Qur'an&Sunnahالقرآن

Fahreddin Râzî - Mefâtîhu'l-Gayb

Fahreddin Râzî · AR

Dio V12/P144–V12/P145Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P144–V12/P145)
Orijinal Metin (AR)

قلنا : ليس الأمر كما ذكرتم لأنه قد تكون الذات موصوفة بكونها قاهرة للبعض دون البعض وقوله { فوق عباده } دل على أن ذلك القهر والقدرة عام في حق الكل . والسابع : وهو أنه تعالى لما ذكر هذه الآية ردا على من يتخذ غير الله وليا ، والتقدير : كأنه قال إنه تعالى فوق كل عباده ، ومتى كان الأمر كذلك امتنع اتخاذ غير الله وليا . وهذه النتيجة إنما يحسن ترتيبها على تلك الفوقيات كان المراد من تلك الفوقية ، الفوقية بالقدرة والقوة . أما لو كان المراد منها الفوقية بالجهة فإن ذلك لا يفيد هذا المقصود لأنه لا يلزم من مجرد كونه حاصلا في جهة فوق أن يكون التويل عليه في كل الأمور مفيدا وأن يكون الرجوع إليه في كل المطالب لازما . أما إذا حملنا ذلك على فوقية القدرة حسن ترتيب هذه النتيجة عليه فظهر بمجموع ما ذكرنا أن المراد ما ذكرناه ، لا ما ذكره أهل التشبيه والله أعلم . ! 7 < { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم وأوحى إلى هاذا القرءان لا نذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إلاه واحد وإننى برىء مما تشركون } > 7 ! < < الأنعام : ( 19 ) قل أي شيء . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : أعلم أن الآية تدل على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة الله تعالى . ثم بين أن شهادة الله حاصلة إلا أن الآية لم تدل على أن تلك الشهادة حصلت في إثبات أي المطالب فنقول : يمكن أن يكون المراد حصول شهادة الله في ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ويمكن أن يكون المراد حصول هذه الشهادة في ثبوت وحدانية الله تعالى . أما الاحتمال الأول : فقد روى ابن عباس أن رؤساء أهل مكة قالوا يا محمد ما وجد الله غيرك رسولا وما نرى أحدا يصدقك وقد سألنا اليهود والنصارى عنك فزعموا أنه لا ذكر لك عندهم بالنبوة فأرنا من يشهد لك بالنبوة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال قل يا محمد أي شيء أكبر شهادة من الله حتى يعترفوا بالنبوة ، فإن أكبر الأشياء شهادة هو الله سبحانه وتعالى فإذا اعترفوا بذلك فقل إن الله شهيد لي بالنبوة لأنه أوحي إلي هذا القرآن وهذا القرآن معجز ، لأنكم أنتم الفصحاء والبلغاء وقد عجزتم عن معارضته فإذا كان معجزا ، كان إظهار الله إياه على وفق دعواي شهادة من الله على كوني صادقا في دعواي . والحاصل : أنهم طلبوا شاهدا مقبول القول يشهد على نبوته فبين تعالى أن أكبر الأشياء شهادة هو لله ، ثم بين أنه شهد له بالنبوة وهو المراد من قوله { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد } فهذا تقرير واضح . وأما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون المراد حصول هذه الشهادة في وحدانية الله تعالى . فاعلم أن هذا الكلام يجب أن يكون مسبوقا بمقدمة ، وهي أنا نقول : المطالب على أقسام ثلاثة : منها ما يمتنع إثباته بالدلائل السمعية فإن كل ما يتوقف صحة السمع على صحته امتنع إثباته بالسمع ، وإلا لزم الدور . ومنها ما يمتنع إثباته بالعقل وهو كل شيء يصح وجوده ويصح عدمه عقلا ، فلا امتناع في أحد الطرفين أصلا ، فالقطع على أحد الطرفين يعينه لا يمكن إلا بالدليل السمعي ، ومنها ما يمكن إثباته بالعقل والسمع معا ، وهو كل أمر عقلي لا يتوقف على العلم به ، فلا جرم أمكن إثباته بالدلائل السمعية . إذا عرفت هذا فنقول : قوله { قل الله شهيدا بينى وبينكم } في إثبات الوحدانية والبراءة عن الشركاء والاضداد والأنداد والأمثال والأشباه .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

قلنا : ليس الأمر كما ذكرتم لأنه قد تكون الذات موصوفة بكونها قاهرة للبعض دون البعض وقوله { فوق عباده } دل على أن ذلك القهر والقدرة عام في حق الكل . والسابع : وهو أنه تعالى لما ذكر هذه الآية ردا على من يتخذ غير الله وليا ، والتقدير : كأنه قال إنه تعالى فوق كل عباده ، ومتى كان الأمر كذلك امتنع اتخاذ غير الله وليا . وهذه النتيجة إنما يحسن ترتيبها على تلك الفوقيات كان المراد من تلك الفوقية ، الفوقية بالقدرة والقوة . أما لو كان المراد منها الفوقية بالجهة فإن ذلك لا يفيد هذا المقصود لأنه لا يلزم من مجرد كونه حاصلا في جهة فوق أن يكون التويل عليه في كل الأمور مفيدا وأن يكون الرجوع إليه في كل المطالب لازما . أما إذا حملنا ذلك على فوقية القدرة حسن ترتيب هذه النتيجة عليه فظهر بمجموع ما ذكرنا أن المراد ما ذكرناه ، لا ما ذكره أهل التشبيه والله أعلم . ! 7 < { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم وأوحى إلى هاذا القرءان لا نذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إلاه واحد وإننى برىء مما تشركون } > 7 ! < < الأنعام : ( 19 ) قل أي شيء . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : أعلم أن الآية تدل على أن أكبر الشهادات وأعظمها شهادة الله تعالى . ثم بين أن شهادة الله حاصلة إلا أن الآية لم تدل على أن تلك الشهادة حصلت في إثبات أي المطالب فنقول : يمكن أن يكون المراد حصول شهادة الله في ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ويمكن أن يكون المراد حصول هذه الشهادة في ثبوت وحدانية الله تعالى . أما الاحتمال الأول : فقد روى ابن عباس أن رؤساء أهل مكة قالوا يا محمد ما وجد الله غيرك رسولا وما نرى أحدا يصدقك وقد سألنا اليهود والنصارى عنك فزعموا أنه لا ذكر لك عندهم بالنبوة فأرنا من يشهد لك بالنبوة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال قل يا محمد أي شيء أكبر شهادة من الله حتى يعترفوا بالنبوة ، فإن أكبر الأشياء شهادة هو الله سبحانه وتعالى فإذا اعترفوا بذلك فقل إن الله شهيد لي بالنبوة لأنه أوحي إلي هذا القرآن وهذا القرآن معجز ، لأنكم أنتم الفصحاء والبلغاء وقد عجزتم عن معارضته فإذا كان معجزا ، كان إظهار الله إياه على وفق دعواي شهادة من الله على كوني صادقا في دعواي . والحاصل : أنهم طلبوا شاهدا مقبول القول يشهد على نبوته فبين تعالى أن أكبر الأشياء شهادة هو لله ، ثم بين أنه شهد له بالنبوة وهو المراد من قوله { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد } فهذا تقرير واضح . وأما الاحتمال الثاني : وهو أن يكون المراد حصول هذه الشهادة في وحدانية الله تعالى . فاعلم أن هذا الكلام يجب أن يكون مسبوقا بمقدمة ، وهي أنا نقول : المطالب على أقسام ثلاثة : منها ما يمتنع إثباته بالدلائل السمعية فإن كل ما يتوقف صحة السمع على صحته امتنع إثباته بالسمع ، وإلا لزم الدور . ومنها ما يمتنع إثباته بالعقل وهو كل شيء يصح وجوده ويصح عدمه عقلا ، فلا امتناع في أحد الطرفين أصلا ، فالقطع على أحد الطرفين يعينه لا يمكن إلا بالدليل السمعي ، ومنها ما يمكن إثباته بالعقل والسمع معا ، وهو كل أمر عقلي لا يتوقف على العلم به ، فلا جرم أمكن إثباته بالدلائل السمعية . إذا عرفت هذا فنقول : قوله { قل الله شهيدا بينى وبينكم } في إثبات الوحدانية والبراءة عن الشركاء والاضداد والأنداد والأمثال والأشباه .

Dio V12/P145–V12/P146Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P145–V12/P146)
Orijinal Metin (AR)

ثم قال : { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد } أي إن القول بالتوحيد هو الحق الواجب ، وأن القول بالشرك باطل مردود . المسألة الثانية : نقل عن جهم أنه ينكر كونه تعالى شيئا . واعلم أنه لا ينازع في كونه تعالى ذاتا موجودا وحقيقة إلا أنه ينكر تسميته اعالى بكونه شيئا ، فيكون هذا خلافا في مجرد العبارة . واحتج الجمهور على تسمية الله تعالى بالشيء بهذه الآية وتقريره أنه قال أي الأشياء أكبر شهادة ثم ذكر في الجواب عن هذا السؤال قوله { قل الله } وهذا يوجب كونه تعالى شيئا ، كما أنه لو قال : أي الناس أصدق ، فلو قيل : جبريل ، كان هذا الجواب خطأ لأن جبريل ليس من الناس فكذا ههنا . فإن قيل : قوله { قل الله شهيد بينى وبينكم } كلام تام مستقبل بنفسه لا تعلق له بما قبله لأن قوله { الله } مبتدأ ، وقوله { شهيد بينى وبينكم } خبره / وهو جملة تامة مستقلة بنفسها لا تعلق لها بما قبلها . قلنا الجواب في وجهين : الأول : أن نقول قوله { قل أى شىء أكبر شهادة } لا شك أنه سؤال ولا بد له من جواب : إما مذكور ، وإما محذوف . فإن قلنا : الجواب محذوف فنقول : هذا على خلاف الدليل ، وأيضا فبتقدير أن يكون الجواب محذوفا ، إلا أن ذلك المحذوف لا بد وأن يكون أمرا يدل المذكور عليه ويكون لائقا بذلك الموضع . والجواب اللائق بقوله { أى شىء أكبر شهادة } هو أن يقال : هو الله ، ثم يقال بعده { الله شهيد بينى وبينكم } وعلى هذا التقدير فيصح الاستدلال بهذه الآية أيضا على أنه تعالى يسمى باسم الشيء فهذا تمام تقرير هذا الدليل . وفي المسألة دليل رخر وهو قوله تعالى : { كل شىء هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ) والمراد بوجهه ذاته ، فهذا يدل على أنه تعالى استثنى ذات نفسه من قوله { كل شىء } والمستثنى يجب أن يكون داخلا تحت المستثنى منه ، فهذا يدل على أنه تعالى يسمى باسم الشيء . واحتج جهم على فساد هذا الاسم بوجوه : الأول : قوله تعالى : { ليس كمثله شىء } ( الشورى : 11 ) والمراد ليس مثل مثله شيء وذات كل شيء مثل مثل نفسه فهذا تصريح بأن الله تعالى لا يسمى باسم الشيء ولا يقال الكاف زائدة ، والتقدير : ليس مثله شيء لأن جعل كلمة من كلمات القرآن عبثا باطلا لا يليق بأهل الدين المصير إليه إلا عند الضرورة الشديدة . والثاني : قوله تعالى : دالله خالق كل شيء } ( الرعد : 16 ) ولو كان تعالى مسمى بالشيء لزم كونه خالقا لنفسه وهو محال ، لا يقال : هذا عام دخله التخصيص لأنا نقول : إدخال التخصيص إنما يجوز في صورة نادرة شاذة لا يؤبه بها ولا يلتفت إليها ، فيجري وجودها مجرى عدمها ، فيطلق لفظ الكل على الأكثر تنبيها على أن البقية جارية مجرى العدم ومن المعلوم أن الباري تعالى لو كان مسمى باسم الشيء لكان هو تعالى أعظم الأشياء وأشرفها ، وإطلاق لفظ الكل مع أن يكون هذا القسم خارجا عنه يكون محض كذب ولا يكون من باب التخصيص . الثالث : التمسك بقوله { } ( الرعد : 16 ) ولو كان تعالى مسمى بالشيء لزم كونه خالقا لنفسه وهو محال ، لا يقال : هذا عام دخله التخصيص لأنا نقول : إدخال التخصيص إنما يجوز في صورة نادرة شاذة لا يؤبه بها ولا يلتفت إليها ، فيجري وجودها مجرى عدمها ، فيطلق لفظ الكل على الأكثر تنبيها على أن البقية جارية مجرى العدم ومن المعلوم أن الباري تعالى لو كان مسمى باسم الشيء لكان هو تعالى أعظم الأشياء وأشرفها ، وإطلاق لفظ الكل مع أن يكون هذا القسم خارجا عنه يكون محض كذب ولا يكون من باب التخصيص . الثالث : التمسك بقوله { والله الاسماء الحسنى فادعوه بها } ( الأعراف : 180 ) والاسم إنما يحسن لحسن مسماه وهو أن يدل على صفة من صفات الكمال نعت من نعوت الجلال ولفظ الشيء أعم الأشياء فيكون مسماه حاصلا في أحسن الأشياء وفي أرذلها ومتى كان كذلك لم يكن المسمى بهذا اللفظ صفة من صفات الكمال ولا نعتا من نعوت الجلال فوجب أن لا يجوز دعوة الله تعالى بهذا الاسم لأن هذا الاسم لما لم يكن من الأسماء الحسنى والله تعالى أمر بأن يدعى الأسماء الحسنى وجب أن لا يجوز دعاء الله تعالى بهذا الاسم وكل من منع من دعاء الله بهذا الاسم قال : إن هذا اللفظ ليس اسما من أسماء الله تعالى ألبتة . الرابع : أن اسم الشيء يتناول المعدوم ، فوجب أن لا يجوز إطلاقه على الله تعالى بيان الأول : قوله تعالى : { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذالك غدا } ( الكهف : 23 ) سمى الشيء الذي سيفعله غدا باسم الشيء في الحال والذي سيفعله غداف يكون معدوما في الحال فدل ذلك على أن اسم الشيء يقع على المعدوم .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ثم قال : { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد } أي إن القول بالتوحيد هو الحق الواجب ، وأن القول بالشرك باطل مردود . المسألة الثانية : نقل عن جهم أنه ينكر كونه تعالى شيئا . واعلم أنه لا ينازع في كونه تعالى ذاتا موجودا وحقيقة إلا أنه ينكر تسميته اعالى بكونه شيئا ، فيكون هذا خلافا في مجرد العبارة . واحتج الجمهور على تسمية الله تعالى بالشيء بهذه الآية وتقريره أنه قال أي الأشياء أكبر شهادة ثم ذكر في الجواب عن هذا السؤال قوله { قل الله } وهذا يوجب كونه تعالى شيئا ، كما أنه لو قال : أي الناس أصدق ، فلو قيل : جبريل ، كان هذا الجواب خطأ لأن جبريل ليس من الناس فكذا ههنا . فإن قيل : قوله { قل الله شهيد بينى وبينكم } كلام تام مستقبل بنفسه لا تعلق له بما قبله لأن قوله { الله } مبتدأ ، وقوله { شهيد بينى وبينكم } خبره / وهو جملة تامة مستقلة بنفسها لا تعلق لها بما قبلها . قلنا الجواب في وجهين : الأول : أن نقول قوله { قل أى شىء أكبر شهادة } لا شك أنه سؤال ولا بد له من جواب : إما مذكور ، وإما محذوف . فإن قلنا : الجواب محذوف فنقول : هذا على خلاف الدليل ، وأيضا فبتقدير أن يكون الجواب محذوفا ، إلا أن ذلك المحذوف لا بد وأن يكون أمرا يدل المذكور عليه ويكون لائقا بذلك الموضع . والجواب اللائق بقوله { أى شىء أكبر شهادة } هو أن يقال : هو الله ، ثم يقال بعده { الله شهيد بينى وبينكم } وعلى هذا التقدير فيصح الاستدلال بهذه الآية أيضا على أنه تعالى يسمى باسم الشيء فهذا تمام تقرير هذا الدليل . وفي المسألة دليل رخر وهو قوله تعالى : { كل شىء هالك إلا وجهه } ( القصص : 88 ) والمراد بوجهه ذاته ، فهذا يدل على أنه تعالى استثنى ذات نفسه من قوله { كل شىء } والمستثنى يجب أن يكون داخلا تحت المستثنى منه ، فهذا يدل على أنه تعالى يسمى باسم الشيء . واحتج جهم على فساد هذا الاسم بوجوه : الأول : قوله تعالى : { ليس كمثله شىء } ( الشورى : 11 ) والمراد ليس مثل مثله شيء وذات كل شيء مثل مثل نفسه فهذا تصريح بأن الله تعالى لا يسمى باسم الشيء ولا يقال الكاف زائدة ، والتقدير : ليس مثله شيء لأن جعل كلمة من كلمات القرآن عبثا باطلا لا يليق بأهل الدين المصير إليه إلا عند الضرورة الشديدة . والثاني : قوله تعالى : دالله خالق كل شيء } ( الرعد : 16 ) ولو كان تعالى مسمى بالشيء لزم كونه خالقا لنفسه وهو محال ، لا يقال : هذا عام دخله التخصيص لأنا نقول : إدخال التخصيص إنما يجوز في صورة نادرة شاذة لا يؤبه بها ولا يلتفت إليها ، فيجري وجودها مجرى عدمها ، فيطلق لفظ الكل على الأكثر تنبيها على أن البقية جارية مجرى العدم ومن المعلوم أن الباري تعالى لو كان مسمى باسم الشيء لكان هو تعالى أعظم الأشياء وأشرفها ، وإطلاق لفظ الكل مع أن يكون هذا القسم خارجا عنه يكون محض كذب ولا يكون من باب التخصيص . الثالث : التمسك بقوله { } ( الرعد : 16 ) ولو كان تعالى مسمى بالشيء لزم كونه خالقا لنفسه وهو محال ، لا يقال : هذا عام دخله التخصيص لأنا نقول : إدخال التخصيص إنما يجوز في صورة نادرة شاذة لا يؤبه بها ولا يلتفت إليها ، فيجري وجودها مجرى عدمها ، فيطلق لفظ الكل على الأكثر تنبيها على أن البقية جارية مجرى العدم ومن المعلوم أن الباري تعالى لو كان مسمى باسم الشيء لكان هو تعالى أعظم الأشياء وأشرفها ، وإطلاق لفظ الكل مع أن يكون هذا القسم خارجا عنه يكون محض كذب ولا يكون من باب التخصيص . الثالث : التمسك بقوله { والله الاسماء الحسنى فادعوه بها } ( الأعراف : 180 ) والاسم إنما يحسن لحسن مسماه وهو أن يدل على صفة من صفات الكمال نعت من نعوت الجلال ولفظ الشيء أعم الأشياء فيكون مسماه حاصلا في أحسن الأشياء وفي أرذلها ومتى كان كذلك لم يكن المسمى بهذا اللفظ صفة من صفات الكمال ولا نعتا من نعوت الجلال فوجب أن لا يجوز دعوة الله تعالى بهذا الاسم لأن هذا الاسم لما لم يكن من الأسماء الحسنى والله تعالى أمر بأن يدعى الأسماء الحسنى وجب أن لا يجوز دعاء الله تعالى بهذا الاسم وكل من منع من دعاء الله بهذا الاسم قال : إن هذا اللفظ ليس اسما من أسماء الله تعالى ألبتة . الرابع : أن اسم الشيء يتناول المعدوم ، فوجب أن لا يجوز إطلاقه على الله تعالى بيان الأول : قوله تعالى : { ولا تقولن لشىء إنى فاعل ذالك غدا } ( الكهف : 23 ) سمى الشيء الذي سيفعله غدا باسم الشيء في الحال والذي سيفعله غداف يكون معدوما في الحال فدل ذلك على أن اسم الشيء يقع على المعدوم .

Dio V12/P146–V12/P147Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P146–V12/P147)
Orijinal Metin (AR)

وإذا ثبت هذا فقولنا : إنه شيء لا يفيد امتياز ذاته عن سائر الذوات بصفة معلومة ولا بخاصة متميزة ولا يفيد كونه موجودا فيكون هذا لفظا لا يفيد فائدة في حق الله تعالى ألبتة ، فكان عبثا مطلقا ، فوجب أو لا يجوز إطلاقه على الله تعالى . والجواب عن هذه الوجوه أن يقال : لما تعارضت الدلائل . فنقول : لفظ الشيء أعم الألفاظ ، ومتى صدق الخاص صدق العام ، فمتى صدق فيه كونه ذاتا وحقيقة وجب أن يصدق عليه كونه شيئا وذلك هو المطلوب والله أعلم . أما قوله { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد } فالمراد أنه تعالى أوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به ، وهو خطاب لأهل مكة ، وقوله دومن بلغ ذ عطف على المخاطبين من أهل مكة أي لأنذركم به ، وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم ، وقيل من الثقلين ، وقيل : من بلغه إلى يوم القيامة ، وعن سعيد بن جبير : من بلغه القرآن ، فكأنما رأى محمدا صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا التفسير فيحصل في الآية حذف ، والتقدير : وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ، ومن بلغه هذا القرآن إلا أن هذا العائد محذوف لدلالة الكلام عليه ، كما يقال الذي رأيت زيد ، والذي ضربت عمرو . وفي تفسير قوله { ومن بلغ } قول آخر ، وهو أن يكون قوله { ومن بلغ } أي ومن احتلم وبلغ حد التكليف ، وعند هذا لا يحتاج إلى إضمار العائد إلا أن الجمهور على القول الأول . أما قوله { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم وأوحى إلى هاذا القرءان لانذركم به ومن بلغ أئنكم } فنقول : فيه بحثان . البحث الأول : قرأ ابن كثير : ( أينكم ) بهمزة وكسرة بعدها خفيفة مشبهة ياء ساكنة بلا مدة ، وأبو عمرو وقالون عن نافع كذلك إلا أنه يمد والباقون بهمزتين بلا مد . والبحث الثاني : أن هذا استفهام معناه الجحد والانكار . قال لفراء : ولم يقل آخر لأن الآلهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث كما قال : { والله الاسماء الحسنى } ( الأعراف : 180 ) وقال : { فما بال القرون الاولى } ( طه : 51 ) ولم يقل الأول ولا الأولين وكل ذلك صواب . ثم قال تعالى : { قل لا أشهد قل إنما هو إلاه واحد وإننى برىء مما تشركون } واعلم أن هذا الكلام دال على إيجاب التوحيد والبراءة عن الشرك من ثلاثة أوجه : أولها : قوله { قل لا أشهد } أي لا أشهد بما تذكرونه من إثبات الشركاء . وثانيها : قوله { قل إنما هو إلاه واحد } وكلمة { إنما } تفيد الحصر ، ولفظ الواحد صريح في التوحيد ونفي الشركاء . وثالثها : قوله { إننى برىء مما تشركون } وفيه تصريح بالبراءة عن إثبات الشركاء فثبت دلالة هذه الآية على إجاب التوحيد بأعظم طرق البيان وأبلغ وجوه التأكيد . قال العلماء : المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ويتبرأ من كل دين سوى دين الإسلام . ونص الشافعي رحمه الله على استحباب ضم التبري إلى الشهادة لقوله { وإننى برىء مما تشركون } عقيب التصريح بالتوحيد . ! 7 < { الذين ءاتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } > 7 ! < < الأنعام : ( 20 ) الذين آتيناهم الكتاب . . . . .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وإذا ثبت هذا فقولنا : إنه شيء لا يفيد امتياز ذاته عن سائر الذوات بصفة معلومة ولا بخاصة متميزة ولا يفيد كونه موجودا فيكون هذا لفظا لا يفيد فائدة في حق الله تعالى ألبتة ، فكان عبثا مطلقا ، فوجب أو لا يجوز إطلاقه على الله تعالى . والجواب عن هذه الوجوه أن يقال : لما تعارضت الدلائل . فنقول : لفظ الشيء أعم الألفاظ ، ومتى صدق الخاص صدق العام ، فمتى صدق فيه كونه ذاتا وحقيقة وجب أن يصدق عليه كونه شيئا وذلك هو المطلوب والله أعلم . أما قوله { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد } فالمراد أنه تعالى أوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به ، وهو خطاب لأهل مكة ، وقوله دومن بلغ ذ عطف على المخاطبين من أهل مكة أي لأنذركم به ، وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم ، وقيل من الثقلين ، وقيل : من بلغه إلى يوم القيامة ، وعن سعيد بن جبير : من بلغه القرآن ، فكأنما رأى محمدا صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا التفسير فيحصل في الآية حذف ، والتقدير : وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ، ومن بلغه هذا القرآن إلا أن هذا العائد محذوف لدلالة الكلام عليه ، كما يقال الذي رأيت زيد ، والذي ضربت عمرو . وفي تفسير قوله { ومن بلغ } قول آخر ، وهو أن يكون قوله { ومن بلغ } أي ومن احتلم وبلغ حد التكليف ، وعند هذا لا يحتاج إلى إضمار العائد إلا أن الجمهور على القول الأول . أما قوله { قل أى شىء أكبر شهادة قل الله شهيد بينى وبينكم وأوحى إلى هاذا القرءان لانذركم به ومن بلغ أئنكم } فنقول : فيه بحثان . البحث الأول : قرأ ابن كثير : ( أينكم ) بهمزة وكسرة بعدها خفيفة مشبهة ياء ساكنة بلا مدة ، وأبو عمرو وقالون عن نافع كذلك إلا أنه يمد والباقون بهمزتين بلا مد . والبحث الثاني : أن هذا استفهام معناه الجحد والانكار . قال لفراء : ولم يقل آخر لأن الآلهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث كما قال : { والله الاسماء الحسنى } ( الأعراف : 180 ) وقال : { فما بال القرون الاولى } ( طه : 51 ) ولم يقل الأول ولا الأولين وكل ذلك صواب . ثم قال تعالى : { قل لا أشهد قل إنما هو إلاه واحد وإننى برىء مما تشركون } واعلم أن هذا الكلام دال على إيجاب التوحيد والبراءة عن الشرك من ثلاثة أوجه : أولها : قوله { قل لا أشهد } أي لا أشهد بما تذكرونه من إثبات الشركاء . وثانيها : قوله { قل إنما هو إلاه واحد } وكلمة { إنما } تفيد الحصر ، ولفظ الواحد صريح في التوحيد ونفي الشركاء . وثالثها : قوله { إننى برىء مما تشركون } وفيه تصريح بالبراءة عن إثبات الشركاء فثبت دلالة هذه الآية على إجاب التوحيد بأعظم طرق البيان وأبلغ وجوه التأكيد . قال العلماء : المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين ويتبرأ من كل دين سوى دين الإسلام . ونص الشافعي رحمه الله على استحباب ضم التبري إلى الشهادة لقوله { وإننى برىء مما تشركون } عقيب التصريح بالتوحيد . ! 7 < { الذين ءاتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } > 7 ! < < الأنعام : ( 20 ) الذين آتيناهم الكتاب . . . . .

Dio V12/P147–V12/P148Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P147–V12/P148)
Orijinal Metin (AR)

> > اعلم أنا روينا في الآية الأولى أن الكفار سألوا اليهود والنصارى عن صفة محمد عليه الصلاة والسلام فأنكروا دلالة التوراة والإنجيل على نبوته ، فبين الله تعالى في الآية الأولى أن شهادة الله على صحة نبوته كافية في ثبوتها وتحققها ، ثم بين في هذه الآية أنهم كذبوا في قولهم أنا لا نعرف محمدا عليه الصلاة والسلام ، لأنهم يعرفونه بالنبوة والرسالة كما يعرفون أبناءهم لما روي أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر لعبد الله بن سلام : أنزل الله على نبيه هذه الآية فكيف هذه المعرفة ، فقال يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني ولأنا أشد معرفة بمحمد مني يا بني لأني لا أدري ما صنع النساء وأشهد أنه حق من الله تعالى . وأعلم أن ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون علمهم بنبوة محمد عليه السلام مثل علمهم بأبنائهم وفيه سؤال وهو أن يقال : المكتوب في التوراة والإنجيل مجرد أنه سيخرج نبي في آخر الزمان يدعو الخلق إلى الدين الحق ، أو المكتوب فيه هذا المعنى مع تعين الزمان والمكان والنسب والصفة والحلية والشكل ، فإن كان الأول فذلك القدر لا يدل على أن ذلك الشخص هو محمد عليه السلام ، فكيف يصح أن يقال : علمهم بنوته مثل علمهم بنبوة أبنائهم ، وإن كان الثاني وجب أن كيون جميع اليهود والنصارى عالمين بالضرورة من التوراة والإنجيل بكون محمد عليه الصلاة والسلام نبيا من عند الله تعالى ، والكذب على الجمع العظيم لا يجوز لأنا نعلم بالضرورة أن التوراة والإنجيل حال ظهور الرسول عليه الصلاة والسلام أو يقال : إنه ما بقيت هذه التفاصيل في التوراة والإنجيل في وقت ظهوره لأجل أن التحريف قد تطرق إليهما قبل ذلك ، والأول باطل لان إخفاء مثل هذه التفاصيل التامة في كتاب وصل إلى أهل الشرق والغرب ممتنع ، والثاني أيضا باطل ، لأن على هذا التقدير لم يكن يهود ذلك الزمان ، ونصارى ذلك الزمان عالمين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم علمهم بنبوة أبنائهم ، وحينئذ يسقط هذا الكلام . والجواب عن الأول : أن يقال المراد ب { الذين ءاتيناهم الكتاب } اليهود والنصارى ، وهم كانوا أهلا للنظر والاستدلال ، وكانوا قد شاهدوا ظهور المعجزات على الرسول عليه الصلاة والسلام ، فعرفوا بواسطة تلك المعجزات كونه رسولا من عند الله ، والمقصود من تشبيه إحدى المعرفتين بالمعرفة الثانية هذا القدر الذي ذكرناه . أما قوله { الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } ففيه قولان : الأول : أن قوله دالذين } صفة للذين الأولى ، فيكون عاملهما واحدا ويكون المقصود وعيد المعاندين الذين يعرفون ويجحدون . والثاني : أن قوله الذين خسروا أنفسهم ابتداء . وقوله { } صفة للذين الأولى ، فيكون عاملهما واحدا ويكون المقصود وعيد المعاندين الذين يعرفون ويجحدون . والثاني : أن قوله الذين خسروا أنفسهم ابتداء . وقوله { فهم لا يؤمنون } خبره ، وفي قوله { الذين خسروا } وجهان : الأول : أنهم خسروا أنفسهم بمعنى الهلاك الدائم الذي حصل لهم بسبب الكفر والثاني : جاء في التفسير أنه ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله منزلة في الجنة ، فمن كفر صارت منزلته إلى من أسلم فيكون قد خسر نفسه وأهله بأن ورث منزلة غيره . ! 7 < { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بأاياته إنه لا يفلح الظالمون ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركآؤكم الذين كنتم تزعمون } > 7 < الأنعام : ( 21 - 22 ) ومن أظلم ممن . . . . . > >

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> > اعلم أنا روينا في الآية الأولى أن الكفار سألوا اليهود والنصارى عن صفة محمد عليه الصلاة والسلام فأنكروا دلالة التوراة والإنجيل على نبوته ، فبين الله تعالى في الآية الأولى أن شهادة الله على صحة نبوته كافية في ثبوتها وتحققها ، ثم بين في هذه الآية أنهم كذبوا في قولهم أنا لا نعرف محمدا عليه الصلاة والسلام ، لأنهم يعرفونه بالنبوة والرسالة كما يعرفون أبناءهم لما روي أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر لعبد الله بن سلام : أنزل الله على نبيه هذه الآية فكيف هذه المعرفة ، فقال يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني ولأنا أشد معرفة بمحمد مني يا بني لأني لا أدري ما صنع النساء وأشهد أنه حق من الله تعالى . وأعلم أن ظاهر هذه الآية يقتضي أن يكون علمهم بنبوة محمد عليه السلام مثل علمهم بأبنائهم وفيه سؤال وهو أن يقال : المكتوب في التوراة والإنجيل مجرد أنه سيخرج نبي في آخر الزمان يدعو الخلق إلى الدين الحق ، أو المكتوب فيه هذا المعنى مع تعين الزمان والمكان والنسب والصفة والحلية والشكل ، فإن كان الأول فذلك القدر لا يدل على أن ذلك الشخص هو محمد عليه السلام ، فكيف يصح أن يقال : علمهم بنوته مثل علمهم بنبوة أبنائهم ، وإن كان الثاني وجب أن كيون جميع اليهود والنصارى عالمين بالضرورة من التوراة والإنجيل بكون محمد عليه الصلاة والسلام نبيا من عند الله تعالى ، والكذب على الجمع العظيم لا يجوز لأنا نعلم بالضرورة أن التوراة والإنجيل حال ظهور الرسول عليه الصلاة والسلام أو يقال : إنه ما بقيت هذه التفاصيل في التوراة والإنجيل في وقت ظهوره لأجل أن التحريف قد تطرق إليهما قبل ذلك ، والأول باطل لان إخفاء مثل هذه التفاصيل التامة في كتاب وصل إلى أهل الشرق والغرب ممتنع ، والثاني أيضا باطل ، لأن على هذا التقدير لم يكن يهود ذلك الزمان ، ونصارى ذلك الزمان عالمين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم علمهم بنبوة أبنائهم ، وحينئذ يسقط هذا الكلام . والجواب عن الأول : أن يقال المراد ب { الذين ءاتيناهم الكتاب } اليهود والنصارى ، وهم كانوا أهلا للنظر والاستدلال ، وكانوا قد شاهدوا ظهور المعجزات على الرسول عليه الصلاة والسلام ، فعرفوا بواسطة تلك المعجزات كونه رسولا من عند الله ، والمقصود من تشبيه إحدى المعرفتين بالمعرفة الثانية هذا القدر الذي ذكرناه . أما قوله { الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } ففيه قولان : الأول : أن قوله دالذين } صفة للذين الأولى ، فيكون عاملهما واحدا ويكون المقصود وعيد المعاندين الذين يعرفون ويجحدون . والثاني : أن قوله الذين خسروا أنفسهم ابتداء . وقوله { } صفة للذين الأولى ، فيكون عاملهما واحدا ويكون المقصود وعيد المعاندين الذين يعرفون ويجحدون . والثاني : أن قوله الذين خسروا أنفسهم ابتداء . وقوله { فهم لا يؤمنون } خبره ، وفي قوله { الذين خسروا } وجهان : الأول : أنهم خسروا أنفسهم بمعنى الهلاك الدائم الذي حصل لهم بسبب الكفر والثاني : جاء في التفسير أنه ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله منزلة في الجنة ، فمن كفر صارت منزلته إلى من أسلم فيكون قد خسر نفسه وأهله بأن ورث منزلة غيره . ! 7 < { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بأاياته إنه لا يفلح الظالمون ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركآؤكم الذين كنتم تزعمون } > 7 < الأنعام : ( 21 - 22 ) ومن أظلم ممن . . . . . > >

Dio V12/P148–V12/P149Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P148–V12/P149)
Orijinal Metin (AR)

اعلم أنه تعالى لما حكم على أولئك المنكرين بالخسران في الآية الأولى بين في هذه الآية سبب ذلك الخسران ، وهو أمران : أحدهما : أن يفترى على الله كذبا ، وهذا الافتراء يحتمل وجوها : الأول : أن كفرا مكة كانوا يقولون هذه الأصنام شركاء الله ، والله سبحانه وتعالى أمرهم بعبادتها والتقرب إليها ، وكانوا أيضا يقولون الملائكة بنات الله ، ثم نسبوا إلى الله تحريم البحائر والسوائب . وثانيها : أن اليهود والنصارى كانوا يقولون : حصل في التوراة والإنجيل أن هاتين الشريعتين لا يتطرق إليهما النسخ والتغيير ، وأنهما لا يجيء بعدهما نبي ، وثالثها : ما ذكره الله تعالى في قوله { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ءاباءنا والله أمرنا بها } ( الأعراف : 28 ) ورابعها : أن اليهود كانوا يقولون { نحن أبناء الله وأحباؤه } ( المائدة : 18 ) وكانوا يقولون { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } ( البقرة : 80 ) وخامسها : أن بعض الجهال منهم كان يقول : إن الله فقير ونحن أغنياء ، وأمثال هذه الأباطيل التي كانوا ينسبونها ألى الله كثيرة ، وكلها افتراء منهم على الله . والنوع الثاني : من أسباب خسرانهم تكذيبهم بآيات الله ، والمراد منه قدحهم في معجزات محمد صلى الله عليه وسلم ، وطعنهم فيها وإنكارهم كون القرآن معجزة قاهرة بينة ، ثم إنه تعالى لما حكى عنهم هذين الأمرين قال : { إنه لا يفلح الظالمون } أي لا يظفرون بمطالبهم في الدنيا وفي الآخرة بل يبقون في الحرمان والخذلان . وأما قوله { ويوم نحشرهم جميعا } ففي ناصب قوله { ويوم } أقوال : الأول : أنه محذوف وتقديره { ويوم نحشرهم } كان كيت وكيت ، فترك ليبقى على الابهام الذي هو أدخل في التخويف ، والثاني : التقدير اذكر يوم نحشرهم ، والثالث : أنه معطوف على محذوف كأنه قيل لا يفلح الظالمون أبدا ويوم نحشرهم . وأما قوله { ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤهم الذين كنتم تزعمون } فالمقصود منه التقريع والتبكيت لا السؤال ، ويحتمل أن يكون معناه أين نفس الشركاء ، ويحتمل أن يكون المراد أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم ، وعلى كلا الوجهين : لا يكون الكلام إلا توبيخا وتقريعا في نفوسهم أن الذي كانوا يظنونه مأيوس عنه ، وصار ذلك تنبيها لهم في دار الدنيا على فساد هذه الطريقة ، والعائد على الموصول من قوله { الذين كنتم تزعمون } محذوف ، والتقدير : الذين كنتم تزعمون أنهم شفعاء ، فحذف مفعول الزعم لدلالة السؤال عليه ، قال ابن عباس : وكل زعم في كتاب الله كذب . ! 7 < { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون } > 7 < الأنعام : ( 23 - 24 ) ثم لم تكن . . . . . > > أعلم أن ههنا مسائل :

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

اعلم أنه تعالى لما حكم على أولئك المنكرين بالخسران في الآية الأولى بين في هذه الآية سبب ذلك الخسران ، وهو أمران : أحدهما : أن يفترى على الله كذبا ، وهذا الافتراء يحتمل وجوها : الأول : أن كفرا مكة كانوا يقولون هذه الأصنام شركاء الله ، والله سبحانه وتعالى أمرهم بعبادتها والتقرب إليها ، وكانوا أيضا يقولون الملائكة بنات الله ، ثم نسبوا إلى الله تحريم البحائر والسوائب . وثانيها : أن اليهود والنصارى كانوا يقولون : حصل في التوراة والإنجيل أن هاتين الشريعتين لا يتطرق إليهما النسخ والتغيير ، وأنهما لا يجيء بعدهما نبي ، وثالثها : ما ذكره الله تعالى في قوله { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ءاباءنا والله أمرنا بها } ( الأعراف : 28 ) ورابعها : أن اليهود كانوا يقولون { نحن أبناء الله وأحباؤه } ( المائدة : 18 ) وكانوا يقولون { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } ( البقرة : 80 ) وخامسها : أن بعض الجهال منهم كان يقول : إن الله فقير ونحن أغنياء ، وأمثال هذه الأباطيل التي كانوا ينسبونها ألى الله كثيرة ، وكلها افتراء منهم على الله . والنوع الثاني : من أسباب خسرانهم تكذيبهم بآيات الله ، والمراد منه قدحهم في معجزات محمد صلى الله عليه وسلم ، وطعنهم فيها وإنكارهم كون القرآن معجزة قاهرة بينة ، ثم إنه تعالى لما حكى عنهم هذين الأمرين قال : { إنه لا يفلح الظالمون } أي لا يظفرون بمطالبهم في الدنيا وفي الآخرة بل يبقون في الحرمان والخذلان . وأما قوله { ويوم نحشرهم جميعا } ففي ناصب قوله { ويوم } أقوال : الأول : أنه محذوف وتقديره { ويوم نحشرهم } كان كيت وكيت ، فترك ليبقى على الابهام الذي هو أدخل في التخويف ، والثاني : التقدير اذكر يوم نحشرهم ، والثالث : أنه معطوف على محذوف كأنه قيل لا يفلح الظالمون أبدا ويوم نحشرهم . وأما قوله { ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤهم الذين كنتم تزعمون } فالمقصود منه التقريع والتبكيت لا السؤال ، ويحتمل أن يكون معناه أين نفس الشركاء ، ويحتمل أن يكون المراد أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم ، وعلى كلا الوجهين : لا يكون الكلام إلا توبيخا وتقريعا في نفوسهم أن الذي كانوا يظنونه مأيوس عنه ، وصار ذلك تنبيها لهم في دار الدنيا على فساد هذه الطريقة ، والعائد على الموصول من قوله { الذين كنتم تزعمون } محذوف ، والتقدير : الذين كنتم تزعمون أنهم شفعاء ، فحذف مفعول الزعم لدلالة السؤال عليه ، قال ابن عباس : وكل زعم في كتاب الله كذب . ! 7 < { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون } > 7 < الأنعام : ( 23 - 24 ) ثم لم تكن . . . . . > > أعلم أن ههنا مسائل :

Dio V12/P149–V12/P150Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P149–V12/P150)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وحفص عن عاسم { ثم لم تكن فتنتهم } بالتاء المنقطة من فوق وفتنتهم بالرفع ، وقرأ حمزة والكسائي { ثم لم يكن } بالياء وفتنتهم بالنصب ، وأما القراءة بالتاء المنقطة من فوق ونصب الفتنة ، فههنا قوله أن قالوا : في محل الرفع لسكونه اسم تكن ، وإنما أنث لتأنيث الخبر كقوله من كانت أمك أو لأن ما قالوا : فتنة في المعنى ، ويجوز تأويل إلا أن قالوا لا مقالتهم وأما القراءة بالياء المنقطة من تحت ، ونصب فتنتهم ، فههنا قوله أن قالوا : في محل الرفع لكونه اسم يكن ، وفتنتهم هو الخبر . قال الواحدي : الاختيار قراءة من جعل أن قالوا الاسم دون الخبر لأن أن إذا وصلت بالفعل لم توصف فأشبهت بامتناع وصفها المضمر ، فكما أن المظهر والمضمر ، إذا اجتمعا كان جعل المضمر اسما أولى من جعله خبرا ، فكذا ههنا تقول كنت القائم ، فجعلت المضمر اسما والمظهر خبرا فكذا ههنا ، ونقول قراءة حمزة والكسائي : والله ربنا بنصب قوله ربنا لوجيهن : أحدهما : بإضمار أعني وأذكر ، والثاني : على النداء ، أي والله يا ربنا ، والباقون بكسر الباء على أنه صفة لله تعالى . المسألة الثانية : قال الزجاج : تأويل هذه الآية حسن في اللغة لا يعرفه إلا من عرف معاني الكلام وتصرف العرب في ذلك ، وذلك أن الله تعالى بين كون المشركين مفتونين بشركهم متهالكين على حبه ، فاعلم في هذه الآية أنه لم يكن افتتانهم بشركهم وإقامتهم عليه ، إلا أن تبرؤا منه وتباعدوا عنه ، فحلفوا أنهم ما كانوا مشركين : ومثاله أن ترى إنسانا يحب عاريا مذموم الطريقة فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه ، فيقال له ما كانت محبتك لفلان ، إلا أن انتفيت منه فالمراد بالفتنة ههنا افتتانهم بالأوثان ، ويتأكد هذا الوجه بما روى عطاء عن ابن عباس : أنه قال { ثم لم تكن فتنتهم } معناه شركهم في الدنيا ، وهذا القول راجع إلى حذف المضاف لأن المعنى ثم لم تكن عاقبة فتنتهم إلا البراءة ، ومثله قولك ما كانت محبتك لفلان ، إلا أن فررت منه وتركته . المسألة الثالثة : ظاهر الآية يقتضي : أنهم حلفوا في القيامة على أنهم ما كانوا مشركين ، وهذا يقتضي إقدامهم على الكذب يوم القيامة ، وللناس فيه قولان : الأول : وهو قول أبي علي الجبائي ، والقاضي : أن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب واحتجا عليه بوجوه : الأول : أن أهل القيامة يرعفون الله تعالى بالاضطرار ، إذ لو عرفون بالاستدلال لصار موقف القيامة دار التكليف ، وذلك باطل ، وإذا كانوا عارفين بالله على سبيل الاضطرار ، وجب أن يكونوا ملجئين إلى أن لا يفعلوا القبيح بمعنى أنهم يعلمون أنهم لو راموا فعل القبيح لمنعهم الله منه لأن مع زوال التكليف لو لم يحصل هذا المعنى لكان ذلك إطلاقهم في فعل القبيح ، وأنه لا يجوز ، فثبت أن أهل القيامة يعلمون الله بالاضطرار ، وثبت أنه متى كان كذلك كانوا ملجئين إلى ترك القبيح ، وذلك يقتضي أنه لا يقدم أحد من أهل القيامة على فعل القبيح . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : ءنه لا يجوز منهم فعل القبيح ، إذ كانوا عقلاء إلا أنا نقول : لم لا يجوز أن يقال : إنه وقع منهم هذا الكذب لأنهم لما عاينوا أهوال القيامة اضطربت عقولهم ، فقالوا : هذا القول الكذب عند اختلال عقولهم ، أو يقال : إنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وحفص عن عاسم { ثم لم تكن فتنتهم } بالتاء المنقطة من فوق وفتنتهم بالرفع ، وقرأ حمزة والكسائي { ثم لم يكن } بالياء وفتنتهم بالنصب ، وأما القراءة بالتاء المنقطة من فوق ونصب الفتنة ، فههنا قوله أن قالوا : في محل الرفع لسكونه اسم تكن ، وإنما أنث لتأنيث الخبر كقوله من كانت أمك أو لأن ما قالوا : فتنة في المعنى ، ويجوز تأويل إلا أن قالوا لا مقالتهم وأما القراءة بالياء المنقطة من تحت ، ونصب فتنتهم ، فههنا قوله أن قالوا : في محل الرفع لكونه اسم يكن ، وفتنتهم هو الخبر . قال الواحدي : الاختيار قراءة من جعل أن قالوا الاسم دون الخبر لأن أن إذا وصلت بالفعل لم توصف فأشبهت بامتناع وصفها المضمر ، فكما أن المظهر والمضمر ، إذا اجتمعا كان جعل المضمر اسما أولى من جعله خبرا ، فكذا ههنا تقول كنت القائم ، فجعلت المضمر اسما والمظهر خبرا فكذا ههنا ، ونقول قراءة حمزة والكسائي : والله ربنا بنصب قوله ربنا لوجيهن : أحدهما : بإضمار أعني وأذكر ، والثاني : على النداء ، أي والله يا ربنا ، والباقون بكسر الباء على أنه صفة لله تعالى . المسألة الثانية : قال الزجاج : تأويل هذه الآية حسن في اللغة لا يعرفه إلا من عرف معاني الكلام وتصرف العرب في ذلك ، وذلك أن الله تعالى بين كون المشركين مفتونين بشركهم متهالكين على حبه ، فاعلم في هذه الآية أنه لم يكن افتتانهم بشركهم وإقامتهم عليه ، إلا أن تبرؤا منه وتباعدوا عنه ، فحلفوا أنهم ما كانوا مشركين : ومثاله أن ترى إنسانا يحب عاريا مذموم الطريقة فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه ، فيقال له ما كانت محبتك لفلان ، إلا أن انتفيت منه فالمراد بالفتنة ههنا افتتانهم بالأوثان ، ويتأكد هذا الوجه بما روى عطاء عن ابن عباس : أنه قال { ثم لم تكن فتنتهم } معناه شركهم في الدنيا ، وهذا القول راجع إلى حذف المضاف لأن المعنى ثم لم تكن عاقبة فتنتهم إلا البراءة ، ومثله قولك ما كانت محبتك لفلان ، إلا أن فررت منه وتركته . المسألة الثالثة : ظاهر الآية يقتضي : أنهم حلفوا في القيامة على أنهم ما كانوا مشركين ، وهذا يقتضي إقدامهم على الكذب يوم القيامة ، وللناس فيه قولان : الأول : وهو قول أبي علي الجبائي ، والقاضي : أن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب واحتجا عليه بوجوه : الأول : أن أهل القيامة يرعفون الله تعالى بالاضطرار ، إذ لو عرفون بالاستدلال لصار موقف القيامة دار التكليف ، وذلك باطل ، وإذا كانوا عارفين بالله على سبيل الاضطرار ، وجب أن يكونوا ملجئين إلى أن لا يفعلوا القبيح بمعنى أنهم يعلمون أنهم لو راموا فعل القبيح لمنعهم الله منه لأن مع زوال التكليف لو لم يحصل هذا المعنى لكان ذلك إطلاقهم في فعل القبيح ، وأنه لا يجوز ، فثبت أن أهل القيامة يعلمون الله بالاضطرار ، وثبت أنه متى كان كذلك كانوا ملجئين إلى ترك القبيح ، وذلك يقتضي أنه لا يقدم أحد من أهل القيامة على فعل القبيح . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : ءنه لا يجوز منهم فعل القبيح ، إذ كانوا عقلاء إلا أنا نقول : لم لا يجوز أن يقال : إنه وقع منهم هذا الكذب لأنهم لما عاينوا أهوال القيامة اضطربت عقولهم ، فقالوا : هذا القول الكذب عند اختلال عقولهم ، أو يقال : إنهم نسوا كونهم مشركين في الدنيا .

Dio V12/P150–V12/P151Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P150–V12/P151)
Orijinal Metin (AR)

والجواب عن الأول : أنه تعالى لا يجوز أن يحشرهم : ويورد عليهم التوبيخ بقوله { أين شركاؤهم } ( الأنعام : 22 ) ثم يحكي عنهم ما يجري مجرى الاعتذار مع أنهم غير عقلاء ، لأن هذا لا يليق بحكمة الله تعالى ، وأيضا فالمكلفون لا بد وأن يكونوا عقلاء يوم القيامة ، ليعلموا أنهم بما يعاملهم الله به غير مظلومين . والجواب عن الثاني : أن النسيان : لما كانوا عليه في دار الدنيا مع كمال العقل بعيد لأن العاقل لا يجوز أن ينسى مثل هذه الأحوال ، وءن بعد العهد ، وإنما يجوز أن ينسى اليسير من الأمور ولولا أن الأمر كذلك لجوزنا أن يكون العاقل قد مارس الولايات العظيمة دهرا طويلا ، ومع ذلك فقد نسيه ، ومعلوم أن تجويزه يوجب السفسطة . الحجة الثانية : أن القوم الذين أقدموا على ذلك الكذب إما أن يقال : إنهم ما كانوا عقلاء أو كانوا عقلاء ، فإن قلنا إنهم ما كانوا عقلاء فهذا باطل لأنه لا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي كلام المجانين في معرض تمهيد العذر ، وإن قلنا إنهم كانوا عقلاء فهم يعلمون أن لله تعالى عالم بأحوالهم ، مطلع على أفعالهم ويعلمون أن تجويز الكذب على الله محال ، وأنهم لا يستفيدون بذلك الكذب إلا زيادة المقت والغضب وإذا كان الأمر كذلك امتنع إقدامهم في مثل هذه الحالة على الكذب . الحجة الثالثة : أنهم لو كذبوا في موقف القيامة ثم حلفوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقدموا على هذين النوعين من القبح والذنب وذلك يوجب العقاب ، فتصير الدار الآخرة دار التكليف ، وقد أجمعوا على أنه ليس الأمر كذلك ، وأما إن قيل إنهم لا يستحقون على ذلك الكذب ، وعلى ذلك الحلف الكاذب عقابا وذما ، فهذا يقتضي حصول الاذن من الله تعالى في ارتكاب القبائح والذنوب ، وأنه باطل ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إقدام أهل القيامة على القبيح والكذب . وإذا ثبت هذا : فعند ذلك قالوا يحمل قوله { والله ربنا ما كنا مشركين } أي ما كنا مشركين في اعتقادنا وظنوننا ، وذلك لأن القوم كانوا يعتقدون في أنفسهم أنهم كانوا موحدين متباعدين من الشرك . فإن قيل : فعلى هذا التقدير : يكونون صادقين فيما أخبروا عنه لأنهم أخبروا بأنهم كانوا غير مشركين عد أنفسهم ، فلماذا قال الله تعالى { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } ولنا أنه ليس تحت قوله { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } أنهم كذبوا فيما تقدم ذكره من قوله { والله ربنا ما كنا مشركين } حتى يلزمنا هذا السؤال بل يجوز أن يكون المراد انظر كيف كذبوا على أنفسهم في دار الدنيا في أمور كانوا يخبرون عنها كقولهم : إنهم على صواب وإن ما هم عليه ليس بشرك والكذب يصح عليهم في دار الدنيا ، وإنما ينفى ذلك عنهم في الآخرة ، والحاصل أن المقصود من قوله تعالى : { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } اختلاف الحالين ، وأنهم في دار الدنيا كانوا يكذبون ولا يحترزون عنه وأنهم في الآخرة يحترزون عن الكذب ولكن حيث لا ينفعهم الصدق فلتعلق أحد الأمرين بالآخر أظهر الله تعالى للرسول ذلك وبين أن القوم لأجل شركهم كيف يكون حالهم في الآخرة عند الاعتذار مع أنهم كانوا في دار الدنيا يكذبون على أنفسهم ويزعمون أنهم على صواب . هذا جملة كلام القاضي في تقرير القول الذي اختاره أبو علي الجبائي .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

والجواب عن الأول : أنه تعالى لا يجوز أن يحشرهم : ويورد عليهم التوبيخ بقوله { أين شركاؤهم } ( الأنعام : 22 ) ثم يحكي عنهم ما يجري مجرى الاعتذار مع أنهم غير عقلاء ، لأن هذا لا يليق بحكمة الله تعالى ، وأيضا فالمكلفون لا بد وأن يكونوا عقلاء يوم القيامة ، ليعلموا أنهم بما يعاملهم الله به غير مظلومين . والجواب عن الثاني : أن النسيان : لما كانوا عليه في دار الدنيا مع كمال العقل بعيد لأن العاقل لا يجوز أن ينسى مثل هذه الأحوال ، وءن بعد العهد ، وإنما يجوز أن ينسى اليسير من الأمور ولولا أن الأمر كذلك لجوزنا أن يكون العاقل قد مارس الولايات العظيمة دهرا طويلا ، ومع ذلك فقد نسيه ، ومعلوم أن تجويزه يوجب السفسطة . الحجة الثانية : أن القوم الذين أقدموا على ذلك الكذب إما أن يقال : إنهم ما كانوا عقلاء أو كانوا عقلاء ، فإن قلنا إنهم ما كانوا عقلاء فهذا باطل لأنه لا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي كلام المجانين في معرض تمهيد العذر ، وإن قلنا إنهم كانوا عقلاء فهم يعلمون أن لله تعالى عالم بأحوالهم ، مطلع على أفعالهم ويعلمون أن تجويز الكذب على الله محال ، وأنهم لا يستفيدون بذلك الكذب إلا زيادة المقت والغضب وإذا كان الأمر كذلك امتنع إقدامهم في مثل هذه الحالة على الكذب . الحجة الثالثة : أنهم لو كذبوا في موقف القيامة ثم حلفوا على ذلك الكذب لكانوا قد أقدموا على هذين النوعين من القبح والذنب وذلك يوجب العقاب ، فتصير الدار الآخرة دار التكليف ، وقد أجمعوا على أنه ليس الأمر كذلك ، وأما إن قيل إنهم لا يستحقون على ذلك الكذب ، وعلى ذلك الحلف الكاذب عقابا وذما ، فهذا يقتضي حصول الاذن من الله تعالى في ارتكاب القبائح والذنوب ، وأنه باطل ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إقدام أهل القيامة على القبيح والكذب . وإذا ثبت هذا : فعند ذلك قالوا يحمل قوله { والله ربنا ما كنا مشركين } أي ما كنا مشركين في اعتقادنا وظنوننا ، وذلك لأن القوم كانوا يعتقدون في أنفسهم أنهم كانوا موحدين متباعدين من الشرك . فإن قيل : فعلى هذا التقدير : يكونون صادقين فيما أخبروا عنه لأنهم أخبروا بأنهم كانوا غير مشركين عد أنفسهم ، فلماذا قال الله تعالى { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } ولنا أنه ليس تحت قوله { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } أنهم كذبوا فيما تقدم ذكره من قوله { والله ربنا ما كنا مشركين } حتى يلزمنا هذا السؤال بل يجوز أن يكون المراد انظر كيف كذبوا على أنفسهم في دار الدنيا في أمور كانوا يخبرون عنها كقولهم : إنهم على صواب وإن ما هم عليه ليس بشرك والكذب يصح عليهم في دار الدنيا ، وإنما ينفى ذلك عنهم في الآخرة ، والحاصل أن المقصود من قوله تعالى : { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } اختلاف الحالين ، وأنهم في دار الدنيا كانوا يكذبون ولا يحترزون عنه وأنهم في الآخرة يحترزون عن الكذب ولكن حيث لا ينفعهم الصدق فلتعلق أحد الأمرين بالآخر أظهر الله تعالى للرسول ذلك وبين أن القوم لأجل شركهم كيف يكون حالهم في الآخرة عند الاعتذار مع أنهم كانوا في دار الدنيا يكذبون على أنفسهم ويزعمون أنهم على صواب . هذا جملة كلام القاضي في تقرير القول الذي اختاره أبو علي الجبائي .

Dio V12/P151–V12/P152Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P151–V12/P152)
Orijinal Metin (AR)

والقول الثاني : وهو قول جمهور المفسرين أن الكفار يكذبون في هذا القول قالوا : والدليل على أن الكفار قد يكذبون في القيامة وجوه : الأول : أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون { ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون } ( المؤمنون : 107 ) مع أنه تعالى أخبر عنهم بقوله { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } ( الإنعام : 28 ) والثاني : قوله تعالى : { يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شىء ألا إنهم هم الكاذبون } ( المجادلة : 18 ) بعد قوله { ويحلفون على الكذب } ( المجادلة : 14 ) فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا . والثالث : قوله تعالى حكاية عنهم { قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } ( الكهف : 19 ) وكل ذلك يدل على إقدامهم في بعض الأوقات على الكذب . والرابع : قوله حكاية عنهم { ونادوا يامالك مالك ليقض علينا ربك } ( الزخرف : 77 ) وقد علموا أنه تعالى لا يقضي عليهم بالخلاص . والخامس : أنه تعالى في هذه الآية حكى عنهم { أنهم قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } وحمل هذا على أن المراد ما كنا مشركين في ظنوننا وعقائدنا مخالفة للظاهر . ثم حمل قوله بعد ذلك { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } على أنهم كذبوا في الدنيا يوجب فك نظم الآية ، وصرف أول الآية إلى أحوال القيامة وصرف آخرها إلى أحوال الدنيا وهو في غاية البعد . أما قوله إما أن يكونوا قد كذبوا حال كمال العقل أو حال نقصان العقل فنقول : لا يبعد أي يقال إنهم حال ما عاينوا أهوال القيامة ، وشاهدوا موجبات الخوف الشديد اختلت عقولهم فذكروا هذا الكلام في ذلك الوقت وقوله : كيف يليق بحكمة الله تعالى أن يحكى عنهم ما ذكروه في حال اضطراب العقول ، فهذا يوجب الخوف الشديد عند سماع هذا الكلام حال كونهم في الدنيا ولا مقصود من تنزيل هذه الآيات إلا ذلك . وأما قوله ثانيا المكلفون لا بد أن يكونوا عقلاء يوم القيامة فنقول : اختلال عقولهم ساعة واحدة حال ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع من كمال عقولهم في سائر الأوقات . فهذا تمام الكلام في هذه المسألة والله أعلم . أما قوله تعالى : { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } فالمراد إنكارهم كونهم مشركين ، وقوله { وضل عنهم } عطف على قوله { كذبوا } تقديره : وكيف ضل عنهم ما كانوا يفترون بعبادته من الأصنام فلم تغن عنهم شيئا وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها لهم . ! 7 < { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفىءاذانهم وقرا وإن يروا كل ءاية لا يؤمنوا بها حتى إذا جآءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هاذآ إلا أساطير الا ولين } . > 7 ! < < الأنعام : ( 25 ) ومنهم من يستمع . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين أحوال الكفار في الآخرة أتبعه بما يوجب اليأس عن إيمان بعضهم فقال { ومنهم من يستمع إليك } وفي الآية مسائل :

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

والقول الثاني : وهو قول جمهور المفسرين أن الكفار يكذبون في هذا القول قالوا : والدليل على أن الكفار قد يكذبون في القيامة وجوه : الأول : أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون { ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون } ( المؤمنون : 107 ) مع أنه تعالى أخبر عنهم بقوله { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } ( الإنعام : 28 ) والثاني : قوله تعالى : { يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شىء ألا إنهم هم الكاذبون } ( المجادلة : 18 ) بعد قوله { ويحلفون على الكذب } ( المجادلة : 14 ) فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا . والثالث : قوله تعالى حكاية عنهم { قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } ( الكهف : 19 ) وكل ذلك يدل على إقدامهم في بعض الأوقات على الكذب . والرابع : قوله حكاية عنهم { ونادوا يامالك مالك ليقض علينا ربك } ( الزخرف : 77 ) وقد علموا أنه تعالى لا يقضي عليهم بالخلاص . والخامس : أنه تعالى في هذه الآية حكى عنهم { أنهم قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } وحمل هذا على أن المراد ما كنا مشركين في ظنوننا وعقائدنا مخالفة للظاهر . ثم حمل قوله بعد ذلك { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } على أنهم كذبوا في الدنيا يوجب فك نظم الآية ، وصرف أول الآية إلى أحوال القيامة وصرف آخرها إلى أحوال الدنيا وهو في غاية البعد . أما قوله إما أن يكونوا قد كذبوا حال كمال العقل أو حال نقصان العقل فنقول : لا يبعد أي يقال إنهم حال ما عاينوا أهوال القيامة ، وشاهدوا موجبات الخوف الشديد اختلت عقولهم فذكروا هذا الكلام في ذلك الوقت وقوله : كيف يليق بحكمة الله تعالى أن يحكى عنهم ما ذكروه في حال اضطراب العقول ، فهذا يوجب الخوف الشديد عند سماع هذا الكلام حال كونهم في الدنيا ولا مقصود من تنزيل هذه الآيات إلا ذلك . وأما قوله ثانيا المكلفون لا بد أن يكونوا عقلاء يوم القيامة فنقول : اختلال عقولهم ساعة واحدة حال ما يتكلمون بهذا الكلام لا يمنع من كمال عقولهم في سائر الأوقات . فهذا تمام الكلام في هذه المسألة والله أعلم . أما قوله تعالى : { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } فالمراد إنكارهم كونهم مشركين ، وقوله { وضل عنهم } عطف على قوله { كذبوا } تقديره : وكيف ضل عنهم ما كانوا يفترون بعبادته من الأصنام فلم تغن عنهم شيئا وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها لهم . ! 7 < { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفىءاذانهم وقرا وإن يروا كل ءاية لا يؤمنوا بها حتى إذا جآءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هاذآ إلا أساطير الا ولين } . > 7 ! < < الأنعام : ( 25 ) ومنهم من يستمع . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين أحوال الكفار في الآخرة أتبعه بما يوجب اليأس عن إيمان بعضهم فقال { ومنهم من يستمع إليك } وفي الآية مسائل :

Dio V12/P152–V12/P153Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P152–V12/P153)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الأولى : قال ابن عباس حضر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعقبة وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحرث بن عامر وأبو جهل واستمعوا إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقالوا للنضر ما يقول محمد فقال : لا أدري ما يقول لكني أراه يحرك شفتيه ويتكلم بأساطير الأولين كالذي كنت أحدثكم به عن أخبار القرون الأولى وقال أبو سفيان إني لا أرى بعض ما يقول حقا فقال أبو جهل كلا فأنزل الله تعالى : { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه } والأكنة جمع كنان وهو ما وقى شيئا وستره ، مثل عنان وأعنة ، والفعل منه كننت وأكننت . وأما قوله { أن يفقهوه } فقال الزجاج : موضع { ءان } نصب على أنه مفعول له والمعنى وجعلنا على قلوبهم أكنة لكراهة أن يفقهوه فلما حذفت ( اللام ) نصبت الكراهة ، ولما حذفت الكراهة انتقل نصبها إلى ( أن ) وقوله { وجعلنا على قلوبهم } قال ابن السكيت : الوقر الثقل في الأذن . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يصرف عن الإيمان ، ويمنع منه ويحول بين الرجل وبينه ، وذلك لأن هذه الآية تدل على أنه جعل القلب في الكنان الذي يمنعه عن الإيمان ، وذلك هو المطلوب . قالت المعتزلة : لا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها ويدل عليه وجوه : الأول : أنه تعالى إنما أنزل القرآن ليكون حجة للرسول على الكفار لا ليكون حجة للكفار على الرسول ، ولو كان المراد من هذه الآية أنه تعالى منع الكفار عن الإيمان لكان لهم أن يقولوا للرسول لما حكم الله تعالى بأنه منعنا من الإيمان فلم يذمنا على ترك الإيمان ، ولم يدعونا إلى فعل الإيمان ؟ الثاني : أنه تعالى لو منعهم من الإيمان ثم دعاهم إليه لكان ذلك تكليفا للعاجز وهو منفي بصريح العقل وبقوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ( البقرة : 286 ) الثالث : أنه تعالى حكى صريح هذا الكلام عن الكفار في معرض الذم فقال تعالى : { وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر } ( فصلت : 5 ) وقال في آية أخرى { وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم } ( البقرة : 88 ) وإذا كان قد حكى الله تعالى هذا المذهب عنهم فلي معرض الذم لهم امتنع أن يذكره هاهنا في معرض التقريع والتوبيخ ، وإلا لزم التناقض . والرابع : أنه لا نزاع أن القوم كانوا يفهمون ويسمعون ويعقلون . والخامس أن هذه الآية وردت في معرض الذم لهم على ترك الإيمان ولو كان هذا الصد والمنع من قبل الله تعالى لما كانوا مذمومين بل كانوا معذورين . والسادس : أن قوله { حتى إذا لكرهون يجادلونك } يدل على أنهم كانوا يفقهون ويميزون الحق من الباطل ، وعند هذا قالوا لا بد من التأويل وهو من وجوه : الأول : قال الجبائي إن القوم كانوا يستمعون لقراءة الرسول صلى الله عليه وسلم ليتوسلوا بسماع قراءته إلى معرفة مكانه بالليل فيقصدوا قتله وإيذاءه فعند ذلك كان الله سبحانه وتعالى يلقي على قلوبهم النوم / وهو المراد من الأكنة ، ويثقل أسماعهم عن استماع تلك القراءة بسبب ذلك النوم ، وهو المراد من قوله { وجعلنا على قلوبهم } والثاني : أن الإنسان الذي علم الله منه أنه لا يؤمن وأنه يموت على الكفر فإنه تعالى يسم قلبه بعلامة مخصوصة يستدل الملائكة برؤيتها على أنه لا يؤمن ، فصارت تلك العلامة دلالة على أنهم لا يؤمنون . وإذا ثبت هذا فنقول : لا يبعد تسمية تلك العلامة بالكنان والغطاء المانع ، مع أن تلك العلامة في نفسها ليست مانعة عن الإيمان .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الأولى : قال ابن عباس حضر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعقبة وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحرث بن عامر وأبو جهل واستمعوا إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقالوا للنضر ما يقول محمد فقال : لا أدري ما يقول لكني أراه يحرك شفتيه ويتكلم بأساطير الأولين كالذي كنت أحدثكم به عن أخبار القرون الأولى وقال أبو سفيان إني لا أرى بعض ما يقول حقا فقال أبو جهل كلا فأنزل الله تعالى : { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه } والأكنة جمع كنان وهو ما وقى شيئا وستره ، مثل عنان وأعنة ، والفعل منه كننت وأكننت . وأما قوله { أن يفقهوه } فقال الزجاج : موضع { ءان } نصب على أنه مفعول له والمعنى وجعلنا على قلوبهم أكنة لكراهة أن يفقهوه فلما حذفت ( اللام ) نصبت الكراهة ، ولما حذفت الكراهة انتقل نصبها إلى ( أن ) وقوله { وجعلنا على قلوبهم } قال ابن السكيت : الوقر الثقل في الأذن . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يصرف عن الإيمان ، ويمنع منه ويحول بين الرجل وبينه ، وذلك لأن هذه الآية تدل على أنه جعل القلب في الكنان الذي يمنعه عن الإيمان ، وذلك هو المطلوب . قالت المعتزلة : لا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها ويدل عليه وجوه : الأول : أنه تعالى إنما أنزل القرآن ليكون حجة للرسول على الكفار لا ليكون حجة للكفار على الرسول ، ولو كان المراد من هذه الآية أنه تعالى منع الكفار عن الإيمان لكان لهم أن يقولوا للرسول لما حكم الله تعالى بأنه منعنا من الإيمان فلم يذمنا على ترك الإيمان ، ولم يدعونا إلى فعل الإيمان ؟ الثاني : أنه تعالى لو منعهم من الإيمان ثم دعاهم إليه لكان ذلك تكليفا للعاجز وهو منفي بصريح العقل وبقوله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ( البقرة : 286 ) الثالث : أنه تعالى حكى صريح هذا الكلام عن الكفار في معرض الذم فقال تعالى : { وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر } ( فصلت : 5 ) وقال في آية أخرى { وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم } ( البقرة : 88 ) وإذا كان قد حكى الله تعالى هذا المذهب عنهم فلي معرض الذم لهم امتنع أن يذكره هاهنا في معرض التقريع والتوبيخ ، وإلا لزم التناقض . والرابع : أنه لا نزاع أن القوم كانوا يفهمون ويسمعون ويعقلون . والخامس أن هذه الآية وردت في معرض الذم لهم على ترك الإيمان ولو كان هذا الصد والمنع من قبل الله تعالى لما كانوا مذمومين بل كانوا معذورين . والسادس : أن قوله { حتى إذا لكرهون يجادلونك } يدل على أنهم كانوا يفقهون ويميزون الحق من الباطل ، وعند هذا قالوا لا بد من التأويل وهو من وجوه : الأول : قال الجبائي إن القوم كانوا يستمعون لقراءة الرسول صلى الله عليه وسلم ليتوسلوا بسماع قراءته إلى معرفة مكانه بالليل فيقصدوا قتله وإيذاءه فعند ذلك كان الله سبحانه وتعالى يلقي على قلوبهم النوم / وهو المراد من الأكنة ، ويثقل أسماعهم عن استماع تلك القراءة بسبب ذلك النوم ، وهو المراد من قوله { وجعلنا على قلوبهم } والثاني : أن الإنسان الذي علم الله منه أنه لا يؤمن وأنه يموت على الكفر فإنه تعالى يسم قلبه بعلامة مخصوصة يستدل الملائكة برؤيتها على أنه لا يؤمن ، فصارت تلك العلامة دلالة على أنهم لا يؤمنون . وإذا ثبت هذا فنقول : لا يبعد تسمية تلك العلامة بالكنان والغطاء المانع ، مع أن تلك العلامة في نفسها ليست مانعة عن الإيمان .

Dio V12/P153–V12/P154Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V12/P153–V12/P154)
Orijinal Metin (AR)

والتأويل الثالث : أنهم لما أصروا على الكفر وعاندوا وصمموا عليه ، فصار عدولهم عن الإيمان والحالة هذه كالكنان المانع عن الإيمان ، فذكر الله تعالى الكنان كناية عن هذا المعنى . والتأويل الرابع : أنه تعالى لما منعهم الالطاف التي إنما تصلح أن تفعل بمن قد اهتدى فأخلاهم منها ، وفوض أمرهم إلى أنفسهم لسوء صنيعهم لم يبعد أن يضيف ذلك إلى نفسه فيقول { وجعلنا على قلوبهم أكنة } . والتأويل الخامس : أن يكون هذا الكلام ورد حكاية لما كانوا يذكرونه من قولهم { وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر } ( فصلت : 5 ) . والجواب عن الوجوه التي تمسكوا بها في بيان أنه لا يمكن حمل الكنان والوقر على أن الله تعالى منعهم عن الإيمان ، وهو أن نقول : بل البرهان العقلي الساطع قائم على صحة هذا المعنى ، وذلك لأن العبد الذي أتى بالكفر إن لم يقدر على الإتيان بالإيمان ، فقد صح قولنا إنه تعالى هو الذي حمله على الكفر وصده عن الإيمان . وأما إن قلنا : إن القادر على الكفر كان قادرا على الإيمان فنقول : يمتنع صيرورة تلك القدرة مصدرا للكفر دون الإيمان ، إلا عند انضمام تلك الداعية ، وقد عرفت في هذا الكتاب أن مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل ، فيكون الكفر على هذا التقدير من الله تعالى ، وتكون تلك الداعية الجارة إلى الكفر كنانا للقلب عن الإيمان ، ووقرا للسمع عن استماع دلائل الإيمان ، فثبت بما ذكرنا أن البرهان العقلي مطابق لما دل عليه ظاهر هذه الآية . وإذا ثبت بالدليل العقلي صحة ما دل عليه ظاهرة هذه الآية ، وجب حمل هذه الآية عليه عملا بالبرهان وبظاهر القرآن ، والله أعلم . المسألة الثالثة : أنه تعالى قال : { ومنهم من يستمع إليك } فذكره بصيغة الإفراد ثم قال : { على قلوبهم } فذكره بصيغة الجمع . وإنما حسن ذلك لأن صيغة ( من ) واحد في اللفظ جمع في المعنى . وأما قوله تعالى : { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم } قال بان عباس : وإن يروا كل دليل وحجة لا يؤمنوا بها لأجل أن الله تعالى جعل على قلوبهم أكنة ، وهذه الآية تدل على فساد التأويل الأول الذي نقلناه عن الجبائي ، ولأنه لو كان المراد من قوله تعالى : { وجعلنا على قلوبهم أكنة } إلقاء النوم على قلوب الكفار لئلا يمكنهم التوسل بسماع صوته على وجدان مكانه لما كان قوله { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم } لائقا بهذا الكلام ، وأيضا لو كان المراد ما ذكره الجبائي لكان يجب أن يقال : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يسمعوه ، لأن المقصود الذي ذكره الجبائي إنما يحصل بالمنع من سماع صوت الرسول عليه السلام أما المنع من نفس كلامه ومن فهم مقصوده ، فلا تعلق له بما ذكره الجبائي فظهر سقوط قوله . والله أعلم .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

والتأويل الثالث : أنهم لما أصروا على الكفر وعاندوا وصمموا عليه ، فصار عدولهم عن الإيمان والحالة هذه كالكنان المانع عن الإيمان ، فذكر الله تعالى الكنان كناية عن هذا المعنى . والتأويل الرابع : أنه تعالى لما منعهم الالطاف التي إنما تصلح أن تفعل بمن قد اهتدى فأخلاهم منها ، وفوض أمرهم إلى أنفسهم لسوء صنيعهم لم يبعد أن يضيف ذلك إلى نفسه فيقول { وجعلنا على قلوبهم أكنة } . والتأويل الخامس : أن يكون هذا الكلام ورد حكاية لما كانوا يذكرونه من قولهم { وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر } ( فصلت : 5 ) . والجواب عن الوجوه التي تمسكوا بها في بيان أنه لا يمكن حمل الكنان والوقر على أن الله تعالى منعهم عن الإيمان ، وهو أن نقول : بل البرهان العقلي الساطع قائم على صحة هذا المعنى ، وذلك لأن العبد الذي أتى بالكفر إن لم يقدر على الإتيان بالإيمان ، فقد صح قولنا إنه تعالى هو الذي حمله على الكفر وصده عن الإيمان . وأما إن قلنا : إن القادر على الكفر كان قادرا على الإيمان فنقول : يمتنع صيرورة تلك القدرة مصدرا للكفر دون الإيمان ، إلا عند انضمام تلك الداعية ، وقد عرفت في هذا الكتاب أن مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل ، فيكون الكفر على هذا التقدير من الله تعالى ، وتكون تلك الداعية الجارة إلى الكفر كنانا للقلب عن الإيمان ، ووقرا للسمع عن استماع دلائل الإيمان ، فثبت بما ذكرنا أن البرهان العقلي مطابق لما دل عليه ظاهر هذه الآية . وإذا ثبت بالدليل العقلي صحة ما دل عليه ظاهرة هذه الآية ، وجب حمل هذه الآية عليه عملا بالبرهان وبظاهر القرآن ، والله أعلم . المسألة الثالثة : أنه تعالى قال : { ومنهم من يستمع إليك } فذكره بصيغة الإفراد ثم قال : { على قلوبهم } فذكره بصيغة الجمع . وإنما حسن ذلك لأن صيغة ( من ) واحد في اللفظ جمع في المعنى . وأما قوله تعالى : { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم } قال بان عباس : وإن يروا كل دليل وحجة لا يؤمنوا بها لأجل أن الله تعالى جعل على قلوبهم أكنة ، وهذه الآية تدل على فساد التأويل الأول الذي نقلناه عن الجبائي ، ولأنه لو كان المراد من قوله تعالى : { وجعلنا على قلوبهم أكنة } إلقاء النوم على قلوب الكفار لئلا يمكنهم التوسل بسماع صوته على وجدان مكانه لما كان قوله { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم } لائقا بهذا الكلام ، وأيضا لو كان المراد ما ذكره الجبائي لكان يجب أن يقال : وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يسمعوه ، لأن المقصود الذي ذكره الجبائي إنما يحصل بالمنع من سماع صوت الرسول عليه السلام أما المنع من نفس كلامه ومن فهم مقصوده ، فلا تعلق له بما ذكره الجبائي فظهر سقوط قوله . والله أعلم .

%0
10 Bölüm