Dio V05/P124–V05/P126Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V05/P124–V05/P126)
Orijinal Metin (AR)قلنا : بل يوجب لأن قوله : { فإذا أمنتم } ليس فيه بيان أنه حصل الأمن مماذا ، فلا بد وأن يكون المراد حصول الأمن من شيء تقدم ذكره ، والذي تقدم ذكره هو الاحصار ، فصار التقدير : فإذا أمنتم من ذلك الاحصار ، ولما ثبت أن لفظ الأمن لا يطلق إلا في حق العدو ، وجب أن يكون المراد من هذا الاحصار منع العدو ، فثبت بهذه الدلائل أن الإحصار المذكور في الآية هو منع العدو فقط ، أما قول من قال : إنه منع المرض صاحبه خاصة فهو باطل بهذه الدلائل ، وفيه دليل آخر ، وهو أن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول هذه الآية أن الكفار أحصروا النبي / صلى الله عليه وسلم بالحديبية ، والناس وإن اختلفوا في أن الآية النازلة في سبب هل تتناول غير ذلك السبب ؟ إلا أنهم اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون ذلك السبب خارجا عنه ، فلو كان الإحصار اسما لمنع المرض ، لكان سبب نزول الآية خارجا عنها ، وذلك باطل بالإجماع ، فثبت بما ذكرنا أن الإحصار في هذه الآية عبارة عن منع العدو ، وإذا ثبت هذا فنقول : لا يمكن قياس منع المرض عليه ، وبيانه من وجهين : الأول : أن كلمة : إن ، شرط عند أهل اللغة ، وحكم الشرط انتفاء المشروط عن انتفائه ظاهرا ، فهذا يقتضي أن لا يثبت الحكم إلا في الإحصار الذي دلت الآية عليه ، فلو أثبتا هذا الحكم في غيره قياسا كان ذلك نسخا للنص بالقياس ، وهو غير جائز . الوجه الثاني : أن الإحرام شرع لازم لا يحتمل النسخ قصدا ، ألا ترى أنه إذا جامع امرأته حتى فسد حجه لم يخرج من إحرامه ، وكذلك لو فاته الحج حتى لزمه القضاء والمرض ليس كالعدو ، ولأن المريض لا يستفيد بتحلله ورجوعه أمنا من مرضه ، أما المحصر بالعدو فإنه خائف من القتل إن أقام ، فإذا رجع فقد تخلص من خوف القتل ، فهذا ما عندي في هذه المسألة على ما يليق بالتفسير . أما قوله : { فما استيسر من الهدى } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال القفال رحمه الله : في الآية إضمار ، والتقدير : فحللتم فما استيسر ، وهو كقوله : { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } ( البقرة : 184 ) أي فأفطر فعدة ، وفيها إضمار آخر ، وذلك لأن قوله : { فما استيسر من الهدى } كلام غير تنام لا بد فيه من إضمار ، ثم فيه احتمالان : أحدهما : أن يقال : محل ، ما : رفع ، والتقدير : فواجب عليكم ما استيسر والثاني : قال الفراء : لو نصبت على معنى : اهدوا ما تيسر كان صوابا ، وأكثر ما جاء في القرآن من أشباهه مرفوع . المسألة الثانية : { استيسر } بمعنى تيسر ، ومثله : استعظم ، أي تعظم واستكبر : أي تكبر ، واستصعب : أي تصعب . المسألة الثالثة : { الهدى } جمع هدية ، كما تقول : تمر وتمرة ، قال أحمد بن يحيى : أهل الحجاز يخففون { الهدى } وتميم تثقله ، فيقولون : هدية ، وهدي ومطية ، ومطي ، قال الشاعر : حلفت برب مكة والمصلى وأعناق الهدى مقلدات ومعنى الهدي : ما يهدى إلى بيت الله عز وجل تقربا إليه ، بمنزلة الهدية يهديها الإنسان إلى غيره تقربا إليه / ثم قال علي وابن عباس والحسن وقتادة : الهدي أعلاه بدنة ، وأوسطه بقرة ، وأخسه شاة ، فعليه ما تيسر من هذه الأجناس .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)قلنا : بل يوجب لأن قوله : { فإذا أمنتم } ليس فيه بيان أنه حصل الأمن مماذا ، فلا بد وأن يكون المراد حصول الأمن من شيء تقدم ذكره ، والذي تقدم ذكره هو الاحصار ، فصار التقدير : فإذا أمنتم من ذلك الاحصار ، ولما ثبت أن لفظ الأمن لا يطلق إلا في حق العدو ، وجب أن يكون المراد من هذا الاحصار منع العدو ، فثبت بهذه الدلائل أن الإحصار المذكور في الآية هو منع العدو فقط ، أما قول من قال : إنه منع المرض صاحبه خاصة فهو باطل بهذه الدلائل ، وفيه دليل آخر ، وهو أن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول هذه الآية أن الكفار أحصروا النبي / صلى الله عليه وسلم بالحديبية ، والناس وإن اختلفوا في أن الآية النازلة في سبب هل تتناول غير ذلك السبب ؟ إلا أنهم اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون ذلك السبب خارجا عنه ، فلو كان الإحصار اسما لمنع المرض ، لكان سبب نزول الآية خارجا عنها ، وذلك باطل بالإجماع ، فثبت بما ذكرنا أن الإحصار في هذه الآية عبارة عن منع العدو ، وإذا ثبت هذا فنقول : لا يمكن قياس منع المرض عليه ، وبيانه من وجهين : الأول : أن كلمة : إن ، شرط عند أهل اللغة ، وحكم الشرط انتفاء المشروط عن انتفائه ظاهرا ، فهذا يقتضي أن لا يثبت الحكم إلا في الإحصار الذي دلت الآية عليه ، فلو أثبتا هذا الحكم في غيره قياسا كان ذلك نسخا للنص بالقياس ، وهو غير جائز . الوجه الثاني : أن الإحرام شرع لازم لا يحتمل النسخ قصدا ، ألا ترى أنه إذا جامع امرأته حتى فسد حجه لم يخرج من إحرامه ، وكذلك لو فاته الحج حتى لزمه القضاء والمرض ليس كالعدو ، ولأن المريض لا يستفيد بتحلله ورجوعه أمنا من مرضه ، أما المحصر بالعدو فإنه خائف من القتل إن أقام ، فإذا رجع فقد تخلص من خوف القتل ، فهذا ما عندي في هذه المسألة على ما يليق بالتفسير . أما قوله : { فما استيسر من الهدى } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال القفال رحمه الله : في الآية إضمار ، والتقدير : فحللتم فما استيسر ، وهو كقوله : { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } ( البقرة : 184 ) أي فأفطر فعدة ، وفيها إضمار آخر ، وذلك لأن قوله : { فما استيسر من الهدى } كلام غير تنام لا بد فيه من إضمار ، ثم فيه احتمالان : أحدهما : أن يقال : محل ، ما : رفع ، والتقدير : فواجب عليكم ما استيسر والثاني : قال الفراء : لو نصبت على معنى : اهدوا ما تيسر كان صوابا ، وأكثر ما جاء في القرآن من أشباهه مرفوع . المسألة الثانية : { استيسر } بمعنى تيسر ، ومثله : استعظم ، أي تعظم واستكبر : أي تكبر ، واستصعب : أي تصعب . المسألة الثالثة : { الهدى } جمع هدية ، كما تقول : تمر وتمرة ، قال أحمد بن يحيى : أهل الحجاز يخففون { الهدى } وتميم تثقله ، فيقولون : هدية ، وهدي ومطية ، ومطي ، قال الشاعر : حلفت برب مكة والمصلى وأعناق الهدى مقلدات ومعنى الهدي : ما يهدى إلى بيت الله عز وجل تقربا إليه ، بمنزلة الهدية يهديها الإنسان إلى غيره تقربا إليه / ثم قال علي وابن عباس والحسن وقتادة : الهدي أعلاه بدنة ، وأوسطه بقرة ، وأخسه شاة ، فعليه ما تيسر من هذه الأجناس .
Dio V05/P126–V05/P127Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V05/P126–V05/P127)
Orijinal Metin (AR)المسألة الرابعة : المحصر إذا كان عالما بالهدي ، هل له بدل ينتقل إليه ؟ للشافعي رضي الله عنه فيه قولان : أحدهما : لا بدل له ويكون الهدي في ذمته أبدا ، وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه ، / والحجة في أنه تعالى أوجب على المحصر الهدي على التعيين ، وما أثبت له بدلا والثاني : أن له بدلا ينتقل إليه ، وهو قول أحمد فإذا قلنا بالقول الأول : هل له أن يتحلل في الحال أو يقيم على إحرامه فيه قولان أحدهما : أنه يقيم على إحرامة حتى يجده ، وهو قول أبي حنيفة ويدل عليه ظاهر الآية والثاني : أن يتحلل في الحال للمشقة ، وهو الأصح ، فإذا قلنا بالقول الثاني ففيه اختلافات كثيرة وأقربها أن يقال : يقوم الهدي بالدراهم ويشتري بها طعام ويؤدي ، وإنما قلنا ذلك لأنه أقرب إلى الهدي . المسألة الخامسة : المحصر إذا أراد التحلل وذبح ، وجب أن ينوي التحلل عند الذبح ، ولا يتحلل البتة قبل الذبح . المسألة السادسة : اختلفوا في العمرة فأكثر الفقهاء قالوا حكمها في الإحصار كحكم الحج وعن ابن سيرين أنه لا إحصار فيه لأنه غير مؤقت ، وهذا باطل لأن قوله تعالى : { فإن أحصرتم } مذكور عقيب الحج والعمرة ، فكان عائدا إليهما . أما قوله تعالى : { ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله } ففيه مسائل : المسألة الأولى : في الآية حذف لأن الرجل لا يتحلل ببلوغ الهدي محله بل لا يحصل التحلل إلا بالنحر فتقدير الآية : حتى يبلغ الهدي محله وينحر فإذا نحر فاحلقوا . المسألة الثانية : قال الشافعي رضي الله تعالى عنه : يجوز إراقة دم الإحصار لا في الحرم ، بل حيث حبس ، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : لا يجوز ذلك إلا في الحرم ومنشأ الخلاف البحث في تفسير هذه الآية ، فقال الشافعي رضي الله تعالى عنه : المحل في هذه الآية اسم للزمان الذي يحصل فيه التحلل ، وقال أبو حنيفة : إنه اسم للمكان . حجة الشافعي رضي الله تعالى عنه من وجوه الأول : إنه عليه الصلاة والسلام أحصر بالحديبية ونحر بها ، والحديبية ليست من الحرم ، قال أصحاب أبي حنيفة إنه إنما أصحر في طرف الحديبية الذي هو أسفل مكة ، وهو من الحرم ، قال الواقدي : الحديبية على طرف الحرم على تسعة أميال من مكة ، أجاب القفال رحمه الله في ( تفسيره ) عن هذا السؤال فقال الدليل على أن نحر ذلك الهدي ما وقع في الحرم قوله تعالى : { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا أن يبلغ محله } ( الفتح : 25 ) فبين تعالى أن الكفار منعوا النبي صلى الله عليه وسلم عن إبلاغ الهدي محله الذي كان يريده فدل هذا على أنهم نحروا ذلك الهدي في غير الحرم . الحجة الثانية : أن المحصر سواء كان في الحل أو في الحرم فهو مأمور بنحر الهدي فوجب أن يتمكن في الحل والحرم من نحر الهدى . بيان المقام الأول : أن قوله : { فإن أحصرتم } يتناول كل من كان محصرا سواء كان في الحل / أو في الحرم ، وقوله بعد ذلك : { فما استيسر من الهدى } معناه فما استيسر من الهدي نحوه واجب ، أو معناه فانحروا فانحروا ما استيسر من الهدي ، وعلى التقديرين ثبت أن هذه الآية دالة على أن نحر الهدي واجب على المحصر سواء كان محصرا في الحل أو في الحرم ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون له الذبح في الحل والحرم ، لأن المكلف بالشيء أول درجاته أن يجوز له فعل المأمور به ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المحصر قادرا على إراقة الدم حيث أحصر .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الرابعة : المحصر إذا كان عالما بالهدي ، هل له بدل ينتقل إليه ؟ للشافعي رضي الله عنه فيه قولان : أحدهما : لا بدل له ويكون الهدي في ذمته أبدا ، وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه ، / والحجة في أنه تعالى أوجب على المحصر الهدي على التعيين ، وما أثبت له بدلا والثاني : أن له بدلا ينتقل إليه ، وهو قول أحمد فإذا قلنا بالقول الأول : هل له أن يتحلل في الحال أو يقيم على إحرامه فيه قولان أحدهما : أنه يقيم على إحرامة حتى يجده ، وهو قول أبي حنيفة ويدل عليه ظاهر الآية والثاني : أن يتحلل في الحال للمشقة ، وهو الأصح ، فإذا قلنا بالقول الثاني ففيه اختلافات كثيرة وأقربها أن يقال : يقوم الهدي بالدراهم ويشتري بها طعام ويؤدي ، وإنما قلنا ذلك لأنه أقرب إلى الهدي . المسألة الخامسة : المحصر إذا أراد التحلل وذبح ، وجب أن ينوي التحلل عند الذبح ، ولا يتحلل البتة قبل الذبح . المسألة السادسة : اختلفوا في العمرة فأكثر الفقهاء قالوا حكمها في الإحصار كحكم الحج وعن ابن سيرين أنه لا إحصار فيه لأنه غير مؤقت ، وهذا باطل لأن قوله تعالى : { فإن أحصرتم } مذكور عقيب الحج والعمرة ، فكان عائدا إليهما . أما قوله تعالى : { ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله } ففيه مسائل : المسألة الأولى : في الآية حذف لأن الرجل لا يتحلل ببلوغ الهدي محله بل لا يحصل التحلل إلا بالنحر فتقدير الآية : حتى يبلغ الهدي محله وينحر فإذا نحر فاحلقوا . المسألة الثانية : قال الشافعي رضي الله تعالى عنه : يجوز إراقة دم الإحصار لا في الحرم ، بل حيث حبس ، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : لا يجوز ذلك إلا في الحرم ومنشأ الخلاف البحث في تفسير هذه الآية ، فقال الشافعي رضي الله تعالى عنه : المحل في هذه الآية اسم للزمان الذي يحصل فيه التحلل ، وقال أبو حنيفة : إنه اسم للمكان . حجة الشافعي رضي الله تعالى عنه من وجوه الأول : إنه عليه الصلاة والسلام أحصر بالحديبية ونحر بها ، والحديبية ليست من الحرم ، قال أصحاب أبي حنيفة إنه إنما أصحر في طرف الحديبية الذي هو أسفل مكة ، وهو من الحرم ، قال الواقدي : الحديبية على طرف الحرم على تسعة أميال من مكة ، أجاب القفال رحمه الله في ( تفسيره ) عن هذا السؤال فقال الدليل على أن نحر ذلك الهدي ما وقع في الحرم قوله تعالى : { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا أن يبلغ محله } ( الفتح : 25 ) فبين تعالى أن الكفار منعوا النبي صلى الله عليه وسلم عن إبلاغ الهدي محله الذي كان يريده فدل هذا على أنهم نحروا ذلك الهدي في غير الحرم . الحجة الثانية : أن المحصر سواء كان في الحل أو في الحرم فهو مأمور بنحر الهدي فوجب أن يتمكن في الحل والحرم من نحر الهدى . بيان المقام الأول : أن قوله : { فإن أحصرتم } يتناول كل من كان محصرا سواء كان في الحل / أو في الحرم ، وقوله بعد ذلك : { فما استيسر من الهدى } معناه فما استيسر من الهدي نحوه واجب ، أو معناه فانحروا فانحروا ما استيسر من الهدي ، وعلى التقديرين ثبت أن هذه الآية دالة على أن نحر الهدي واجب على المحصر سواء كان محصرا في الحل أو في الحرم ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون له الذبح في الحل والحرم ، لأن المكلف بالشيء أول درجاته أن يجوز له فعل المأمور به ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المحصر قادرا على إراقة الدم حيث أحصر .
Dio V05/P127–V05/P128Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V05/P127–V05/P128)
Orijinal Metin (AR)الحجة الثالثة : أن الله سبحانه إنما مكن المحصر من التحلل بالذبح ليتمكن من تخليص النفس عن خوف العدو في الحال / فلو لم يجز النحر إلا في الحرم وما لم يحصل النحر لا يحصل التحلل بدلالة الآية ، فعلى هذا التقدير وجب أن لا يحصل التحلل في الحال ، وذلك يناقض ما هو المقصود من شرع هذا الحكم ، ولأن الموصل للنحر إلى الحرم إن كان هو فقد نفى الخوف ، وكيف يؤمن بهذا الفعل من قيام الخوف وإن كان غيره فقد لا يجد ذلك الغير فماذا يفعل ؟ حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه الأول : أن المحل بكسر عين الفعل عبارة عن المكان ، كالمسجد والمجلس فقوله : { حتى يبلغ الهدى محله } يدل على أنه غير بالغ في الحال إلى مكان الحل ، وهو عندكم بالغ محله في الحال / جوابه : المحل عبارة عن الزمان وأن من المشهور إن محل الدين هو وقت وجوبه الثاني : هب أن لفظ المحل يحتمل المكان والزمان إلا أن الله تعالى أزال هذا الإحتمال بقوله { ثم محلها إلى البيت العتيق } ( الحج : 33 ) وفي قوله : { هديا بالغ الكعبة } ( المائدة : 95 ) ولا شك أن المراد منه الحرم فإن البيت عينه لا يراق فيه الدماء . جوابه : قال الشافعي رضي الله عنه : كل ما وجب على المحرم في ماله من بدنة وجزاء هدي فلا يجزي إلا في الحرم لمساكين أهله إلا في موضعين أحدهما : من ساق هديا فعطف في طريقه ذبحه وخلى بينه وبين المساكين والثاني : دم المحصر بالعدو فإنه ينحر حيث حبس ، فالآيات التي ذكرتموها في سائر الدماء فلم قلتم إنها تتناول هذه الصورة الثالث : قالوا : الهدي سمي هديا لأنه جار مجرى الهدية التي يبعثها العبد إلى ربه ، والهدية لا تكون هدية إلا إذا بعثها المهدي إلى دار المهدى إليه وهذا المعنى لا يتصور إلا بجعل موضع الهدي هو الحرم . جوابه : هذا التمسك بالاسم ثم هو محمول على الأفضل عند القدرة الرابع : أن سائر دماء الحج كلها قربة كانت أو كفارة لا تصح إلا في الحرم ، فكذا هذا . جوابه : أن هذا الدم إنما وجب لإزالة الخوف وزوال الخوف إنما يحصل إذا قدر عليه حيث أحصر ، أما لو وجب إرساله إلى الحرم لا يحصل هذا المقصود ، وهذا المعنى غير موجود في سائر الدماء فظهر الفرق . المسألة الثالثة : هذه الآية دالة على أنه لا ينبغي لهم أن يحلوا فيحلقوا رؤوسهم إلا بعد تقديم ما استيسر من الهدي كما أنه أمرهم أن لا يناجوا الرسول إلا بعد تقديم الصدقة . ! 7 < { وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذالك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب } . > 7 ! فيه مسائل : المسألة الأولى : قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في كعب بن عجرة ، قال كعب : مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية ، وكان في شعر رأسي كثير من القمل والصئبان وهو يتناثر على وجهي ، فقال عليه الصلاة والسلام تؤذيك هوام رأسك ؟ قلت : نعم يا رسول الله ، قال أحلق رأسك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والمقصود منها أن المحرم إذا تأذى بالمرض أو بهوام رأسه أبيح له المداواة والحلق بشرط الفدية والله أعلم .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)الحجة الثالثة : أن الله سبحانه إنما مكن المحصر من التحلل بالذبح ليتمكن من تخليص النفس عن خوف العدو في الحال / فلو لم يجز النحر إلا في الحرم وما لم يحصل النحر لا يحصل التحلل بدلالة الآية ، فعلى هذا التقدير وجب أن لا يحصل التحلل في الحال ، وذلك يناقض ما هو المقصود من شرع هذا الحكم ، ولأن الموصل للنحر إلى الحرم إن كان هو فقد نفى الخوف ، وكيف يؤمن بهذا الفعل من قيام الخوف وإن كان غيره فقد لا يجد ذلك الغير فماذا يفعل ؟ حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه الأول : أن المحل بكسر عين الفعل عبارة عن المكان ، كالمسجد والمجلس فقوله : { حتى يبلغ الهدى محله } يدل على أنه غير بالغ في الحال إلى مكان الحل ، وهو عندكم بالغ محله في الحال / جوابه : المحل عبارة عن الزمان وأن من المشهور إن محل الدين هو وقت وجوبه الثاني : هب أن لفظ المحل يحتمل المكان والزمان إلا أن الله تعالى أزال هذا الإحتمال بقوله { ثم محلها إلى البيت العتيق } ( الحج : 33 ) وفي قوله : { هديا بالغ الكعبة } ( المائدة : 95 ) ولا شك أن المراد منه الحرم فإن البيت عينه لا يراق فيه الدماء . جوابه : قال الشافعي رضي الله عنه : كل ما وجب على المحرم في ماله من بدنة وجزاء هدي فلا يجزي إلا في الحرم لمساكين أهله إلا في موضعين أحدهما : من ساق هديا فعطف في طريقه ذبحه وخلى بينه وبين المساكين والثاني : دم المحصر بالعدو فإنه ينحر حيث حبس ، فالآيات التي ذكرتموها في سائر الدماء فلم قلتم إنها تتناول هذه الصورة الثالث : قالوا : الهدي سمي هديا لأنه جار مجرى الهدية التي يبعثها العبد إلى ربه ، والهدية لا تكون هدية إلا إذا بعثها المهدي إلى دار المهدى إليه وهذا المعنى لا يتصور إلا بجعل موضع الهدي هو الحرم . جوابه : هذا التمسك بالاسم ثم هو محمول على الأفضل عند القدرة الرابع : أن سائر دماء الحج كلها قربة كانت أو كفارة لا تصح إلا في الحرم ، فكذا هذا . جوابه : أن هذا الدم إنما وجب لإزالة الخوف وزوال الخوف إنما يحصل إذا قدر عليه حيث أحصر ، أما لو وجب إرساله إلى الحرم لا يحصل هذا المقصود ، وهذا المعنى غير موجود في سائر الدماء فظهر الفرق . المسألة الثالثة : هذه الآية دالة على أنه لا ينبغي لهم أن يحلوا فيحلقوا رؤوسهم إلا بعد تقديم ما استيسر من الهدي كما أنه أمرهم أن لا يناجوا الرسول إلا بعد تقديم الصدقة . ! 7 < { وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذالك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب } . > 7 ! فيه مسائل : المسألة الأولى : قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في كعب بن عجرة ، قال كعب : مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية ، وكان في شعر رأسي كثير من القمل والصئبان وهو يتناثر على وجهي ، فقال عليه الصلاة والسلام تؤذيك هوام رأسك ؟ قلت : نعم يا رسول الله ، قال أحلق رأسك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والمقصود منها أن المحرم إذا تأذى بالمرض أو بهوام رأسه أبيح له المداواة والحلق بشرط الفدية والله أعلم .
Dio V05/P128–V05/P129Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V05/P128–V05/P129)
Orijinal Metin (AR)المسألة الثانية : ففدية رفع لأنه مبتدأ خبره محذوف ، والتقدير : فعليه فدية ، وأيضا ففيه إضمار آخر والتقدير : فحلق فعليه فدية . المسألة الثالثة : قال بعضهم : هذه الآية مختصة بالمحصر ، وذلك لأن قبل بلوغ الهدي محله ربما لحقه مرض أو أذى في رأسه إن صبر فالله أذن له في ذلك بشرط بذل الفدية ، وقال آخرون بل الكلام مستأنف لكل محرم لحقه المرض في بدنه فاحتاج إلى علاج أو لحقه أذى في رأسه فاحتاج إلى الحلق ، فبين الله تعالى أن له ذلك ، وبين ما يجب عليه من الفدية . إذا عرفت هذا فنقول : المرض قد يحوج إلى اللباس ، فتكون الرخصة في اللباس كالرخصة في الحلق ، وقد يكون ذلك بغير المرض من شدة البرد وما شاكله فأبيح له بشرط الفدية ، وقد يحتاج أيضا إلى استعمال الطيب في كثير من الأمراض فيكون الحكم فيه ذاك ، وأما من يكون به أذى / من رأسه فقد يكون ذلك بسبب القمل والصئبان وقد يكون بسبب الصداع وقد يكون عند الخوف من حدوث مرض أو ألم ، وبالجملة فهذا الحكم عام في جميع محظورات الحج . المسألة الرابعة : اختلفوا في أنه هل يقدم الفدية ثم يترخص أو يؤخر الفدية عن الترخص والذي يقتضيه الظاهر أنه يؤخر الفدية عن الترخص لأن الإقدام على الترخص كالعلة في وجوب الفدية فكان مقدما عليه ، وأيضا فقد بينا أن تقدير الآية : فحلق فعليه فدية ، ولا ينتظم الكلام إلا على هذا الحد ، فإذن يجب تأخير الفدية . أما قوله تعالى : { من صيام أو صدقة أو نسك } فالمراد أن تلك الفدية أحد هذه الأمور الثلاثة وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أصل النسك العبادة ، قال ابن الأعرابي النسك سبائك الفضة كل سبيكة منها نسيكة ، ثم قيل للمتعبد : ناسك لأنه خلق نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث ، هذا أصل معنى النسك ، ثم قيل للذبيحة : نسك من أشرف العبادات التي يتقرب بها إلى الله . المسألة الثانية : اتفقوا في النسك على أن أقله شاة ، لأن النسك لا يتأدى إلا بأحد الأمور الثلاثة : الجمل ، والبقرة ، والشاة ، ولما كان أقلها الشاة ، لا جرم كان أقل الواجب في النسك هو الشاة ، أما الصيام والإطعام فليس في الآية ما يدل على كميتهما وكيفيتهما ، وبماذا يحصل بيانه فيه قولان أحدهما : أنه حصل عن كعب بن عجرة ، وهو ما روى أبو داود في سننه أنه عليه الصلاة والسلام لما مر بكعب بن عجرة ورأى كثرة الهوام في رأسه / قال له : احلق ثم اذبح شاة نسكا أو صم ثلاثة أيام ، أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين . والقول الثاني : ما يروى عن ابن عباس والحسن أنهما قالا : الصيام للمتمتع عشرة أيام ، والإطعام مثل ذلك في العدة ، وحجتهما أن الصيام والإطعام لما كانا مجملين في هذا الموضع وجب حملهما على المفسر فيما جاء بعد ذلك ، وهو الذي يلزم المتمتع إذا لم يجد الهدي ، والقول الأول عليه أكثر الفقهاء .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الثانية : ففدية رفع لأنه مبتدأ خبره محذوف ، والتقدير : فعليه فدية ، وأيضا ففيه إضمار آخر والتقدير : فحلق فعليه فدية . المسألة الثالثة : قال بعضهم : هذه الآية مختصة بالمحصر ، وذلك لأن قبل بلوغ الهدي محله ربما لحقه مرض أو أذى في رأسه إن صبر فالله أذن له في ذلك بشرط بذل الفدية ، وقال آخرون بل الكلام مستأنف لكل محرم لحقه المرض في بدنه فاحتاج إلى علاج أو لحقه أذى في رأسه فاحتاج إلى الحلق ، فبين الله تعالى أن له ذلك ، وبين ما يجب عليه من الفدية . إذا عرفت هذا فنقول : المرض قد يحوج إلى اللباس ، فتكون الرخصة في اللباس كالرخصة في الحلق ، وقد يكون ذلك بغير المرض من شدة البرد وما شاكله فأبيح له بشرط الفدية ، وقد يحتاج أيضا إلى استعمال الطيب في كثير من الأمراض فيكون الحكم فيه ذاك ، وأما من يكون به أذى / من رأسه فقد يكون ذلك بسبب القمل والصئبان وقد يكون بسبب الصداع وقد يكون عند الخوف من حدوث مرض أو ألم ، وبالجملة فهذا الحكم عام في جميع محظورات الحج . المسألة الرابعة : اختلفوا في أنه هل يقدم الفدية ثم يترخص أو يؤخر الفدية عن الترخص والذي يقتضيه الظاهر أنه يؤخر الفدية عن الترخص لأن الإقدام على الترخص كالعلة في وجوب الفدية فكان مقدما عليه ، وأيضا فقد بينا أن تقدير الآية : فحلق فعليه فدية ، ولا ينتظم الكلام إلا على هذا الحد ، فإذن يجب تأخير الفدية . أما قوله تعالى : { من صيام أو صدقة أو نسك } فالمراد أن تلك الفدية أحد هذه الأمور الثلاثة وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أصل النسك العبادة ، قال ابن الأعرابي النسك سبائك الفضة كل سبيكة منها نسيكة ، ثم قيل للمتعبد : ناسك لأنه خلق نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث ، هذا أصل معنى النسك ، ثم قيل للذبيحة : نسك من أشرف العبادات التي يتقرب بها إلى الله . المسألة الثانية : اتفقوا في النسك على أن أقله شاة ، لأن النسك لا يتأدى إلا بأحد الأمور الثلاثة : الجمل ، والبقرة ، والشاة ، ولما كان أقلها الشاة ، لا جرم كان أقل الواجب في النسك هو الشاة ، أما الصيام والإطعام فليس في الآية ما يدل على كميتهما وكيفيتهما ، وبماذا يحصل بيانه فيه قولان أحدهما : أنه حصل عن كعب بن عجرة ، وهو ما روى أبو داود في سننه أنه عليه الصلاة والسلام لما مر بكعب بن عجرة ورأى كثرة الهوام في رأسه / قال له : احلق ثم اذبح شاة نسكا أو صم ثلاثة أيام ، أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين . والقول الثاني : ما يروى عن ابن عباس والحسن أنهما قالا : الصيام للمتمتع عشرة أيام ، والإطعام مثل ذلك في العدة ، وحجتهما أن الصيام والإطعام لما كانا مجملين في هذا الموضع وجب حملهما على المفسر فيما جاء بعد ذلك ، وهو الذي يلزم المتمتع إذا لم يجد الهدي ، والقول الأول عليه أكثر الفقهاء .
Dio V05/P129–V05/P130Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V05/P129–V05/P130)
Orijinal Metin (AR)المسألة الثالثة : الآية دلت على حكم من أقدم على شيء من محظورات الحج بعذر ، أم من حلق رأسه عامدا بغير عذر فعند الشافعي رضي الله عنه وأبي حنيفة الواجب عليه الدم ، وقال مالك رضي الله عنه : حكمه حكم من فعل ذلك بعذر ، والآية حجة عليه ، لأن قوله : { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام } يدل على اشتراط هذا الحكم بهذه الأعذار ، والمشروط بالشيء عدم عند عدم الشرط ، وقوله تعالى : { فإذا أمنتم } فاعلم أن تقديره : فإذا أمنتم من الإحصار ، وقوله : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } فيه مسائل : / المسألة الأولى : معنى التمتع التلذذ ، يقال : تمتع بالشيء أي تلذذ به ، والمتاع : كل شيء يتمتع به ، وأصله من قولهم : حبل ماتع أي طويل ، وكل من طالت صحبته مع الشيء فهو متمتع به ، والمتمتع بالعمرة إلى الحج هو أن يقدم مكة فيعتمر في أشهر الحج ، ثم يقيم بمكة حلالا ينشىء منها الحج ، فيحج من عامه ذلك ، وإنما سمي متمتعا لأنه يكون مستمتعا بمحظورات الإحرام فيما بين تحلله من العمرة إلى إحرامه بالحج ، والتمتع على هذا الوجه صحيح لا كراهة فيه ، وههنا نوع آخر من التمتع مكروه ، وهو الذي حذر عنه عمر رضي الله عنه وقال : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما : متعة النساء ومتعة الحج ، والمراد من هذه المتعة أن يجمع بين الإحرامين ثم يفسخ الحج إلى العمرة ويتمتع بها إلى الحج ، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لأصحابه في ذلك ثم نسخ ، روي عن أبي ذر أنه قال : ما كانت متعة الحج إلا لي خاصة ، فكان السبب فيه أنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج ويعدونها من أفجر الفجور فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم إبطال ذلك الإعتقاد عليهم بالغ فيه بأن نقلهم في أشهر الحج من الحج إلى العمرة وهذا سبب لا يشاركهم فيه غيرهم ، فلهذا المعنى كان فسخ الحج خاصا بهم . المسألة الثانية : قوله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة } أي فمن يتمتع بسبب العمرة فكأنه لا يتمتع بالعمرة ولكنه يتمتع بمحظورات الإحرام بسبب إتيانه بالعمرة ، وهذا هو معنى التمتع بالعمرة إلى الحج . أما قوله تعالى : { فما استيسر من الهدى } ففيه مسائل :
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الثالثة : الآية دلت على حكم من أقدم على شيء من محظورات الحج بعذر ، أم من حلق رأسه عامدا بغير عذر فعند الشافعي رضي الله عنه وأبي حنيفة الواجب عليه الدم ، وقال مالك رضي الله عنه : حكمه حكم من فعل ذلك بعذر ، والآية حجة عليه ، لأن قوله : { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام } يدل على اشتراط هذا الحكم بهذه الأعذار ، والمشروط بالشيء عدم عند عدم الشرط ، وقوله تعالى : { فإذا أمنتم } فاعلم أن تقديره : فإذا أمنتم من الإحصار ، وقوله : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } فيه مسائل : / المسألة الأولى : معنى التمتع التلذذ ، يقال : تمتع بالشيء أي تلذذ به ، والمتاع : كل شيء يتمتع به ، وأصله من قولهم : حبل ماتع أي طويل ، وكل من طالت صحبته مع الشيء فهو متمتع به ، والمتمتع بالعمرة إلى الحج هو أن يقدم مكة فيعتمر في أشهر الحج ، ثم يقيم بمكة حلالا ينشىء منها الحج ، فيحج من عامه ذلك ، وإنما سمي متمتعا لأنه يكون مستمتعا بمحظورات الإحرام فيما بين تحلله من العمرة إلى إحرامه بالحج ، والتمتع على هذا الوجه صحيح لا كراهة فيه ، وههنا نوع آخر من التمتع مكروه ، وهو الذي حذر عنه عمر رضي الله عنه وقال : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما : متعة النساء ومتعة الحج ، والمراد من هذه المتعة أن يجمع بين الإحرامين ثم يفسخ الحج إلى العمرة ويتمتع بها إلى الحج ، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لأصحابه في ذلك ثم نسخ ، روي عن أبي ذر أنه قال : ما كانت متعة الحج إلا لي خاصة ، فكان السبب فيه أنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج ويعدونها من أفجر الفجور فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم إبطال ذلك الإعتقاد عليهم بالغ فيه بأن نقلهم في أشهر الحج من الحج إلى العمرة وهذا سبب لا يشاركهم فيه غيرهم ، فلهذا المعنى كان فسخ الحج خاصا بهم . المسألة الثانية : قوله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة } أي فمن يتمتع بسبب العمرة فكأنه لا يتمتع بالعمرة ولكنه يتمتع بمحظورات الإحرام بسبب إتيانه بالعمرة ، وهذا هو معنى التمتع بالعمرة إلى الحج . أما قوله تعالى : { فما استيسر من الهدى } ففيه مسائل :
Dio V05/P130–V05/P131Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V05/P130–V05/P131)
Orijinal Metin (AR)المسألة الأولى : قال أصحابنا : لوجوب دم التمتع خمس شرائط أحدها : أن يقدم العمرة على الحج والثاني : أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ، فإن أحرم بها قبل أشهر الحج وأتى بشيء من الطواف وإن كان شرطا واحدا ثم أكمل باقيه في أشهر الحج وحج في هذه السنة لم يلزمه دم لأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج ، وإن أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج ، وأتى بأعمالها في أشهر الحج ، فيه قولان : قال في ( الأم ) وهو الأصح : لا يلزمه دم التمتع لأنه أتى بركن من أركان العمرة قبل أشهر الحج ، كما لو طاق قبله ، وقال في ( القديم والإملاء ) : يلزمه ذلك ويجعل استدامة الإحرام في أشهر الحج كابتدائه ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : إذا أتى ببعض الطواف قبل أشهر الحج فهو متمتع إذا لم يأت بأكثره الشرط الثالث : أن يحج في هذه السنة ، فإن حج في سنة أخرى لا يلزمه الدم ، لأنه لم يوجد مزاحمة الحج والعمرة في عام واحد الشرط الرابع : أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام لقوله تعالى : { ذالك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام } وحاضر المسجد الحرام من كان أهله على مسافة أقل من مسافة القصر ، فإن كان على مسافة القصر فليس من الحاضرين ، وهذه المسافة تعتبر من مكة أو من الحرم ، وفيه وجهان الشرط الخامس : أن يحرم بالحج من / جوف مكة بعد الفراغ من العمرة فإن عاد إلى الميقات فأحرم بالحج لا يلزمه دم التمتع لأن لزوم الدم لترك الإحرام من الميقات ولم يوجد ، فهذه هي الشروط المعتبرة في لزوم دم التمتع . المسألة الثانية : قال الشافعي رضي الله عنه : دم التمتع دم جبران الإساءة ، فلا يجوز له أن يأكل منه ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : إنه دم نسك ويأكل منه ، حجة الشافعي من وجوه : الحجة الأولى : أن التمتع حصل فيه خلل فوجب أن يكون الدم دم جبران ، بيان حصول الخلل فيه من وجوه ثلاثة الأول : روي أن عثمان كان ينهي عن المتعة فقال له علي رضي الله عنهما : عمدت إلى رخصة بسبب الحاجة والغربة ، وذلك يدل على حصول نقص فيها الثاني : أنه تعالى سماه تمتعا ، والتمتع عبارة عن التلذذ والإرتفاع ، ومبنى العبادة على المشقة ، فيدل على أنه حصل في كونه عبادة نوع خلل الثالث : وهو بيان الخلل على سبيل التفصيل : أن في التمتع صار السفر للعمرة ، وكان من حقه أن يكون للحج ، فإن الحج الأكبر هو الحج ، وأيضا حصل الترفه وقت الإحلال بينهما وذلك خلل ، وأيضا كان من حقه جعل الميقات للحج ، فإنه أعظم ، فلما جعل الميقات للعمرة كان ذلك نوع خلل ، وإذا ثبت كون الخلل في هذا الحج وجب جعل الدم دم جبران لا دم نسك . الحجة الثانية : أن الدم ليس بنسك أصلي من مناسك الحج أو العمرة كما لو أفرد بهما ، وكما في حق المكي ، والجمع بين العبادتين لا يوجب الدم أيضا بدليل أن من جمع بين الصلاة والصوم والإعتكاف لا يلزمه الدم ، فثبت بهذا أن هذا الدم ليس دم نسك فلا بد وأن يكون دم جبران . الحجة الثالثة : أن الله تعالى أوجب الهدي على التمتع بلا توقيت ، وكونه غير مؤقت دليل على أنه دم جبران لأن المناسك كلها مؤقتة .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الأولى : قال أصحابنا : لوجوب دم التمتع خمس شرائط أحدها : أن يقدم العمرة على الحج والثاني : أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ، فإن أحرم بها قبل أشهر الحج وأتى بشيء من الطواف وإن كان شرطا واحدا ثم أكمل باقيه في أشهر الحج وحج في هذه السنة لم يلزمه دم لأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج ، وإن أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج ، وأتى بأعمالها في أشهر الحج ، فيه قولان : قال في ( الأم ) وهو الأصح : لا يلزمه دم التمتع لأنه أتى بركن من أركان العمرة قبل أشهر الحج ، كما لو طاق قبله ، وقال في ( القديم والإملاء ) : يلزمه ذلك ويجعل استدامة الإحرام في أشهر الحج كابتدائه ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : إذا أتى ببعض الطواف قبل أشهر الحج فهو متمتع إذا لم يأت بأكثره الشرط الثالث : أن يحج في هذه السنة ، فإن حج في سنة أخرى لا يلزمه الدم ، لأنه لم يوجد مزاحمة الحج والعمرة في عام واحد الشرط الرابع : أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام لقوله تعالى : { ذالك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام } وحاضر المسجد الحرام من كان أهله على مسافة أقل من مسافة القصر ، فإن كان على مسافة القصر فليس من الحاضرين ، وهذه المسافة تعتبر من مكة أو من الحرم ، وفيه وجهان الشرط الخامس : أن يحرم بالحج من / جوف مكة بعد الفراغ من العمرة فإن عاد إلى الميقات فأحرم بالحج لا يلزمه دم التمتع لأن لزوم الدم لترك الإحرام من الميقات ولم يوجد ، فهذه هي الشروط المعتبرة في لزوم دم التمتع . المسألة الثانية : قال الشافعي رضي الله عنه : دم التمتع دم جبران الإساءة ، فلا يجوز له أن يأكل منه ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : إنه دم نسك ويأكل منه ، حجة الشافعي من وجوه : الحجة الأولى : أن التمتع حصل فيه خلل فوجب أن يكون الدم دم جبران ، بيان حصول الخلل فيه من وجوه ثلاثة الأول : روي أن عثمان كان ينهي عن المتعة فقال له علي رضي الله عنهما : عمدت إلى رخصة بسبب الحاجة والغربة ، وذلك يدل على حصول نقص فيها الثاني : أنه تعالى سماه تمتعا ، والتمتع عبارة عن التلذذ والإرتفاع ، ومبنى العبادة على المشقة ، فيدل على أنه حصل في كونه عبادة نوع خلل الثالث : وهو بيان الخلل على سبيل التفصيل : أن في التمتع صار السفر للعمرة ، وكان من حقه أن يكون للحج ، فإن الحج الأكبر هو الحج ، وأيضا حصل الترفه وقت الإحلال بينهما وذلك خلل ، وأيضا كان من حقه جعل الميقات للحج ، فإنه أعظم ، فلما جعل الميقات للعمرة كان ذلك نوع خلل ، وإذا ثبت كون الخلل في هذا الحج وجب جعل الدم دم جبران لا دم نسك . الحجة الثانية : أن الدم ليس بنسك أصلي من مناسك الحج أو العمرة كما لو أفرد بهما ، وكما في حق المكي ، والجمع بين العبادتين لا يوجب الدم أيضا بدليل أن من جمع بين الصلاة والصوم والإعتكاف لا يلزمه الدم ، فثبت بهذا أن هذا الدم ليس دم نسك فلا بد وأن يكون دم جبران . الحجة الثالثة : أن الله تعالى أوجب الهدي على التمتع بلا توقيت ، وكونه غير مؤقت دليل على أنه دم جبران لأن المناسك كلها مؤقتة .
Dio V05/P131Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V05/P131)
Orijinal Metin (AR)الحجة الرابعة : أن للصوم فيه مدخلا ، ودم النسك لا يبدل بالصوم ، وإذا عرفت صحة ما ذكرنا فنقول : أن الله تعالى ألزم المكلف إتمام الحج في قوله : { وأتموا الحج والعمرة لله } وقد دللنا على أن حج التمتع غير تام ، فلهذا قال تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى } وذلك لأن تمتعكم يوقع نقصا في حجتكم فأجبروه بالهدي لتكمل به حجتكم فهذا معنى حسن مفهوم من سياق الآية وهو لا يتقرر إلا على مذهب الشافعي رضي الله عنه . المسألة الثالثة : الدم الواجب بالتمتع : دم شاة جذعة من الضأن أو ثنية من المعز ، ولو تشارك ستة في بقرة أو بدنة جاز ، ووقت وجوبه بعدما أحرم بالحج ، لأن الفاء في قوله : { فما استيسر من الهدى } يدل على أنه وجب عقيب التمتع ، ويستحب أن يذبح يوم النحر ، فلو ذبح بعد ما أحرم بالحج جاز لأن التمتع قد تحقق ، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه لا يجوز ، وأصل هذا أن دم التمتع عندنا دم جبران كسائر دماء الجبرانات ، وعنده دم نسك كدم الأضحية فيختص / بيوم النحر . أما قوله تعالى : { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } فالمعنى أن المتمتع إن وجد الهدي فلا كلام وإن لم يجد فقد بين الله تعالى بدله من الصيام ، فلهذا الهدي أفضل أم الصيام ؟ الظاهر أن يكون المبدل الذي هو الأصل أفضل ، لكنه تعالى بين في هذا البدل أنه في الكمال والثواب كالهدي وهو كقوله : { تلك عشرة كاملة } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : الآية نص فيما إذا لم يجد الهدي ، والفقهاء قاسوا عليه ما إذا وجد الهدي ولم يجد ثمنه ، أو كان ماله غائبا ، أو يباع بثمن غال فهنا أيضا يعدل إلى الصوم . المسألة الثانية : قوله : { فصيام ثلاثة أيام في الحج } أي فعليه ثلاثة أيام وقت اشتغاله بالحج ويتفرع عليه مسألة فقهية ، وهي أن المتمتع إذا لم يجد الهدي لا يصح صومه بعد إحرام العمرة قبل إحرام الحج ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : يصح حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه الأول : أنه صام قبل وقته فلا يجوز كمن صام رمضان قبله ، وكما إذا صام السبعة أيام قبل الرجوع وإنما قلنا : إنه صام قبل وقته ، لأن الله تعالى قال : { فصيام ثلاثة أيام في الحج } وأراد به إحرام الحج ، لأن سائر أفعال الحج لا تصلح طرفا للصوم ، والإحرام يصلح فوجب حمله عليه الثاني : أن ما قبل الإحرام بالحج ليس بوقت للهدي الذي هو أفضل ، فكذا لا يكون وقتا للصوم الذي هو بدله اعتبار بسائر الأصول والإبدال ، وتحقيقه أن البدل حال عدم الأصل يقوم مقامه فيصير في الحكم كأنه الأصل ، فلا يجوز أن يحصل في وقت لو وجد الأصل لم يجز إذا عرفت هذا فنقول : اتفقوا على أنه يجوز بعد الشروع في الحج إلى يوم النحر والأصح أنه لا يجوز يوم النحر ولا أيام التشريق لقوله عليه الصلاة والسلام : ( ولا تصوموا في هذه الأيام ) والمستحب أن يصوم في أيام الحج حيث يكون يوم عرفة مفطرا .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)الحجة الرابعة : أن للصوم فيه مدخلا ، ودم النسك لا يبدل بالصوم ، وإذا عرفت صحة ما ذكرنا فنقول : أن الله تعالى ألزم المكلف إتمام الحج في قوله : { وأتموا الحج والعمرة لله } وقد دللنا على أن حج التمتع غير تام ، فلهذا قال تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى } وذلك لأن تمتعكم يوقع نقصا في حجتكم فأجبروه بالهدي لتكمل به حجتكم فهذا معنى حسن مفهوم من سياق الآية وهو لا يتقرر إلا على مذهب الشافعي رضي الله عنه . المسألة الثالثة : الدم الواجب بالتمتع : دم شاة جذعة من الضأن أو ثنية من المعز ، ولو تشارك ستة في بقرة أو بدنة جاز ، ووقت وجوبه بعدما أحرم بالحج ، لأن الفاء في قوله : { فما استيسر من الهدى } يدل على أنه وجب عقيب التمتع ، ويستحب أن يذبح يوم النحر ، فلو ذبح بعد ما أحرم بالحج جاز لأن التمتع قد تحقق ، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه لا يجوز ، وأصل هذا أن دم التمتع عندنا دم جبران كسائر دماء الجبرانات ، وعنده دم نسك كدم الأضحية فيختص / بيوم النحر . أما قوله تعالى : { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } فالمعنى أن المتمتع إن وجد الهدي فلا كلام وإن لم يجد فقد بين الله تعالى بدله من الصيام ، فلهذا الهدي أفضل أم الصيام ؟ الظاهر أن يكون المبدل الذي هو الأصل أفضل ، لكنه تعالى بين في هذا البدل أنه في الكمال والثواب كالهدي وهو كقوله : { تلك عشرة كاملة } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : الآية نص فيما إذا لم يجد الهدي ، والفقهاء قاسوا عليه ما إذا وجد الهدي ولم يجد ثمنه ، أو كان ماله غائبا ، أو يباع بثمن غال فهنا أيضا يعدل إلى الصوم . المسألة الثانية : قوله : { فصيام ثلاثة أيام في الحج } أي فعليه ثلاثة أيام وقت اشتغاله بالحج ويتفرع عليه مسألة فقهية ، وهي أن المتمتع إذا لم يجد الهدي لا يصح صومه بعد إحرام العمرة قبل إحرام الحج ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : يصح حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه الأول : أنه صام قبل وقته فلا يجوز كمن صام رمضان قبله ، وكما إذا صام السبعة أيام قبل الرجوع وإنما قلنا : إنه صام قبل وقته ، لأن الله تعالى قال : { فصيام ثلاثة أيام في الحج } وأراد به إحرام الحج ، لأن سائر أفعال الحج لا تصلح طرفا للصوم ، والإحرام يصلح فوجب حمله عليه الثاني : أن ما قبل الإحرام بالحج ليس بوقت للهدي الذي هو أفضل ، فكذا لا يكون وقتا للصوم الذي هو بدله اعتبار بسائر الأصول والإبدال ، وتحقيقه أن البدل حال عدم الأصل يقوم مقامه فيصير في الحكم كأنه الأصل ، فلا يجوز أن يحصل في وقت لو وجد الأصل لم يجز إذا عرفت هذا فنقول : اتفقوا على أنه يجوز بعد الشروع في الحج إلى يوم النحر والأصح أنه لا يجوز يوم النحر ولا أيام التشريق لقوله عليه الصلاة والسلام : ( ولا تصوموا في هذه الأيام ) والمستحب أن يصوم في أيام الحج حيث يكون يوم عرفة مفطرا .
Dio V05/P131–V05/P132Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V05/P131–V05/P132)
Orijinal Metin (AR)المسألة الثالثة : اختلفوا في المراد من الرجوع في قوله : { إذا رجعتم } فقال الشافعي رضي الله عنه في ( الجديد ) : هو الرجوع إلى الأهل والوطن ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : المراد من الرجوع الفراغ من أعمال الحج والأخذ في الرجوع ، ويتفرع عليه أنه إذا صام الأيام السبعة بعد الرجوع عن الحج ، وقبل الوصية إلى بيته ، لا يجزيه عند الشافعي رضي الله عنه ، ويجزيه عند أبي حنيفة رحمه الله ، حجة الشافعي وجوه الأول : قوله : { إذا رجعتم } معناه إلى الوطن ، فإن الله تعالى جعل الرجوع إلى الوطن شرطا وما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط والرجوع إلى الوطن لا يحصل إلا عند الانتهاء إلى الوطن فقبله لم يوجد الشرط فوجب أن لا يوجد المشروط ويتأكد ما قلنا بأنه لو مات قبل الوصول إلى الوطن لم يكن عليه شيء الثاني : ما روي عن ابن عباس قال : لما قدمنا مكة قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي ) فطفنا / بالبيت وبالصفا والمروة ، وأتينا النساء ، ولبسنا الثياب ، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج ، فلما فرغنا قال : ( عليكم الهدي فإن لم تجدوا فصيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجعتم إلى إمصاركم ) الثالث : أن الله تعالى أسقط الصوم عن المسافر في رمضان . فصوم التمتع أخف شأنا منه . المسألة الرابعة : قرأ ابن أبي عبلة { سبعة } بالنصب عطفا على محل ثلاثة أيام كأنه قيل : فصيام ثلاثة أيام ، كقوله : { أو إطعام فى يوم ذى مسغبة يتيما } ( البلد : 14 ) . أما قوله تعالى : { تلك عشرة كاملة } فقد طعن الملحدون لعنهم الله فيه من وجهين أحدهما : أن المعلوم بالضرورة أن الثلاثة والسبعة عشرة فذكره يكون إيضاحا للواضح والثاني : أن قوله : { كاملة } يوهم وجود عشرة غير كاملة في كونها عشرة وذلك محال ، والعلماء ذكروا أنواعا من الفوائد في هذا الكلام الأول : أن الواو في قوله : { وسبعة إذا رجعتم } ليس نصا قاطعا في الجمع بل قد تكون بمعنى أو كما في قوله : { مثنى وثلاث ورباع } ( النساء : 3 ) وكما في قولهم : جالس الحسن وابن سيرين أي جالس هذا أو هذا ، فالله تعالى ذكر قوله : { عشرة كاملة } إزالة لهذا الوهم النوع الثاني : أن المعتاد أن يكون البدل أضعف حالا من المبدل كما في التيمم مع الماء فالله تعالى بين أن هذا البدل ليس كذلك ، بل هو كامل في كونه قائما مقام المبدل ليكون الفاقد للهدي المتحمل لكلفة الصوم ساكن النفس إلى ما حصل له من الأجر الكامل من عند الله ، وذكر العشرة إنما هو لصحة التوصل به إلى قوله : { كاملة } كأنه لو قال : تلك كاملة ، جوز أن يراد به الثلاثة المفردة عن السبعة ، أو السبعة المفردة عن الثلاثة ، فلا بد في هذا من ذكر العشرة ، ثم اعلم أن قوله : { كاملة } يحتمل بيان الكمال من ثلاثة أوجه أحدها : أنها كاملة في البدل عن الهدي قائمة مقامه وثانيها : أنها كاملة في أن ثواب صاحبه كامل مثل ثواب من يأتي بالهدي من القادرين عليه وثالثها : أنها كاملة في أن حج المتمتع إذا أتى بهذا الصيام يكون كاملا ، مثل حج من لم يأت بهذا التمتع .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الثالثة : اختلفوا في المراد من الرجوع في قوله : { إذا رجعتم } فقال الشافعي رضي الله عنه في ( الجديد ) : هو الرجوع إلى الأهل والوطن ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : المراد من الرجوع الفراغ من أعمال الحج والأخذ في الرجوع ، ويتفرع عليه أنه إذا صام الأيام السبعة بعد الرجوع عن الحج ، وقبل الوصية إلى بيته ، لا يجزيه عند الشافعي رضي الله عنه ، ويجزيه عند أبي حنيفة رحمه الله ، حجة الشافعي وجوه الأول : قوله : { إذا رجعتم } معناه إلى الوطن ، فإن الله تعالى جعل الرجوع إلى الوطن شرطا وما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط والرجوع إلى الوطن لا يحصل إلا عند الانتهاء إلى الوطن فقبله لم يوجد الشرط فوجب أن لا يوجد المشروط ويتأكد ما قلنا بأنه لو مات قبل الوصول إلى الوطن لم يكن عليه شيء الثاني : ما روي عن ابن عباس قال : لما قدمنا مكة قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي ) فطفنا / بالبيت وبالصفا والمروة ، وأتينا النساء ، ولبسنا الثياب ، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج ، فلما فرغنا قال : ( عليكم الهدي فإن لم تجدوا فصيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجعتم إلى إمصاركم ) الثالث : أن الله تعالى أسقط الصوم عن المسافر في رمضان . فصوم التمتع أخف شأنا منه . المسألة الرابعة : قرأ ابن أبي عبلة { سبعة } بالنصب عطفا على محل ثلاثة أيام كأنه قيل : فصيام ثلاثة أيام ، كقوله : { أو إطعام فى يوم ذى مسغبة يتيما } ( البلد : 14 ) . أما قوله تعالى : { تلك عشرة كاملة } فقد طعن الملحدون لعنهم الله فيه من وجهين أحدهما : أن المعلوم بالضرورة أن الثلاثة والسبعة عشرة فذكره يكون إيضاحا للواضح والثاني : أن قوله : { كاملة } يوهم وجود عشرة غير كاملة في كونها عشرة وذلك محال ، والعلماء ذكروا أنواعا من الفوائد في هذا الكلام الأول : أن الواو في قوله : { وسبعة إذا رجعتم } ليس نصا قاطعا في الجمع بل قد تكون بمعنى أو كما في قوله : { مثنى وثلاث ورباع } ( النساء : 3 ) وكما في قولهم : جالس الحسن وابن سيرين أي جالس هذا أو هذا ، فالله تعالى ذكر قوله : { عشرة كاملة } إزالة لهذا الوهم النوع الثاني : أن المعتاد أن يكون البدل أضعف حالا من المبدل كما في التيمم مع الماء فالله تعالى بين أن هذا البدل ليس كذلك ، بل هو كامل في كونه قائما مقام المبدل ليكون الفاقد للهدي المتحمل لكلفة الصوم ساكن النفس إلى ما حصل له من الأجر الكامل من عند الله ، وذكر العشرة إنما هو لصحة التوصل به إلى قوله : { كاملة } كأنه لو قال : تلك كاملة ، جوز أن يراد به الثلاثة المفردة عن السبعة ، أو السبعة المفردة عن الثلاثة ، فلا بد في هذا من ذكر العشرة ، ثم اعلم أن قوله : { كاملة } يحتمل بيان الكمال من ثلاثة أوجه أحدها : أنها كاملة في البدل عن الهدي قائمة مقامه وثانيها : أنها كاملة في أن ثواب صاحبه كامل مثل ثواب من يأتي بالهدي من القادرين عليه وثالثها : أنها كاملة في أن حج المتمتع إذا أتى بهذا الصيام يكون كاملا ، مثل حج من لم يأت بهذا التمتع .
Dio V05/P132–V05/P133Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V05/P132–V05/P133)
Orijinal Metin (AR)النوع الثالث : أن الله تعالى إذا قال : أوجبت عليكم الصيام عشرة أيام ، لم يبعد أن يكون هناك دليل يقتضي خروج بعض هذه الأيام عن هذا اللفظ ، فإن تخصيص العام كثير في الشرع والعرف ، فلو قال : ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ، بقي احتمال أن يكون مخصوصا بحسب بعض الدلائل المخصصة ، فإذا قال بعده : تلك عشرة كاملة فهذا يكون تنصيصا على أن هذا المخصص لم يوجد ألبتة ، فتكون دلالته أقوى واحتماله للتخصيص والنسخ أبعد . النوع الرابع : أن مراتب الأعداد أربعة : آحاد ، وعشرات ، ومئين ، وألوف ، وما وراء ذلك فأما أن يكون مركبا أو مكسورا ، وكون العشرة عددا موصوفا بالكمال بهذا التفسير أمر يحتاج إلى التعريف ، فصار تقدير الكلام : إنما أوجبت هذا العدد لكونه عددا موصوفا بصفة الكمال خاليا عن الكسر والتركيب . / النوع الخامس : أن التوكيد طريقة مشهورة في كلام العرب ، كقوله : { ولاكن تعمى القلوب التى فى الصدور } ( الحج : 46 ) وقال : { ولا طائر يطير بجناحيه } والفائدة فيه أن الكلام الذي يعبر عنه بالعبارات الكثيرة ويعرف بالصفات الكثيرة ، أبعد عن السهو والنسيان من الكلام الذي يعبر عنه بالعبارة الواحدة ، فالتعبير بالعبادات الكثيرة يدل على كونه في نفسه مشتملا على مصالح كثيرة ولا يجوز الإخلال بها ، أما ما عبر عنه بعبارة واحدة فإنه لا يعلم منه كونه مصلحة مهمة لا يجوز الإخلال بها ، وإذا كان التوكيد مشتملا على هذه الحكمة كان ذكره في هذا الموضع دلالة على أن رعاية العدد في هذا الصوم من المهمات التي لا يجوز إهمالها ألبتة . النوع السادس : في بيان فائدة هذا الكلام أن هذا الخطاب مع العرب ، ولم يكونوا أهل حساب ، فبين الله تعالى ذلك بيانا قاطعا للشك والريب ، وهذا كما روي أنه قال في الشهر : هكذا وهكذا وأشار بيديه ثلاثا ، وأشار مرة أخرى وأمسك إبهامه في الثالثة منبها بالإشارة الأولى على ثلاثين ، وبالثانية على تسعة وعشرين . النوع السابع : أن هذا الكلام يزيل الإبهام المتولد من تصحيف الخط ، وذلك لأن سبعة وتسعة متشابهتان في الخط ، فإذا قال بعده تلك عشرة كاملة زال هذا الاشتباه . النوع الثامن : أن قوله : { فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم } يحتمل أن يكون المراد منه أن يكون الواجب بعد الرجوع أن يكمل سبعة أيام ، على أنه يحسب من هذه السبعة تلك الثلاثة المتقدمة ، حتى يكون الباقي عليه بعد من الحج أربعة سوى تلك الثلاثة المتقدمة ، ويحتمل أن يكون المراد منه أن يكون الواجب بعد الرجوع سبعة سوى تلك الثلاثة المتقدمة ، فهذا الكلام محتمل لهذين الوجهين ، فإذا قال بعده تلك عشة كاملة زال هذا الإشكال ، وبين أن الواجب بعد الرجوع سبعة سوى الثلاثة المتقدمة . النوع التاسع : أن اللفظ وإن كان خبرا لكن المعنى أمر والتقدير : فلتكن تلك الصيامات صيامات كاملة لأن الحج المأمور به حج تام على ما قال : { وأتموا الحج والعمرة لله } وهذه الصيامات جبرانات للخلل الواقع في ذلك الحج ، فلتكن هذه الصيامات صيامات كاملة حتى يكون جابرا للخلل الواقع في ذلك الحج ، الذي يجب أن يكون تاما كاملا ، والمراد بكون هذه الصيامات كاملة ما ذكرنا في بيان كون الحج تاما ، وإنما عدل عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر لأن التكليف بالشيء إذا كان متأكدا جدا فالظاهر دخول المكلف به في الوجود ، فلهذا السبب جاز أن يجعل الإخبار عن الشيء بالوقوع كناية عن تأكد الأمر به ، ومبالغة الشرع في إيجابه .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)النوع الثالث : أن الله تعالى إذا قال : أوجبت عليكم الصيام عشرة أيام ، لم يبعد أن يكون هناك دليل يقتضي خروج بعض هذه الأيام عن هذا اللفظ ، فإن تخصيص العام كثير في الشرع والعرف ، فلو قال : ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ، بقي احتمال أن يكون مخصوصا بحسب بعض الدلائل المخصصة ، فإذا قال بعده : تلك عشرة كاملة فهذا يكون تنصيصا على أن هذا المخصص لم يوجد ألبتة ، فتكون دلالته أقوى واحتماله للتخصيص والنسخ أبعد . النوع الرابع : أن مراتب الأعداد أربعة : آحاد ، وعشرات ، ومئين ، وألوف ، وما وراء ذلك فأما أن يكون مركبا أو مكسورا ، وكون العشرة عددا موصوفا بالكمال بهذا التفسير أمر يحتاج إلى التعريف ، فصار تقدير الكلام : إنما أوجبت هذا العدد لكونه عددا موصوفا بصفة الكمال خاليا عن الكسر والتركيب . / النوع الخامس : أن التوكيد طريقة مشهورة في كلام العرب ، كقوله : { ولاكن تعمى القلوب التى فى الصدور } ( الحج : 46 ) وقال : { ولا طائر يطير بجناحيه } والفائدة فيه أن الكلام الذي يعبر عنه بالعبارات الكثيرة ويعرف بالصفات الكثيرة ، أبعد عن السهو والنسيان من الكلام الذي يعبر عنه بالعبارة الواحدة ، فالتعبير بالعبادات الكثيرة يدل على كونه في نفسه مشتملا على مصالح كثيرة ولا يجوز الإخلال بها ، أما ما عبر عنه بعبارة واحدة فإنه لا يعلم منه كونه مصلحة مهمة لا يجوز الإخلال بها ، وإذا كان التوكيد مشتملا على هذه الحكمة كان ذكره في هذا الموضع دلالة على أن رعاية العدد في هذا الصوم من المهمات التي لا يجوز إهمالها ألبتة . النوع السادس : في بيان فائدة هذا الكلام أن هذا الخطاب مع العرب ، ولم يكونوا أهل حساب ، فبين الله تعالى ذلك بيانا قاطعا للشك والريب ، وهذا كما روي أنه قال في الشهر : هكذا وهكذا وأشار بيديه ثلاثا ، وأشار مرة أخرى وأمسك إبهامه في الثالثة منبها بالإشارة الأولى على ثلاثين ، وبالثانية على تسعة وعشرين . النوع السابع : أن هذا الكلام يزيل الإبهام المتولد من تصحيف الخط ، وذلك لأن سبعة وتسعة متشابهتان في الخط ، فإذا قال بعده تلك عشرة كاملة زال هذا الاشتباه . النوع الثامن : أن قوله : { فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم } يحتمل أن يكون المراد منه أن يكون الواجب بعد الرجوع أن يكمل سبعة أيام ، على أنه يحسب من هذه السبعة تلك الثلاثة المتقدمة ، حتى يكون الباقي عليه بعد من الحج أربعة سوى تلك الثلاثة المتقدمة ، ويحتمل أن يكون المراد منه أن يكون الواجب بعد الرجوع سبعة سوى تلك الثلاثة المتقدمة ، فهذا الكلام محتمل لهذين الوجهين ، فإذا قال بعده تلك عشة كاملة زال هذا الإشكال ، وبين أن الواجب بعد الرجوع سبعة سوى الثلاثة المتقدمة . النوع التاسع : أن اللفظ وإن كان خبرا لكن المعنى أمر والتقدير : فلتكن تلك الصيامات صيامات كاملة لأن الحج المأمور به حج تام على ما قال : { وأتموا الحج والعمرة لله } وهذه الصيامات جبرانات للخلل الواقع في ذلك الحج ، فلتكن هذه الصيامات صيامات كاملة حتى يكون جابرا للخلل الواقع في ذلك الحج ، الذي يجب أن يكون تاما كاملا ، والمراد بكون هذه الصيامات كاملة ما ذكرنا في بيان كون الحج تاما ، وإنما عدل عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر لأن التكليف بالشيء إذا كان متأكدا جدا فالظاهر دخول المكلف به في الوجود ، فلهذا السبب جاز أن يجعل الإخبار عن الشيء بالوقوع كناية عن تأكد الأمر به ، ومبالغة الشرع في إيجابه .
Dio V05/P133–V05/P134Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V05/P133–V05/P134)
Orijinal Metin (AR)النوع العاشر : أنه سبحانه وتعالى لما أمر بصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد الرجوع من الحج ، فليس في هذا القدر بيان أنه طاعة عظيمة كاملة عند الله سبحانه وتعالى ، فلما قال / بعده : { تلك عشرة كاملة } دل ذلك على أن هذه الطاعة في غاية الكمال ، وذلك لأن الصوم مضاف إلى الله تعالى بلام الإختصاص على ما قال تعالى : { يأذن لى } والحج أيضا مضاف إلى الله تعالى بلام الإختصاص ، على ما قال : { وأتموا الحج والعمرة لله } وكما دل النص على مزيد اختصاص لهاتين العبادتين بالله سبحانه وتعالى ، فالعقل دل أيضا على ذلك ، أما في حق الصوم فلأنه عبادة لا يطلع العقل ألبتة على وجه الحكمة فيها ، وهو مع ذلك شاق على النفس جدا ، فلا جرم لا يؤتى به إلا لمحض مرضاة الله تعالى ، والحج أيضا عبادة لا يطلع العقل ألبتة على وجه الحكمة فيها ، وهو مع ذلك شاق جدا لأنه يوجب مفارقة الأهل والوطن ، ويوجب التباعد عن أكثر اللذات ، فلا جرم لا يؤتى به إلا لمحض مرضاته ، ثم إن هذه الأيام العشرة بعضه واقع في زمان الحج فيكون جمعا بين شيئين شاقين جدا ، وبعضه واقع بعد الفراغ من الحج وهو انتقال من شاق إلى شاق ، ومعلوم أن ذلك سبب لكثرة الثواب وعلو الدرجة فلا جرم أوجب الله تعلى صيام هذه الأيام العشرة ، وشهد سبحانه على أنه عبادة في غاية الكمال والعلو ، فقال : { تلك عشرة كاملة } فإن التنكير في هذا الموضع يدل على تعظيم الحال ، فكأنه قال : عشرة وأية عشرة ، عشرة كاملة ، فقد ظهر بهذه الوجوه العشرة اشتمال هذه الكلمة على هذه الفوائد النفيسة ، وسقط بهذا البيان طعن الملحدين في هذه الآية والحمد لله رب العالمين . أما قوله تعالى : { ذالك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : { ذالك } إشارة إلى ما تقدم ، وأقرب الأمور المذكورة ذكر ما يلزم المتمتع من الهدي وبدله ، وأبعد منهم ذكر تمتعهم . فلهذا السبب اختلفوا ، فقال الشافعي رضي الله عنه ، إنه راجع إلى الأقرب ، وهو لزوم الهدي وبدله على المتمتع ، أي إنما يكون إذا لم يكن المتمتع من حاضري المسجد الحرام ، فأما إذا كان من أهل الحرم فإنه لا يلزمه الهدي ولا بدله ، وذلك لأن عند الشافعي رضي الله عنه هذا الهدي إنما لزم الآفاقي لأنه كان من الواجب عليه أن يحرم عن الحج من الميقات : فلما أحرم من الميقات عن العمرة ، ثم أحرم عن الحج لا من الميقات ، فقد حصل هناك الخلل فجعل مجبورا بهذا الدم ، والمكي لا يجب عليه أن يحرم من الميقات ، فإقدامه على التمتع لا يوقع خللا في حجه ، فلا جرم لا يجب عليه الهدي ولا بدل ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : إن قوله : { ذالك } إشارة إلى الأبعد ، وهو ذكر التمتع ، وعنده لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام ، ومن تمتع أو قرن كان عليه دم هو دم جناية لا يأكل منه ، حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه . الحجة الأولى : قوله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } عام يدخل فيه الحرمي . الحجة الثانية : قوله : { ذالك } كناية فوجب عودها إلى المذكور الأقرب ، وهو وجوب / الهدي ، وإذا خص إيجاد الهدي بالمتمتع الذي يكون آفاقيا لزم القطع بأن غير الأفاقي قد يكون أيضا متمتعا . الحجة الثالثة : أن الله تعالى شرع القران والمتعة إبانة لنسخ ما كان عليه أهل الجاهلية في تحريمهم العمرة في أشهر الحج والنسخ يثبت في حق الناس كافة .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)النوع العاشر : أنه سبحانه وتعالى لما أمر بصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد الرجوع من الحج ، فليس في هذا القدر بيان أنه طاعة عظيمة كاملة عند الله سبحانه وتعالى ، فلما قال / بعده : { تلك عشرة كاملة } دل ذلك على أن هذه الطاعة في غاية الكمال ، وذلك لأن الصوم مضاف إلى الله تعالى بلام الإختصاص على ما قال تعالى : { يأذن لى } والحج أيضا مضاف إلى الله تعالى بلام الإختصاص ، على ما قال : { وأتموا الحج والعمرة لله } وكما دل النص على مزيد اختصاص لهاتين العبادتين بالله سبحانه وتعالى ، فالعقل دل أيضا على ذلك ، أما في حق الصوم فلأنه عبادة لا يطلع العقل ألبتة على وجه الحكمة فيها ، وهو مع ذلك شاق على النفس جدا ، فلا جرم لا يؤتى به إلا لمحض مرضاة الله تعالى ، والحج أيضا عبادة لا يطلع العقل ألبتة على وجه الحكمة فيها ، وهو مع ذلك شاق جدا لأنه يوجب مفارقة الأهل والوطن ، ويوجب التباعد عن أكثر اللذات ، فلا جرم لا يؤتى به إلا لمحض مرضاته ، ثم إن هذه الأيام العشرة بعضه واقع في زمان الحج فيكون جمعا بين شيئين شاقين جدا ، وبعضه واقع بعد الفراغ من الحج وهو انتقال من شاق إلى شاق ، ومعلوم أن ذلك سبب لكثرة الثواب وعلو الدرجة فلا جرم أوجب الله تعلى صيام هذه الأيام العشرة ، وشهد سبحانه على أنه عبادة في غاية الكمال والعلو ، فقال : { تلك عشرة كاملة } فإن التنكير في هذا الموضع يدل على تعظيم الحال ، فكأنه قال : عشرة وأية عشرة ، عشرة كاملة ، فقد ظهر بهذه الوجوه العشرة اشتمال هذه الكلمة على هذه الفوائد النفيسة ، وسقط بهذا البيان طعن الملحدين في هذه الآية والحمد لله رب العالمين . أما قوله تعالى : { ذالك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : { ذالك } إشارة إلى ما تقدم ، وأقرب الأمور المذكورة ذكر ما يلزم المتمتع من الهدي وبدله ، وأبعد منهم ذكر تمتعهم . فلهذا السبب اختلفوا ، فقال الشافعي رضي الله عنه ، إنه راجع إلى الأقرب ، وهو لزوم الهدي وبدله على المتمتع ، أي إنما يكون إذا لم يكن المتمتع من حاضري المسجد الحرام ، فأما إذا كان من أهل الحرم فإنه لا يلزمه الهدي ولا بدله ، وذلك لأن عند الشافعي رضي الله عنه هذا الهدي إنما لزم الآفاقي لأنه كان من الواجب عليه أن يحرم عن الحج من الميقات : فلما أحرم من الميقات عن العمرة ، ثم أحرم عن الحج لا من الميقات ، فقد حصل هناك الخلل فجعل مجبورا بهذا الدم ، والمكي لا يجب عليه أن يحرم من الميقات ، فإقدامه على التمتع لا يوقع خللا في حجه ، فلا جرم لا يجب عليه الهدي ولا بدل ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : إن قوله : { ذالك } إشارة إلى الأبعد ، وهو ذكر التمتع ، وعنده لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام ، ومن تمتع أو قرن كان عليه دم هو دم جناية لا يأكل منه ، حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه . الحجة الأولى : قوله تعالى : { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } عام يدخل فيه الحرمي . الحجة الثانية : قوله : { ذالك } كناية فوجب عودها إلى المذكور الأقرب ، وهو وجوب / الهدي ، وإذا خص إيجاد الهدي بالمتمتع الذي يكون آفاقيا لزم القطع بأن غير الأفاقي قد يكون أيضا متمتعا . الحجة الثالثة : أن الله تعالى شرع القران والمتعة إبانة لنسخ ما كان عليه أهل الجاهلية في تحريمهم العمرة في أشهر الحج والنسخ يثبت في حق الناس كافة .