Dio V06/P017–V06/P019Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V06/P017–V06/P019)
Orijinal Metin (AR)روى قيس بن أبي حازم عن خباب بن الأرت ، قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نلقى من المشركين ، فقال : ( إن من كان قبلكم من الأمم كانوا يعذبون بأنواع البلاء فلم يصرفهم ذلك عن دينهم ، حتى إن الرجل يوضع على رأسه المنشار فيشق فلقتين ، ويمشط الرجل بأمشاط الحديد فيما دون العظم من لحم وعصب وما يصرفه ذلك عن دينه ، وايم الله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ) . المسألة الرابعة : قرأ نافع { حتى يقول } برفع اللام والباقون بالنصب ، ووجهه أن { حتى } إذا نصبت المضارع تكون على ضربين أحدهما : أن تكون بمعنى : إلى ، وفي هذا الضرب يكون الفعل الذي حصل قبل { حتى } والذي حصل بعدها قد وجدا ومضيا ، تقول : سرت حتى أدخلها ، أي إلى أن أدخلها ، فالسير والدخول قد وجدا مضيا ، وعليه النصب في هذه الآية ، لأن التقدير : وزلزلوا إلى أن يقول الرسول ، والزلزلة والقول قد وجدا والثاني : أن تكون بمعنى : كي ، كقوله : أطعت الله حتى أدخل الجنة ، أي كي أدخل الجنة ، والطاعة قد وجدت والدخول لم يوجد ، ونصب الآية لا يمكن أن يكون على هذا الوجه ، وأما الرفع فاعلم أن الفعل الواقع بعد { حتى } لا بد وأن يكون على سبيل الحال المحكية التي وجدت ، كما حكيت الحال في قوله : { هاذا من شيعته وهاذا من عدوه } ( القصص : 15 ) وفي قوله : { وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد } ( الكهف : 18 ) لأن هذا لا يصح إلا على / سبيل أن في ذلك الوقت كان يقال هذا الكلام ، ويقال : شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنة ، والمعنى شربت حتى إن من حضر هناك يقال : يجيء البعير يجر بطنه ، ثم هذا قد يصدق عند انقضاء السبب وحده دون المسبب ، كقولك : سرت حتى أدخل البلد . فيحتمل أن السير والدخول قد وجدا وحصلا ، ويحتمل أن يكون قد وجد السير والدخول بعد لم يوجد ، فهذا هو الكلام في تقرير وجه النصب ووجه الرفع ، واعلم أن الأكثرين اختاروا النصب لأن قراءة الرفع لا تصح إلا إذا جعلنا الكلام حكاية عمن يخبر عنها حال وقوعها ، وقراءة النصب لا تحتاج إلى هذا الفرض فلا جرم كانت قراءة النصب أولى . المسألة الخامسة : في الآية إشكال ، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد { متى نصر الله } .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)روى قيس بن أبي حازم عن خباب بن الأرت ، قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نلقى من المشركين ، فقال : ( إن من كان قبلكم من الأمم كانوا يعذبون بأنواع البلاء فلم يصرفهم ذلك عن دينهم ، حتى إن الرجل يوضع على رأسه المنشار فيشق فلقتين ، ويمشط الرجل بأمشاط الحديد فيما دون العظم من لحم وعصب وما يصرفه ذلك عن دينه ، وايم الله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ) . المسألة الرابعة : قرأ نافع { حتى يقول } برفع اللام والباقون بالنصب ، ووجهه أن { حتى } إذا نصبت المضارع تكون على ضربين أحدهما : أن تكون بمعنى : إلى ، وفي هذا الضرب يكون الفعل الذي حصل قبل { حتى } والذي حصل بعدها قد وجدا ومضيا ، تقول : سرت حتى أدخلها ، أي إلى أن أدخلها ، فالسير والدخول قد وجدا مضيا ، وعليه النصب في هذه الآية ، لأن التقدير : وزلزلوا إلى أن يقول الرسول ، والزلزلة والقول قد وجدا والثاني : أن تكون بمعنى : كي ، كقوله : أطعت الله حتى أدخل الجنة ، أي كي أدخل الجنة ، والطاعة قد وجدت والدخول لم يوجد ، ونصب الآية لا يمكن أن يكون على هذا الوجه ، وأما الرفع فاعلم أن الفعل الواقع بعد { حتى } لا بد وأن يكون على سبيل الحال المحكية التي وجدت ، كما حكيت الحال في قوله : { هاذا من شيعته وهاذا من عدوه } ( القصص : 15 ) وفي قوله : { وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد } ( الكهف : 18 ) لأن هذا لا يصح إلا على / سبيل أن في ذلك الوقت كان يقال هذا الكلام ، ويقال : شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنة ، والمعنى شربت حتى إن من حضر هناك يقال : يجيء البعير يجر بطنه ، ثم هذا قد يصدق عند انقضاء السبب وحده دون المسبب ، كقولك : سرت حتى أدخل البلد . فيحتمل أن السير والدخول قد وجدا وحصلا ، ويحتمل أن يكون قد وجد السير والدخول بعد لم يوجد ، فهذا هو الكلام في تقرير وجه النصب ووجه الرفع ، واعلم أن الأكثرين اختاروا النصب لأن قراءة الرفع لا تصح إلا إذا جعلنا الكلام حكاية عمن يخبر عنها حال وقوعها ، وقراءة النصب لا تحتاج إلى هذا الفرض فلا جرم كانت قراءة النصب أولى . المسألة الخامسة : في الآية إشكال ، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد { متى نصر الله } .
Dio V06/P019Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V06/P019)
Orijinal Metin (AR)والجواب عنه من وجوه أحدها : أن كونه رسولا لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء ، قال تعالى : { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } ( الحجر : 97 ) وقال تعالى : { لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين } ( الشعراء : 3 ) وقال تعالى : { حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجى } ( يوسف : 110 ) وعلى هذا فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته ، وكان قد سمع من الله تعالى أنه ينصره إلا أنه ما عين له الوقت في ذلك ، قال عند ضيق قلبه : { متى نصر الله } حتى إنه إن علم قرب الوقت زال همه وغمه وطالب قلبه ، والذي يدل على صحة ذلك أنه قال في الجواب : { ألا إن نصر الله قريب } فلما كان الجواب بذكر القرب دل على أن السؤال كان واقعا عن القرب / ولو كان السؤال وقع عن أنه هل يوجد النصر أم لا ؟ لما كان هذا الجواب مطابقا لذلك السؤال ، وهذا هو الجواب المعتمد . والجواب الثاني : أنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولا ثم ذكر كلامين أحدهما : { متى نصر الله } والثاني : { ألا إن نصر الله قريب } فوجب إسناد كل واحد من هذين الكلامين إلى واحد من ذينك المذكورين : فالذين آمنوا قالوا : { متى نصر الله } والرسول صلى الله عليه وسلم قال : { ألا إن نصر الله قريب } قالوا ولهذا نظير من القرآن والشعر ، أما القرآن فقوله : { ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله } والمعنى : لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار ، وأما من الشعر فقول امرىء القيس : كأن قلوب الطير رطبا ويابسا لدي وكرها العناب والحشف البالي فالتشبيه بالعناب للرطب وبالحشف البالي لليابس ، فهذا جواب ذكره قوم وهو متكلف جدا . المسألة السادسة : { ألا إن نصر الله قريب } يحتمل أن يكون جوابا من الله تعالى لهم ، إذ قالوا : { متى نصر الله } فيكون كلامهم قد انتهى عند قوله : { متى نصر الله } ثم قال الله عند ذلك { ألا إن نصر الله قريب } ويحتمل أن يكون ذلك قولا لقوم منهم ، كأنهم لما قالوا : { متى نصر الله } رجعوا / إلى أنفسكم فعلموا أن الله لا يعلي عدوهم عليهم ، فقالوا : { ألا إن نصر الله قريب } فنحن قد صبرنا يا ربنا ثقة بوعدك . فإن قيل : قوله : { ألا إن نصر الله قريب } يوجب في حق كل من لحقه شدة أن يعلم أن سيظفر بزوالها ، وذلك غير ثابت . قلنا : لا يمتنع أن يكون هذا من خواص الأنبياء عليهم السلام ، ويمكن أن يكون ذلك عاما في حق الكل ، إذ كل من كان في بلاء فإنه لا بد له من أحد أمرين ، إما أن يتخلص عنه ، وإما أن يموت وإذا مات فقد وصل إلى من لا يهمل أمره ولا يضيع حقه ، وذلك من أعظم النصر ، وإنما جعله قريبا لأن الموت قريب . ! 7 < { يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين والا قربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم } . > 7 ! < < البقرة : ( 215 ) يسألونك ماذا ينفقون . . . . .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)والجواب عنه من وجوه أحدها : أن كونه رسولا لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء ، قال تعالى : { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } ( الحجر : 97 ) وقال تعالى : { لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين } ( الشعراء : 3 ) وقال تعالى : { حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجى } ( يوسف : 110 ) وعلى هذا فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته ، وكان قد سمع من الله تعالى أنه ينصره إلا أنه ما عين له الوقت في ذلك ، قال عند ضيق قلبه : { متى نصر الله } حتى إنه إن علم قرب الوقت زال همه وغمه وطالب قلبه ، والذي يدل على صحة ذلك أنه قال في الجواب : { ألا إن نصر الله قريب } فلما كان الجواب بذكر القرب دل على أن السؤال كان واقعا عن القرب / ولو كان السؤال وقع عن أنه هل يوجد النصر أم لا ؟ لما كان هذا الجواب مطابقا لذلك السؤال ، وهذا هو الجواب المعتمد . والجواب الثاني : أنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولا ثم ذكر كلامين أحدهما : { متى نصر الله } والثاني : { ألا إن نصر الله قريب } فوجب إسناد كل واحد من هذين الكلامين إلى واحد من ذينك المذكورين : فالذين آمنوا قالوا : { متى نصر الله } والرسول صلى الله عليه وسلم قال : { ألا إن نصر الله قريب } قالوا ولهذا نظير من القرآن والشعر ، أما القرآن فقوله : { ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله } والمعنى : لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار ، وأما من الشعر فقول امرىء القيس : كأن قلوب الطير رطبا ويابسا لدي وكرها العناب والحشف البالي فالتشبيه بالعناب للرطب وبالحشف البالي لليابس ، فهذا جواب ذكره قوم وهو متكلف جدا . المسألة السادسة : { ألا إن نصر الله قريب } يحتمل أن يكون جوابا من الله تعالى لهم ، إذ قالوا : { متى نصر الله } فيكون كلامهم قد انتهى عند قوله : { متى نصر الله } ثم قال الله عند ذلك { ألا إن نصر الله قريب } ويحتمل أن يكون ذلك قولا لقوم منهم ، كأنهم لما قالوا : { متى نصر الله } رجعوا / إلى أنفسكم فعلموا أن الله لا يعلي عدوهم عليهم ، فقالوا : { ألا إن نصر الله قريب } فنحن قد صبرنا يا ربنا ثقة بوعدك . فإن قيل : قوله : { ألا إن نصر الله قريب } يوجب في حق كل من لحقه شدة أن يعلم أن سيظفر بزوالها ، وذلك غير ثابت . قلنا : لا يمتنع أن يكون هذا من خواص الأنبياء عليهم السلام ، ويمكن أن يكون ذلك عاما في حق الكل ، إذ كل من كان في بلاء فإنه لا بد له من أحد أمرين ، إما أن يتخلص عنه ، وإما أن يموت وإذا مات فقد وصل إلى من لا يهمل أمره ولا يضيع حقه ، وذلك من أعظم النصر ، وإنما جعله قريبا لأن الموت قريب . ! 7 < { يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين والا قربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم } . > 7 ! < < البقرة : ( 215 ) يسألونك ماذا ينفقون . . . . .
Dio V06/P019–V06/P020Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V06/P019–V06/P020)
Orijinal Metin (AR)> > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بالغ في بيان أنه يجب على كل مكلف أن يكون معرضا عن طرب العاجل ، وأن يكون مشتغلا بطلب الآجل ، وأن يكون بحيث يبذل النفس والمال في ذلك شرع بعد ذلك في بيان الأحكام وهو من هذه الآية إلى قوله : { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } ( البقرة : 243 ) لأن من عادة القرآن أن يكون بيان التوحيد وبيان الوعظ والنصيحة وبيان الأحكام مختلطا بعضها بالبعض ، ليكون كل واحد منها مفويا للآخر ومؤكدا له . الحكم الأول فيما يتعلق بالنفقة هو هذه الآية وفيه مسائل المسألة الأولى : قال عطاء : عن ابن عباس نزلت هذه الآية في رجل أتى للنبي عليه الصلاة والسلام فقال إن لي دينارا فقال : أنفقه على نفسك قال : إن لي دينارين قال : أنفقهما على أهلك قال : إن لي ثلاثة قال : أنفقها على خادمك قال : إن لي أربعة قال : أنفقها على والديك قال : إن لي خمسه قال : أنفقها على قرابتك قال إن لي ستة قال : أنفقها في سبيل الله وهو أحسنها : وروى الكلبي / عن ابن عباس أن الآية نزلت عن عمرو بن الجموح وكان شيخا كبيرا هرما ، وهو الذي قتل يوم أحد وعنده مال عظيم ، فقال : ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها فنزلت هذه الآية . المسألة الثانية : للنحويين في { ماذا } قولان أحدهما : أن يجعل { ما } مع { ذا } بمنزلة اسم واحد ويكون الموضع نصبا بينفقون ، والدليل عليه أن العرب يقولون : عماذا تسأل ؟ بإثبات الألف في { ما } فلولا أن { ما } مع { ذا } بمنزلة اسم واحد لقالوا : عماذا تسأل ؟ بحذف الألف كما حذفوها من قوله تعالى : { عم يتساءلون } ( النبأ : 1 ) وقوله : { فيم أنت من ذكراها } ( النازعات : 43 ) فلما لم يحذفوا الألف من آخر { ما } علمت أنه مع { ذا } بمنزلة اسم واحد ولم يحذفوا الألف منه لما لم يكن آخر الاسم والحذف يلحقها إذا كان آخرا إلا أن يكون في شعر كقوله : غلاما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرغ في رماد والقول الثاني : أن يجعل { ذا } بمعنى الذي ويكون { ما } رفعا بالابتداء خبرها { ذا } والعرب قد يستعملون { ذا } بمعنى الذي ، فيقولون : من ذا يقول ذاك ؟ أي من ذا الذي يقول ذاك ، فعلى هذ يكون تقدير الآية : يسألونك ما الذي ينفقون . المسألة الثالثة : في الآية سؤال ، وهو أن القوم سألوا عما ينفقون لا عمن تصرف النفقة إليهم ، فكيف أجابهم بهذا ؟ .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> > اعلم أنه سبحانه وتعالى لما بالغ في بيان أنه يجب على كل مكلف أن يكون معرضا عن طرب العاجل ، وأن يكون مشتغلا بطلب الآجل ، وأن يكون بحيث يبذل النفس والمال في ذلك شرع بعد ذلك في بيان الأحكام وهو من هذه الآية إلى قوله : { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } ( البقرة : 243 ) لأن من عادة القرآن أن يكون بيان التوحيد وبيان الوعظ والنصيحة وبيان الأحكام مختلطا بعضها بالبعض ، ليكون كل واحد منها مفويا للآخر ومؤكدا له . الحكم الأول فيما يتعلق بالنفقة هو هذه الآية وفيه مسائل المسألة الأولى : قال عطاء : عن ابن عباس نزلت هذه الآية في رجل أتى للنبي عليه الصلاة والسلام فقال إن لي دينارا فقال : أنفقه على نفسك قال : إن لي دينارين قال : أنفقهما على أهلك قال : إن لي ثلاثة قال : أنفقها على خادمك قال : إن لي أربعة قال : أنفقها على والديك قال : إن لي خمسه قال : أنفقها على قرابتك قال إن لي ستة قال : أنفقها في سبيل الله وهو أحسنها : وروى الكلبي / عن ابن عباس أن الآية نزلت عن عمرو بن الجموح وكان شيخا كبيرا هرما ، وهو الذي قتل يوم أحد وعنده مال عظيم ، فقال : ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها فنزلت هذه الآية . المسألة الثانية : للنحويين في { ماذا } قولان أحدهما : أن يجعل { ما } مع { ذا } بمنزلة اسم واحد ويكون الموضع نصبا بينفقون ، والدليل عليه أن العرب يقولون : عماذا تسأل ؟ بإثبات الألف في { ما } فلولا أن { ما } مع { ذا } بمنزلة اسم واحد لقالوا : عماذا تسأل ؟ بحذف الألف كما حذفوها من قوله تعالى : { عم يتساءلون } ( النبأ : 1 ) وقوله : { فيم أنت من ذكراها } ( النازعات : 43 ) فلما لم يحذفوا الألف من آخر { ما } علمت أنه مع { ذا } بمنزلة اسم واحد ولم يحذفوا الألف منه لما لم يكن آخر الاسم والحذف يلحقها إذا كان آخرا إلا أن يكون في شعر كقوله : غلاما قام يشتمني لئيم كخنزير تمرغ في رماد والقول الثاني : أن يجعل { ذا } بمعنى الذي ويكون { ما } رفعا بالابتداء خبرها { ذا } والعرب قد يستعملون { ذا } بمعنى الذي ، فيقولون : من ذا يقول ذاك ؟ أي من ذا الذي يقول ذاك ، فعلى هذ يكون تقدير الآية : يسألونك ما الذي ينفقون . المسألة الثالثة : في الآية سؤال ، وهو أن القوم سألوا عما ينفقون لا عمن تصرف النفقة إليهم ، فكيف أجابهم بهذا ؟ .
Dio V06/P020Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V06/P020)
Orijinal Metin (AR)والجواب عنه من وجوه أحدها : أنه حصل في الآية ما يكون جوابا عن السؤال وضم إليه زيادة بها يكمل ذلك المقصود ، وذلك لأن قوله : { ما أنفقتم من خير } جواب عن السؤال ، ثم إن ذلك الإنفاق لا يكمل إلا إذا كان مصروفا إلى جهة الإستحقاق ، فلهذا لما ذكر الله تعالى الجواب أردفه بذكر المصرف تكميلا للبيان وثانيها : قال القفال : إنه وإن كان السؤال واردا بلفظ { ما } إلا أن المقصود : السؤال عن الكيفية لأنهم كانوا عالمين أن الذين أمروا به إنفاق مال يخرج قربة إلى الله تعالى ، وإذا كان هذا معلوما لم ينصرف الوهم إلى أن ذلك المال أي شيء هو ؟ وإذا خرج هذا عن أن يكون مرادا تعين أن المطلوب بالسؤال أن مصرفه أي شيء هو ؟ وحينئذ يكون الجواب مطابقا للسؤال ، ونظيره قوله تعالى : { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى إن البقر تشابه علينا قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول } ( البقرة : 70 ، 71 ) وإنما كان هذا الجواب موافقا لذلك السؤال ، لأنه كان من المعلوم أن البقرة هي البهيمة التي شأنها وصفتها كذا ، فقوله : { ما هى } لا يمكن حمله على طلب الماهية ، فتعين أن يكون المراد منه طلب الصفة التي بها تتميز تلك البقرة عن غيرها ، فبهذا الطريق قلنا : إن ذلك الجواب مطابق لذلك السؤال ، فكذا ههنا لما علمنا أنهم كانوا عالمين بأن الذي أمروا بإنفاقه ما هو ، وجب أن يقطع بأن مرادهم من قولهم : { ماذا ينفقون } ليس هو طلب الماهية ، بل طلب المصرف فلهذا حسن الجواب وثالثها : يحتمل أن يكون المراد أنهم سألوا هذا / السؤال فكأنهم قيل لهم : هذا السؤال فاسد أنفق أي شيء كان ولكن بشرط أن يكون مالا حلالا وبشرط أن يكون مصروفا إلى المصرف وهذا مثل ما إذا كان الإنسان صحيح المزاج لا يضره أكل أي طعام كان ، فقال للطبيب : ماذا آكل ؟ فيقول الطبيب : كل في اليوم مرتين ، كان المعنى : كل ما شئت لكن بهذا الشرط كذا ههنا المعنى : أنفق أي شيء أردت بشرط أن يكون المصرف ذلك .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)والجواب عنه من وجوه أحدها : أنه حصل في الآية ما يكون جوابا عن السؤال وضم إليه زيادة بها يكمل ذلك المقصود ، وذلك لأن قوله : { ما أنفقتم من خير } جواب عن السؤال ، ثم إن ذلك الإنفاق لا يكمل إلا إذا كان مصروفا إلى جهة الإستحقاق ، فلهذا لما ذكر الله تعالى الجواب أردفه بذكر المصرف تكميلا للبيان وثانيها : قال القفال : إنه وإن كان السؤال واردا بلفظ { ما } إلا أن المقصود : السؤال عن الكيفية لأنهم كانوا عالمين أن الذين أمروا به إنفاق مال يخرج قربة إلى الله تعالى ، وإذا كان هذا معلوما لم ينصرف الوهم إلى أن ذلك المال أي شيء هو ؟ وإذا خرج هذا عن أن يكون مرادا تعين أن المطلوب بالسؤال أن مصرفه أي شيء هو ؟ وحينئذ يكون الجواب مطابقا للسؤال ، ونظيره قوله تعالى : { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى إن البقر تشابه علينا قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول } ( البقرة : 70 ، 71 ) وإنما كان هذا الجواب موافقا لذلك السؤال ، لأنه كان من المعلوم أن البقرة هي البهيمة التي شأنها وصفتها كذا ، فقوله : { ما هى } لا يمكن حمله على طلب الماهية ، فتعين أن يكون المراد منه طلب الصفة التي بها تتميز تلك البقرة عن غيرها ، فبهذا الطريق قلنا : إن ذلك الجواب مطابق لذلك السؤال ، فكذا ههنا لما علمنا أنهم كانوا عالمين بأن الذي أمروا بإنفاقه ما هو ، وجب أن يقطع بأن مرادهم من قولهم : { ماذا ينفقون } ليس هو طلب الماهية ، بل طلب المصرف فلهذا حسن الجواب وثالثها : يحتمل أن يكون المراد أنهم سألوا هذا / السؤال فكأنهم قيل لهم : هذا السؤال فاسد أنفق أي شيء كان ولكن بشرط أن يكون مالا حلالا وبشرط أن يكون مصروفا إلى المصرف وهذا مثل ما إذا كان الإنسان صحيح المزاج لا يضره أكل أي طعام كان ، فقال للطبيب : ماذا آكل ؟ فيقول الطبيب : كل في اليوم مرتين ، كان المعنى : كل ما شئت لكن بهذا الشرط كذا ههنا المعنى : أنفق أي شيء أردت بشرط أن يكون المصرف ذلك .
Dio V06/P020–V06/P021Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V06/P020–V06/P021)
Orijinal Metin (AR)المسألة الرابعة : اعلم أنه تعالى راعى الترتيب في الإنفاق ، فقدم الوالدين ، وذلك لأنهما كالمخرج له من العدم إلى الوجود في عالم الأسباب ، ثم ربياه في الحال الذي كان في غاية الضعف ، فكان إنعامهما على الابن أعظم من إنعام غيرهما عليه ، ولذلك قال تعالى : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين } ( الإسراء : 23 ) وفيه إشارة إلى أنه ليس بعد رعاية حق الله تعالى شيء أوجب من رعاية حق الوالدين ، لأن الله تعالى هو الذي أخرج الإنسان من العدم إلى الوجود في الحقيقة ، والوالدان هما اللذان أخرجاه إلى عالم الوجود في عالم الأسباب الظاهرة ، فثبت أن حقهما أعظم من حق غيرهما فلهذا أوجب تقديمهما على غيرهما في رعاية الحقوق ، ثم ذكر تعالى بعد الوالدين الأقربين ، والسبب فيه أن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بمصالح جميع الفقراء ، بل لا بد وأن يرجح البعض على البعض ، والترجيح لا بد له من مرجح ، والقرابة تصلح أن تكون سببا للترجيح من وجوه أحدها : أن القرابة مظنة المخالطة ، والمخالطة سبب لاطلاع كل واحد منهم على حال الآخر ، فإذا كان أحدهما غنيا والآخر فقيرا كان اطلاع الفقير على الغني أتم ، واطلاع الغني على الفقير أتم ، وذلك من أقوى الحوامل على الإنفاق وثانيها : أنه لو لم يراع جانب الفقير ، احتاج الفقير للرجوع إلى غيره وذلك عار وسيئة في حقه فالأولى أن يتكفل بمصالحهم دفعا للضرر عن النفس وثالثها : أن قريب الإنسان جار مجرى الجزء منه والإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير ، فلهذا السبب كان الإنفاق على القريب أولى من الإنفاق على البعيد ، ثم إن الله تعالى ذكر بعد الأقربين اليتامى ، وذلك لأنهم لصغرهم لا يقدرون على الاكتساب ولكونهم يتامى ليس لهم أحد يكتسب لهم ، فالطفل الذي مات أبوه قد عدم الكسب والكاسب . وأشرب على الضياع ، ثم ذكر تعالى بعدهم المساكين وحاجة هؤلاء أقل من حاجة اليتامى لأن قدرتهم على التحصيل أكثر من قدرة اليتامى ثم ذكر تعالى بعدهم ابن السبيل فإنه بسبب انقطاعه عن بلده ، قد يقع في الاحتياج والفقر ، فهذا هو الترتيب الصحيح الذي رتبه الله تعالى في كيفية الإنفاق ، ثم لما فصل هذا التفصيل الحسن الكامل أردفه بعد ذلك بالإجمال فقال : { وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم } أي وكل ما فعلتموه من خير إما من هؤلاء المذكورين وإما مع غيرهم حسبة لله وطلبا لجزيل ثوابه وهربا من أليم عقابه فإن الله به عليم ، والعليم مبالغة في كونه عالما يعني لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في / السماء فيجازيكم أحسن الجزاء عليه كما قال : { أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى } ( آل عمران : 19 ) وقال : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } ( الزلزلة : 7 ) . المسألة الخامسة : المراد من الخير هو المال لقوله عز وجل : { وإنه لحب الخير لشديد } ( العاديات : 8 ) وقال : { إن ترك خيرا الوصية } ( البقرة : 180 ) فالمعنى وما تفعلوا من إنفاق شيء من المال قل أو كثر ، وفيه قول آخر وهو أن يكون قوله : { وما تفعلوا من خير } يتناول هذا الإنفاق وسائر وجوه البر والطاعة ، وهذا أولى .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الرابعة : اعلم أنه تعالى راعى الترتيب في الإنفاق ، فقدم الوالدين ، وذلك لأنهما كالمخرج له من العدم إلى الوجود في عالم الأسباب ، ثم ربياه في الحال الذي كان في غاية الضعف ، فكان إنعامهما على الابن أعظم من إنعام غيرهما عليه ، ولذلك قال تعالى : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين } ( الإسراء : 23 ) وفيه إشارة إلى أنه ليس بعد رعاية حق الله تعالى شيء أوجب من رعاية حق الوالدين ، لأن الله تعالى هو الذي أخرج الإنسان من العدم إلى الوجود في الحقيقة ، والوالدان هما اللذان أخرجاه إلى عالم الوجود في عالم الأسباب الظاهرة ، فثبت أن حقهما أعظم من حق غيرهما فلهذا أوجب تقديمهما على غيرهما في رعاية الحقوق ، ثم ذكر تعالى بعد الوالدين الأقربين ، والسبب فيه أن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بمصالح جميع الفقراء ، بل لا بد وأن يرجح البعض على البعض ، والترجيح لا بد له من مرجح ، والقرابة تصلح أن تكون سببا للترجيح من وجوه أحدها : أن القرابة مظنة المخالطة ، والمخالطة سبب لاطلاع كل واحد منهم على حال الآخر ، فإذا كان أحدهما غنيا والآخر فقيرا كان اطلاع الفقير على الغني أتم ، واطلاع الغني على الفقير أتم ، وذلك من أقوى الحوامل على الإنفاق وثانيها : أنه لو لم يراع جانب الفقير ، احتاج الفقير للرجوع إلى غيره وذلك عار وسيئة في حقه فالأولى أن يتكفل بمصالحهم دفعا للضرر عن النفس وثالثها : أن قريب الإنسان جار مجرى الجزء منه والإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير ، فلهذا السبب كان الإنفاق على القريب أولى من الإنفاق على البعيد ، ثم إن الله تعالى ذكر بعد الأقربين اليتامى ، وذلك لأنهم لصغرهم لا يقدرون على الاكتساب ولكونهم يتامى ليس لهم أحد يكتسب لهم ، فالطفل الذي مات أبوه قد عدم الكسب والكاسب . وأشرب على الضياع ، ثم ذكر تعالى بعدهم المساكين وحاجة هؤلاء أقل من حاجة اليتامى لأن قدرتهم على التحصيل أكثر من قدرة اليتامى ثم ذكر تعالى بعدهم ابن السبيل فإنه بسبب انقطاعه عن بلده ، قد يقع في الاحتياج والفقر ، فهذا هو الترتيب الصحيح الذي رتبه الله تعالى في كيفية الإنفاق ، ثم لما فصل هذا التفصيل الحسن الكامل أردفه بعد ذلك بالإجمال فقال : { وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم } أي وكل ما فعلتموه من خير إما من هؤلاء المذكورين وإما مع غيرهم حسبة لله وطلبا لجزيل ثوابه وهربا من أليم عقابه فإن الله به عليم ، والعليم مبالغة في كونه عالما يعني لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في / السماء فيجازيكم أحسن الجزاء عليه كما قال : { أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى } ( آل عمران : 19 ) وقال : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } ( الزلزلة : 7 ) . المسألة الخامسة : المراد من الخير هو المال لقوله عز وجل : { وإنه لحب الخير لشديد } ( العاديات : 8 ) وقال : { إن ترك خيرا الوصية } ( البقرة : 180 ) فالمعنى وما تفعلوا من إنفاق شيء من المال قل أو كثر ، وفيه قول آخر وهو أن يكون قوله : { وما تفعلوا من خير } يتناول هذا الإنفاق وسائر وجوه البر والطاعة ، وهذا أولى .
Dio V06/P021–V06/P022Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V06/P021–V06/P022)
Orijinal Metin (AR)المسألة السادسة : قال بعضهم : هذه الآية منسوخة بآية المواريث ، وهذا ضعيف لأنه يحتمل حمل هذه الآية على وجوه لا يتطرق النسخ إليها أحدها : قال أبو مسلم الإنفاق على الوالدين واجب عند قصورهما عن الكسب والملك ، والمراد بالأقربين الولد وولد الولد وقد تلزم نفقتهم عند فقد الملك ، وإذا حملنا الآية على هذا الوجه فقول من قال أنها منسوخة بآية المواريث ، لا وجه له لأن هذه النفقة تلزم في حال الحياة والميراث يصل بعد الموت ، وأيضا فما يصل بعد الموت لا يوصف بأنه نفقة وثانيها : أن يكون المراد من أحب التقرب إلى الله تعالى في باب النفقة فالأولى له أن ينفقه في هذه الجهات فيقدم الأولى فالأولى فيكون المراد به التطوع وثالثها : أن يكون المراد الوجوب فيما يتصل بالوالدين والأقربين من حيث الكفاية وفيما يتصل باليتامى والمساكين مما يكون زكاة ورابعها : يحتمل أن يريد بالإنفاق على الوالدين والأقربين ما يكون بعثا على صلة الرحم وفيما يصرفه لليتامى والمساكين ما يخلص للصدقة فظاهر الآية محتمل لكل هذه الوجوه من غير نسخ . الحكم الثاني فيما يتعلق بالقتال ! 7 < { كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون } . > 7 < البقرة : ( 216 ) كتب عليكم القتال . . . . . > > وفيه مسائل : / المسألة الأولى : اعلم أنه عليه الصلاة والسلام كان غير مأذون في القتال مدة إقامته بمكة فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين ، ثم أذن له في قتال المشركين عامة ، ثم فرض الله الجهاد واختلف العلماء في هذه الآية فقال قوم : إنها تقتضي وجوب القتال على الكل وعن مكحول أنه كان يحلف عند البيت بالله أن الغزو واجب ونقل عن ابن عمر وعطاء : أن هذه الآية تقتضي وجوب القتال على أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت فقط حجة الأولين أن قوله : { كتاب } يقتضي الوجوب وقوله : { عليكم } يقتضيه أيضا ، والخطاب بالكاف في قوله : { عليكم } لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلى من سيوجد بعد ذلك كما في قوله : { كتب عليكم القصاص } ( البقرة : 178 ) ، { كتب عليكم الصيام } ( البقرة : 183 ) . فإن قيل : ظاهر الآية هل يقتضي أن يكون واجبا على الأعيان أو على الكفاية .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة السادسة : قال بعضهم : هذه الآية منسوخة بآية المواريث ، وهذا ضعيف لأنه يحتمل حمل هذه الآية على وجوه لا يتطرق النسخ إليها أحدها : قال أبو مسلم الإنفاق على الوالدين واجب عند قصورهما عن الكسب والملك ، والمراد بالأقربين الولد وولد الولد وقد تلزم نفقتهم عند فقد الملك ، وإذا حملنا الآية على هذا الوجه فقول من قال أنها منسوخة بآية المواريث ، لا وجه له لأن هذه النفقة تلزم في حال الحياة والميراث يصل بعد الموت ، وأيضا فما يصل بعد الموت لا يوصف بأنه نفقة وثانيها : أن يكون المراد من أحب التقرب إلى الله تعالى في باب النفقة فالأولى له أن ينفقه في هذه الجهات فيقدم الأولى فالأولى فيكون المراد به التطوع وثالثها : أن يكون المراد الوجوب فيما يتصل بالوالدين والأقربين من حيث الكفاية وفيما يتصل باليتامى والمساكين مما يكون زكاة ورابعها : يحتمل أن يريد بالإنفاق على الوالدين والأقربين ما يكون بعثا على صلة الرحم وفيما يصرفه لليتامى والمساكين ما يخلص للصدقة فظاهر الآية محتمل لكل هذه الوجوه من غير نسخ . الحكم الثاني فيما يتعلق بالقتال ! 7 < { كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون } . > 7 < البقرة : ( 216 ) كتب عليكم القتال . . . . . > > وفيه مسائل : / المسألة الأولى : اعلم أنه عليه الصلاة والسلام كان غير مأذون في القتال مدة إقامته بمكة فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين ، ثم أذن له في قتال المشركين عامة ، ثم فرض الله الجهاد واختلف العلماء في هذه الآية فقال قوم : إنها تقتضي وجوب القتال على الكل وعن مكحول أنه كان يحلف عند البيت بالله أن الغزو واجب ونقل عن ابن عمر وعطاء : أن هذه الآية تقتضي وجوب القتال على أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك الوقت فقط حجة الأولين أن قوله : { كتاب } يقتضي الوجوب وقوله : { عليكم } يقتضيه أيضا ، والخطاب بالكاف في قوله : { عليكم } لا يمنع من الوجوب على الموجودين وعلى من سيوجد بعد ذلك كما في قوله : { كتب عليكم القصاص } ( البقرة : 178 ) ، { كتب عليكم الصيام } ( البقرة : 183 ) . فإن قيل : ظاهر الآية هل يقتضي أن يكون واجبا على الأعيان أو على الكفاية .
Dio V06/P022–V06/P023Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V06/P022–V06/P023)
Orijinal Metin (AR)قلنا : بل يقتضي أن يكون واجبا على الأعيان لأن قوله : { عليكم } أي على كل واحد من آحادكم كما في قوله : { كتب عليكم القصاص كتب عليكم الصيام } حجة عطاء أن قوله : { كتاب } يقتضي الإيجاب ، ويكفي في العمل به مرة واحدة وقوله : { عليكم } يقتضي تخصيص هذا الخطاب بالموجودين في ذلك الوقت إلا أنا قلنا : إن قوله : { كتب عليكم القصاص كتب عليكم الصيام } حال الموجودين فيه كحال من سيوجد بعد ذلك ، بدلالة منفصلة وهي الإجماع ، وتلك الدلالة مفقودة ههنا فوجب أن يبقى على الوضع الأصلى ، قالوا : ومما يدل على صحة هذا القول قوله تعالى : { وكلا وعد الله الحسنى } ( النساء : 95 ) ولو كان القاعد مضيعا فرضا لما كان موعودا بالحسنى ، اللهم إلا أن يقال : الفرض كان ثابتا ثم نسخ ، إلا أن التزام القوم بالنسخ من غير أن يدل عليه دليل غير جائز ، ويدل عليه أيضا قوله تعالى : { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } ( التوبة : 122 ) والقول بالنسخ غير جائز على ما بيناه ، والإجماع اليوم منعقد على أنه من فروض الكفايات ، إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين الجهاد حينئذ على الكل والله أعلم . المسألة الثانية : قوله : { وهو كره لكم } فيه إشكال وهو أن الظاهر من قوله : { كتب عليكم } أن هذا الخطاب مع المؤمنين ، والعقل يدل عليه أيضا لأن الكافر لا يؤمر بقتال الكافر ، وإذا كان كذلك فكيف قال : { وهو كره لكم } فإن هذا يشعر بكون المؤمن كارها لحكم الله وتكليفه وذلك غير جائز ، لأن المؤمن لا يكون ساخطا لأوامر الله تعالى وتكاليفه ، بل يرضى بذلك ويحبه ويتمسك به ويعلم أنه صلاحه وفي تركه فساده . والجواب من وجهين : الأول : أن المراد من الكره ، كونه شاقا على النفس ، والمكلف وإن علم أن ما أمره الله به فهو صلاحه ، لكن لا يخرج بذلك عن كونه ثقيلا شاقا على النفس ، لأن التكليف عبارة عن إلزام ما في فعله كلفة ومشقة ، ومن المعلوم أن أعظم ما يميل إليه الطبع الحياة ، / فلذلك أشق الأسياء على النفس القتال الثاني : أن يكون المراد كراهتهم للقتال قبل أن يفرض لما فيه من الخوف ، ولكثرة الأعداء فبين الله تعالى أن الذي تكرهونه من القتال خير لكم من تركه لئلا تكرهونه بعد أن فرض عليكم . المسألة الثالثة : الكره بضم الكاف هو الكراهة بدليل قوله : { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم } ثم فيه وجهان أحدهما : أن يكون المعنى وضع المصدر موضع الوصف مبالغة كقول الخنساء : فإنما هي إقبال وإدبار كأنه في نفسه كراهة لفرط كراهتهم له والثاني : أن يكون فعلا بمعنى مفعول ، كالخبر بمعنى المخبور أي وهو مكروه لكم وقرأ السلمي بالفتح وهما لغتان كالضعف والضعف ، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على سبيل المجاز ، كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له ، ومشقته عليهم ، ومنه قوله تعالى : { حملته أمه كرها ووضعته كرها } ( الأحقاف : 15 ) والله أعلم وقال بعضهم : الكره ، بالضم ما كرهته مما لم تكره عليه ، وإذا كان بالإكراه فبالفتح . أما قوله : { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم } ففيه مسائل :
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)قلنا : بل يقتضي أن يكون واجبا على الأعيان لأن قوله : { عليكم } أي على كل واحد من آحادكم كما في قوله : { كتب عليكم القصاص كتب عليكم الصيام } حجة عطاء أن قوله : { كتاب } يقتضي الإيجاب ، ويكفي في العمل به مرة واحدة وقوله : { عليكم } يقتضي تخصيص هذا الخطاب بالموجودين في ذلك الوقت إلا أنا قلنا : إن قوله : { كتب عليكم القصاص كتب عليكم الصيام } حال الموجودين فيه كحال من سيوجد بعد ذلك ، بدلالة منفصلة وهي الإجماع ، وتلك الدلالة مفقودة ههنا فوجب أن يبقى على الوضع الأصلى ، قالوا : ومما يدل على صحة هذا القول قوله تعالى : { وكلا وعد الله الحسنى } ( النساء : 95 ) ولو كان القاعد مضيعا فرضا لما كان موعودا بالحسنى ، اللهم إلا أن يقال : الفرض كان ثابتا ثم نسخ ، إلا أن التزام القوم بالنسخ من غير أن يدل عليه دليل غير جائز ، ويدل عليه أيضا قوله تعالى : { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } ( التوبة : 122 ) والقول بالنسخ غير جائز على ما بيناه ، والإجماع اليوم منعقد على أنه من فروض الكفايات ، إلا أن يدخل المشركون ديار المسلمين فإنه يتعين الجهاد حينئذ على الكل والله أعلم . المسألة الثانية : قوله : { وهو كره لكم } فيه إشكال وهو أن الظاهر من قوله : { كتب عليكم } أن هذا الخطاب مع المؤمنين ، والعقل يدل عليه أيضا لأن الكافر لا يؤمر بقتال الكافر ، وإذا كان كذلك فكيف قال : { وهو كره لكم } فإن هذا يشعر بكون المؤمن كارها لحكم الله وتكليفه وذلك غير جائز ، لأن المؤمن لا يكون ساخطا لأوامر الله تعالى وتكاليفه ، بل يرضى بذلك ويحبه ويتمسك به ويعلم أنه صلاحه وفي تركه فساده . والجواب من وجهين : الأول : أن المراد من الكره ، كونه شاقا على النفس ، والمكلف وإن علم أن ما أمره الله به فهو صلاحه ، لكن لا يخرج بذلك عن كونه ثقيلا شاقا على النفس ، لأن التكليف عبارة عن إلزام ما في فعله كلفة ومشقة ، ومن المعلوم أن أعظم ما يميل إليه الطبع الحياة ، / فلذلك أشق الأسياء على النفس القتال الثاني : أن يكون المراد كراهتهم للقتال قبل أن يفرض لما فيه من الخوف ، ولكثرة الأعداء فبين الله تعالى أن الذي تكرهونه من القتال خير لكم من تركه لئلا تكرهونه بعد أن فرض عليكم . المسألة الثالثة : الكره بضم الكاف هو الكراهة بدليل قوله : { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم } ثم فيه وجهان أحدهما : أن يكون المعنى وضع المصدر موضع الوصف مبالغة كقول الخنساء : فإنما هي إقبال وإدبار كأنه في نفسه كراهة لفرط كراهتهم له والثاني : أن يكون فعلا بمعنى مفعول ، كالخبر بمعنى المخبور أي وهو مكروه لكم وقرأ السلمي بالفتح وهما لغتان كالضعف والضعف ، ويجوز أن يكون بمعنى الإكراه على سبيل المجاز ، كأنهم أكرهوا عليه لشدة كراهتهم له ، ومشقته عليهم ، ومنه قوله تعالى : { حملته أمه كرها ووضعته كرها } ( الأحقاف : 15 ) والله أعلم وقال بعضهم : الكره ، بالضم ما كرهته مما لم تكره عليه ، وإذا كان بالإكراه فبالفتح . أما قوله : { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم } ففيه مسائل :
Dio V06/P023–V06/P024Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V06/P023–V06/P024)
Orijinal Metin (AR)المسألة الأولى : { عسى } فعل درج مضارعه وبقي ماضيه فيقال منه ، عسيتما وعسيتم قال تعالى : { فهل عسيتم } ( محمحد : 22 ) ويرتفع الاسم بعده كما يرتفع بعد الفعل فتقول : عسى زيد . كما تقول : قام زيد ومعناه : قرب قال تعالى : { قل عسى أن يكون ردف لكم } ( النمل : 72 ) أي قرب ، فقولك عسى زيد أن يقوم تقديره عسى قيام زيد أي قرب قيام زيد . المسألة الثانية : معنى الآية أنه ربما كان الشيء شاقا عليكم في الحال ، وهو سبب للمنافع الجليلة في المستقبل وبالضد ، ولأجله حسن شرب الدوا المرء في الحال لتوقع حصول الصحة في المستقبل ، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار لتوقع حصول الربح في المستقبل ، وحسن تحمل المشاق في طلب العلم للفوز بالسعادة العظيمة في الدنيا وفي العقبى ، وههنا كذلك وذلك لأن ترك الجهاد وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل ، وصون المال عن الإنفاق ، ولكن فيه أنواع من المضار منها : أن العدو إذا علم ميلكم إلى الدعة والسكون قصة بلادكم وحاول قتلكم فأما أن يأخذكم ويستبيح دماءكم وأموالكم ، وإما أن تحتاجوا إلى قتالهم من غير إعداد آلة وسلاح ، وهذا يكون كترك مداواة المرض في أول ظهوره بسبب نفرة النفس عن تحمل مرارة الدواء ، ثم في آخر الأمر يصير المرء مضطرا إلى تحمل أضعاف تلك النفرة والمشقة ، والحاصل أن القتال سبب لحصول الأمن ، وذلك خير من الانتفاع بسلامة الوقت ، ومنها وجدان الغنيمة ، ومنها / السرور العظيم بالاستيلاء على الأعداء . أما ما يتعلق بالدين فكثيرة ، منها ما يحصل للمجاهد من الثواب العظيم إذا فعل الجهاد تقربا وعبادة وسلك طريقة الاستقامة فلم يفسد ما فعله ، ومنها أنه يخشى عدوكم أن يستغنمكم فلا تصبرون على المحنة فترتدون عن الدين ، ومنها أن عدوكم إذا رأى جدكم في دينكم وبذلكم أنفسكم وأموالكم في طلبه مال بسبب ذلك إلى دينكم فإذا أسلم على يدكم صرتم بسبب ذلك مستحقين للأجر العظيم عند الله ، ومنها أن من أقدم على القتال طلبا لمرضاة الله تعالى كان قد تحمل ألم القتل بسبب طلب رضوان الله ، وما لم يصر الرجل متيقنا بفضل الله وبرحمته وأنه لا يضيع أجر المحسنين ، وبأن لذات الدنيا أمور باطلة لا يرضى بالقتل ومتى كان كذلك فارق الإنسان الدنيا على حب الله وبغض الدنيا ، وذلك من أعظم سعادات الإنسان . فثبت بما ذكرنا أن الطبع ولو كان يكره القتال من أعداء الله فهو خير كثير وبالضد ، ومعلوم أن الأمرين متى تعارضا فالأكثر منفعة هو الراجح وهذا هو المراد من قوله : { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم } . المسألة الثالثة : { الشر } السوء وأصله من شررت الشيء إذا بسطته ، يقال شررت اللحم والثوب إذا بسطته ليجف ، ومنه قوله : وحتى أشرت بالأكف المصاحف { والشرر } اللهب لانبساطه فعلى هذا { للناس الشر } انبساط الأشياء الضارة . المسألة الرابعة : { عسى } توهم الشك مثل { لعل } وهي من الله تعالى يقين ، ومنهم من قال إنها كلمة مطمعة ، فهي لا تدل على حصول الشك للقائل إلا أنها تدل على حصول الشك للمستمع وعلى هذا التقدير لا يحتاج إلى التأويل ، أما إن قلنا بأنها بمعنى { لعل } فالتأويل فيه هو الوجوه المذكورة في قوله تعالى : { لعلكم تتقون } ( البقرة : 183 ) قال الخليل : { عسى } من الله واجب في القرآن قال : { فعسى الله أن يأتى بالفتح } ( المائدة : 52 ) وقد وجد { وعسى الله أن يأتينى بهم جميعا } ( يوسف : 83 ) وقد حصل والله أعلم .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الأولى : { عسى } فعل درج مضارعه وبقي ماضيه فيقال منه ، عسيتما وعسيتم قال تعالى : { فهل عسيتم } ( محمحد : 22 ) ويرتفع الاسم بعده كما يرتفع بعد الفعل فتقول : عسى زيد . كما تقول : قام زيد ومعناه : قرب قال تعالى : { قل عسى أن يكون ردف لكم } ( النمل : 72 ) أي قرب ، فقولك عسى زيد أن يقوم تقديره عسى قيام زيد أي قرب قيام زيد . المسألة الثانية : معنى الآية أنه ربما كان الشيء شاقا عليكم في الحال ، وهو سبب للمنافع الجليلة في المستقبل وبالضد ، ولأجله حسن شرب الدوا المرء في الحال لتوقع حصول الصحة في المستقبل ، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار لتوقع حصول الربح في المستقبل ، وحسن تحمل المشاق في طلب العلم للفوز بالسعادة العظيمة في الدنيا وفي العقبى ، وههنا كذلك وذلك لأن ترك الجهاد وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل ، وصون المال عن الإنفاق ، ولكن فيه أنواع من المضار منها : أن العدو إذا علم ميلكم إلى الدعة والسكون قصة بلادكم وحاول قتلكم فأما أن يأخذكم ويستبيح دماءكم وأموالكم ، وإما أن تحتاجوا إلى قتالهم من غير إعداد آلة وسلاح ، وهذا يكون كترك مداواة المرض في أول ظهوره بسبب نفرة النفس عن تحمل مرارة الدواء ، ثم في آخر الأمر يصير المرء مضطرا إلى تحمل أضعاف تلك النفرة والمشقة ، والحاصل أن القتال سبب لحصول الأمن ، وذلك خير من الانتفاع بسلامة الوقت ، ومنها وجدان الغنيمة ، ومنها / السرور العظيم بالاستيلاء على الأعداء . أما ما يتعلق بالدين فكثيرة ، منها ما يحصل للمجاهد من الثواب العظيم إذا فعل الجهاد تقربا وعبادة وسلك طريقة الاستقامة فلم يفسد ما فعله ، ومنها أنه يخشى عدوكم أن يستغنمكم فلا تصبرون على المحنة فترتدون عن الدين ، ومنها أن عدوكم إذا رأى جدكم في دينكم وبذلكم أنفسكم وأموالكم في طلبه مال بسبب ذلك إلى دينكم فإذا أسلم على يدكم صرتم بسبب ذلك مستحقين للأجر العظيم عند الله ، ومنها أن من أقدم على القتال طلبا لمرضاة الله تعالى كان قد تحمل ألم القتل بسبب طلب رضوان الله ، وما لم يصر الرجل متيقنا بفضل الله وبرحمته وأنه لا يضيع أجر المحسنين ، وبأن لذات الدنيا أمور باطلة لا يرضى بالقتل ومتى كان كذلك فارق الإنسان الدنيا على حب الله وبغض الدنيا ، وذلك من أعظم سعادات الإنسان . فثبت بما ذكرنا أن الطبع ولو كان يكره القتال من أعداء الله فهو خير كثير وبالضد ، ومعلوم أن الأمرين متى تعارضا فالأكثر منفعة هو الراجح وهذا هو المراد من قوله : { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم } . المسألة الثالثة : { الشر } السوء وأصله من شررت الشيء إذا بسطته ، يقال شررت اللحم والثوب إذا بسطته ليجف ، ومنه قوله : وحتى أشرت بالأكف المصاحف { والشرر } اللهب لانبساطه فعلى هذا { للناس الشر } انبساط الأشياء الضارة . المسألة الرابعة : { عسى } توهم الشك مثل { لعل } وهي من الله تعالى يقين ، ومنهم من قال إنها كلمة مطمعة ، فهي لا تدل على حصول الشك للقائل إلا أنها تدل على حصول الشك للمستمع وعلى هذا التقدير لا يحتاج إلى التأويل ، أما إن قلنا بأنها بمعنى { لعل } فالتأويل فيه هو الوجوه المذكورة في قوله تعالى : { لعلكم تتقون } ( البقرة : 183 ) قال الخليل : { عسى } من الله واجب في القرآن قال : { فعسى الله أن يأتى بالفتح } ( المائدة : 52 ) وقد وجد { وعسى الله أن يأتينى بهم جميعا } ( يوسف : 83 ) وقد حصل والله أعلم .
Dio V06/P024–V06/P026Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V06/P024–V06/P026)
Orijinal Metin (AR)أما قوله تعالى : { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } فالمقصود منه الترغيب العظيم في الجهاد وذلك لأن الإنسان إذا اعتقد قصور علم نفسه ، وكمال علم الله تعالى ، ثم علم أنه سبحانه لا يأمر العبد إلا بما فيه خيرته ومصلحته ، علم قطعا أن الذي أمره الله تعالى به وجب عليه امتثاله ، سواء كان مكروها للطبع أو لم يكن فكأنه تعالى قال : يا أيها العبد اعلم أن علمي أكمل من علمك فكن مشتغلا بطاعتي ولا تلتفت إلى مقتضى طبعك فهذه الآية في هذا المقام تجري مجرى قوله تعالى في جواب الملائكة { إني أعلم ما لا تعلمون } . ! 7 < { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولائك حبطت أعمالهم في الدنيا والا خرة وأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } . > 7 ! < < البقرة : ( 217 ) يسألونك عن الشهر . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في أن هذا السائل أكان من المسلمين أو من الكافرين والقائلون بأنه من المسلمين فريقان الأول : الذين قالوا إنه تعالى لما كتب عليهم القتال وقد كان عند القوم الشهر الحرام والمسجد الحرام أعظم الحرمة في المنع من القتال لم يبعد عندهم أن يكون الأمر بالقتال مقيدا بأن يكون في غير هذا الزمان وفي غير هذا المكان فدعاهم ذلك إلى أن سألوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : أيحل لنا قتالهم في هذا الشهر وفي هذا الموضع ؟ فنزلت الآية ، فعلى هذا الوجه الظاهر أن هذا السؤال كان من المسلمين . الفريق الثاني : وهم أكثر المفسرين : رووا عن ابن عباس أنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش الأسدي وهو ابن عمته قبل قتال بدر بشهرين ، وبعد سبعة عشر شهرا من مقدمة المدينة في ثمانية رهط ، وكتب له كتابا وعهدا ودفعه إليه ، وأمره أن يفتحه بعد منزلتين ، ويقرأه على أصحابه ، ويعمل بما فيه ، فإذا فيه : أما بعد فسر على بركة الله تعالى بمن اتبعك حتى تنزل بطن نخل ، فترصد بها عير قريش لعلك أن تأتينا منه بخير ، فقال عبد الله : سمعا / وطاعة لأمره فقال لأصحابه : من أحب منكم الشهادة فلينطلق معي فإني ماض لأمره ، ومن أحب التخلف فليتخلف فمضى حتى بلغ بطن نخل بين مكة والطائف ، فمر عليهم عمرو بن الحضرمي وثلاثة معه ، فلما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حلقوا رأس واحد منهم وأوهموا بذلك أنهم قوم عمار ، ثم أتى واقد بن عبد الله الحنظلي وهو أحد من كان مع عبد الله بن جحش ورمى عمرو بن الحضرمي فقتله ، وأسروا اثنين وساقوا العير بما فيه حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فضجت قريش وقالوا : قد استحل محمد الشهر الحرام ، شهر يأمن فيه الخائف فيسفك فيه الدماء ، والمسلمون أيضا قد استبعدوا ذلك ، فقال عليه الصلاة والسلام : إني ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام ، وقال عبد الله بن جحش يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي ، ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسارى ، فنزلت هذه الآية ، فأخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام الغنيمة ، وعلى هذا التقدير فالأظهر أن هذا السؤال إنما صدر عن المسلمين لوجوه أحدها : أن أكثر الحاضرين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين وثانيها : أن ما قبل هذه الآية وما بعدها خطاب مع المسلمين أما ما قبل هذه الآية فقوله : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } وهو خطاب مع المسلمين وقوله : { يسئلونك عن الخمر والميسر فى الدنيا والاخرة } ( البقرة : 219 ، 220 ) وثالثها : روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن منها { يسئلونك عن الشهر الحرام } .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)أما قوله تعالى : { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } فالمقصود منه الترغيب العظيم في الجهاد وذلك لأن الإنسان إذا اعتقد قصور علم نفسه ، وكمال علم الله تعالى ، ثم علم أنه سبحانه لا يأمر العبد إلا بما فيه خيرته ومصلحته ، علم قطعا أن الذي أمره الله تعالى به وجب عليه امتثاله ، سواء كان مكروها للطبع أو لم يكن فكأنه تعالى قال : يا أيها العبد اعلم أن علمي أكمل من علمك فكن مشتغلا بطاعتي ولا تلتفت إلى مقتضى طبعك فهذه الآية في هذا المقام تجري مجرى قوله تعالى في جواب الملائكة { إني أعلم ما لا تعلمون } . ! 7 < { يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولائك حبطت أعمالهم في الدنيا والا خرة وأولائك أصحاب النار هم فيها خالدون } . > 7 ! < < البقرة : ( 217 ) يسألونك عن الشهر . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في أن هذا السائل أكان من المسلمين أو من الكافرين والقائلون بأنه من المسلمين فريقان الأول : الذين قالوا إنه تعالى لما كتب عليهم القتال وقد كان عند القوم الشهر الحرام والمسجد الحرام أعظم الحرمة في المنع من القتال لم يبعد عندهم أن يكون الأمر بالقتال مقيدا بأن يكون في غير هذا الزمان وفي غير هذا المكان فدعاهم ذلك إلى أن سألوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : أيحل لنا قتالهم في هذا الشهر وفي هذا الموضع ؟ فنزلت الآية ، فعلى هذا الوجه الظاهر أن هذا السؤال كان من المسلمين . الفريق الثاني : وهم أكثر المفسرين : رووا عن ابن عباس أنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش الأسدي وهو ابن عمته قبل قتال بدر بشهرين ، وبعد سبعة عشر شهرا من مقدمة المدينة في ثمانية رهط ، وكتب له كتابا وعهدا ودفعه إليه ، وأمره أن يفتحه بعد منزلتين ، ويقرأه على أصحابه ، ويعمل بما فيه ، فإذا فيه : أما بعد فسر على بركة الله تعالى بمن اتبعك حتى تنزل بطن نخل ، فترصد بها عير قريش لعلك أن تأتينا منه بخير ، فقال عبد الله : سمعا / وطاعة لأمره فقال لأصحابه : من أحب منكم الشهادة فلينطلق معي فإني ماض لأمره ، ومن أحب التخلف فليتخلف فمضى حتى بلغ بطن نخل بين مكة والطائف ، فمر عليهم عمرو بن الحضرمي وثلاثة معه ، فلما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حلقوا رأس واحد منهم وأوهموا بذلك أنهم قوم عمار ، ثم أتى واقد بن عبد الله الحنظلي وهو أحد من كان مع عبد الله بن جحش ورمى عمرو بن الحضرمي فقتله ، وأسروا اثنين وساقوا العير بما فيه حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فضجت قريش وقالوا : قد استحل محمد الشهر الحرام ، شهر يأمن فيه الخائف فيسفك فيه الدماء ، والمسلمون أيضا قد استبعدوا ذلك ، فقال عليه الصلاة والسلام : إني ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام ، وقال عبد الله بن جحش يا رسول الله إنا قتلنا ابن الحضرمي ، ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسارى ، فنزلت هذه الآية ، فأخذ رسول الله عليه الصلاة والسلام الغنيمة ، وعلى هذا التقدير فالأظهر أن هذا السؤال إنما صدر عن المسلمين لوجوه أحدها : أن أكثر الحاضرين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين وثانيها : أن ما قبل هذه الآية وما بعدها خطاب مع المسلمين أما ما قبل هذه الآية فقوله : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } وهو خطاب مع المسلمين وقوله : { يسئلونك عن الخمر والميسر فى الدنيا والاخرة } ( البقرة : 219 ، 220 ) وثالثها : روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن منها { يسئلونك عن الشهر الحرام } .
Dio V06/P026–V06/P027Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V06/P026–V06/P027)
Orijinal Metin (AR)والقول الثاني : أن هذا السؤال كان من الكفار قالوا : سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن القتال في الشهر الحرام حتى لو أخبرهم بأنه حلال فتكوا به واستحلوا قتاله فيه فأنزل الله تعالى هذه الآية : { يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه } أي يسألونك عن قتال في الشهر الحرام { قل قتال فيه كبير } ولكن الصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام والكفر به أكبر من ذلك القتال { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم } فبين تعالى أن غرضهم من هذا السؤال أن يقاتلوا المسلمين ثم أنزل الله تعالى بعده قوله : { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } ( البقرة : 194 ) فصرح في هذه الآية بأن القتال على سبيل الدفع جائز . المسألة الثانية : قوله تعالى : { قتال فيه } خفص على البدل من الشهر الحرام ، وهذا يسمى بدل الإشتمال ، كقولك : أعجبني زيد علمه ونفعني زيد كلامه وسرق زيد ماله ، وسلب زيد ثوابه ، قال تعالى : { قتل أصحاب الاخدود النار ذات الوقود } ( البروج : 4 ، 5 ) وقال بعضهم الخفض في قتال على تكرير العامل والتقدير : يسألونك عن الشهر الحرام عن قتال فيه ، وهكذا هو في قراءة ابن مسعود والربيع ، ونظيره قوله تعالى : { للذين الاعراف استضعفوا لمن ءامن منهم } وقرأ عكرمة { قتل فيه } . / أما قوله تعالى : { قل قتال فيه كبير } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : { قتال فيه } مبتدأ و { كبير } خبره ، وقوله : { قتال } وإن كان نكرة إلا أنه تخصص بقوله : { فيه } فحسن جعله مبتدأ والمراد من قوله : { كبير } أي عظيم مستنكر كما يسمى الذنب العظيم كبيرة قال تعالى : { كبرت كلمة تخرج من أفواههم } ( الكهف : 5 ) . فإن قيل : لم نكر القتال في قوله تعالى : { قتال فيه } ومن حق النكرة إذا تكررت أن تجيء باللام حتى يكون المذكور الثاني هو الأول ، لأنه لو لم يكن كذلك كان المذكور الثاني غير الأول كما في قوله تعالى : { إن مع العسر يسرا } ( الشرح : 6 ) . قلنا : نعم ما ذكرتم أن اللفظ إذا تكرر وكانا نكرتين كان المراد بالثاني إذن غير الأول والقوم أرادوا بقولهم : { يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه } ذلك القتال المعين الذي أقدم عليه عبد الله بن جحش ، فقال تعالى : { قل قتال فيه كبير } وفيه تنبيه على أن القتال الذي يكون كبيرا ليس هو هذا القتال الذي سألتم عنه ، بل هو قتال آخر لأن هذا القتال كان الغرض به نصرة الإسلام وإذلال الفكر فكيف يكون هذا من الكبائر ، إنما القتال الكبير هو الذي يكون الغرض فيه هدم الإسلام وتقوية الكفر فكان اختيار التنكير في اللفظين لأجل هذه الدقيقة إلا أنه تعالى ما صرح بهذا الكلام لئلا تضيق قلوبهم بل أبهم الكلام بحيث يكون ظاهره كالموهم لما أرادوه ، وباطنه يكون موافقا للحق ، وهذا إنما حصل بأن ذكر هذين اللفظين على سبيل التنكير ، ولو أنه وقع التعبير عنهما أو عن أحدهما بلفظ التعريف لبطلت هذه الفائدة الجليلة ، فسبحان من له تحت كل كلمة من كلمات هذا الكتاب سر لطيف لا يهتدي إليه إلا أولوا الألباب .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)والقول الثاني : أن هذا السؤال كان من الكفار قالوا : سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن القتال في الشهر الحرام حتى لو أخبرهم بأنه حلال فتكوا به واستحلوا قتاله فيه فأنزل الله تعالى هذه الآية : { يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه } أي يسألونك عن قتال في الشهر الحرام { قل قتال فيه كبير } ولكن الصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام والكفر به أكبر من ذلك القتال { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم } فبين تعالى أن غرضهم من هذا السؤال أن يقاتلوا المسلمين ثم أنزل الله تعالى بعده قوله : { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } ( البقرة : 194 ) فصرح في هذه الآية بأن القتال على سبيل الدفع جائز . المسألة الثانية : قوله تعالى : { قتال فيه } خفص على البدل من الشهر الحرام ، وهذا يسمى بدل الإشتمال ، كقولك : أعجبني زيد علمه ونفعني زيد كلامه وسرق زيد ماله ، وسلب زيد ثوابه ، قال تعالى : { قتل أصحاب الاخدود النار ذات الوقود } ( البروج : 4 ، 5 ) وقال بعضهم الخفض في قتال على تكرير العامل والتقدير : يسألونك عن الشهر الحرام عن قتال فيه ، وهكذا هو في قراءة ابن مسعود والربيع ، ونظيره قوله تعالى : { للذين الاعراف استضعفوا لمن ءامن منهم } وقرأ عكرمة { قتل فيه } . / أما قوله تعالى : { قل قتال فيه كبير } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : { قتال فيه } مبتدأ و { كبير } خبره ، وقوله : { قتال } وإن كان نكرة إلا أنه تخصص بقوله : { فيه } فحسن جعله مبتدأ والمراد من قوله : { كبير } أي عظيم مستنكر كما يسمى الذنب العظيم كبيرة قال تعالى : { كبرت كلمة تخرج من أفواههم } ( الكهف : 5 ) . فإن قيل : لم نكر القتال في قوله تعالى : { قتال فيه } ومن حق النكرة إذا تكررت أن تجيء باللام حتى يكون المذكور الثاني هو الأول ، لأنه لو لم يكن كذلك كان المذكور الثاني غير الأول كما في قوله تعالى : { إن مع العسر يسرا } ( الشرح : 6 ) . قلنا : نعم ما ذكرتم أن اللفظ إذا تكرر وكانا نكرتين كان المراد بالثاني إذن غير الأول والقوم أرادوا بقولهم : { يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه } ذلك القتال المعين الذي أقدم عليه عبد الله بن جحش ، فقال تعالى : { قل قتال فيه كبير } وفيه تنبيه على أن القتال الذي يكون كبيرا ليس هو هذا القتال الذي سألتم عنه ، بل هو قتال آخر لأن هذا القتال كان الغرض به نصرة الإسلام وإذلال الفكر فكيف يكون هذا من الكبائر ، إنما القتال الكبير هو الذي يكون الغرض فيه هدم الإسلام وتقوية الكفر فكان اختيار التنكير في اللفظين لأجل هذه الدقيقة إلا أنه تعالى ما صرح بهذا الكلام لئلا تضيق قلوبهم بل أبهم الكلام بحيث يكون ظاهره كالموهم لما أرادوه ، وباطنه يكون موافقا للحق ، وهذا إنما حصل بأن ذكر هذين اللفظين على سبيل التنكير ، ولو أنه وقع التعبير عنهما أو عن أحدهما بلفظ التعريف لبطلت هذه الفائدة الجليلة ، فسبحان من له تحت كل كلمة من كلمات هذا الكتاب سر لطيف لا يهتدي إليه إلا أولوا الألباب .