانه في قلبه لم يقبل منه ، وكان بعضهم يرد على أكثر الناس صلته فعوتب في ذلك فقال : ماأرد إلا إشفاقا عليهم ونصحا لهم ، يذكرون ذلك ويحبون أن يعلم به فتذهب أموالهم وتحبط أجورهم ، وممن ذهب إلى هذا سفيان الثوري ، وقد كان يشترط على بعض من يأخذ منه أن لا يذكره إشفاقا عليه من ذهاب أجره ، لأنه قيل في معنى قوله عز وجل : ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) البقرة : 264 قال : المن أن يذكره والأذى أن يظهره ، وقال الجنيد للخراساني الذي جاءه بمال وسأله أن يأكله فقال الجنيد : بل أفرقه على الفقراء ، فقال : أنا أعلم بالفقراء منك ولم أختر هذا ، فقال الجنيد : أنا أؤمل أن أعيش حتى آكل هذا ، فقال : إني لم أقل لك أنفقه في الخل والكامخ والبقل ، إنما أريد أن تنفقه في الطيبات وألوان الحلاوة فكل ما نفد أسرع كان أحب إلي فقال الجنيد مثلك لا يحل أن يرد عليه ، فقبله ، فقال الرجل : ما ببغداد أحد أعطم منة علي منك ، فقال الجنيد : وما ينبغي لأحد أن يقبل منه إلا من كان مثلك ؛ فهذه كانت طرائق أهل الحقائق ، ولا ينبغي للقاعد عن المكاسب إلا أن يكون تاركا ذلك لأجل الله سبحانه ، عالما في قعوده بأحكام الله عز وجل ، قائما بعلم حاله ، فيحسن يومئذ قعوده عن الأسباب ثقة منه بالمسبب الوهاب ، ويحل تركه للمعلوم يقينا منه بالعالم . وقد كان بعض العلماء يقول : لا تأكل إلا عند من يعلم أنك أكلت رزقك ، ولا تشكر عليه إلا ربك ، ودعا بعض الناس شقيقا البلخي وكان في طبقة من أصحابه نحو الخمسين رجلا ، فوضع الرجل طعاما واسعا وأنفق نفقة كثيرة ، فلما قعدوا قال لهم شقيق : إن هذا الرجل يقول : من لم يرني صنعت هذا الطعام وأنا أقدمه إليه فطعامي عليه حرام ، قال : فقاموا كلهم خرجوا إلا شابا كان فيهم نقصت مشاهدته عنهم ، فقال صاحب المنزل لشقيق : رحمك الله ماأردت إلي هذا ؟ فقال : أردت أن أجرب توحيد أصحابي أي كلهم ، لا يراه فيما صنع ولا ينظرون إليه فيما قدم إلا ذلك الغلام وحده . وحدثونا عن موسى صلى الله عليه وسلم أنه قال : يارب جعلت رزقي هكذا على أيدي بني إسرائيل يغديني يوما هذا ويعشيني هذا الليلة ، فأوحى الله إليه : هكذا أصنع بأوليائي أجري أرزاقهم على أيدي الطالبين من عبادي ليؤجروا فيهم ، والعالم القاعد عندهم أفضل من الجاهل المتصرف ، والعالم المتكسب أفضل من القاعد الجاهد ، والقوي التارك للتصرف أفضل عندهم من الضعيف المتصرف ، والقوي المتصرف أفضل من الضعيف التارك للتصرف .

Dio V02/P335–V02/P336Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P335–V02/P336)
Orijinal Metin (AR)

وقد جعل الله المستحقين للعطاء ستة ، ذكرهم في آيات ثلاث ، فقال عز وجل في الآية الأولى : ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) التوبة : 60 وقال في الثانية : ( وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ) الذاريات : 19 ، وقال في الثالثة : ( فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ) الحج : 36 ، فمن لامعلوم له من تكسب أو تصرف فهو أدخل شيء في هذه الآيات وأحوج أحد إلى الإعطاء ، ومن كان ذا معلوم يحتاج إلى أكثر منه لفضل عيلة أو كثرة نفقة فإنه يدخل بمعنى من أوصافهم ، وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول في الآية : إنما الصدقات للفقراء والمساكين نزلت في أهل الصفة ، ومن كان في معناهم إلى يوم القيامة ، وكانوا أربعمائة وخمسين رجلا لم تكن لهم عشائر بالمدينة ولا أموال كالمهاجرين والأنصار ، وكانوا نزاع القبائل ، أسكنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صفة المسجد ، وقسم الله عز وجل لهم الأموال ، ثم إن الله سبحانه وتعالى أفرد طبقة سابعة عن جمل هؤلاء الستة ، ووصفهم بأحسن الصفات ، وفضل أجور المتقين بطيب الاكتساب عليهم الطالبين وجه الله عز وجل فقال : ( ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ) البقرة : 267 وقال : ( وما تنفقوا من خير يوف إليكم ) البقرة : 272 ، وكل هذا متصل متعلق بقوله عز وجل : ( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض ) البقرة : 372 ، إلى آخر أوصافهم ، فوصفهم بالإحصار في سبيله وبالعفة عن الدنيا وأبنائها ، وأنهم لا يلتحفونها التحافا لزهدهم فيها وسمى من لا يعرف أوصافهم جاهلا ؛ فهذه الطائفة فوق الطبقات الموسومة بالصدقات المقسوم عليها الزكوات ، بل أمر المؤمنين بالإنفاق عليهم من الاكتساب للطيبات من بعد وصف أحسن الخالقين لهم ، والله تبارك وتعالى لا يحب عبدا إلا وصفه ، فإذا مدحه بوصف وأثنى عليه ثبتت محبته له في المدح والوصف ، دليل على الحب والمحبة ، تدل على الفضل العظيم ، كما قال تعالى في آخر وصف المحبين : ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) المائدة : 54 وقد قال بعض الصوفية في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : يد المعطي هي العليا ويد المعطى هي السفلى ، إن المعطى هو الفقير وإن المعطي هو الغني ، ويصلح أن يستدل له بأن حقيقة الإعطاء هو النصيب من الآخرة وعطاؤه منها ، فصار هو المعطى وصار الغني هو المعطي ، ويكون دليل هذا القول الخبرين الآخرين قوله : إن الصدقة تقع بيد الله سبحانه وتعالى قبل أن تقع بيد السائل وهو يضعها في يد السائل ، فقد صارت يد الفقير هي العليا ، والخبر الآخر : يد الله العليا ويد المعطي الوسطى فهذا يصحح أن الفقير هو المعطى إذا كان يد الله تبارك وتعالى فوقه لأنها هي التي تضع في يده العطاء فكانت يده هي الوسطى .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقد جعل الله المستحقين للعطاء ستة ، ذكرهم في آيات ثلاث ، فقال عز وجل في الآية الأولى : ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) التوبة : 60 وقال في الثانية : ( وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ) الذاريات : 19 ، وقال في الثالثة : ( فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ) الحج : 36 ، فمن لامعلوم له من تكسب أو تصرف فهو أدخل شيء في هذه الآيات وأحوج أحد إلى الإعطاء ، ومن كان ذا معلوم يحتاج إلى أكثر منه لفضل عيلة أو كثرة نفقة فإنه يدخل بمعنى من أوصافهم ، وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول في الآية : إنما الصدقات للفقراء والمساكين نزلت في أهل الصفة ، ومن كان في معناهم إلى يوم القيامة ، وكانوا أربعمائة وخمسين رجلا لم تكن لهم عشائر بالمدينة ولا أموال كالمهاجرين والأنصار ، وكانوا نزاع القبائل ، أسكنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صفة المسجد ، وقسم الله عز وجل لهم الأموال ، ثم إن الله سبحانه وتعالى أفرد طبقة سابعة عن جمل هؤلاء الستة ، ووصفهم بأحسن الصفات ، وفضل أجور المتقين بطيب الاكتساب عليهم الطالبين وجه الله عز وجل فقال : ( ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ) البقرة : 267 وقال : ( وما تنفقوا من خير يوف إليكم ) البقرة : 272 ، وكل هذا متصل متعلق بقوله عز وجل : ( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض ) البقرة : 372 ، إلى آخر أوصافهم ، فوصفهم بالإحصار في سبيله وبالعفة عن الدنيا وأبنائها ، وأنهم لا يلتحفونها التحافا لزهدهم فيها وسمى من لا يعرف أوصافهم جاهلا ؛ فهذه الطائفة فوق الطبقات الموسومة بالصدقات المقسوم عليها الزكوات ، بل أمر المؤمنين بالإنفاق عليهم من الاكتساب للطيبات من بعد وصف أحسن الخالقين لهم ، والله تبارك وتعالى لا يحب عبدا إلا وصفه ، فإذا مدحه بوصف وأثنى عليه ثبتت محبته له في المدح والوصف ، دليل على الحب والمحبة ، تدل على الفضل العظيم ، كما قال تعالى في آخر وصف المحبين : ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ) المائدة : 54 وقد قال بعض الصوفية في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : يد المعطي هي العليا ويد المعطى هي السفلى ، إن المعطى هو الفقير وإن المعطي هو الغني ، ويصلح أن يستدل له بأن حقيقة الإعطاء هو النصيب من الآخرة وعطاؤه منها ، فصار هو المعطى وصار الغني هو المعطي ، ويكون دليل هذا القول الخبرين الآخرين قوله : إن الصدقة تقع بيد الله سبحانه وتعالى قبل أن تقع بيد السائل وهو يضعها في يد السائل ، فقد صارت يد الفقير هي العليا ، والخبر الآخر : يد الله العليا ويد المعطي الوسطى فهذا يصحح أن الفقير هو المعطى إذا كان يد الله تبارك وتعالى فوقه لأنها هي التي تضع في يده العطاء فكانت يده هي الوسطى .

Dio V02/P336–V02/P337Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P336–V02/P337)
Orijinal Metin (AR)

فإن قيل : قد رتب الأيدي بقوله تعالى : يد الله هي العليا ويد المعطي هي الوسطى ويد المعطى هي السفلى ، فينبغي أن يكون المعطي هو الغني إذا كان العطاء يظهر عندنا على الترتيب ، قيل له : إن يد الله تبارك وتعالى فوقهما معا وهي لا تدخل تحت الترتيب ، فيده سبحانه وتعالى العليا عليهما جميعا ، قال تبارك وتعالى : يد الله فوق أيديهم وقد علمنا أن أيديهم بعضها فوق بعض ، ثم أخبر مع ذلك أنها فوق الكل ولأنه هو المعطي الأول لهما جميعا ، فكما لا أول ؛ أول منه في العطاء ، فكذلك لا يد فوق يده في الإعطاء ، وإنما الترتيب بين الغني والفقير أيهما المعطي بعد يد الله تعالى فقلنا : إن المعطي في الحقيقة إذ كان العطاء الحقيقي هو ما يبقى ويدوم لا ما يفنى ويزول ؛ وذلك هو العطاء من الآخرة الباقية ، فصار الفقير هو المعطي للغني في الدنيا نصيبه من الآخرة لأنه عمارة منازله فيها ، والغني رفق بالفقير من الدنيا وعمارة دنياه الفانية ، والدنيا موصوفة بلا شيء ، فأي شيء يعطي منها ؟ فأما يد الله تعالى فإنها فوقهما ، والذي أعطاهما جميعا ، لأن يده فوق الفوق وفوق التحت لا يوصف بتحت ولا بأسفل ، تعالت أوصافه العليا عن نعوت الخلق السفلى ، وهو لا يدخل تحت القياس والتشبيه ، فقد حدثنا بعض إخواننا عن شيخ له فقال : رأيت أبا الحسن النوري يمد يده ويسأل الناس في بعض المواطن قال : فأعظمت ذلك واستقبحته ، فأتيت الجنيد فأخبرته فقال : لا يعظم هذا عليك ، فإن النوري لم يسأل الناس إلا ليعطيهم إنماسأل لهم ليثيبهم من الآخرة فيؤجرون من حيث لا يضره ، ثم قال : هات الميزان قال : فوزن مائة درهم ثم قبض قبضة فألقاها على المائة ، ثم قال : احملها إليه ، قال : قلت في نفسي إنمايوزن الشيء ليعرف مقداره فهذا قد خلط منه شيئا آخر فصار مجهولا وهو رجل حكيم فاستحييت أن أسأله عن ذلك ، قال : فذهبت بالصرة إلى النوري فقال : هات الميزان ، قال : فوزن مائة درهم وقال : ردها عليه ، وقل آه : أنا لا أقبل منك أنت شيئا ، وأخذ مازاد على المائة ، قال : فقلت هذا أعجب فسألته : لم فعلت هذا ؟ فقال : الجنيد رجل حكيم يريد أن يأخذ الحبل بطرفيه وزن هذه المائة لنفسه للثواب من الآخرة ، وطرح عليها قبضة بلا وزن لله عز وجل ، فأخذت ماكانت لله عز وجل ، ورردت ما كان جعله لنفسه ، قال : فرددتها إلى الجنيد فبكى ، وقا حلب أخذ ماله ورد مالنا والله أعلم .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

فإن قيل : قد رتب الأيدي بقوله تعالى : يد الله هي العليا ويد المعطي هي الوسطى ويد المعطى هي السفلى ، فينبغي أن يكون المعطي هو الغني إذا كان العطاء يظهر عندنا على الترتيب ، قيل له : إن يد الله تبارك وتعالى فوقهما معا وهي لا تدخل تحت الترتيب ، فيده سبحانه وتعالى العليا عليهما جميعا ، قال تبارك وتعالى : يد الله فوق أيديهم وقد علمنا أن أيديهم بعضها فوق بعض ، ثم أخبر مع ذلك أنها فوق الكل ولأنه هو المعطي الأول لهما جميعا ، فكما لا أول ؛ أول منه في العطاء ، فكذلك لا يد فوق يده في الإعطاء ، وإنما الترتيب بين الغني والفقير أيهما المعطي بعد يد الله تعالى فقلنا : إن المعطي في الحقيقة إذ كان العطاء الحقيقي هو ما يبقى ويدوم لا ما يفنى ويزول ؛ وذلك هو العطاء من الآخرة الباقية ، فصار الفقير هو المعطي للغني في الدنيا نصيبه من الآخرة لأنه عمارة منازله فيها ، والغني رفق بالفقير من الدنيا وعمارة دنياه الفانية ، والدنيا موصوفة بلا شيء ، فأي شيء يعطي منها ؟ فأما يد الله تعالى فإنها فوقهما ، والذي أعطاهما جميعا ، لأن يده فوق الفوق وفوق التحت لا يوصف بتحت ولا بأسفل ، تعالت أوصافه العليا عن نعوت الخلق السفلى ، وهو لا يدخل تحت القياس والتشبيه ، فقد حدثنا بعض إخواننا عن شيخ له فقال : رأيت أبا الحسن النوري يمد يده ويسأل الناس في بعض المواطن قال : فأعظمت ذلك واستقبحته ، فأتيت الجنيد فأخبرته فقال : لا يعظم هذا عليك ، فإن النوري لم يسأل الناس إلا ليعطيهم إنماسأل لهم ليثيبهم من الآخرة فيؤجرون من حيث لا يضره ، ثم قال : هات الميزان قال : فوزن مائة درهم ثم قبض قبضة فألقاها على المائة ، ثم قال : احملها إليه ، قال : قلت في نفسي إنمايوزن الشيء ليعرف مقداره فهذا قد خلط منه شيئا آخر فصار مجهولا وهو رجل حكيم فاستحييت أن أسأله عن ذلك ، قال : فذهبت بالصرة إلى النوري فقال : هات الميزان ، قال : فوزن مائة درهم وقال : ردها عليه ، وقل آه : أنا لا أقبل منك أنت شيئا ، وأخذ مازاد على المائة ، قال : فقلت هذا أعجب فسألته : لم فعلت هذا ؟ فقال : الجنيد رجل حكيم يريد أن يأخذ الحبل بطرفيه وزن هذه المائة لنفسه للثواب من الآخرة ، وطرح عليها قبضة بلا وزن لله عز وجل ، فأخذت ماكانت لله عز وجل ، ورردت ما كان جعله لنفسه ، قال : فرددتها إلى الجنيد فبكى ، وقا حلب أخذ ماله ورد مالنا والله أعلم .

Dio V02/P337Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P337)
Orijinal Metin (AR)

ذكر اختلافهم في إخفاء العطاء وإظهاره ومن رأى أن الإظهار أفضل وتفضيل ذلك

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ذكر اختلافهم في إخفاء العطاء وإظهاره ومن رأى أن الإظهار أفضل وتفضيل ذلك

Dio V02/P337–V02/P338Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P337–V02/P338)
Orijinal Metin (AR)

: قد اختلف فعل المخلصين في ذلك فرأى بعضهم أن يخفي ما يأخذ من العطاء ، لأنه أدخل في التعفف وأقرب إلى التصون ، وأنه أسلم لقلوب الغير وأصلح لنفوس العامة ، وأن فيه النصرة لإخوانه من الغيبة والتهمة بمثل ذلك أو بأكثر منه ، وفيه الاحتياط لأخيه وعون له على البر والتقوى في قوله عز وجل : ( إن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) البقرة : 271 ، وللخير الذي جاء : أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر ، ولأن عمل السر يفضل على عمل العلانية بسبعين ضعفا فإذا لم يعاونه هذا على إخفاء عطائه ، ولم يساعده على كتم معروفه فلم يتم له ذلك بنفسه ، لأنه سر بين اثنين إن أفشاه أحدهما أو لم يتفقا على كتمه فقد ظهر من أيها كان الخبر كيف ، وقدروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : استعينوا على أموركم بالكتمان ، فإن كل ذي نعمة محسود ، وهذا مذهب القراء من العابدين ، وقال أيوب السجستاني : إني لأترك لبس الثوب الجديد خشية أن يحدث في جيراني حسد ، وقال بعض الزاهدين : ربما تركت استعمال الشيء لأجل إخواني يقولون من أين ، هذا وحدثونا عن إبراهيم التيمي أنه رأى صاحبا له عليه قميص جديد فقال : من أ ين للك هذا ؟ قال : كسانيه أخي خيثمة ولو علمت أن أهله علموا به ما قبلته ، ودفع رجل إلى بعض العلماء شيئا ظاهرا فرده ودفع إليه آخر شيئا في السر فقبله ، فقيل له في ذلك فقال : إن هذا أخفى معروفه وعمل بالأدب في معاملته فقبلنا عمله ، والذي أظهر معروفه أساء في الأدب في المعاملة فرددنا عمله عليه ، ودفع بعض الناس إلى بعض الصوفية شيئا بين الملاء فرده فقيل له : لم ترد على الله عز وجل ما أعطاك ؟ فقال : إنك أشركت غير الله سبحانه وتعالى فيما لله ، ولم تقنع بعين الله عز وجل فرددت عليك شركك ، وقد كان بعض العلماء لا يقبل في العلانية ويأخذ في السر سئل عن ذلك فقال : إن في إظهار الصدقة إذلالا للعلم وامتهانا لأهله وما كنت بالذي أرفع شيئا من الدنيا بوضع العلم وإذلال أهله ، وكذلك حدثنا أن رجلا دفع إلى بعض العارفين شيئا علانية فرده ثم دفعه إليه في السر فقبله ، فقيل له : رددت في الجهر وقبلت في السر ؟ فقال : لأنك أطعت الله تعالى في السر فأعنتك على برك بقبوله ، وعصيته بالجهر فلم أكن عونا لك على المصية ، وقد كان سفيان الثوري يقول لو علمت أن أحدهم لا يذكر صلته ولا يتحدث بها لقبلت صلته ، وفي هذا لعمري مواطأة لما ندب الله تعالى إليه من الإخفاء ولما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضله من أعمال السر ، وهو أيضا لا يدخل الآخذ في نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : من أهدي له هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها ، وقال في الحديث الآخر : أفضل ما أهدى الرجل إلى أخيه ورقا أو يطعمه خبزا ، فجعل الورق هدية كالهدايا ، وهو من أفضلها ، كما قال : لأنه قيم الأشياء ، فهذا الآخذ للهدية جهرا يلزمه الإشراك للحاضرين فيها إلا أن يهبوا ذلك له ، فإن لم يفعل لم يعجبني ذلك .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

: قد اختلف فعل المخلصين في ذلك فرأى بعضهم أن يخفي ما يأخذ من العطاء ، لأنه أدخل في التعفف وأقرب إلى التصون ، وأنه أسلم لقلوب الغير وأصلح لنفوس العامة ، وأن فيه النصرة لإخوانه من الغيبة والتهمة بمثل ذلك أو بأكثر منه ، وفيه الاحتياط لأخيه وعون له على البر والتقوى في قوله عز وجل : ( إن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) البقرة : 271 ، وللخير الذي جاء : أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر ، ولأن عمل السر يفضل على عمل العلانية بسبعين ضعفا فإذا لم يعاونه هذا على إخفاء عطائه ، ولم يساعده على كتم معروفه فلم يتم له ذلك بنفسه ، لأنه سر بين اثنين إن أفشاه أحدهما أو لم يتفقا على كتمه فقد ظهر من أيها كان الخبر كيف ، وقدروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : استعينوا على أموركم بالكتمان ، فإن كل ذي نعمة محسود ، وهذا مذهب القراء من العابدين ، وقال أيوب السجستاني : إني لأترك لبس الثوب الجديد خشية أن يحدث في جيراني حسد ، وقال بعض الزاهدين : ربما تركت استعمال الشيء لأجل إخواني يقولون من أين ، هذا وحدثونا عن إبراهيم التيمي أنه رأى صاحبا له عليه قميص جديد فقال : من أ ين للك هذا ؟ قال : كسانيه أخي خيثمة ولو علمت أن أهله علموا به ما قبلته ، ودفع رجل إلى بعض العلماء شيئا ظاهرا فرده ودفع إليه آخر شيئا في السر فقبله ، فقيل له في ذلك فقال : إن هذا أخفى معروفه وعمل بالأدب في معاملته فقبلنا عمله ، والذي أظهر معروفه أساء في الأدب في المعاملة فرددنا عمله عليه ، ودفع بعض الناس إلى بعض الصوفية شيئا بين الملاء فرده فقيل له : لم ترد على الله عز وجل ما أعطاك ؟ فقال : إنك أشركت غير الله سبحانه وتعالى فيما لله ، ولم تقنع بعين الله عز وجل فرددت عليك شركك ، وقد كان بعض العلماء لا يقبل في العلانية ويأخذ في السر سئل عن ذلك فقال : إن في إظهار الصدقة إذلالا للعلم وامتهانا لأهله وما كنت بالذي أرفع شيئا من الدنيا بوضع العلم وإذلال أهله ، وكذلك حدثنا أن رجلا دفع إلى بعض العارفين شيئا علانية فرده ثم دفعه إليه في السر فقبله ، فقيل له : رددت في الجهر وقبلت في السر ؟ فقال : لأنك أطعت الله تعالى في السر فأعنتك على برك بقبوله ، وعصيته بالجهر فلم أكن عونا لك على المصية ، وقد كان سفيان الثوري يقول لو علمت أن أحدهم لا يذكر صلته ولا يتحدث بها لقبلت صلته ، وفي هذا لعمري مواطأة لما ندب الله تعالى إليه من الإخفاء ولما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضله من أعمال السر ، وهو أيضا لا يدخل الآخذ في نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : من أهدي له هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها ، وقال في الحديث الآخر : أفضل ما أهدى الرجل إلى أخيه ورقا أو يطعمه خبزا ، فجعل الورق هدية كالهدايا ، وهو من أفضلها ، كما قال : لأنه قيم الأشياء ، فهذا الآخذ للهدية جهرا يلزمه الإشراك للحاضرين فيها إلا أن يهبوا ذلك له ، فإن لم يفعل لم يعجبني ذلك .

Dio V02/P338–V02/P339Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P338–V02/P339)
Orijinal Metin (AR)

وذهب آخرون من أهل المعرفة الموصوفين بالتوحيد إلى أن الإظهار للآخذ أفضل ، لأنه أسلم له ، وأدخل في الإخلاص والصدق ، وأخرج من الثبات والقدر والمنزلة والجاه بالرد والزهد ، وقد قال الله سبحانه : ( لاتكلف إلا نفسك ) النساء : 84 ، قالوا : فليس علينا إذ علمنا في سلامتنا وحكم حالنا من إسقاط جاهنا بالأخذ علانية ما وراء ذلك من أقوال الناس ، بتولى الله عز وجل من ذلك من به ابتلاه ، وقالوا : ولأن في التوحيد أن الظاهر والباطن هو المعطي فلا معنى للرد عليه في الظاهر ، وقد قال بعضهم : سر العارف وعلانيته واحد ، لأن المعبود فيهما واحد ، فاختلاف فعل أحدهما شرك في التوحيد ، وقال بعض العارفين : كنا لا نعبأ بدعاء من يأخذ في السر فرفع يده به علانية ، ثم قال : هذا من الدنيا والعلانية في أمور الدنيا أفضل والسر في أمور الآخرة أفضل ، وقال بعض المريدين : سألت أستاذي وكان أحد العارفين عن إظهار السبب أو إخفائه فقال : أظهر الأخذ على كل حال إن كنت آخذا ، فإنك لا تخلو من أحد رجلين ، رجل تسقط من قلبه إذا فعلت ذلك فذلك هو الذي تريد ، لأنه أسلم لدينك وأقل لآفات نفسك ، وينبغي أن تعمل في ذلك ، فقد جاءك بلا تكلف ، ورجل تزداد وترتفع في قلبه فذاك هو الذي يريد أخوك لأنه يزداد ثوابا بزيادة حبه لك وتعظيمه إياك فتؤجر أنت إذ كنت سبب مزيده ، وينبغي أن تعمل في ذلك ، وقال بعض العارفين : إذا أخذت فأظهر فإنها نعمة من الله إظهارها أفضل ، وإذا رددت فأخف فإنه عمل لك وإسراره أفضل ، وهذا لعمري قول فصل ، وهو طريق العارفين ، وقال بعض علمائنا : إظهار العطاء من الآخذ آخرة وكتمانه دنيا وإظهار الأعمال من الدنيا وكتمها آخرة ، وكان هذا لا يكره الإظهار ، وهذاكما قال الله تعالى : ( وأما بنعمة ربك فحدث ) الضحى : 11 وقد ذم الله تبارك وتعالى من كتم ما أتاه الله من فضله وقرنه بالبخل ؛ والبخل باب كبير من الدنيا فقال تعالى : ( الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ) النساء : 37 ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أنعم الله عز وجل على عبد نعمة أحب أن ترى عليه ، وهذا هو الأقرب إلى قلوب الموحدين من العارفين ، لأنه مقتضى حالهم وموجب مشاهدتهم لاستواء ظروف الأيدي عندهم من العبيد ونفاد نظرهم إلى المعطي الأول ، فاستوى سرهم وعلانيتهم في الأخذ من يده ، وفصل الخطاب في هذا الباب عندي أنه يحتاج إلى تفصيل فنقول والله أعلم : إن الخلق مبتلي بعضه ببعض ، وفرض كل عبد القيام بحكم حاله ليفضل بقيامه ويسلم في حاله ، فعلى المعطي أن يخفي ويسر جهده ، فإن أظهر ترك علم حاله فنقص بذلك ، فكانت هذه آفة من آفات نفسه وبابا من أبواب دنياه ، وعلى المعطي أن يذكر وينشر ، فإن أخفى وكتم فقد ترك الإخلاص في عمله ونقص لذلك ، وكانت آفة من آفات نفسه وبابا من دنياه مثله .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وذهب آخرون من أهل المعرفة الموصوفين بالتوحيد إلى أن الإظهار للآخذ أفضل ، لأنه أسلم له ، وأدخل في الإخلاص والصدق ، وأخرج من الثبات والقدر والمنزلة والجاه بالرد والزهد ، وقد قال الله سبحانه : ( لاتكلف إلا نفسك ) النساء : 84 ، قالوا : فليس علينا إذ علمنا في سلامتنا وحكم حالنا من إسقاط جاهنا بالأخذ علانية ما وراء ذلك من أقوال الناس ، بتولى الله عز وجل من ذلك من به ابتلاه ، وقالوا : ولأن في التوحيد أن الظاهر والباطن هو المعطي فلا معنى للرد عليه في الظاهر ، وقد قال بعضهم : سر العارف وعلانيته واحد ، لأن المعبود فيهما واحد ، فاختلاف فعل أحدهما شرك في التوحيد ، وقال بعض العارفين : كنا لا نعبأ بدعاء من يأخذ في السر فرفع يده به علانية ، ثم قال : هذا من الدنيا والعلانية في أمور الدنيا أفضل والسر في أمور الآخرة أفضل ، وقال بعض المريدين : سألت أستاذي وكان أحد العارفين عن إظهار السبب أو إخفائه فقال : أظهر الأخذ على كل حال إن كنت آخذا ، فإنك لا تخلو من أحد رجلين ، رجل تسقط من قلبه إذا فعلت ذلك فذلك هو الذي تريد ، لأنه أسلم لدينك وأقل لآفات نفسك ، وينبغي أن تعمل في ذلك ، فقد جاءك بلا تكلف ، ورجل تزداد وترتفع في قلبه فذاك هو الذي يريد أخوك لأنه يزداد ثوابا بزيادة حبه لك وتعظيمه إياك فتؤجر أنت إذ كنت سبب مزيده ، وينبغي أن تعمل في ذلك ، وقال بعض العارفين : إذا أخذت فأظهر فإنها نعمة من الله إظهارها أفضل ، وإذا رددت فأخف فإنه عمل لك وإسراره أفضل ، وهذا لعمري قول فصل ، وهو طريق العارفين ، وقال بعض علمائنا : إظهار العطاء من الآخذ آخرة وكتمانه دنيا وإظهار الأعمال من الدنيا وكتمها آخرة ، وكان هذا لا يكره الإظهار ، وهذاكما قال الله تعالى : ( وأما بنعمة ربك فحدث ) الضحى : 11 وقد ذم الله تبارك وتعالى من كتم ما أتاه الله من فضله وقرنه بالبخل ؛ والبخل باب كبير من الدنيا فقال تعالى : ( الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ) النساء : 37 ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أنعم الله عز وجل على عبد نعمة أحب أن ترى عليه ، وهذا هو الأقرب إلى قلوب الموحدين من العارفين ، لأنه مقتضى حالهم وموجب مشاهدتهم لاستواء ظروف الأيدي عندهم من العبيد ونفاد نظرهم إلى المعطي الأول ، فاستوى سرهم وعلانيتهم في الأخذ من يده ، وفصل الخطاب في هذا الباب عندي أنه يحتاج إلى تفصيل فنقول والله أعلم : إن الخلق مبتلي بعضه ببعض ، وفرض كل عبد القيام بحكم حاله ليفضل بقيامه ويسلم في حاله ، فعلى المعطي أن يخفي ويسر جهده ، فإن أظهر ترك علم حاله فنقص بذلك ، فكانت هذه آفة من آفات نفسه وبابا من أبواب دنياه ، وعلى المعطي أن يذكر وينشر ، فإن أخفى وكتم فقد ترك الإخلاص في عمله ونقص لذلك ، وكانت آفة من آفات نفسه وبابا من دنياه مثله .

Dio V02/P339–V02/P340Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P339–V02/P340)
Orijinal Metin (AR)

وروينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له : إن فلانا أعطيته دينارا فأثنى بذلك وشكر ، فقال : لكن فلان أعطيته ما بين الثلاثة إلى العشرة فما أثنى ولا شكر ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مريدا أن يشكره أو يثني عليه وهو يقول لابن الحمامة الشاعر وغيره : أما ما مدحتني به فألقه عنك ، وأما مامدحت به ربك عز وجل فهاته ، فإنه يحب المدح لكنه أراد منه القيام بحكم حاله لعلمه أن في الشكر والثناء حضا وتحريضا على المعروف والعطاء ، وأنه خلق من أخلاق الربوبية ، أحبه الله عز وجل من نفسه فشكره للمنفقين وهو الرازق ، وأحب من أوليائه أن يشكروا للأواسط ويثنوا به عليهم ، وإن شهدوا فيه الأول ، وكذلك لما قالت المهاجرون : يا رسول الله ما رأينا خيرا من قوم نزلنا عليهم قاسمونا الأموال حتى خفنا أن يذهبوا بالأجر كله ، فقال كلاما شكرتم لهم وأثنيتم به عليهم ، ولذلك أمر به صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر فقال : من أسدي إليه معروف فيلكافئ به ، فإن لم يستطع فليثن به ، وفي لفظ آخر : من أسدى إليكم معروفا فكافئوه ، فإن لم تستطيعوا فأثنوا به خيرا وادعوا له حتى يعلم أن قد كافأتموه ، والخبر العام بمعنى ذلك : من لم يشكر الناس لم يشكر الله ، وقد روينا في معنى الحدث لفظة غريبة جاءت من طريقين ، وهو : من لم يذكر الناس لم يذكر الله عز وجل أن يذكرهم في العطاء ويثني عليهم به ، والنوع الثاني من التفضيل أن على المعطي أن لا يحب أن يذكر معروفه ولا يشكر فإن علمت من يقصد ذلك ويحبه منك فهذا يدل على نقصان علمه وقوة آفات نفسه ، فترك الثناء على مثل هذا والكتم من الفقير أفضل ، فإن شكر له فأظهر عطاءه فقد ظلمه لإعانته إياه على ظلم نفسه ، وقد قوى آفات نفسه ، وهذا إذا فعله به من المعاونة على الإثم والعدوان فقد كان ينبغي للمعطي أن ينصره إذا كان ظالما من حيث لا يعلم بأن يخفي عليه ما يعمل والله أعلم بالصواب .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وروينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له : إن فلانا أعطيته دينارا فأثنى بذلك وشكر ، فقال : لكن فلان أعطيته ما بين الثلاثة إلى العشرة فما أثنى ولا شكر ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مريدا أن يشكره أو يثني عليه وهو يقول لابن الحمامة الشاعر وغيره : أما ما مدحتني به فألقه عنك ، وأما مامدحت به ربك عز وجل فهاته ، فإنه يحب المدح لكنه أراد منه القيام بحكم حاله لعلمه أن في الشكر والثناء حضا وتحريضا على المعروف والعطاء ، وأنه خلق من أخلاق الربوبية ، أحبه الله عز وجل من نفسه فشكره للمنفقين وهو الرازق ، وأحب من أوليائه أن يشكروا للأواسط ويثنوا به عليهم ، وإن شهدوا فيه الأول ، وكذلك لما قالت المهاجرون : يا رسول الله ما رأينا خيرا من قوم نزلنا عليهم قاسمونا الأموال حتى خفنا أن يذهبوا بالأجر كله ، فقال كلاما شكرتم لهم وأثنيتم به عليهم ، ولذلك أمر به صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر فقال : من أسدي إليه معروف فيلكافئ به ، فإن لم يستطع فليثن به ، وفي لفظ آخر : من أسدى إليكم معروفا فكافئوه ، فإن لم تستطيعوا فأثنوا به خيرا وادعوا له حتى يعلم أن قد كافأتموه ، والخبر العام بمعنى ذلك : من لم يشكر الناس لم يشكر الله ، وقد روينا في معنى الحدث لفظة غريبة جاءت من طريقين ، وهو : من لم يذكر الناس لم يذكر الله عز وجل أن يذكرهم في العطاء ويثني عليهم به ، والنوع الثاني من التفضيل أن على المعطي أن لا يحب أن يذكر معروفه ولا يشكر فإن علمت من يقصد ذلك ويحبه منك فهذا يدل على نقصان علمه وقوة آفات نفسه ، فترك الثناء على مثل هذا والكتم من الفقير أفضل ، فإن شكر له فأظهر عطاءه فقد ظلمه لإعانته إياه على ظلم نفسه ، وقد قوى آفات نفسه ، وهذا إذا فعله به من المعاونة على الإثم والعدوان فقد كان ينبغي للمعطي أن ينصره إذا كان ظالما من حيث لا يعلم بأن يخفي عليه ما يعمل والله أعلم بالصواب .

%0
10 Bölüm
Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb · 76 · Qur'an & Sunnah