فنوديت في سرّي : إنما أصابك ذلك » لأنك سكنت إلى معارفك بقلبك . وقلت : إنهم يطعموني إذا دخلت البلد » . وحكى عن إبراهيم بن شيبان » رضي الله تعالى عنه » أنه قال : « كنت بحلب » واشتهيت شبعة من الخبز والعدس » فاتفق ذلك فأكلت حتى شبعت » فرأيت على باب المسجد قوارير « 1 » معلّقة شبه إنموذجات ٠ فتوهمتها خلا » فقال لي قائل : أما تنظر إليها إنها خمر ! ! فقلت : لزمني فرض » فدخلت الحانوت فلم أزل أصب دنا دنا « 2 » حتى أتيت على الجميع : فأخذوني وضربوني مائة خشبة وطرحوني في السجن أربعة أشهر حتى دخل أستاذي أبو عبد الله المغربي البلدة فسمع بحالي فشفع لي » فلمًا وقع بصره عليّ » قال : ما شأنك ؟ قلت : شبعة خبز وعدس » وضربت مائة خشبة » وسجنت أربعة أشهر » فقال لي : نجوت مجانا » أي : وردت عقوبة هذه الأكلة على ظاهرك ولم تقدح فيما كنت فيه من سرائركء فكان ذلك رفقا من الله بك». قال الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه : « وما أصدق ما قال ؛ فإنّ من أنّب في دنياه فيما يتعاطاه من متابعة هواه؛ فقد خف عنه في عقباه » بل طهر بالتأتب جوهره ومعناه . وحكاية « خير النساج « « 3 » رضي الله تعالى عنه » المشهورة من معنى ما ذكرناه » فانظرها » ففيها عبرة للمعتبرين . قال الحافظ أبو نعيم » رضي الله تعالى عنه : « حدّثني جعفر بن محمد بن نصير في كتابه قال : سألت خيرا النساج : أكان النسج حرفتك ؟ قال : لا » قلت : فمن أين سمّيت به ؟ قال : عاهدت الله ؛ وعقدت أن لا آكل الرطب أبدا » فغلبتني نفسي يوما فأخذت نصف رطل . فلما أكلت واحدة إذا برجل نظر إليّ وقال : يا خير » أين هربت مني ؟ وكان له غلام اسمه « خير » فوقع عليّ شبهه وصورته . فخنقني » واجتمع الناس فقالوا : واللّه هذا غلامك خير » فبقيت متحيّرا » وعلمت بماذا أخذت . وعرفت جنايتي » فحملني إلى حانوته - بلاد الجبال » بينها وبين نيسابور مائة وستون فرسخا . ( معجم البلدان 3 / 116 ) . (1 ) القوارير : ( ج ) قارورة : وعاء من الزجاج تحفظ فيه السوائل . (2 ) الذن : الجرة الضخمة للخمر والزيت والخل وغيرهما ( ج ) دنان . ( 3 ) خير بن عبد اللَّهِ النساج ( 202 - 322 ه - 817 - 934 م ) متصوف معمر » من كبار الزهاد . أصله من سر من رأى . نزل ببغداد وصحب الجنيد والخوص وكثيرين » ثم كان أستاذ الجماعة » أخباره كثيرة وله كلمات مأثورة . ( الأعلام 2 / 326 » والرسالة القشيرية ص 437 ) . 101 « 104 » الذي كان ينسج فيه غلمانه » فقالوا : يا عبد السّوء » أتهرب من مولاك ؟ ! ادخل واعمل عملك الذي كنت تعمل فيه » وأمرني بعمل « الكرباس » « 1 » ٠ فدلّيت رجلي على أن أعمل . فأخذت بيدي آلته » فكأني كنت أعمل من سنين » فبقيت معه شهرا أنسج له فقمت ليلة فنسجت » وقمت إلى صلاة الغداة » فسجدت » وقلت في سجودي : إلهي لا أعود إلى ما فعلت » فأصبحت فإذا الشّبه قد ذهب عنّي وعدت إلى صورتي التي كنت عليها فأطلقت » فثبت عليّ هذا الاسم , فكان سبب النسج اتّباعي شهوة عاهدت الله تعالى على ألا آكلها » فعاقبني بما سمعت » .
فنوديت في سرّي : إنما أصابك ذلك » لأنك سكنت إلى معارفك بقلبك . وقلت : إنهم يطعموني إذا دخلت البلد » . وحكى عن إبراهيم بن شيبان » رضي الله تعالى عنه » أنه قال : « كنت بحلب » واشتهيت شبعة من الخبز والعدس » فاتفق ذلك فأكلت حتى شبعت » فرأيت على باب المسجد قوارير « 1 » معلّقة شبه إنموذجات ٠ فتوهمتها خلا » فقال لي قائل : أما تنظر إليها إنها خمر ! ! فقلت : لزمني فرض » فدخلت الحانوت فلم أزل أصب دنا دنا « 2 » حتى أتيت على الجميع : فأخذوني وضربوني مائة خشبة وطرحوني في السجن أربعة أشهر حتى دخل أستاذي أبو عبد الله المغربي البلدة فسمع بحالي فشفع لي » فلمًا وقع بصره عليّ » قال : ما شأنك ؟ قلت : شبعة خبز وعدس » وضربت مائة خشبة » وسجنت أربعة أشهر » فقال لي : نجوت مجانا » أي : وردت عقوبة هذه الأكلة على ظاهرك ولم تقدح فيما كنت فيه من سرائركء فكان ذلك رفقا من الله بك». قال الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه : « وما أصدق ما قال ؛ فإنّ من أنّب في دنياه فيما يتعاطاه من متابعة هواه؛ فقد خف عنه في عقباه » بل طهر بالتأتب جوهره ومعناه . وحكاية « خير النساج « « 3 » رضي الله تعالى عنه » المشهورة من معنى ما ذكرناه » فانظرها » ففيها عبرة للمعتبرين . قال الحافظ أبو نعيم » رضي الله تعالى عنه : « حدّثني جعفر بن محمد بن نصير في كتابه قال : سألت خيرا النساج : أكان النسج حرفتك ؟ قال : لا » قلت : فمن أين سمّيت به ؟ قال : عاهدت الله ؛ وعقدت أن لا آكل الرطب أبدا » فغلبتني نفسي يوما فأخذت نصف رطل . فلما أكلت واحدة إذا برجل نظر إليّ وقال : يا خير » أين هربت مني ؟ وكان له غلام اسمه « خير » فوقع عليّ شبهه وصورته . فخنقني » واجتمع الناس فقالوا : واللّه هذا غلامك خير » فبقيت متحيّرا » وعلمت بماذا أخذت . وعرفت جنايتي » فحملني إلى حانوته - بلاد الجبال » بينها وبين نيسابور مائة وستون فرسخا . ( معجم البلدان 3 / 116 ) . (1 ) القوارير : ( ج ) قارورة : وعاء من الزجاج تحفظ فيه السوائل . (2 ) الذن : الجرة الضخمة للخمر والزيت والخل وغيرهما ( ج ) دنان . ( 3 ) خير بن عبد اللَّهِ النساج ( 202 - 322 ه - 817 - 934 م ) متصوف معمر » من كبار الزهاد . أصله من سر من رأى . نزل ببغداد وصحب الجنيد والخوص وكثيرين » ثم كان أستاذ الجماعة » أخباره كثيرة وله كلمات مأثورة . ( الأعلام 2 / 326 » والرسالة القشيرية ص 437 ) . 101 « 104 » الذي كان ينسج فيه غلمانه » فقالوا : يا عبد السّوء » أتهرب من مولاك ؟ ! ادخل واعمل عملك الذي كنت تعمل فيه » وأمرني بعمل « الكرباس » « 1 » ٠ فدلّيت رجلي على أن أعمل . فأخذت بيدي آلته » فكأني كنت أعمل من سنين » فبقيت معه شهرا أنسج له فقمت ليلة فنسجت » وقمت إلى صلاة الغداة » فسجدت » وقلت في سجودي : إلهي لا أعود إلى ما فعلت » فأصبحت فإذا الشّبه قد ذهب عنّي وعدت إلى صورتي التي كنت عليها فأطلقت » فثبت عليّ هذا الاسم , فكان سبب النسج اتّباعي شهوة عاهدت الله تعالى على ألا آكلها » فعاقبني بما سمعت » .