Qur'an&Sunnahالقرآن

Fahreddin Râzî - Mefâtîhu'l-Gayb

Fahreddin Râzî · AR

Dio V09/P116–V09/P117Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V09/P116–V09/P117)
Orijinal Metin (AR)

! 7 < { ربنآ إننآ سمعنا مناديا ينادى للإيمان أن ءامنوا بربكم فأامنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الا برار } . > 7 ! < < آل عمران : ( 193 ) ربنا إننا سمعنا . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : في المنادى قولان : أحدهما : أنه محمد عليه الصلاة والسلام وهو قول الأكثرين ، والدليل عليه قوله تعالى : { ادع إلى سبيل ربك } ( النحل : 125 ) { وداعيا إلى الله بإذنه } ( الأحزاب : 46 ) { أدعو إلى الله } ( يوسف : 108 ) والثاني : أنه هو القرآن ، قالوا إنه تعالى حكى عن مؤمني الانس ذلك كما حكى عن مؤمني الجن قوله : { قل أوحى إلى أنه يهدى إلى الرشد فئامنا به } ( الجن : 1 2 ) قالوا : والدليل على أن تفسير الآية بهذا الوجه أولى لأنه ليس كل أحد لقي النبي صلى الله عليه وسلم ، أما القرآن فكل أحد سمعه وفهمه ، قالوا : وهذا / وان كان مجازا إلا أنه مجاز متعارف ، لأن القرآن لما كان مشتملا على الرشد ، وكان كل من تأمله وصل به إلى الهدى إذا وفقه الله تعالى لذلك ، فصار كأنه يدعو إلى نفسه وينادي بما فيه من أنواع الدلائل ، كما قيل في جهنم : { تدعوا من أدبر وتولى } ( المعارج : 17 ) إذ كان مصيرهم اليها ، والفصحاء والشعراء يصفون الدهر بأنه ينادي ويعظ ، ومرادهم منها دلالة تصاريف الزمان ، قال الشاعر : يا واضع الميت في قبره خاطبك الدهر فلم تسمع المسألة الثانية : في قوله : { ينادى للإيمان } وجوه : الأول : ان اللام بمعنى ( إلى ) كقوله : { ثم يعودون لما نهوا عنه } ( المجادلة : 3 ) { ثم يعودون لما قالوا } ( المجادلة : 8 ) { بأن ربك أوحى لها } ( الزلزلة : 5 ) { الحمد لله الذى هدانا لهاذا } ( الأعراف : 43 ) ويقال : دعاه لكذا والى كذا ، وندبه له واليه ، وناداه له وإليه ، وهداه للطريق واليه ، والسبب في إقامة كل واحدة من هاتين اللفظتين مقام الأخرى : أن معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص حاصلان جميعا . الثاني : قال أبو عبيدة : هذا على التقديم والتأخير ، أي سمعنا مناديا للايمان ينادي بأن آمنوا ، كما يقال : جاءنا منادي الأمير ينادي بكذا وكذا . والثالث : أن هذه اللام لام الأجل والمعنى : سمعنا مناديا كان نداؤه ليؤمن الناس ، أي كان المنادي ينادي لهذا الغرض ، ألا تراه قال : { ربنا إننا سمعنا } أي لتؤمن الناس ، وهو كقوله : { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } ( النساء : 64 ) . المسألة الثالثة : قوله : { سمعنا مناديا ينادى } نظيره قولك : سمعت رجلا يقول كذا ، وسمعت زيدا يتكلم ، فيوقع الفعل على الرجل ويحذف المسموع ، لأنك وصفته بما يسمع وجعلته حالا عنه فاغناك عن ذكره ، ولأن الوصف أو الحال لم يكن بد منه ، وانه يقال : سمعت كلام فلان أو قوله . المسألة الرابعة : ههنا سؤال وهو أن يقال : ما الفائدة في الجمع بين المنادي وينادي ؟

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

! 7 < { ربنآ إننآ سمعنا مناديا ينادى للإيمان أن ءامنوا بربكم فأامنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الا برار } . > 7 ! < < آل عمران : ( 193 ) ربنا إننا سمعنا . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : في المنادى قولان : أحدهما : أنه محمد عليه الصلاة والسلام وهو قول الأكثرين ، والدليل عليه قوله تعالى : { ادع إلى سبيل ربك } ( النحل : 125 ) { وداعيا إلى الله بإذنه } ( الأحزاب : 46 ) { أدعو إلى الله } ( يوسف : 108 ) والثاني : أنه هو القرآن ، قالوا إنه تعالى حكى عن مؤمني الانس ذلك كما حكى عن مؤمني الجن قوله : { قل أوحى إلى أنه يهدى إلى الرشد فئامنا به } ( الجن : 1 2 ) قالوا : والدليل على أن تفسير الآية بهذا الوجه أولى لأنه ليس كل أحد لقي النبي صلى الله عليه وسلم ، أما القرآن فكل أحد سمعه وفهمه ، قالوا : وهذا / وان كان مجازا إلا أنه مجاز متعارف ، لأن القرآن لما كان مشتملا على الرشد ، وكان كل من تأمله وصل به إلى الهدى إذا وفقه الله تعالى لذلك ، فصار كأنه يدعو إلى نفسه وينادي بما فيه من أنواع الدلائل ، كما قيل في جهنم : { تدعوا من أدبر وتولى } ( المعارج : 17 ) إذ كان مصيرهم اليها ، والفصحاء والشعراء يصفون الدهر بأنه ينادي ويعظ ، ومرادهم منها دلالة تصاريف الزمان ، قال الشاعر : يا واضع الميت في قبره خاطبك الدهر فلم تسمع المسألة الثانية : في قوله : { ينادى للإيمان } وجوه : الأول : ان اللام بمعنى ( إلى ) كقوله : { ثم يعودون لما نهوا عنه } ( المجادلة : 3 ) { ثم يعودون لما قالوا } ( المجادلة : 8 ) { بأن ربك أوحى لها } ( الزلزلة : 5 ) { الحمد لله الذى هدانا لهاذا } ( الأعراف : 43 ) ويقال : دعاه لكذا والى كذا ، وندبه له واليه ، وناداه له وإليه ، وهداه للطريق واليه ، والسبب في إقامة كل واحدة من هاتين اللفظتين مقام الأخرى : أن معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص حاصلان جميعا . الثاني : قال أبو عبيدة : هذا على التقديم والتأخير ، أي سمعنا مناديا للايمان ينادي بأن آمنوا ، كما يقال : جاءنا منادي الأمير ينادي بكذا وكذا . والثالث : أن هذه اللام لام الأجل والمعنى : سمعنا مناديا كان نداؤه ليؤمن الناس ، أي كان المنادي ينادي لهذا الغرض ، ألا تراه قال : { ربنا إننا سمعنا } أي لتؤمن الناس ، وهو كقوله : { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } ( النساء : 64 ) . المسألة الثالثة : قوله : { سمعنا مناديا ينادى } نظيره قولك : سمعت رجلا يقول كذا ، وسمعت زيدا يتكلم ، فيوقع الفعل على الرجل ويحذف المسموع ، لأنك وصفته بما يسمع وجعلته حالا عنه فاغناك عن ذكره ، ولأن الوصف أو الحال لم يكن بد منه ، وانه يقال : سمعت كلام فلان أو قوله . المسألة الرابعة : ههنا سؤال وهو أن يقال : ما الفائدة في الجمع بين المنادي وينادي ؟

Dio V09/P117–V09/P118Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V09/P117–V09/P118)
Orijinal Metin (AR)

وجوابه : ذكر النداء مطلقا ثم مقيدا بالايمان تفخيما لشأن المنادي ، لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للايمان ، ونظيره قولك : مررت بهاد يهدي للاسلام ، وذلك لأن المنادي اذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب ، أو لاطفاء النائرة ، أو لاغاثة المكروب ، أو الكفاية لبعض النوازل ، وكذلك الهادي ، وقد يطلق على من يهدي للطريق ، ويهدي لسداد الرأي ، فاذا قلت ينادي للايمان ويهدي للاسلام فقد رفعت من شأن المنادي والهادي وفخمته . المسألة الخامسة : قوله : { وإذا أنزلت } فيه حذف أو إضمار / والتقدير : آمنوا أو بأن آمنوا ، ثم حكى الله عنهم أنهم قالوا بعد ذلك : { فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الابرار } وفي الآية مسائل : / المسألة الأولى : أعلم أنهم طلبوا من الله تعالى في هذا الدعاء ثلاثة أشياء : أولها : غفران الذنوب ، وثانيها : تكفير السيئات ، وثالثها : أن تكون وفاتهم مع الأبرار . أما الغفران فهو الستر والتغطية ، والتكفير أيضا هو التغطية ، يقال : رجل مكفر بالسلاح ، أي مغطى به ، والكفر منه أيضا ، وقال لبيد : في ليلة كفر النجوم ظلامها اذا عرفت هذا : فالمغفرة والتكفير بحسب اللغة معناهما شيء واحد . أما المفسرون فذكروا فيه وجوها : أحدها : أن المراد بهما شيء واحد وإنما أعيد ذلك للتأكيد لأن الالحاح في الدعاء والمبالغة فيه مندوب ، وثانيها : المراد بالأول ما تقدم من الذنوب ، وبالثاني المستأنف ، وثالثها : أن يريد بالغفران ما يزول بالتوبة ، وبالكفران ما تكفره الطاعة العظيمة ، ورابعها : أن يكون المراد بالاول ما أتى به الانسان مع العلم بكونه معصية وذنبا ، وبالثاني : ما أتى به الانسان مع جهله بكونه معصية وذنبا . وأما قوله : { وتوفنا مع الابرار } ففيه بحثان : الأول : أن الأبرار جمع بر أو بار ، كرب وأرباب ، وصاحب وأصحاب ، الثاني : ذكر القفال في تفسير هذه المعية وجهين : الأول : أن وفاتهم معهم هي أن يموتوا على مثل أعمالهم حتى يكونوا في درجاتهم يوم القيامة ، قد يقول الرجل أنا مع الشافعي في هذه المسألة ، ويريد به كونه مساويا له في ذلك الإعتقاد ، والثاني : يقال فلان في العطاء مع أصحاب الألوف ، أي هو مشارك لهم في أنه يعطي ألفا . والثالث : أن يكون المراد منه كونهم في جملة أتباع الأبرار وأشياعهم ، ومنه قوله : { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين } ( النساء : 69 ) .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وجوابه : ذكر النداء مطلقا ثم مقيدا بالايمان تفخيما لشأن المنادي ، لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للايمان ، ونظيره قولك : مررت بهاد يهدي للاسلام ، وذلك لأن المنادي اذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب ، أو لاطفاء النائرة ، أو لاغاثة المكروب ، أو الكفاية لبعض النوازل ، وكذلك الهادي ، وقد يطلق على من يهدي للطريق ، ويهدي لسداد الرأي ، فاذا قلت ينادي للايمان ويهدي للاسلام فقد رفعت من شأن المنادي والهادي وفخمته . المسألة الخامسة : قوله : { وإذا أنزلت } فيه حذف أو إضمار / والتقدير : آمنوا أو بأن آمنوا ، ثم حكى الله عنهم أنهم قالوا بعد ذلك : { فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الابرار } وفي الآية مسائل : / المسألة الأولى : أعلم أنهم طلبوا من الله تعالى في هذا الدعاء ثلاثة أشياء : أولها : غفران الذنوب ، وثانيها : تكفير السيئات ، وثالثها : أن تكون وفاتهم مع الأبرار . أما الغفران فهو الستر والتغطية ، والتكفير أيضا هو التغطية ، يقال : رجل مكفر بالسلاح ، أي مغطى به ، والكفر منه أيضا ، وقال لبيد : في ليلة كفر النجوم ظلامها اذا عرفت هذا : فالمغفرة والتكفير بحسب اللغة معناهما شيء واحد . أما المفسرون فذكروا فيه وجوها : أحدها : أن المراد بهما شيء واحد وإنما أعيد ذلك للتأكيد لأن الالحاح في الدعاء والمبالغة فيه مندوب ، وثانيها : المراد بالأول ما تقدم من الذنوب ، وبالثاني المستأنف ، وثالثها : أن يريد بالغفران ما يزول بالتوبة ، وبالكفران ما تكفره الطاعة العظيمة ، ورابعها : أن يكون المراد بالاول ما أتى به الانسان مع العلم بكونه معصية وذنبا ، وبالثاني : ما أتى به الانسان مع جهله بكونه معصية وذنبا . وأما قوله : { وتوفنا مع الابرار } ففيه بحثان : الأول : أن الأبرار جمع بر أو بار ، كرب وأرباب ، وصاحب وأصحاب ، الثاني : ذكر القفال في تفسير هذه المعية وجهين : الأول : أن وفاتهم معهم هي أن يموتوا على مثل أعمالهم حتى يكونوا في درجاتهم يوم القيامة ، قد يقول الرجل أنا مع الشافعي في هذه المسألة ، ويريد به كونه مساويا له في ذلك الإعتقاد ، والثاني : يقال فلان في العطاء مع أصحاب الألوف ، أي هو مشارك لهم في أنه يعطي ألفا . والثالث : أن يكون المراد منه كونهم في جملة أتباع الأبرار وأشياعهم ، ومنه قوله : { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين } ( النساء : 69 ) .

Dio V09/P118–V09/P119Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V09/P118–V09/P119)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثانية : احتج أصحابنا على حصول العفو بدون التوبة بهذه الآية أعني قوله تعالى حكاية عنهم : { فاغفر لنا ذنوبنا } ( آل عمران : 16 ) والاستدلال به من وجهين : الأول : أنهم طلبوا غفران الذنوب ولم يكن للتوبة فيه ذكر ، فدل على أنهم طلبوا المغفرة مطلقا ، ثم ان الله تعالى أجابهم اليه لأنه قال في آخر الآية : { فاستجاب لهم ربهم } ( آل عمران : 195 ) وهذا صريح في أنه تعالى قد يعفو عن الذنب وان لم توجد التوبة . والثاني : وهو أنه تعالى حكى عنهم أنهم لما أخبروا عن أنفسهم بأنهم آمنوا ، فعند هذا قالوا : فاغفر لنا ذنوبنا ، والفاء في قوله : { فاغفر } فاء الجزاء وهذا يدل على أن مجرد الايمان سبب لحسن طلب المغفرة من الله ، ثم ان الله تعالى أجابهم اليه بقوله : { فاستجاب لهم ربهم } فدلت هذه الآية على ان مجرد الايمان سبب لحصول الغفران ، إما من الابتداء وهو بأن يعفو عنهم ولا يدخلهم النار أو بأن يدخلهم النار ويعذبهم مدة ثم يعفو عنهم ويخرجهم من النار ، فثبت دلالة هذه الآية من / هذين الوجهين على حصول العفو . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في حق أصحاب الكبائر مقبولة يوم القيامة ، وذلك لأن هذه الآية دلت على أن هؤلاء المؤمنين طلبوا من الله غفران الذنوب مطلقا من غير أن قيدوا ذلك بالتوبة ، فأجاب الله قولهم وأعطاهم مطلوبهم فاذا قبل شفاعة المؤمنين في العفو عن الذنب ، فلأن يقبل شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فيه كان أولى . النوع الرابع : من دعائهم . ! 7 < { ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد } . > 7 ! < < آل عمران : ( 194 ) ربنا وآتنا ما . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : { ربنا وءاتنا ما وعدتنا على } فيه حذف المضاف ثم فيه وجوه أحدها : وآتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك . وثانيها : وآتنا ما وعدتنا على تصديق رسلك ، والدليل عليه أن هذه الآية مذكورة عقيب ذكر المنادي للايمان وهو ، الرسول وعقيب قوله : { من } وهو التصديق . المسألة الثانية : ههنا سؤال : وهو أن الخلف في وعد الله محال ، فكيف طلبوا بالدعاء ما علموا أنه لا محالة واقع ؟ والجواب عنه من وجوه : الأول : أنه ليس المقصود من الدعاء طلب الفعل ، بل المقصود منه إظهار الخضوع والذلة والعبودية ، وقد أمرنا بالدعاء في أشياء نعلم قطعا أنها توجد لا محالة ، كقوله : { قل رب احكم بالحق } ( الأنبياء : 112 ) وقوله : { فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك } ( غافر : 7 ) . والوجه الثاني في الجواب : أن وعد الله لا يتناول آحاد الأمة بأعيانهم ، بل إنما يتناولهم بحسب أوصافهم ، فانه تعالى وعد المتقين بالثواب ، ووعد الفساق بالعقاب ، فقوله : { ربنا وءاتنا ما } معناه : وفقنا للاعمال التي بها نصير أهلا لوعدك ، واعصمنا من الأعمال التي نصير بها أهلا للعقاب / والخزي ، وعلى هذا التقدير يكون المقصود من هذه الآية طلب التوفيق للطاعة والعصمة عن المعصية . الوجه الثالث : ان الله تعالى وعد المؤمنين بأن ينصرهم في الدنيا ويقهر عدوهم ، فهم طلبوا تعجيل ذلك ، وعلى هذا التقدير يزول الاشكال .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثانية : احتج أصحابنا على حصول العفو بدون التوبة بهذه الآية أعني قوله تعالى حكاية عنهم : { فاغفر لنا ذنوبنا } ( آل عمران : 16 ) والاستدلال به من وجهين : الأول : أنهم طلبوا غفران الذنوب ولم يكن للتوبة فيه ذكر ، فدل على أنهم طلبوا المغفرة مطلقا ، ثم ان الله تعالى أجابهم اليه لأنه قال في آخر الآية : { فاستجاب لهم ربهم } ( آل عمران : 195 ) وهذا صريح في أنه تعالى قد يعفو عن الذنب وان لم توجد التوبة . والثاني : وهو أنه تعالى حكى عنهم أنهم لما أخبروا عن أنفسهم بأنهم آمنوا ، فعند هذا قالوا : فاغفر لنا ذنوبنا ، والفاء في قوله : { فاغفر } فاء الجزاء وهذا يدل على أن مجرد الايمان سبب لحسن طلب المغفرة من الله ، ثم ان الله تعالى أجابهم اليه بقوله : { فاستجاب لهم ربهم } فدلت هذه الآية على ان مجرد الايمان سبب لحصول الغفران ، إما من الابتداء وهو بأن يعفو عنهم ولا يدخلهم النار أو بأن يدخلهم النار ويعذبهم مدة ثم يعفو عنهم ويخرجهم من النار ، فثبت دلالة هذه الآية من / هذين الوجهين على حصول العفو . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في حق أصحاب الكبائر مقبولة يوم القيامة ، وذلك لأن هذه الآية دلت على أن هؤلاء المؤمنين طلبوا من الله غفران الذنوب مطلقا من غير أن قيدوا ذلك بالتوبة ، فأجاب الله قولهم وأعطاهم مطلوبهم فاذا قبل شفاعة المؤمنين في العفو عن الذنب ، فلأن يقبل شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فيه كان أولى . النوع الرابع : من دعائهم . ! 7 < { ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد } . > 7 ! < < آل عمران : ( 194 ) ربنا وآتنا ما . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : { ربنا وءاتنا ما وعدتنا على } فيه حذف المضاف ثم فيه وجوه أحدها : وآتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك . وثانيها : وآتنا ما وعدتنا على تصديق رسلك ، والدليل عليه أن هذه الآية مذكورة عقيب ذكر المنادي للايمان وهو ، الرسول وعقيب قوله : { من } وهو التصديق . المسألة الثانية : ههنا سؤال : وهو أن الخلف في وعد الله محال ، فكيف طلبوا بالدعاء ما علموا أنه لا محالة واقع ؟ والجواب عنه من وجوه : الأول : أنه ليس المقصود من الدعاء طلب الفعل ، بل المقصود منه إظهار الخضوع والذلة والعبودية ، وقد أمرنا بالدعاء في أشياء نعلم قطعا أنها توجد لا محالة ، كقوله : { قل رب احكم بالحق } ( الأنبياء : 112 ) وقوله : { فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك } ( غافر : 7 ) . والوجه الثاني في الجواب : أن وعد الله لا يتناول آحاد الأمة بأعيانهم ، بل إنما يتناولهم بحسب أوصافهم ، فانه تعالى وعد المتقين بالثواب ، ووعد الفساق بالعقاب ، فقوله : { ربنا وءاتنا ما } معناه : وفقنا للاعمال التي بها نصير أهلا لوعدك ، واعصمنا من الأعمال التي نصير بها أهلا للعقاب / والخزي ، وعلى هذا التقدير يكون المقصود من هذه الآية طلب التوفيق للطاعة والعصمة عن المعصية . الوجه الثالث : ان الله تعالى وعد المؤمنين بأن ينصرهم في الدنيا ويقهر عدوهم ، فهم طلبوا تعجيل ذلك ، وعلى هذا التقدير يزول الاشكال .

Dio V09/P119–V09/P120Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V09/P119–V09/P120)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثالثة : الآية دلت على أنهم إنما طلبوا منافع الآخرة بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق لأنهم قالوا : ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ، وفي آخر الكلام قالوا : { إنك لا تخلف الميعاد } وهذا يدل على أن المقتضى لحصول منافع الآخرة هو الوعد لا الاستحقاق . المسألة الرابعة : ههنا سؤال آخر : وهو أنه متى حصل الثواب كان اندفاع العقاب لازما لا محالة ، فقوله : { أتانا ما وعدتنا على رسلك } طلب للثواب ، فبعد طلب الثواب كيف طلب ترك العقاب ؟ وهو قوله : { ولا تخزنا يوم القيامة } بل لو طلب ترك العقاب أولا ثم طلب إيصال الثواب كان الكلام مستقيما . والجواب من وجهين : الأول : أن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم والسرور فقوله : { أتانا ما وعدتنا على رسلك } المراد منه المنافع ، وقوله : { ولا تخزنا } المراد منه التعظيم ، الثاني : أنا قد بينا أن المقصود من هذه الآية طلب التوفيق على الطاعة والعصمة عن المعصية ، وعلى هذا التقدير يحسن النظم كأنه قيل : وفقنا للطاعات ، واذا وفقنا لها فاعصمنا عما يبطلها ويزيلها ويوقعنا في الخزي والهلاك ، والحاصل كأنه قيل : وفقنا لطاعتك فانا لا نقدر على شيء من الطاعات إلا بتوفيقك ، واذا وفقت لفعلها فوفقنا لاستبقائها فانا لا نقدر على استبقائها واستدامتها إلا بتوفيقك ، وهو إشارة إلى أن العبد لا يمكنه عمل من الأعمال ، ولا فعل من الأفعال ، ولا لمحة ولا حركة إلا باعانة الله وتوفيقه . المسألة الخامسة : قوله : { ولا تخزنا يوم القيامة } شبيه بقوله : { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } ( الزمر : 47 ) فانه ربما ظن الانسان أنه على الإعتقاد الحق والعمل الصالح ، ثم انه يوم القيامة يظهر له أن اعتقاده كان ضلالا وعمله كان ذنبا ، فهناك تحصل الخجالة العظيمة والحسرة الكاملة والأسف الشديد / ثم قال حكماء الاسلام : وذلك هو العذاب الروحاني . قالوا : وهذا العذاب أشد من العذاب الجسماني ، ومما يدل على هذا أنه سبحانه حكى عن هؤلاء العباد المؤمنين أنهم طلبوا في هذا الدعاء أشياء فأول مطالبهم الاحتراز عن العذاب الجسماني وهو قوله : { فقنا عذاب النار } ( آل عمران : 191 ) وآخرها الاحتراز عن العذاب الروحاني وهو قوله : { ولا تخزنا يوم القيامة } وذلك يدل على أن العذاب الروحاني أشد من العذاب الجسماني . ! 7 < { فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا فى سبيلى وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الا نهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب } . > 7 ! < < آل عمران : ( 195 ) فاستجاب لهم ربهم . . . . .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثالثة : الآية دلت على أنهم إنما طلبوا منافع الآخرة بحكم الوعد لا بحكم الاستحقاق لأنهم قالوا : ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ، وفي آخر الكلام قالوا : { إنك لا تخلف الميعاد } وهذا يدل على أن المقتضى لحصول منافع الآخرة هو الوعد لا الاستحقاق . المسألة الرابعة : ههنا سؤال آخر : وهو أنه متى حصل الثواب كان اندفاع العقاب لازما لا محالة ، فقوله : { أتانا ما وعدتنا على رسلك } طلب للثواب ، فبعد طلب الثواب كيف طلب ترك العقاب ؟ وهو قوله : { ولا تخزنا يوم القيامة } بل لو طلب ترك العقاب أولا ثم طلب إيصال الثواب كان الكلام مستقيما . والجواب من وجهين : الأول : أن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم والسرور فقوله : { أتانا ما وعدتنا على رسلك } المراد منه المنافع ، وقوله : { ولا تخزنا } المراد منه التعظيم ، الثاني : أنا قد بينا أن المقصود من هذه الآية طلب التوفيق على الطاعة والعصمة عن المعصية ، وعلى هذا التقدير يحسن النظم كأنه قيل : وفقنا للطاعات ، واذا وفقنا لها فاعصمنا عما يبطلها ويزيلها ويوقعنا في الخزي والهلاك ، والحاصل كأنه قيل : وفقنا لطاعتك فانا لا نقدر على شيء من الطاعات إلا بتوفيقك ، واذا وفقت لفعلها فوفقنا لاستبقائها فانا لا نقدر على استبقائها واستدامتها إلا بتوفيقك ، وهو إشارة إلى أن العبد لا يمكنه عمل من الأعمال ، ولا فعل من الأفعال ، ولا لمحة ولا حركة إلا باعانة الله وتوفيقه . المسألة الخامسة : قوله : { ولا تخزنا يوم القيامة } شبيه بقوله : { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } ( الزمر : 47 ) فانه ربما ظن الانسان أنه على الإعتقاد الحق والعمل الصالح ، ثم انه يوم القيامة يظهر له أن اعتقاده كان ضلالا وعمله كان ذنبا ، فهناك تحصل الخجالة العظيمة والحسرة الكاملة والأسف الشديد / ثم قال حكماء الاسلام : وذلك هو العذاب الروحاني . قالوا : وهذا العذاب أشد من العذاب الجسماني ، ومما يدل على هذا أنه سبحانه حكى عن هؤلاء العباد المؤمنين أنهم طلبوا في هذا الدعاء أشياء فأول مطالبهم الاحتراز عن العذاب الجسماني وهو قوله : { فقنا عذاب النار } ( آل عمران : 191 ) وآخرها الاحتراز عن العذاب الروحاني وهو قوله : { ولا تخزنا يوم القيامة } وذلك يدل على أن العذاب الروحاني أشد من العذاب الجسماني . ! 7 < { فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا فى سبيلى وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الا نهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب } . > 7 ! < < آل عمران : ( 195 ) فاستجاب لهم ربهم . . . . .

Dio V09/P120–V09/P121Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V09/P120–V09/P121)
Orijinal Metin (AR)

> > اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم عرفوا الله بالدليل وهو قوله : { إن في خلق السماوات والارض } ( البقرة : 164 ) إلى قوله : { لايات لاولى الالباب } ( آل عمران : 190 ) ثم حكى عنهم مواظبتهم على الذكر وهو قوله : { الذين يذكرون الله قياما } وعلى التفكر وهو قوله : { ويتفكرون فى خلق السماوات والارض } ثم حكى عنهم أنهم أثنوا على الله تعالى وهو قولهم : { ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك } ( آل عمران : 191 ) ثم حكى عنهم أنهم بعد الثناء اشتغلوا بالدعاء وهو من قولهم : { فقنا عذاب النار } ( آل عمران : 191 ) إلى قوله : { إنك لا تخلف الميعاد } ( آل عمران : 194 ) بين في هذه الآية أنه استجاب دعاءهم فقال : { فاستجاب لهم ربهم } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في الآية تنبيه على أن استجابة الدعاء مشروطة بهذه الأمور ، فلما كان حصول هذه الشرائط عزيزا ، لا جرم كان الشخص الذي يكون مجاب الدعاء عزيزا . المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : يقال استجابه واستجاب له ، قال الشاعر : وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب وقال تعالى : { معرضون يأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول } ( الأنفال : 34 ) . المسألة الثالثة : أني لا أضيع : قرىء بالفتح ، والتقدير : بأني لا أضيع ، وبالكسر على إرادة القول ، وقرىء { لا أضيع } بالتشديد . المسألة الرابعة : من : في قوله : { من ذكر } قيل للتبيين كقوله : { فاجتنبوا الرجس من الاوثان } ( الحج : 30 ) وقيل : إنها مؤكدة للنفي بمعنى : عمل عامل منكم ذكر أو أنثى . / المسألة الخامسة : اعلم أنه ليس المراد أنه لا يضيع نفس العمل ، لأن العمل كلما وجد تلاشى وفنى ، بل المراد أنه لا يضيع ثواب العمل ، والاضاعة عبارة عن ترك الاثابة فقوله : { لا أضيع } نفي للنفي فيكون اثباتا ، فيصير المعنى : اني أوصل ثواب جميع أعمالهم اليكم ، اذا ثبت ما قلنا فالآية دالة على أن أحدا من المؤمنين لا يبقى في النار مخلدا ، والدليل عليه أنه بايمانه استحق ثوابا ، وبمعصيته استحق عقابا ، فلا بد من وصولهما اليه بحكم هذه الآية والجمع بينهما محال ، فاما أن يقدم الثواب ثم ينقله إلى العقاب وهو باطل بالاجماع ، أو يقدم العقاب ثم ينقله إلى الثواب وهو المطلوب . المسألة السادسة : جمهور المفسرين فسروا الآية بأن معناها أنه تعالى قبل منهم أنه يجازيهم على أعمالهم وطاعاتهم ويوصل ثواب تلك الاعمال اليهم . فان قيل : القوم أولا طلبوا غفران الذنوب ، وثانيا إعطاء الثواب فقوله : { أنى لا أضيع عمل عامل منكم } إجابة لهم في إعطاء الثواب ، فأين الإجابة في طلب غفران الذنوب ؟ قلنا : إنه لا يلزم من إسقاط العذاب حصول الثواب ، لكن يلزم من حصول الثواب سقوط العقاب فصار قوله : { أنى لا أضيع عمل عامل منكم } اجابة لدعائهم في المطلوبين . وعندي في الآية وجه آخر : وهو أن المراد من قوله : { أنى لا أضيع عمل عامل منكم } أني لا أضيع دعاءكم ، وعدم إضاعة الدعاء عبارة عن إجابة الدعاء ، فكان المراد منه أنه حصلت اجابة دعائكم في كل ما طلبتموه وسألتموه .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> > اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم عرفوا الله بالدليل وهو قوله : { إن في خلق السماوات والارض } ( البقرة : 164 ) إلى قوله : { لايات لاولى الالباب } ( آل عمران : 190 ) ثم حكى عنهم مواظبتهم على الذكر وهو قوله : { الذين يذكرون الله قياما } وعلى التفكر وهو قوله : { ويتفكرون فى خلق السماوات والارض } ثم حكى عنهم أنهم أثنوا على الله تعالى وهو قولهم : { ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك } ( آل عمران : 191 ) ثم حكى عنهم أنهم بعد الثناء اشتغلوا بالدعاء وهو من قولهم : { فقنا عذاب النار } ( آل عمران : 191 ) إلى قوله : { إنك لا تخلف الميعاد } ( آل عمران : 194 ) بين في هذه الآية أنه استجاب دعاءهم فقال : { فاستجاب لهم ربهم } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في الآية تنبيه على أن استجابة الدعاء مشروطة بهذه الأمور ، فلما كان حصول هذه الشرائط عزيزا ، لا جرم كان الشخص الذي يكون مجاب الدعاء عزيزا . المسألة الثانية : قال صاحب الكشاف : يقال استجابه واستجاب له ، قال الشاعر : وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب وقال تعالى : { معرضون يأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول } ( الأنفال : 34 ) . المسألة الثالثة : أني لا أضيع : قرىء بالفتح ، والتقدير : بأني لا أضيع ، وبالكسر على إرادة القول ، وقرىء { لا أضيع } بالتشديد . المسألة الرابعة : من : في قوله : { من ذكر } قيل للتبيين كقوله : { فاجتنبوا الرجس من الاوثان } ( الحج : 30 ) وقيل : إنها مؤكدة للنفي بمعنى : عمل عامل منكم ذكر أو أنثى . / المسألة الخامسة : اعلم أنه ليس المراد أنه لا يضيع نفس العمل ، لأن العمل كلما وجد تلاشى وفنى ، بل المراد أنه لا يضيع ثواب العمل ، والاضاعة عبارة عن ترك الاثابة فقوله : { لا أضيع } نفي للنفي فيكون اثباتا ، فيصير المعنى : اني أوصل ثواب جميع أعمالهم اليكم ، اذا ثبت ما قلنا فالآية دالة على أن أحدا من المؤمنين لا يبقى في النار مخلدا ، والدليل عليه أنه بايمانه استحق ثوابا ، وبمعصيته استحق عقابا ، فلا بد من وصولهما اليه بحكم هذه الآية والجمع بينهما محال ، فاما أن يقدم الثواب ثم ينقله إلى العقاب وهو باطل بالاجماع ، أو يقدم العقاب ثم ينقله إلى الثواب وهو المطلوب . المسألة السادسة : جمهور المفسرين فسروا الآية بأن معناها أنه تعالى قبل منهم أنه يجازيهم على أعمالهم وطاعاتهم ويوصل ثواب تلك الاعمال اليهم . فان قيل : القوم أولا طلبوا غفران الذنوب ، وثانيا إعطاء الثواب فقوله : { أنى لا أضيع عمل عامل منكم } إجابة لهم في إعطاء الثواب ، فأين الإجابة في طلب غفران الذنوب ؟ قلنا : إنه لا يلزم من إسقاط العذاب حصول الثواب ، لكن يلزم من حصول الثواب سقوط العقاب فصار قوله : { أنى لا أضيع عمل عامل منكم } اجابة لدعائهم في المطلوبين . وعندي في الآية وجه آخر : وهو أن المراد من قوله : { أنى لا أضيع عمل عامل منكم } أني لا أضيع دعاءكم ، وعدم إضاعة الدعاء عبارة عن إجابة الدعاء ، فكان المراد منه أنه حصلت اجابة دعائكم في كل ما طلبتموه وسألتموه .

Dio V09/P121–V09/P122Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V09/P121–V09/P122)
Orijinal Metin (AR)

وأما قوله تعالى : { من ذكر أو أنثى } فالمعنى : أنه لا تفاوت في الاجابة وفي الثواب بين الذكر والانثى اذا كانا جميعا في التمسك بالطاعة على السوية ، وهذا يدل على أن الفضل في باب الدين بالاعمال ، لا بسائر صفات العاملين ، لان كون بعضهم ذكرا أو أنثى ، أو من نسب خسيس أو شريف لا تأثير له في هذا الباب ، ومثله قوله تعالى : { ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به } ( النساء : 123 ) وروي أن أم سلمة قالت : يا رسول الله إني لأسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت هذه الآية . أما قوله تعالى : { بعضكم من بعض } ففيه وجوه : أحسنا أن يقال : { من } بمعنى الكاف أي بعضكم كبعض ، ومثل بعض في الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية . قال القفال : هذا من قولهم : فلان مني أي على خلقي وسيرتي ، قال تعالى : { فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه منى } ( البقرة : 249 ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( من غشنا فليس منا ) وقال : ( ليس منا من حمل علينا السلاح ) فقوله : { بعضكم من بعض } أي بعضكم شبه بعض في استحقاق الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية ، فكيف يمكن إدخال التفاوت فيه ؟ / ثم قال تعالى : { فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا فى سبيلى وقاتلوا وقتلوا لاكفرن عنهم سيئاتهم ولادخلنهم جنات تجرى من تحتها الانهار } والمراد من قوله : { الذين هاجروا } الذين اختاروا المهاجرة من أوطانهم في خدمة الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمراد من { الذين أخرجوا من ديارهم } الذين ألجأهم الكفار إلى الخروج ، ولا شك أن رتبة الأولين أفضل لانهم اختاروا خدمة الرسول عليه السلام وملازمته على الاختيار ، فكانوا أفضل وقوله : { وأوذوا فى سبيلى } أي من أجله وسببه { وقاتلوا وقتلوا } لان المقاتلة تكون قبل القتال ، قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو { وقاتلوا } بالالف أولا { وقتلوا } مخففة ، والمعنى أنهم قاتلوا معه حتى قتلوا ، وقرأ ابن كثير وابن عامر { وقاتلوا } أولا { وقتلوا } مشددة قيل : التشديد للمبالغة وتكرر القتل فيهم كقوله : { مفتحة لهم الابواب } ( ص: 50 ) وقيل : قطعوا عن الحسن ، وقرأ حمزة والكسائي { وقتلوا } بغير ألف أولا { وقاتلوا } بالالف بعده وفيه وجوه : الأول : أن الواو لا توجب الترتيب كما في قوله : { واسجدى واركعى } ( آل عمران : 43 ) والثاني : على قولهم : قتلنا ورب الكعبة ، اذا ظهرت أمارات القتل ، أو اذا قتل قومه وعشائره . والثالث : باضمار ( قد ) أي قتلوا وقد قاتلوا .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وأما قوله تعالى : { من ذكر أو أنثى } فالمعنى : أنه لا تفاوت في الاجابة وفي الثواب بين الذكر والانثى اذا كانا جميعا في التمسك بالطاعة على السوية ، وهذا يدل على أن الفضل في باب الدين بالاعمال ، لا بسائر صفات العاملين ، لان كون بعضهم ذكرا أو أنثى ، أو من نسب خسيس أو شريف لا تأثير له في هذا الباب ، ومثله قوله تعالى : { ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به } ( النساء : 123 ) وروي أن أم سلمة قالت : يا رسول الله إني لأسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت هذه الآية . أما قوله تعالى : { بعضكم من بعض } ففيه وجوه : أحسنا أن يقال : { من } بمعنى الكاف أي بعضكم كبعض ، ومثل بعض في الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية . قال القفال : هذا من قولهم : فلان مني أي على خلقي وسيرتي ، قال تعالى : { فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه منى } ( البقرة : 249 ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( من غشنا فليس منا ) وقال : ( ليس منا من حمل علينا السلاح ) فقوله : { بعضكم من بعض } أي بعضكم شبه بعض في استحقاق الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية ، فكيف يمكن إدخال التفاوت فيه ؟ / ثم قال تعالى : { فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا فى سبيلى وقاتلوا وقتلوا لاكفرن عنهم سيئاتهم ولادخلنهم جنات تجرى من تحتها الانهار } والمراد من قوله : { الذين هاجروا } الذين اختاروا المهاجرة من أوطانهم في خدمة الرسول صلى الله عليه وسلم ، والمراد من { الذين أخرجوا من ديارهم } الذين ألجأهم الكفار إلى الخروج ، ولا شك أن رتبة الأولين أفضل لانهم اختاروا خدمة الرسول عليه السلام وملازمته على الاختيار ، فكانوا أفضل وقوله : { وأوذوا فى سبيلى } أي من أجله وسببه { وقاتلوا وقتلوا } لان المقاتلة تكون قبل القتال ، قرأ نافع وعاصم وأبو عمرو { وقاتلوا } بالالف أولا { وقتلوا } مخففة ، والمعنى أنهم قاتلوا معه حتى قتلوا ، وقرأ ابن كثير وابن عامر { وقاتلوا } أولا { وقتلوا } مشددة قيل : التشديد للمبالغة وتكرر القتل فيهم كقوله : { مفتحة لهم الابواب } ( ص: 50 ) وقيل : قطعوا عن الحسن ، وقرأ حمزة والكسائي { وقتلوا } بغير ألف أولا { وقاتلوا } بالالف بعده وفيه وجوه : الأول : أن الواو لا توجب الترتيب كما في قوله : { واسجدى واركعى } ( آل عمران : 43 ) والثاني : على قولهم : قتلنا ورب الكعبة ، اذا ظهرت أمارات القتل ، أو اذا قتل قومه وعشائره . والثالث : باضمار ( قد ) أي قتلوا وقد قاتلوا .

Dio V09/P122–V09/P123Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V09/P122–V09/P123)
Orijinal Metin (AR)

ثم ان الله تعالى وعد من فعل هذا بأمور ثلاثة : أولها : محو السيئات وغفران الذنوب وهو قوله : { لاكفرن عنهم سيئاتهم } وذلك هو الذي طلبوه بقولهم : { فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا } ( آل عمران : 193 ) وثانيها إعطاء الثواب العظيم وهو قوله : { ولادخلنهم جنات تجرى من تحتها الانهار } وهو الذي طلبوه بقولهم : وآتنا ما وعدتنا على رسلك ، وثالثها : أن يكون ذلك الثواب ثوابا عظيما مقرونا بالتعظيم والاجلال وهو قوله : { من عند الله } وهو الذي قالوه : { ولا تخزنا يوم القيامة } لانه سبحانه هو العظيم الذي لا نهاية لعظمته ، واذا قال السلطان العظيم لعبده : اني أخلع عليك خلعة من عندي دل ذلك على كون تلك الخلعة في نهاية الشرف وقوله : { ثوابا } مصدر مؤكد ، والتقدير : لأثيبنهم ثوابا من عند الله ، أي لأثيبنهم إثابة أو تثويبا من عند الله ، لان قوله لأكفرن عنهم ولأدخلنهم في معنى لأثيبنهم . ثم قال : { والله عنده حسن الثواب } وهو تأكيد ليكون ذلك الثواب في غاية الشرف لأنه تعالى لما كان قادرا على كل المقدورات ، عالما بكل المعلومات ، غنيا عن الحاجات ، كان لا محالة في غاية الكرم والجود والاحسان ، فكان عنده حسن الثواب . روي عن جعفر الصادق أنه قال : من حزبه أمر فقال خمس مرات : ربنا ، أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد ، وقرأ هذه الآية ، قال : لأن الله حكى عنهم أنهم قالوا خمس مرات : ربنا ، ثم أخبر أنه استجاب لهم . ! 7 < { لا يغرنك تقلب الذين كفروا فى البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد } . > 7 < آل عمران : ( 196 - 197 ) لا يغرنك تقلب . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما وعد المؤمنين بالثواب العظيم ، وكانوا في الدنيا في نهاية الفقر والشدة ، والكفار كانوا في النعم ، ذكر الله تعالى هذه الآية ما يسليهم ويصبرهم على تلك الشدة ، فقال : { لا يغرنك } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قد ذكرنا أن الغرور مصدر قولك : غررت الرجل بما يستحسنه في الظاهر ثم يجده عند التفتيش على خلاف ما يحبه ، فيقول : غرني ظاهره أي قبلته على غفلة عن امتحانه ، وتقول العرب في الثواب إذا نشر ثم أعيد إلى طيه : رددته على غرة . المسألة الثانية : المخاطب في قوله : { لا يغرنك } من هو ؟ فيه قولان : الأول : أنه الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن المراد هو الأمة . قال قتادة : والله ما غروا نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى قبضه الله ، والخطاب وإن كان له إلا أن المراد غيره ، ويمكن أن يقال : السبب لعدم إغرار الرسول عليه السلام بذلك هو تواتر هذه الآيات عليه ، كما قال : { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا } ( الإسراء : 74 ) فسقط قول قتادة ، ونظيره قوله : { ولا وكان من الكافرين } ( هود : 42 ) { ولا تكونن من المشركين } ( الأنعام : 14 ) { ولا تطع المكذبين } ( القلم : 8 ) والثاني : وهو أن هذا خطاب لكل من سمعه من المكلفين ، كأنه قيل : لا يغرنك أيها السامع :

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ثم ان الله تعالى وعد من فعل هذا بأمور ثلاثة : أولها : محو السيئات وغفران الذنوب وهو قوله : { لاكفرن عنهم سيئاتهم } وذلك هو الذي طلبوه بقولهم : { فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا } ( آل عمران : 193 ) وثانيها إعطاء الثواب العظيم وهو قوله : { ولادخلنهم جنات تجرى من تحتها الانهار } وهو الذي طلبوه بقولهم : وآتنا ما وعدتنا على رسلك ، وثالثها : أن يكون ذلك الثواب ثوابا عظيما مقرونا بالتعظيم والاجلال وهو قوله : { من عند الله } وهو الذي قالوه : { ولا تخزنا يوم القيامة } لانه سبحانه هو العظيم الذي لا نهاية لعظمته ، واذا قال السلطان العظيم لعبده : اني أخلع عليك خلعة من عندي دل ذلك على كون تلك الخلعة في نهاية الشرف وقوله : { ثوابا } مصدر مؤكد ، والتقدير : لأثيبنهم ثوابا من عند الله ، أي لأثيبنهم إثابة أو تثويبا من عند الله ، لان قوله لأكفرن عنهم ولأدخلنهم في معنى لأثيبنهم . ثم قال : { والله عنده حسن الثواب } وهو تأكيد ليكون ذلك الثواب في غاية الشرف لأنه تعالى لما كان قادرا على كل المقدورات ، عالما بكل المعلومات ، غنيا عن الحاجات ، كان لا محالة في غاية الكرم والجود والاحسان ، فكان عنده حسن الثواب . روي عن جعفر الصادق أنه قال : من حزبه أمر فقال خمس مرات : ربنا ، أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد ، وقرأ هذه الآية ، قال : لأن الله حكى عنهم أنهم قالوا خمس مرات : ربنا ، ثم أخبر أنه استجاب لهم . ! 7 < { لا يغرنك تقلب الذين كفروا فى البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد } . > 7 < آل عمران : ( 196 - 197 ) لا يغرنك تقلب . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما وعد المؤمنين بالثواب العظيم ، وكانوا في الدنيا في نهاية الفقر والشدة ، والكفار كانوا في النعم ، ذكر الله تعالى هذه الآية ما يسليهم ويصبرهم على تلك الشدة ، فقال : { لا يغرنك } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قد ذكرنا أن الغرور مصدر قولك : غررت الرجل بما يستحسنه في الظاهر ثم يجده عند التفتيش على خلاف ما يحبه ، فيقول : غرني ظاهره أي قبلته على غفلة عن امتحانه ، وتقول العرب في الثواب إذا نشر ثم أعيد إلى طيه : رددته على غرة . المسألة الثانية : المخاطب في قوله : { لا يغرنك } من هو ؟ فيه قولان : الأول : أنه الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن المراد هو الأمة . قال قتادة : والله ما غروا نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى قبضه الله ، والخطاب وإن كان له إلا أن المراد غيره ، ويمكن أن يقال : السبب لعدم إغرار الرسول عليه السلام بذلك هو تواتر هذه الآيات عليه ، كما قال : { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا } ( الإسراء : 74 ) فسقط قول قتادة ، ونظيره قوله : { ولا وكان من الكافرين } ( هود : 42 ) { ولا تكونن من المشركين } ( الأنعام : 14 ) { ولا تطع المكذبين } ( القلم : 8 ) والثاني : وهو أن هذا خطاب لكل من سمعه من المكلفين ، كأنه قيل : لا يغرنك أيها السامع :

Dio V09/P123–V09/P124Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V09/P123–V09/P124)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثالثة : تقلب الذين كفروا في البلاد ، فيه وجهان : الأول : نزلت في مشركي مكة كانوا يتجرون ويتنعمون فقال بعض المؤمنين : إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت الآية . والثاني : قال الفراء : كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال فنزلت هذه الآية ، والمراد بتقلب الذين كفروا في البلاد ، تصرفهم في التجارات والمكاسب ، أي لا يغرنكم أمنهم على أنفسهم وتصرفهم في البلاد كيف شاؤا ، وأنتم معاشر المؤمنين خائفون محضورون ، فان ذلك لا يبقى إلا مدة قليلة ثم ينتقلون إلى أشد العذاب . ثم قال تعالى : { متاع قليل } قيل : أي تقلبهم متاع قليل ، وقال الفراء : ذلك متاع قليل ، وقال الزجاج : ذلك الكسب والربح متاع قليل ، وإنما وصفه الله تعالى بالقلة لأن نعيم الدنيا مشوب / بالآفات والحسرات ، ثم أنه بالعاقبة ينقطع وينقضي ، وكيف لا يكون قليلا وقد كان معدوما من الأزل إلى الآن ، وسيصير معدوما من الأزل إلى الأبد ، فاذا قابلت زمان الوجود بما مضى وما يأتي وهو الأزل والأبد ، كان أقل من أن يجوز وصفه بأنه قليل . ثم قال تعالى : { ثم مأواهم جهنم } يعني أنه مع قلته يسبب الوقوع في نار جهنم أبد الآباد والنعمة القليلة إذا كانت سببا للمضرة العظيمة لم يعد ذلك نعمة ، وهو كقوله : { إنما نملى لهم ليزدادوا إثما } ( آل عمران : 178 ) وقوله : { وأملى لهم إن كيدى متين } ( الأعراف : 183 ) . ثم قال : { وبئس المهاد } أي الفراش ، والدليل على أنه بئس المهاد قوله تعالى : { لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل } ( الزمر : 16 ) فهم بين أطباق النيران ، ومن فوقهم غواش يأكلون النار ويشربون النار . ! 7 < { لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجرى من تحتها الا نهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار } . > 7 ! < < آل عمران : ( 198 ) لكن الذين اتقوا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد أتبعه بالوعد بالنزل ، والنزل ما يهيأ للضيف وقوله : { لكن الذين اتقوا ربهم } يتناول جميع الطاعات ، لأنه يدخل في التقوى الاحتراز عن المنهيات ، وعن ترك المأمورات . واحتج بعض أصحابنا بهذه الآية على الرؤية لأنه لما كانت الجنة بكليتها نزلا ، فلا بد من الرؤية لتكون خلعة ، ونظيره قوله تعالى : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا } ( الكهف : 107 ) وقوله : { نزلا } نصب على الحال من { جنات } لتخصيصها بالوصف ، والعامل اللام ، ويجوز أن يكون بمعنى مصدر مؤكد ، لأن خلودهم فيها إنزالهم فيها أو نزولهم ، وقال الفراء : هو نصب على التفسير كما تقول : هو لك هبة وبيعا وصدقة ثم قال : { وما عند الله } من الكثير الدائم { خير للابرار } مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل ، وقرأ مسلمة بن محارب والأعمش { نزلا } بسكون الزاي ، وقرأ يزيد بن القعقاع { لكن الذين اتقوا } بالتشديد . ! 7 < { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ومآ أنزل إليكم ومآ أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بأايات الله ثمنا قليلا أولائك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ياأيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } . > 7 < آل عمران : ( 199 - 200 ) وإن من أهل . . . . . > >

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثالثة : تقلب الذين كفروا في البلاد ، فيه وجهان : الأول : نزلت في مشركي مكة كانوا يتجرون ويتنعمون فقال بعض المؤمنين : إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت الآية . والثاني : قال الفراء : كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال فنزلت هذه الآية ، والمراد بتقلب الذين كفروا في البلاد ، تصرفهم في التجارات والمكاسب ، أي لا يغرنكم أمنهم على أنفسهم وتصرفهم في البلاد كيف شاؤا ، وأنتم معاشر المؤمنين خائفون محضورون ، فان ذلك لا يبقى إلا مدة قليلة ثم ينتقلون إلى أشد العذاب . ثم قال تعالى : { متاع قليل } قيل : أي تقلبهم متاع قليل ، وقال الفراء : ذلك متاع قليل ، وقال الزجاج : ذلك الكسب والربح متاع قليل ، وإنما وصفه الله تعالى بالقلة لأن نعيم الدنيا مشوب / بالآفات والحسرات ، ثم أنه بالعاقبة ينقطع وينقضي ، وكيف لا يكون قليلا وقد كان معدوما من الأزل إلى الآن ، وسيصير معدوما من الأزل إلى الأبد ، فاذا قابلت زمان الوجود بما مضى وما يأتي وهو الأزل والأبد ، كان أقل من أن يجوز وصفه بأنه قليل . ثم قال تعالى : { ثم مأواهم جهنم } يعني أنه مع قلته يسبب الوقوع في نار جهنم أبد الآباد والنعمة القليلة إذا كانت سببا للمضرة العظيمة لم يعد ذلك نعمة ، وهو كقوله : { إنما نملى لهم ليزدادوا إثما } ( آل عمران : 178 ) وقوله : { وأملى لهم إن كيدى متين } ( الأعراف : 183 ) . ثم قال : { وبئس المهاد } أي الفراش ، والدليل على أنه بئس المهاد قوله تعالى : { لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل } ( الزمر : 16 ) فهم بين أطباق النيران ، ومن فوقهم غواش يأكلون النار ويشربون النار . ! 7 < { لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجرى من تحتها الا نهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار } . > 7 ! < < آل عمران : ( 198 ) لكن الذين اتقوا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد أتبعه بالوعد بالنزل ، والنزل ما يهيأ للضيف وقوله : { لكن الذين اتقوا ربهم } يتناول جميع الطاعات ، لأنه يدخل في التقوى الاحتراز عن المنهيات ، وعن ترك المأمورات . واحتج بعض أصحابنا بهذه الآية على الرؤية لأنه لما كانت الجنة بكليتها نزلا ، فلا بد من الرؤية لتكون خلعة ، ونظيره قوله تعالى : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا } ( الكهف : 107 ) وقوله : { نزلا } نصب على الحال من { جنات } لتخصيصها بالوصف ، والعامل اللام ، ويجوز أن يكون بمعنى مصدر مؤكد ، لأن خلودهم فيها إنزالهم فيها أو نزولهم ، وقال الفراء : هو نصب على التفسير كما تقول : هو لك هبة وبيعا وصدقة ثم قال : { وما عند الله } من الكثير الدائم { خير للابرار } مما يتقلب فيه الفجار من القليل الزائل ، وقرأ مسلمة بن محارب والأعمش { نزلا } بسكون الزاي ، وقرأ يزيد بن القعقاع { لكن الذين اتقوا } بالتشديد . ! 7 < { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ومآ أنزل إليكم ومآ أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بأايات الله ثمنا قليلا أولائك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ياأيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } . > 7 < آل عمران : ( 199 - 200 ) وإن من أهل . . . . . > >

Dio V09/P124–V09/P125Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V09/P124–V09/P125)
Orijinal Metin (AR)

اعلم أنه تعالى لما ذكر حال المؤمنين وكان قد ذكر حال الكفار من قبل ، بأن مصيرهم إلى النار بين في هذه الآية أن من آمن منهم كان داخلا في صفة الذين اتقوا فقال : { وإن من أهل الكتاب } واختلفوا في نزولها ، فقال ابن عباس وجابر وقتادة : نزلت في النجاشي حين مات وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال المنافقون : إنه يصلي على نصراني لم يره قط ، وقال ابن جريج وابن زيد : نزلت في عبدالله بن سلام وأصحابه ، وقيل : نزلت في أربعين من أهل نجران ، واثنين وثلاثين من الحبشة ، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام فأسلموا . وقال مجاهد : نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم ، وهذا هو الأولى لأنه لما ذكر الكفار بأن مصيرهم إلى العقاب ، بين فيمن آمن منهم بأن مصيرهم إلى الثواب . واعلم أنه تعالى وصفهم بصفات : أولها : الايمان بالله ، وثانيها : الايمان بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم . وثالثها : الايمان بما أنزل على الأنبياء الذين كانوا قبل محمد عليه الصلاة والسلام . ورابعها : كونهم خاشعين لله وهو حال من فاعل { يؤمن } لأن { من يؤمن } في معنى الجمع . وخامسها : أنهم لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا كما يفعله أهل الكتاب ممن كان يكتم أمر الرسول وصحة نبوته . ثم قال تعالى في صفتهم : { أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب } والفائدة في كونه سريع الحساب كونه عالما بجميع المعلومات ، فيعلم ما لكل واحد من الثواب والعقاب . قوله تعالى : { الحساب يأيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } . / واعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة أنواعا كثيرة من علوم الأصول والفروع ، أما الأصول ففيما يتعلق بتقرير التوحيد والعدل والنبوة والمعاد ، وأما الفروع ففيما يتعلق بالتكاليف والأحكام نحو الحج والجهاد وغيرهما ، ختم هذه السورة بهذه الآية المشتملة على جميع الآداب ، وذلك لأن أحوال الانسان قسمان : منها ما يتعلق به وحده ، ومنها ما يكون مشتركا بينه وبين غيره ، أما القسم الأول فلا بد فيه من الصبر ، وأما القسم الثاني فلا بد فيه من المصابرة .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

اعلم أنه تعالى لما ذكر حال المؤمنين وكان قد ذكر حال الكفار من قبل ، بأن مصيرهم إلى النار بين في هذه الآية أن من آمن منهم كان داخلا في صفة الذين اتقوا فقال : { وإن من أهل الكتاب } واختلفوا في نزولها ، فقال ابن عباس وجابر وقتادة : نزلت في النجاشي حين مات وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال المنافقون : إنه يصلي على نصراني لم يره قط ، وقال ابن جريج وابن زيد : نزلت في عبدالله بن سلام وأصحابه ، وقيل : نزلت في أربعين من أهل نجران ، واثنين وثلاثين من الحبشة ، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام فأسلموا . وقال مجاهد : نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم ، وهذا هو الأولى لأنه لما ذكر الكفار بأن مصيرهم إلى العقاب ، بين فيمن آمن منهم بأن مصيرهم إلى الثواب . واعلم أنه تعالى وصفهم بصفات : أولها : الايمان بالله ، وثانيها : الايمان بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم . وثالثها : الايمان بما أنزل على الأنبياء الذين كانوا قبل محمد عليه الصلاة والسلام . ورابعها : كونهم خاشعين لله وهو حال من فاعل { يؤمن } لأن { من يؤمن } في معنى الجمع . وخامسها : أنهم لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا كما يفعله أهل الكتاب ممن كان يكتم أمر الرسول وصحة نبوته . ثم قال تعالى في صفتهم : { أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب } والفائدة في كونه سريع الحساب كونه عالما بجميع المعلومات ، فيعلم ما لكل واحد من الثواب والعقاب . قوله تعالى : { الحساب يأيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } . / واعلم أنه تعالى لما ذكر في هذه السورة أنواعا كثيرة من علوم الأصول والفروع ، أما الأصول ففيما يتعلق بتقرير التوحيد والعدل والنبوة والمعاد ، وأما الفروع ففيما يتعلق بالتكاليف والأحكام نحو الحج والجهاد وغيرهما ، ختم هذه السورة بهذه الآية المشتملة على جميع الآداب ، وذلك لأن أحوال الانسان قسمان : منها ما يتعلق به وحده ، ومنها ما يكون مشتركا بينه وبين غيره ، أما القسم الأول فلا بد فيه من الصبر ، وأما القسم الثاني فلا بد فيه من المصابرة .

Dio V09/P125–V09/P126Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V09/P125–V09/P126)
Orijinal Metin (AR)

أما الصبر فيندرج تحته أنواع : أولها : أن يصبر على مشقة النظر والاستدلال في معرفة التوحيد والعدل والنبوة والمعاد ، وعلى مشقة استنباط الجواب عن شبهات المخالفين . وثانيها : أن يصبر على مشقة أداء الواجبات والمندوبات . وثالثها : أن يصبر على مشقة الاحتراز عن المنهيات . ورابعها : الصبر على شدائد الدنيا وآفاتها من المرض والفقر والقحط والخوف ، فقوله : { اصبروا } يدخل تحته هذه الأقسام ، وتحت كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة أنواع لا نهاية لها ، وأما المصابرة فهي عبارة عن تحمل المكاره الواقعة بينه وبين الغير ، ويدخل فيه تحمل الاخلاق الردية من أهل البيت والجيران والأقارب ، ويدخل فيه ترك الانتقام ممن أساء اليك كما قال : { وأعرض عن الجاهلين } ( الأعراف : 199 ) وقال : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ( الفرقان : 72 ) ويدخل فيه الايثار على الغير كما قال : { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } ( الحشر : 9 ) ويدخل فيه العفو عمن ظلمك كما قال : { وأن تعفوا أقرب للتقوى } ( البقرة : 237 ) ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فان المقدم عليه ربما وصل اليه بسببه ضرر ، ويدخل فيه الجهاد فانه تعريض النفس للهلاك ، ويدخل فيه المصابرة مع المبطلين ، وحل شكوكهم والجواب عن شبههم ، والاحتيال في إزالة تلك الاباطيل عن قلوبهم ، فثبت ان قوله { اصبروا } تناول كل ما تعلق به وحده { وصابروا } تناول كل ما كان مشتركا بينه وبين غيره . واعلم أن الانسان وان تكلف الصبر والمصابرة إلا أن فيه أخلاقا ذميمة تحمل على أضدادها وهي الشهوة والغضب والحرص ، والانسان ما لم يكن مشتغلا طول عمره بمجاهدتها وقهرها لا يمكنه الاتيان بالصبر والمصابرة ، فلهذا قال : { ورابطوا } ولما كانت هذه المجاهدة فعلا من الأفعال ولا بد للانسان في كل فعل يفعله من داعية وغرض ، وجب أن يكون للانسان في هذه المجاهدة غرض وباعث ، وذلك هو تقوى الله لنيل الفلاح والنجاح ، فلهذا قال : { واتقوا الله لعلكم تفلحون } وتمام التحقيق فيه أن الأفعال مصدرها هو القوى ، فهو تعالى أمر بالصبر والمصابرة ، وذلك عبارة عن الاتيان بالافعال الحسنة ، والاحتراز عن الافعال الذميمة ، ولما كانت الافعال صادرة عن القوى أمر بعد ذلك بمجاهدة القوى التي هي مصادر الافعال الذميمة ، وذلك هو المراد بالمرابطة ، ثم / ذكر ما به يحصل دفع هذه القوى الداعية إلى القبائح والمنكرات ، وذلك هو تقوى الله ، ثم ذكر ما لأجله وجب ترجيح تقوى الله على سائر القوى والاخلاق ، وهو الفلاح ، فظهر أن هذه الآية التي هي خاتمة لهذه السورة مشتملة على كنوز الحكم والاسرار الروحانية ، وانها على اختصارها كالمتمم لكل ما تقدم ذكره في هذه السورة من علوم الأصول والفروع فهذا ما عندي فيه . ولنذكر ما قاله المفسرون : قال الحسن : اصبروا على دينكم ولا تتركوه بسبب الفقر والجوع ، وصابروا على عدوكم ولا تفشلوا بسبب وقوع الهزيمة يوم أحد ، وقال الفراء : اصبروا مع نبيكم وصابروا عدوكم فلا ينبغي أن يكون أصبر منكم ، وقال الأصم : لما كثرت تكاليف الله في هذه السورة أمرهم بالصبر عليها ، ولما كثر ترغيب الله تعالى في الجهاد في هذه السورة أمرهم بمصابرة الأعداء .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

أما الصبر فيندرج تحته أنواع : أولها : أن يصبر على مشقة النظر والاستدلال في معرفة التوحيد والعدل والنبوة والمعاد ، وعلى مشقة استنباط الجواب عن شبهات المخالفين . وثانيها : أن يصبر على مشقة أداء الواجبات والمندوبات . وثالثها : أن يصبر على مشقة الاحتراز عن المنهيات . ورابعها : الصبر على شدائد الدنيا وآفاتها من المرض والفقر والقحط والخوف ، فقوله : { اصبروا } يدخل تحته هذه الأقسام ، وتحت كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة أنواع لا نهاية لها ، وأما المصابرة فهي عبارة عن تحمل المكاره الواقعة بينه وبين الغير ، ويدخل فيه تحمل الاخلاق الردية من أهل البيت والجيران والأقارب ، ويدخل فيه ترك الانتقام ممن أساء اليك كما قال : { وأعرض عن الجاهلين } ( الأعراف : 199 ) وقال : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ( الفرقان : 72 ) ويدخل فيه الايثار على الغير كما قال : { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } ( الحشر : 9 ) ويدخل فيه العفو عمن ظلمك كما قال : { وأن تعفوا أقرب للتقوى } ( البقرة : 237 ) ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فان المقدم عليه ربما وصل اليه بسببه ضرر ، ويدخل فيه الجهاد فانه تعريض النفس للهلاك ، ويدخل فيه المصابرة مع المبطلين ، وحل شكوكهم والجواب عن شبههم ، والاحتيال في إزالة تلك الاباطيل عن قلوبهم ، فثبت ان قوله { اصبروا } تناول كل ما تعلق به وحده { وصابروا } تناول كل ما كان مشتركا بينه وبين غيره . واعلم أن الانسان وان تكلف الصبر والمصابرة إلا أن فيه أخلاقا ذميمة تحمل على أضدادها وهي الشهوة والغضب والحرص ، والانسان ما لم يكن مشتغلا طول عمره بمجاهدتها وقهرها لا يمكنه الاتيان بالصبر والمصابرة ، فلهذا قال : { ورابطوا } ولما كانت هذه المجاهدة فعلا من الأفعال ولا بد للانسان في كل فعل يفعله من داعية وغرض ، وجب أن يكون للانسان في هذه المجاهدة غرض وباعث ، وذلك هو تقوى الله لنيل الفلاح والنجاح ، فلهذا قال : { واتقوا الله لعلكم تفلحون } وتمام التحقيق فيه أن الأفعال مصدرها هو القوى ، فهو تعالى أمر بالصبر والمصابرة ، وذلك عبارة عن الاتيان بالافعال الحسنة ، والاحتراز عن الافعال الذميمة ، ولما كانت الافعال صادرة عن القوى أمر بعد ذلك بمجاهدة القوى التي هي مصادر الافعال الذميمة ، وذلك هو المراد بالمرابطة ، ثم / ذكر ما به يحصل دفع هذه القوى الداعية إلى القبائح والمنكرات ، وذلك هو تقوى الله ، ثم ذكر ما لأجله وجب ترجيح تقوى الله على سائر القوى والاخلاق ، وهو الفلاح ، فظهر أن هذه الآية التي هي خاتمة لهذه السورة مشتملة على كنوز الحكم والاسرار الروحانية ، وانها على اختصارها كالمتمم لكل ما تقدم ذكره في هذه السورة من علوم الأصول والفروع فهذا ما عندي فيه . ولنذكر ما قاله المفسرون : قال الحسن : اصبروا على دينكم ولا تتركوه بسبب الفقر والجوع ، وصابروا على عدوكم ولا تفشلوا بسبب وقوع الهزيمة يوم أحد ، وقال الفراء : اصبروا مع نبيكم وصابروا عدوكم فلا ينبغي أن يكون أصبر منكم ، وقال الأصم : لما كثرت تكاليف الله في هذه السورة أمرهم بالصبر عليها ، ولما كثر ترغيب الله تعالى في الجهاد في هذه السورة أمرهم بمصابرة الأعداء .

%0
10 Bölüm