Qur'an&Sunnahالقرآن

Fahruddin er-Razi - Mefatihul-gajb (Veliki tefsir)

Fahruddin Muhammed ibn Omer er-Razi · AR

Dio V14/P116–V14/P117Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V14/P116–V14/P117)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثانية : هذه الآية دالة على أن السعيد لا ينقلب شقيا وبالعكس ، وذلك لأنها دلت على أن الأرواح قسمان : منها ما تكون في أصل جوهرها طاهرة نقية مستعدة لأن تعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ، ومنها ما تكون في أصل جوهرها غليظة كدرة بطيئة القبول للمعارف الحقيقية ، والأخلاق الفاضلة ، كما أن الأراضي منها ما تكون سبخة فاسدة ، وكما أنه لا يمكن أن يتولد في الأراضي السبخة تلك الأزهار والثمار التي تتولد في الأرض الخيرة ، فكذلك لا يمكن أن يظهر في النفس البليدة والكدرة الغليطة من المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة مثل ما يظهر في النفس الطاهرة الصافية ، ومما يقوي هذا الكلام أنا نرى النفوس مختلفة في هذه الصفات فبعضها مجبولة على حب عالم الصفاء والإلهيات منصرفة عن اللذات الجسمانية كما قال تعالى : { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق } ( المائدة : 83 ) ومنها قاسية شديدة القسوة والنفرة عن قبول هذه المعاني كما قال : { فهى كالحجارة أو أشد قسوة } ( البقرة : 74 ) ومنها ما تكون شديدة الميل إلى قضاء الشهوة متباعدة عن أحوال الغضب ، ومنها ما تكون شديدة الميل إلى إمضاء الغضب ، وتكون متباعدة عن أعمال الشهوة بل نقول : من النفوس ما تكون عظيمة الرغبة في المال دون / الجاه ، ومنهم من يكون بالعكس ، والراغبون في طلب المال منهم من يكون عظيم الرغبة في العقار وتفضل رغبته في النقود ، ومنهم من تعظم رغبته في تحصيل النقود ولا يرغب في الضياع والعقار ، وإذا تأملت في هذا النوع من الاعتبار تيقنت أن أحوال النفوس مختلفة في هذه الأحوال اختلافا جوهريا ذاتيا لا يمكن إزالته ولا تبديله ، وإذا كان كذلك امتنع من النفس الغليظة الجاهلة المائلة بالطبع إلى أفعال الفجور أن تصير نفسا مشرقة بالمعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة ، ولما ثبت هذا كان تكليف هذه النفس بتلك المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة جاريا مجرى تكليف ما لا يطاق . فثبت بهذا البيان : أن السعيد من سعد في بطن أمه ، والشقي من شقي في بطن أمه ، وأن النفس الطاهرة يخرج نباتها من المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة بإذن ربها ، والنفس الخبيثة لا يخرج نباتها إلا نكدا قليل الفائدة والخير ، كثير الفضول والشر . والوجه الثاني : من الاستدلال بهذه الآية في هذه المسألة قوله تعالى : { بإذن ربه } وذلك يدل على أن كل ما يعمله المؤمن من خير وطاعة لا يكون إلا بتوفيق الله تعالى . المسألة الثالثة : قرىء { يخرج نباته } أي يخرجه البلد وينبته . أما قوله تعالى : { والذى خبث } قال الفراء : يقال : خبث الشيء يخبث خبثا وخباثة . وقوله : { إلا نكدا } النكد : العسر الممتنع من إعطاء الخير على جهة البخل . وقال الليث : النكد : الشؤم واللؤم وقلة العطاء ، ورجل أنكد ونكد قال : وأعط ما أعطيته طيبا لا خير في المنكود والناكد إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { والذى خبث } صفة للبلد ومعناه والبلد الخبيث لا يخرج نباته إلا نكدا ، فحذف المضاف الذي هو النبات ، وأقيم المضاف إليه الذي هو الراجح إلى ذلك البلد مقامه ، إلا أنه كان مجرورا بارزا فانقلب مرفوعا مستكنا لوقوعه موقع الفاعل ، أو يقدر ونبات الذي خبث ، وقرىء { نكدا } بفتح الكاف على المصدر أي ذا نكد .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثانية : هذه الآية دالة على أن السعيد لا ينقلب شقيا وبالعكس ، وذلك لأنها دلت على أن الأرواح قسمان : منها ما تكون في أصل جوهرها طاهرة نقية مستعدة لأن تعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ، ومنها ما تكون في أصل جوهرها غليظة كدرة بطيئة القبول للمعارف الحقيقية ، والأخلاق الفاضلة ، كما أن الأراضي منها ما تكون سبخة فاسدة ، وكما أنه لا يمكن أن يتولد في الأراضي السبخة تلك الأزهار والثمار التي تتولد في الأرض الخيرة ، فكذلك لا يمكن أن يظهر في النفس البليدة والكدرة الغليطة من المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة مثل ما يظهر في النفس الطاهرة الصافية ، ومما يقوي هذا الكلام أنا نرى النفوس مختلفة في هذه الصفات فبعضها مجبولة على حب عالم الصفاء والإلهيات منصرفة عن اللذات الجسمانية كما قال تعالى : { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق } ( المائدة : 83 ) ومنها قاسية شديدة القسوة والنفرة عن قبول هذه المعاني كما قال : { فهى كالحجارة أو أشد قسوة } ( البقرة : 74 ) ومنها ما تكون شديدة الميل إلى قضاء الشهوة متباعدة عن أحوال الغضب ، ومنها ما تكون شديدة الميل إلى إمضاء الغضب ، وتكون متباعدة عن أعمال الشهوة بل نقول : من النفوس ما تكون عظيمة الرغبة في المال دون / الجاه ، ومنهم من يكون بالعكس ، والراغبون في طلب المال منهم من يكون عظيم الرغبة في العقار وتفضل رغبته في النقود ، ومنهم من تعظم رغبته في تحصيل النقود ولا يرغب في الضياع والعقار ، وإذا تأملت في هذا النوع من الاعتبار تيقنت أن أحوال النفوس مختلفة في هذه الأحوال اختلافا جوهريا ذاتيا لا يمكن إزالته ولا تبديله ، وإذا كان كذلك امتنع من النفس الغليظة الجاهلة المائلة بالطبع إلى أفعال الفجور أن تصير نفسا مشرقة بالمعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة ، ولما ثبت هذا كان تكليف هذه النفس بتلك المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة جاريا مجرى تكليف ما لا يطاق . فثبت بهذا البيان : أن السعيد من سعد في بطن أمه ، والشقي من شقي في بطن أمه ، وأن النفس الطاهرة يخرج نباتها من المعارف اليقينية والأخلاق الفاضلة بإذن ربها ، والنفس الخبيثة لا يخرج نباتها إلا نكدا قليل الفائدة والخير ، كثير الفضول والشر . والوجه الثاني : من الاستدلال بهذه الآية في هذه المسألة قوله تعالى : { بإذن ربه } وذلك يدل على أن كل ما يعمله المؤمن من خير وطاعة لا يكون إلا بتوفيق الله تعالى . المسألة الثالثة : قرىء { يخرج نباته } أي يخرجه البلد وينبته . أما قوله تعالى : { والذى خبث } قال الفراء : يقال : خبث الشيء يخبث خبثا وخباثة . وقوله : { إلا نكدا } النكد : العسر الممتنع من إعطاء الخير على جهة البخل . وقال الليث : النكد : الشؤم واللؤم وقلة العطاء ، ورجل أنكد ونكد قال : وأعط ما أعطيته طيبا لا خير في المنكود والناكد إذا عرفت هذا فنقول : قوله : { والذى خبث } صفة للبلد ومعناه والبلد الخبيث لا يخرج نباته إلا نكدا ، فحذف المضاف الذي هو النبات ، وأقيم المضاف إليه الذي هو الراجح إلى ذلك البلد مقامه ، إلا أنه كان مجرورا بارزا فانقلب مرفوعا مستكنا لوقوعه موقع الفاعل ، أو يقدر ونبات الذي خبث ، وقرىء { نكدا } بفتح الكاف على المصدر أي ذا نكد .

Dio V14/P117–V14/P119Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V14/P117–V14/P119)
Orijinal Metin (AR)

ثم قال تعالى : { كذالك نصرف الآيات لقوم يشكرون } قرىء { يصرف } أي يصرفها الله ، وإنما ختم هذه الآية بقوله : { لقوم يشكرون } لأن الذي سبق ذكره هو أنه تعالى يحرك الرياح اللطيفة النافعة ويجعلها سببا لنزول المطر الذي هو الرحمة ويجعل تلك الرياح والأمطار سببا لحدوث أنواع النبات النافعة اللطيفة اللذيدة ، فهذا من أحد الوجهين ذكر الدليل الدال على وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته ، ومن الوجه الثاني تنبيه على إيصال هذه النعمة العظيمة إلى العباد ، فلا جرم كانت من حيث إنها دلائل على وجود الصانع وصفاته آيات ومن حيث أنها نعم يجب شكرها ، / فلا جرم قال : { نصرف الآيات لقوم يشكرون } وإنما خص كونها آيات بالقوم الشاكرين لأنهم هم المنتفعون بها ، فهو كقوله : { هدى للمتقين } . ! 7 < { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره إنىأخاف عليكم عذاب يوم عظيم قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين قال ياقوم ليس بى ضلالة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون } . > 7 < الأعراف : ( 59 - 62 ) لقد أرسلنا نوحا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر في تقرير المبدأ والمعاد دلائل ظاهرة ، وبينات قاهرة ، وبراهين باهرة أتبعها بذكر قصص الأنبياء عليهم السلام ، وفيه فوائد : أحدها : التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول هذه الدلائل والبينات ليس من خواص قوم محمد عليه الصلاة والسلام بل هذه العادة المذمومة كانت حاصلة في جميع الأمم السالفة ، والمصيبة إذا عمت خفت . فكان ذكر قصصهم وحكاية إصرارهم على الجهل والعناد يفيد تسلية الرسول عليه السلام وتخفيف ذلك على قلبه . وثانيها : أنه تعالى يحكي في هذه القصص أن عاقبة أمر أولئك المنكرين كان إلى الكفر واللعن في الدنيا والخسارة في الآخرة وعاقبة أمر المحقين إلى الدولة في الدنيا والسعادة في الآخرة ، وذلك يقوي قلوب المحقين ويكسر قلوب المبطلين . وثالثها : التنبيه على أنه تعالى وإن كان يمهل هؤلاء المبطلين ولكنه لا يهملهم بل ينتقم منهم على أكمل الوجوه . ورابعها : بيان أن هذه القصص دالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، لأنه عليه السلام كان أميا وما طالع كتابا ولا تلمذ أستاذا ، فإذا ذكر هذه القصص على الوجه من غير تحريف ولا خطأ ، دل ذلك على أنه إنما عرفها بالوحي من الله ، وذلك يدل على صحة نبوته . / ولقائل أن يقول : الأخبار عن الغيوب الماضية لا يدل على المعجز ، لاحتمال أن يقال إن إبليس شاهد هذه الوقائع فألقاها إليه ، أما الأخبار عن الغيوب المستقبلة فإنه معجز لأن علم الغيب ليس إلا لله سبحانه وتعالى . واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة قصة آدم عليه السلام ، وقد سبق ذكرها . والقصة الثانية : قصة نوح عليه السلام وهي المذكورة في هذه الآية وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وأخنوخ اسم إدريس النبي عليه السلام ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : قوله : { لقد أرسلنآ } جواب قسم محذوف . فإن قالوا : ما السبب في أنهم لا يكادون ينطقون بهذه اللام إلا مع قد ، وذكر هذه اللام بدون قد نادر كقوله : حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا قلنا : إنما كان كذلك لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيدا للجملة المقسم عليها التي هي جوابها . فكانت مظنة لمعنى التوقع الذي هو معنى ( قد ) عند استماع المخاطب كلمة القسم .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ثم قال تعالى : { كذالك نصرف الآيات لقوم يشكرون } قرىء { يصرف } أي يصرفها الله ، وإنما ختم هذه الآية بقوله : { لقوم يشكرون } لأن الذي سبق ذكره هو أنه تعالى يحرك الرياح اللطيفة النافعة ويجعلها سببا لنزول المطر الذي هو الرحمة ويجعل تلك الرياح والأمطار سببا لحدوث أنواع النبات النافعة اللطيفة اللذيدة ، فهذا من أحد الوجهين ذكر الدليل الدال على وجود الصانع وعلمه وقدرته وحكمته ، ومن الوجه الثاني تنبيه على إيصال هذه النعمة العظيمة إلى العباد ، فلا جرم كانت من حيث إنها دلائل على وجود الصانع وصفاته آيات ومن حيث أنها نعم يجب شكرها ، / فلا جرم قال : { نصرف الآيات لقوم يشكرون } وإنما خص كونها آيات بالقوم الشاكرين لأنهم هم المنتفعون بها ، فهو كقوله : { هدى للمتقين } . ! 7 < { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره إنىأخاف عليكم عذاب يوم عظيم قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين قال ياقوم ليس بى ضلالة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون } . > 7 < الأعراف : ( 59 - 62 ) لقد أرسلنا نوحا . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما ذكر في تقرير المبدأ والمعاد دلائل ظاهرة ، وبينات قاهرة ، وبراهين باهرة أتبعها بذكر قصص الأنبياء عليهم السلام ، وفيه فوائد : أحدها : التنبيه على أن إعراض الناس عن قبول هذه الدلائل والبينات ليس من خواص قوم محمد عليه الصلاة والسلام بل هذه العادة المذمومة كانت حاصلة في جميع الأمم السالفة ، والمصيبة إذا عمت خفت . فكان ذكر قصصهم وحكاية إصرارهم على الجهل والعناد يفيد تسلية الرسول عليه السلام وتخفيف ذلك على قلبه . وثانيها : أنه تعالى يحكي في هذه القصص أن عاقبة أمر أولئك المنكرين كان إلى الكفر واللعن في الدنيا والخسارة في الآخرة وعاقبة أمر المحقين إلى الدولة في الدنيا والسعادة في الآخرة ، وذلك يقوي قلوب المحقين ويكسر قلوب المبطلين . وثالثها : التنبيه على أنه تعالى وإن كان يمهل هؤلاء المبطلين ولكنه لا يهملهم بل ينتقم منهم على أكمل الوجوه . ورابعها : بيان أن هذه القصص دالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، لأنه عليه السلام كان أميا وما طالع كتابا ولا تلمذ أستاذا ، فإذا ذكر هذه القصص على الوجه من غير تحريف ولا خطأ ، دل ذلك على أنه إنما عرفها بالوحي من الله ، وذلك يدل على صحة نبوته . / ولقائل أن يقول : الأخبار عن الغيوب الماضية لا يدل على المعجز ، لاحتمال أن يقال إن إبليس شاهد هذه الوقائع فألقاها إليه ، أما الأخبار عن الغيوب المستقبلة فإنه معجز لأن علم الغيب ليس إلا لله سبحانه وتعالى . واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة قصة آدم عليه السلام ، وقد سبق ذكرها . والقصة الثانية : قصة نوح عليه السلام وهي المذكورة في هذه الآية وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وأخنوخ اسم إدريس النبي عليه السلام ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : قوله : { لقد أرسلنآ } جواب قسم محذوف . فإن قالوا : ما السبب في أنهم لا يكادون ينطقون بهذه اللام إلا مع قد ، وذكر هذه اللام بدون قد نادر كقوله : حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا قلنا : إنما كان كذلك لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيدا للجملة المقسم عليها التي هي جوابها . فكانت مظنة لمعنى التوقع الذي هو معنى ( قد ) عند استماع المخاطب كلمة القسم .

Dio V14/P119–V14/P120Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V14/P119–V14/P120)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثانية : قرأ الكسائي { غيره } بكسر الراء على أنه نعت للإله على اللفظ والباقون بالرفع على أنه صفة للإله على الموضع . لأن تقدير الكلام ما لكم إله غيره ، وقال أبو علي : وجه من قرأ بالرفع قوله : { وما من إلاه إلا الله } ( آل عمران : 62 ) فكما أن قوله : { إلا الله } بدل من قوله : { ما من إله } كذلك قوله : { غيره } يكون بدلا من قوله : { من إله } فيكون { غير } رفعا بالاستثناء ، وقال صاحب الكشاف : قرىء { غير } الحركات الثلاث ، وذكر وجه الرفع والجر كما تقدم ، قال وأما النصب فعلى الاستثناء بمعنى ما لكم من إله إلا إياه كقولك ما في الدار من أحد إلا زيدا وغير زيد . المسألة الثالثة : قال الواحدي : في الكلام حذف ، وهو خبر { ما } لأنك إذا جعلت { غيره } صفة لقوله : { إله } لم يبق لهذا المنفي خبر ، والكلام لا يستقل بالصفة والموصوف ، لأنك إذا قلت زيد العاقل وسكت ، لم يفد ما لم تذكر خبره . ويكون التقدير ما لكم من إله غيره في الوجود ، أقول : اتفق النحويون على أن قولنا لا إله إلا الله لا بد فيه من إضمار ، والتقدير : لا إله في الوجود أو لا إله لنا إلا الله ولم يذكروا على هذا الكلام حجة ، فإنا نقول لم لا يجوز أن يقال دخل حرف النفي على هذه الحقيقة ؟ وعلى هذه الماهية ، فيكون المعنى أنه لا تحقق لحقيقة الإلهية إلا في حق الله ، وإذا حملنا الكلام على هذا المعنى استغنينا عن الإضمار الذي ذكروه . فإن قالوا : صرف النفي إلى الماهية لا يمكن لأن الحقائق لا يمكن نفيها ، فلا يمكن أن يقال / لا سواد بمعنى ارتفاع هذه الماهية ، وإنما الممكن أن يقال إن تلك الحقائق غير موجودة ولا حاصلة ، وحينئذ يجب إضمار الخبر . فنقول : هذا الكلام بناء على أن الماهية لا يمكن انتفاؤها وارتفاعها ، ولك باطل قطعا . إذ لو كان الأمر كذلك لوجب امتناع ارتفاع الوجود لأن الوجود أيضا حقيقة من الحقائق وماهية فلم لا يمكن ارتفاع سائر الماهيات ؟ فإن قالوا : إذا قلنا لا رجل ، وعنينا به نفي كونه موجودا ، فهذا النفي لم ينصرف إلى ماهية الوجود ، وإنما انصرف إلى كون ماهية الرجل موصوفة بالوجود . فنقول : تلك الموصوفية يستحيل أن تكون أمرا زائدا على الماهية وعلى الوجود ، إذ لو كانت الموصوفية ماهية ، والوجود ماهية أخرى ، لكانت تلك الماهية موصوفة أيضا بالوجود ، والكلام فيه كما فيما قبله ، فيلزم التسلسل ، ويلزم أن لا يكون الموجود الواحد موجودا واحدا ، بل موجودات غير متناهية وهو محال . ثم نقول موصوفية الماهية بالوجود إما أن يكون أمرا مغايرا للماهية والوجود ، وإما أن لا يكون كذلك . فإن لم يكن أمرا مغايرا لها فحينئذ يكون لذلك المغاير ماهية ووجود ، وماهيته لا تقبل الارتفاع ، وحينئذ يعود السؤال المذكور . فثبت بما ذكرنا أن الماهية أن لم تقبل النفي والرفع ، امتنع صرف حرف النفي إلى شيء من المفهومات ، فإن كانت الماهية قابلة للنفي والرفع ، فحينئذ يمكن صرف كلمة ( لا ) في قولنا لا إله إلا الله إلى هذه الحقيقة ، وحينئذ لا يحتاج إلى التزام الحذف والإضمار الذي يذكره النحويون ، فهذا كلام عقلي صرف ، وقع في هذا البحث الذي ذكره النحويون .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثانية : قرأ الكسائي { غيره } بكسر الراء على أنه نعت للإله على اللفظ والباقون بالرفع على أنه صفة للإله على الموضع . لأن تقدير الكلام ما لكم إله غيره ، وقال أبو علي : وجه من قرأ بالرفع قوله : { وما من إلاه إلا الله } ( آل عمران : 62 ) فكما أن قوله : { إلا الله } بدل من قوله : { ما من إله } كذلك قوله : { غيره } يكون بدلا من قوله : { من إله } فيكون { غير } رفعا بالاستثناء ، وقال صاحب الكشاف : قرىء { غير } الحركات الثلاث ، وذكر وجه الرفع والجر كما تقدم ، قال وأما النصب فعلى الاستثناء بمعنى ما لكم من إله إلا إياه كقولك ما في الدار من أحد إلا زيدا وغير زيد . المسألة الثالثة : قال الواحدي : في الكلام حذف ، وهو خبر { ما } لأنك إذا جعلت { غيره } صفة لقوله : { إله } لم يبق لهذا المنفي خبر ، والكلام لا يستقل بالصفة والموصوف ، لأنك إذا قلت زيد العاقل وسكت ، لم يفد ما لم تذكر خبره . ويكون التقدير ما لكم من إله غيره في الوجود ، أقول : اتفق النحويون على أن قولنا لا إله إلا الله لا بد فيه من إضمار ، والتقدير : لا إله في الوجود أو لا إله لنا إلا الله ولم يذكروا على هذا الكلام حجة ، فإنا نقول لم لا يجوز أن يقال دخل حرف النفي على هذه الحقيقة ؟ وعلى هذه الماهية ، فيكون المعنى أنه لا تحقق لحقيقة الإلهية إلا في حق الله ، وإذا حملنا الكلام على هذا المعنى استغنينا عن الإضمار الذي ذكروه . فإن قالوا : صرف النفي إلى الماهية لا يمكن لأن الحقائق لا يمكن نفيها ، فلا يمكن أن يقال / لا سواد بمعنى ارتفاع هذه الماهية ، وإنما الممكن أن يقال إن تلك الحقائق غير موجودة ولا حاصلة ، وحينئذ يجب إضمار الخبر . فنقول : هذا الكلام بناء على أن الماهية لا يمكن انتفاؤها وارتفاعها ، ولك باطل قطعا . إذ لو كان الأمر كذلك لوجب امتناع ارتفاع الوجود لأن الوجود أيضا حقيقة من الحقائق وماهية فلم لا يمكن ارتفاع سائر الماهيات ؟ فإن قالوا : إذا قلنا لا رجل ، وعنينا به نفي كونه موجودا ، فهذا النفي لم ينصرف إلى ماهية الوجود ، وإنما انصرف إلى كون ماهية الرجل موصوفة بالوجود . فنقول : تلك الموصوفية يستحيل أن تكون أمرا زائدا على الماهية وعلى الوجود ، إذ لو كانت الموصوفية ماهية ، والوجود ماهية أخرى ، لكانت تلك الماهية موصوفة أيضا بالوجود ، والكلام فيه كما فيما قبله ، فيلزم التسلسل ، ويلزم أن لا يكون الموجود الواحد موجودا واحدا ، بل موجودات غير متناهية وهو محال . ثم نقول موصوفية الماهية بالوجود إما أن يكون أمرا مغايرا للماهية والوجود ، وإما أن لا يكون كذلك . فإن لم يكن أمرا مغايرا لها فحينئذ يكون لذلك المغاير ماهية ووجود ، وماهيته لا تقبل الارتفاع ، وحينئذ يعود السؤال المذكور . فثبت بما ذكرنا أن الماهية أن لم تقبل النفي والرفع ، امتنع صرف حرف النفي إلى شيء من المفهومات ، فإن كانت الماهية قابلة للنفي والرفع ، فحينئذ يمكن صرف كلمة ( لا ) في قولنا لا إله إلا الله إلى هذه الحقيقة ، وحينئذ لا يحتاج إلى التزام الحذف والإضمار الذي يذكره النحويون ، فهذا كلام عقلي صرف ، وقع في هذا البحث الذي ذكره النحويون .

Dio V14/P120–V14/P121Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V14/P120–V14/P121)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الرابعة : قوله تعالى : { لقد أرسلنآ } فيه قولان : قال ابن عباس : بعثنا . وقال آخرون : معنى الإرسال أنه تعالى حمله رسالة يؤديها ، فالرسالة على هذا التقدير تكون متضمنة للبعث ، فيكون البعث كالتابع لا أنه الأصل ، وهذا البحث بناء على مسألة أصولية ، وهي أنه هل من شرط إرسال الرسول إلى قوم ، أن يعرفهم على لسانه أحكاما لا سبيل لهم إلى معرفتها بعقولهم ، أوليس ذلك بشرط ؟ بل يكون الغرض من بعثة الرسل مجرد تأكيد ما في العقول ، وهذا الخلاف إنما يليق بتفاريع المعتزلة ، ولا يليق بتفاريع مذاهبنا وأصولنا . المسألة الخامسة : في الآية فوائد : الفائدة الأولى : إنه تعالى حكى عن نوح في هذه الآية ثلاثة أشياء : أحدها : إنه عليه السلام أمرهم بعبادة الله تعالى . والثاني : إنه حكم أن لا إله غير الله ، والمقصود من الكلام الأول إثبات التكليف ، والمقصود من الكلام الثاني الإقرار بالتوحيد . / ثم قال عقيبه : { إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } ولا شك أن المراد منه إما عذاب يوم القيامة ، وعلى هذا التقدير : فهو قد خوفهم بيوم القيامة ، وهذا هو الدعوى الثالثة ، أو عذاب يوم الطوفان ، وعلى هذا التقدير : فقد ادعى الوحي والنبوة من عند الله / والحاصل أنه تعالى حكى عنه أنه ذكر هذه الدعاوى الثلاثة ، ولم يذكر على صحة واحد منها دليلا ولا حجة ، فإن كان قد أمرهم بالإنذار بها على سبيل التقليد ، فهذا باطل ، لما أن القول بالتقليد باطل . وأيضا فالله تعالى قد ملأ القرآن من ذم التقليد ، فكيف يليق بالرسول المعصوم الدعوة إلى التقليد ؟ وإن كان قد أمرهم بالإقرار بها مع ذكر الدليل ، فهذا الدليل غير مذكور . واعلم أنه تعالى ذكر في أول سورة البقرة دلائل التوحيد والنبوة ، وصحة المعاد ، وذلك تنبيه منه تعالى على أن أحدا من الأنبياء لا يدعو أحدا إلى هذه الأصول إلا بذكر الحجة والدليل . أقصى ما في الباب أنه تعالى ما حكى عن نوح تلك الدلائل في هذا المقام إلا أن تلك الدلائل لما كانت معلومة لم يكن إلى ذكرها حاجة في هذا المقام ، فترك الله تعالى ذكر الدلائل لهذا السبب . الفائدة الثانية : أنه عليه السلام ذكر أولا قوله : { اعبدوا الله } وثانيا قوله : { ما لكم من إلاه غيره } والثاني كالعلة للأول ، لأنه إذا لم يكن لهم إله غيره كان كل ما حصل عندهم من وجوه النفع والإحسان والبر واللطف حاصلا من الله ، ونهاية الإنعام توجب نهاية التعظيم ، فإنما وجبت عبادة الله لأجل العلم بأنه لا إله إلا الله ، ويتفرع على هذا البحث مسألة وهي : أنا قبل العلم بأن لا إله واحد أو أكثر من واحد لا نعلم أن المنعم علينا بوجوه النعم الحاصلة عندنا هو هذا أم ذاك ؟ وإذا جهلنا ذلك فقد جهلنا من كان هو المنعم في حقنا . وحينئذ لا يحسن عبادته ، فعلى هذا القول كان العلم بالتوحيد شرطا للعلم بحسن العبادة . الفائدة الثالثة : في هذه الآية أن ظاهر هذه الآية يدل على أنه الإله هو الذي يستحق العبادة لأن قوله : { اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره } إثبات ونفي ، فيجب أن يتواردا على مفهوم واحد حتى يستقيم الكلام ، فكان المعنى أعبدوا الله ما لكم من معبود غيره ، حتى يتطابق النفي والإثبات ، ثم ثبت بالدليل أن الإله ليس هو المعبود وإلا لوجب كون الأصنام آلهة ، وأن لا يكون الإله إلها في الأزل لأجل أنه في الأزل غير معبود ، فوجب حمل لفظ الإله على أنه المستحق للعبادة .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الرابعة : قوله تعالى : { لقد أرسلنآ } فيه قولان : قال ابن عباس : بعثنا . وقال آخرون : معنى الإرسال أنه تعالى حمله رسالة يؤديها ، فالرسالة على هذا التقدير تكون متضمنة للبعث ، فيكون البعث كالتابع لا أنه الأصل ، وهذا البحث بناء على مسألة أصولية ، وهي أنه هل من شرط إرسال الرسول إلى قوم ، أن يعرفهم على لسانه أحكاما لا سبيل لهم إلى معرفتها بعقولهم ، أوليس ذلك بشرط ؟ بل يكون الغرض من بعثة الرسل مجرد تأكيد ما في العقول ، وهذا الخلاف إنما يليق بتفاريع المعتزلة ، ولا يليق بتفاريع مذاهبنا وأصولنا . المسألة الخامسة : في الآية فوائد : الفائدة الأولى : إنه تعالى حكى عن نوح في هذه الآية ثلاثة أشياء : أحدها : إنه عليه السلام أمرهم بعبادة الله تعالى . والثاني : إنه حكم أن لا إله غير الله ، والمقصود من الكلام الأول إثبات التكليف ، والمقصود من الكلام الثاني الإقرار بالتوحيد . / ثم قال عقيبه : { إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } ولا شك أن المراد منه إما عذاب يوم القيامة ، وعلى هذا التقدير : فهو قد خوفهم بيوم القيامة ، وهذا هو الدعوى الثالثة ، أو عذاب يوم الطوفان ، وعلى هذا التقدير : فقد ادعى الوحي والنبوة من عند الله / والحاصل أنه تعالى حكى عنه أنه ذكر هذه الدعاوى الثلاثة ، ولم يذكر على صحة واحد منها دليلا ولا حجة ، فإن كان قد أمرهم بالإنذار بها على سبيل التقليد ، فهذا باطل ، لما أن القول بالتقليد باطل . وأيضا فالله تعالى قد ملأ القرآن من ذم التقليد ، فكيف يليق بالرسول المعصوم الدعوة إلى التقليد ؟ وإن كان قد أمرهم بالإقرار بها مع ذكر الدليل ، فهذا الدليل غير مذكور . واعلم أنه تعالى ذكر في أول سورة البقرة دلائل التوحيد والنبوة ، وصحة المعاد ، وذلك تنبيه منه تعالى على أن أحدا من الأنبياء لا يدعو أحدا إلى هذه الأصول إلا بذكر الحجة والدليل . أقصى ما في الباب أنه تعالى ما حكى عن نوح تلك الدلائل في هذا المقام إلا أن تلك الدلائل لما كانت معلومة لم يكن إلى ذكرها حاجة في هذا المقام ، فترك الله تعالى ذكر الدلائل لهذا السبب . الفائدة الثانية : أنه عليه السلام ذكر أولا قوله : { اعبدوا الله } وثانيا قوله : { ما لكم من إلاه غيره } والثاني كالعلة للأول ، لأنه إذا لم يكن لهم إله غيره كان كل ما حصل عندهم من وجوه النفع والإحسان والبر واللطف حاصلا من الله ، ونهاية الإنعام توجب نهاية التعظيم ، فإنما وجبت عبادة الله لأجل العلم بأنه لا إله إلا الله ، ويتفرع على هذا البحث مسألة وهي : أنا قبل العلم بأن لا إله واحد أو أكثر من واحد لا نعلم أن المنعم علينا بوجوه النعم الحاصلة عندنا هو هذا أم ذاك ؟ وإذا جهلنا ذلك فقد جهلنا من كان هو المنعم في حقنا . وحينئذ لا يحسن عبادته ، فعلى هذا القول كان العلم بالتوحيد شرطا للعلم بحسن العبادة . الفائدة الثالثة : في هذه الآية أن ظاهر هذه الآية يدل على أنه الإله هو الذي يستحق العبادة لأن قوله : { اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره } إثبات ونفي ، فيجب أن يتواردا على مفهوم واحد حتى يستقيم الكلام ، فكان المعنى أعبدوا الله ما لكم من معبود غيره ، حتى يتطابق النفي والإثبات ، ثم ثبت بالدليل أن الإله ليس هو المعبود وإلا لوجب كون الأصنام آلهة ، وأن لا يكون الإله إلها في الأزل لأجل أنه في الأزل غير معبود ، فوجب حمل لفظ الإله على أنه المستحق للعبادة .

Dio V14/P121–V14/P122Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V14/P121–V14/P122)
Orijinal Metin (AR)

واعلم أنهم اختلفوا في معنى قوله : { إنى أخاف عليكم } هل هو اليقين ، أو الخوف بمعنى الظن والشك . قال قوم : المراد منه الجزم واليقين ، لأنه كان جازما بأن العذاب ينزل بهم إما في الدنيا وإما في / الآخرة إن لم يقبلوا ذلك الدين . وقال آخرون : بل المراد منه الشك وتقريره من وجوه : الأول : إنه إنما قال : { إنى أخاف عليكم } لأنه جوز أن يؤمنوا كما جوز أن يستمروا على كفرهم ، ومع هذا التجويز لا يكون قاطعا بنزول العذاب ، فوجب أن يذكره بلفظ الخوف . والثاني : أن حصول العقاب على الكفر والمعصية أمر لا يعرف إلا بالسمع ولعل الله تعالى ما بين له كيفية هذه المسألة فلا جرم بقي متوقفا مجوزا أنه تعالى هل يعاقبهم على ذلك الكفر أم لا ؟ والثالث : يحتمل أن يكون المراد من الخوف الحذر كما قال في الملائكة : { يخافون ربهم } ( النحل : 50 ) أي يحذرون المعاصي خوفا من العقاب . الرابع : إنه بتقدير أن يكون قاطعا بنزول أصل العذاب لكنه ما كان عارفا بمقدار ذلك العذاب ، وهو أنه عظيم جدا أو متوسط ، فكان هذا الشك راجعا إلى وصف العقاب ، وهو كونه عظيما أم لا ، لا في أصل حصوله . ثم إنه تعالى حكى ما ذكره في قومه ، فقال : { قال الملا من قومه إنا لنراك في ضلال مبين } وقال المفسرون : { الملا } الكبراء والسادات الذين جعلوا أنفسهم أضداد الأنبياء ، والدليل عليه أن قوله { من قومه } يقتضي أن ذلك الملأ بعض قومه / وذلك البعض لا بد وأن يكونوا موصوفين بصفة لأجلها استحقوا هذا الوصف ، وذلك بأن يكونوا هم الذين يملؤن صدور المجالس ، وتمتلىء القلوب من هيبتهم ، وتمتلىء الأبصار من رؤيتهم ، وتتوجه العيون في المحافل إليهم ، وهذه الصفات لا تحصل إلا في الرؤساء ، وذلك يدل على أن المراد من الملأ الرؤساء والأكابر . وقوله : { إنا لنراك } هذه الرؤية لا بد وأن تكون بمعنى الإعتقاد والظن دون المشاهدة والرؤية . وقوله : { فى ضلال مبين } أي في خطأ ظاهر وضلال بين ، ولا بد وأن يكون مرادهم نسبة نوح إلى الضلال في المسائل الأربع التي بينا أن نوحا عليه السلام ذكرها ، وهي التكليف والتوحيد والنبوة والمعاد ، ولما ذكروا هذا الكلام . أجاب نوح عليه السلام بقوله : { قال ياقوم ليس بى ضلالة } . فإن قالوا : إن القوم قالوا : { إنا لنراك في ضلال مبين } . فجوابه أن يقال : ليس بي ضلال ، فلم ترك هذا الكلام ، وقال : ليس بي ضلالة ؟ قلت : لأن قوله : { ليس بى ضلالة } أي ليس بي نوع من أنواع الضلالة ألبتة ، فكان هذا أبلغ في عموم السلب ، ثم إنه عليه السلام لما نفي عن نفسه العيب الذي وصفوه به ، ووصف نفسه بأشرف الصفات وأجلها ، وهو كونه رسولا إلى الخلق من رب العالمين . ذكر ما هو المقصود من الرسالة ، وهو أمران : الأول : تبليغ الرسالة . والثاني : تقرير النصيحة . فقال : { أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم } وفيه مسائل : / المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو { أبلغكم } بالتخفيف ، من أبلغ ، والباقون بالتشديد . قال الواحدي : وكلا الوجهين جاء في التنزيل ، فالتخفيف قوله : { فإن تولوا فقد أبلغتكم } ( هود : 57 ) والتشديد { فما بلغت رسالته } ( المائدة : 67 ) .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

واعلم أنهم اختلفوا في معنى قوله : { إنى أخاف عليكم } هل هو اليقين ، أو الخوف بمعنى الظن والشك . قال قوم : المراد منه الجزم واليقين ، لأنه كان جازما بأن العذاب ينزل بهم إما في الدنيا وإما في / الآخرة إن لم يقبلوا ذلك الدين . وقال آخرون : بل المراد منه الشك وتقريره من وجوه : الأول : إنه إنما قال : { إنى أخاف عليكم } لأنه جوز أن يؤمنوا كما جوز أن يستمروا على كفرهم ، ومع هذا التجويز لا يكون قاطعا بنزول العذاب ، فوجب أن يذكره بلفظ الخوف . والثاني : أن حصول العقاب على الكفر والمعصية أمر لا يعرف إلا بالسمع ولعل الله تعالى ما بين له كيفية هذه المسألة فلا جرم بقي متوقفا مجوزا أنه تعالى هل يعاقبهم على ذلك الكفر أم لا ؟ والثالث : يحتمل أن يكون المراد من الخوف الحذر كما قال في الملائكة : { يخافون ربهم } ( النحل : 50 ) أي يحذرون المعاصي خوفا من العقاب . الرابع : إنه بتقدير أن يكون قاطعا بنزول أصل العذاب لكنه ما كان عارفا بمقدار ذلك العذاب ، وهو أنه عظيم جدا أو متوسط ، فكان هذا الشك راجعا إلى وصف العقاب ، وهو كونه عظيما أم لا ، لا في أصل حصوله . ثم إنه تعالى حكى ما ذكره في قومه ، فقال : { قال الملا من قومه إنا لنراك في ضلال مبين } وقال المفسرون : { الملا } الكبراء والسادات الذين جعلوا أنفسهم أضداد الأنبياء ، والدليل عليه أن قوله { من قومه } يقتضي أن ذلك الملأ بعض قومه / وذلك البعض لا بد وأن يكونوا موصوفين بصفة لأجلها استحقوا هذا الوصف ، وذلك بأن يكونوا هم الذين يملؤن صدور المجالس ، وتمتلىء القلوب من هيبتهم ، وتمتلىء الأبصار من رؤيتهم ، وتتوجه العيون في المحافل إليهم ، وهذه الصفات لا تحصل إلا في الرؤساء ، وذلك يدل على أن المراد من الملأ الرؤساء والأكابر . وقوله : { إنا لنراك } هذه الرؤية لا بد وأن تكون بمعنى الإعتقاد والظن دون المشاهدة والرؤية . وقوله : { فى ضلال مبين } أي في خطأ ظاهر وضلال بين ، ولا بد وأن يكون مرادهم نسبة نوح إلى الضلال في المسائل الأربع التي بينا أن نوحا عليه السلام ذكرها ، وهي التكليف والتوحيد والنبوة والمعاد ، ولما ذكروا هذا الكلام . أجاب نوح عليه السلام بقوله : { قال ياقوم ليس بى ضلالة } . فإن قالوا : إن القوم قالوا : { إنا لنراك في ضلال مبين } . فجوابه أن يقال : ليس بي ضلال ، فلم ترك هذا الكلام ، وقال : ليس بي ضلالة ؟ قلت : لأن قوله : { ليس بى ضلالة } أي ليس بي نوع من أنواع الضلالة ألبتة ، فكان هذا أبلغ في عموم السلب ، ثم إنه عليه السلام لما نفي عن نفسه العيب الذي وصفوه به ، ووصف نفسه بأشرف الصفات وأجلها ، وهو كونه رسولا إلى الخلق من رب العالمين . ذكر ما هو المقصود من الرسالة ، وهو أمران : الأول : تبليغ الرسالة . والثاني : تقرير النصيحة . فقال : { أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم } وفيه مسائل : / المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو { أبلغكم } بالتخفيف ، من أبلغ ، والباقون بالتشديد . قال الواحدي : وكلا الوجهين جاء في التنزيل ، فالتخفيف قوله : { فإن تولوا فقد أبلغتكم } ( هود : 57 ) والتشديد { فما بلغت رسالته } ( المائدة : 67 ) .

Dio V14/P122–V14/P123Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V14/P122–V14/P123)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثانية : الفرق بين تبليغ الرسالة وبين النصيحة هو أن تبليغ الرسالة معناه : أن يعرفهم أنواع تكاليف الله وأقسام أوامره ونواهيه ، وأما النصيحة : فهو أنه يرغبه في الطاعة ، ويحذره عن المعصية ، ويسعى في تقرير ذلك الترغيب والترهيب لأبلغ وجوه ، وقوله : { رسالات ربى } يدل على أنه تعالى حمله أنواعا كثيرة من الرسالة . وهي أقسام التكاليف من الأوامر والنواهي ، وشرح مقادير الثواب والعقاب في الآخرة ، ومقادير الحدود والزواجر في الدنيا ، وقوله : { وأنصح لكم } قال الفراء : لا تكاد العرب تقول : نصحتك ، إنما تقول : نصحت لك ، ويجوز أيضا نصحتك . قال النابغة : نصحت بني عوف فلم يتقبلوا رسولي ولم تنجح لديهم رسائلي وحقيقة النصح الإرسال إلى المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه ، والمعنى : أني أبلغ إليكم تكاليف الله ، ثم أرشدكم إلى الأصوب الأصلح ، وأدعوكم إلى ما دعاني ، وأحب إليكم ما أحبه لنفسي . ثم قال : { وأعلم من الله ما لا تعلمون } وفيه وجوه : الأول : واعلم أنكم إن عصيتم أمره عاقبكم بالطوفان . الثاني : واعلم أنه يعاقبكم في الآخرة عقابا شديدا خارجا عما تتصوره عقولكم . الثالث : يجوز أن يكون المراد : واعلم من توحيد الله وصفات جلاله ما لا تعلمون . ويكون المقصود من ذكر هذا الكلام : حمل القوم على أن يرجعوا إليه في طلب تلك العلوم . ! 7 < { أو عجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بأاياتنآ إنهم كانوا قوما عمين } . > 7 < الأعراف : ( 63 - 64 ) أوعجبتم أن جاءكم . . . . . > > اعلم أن قوله : { عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا } يدل على أن مراد / القوم من قولهم لنوح عليه السلام : { إنا لنراك في ضلال مبين } هو أنهم نسبوه في ادعاء النبوة إلى الضلال ، وذلك من وجوه : أحدها : أنهم استبعدوا أن يكون لله رسول إلى خلقه ، لأجل أنهم اعتقدوا أن المقصود من الإرسال هو التكليف . والتكليف لا منفعة فيه للمعبود لكونه متعاليا عن النفع والضرر ، ولا منفعة فيه للعابد ، لأنه في الحال يوجب المضرة العظيمة ، وكل ما يرجى فيه من الثواب ودفع العقاب ، فالله قادر على تحصيله بدون واسطة التكليف ، فيكون التكليف عبثا ، والله متعال عن العبث ، وإذا بطل التكليف بطل القول بالنبوة . وثانيها : أنهم وإن جوزوا التكليف إلا أنهم قالوا : ما علم حسنه بالعقل فعلناه ، وما علم قبحه تركناه ، وما لا نعلم فيه لا حسنه ولا قبحه ، فإن كنا مضطرين إليه فعلناه ، لعلمنا أنه متعال عن أن يكلف عبده ما لا طاقة له به ، وإن لم نكن مضطرين إليه تركناه للحذر عن خطر العقاب ، ولما كان رسول العقل كافيا فلا حاجة إلى بعثة رسول آخر . وثالثها : أن بتقدير : أنه لا بد من الرسول ؛ فإن إرسال الملائكة أولى ، لأن مهابتهم أشد ، وطهاراتهم أكمل ، واستغناءهم عن المأكول والمشروب أظهر ، وبعدهم عن الكذب والباطل أعظم . ورابعها : أن بتقدير : أن يبعث رسولا من البشر ، فلعل القوم اعتقدوا أن من كان فقيرا ، ولم يكن له تبع ورياسة فإنه لا يليق به منصب الرسالة ، ولعلهم اعتقدوا أن الذي ظن نوح عليه السلام أنه من باب الوحي ، فهو من جنس الجنون والعته وتخييلات الشيطان ، فهذا هو الإشارة إلى مجامع الوجوه التي لأجلها أنكر الكفار رسالة رجل معين ، فلهذه الأسباب حكموا على نوح بالضلالة ، ثم أن نوحا عليه الصلام أزال تعجبهم وقال : إنه تعالى خالق الخلق فله بحكم الإلهية أن يأمر عبيده ببعض الأشياء وينهاهم عن بعضها ، ولا يجوز أن يخاطبهم بتلك التكاليف من غير واسطة ، لأن ذلك ينتهي إلى حد الإلجاء ، وهو ينافي التكليف ، ولا يجوز أن يكون ذلك الرسول واحدا من الملائكة لما ذكرناه في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى : { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا } ( الأنعام : 9 ) فبقي أن يكون أيصال تلك التكاليف إلى الخلق بواسطة إنسان ، وذلك الإنسان إنما يبلغهم تلك التكاليف لأجل أن ينذرهم ويحذرهم ، ومتى أنذرهم اتقوا مخالفة تكليف الله ، ومتى اتقوا مخالفة تكليف الله استوجبوا رحمة الله ، فهذا هو المراد من قوله : { لينذركم ولتتقوا لعلكم ترحمون } ( الأعراف : 63 ) .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثانية : الفرق بين تبليغ الرسالة وبين النصيحة هو أن تبليغ الرسالة معناه : أن يعرفهم أنواع تكاليف الله وأقسام أوامره ونواهيه ، وأما النصيحة : فهو أنه يرغبه في الطاعة ، ويحذره عن المعصية ، ويسعى في تقرير ذلك الترغيب والترهيب لأبلغ وجوه ، وقوله : { رسالات ربى } يدل على أنه تعالى حمله أنواعا كثيرة من الرسالة . وهي أقسام التكاليف من الأوامر والنواهي ، وشرح مقادير الثواب والعقاب في الآخرة ، ومقادير الحدود والزواجر في الدنيا ، وقوله : { وأنصح لكم } قال الفراء : لا تكاد العرب تقول : نصحتك ، إنما تقول : نصحت لك ، ويجوز أيضا نصحتك . قال النابغة : نصحت بني عوف فلم يتقبلوا رسولي ولم تنجح لديهم رسائلي وحقيقة النصح الإرسال إلى المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه ، والمعنى : أني أبلغ إليكم تكاليف الله ، ثم أرشدكم إلى الأصوب الأصلح ، وأدعوكم إلى ما دعاني ، وأحب إليكم ما أحبه لنفسي . ثم قال : { وأعلم من الله ما لا تعلمون } وفيه وجوه : الأول : واعلم أنكم إن عصيتم أمره عاقبكم بالطوفان . الثاني : واعلم أنه يعاقبكم في الآخرة عقابا شديدا خارجا عما تتصوره عقولكم . الثالث : يجوز أن يكون المراد : واعلم من توحيد الله وصفات جلاله ما لا تعلمون . ويكون المقصود من ذكر هذا الكلام : حمل القوم على أن يرجعوا إليه في طلب تلك العلوم . ! 7 < { أو عجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بأاياتنآ إنهم كانوا قوما عمين } . > 7 < الأعراف : ( 63 - 64 ) أوعجبتم أن جاءكم . . . . . > > اعلم أن قوله : { عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا } يدل على أن مراد / القوم من قولهم لنوح عليه السلام : { إنا لنراك في ضلال مبين } هو أنهم نسبوه في ادعاء النبوة إلى الضلال ، وذلك من وجوه : أحدها : أنهم استبعدوا أن يكون لله رسول إلى خلقه ، لأجل أنهم اعتقدوا أن المقصود من الإرسال هو التكليف . والتكليف لا منفعة فيه للمعبود لكونه متعاليا عن النفع والضرر ، ولا منفعة فيه للعابد ، لأنه في الحال يوجب المضرة العظيمة ، وكل ما يرجى فيه من الثواب ودفع العقاب ، فالله قادر على تحصيله بدون واسطة التكليف ، فيكون التكليف عبثا ، والله متعال عن العبث ، وإذا بطل التكليف بطل القول بالنبوة . وثانيها : أنهم وإن جوزوا التكليف إلا أنهم قالوا : ما علم حسنه بالعقل فعلناه ، وما علم قبحه تركناه ، وما لا نعلم فيه لا حسنه ولا قبحه ، فإن كنا مضطرين إليه فعلناه ، لعلمنا أنه متعال عن أن يكلف عبده ما لا طاقة له به ، وإن لم نكن مضطرين إليه تركناه للحذر عن خطر العقاب ، ولما كان رسول العقل كافيا فلا حاجة إلى بعثة رسول آخر . وثالثها : أن بتقدير : أنه لا بد من الرسول ؛ فإن إرسال الملائكة أولى ، لأن مهابتهم أشد ، وطهاراتهم أكمل ، واستغناءهم عن المأكول والمشروب أظهر ، وبعدهم عن الكذب والباطل أعظم . ورابعها : أن بتقدير : أن يبعث رسولا من البشر ، فلعل القوم اعتقدوا أن من كان فقيرا ، ولم يكن له تبع ورياسة فإنه لا يليق به منصب الرسالة ، ولعلهم اعتقدوا أن الذي ظن نوح عليه السلام أنه من باب الوحي ، فهو من جنس الجنون والعته وتخييلات الشيطان ، فهذا هو الإشارة إلى مجامع الوجوه التي لأجلها أنكر الكفار رسالة رجل معين ، فلهذه الأسباب حكموا على نوح بالضلالة ، ثم أن نوحا عليه الصلام أزال تعجبهم وقال : إنه تعالى خالق الخلق فله بحكم الإلهية أن يأمر عبيده ببعض الأشياء وينهاهم عن بعضها ، ولا يجوز أن يخاطبهم بتلك التكاليف من غير واسطة ، لأن ذلك ينتهي إلى حد الإلجاء ، وهو ينافي التكليف ، ولا يجوز أن يكون ذلك الرسول واحدا من الملائكة لما ذكرناه في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى : { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا } ( الأنعام : 9 ) فبقي أن يكون أيصال تلك التكاليف إلى الخلق بواسطة إنسان ، وذلك الإنسان إنما يبلغهم تلك التكاليف لأجل أن ينذرهم ويحذرهم ، ومتى أنذرهم اتقوا مخالفة تكليف الله ، ومتى اتقوا مخالفة تكليف الله استوجبوا رحمة الله ، فهذا هو المراد من قوله : { لينذركم ولتتقوا لعلكم ترحمون } ( الأعراف : 63 ) .

Dio V14/P123–V14/P124Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V14/P123–V14/P124)
Orijinal Metin (AR)

إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تفسير ألفاظ الآية . أما قوله : { أوعجبتم } فالهمزة للإنكار ، والواو للعطف ، والمعطوف عليه محذوف ، كأنه قيل : أكذبتم وعجبتم أن جاءكم ؟ أي عجبتم أن جاءكم ذكر . وذكروا في تفسير هذا الذكر وجوها . قال الحسن : إنه الوحي الذي جاءهم به . وقال آخرون : المراد بهذا الذكر المعجز ، ثم ذلك المعجز يحتمل / وجهين : أحدهما : أنه تعالى كان قد أنزل عليه كتابا ، وكان ذلك الكتاب معجزا ، فسماه الله تعالى ذكرا ، كما سمي القرآن بهذا الاسم ، وجعله معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم . والثاني : أن ذلك المعجز كان شيئا آخر سوى الكتاب . وقوله : { القرءان على رجل } قال الفراء : { على } ههنا بمعنى مع ما تقول : جاء بالخبر على وجهه ومع وجهه ، كلاهما جائز . وقال ابن قتيبة : أي على لسان رجل منكم ، كما قال { ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك } ( آل عمران : 194 ) أي على لسان رسلك . وقال آخرون : { ذكر من ربكم } منزل على رجل ، وقوله : { منكم } أي تعرفون نسبه فهو منكم نسبا ، وذلك لأن كونه منهم يزيل التعجب ، لأن المرء بمن هو من جنسه أعرف ، وبطهارة أحواله أعلم ، وبما يقتضي السكون إليه أبصر ، ثم بين تعالى ما لأجله يبعث الرسول ، فقال : { لينذركم } وما لأجله ينذر ، فقال : { ولتتقوا } وما لأجله يتقون ، فقال : { ولعلكم ترحمون } وهذا الترتيب في غاية الحسن ، فإن المقصود من البعثة الإنذار ، والمقصود من الإنذار . التقوى عن كل ما لا ينبغي ، والمقصود من التقوى ، الفوز بالرحمة في دار الآخرة . قال الجبائي والكعبي والقاضي : هذه الآية دالة على أنه تعالى أراد من الذين بعث الرسل إليهم ، التقوى والفوز بالرحمة ، وذلك يبطل قول من يقول : إنه تعالى أراد من بعضهم الكفر والعناد ، وخلقهم لأجل العذاب والنار . وجواب أصحابنا أن نقول : إن لم يتوقف الفعل على الداعي لزم رجحان الممكن لا لمرجح ، وإن توقف لزم الجبر ، ومتى لزم ذلك وجب القطع ، فإنه تعالى أراد الكفر من الكافر ، وذلك يبطل مذهبكم . ثم بين تعالى أنهم مع لك كذبوه في ادعاء النبوة وتبليغ التكاليف من الله وأصروا على ذلك التكذيب ، ثم إنه تعالى أنجاه في الفلك وأنجى من كان معه من المؤمنين وأغرق الكفار والمكذبين . وبين العلة في ذلك فقال : { إنهم كانوا قوما عمين } قال ابن عباس : عميت قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد ، قال أهل اللغة : يقال رجل عم في البصيرة وأعمى في البصر { فعميت عليهم الانباء يومئذ } ( القصص : 66 ) وقال : { قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها } ( الأنعام : 104 ) قال زهير : وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عمي قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { عامين } والفرق بين العمي والعامي أن العمي يدل على عمي ثابت . والعامي على عمي حادث ، ولا شك أن عماهم كان ثابتا راسخا ، والدليل عليه قوله تعالى في آية أخرى : { وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن } ( هود : 36 ) .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تفسير ألفاظ الآية . أما قوله : { أوعجبتم } فالهمزة للإنكار ، والواو للعطف ، والمعطوف عليه محذوف ، كأنه قيل : أكذبتم وعجبتم أن جاءكم ؟ أي عجبتم أن جاءكم ذكر . وذكروا في تفسير هذا الذكر وجوها . قال الحسن : إنه الوحي الذي جاءهم به . وقال آخرون : المراد بهذا الذكر المعجز ، ثم ذلك المعجز يحتمل / وجهين : أحدهما : أنه تعالى كان قد أنزل عليه كتابا ، وكان ذلك الكتاب معجزا ، فسماه الله تعالى ذكرا ، كما سمي القرآن بهذا الاسم ، وجعله معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم . والثاني : أن ذلك المعجز كان شيئا آخر سوى الكتاب . وقوله : { القرءان على رجل } قال الفراء : { على } ههنا بمعنى مع ما تقول : جاء بالخبر على وجهه ومع وجهه ، كلاهما جائز . وقال ابن قتيبة : أي على لسان رجل منكم ، كما قال { ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك } ( آل عمران : 194 ) أي على لسان رسلك . وقال آخرون : { ذكر من ربكم } منزل على رجل ، وقوله : { منكم } أي تعرفون نسبه فهو منكم نسبا ، وذلك لأن كونه منهم يزيل التعجب ، لأن المرء بمن هو من جنسه أعرف ، وبطهارة أحواله أعلم ، وبما يقتضي السكون إليه أبصر ، ثم بين تعالى ما لأجله يبعث الرسول ، فقال : { لينذركم } وما لأجله ينذر ، فقال : { ولتتقوا } وما لأجله يتقون ، فقال : { ولعلكم ترحمون } وهذا الترتيب في غاية الحسن ، فإن المقصود من البعثة الإنذار ، والمقصود من الإنذار . التقوى عن كل ما لا ينبغي ، والمقصود من التقوى ، الفوز بالرحمة في دار الآخرة . قال الجبائي والكعبي والقاضي : هذه الآية دالة على أنه تعالى أراد من الذين بعث الرسل إليهم ، التقوى والفوز بالرحمة ، وذلك يبطل قول من يقول : إنه تعالى أراد من بعضهم الكفر والعناد ، وخلقهم لأجل العذاب والنار . وجواب أصحابنا أن نقول : إن لم يتوقف الفعل على الداعي لزم رجحان الممكن لا لمرجح ، وإن توقف لزم الجبر ، ومتى لزم ذلك وجب القطع ، فإنه تعالى أراد الكفر من الكافر ، وذلك يبطل مذهبكم . ثم بين تعالى أنهم مع لك كذبوه في ادعاء النبوة وتبليغ التكاليف من الله وأصروا على ذلك التكذيب ، ثم إنه تعالى أنجاه في الفلك وأنجى من كان معه من المؤمنين وأغرق الكفار والمكذبين . وبين العلة في ذلك فقال : { إنهم كانوا قوما عمين } قال ابن عباس : عميت قلوبهم عن معرفة التوحيد والنبوة والمعاد ، قال أهل اللغة : يقال رجل عم في البصيرة وأعمى في البصر { فعميت عليهم الانباء يومئذ } ( القصص : 66 ) وقال : { قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها } ( الأنعام : 104 ) قال زهير : وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عمي قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { عامين } والفرق بين العمي والعامي أن العمي يدل على عمي ثابت . والعامي على عمي حادث ، ولا شك أن عماهم كان ثابتا راسخا ، والدليل عليه قوله تعالى في آية أخرى : { وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن } ( هود : 36 ) .

Dio V14/P124–V14/P125Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V14/P124–V14/P125)
Orijinal Metin (AR)

! 7 < { وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره أفلا تتقون قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين قال ياقوم ليس بى سفاهة ولكنى رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربى وأنا لكم ناصح أمين أو عجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح وزادكم فى الخلق بسطة فاذكروا ءالآء الله لعلكم تفلحون } . > 7 < الأعراف : ( 65 - 69 ) وإلى عاد أخاهم . . . . . > > اعلم أن هذا هو القصة الثانية ، وهي قصة هود مع قومه . أما قوله : { وإلى عاد أخاهم هودا } ففيه أبحاث : البحث الأول : انتصب قوله : { أخاهم } بقوله : { أرسلنا } في أول الكلام والتقدير { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } { وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا } . البحث الثاني : اتفقوا على أن هودا ما كان أخا لهم في الدين . واختلفوا في أنه . هل كان أخا قرابة قريبة أم لا ؟ قال الكلبي : إنه كان واحدا من تلك القبيلة ، وقال آخرون : إنه كان من بني آدم ومن جنسهم لا من جنس الملائكة فكفي هذا القدر في تسمية هذه الأخوة ، والمعنى أنا بعثنا إلى عاد واحدا من جنسهم وهو البشر ليكون ألفهم والأنس بكلامه وأفعاله أكمل . وما بعثنا إليهم شخصا من غير جنسهم مثل ملك أو جني . / البحث الثالث : أخاهم : أي صاحبهم ورسولهم ، والعرب تسمي صاحب القوم أخ القوم ، ومنه قوله تعالى : { كلما دخلت أمة لعنت أختها } ( الأعراف : 38 ) أي صاحبتها وشبيهتها . وقال عليه السلام : ( إن أخا صداء قد أذن وإنما يقيم من أذن ) يريد صاحبهم . البحث الرابع : قالوا نسب هود هذا : هود بن شالخ ، بن أرفخشد ، بن سام . بن نوح . وأما عاد فهم قوم كانوا باليمن بالأحقاف ، قال ابن إسحق : والأحقاف ، الرمل الذي بين عمان إلى حضرموت . البحث الخامس : اعلم أن ألفاظ هذه القصة موافقة للألفاظ المذكورة في قصة نوح عليه السلام إلا في أشياء : الأول : في قصة نوح عليه السلام : { فقال ياقوم قوم اعبدوا الله } ( الأعراف : 59 ) وفي قصة هود : { قال ياءادم قوم اعبدوا الله } والفرق أن نوحا عليه السلام كان مواظبا على دعواهم وما كان يؤخر الجواب عن شبهاتهم لحظة واحدة . وأما هود فما كانت مبالغته إلى هذا الحد فلا جرم جاء ( فاء التعقيب ) في كلام نوح دون كلام هود . والثاني : أن في قصة نوح { اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } ( الأعراف : 59 ) وقال في هذه القصة : { اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره أفلا تتقون } والفرق بين الصورتين أن قبل نوح عليه السلام لم يظهر في العالم مثل تلك الواقعة العظيمة وهي الطوفان العظيم ، فلا جرم أخبر نوح عن تلك الواقعة فقال : { إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } وأما واقعة هود عليه السلام فقد كانت مسبوقة بواقعة نوح وكان عند الناس علم بتلك الواقعة قريبا ، فلا جرم اكتفى هود بقوله : { أفلا تتقون } والمعنى تعرفون أن قوم نوح لما لم يتقوا الله ولم يطيعوه نزل بهم ذلك العذاب الذي اشتهر خبره في الدنيا فكان قوله : { أفلا تتقون } إشارة إلى التخويف بتلك الواقعة المتقدمة المشهورة في الدنيا .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

! 7 < { وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره أفلا تتقون قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين قال ياقوم ليس بى سفاهة ولكنى رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربى وأنا لكم ناصح أمين أو عجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح وزادكم فى الخلق بسطة فاذكروا ءالآء الله لعلكم تفلحون } . > 7 < الأعراف : ( 65 - 69 ) وإلى عاد أخاهم . . . . . > > اعلم أن هذا هو القصة الثانية ، وهي قصة هود مع قومه . أما قوله : { وإلى عاد أخاهم هودا } ففيه أبحاث : البحث الأول : انتصب قوله : { أخاهم } بقوله : { أرسلنا } في أول الكلام والتقدير { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه } { وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا } . البحث الثاني : اتفقوا على أن هودا ما كان أخا لهم في الدين . واختلفوا في أنه . هل كان أخا قرابة قريبة أم لا ؟ قال الكلبي : إنه كان واحدا من تلك القبيلة ، وقال آخرون : إنه كان من بني آدم ومن جنسهم لا من جنس الملائكة فكفي هذا القدر في تسمية هذه الأخوة ، والمعنى أنا بعثنا إلى عاد واحدا من جنسهم وهو البشر ليكون ألفهم والأنس بكلامه وأفعاله أكمل . وما بعثنا إليهم شخصا من غير جنسهم مثل ملك أو جني . / البحث الثالث : أخاهم : أي صاحبهم ورسولهم ، والعرب تسمي صاحب القوم أخ القوم ، ومنه قوله تعالى : { كلما دخلت أمة لعنت أختها } ( الأعراف : 38 ) أي صاحبتها وشبيهتها . وقال عليه السلام : ( إن أخا صداء قد أذن وإنما يقيم من أذن ) يريد صاحبهم . البحث الرابع : قالوا نسب هود هذا : هود بن شالخ ، بن أرفخشد ، بن سام . بن نوح . وأما عاد فهم قوم كانوا باليمن بالأحقاف ، قال ابن إسحق : والأحقاف ، الرمل الذي بين عمان إلى حضرموت . البحث الخامس : اعلم أن ألفاظ هذه القصة موافقة للألفاظ المذكورة في قصة نوح عليه السلام إلا في أشياء : الأول : في قصة نوح عليه السلام : { فقال ياقوم قوم اعبدوا الله } ( الأعراف : 59 ) وفي قصة هود : { قال ياءادم قوم اعبدوا الله } والفرق أن نوحا عليه السلام كان مواظبا على دعواهم وما كان يؤخر الجواب عن شبهاتهم لحظة واحدة . وأما هود فما كانت مبالغته إلى هذا الحد فلا جرم جاء ( فاء التعقيب ) في كلام نوح دون كلام هود . والثاني : أن في قصة نوح { اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } ( الأعراف : 59 ) وقال في هذه القصة : { اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره أفلا تتقون } والفرق بين الصورتين أن قبل نوح عليه السلام لم يظهر في العالم مثل تلك الواقعة العظيمة وهي الطوفان العظيم ، فلا جرم أخبر نوح عن تلك الواقعة فقال : { إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } وأما واقعة هود عليه السلام فقد كانت مسبوقة بواقعة نوح وكان عند الناس علم بتلك الواقعة قريبا ، فلا جرم اكتفى هود بقوله : { أفلا تتقون } والمعنى تعرفون أن قوم نوح لما لم يتقوا الله ولم يطيعوه نزل بهم ذلك العذاب الذي اشتهر خبره في الدنيا فكان قوله : { أفلا تتقون } إشارة إلى التخويف بتلك الواقعة المتقدمة المشهورة في الدنيا .

Dio V14/P125–V14/P126Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V14/P125–V14/P126)
Orijinal Metin (AR)

والفرق الثالث : قال تعالى في قصة نوح : { قال الملا من قومه } وقال في قصة هود : { قال الملا الذين كفروا من قومه } والفرق أنه كان في أشراف قوم هود من آمن به ، منهم مرثد بن سعد ، أسلم وكان يكتم إيمانه فأريدت التفرقة بالوصف ولم يكن في أشراف قوم نوح مؤمن . والفرق الرابع : أنه تعالى حكى عن قوم نوح أنهم قالوا : { إنا لنراك في ضلال مبين } وحكى عن قوم هود أنهم قالوا : { إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين } والفرق بين الصورتين أن نوحا عليه السلام كان يخوف الكفار بالطوفان العام وكان أيضا مشتغلا بإعداد السفينة وكان يحتاج إلى أن يتعب نفسه في إعداد السفينة ، فعند هذا ، القوم قالوا : { إنا لنراك في ضلال مبين } ( الأعراف : 60 ) ولم يظهر شيء من العلامات التي تدل على ظهور الماء في تلك المفازة . أما هود عليه السلام فما ذكر شيئا / إلا أنه زيف عبادة الأوثان ونسب من اشتغل بعبادتها إلى السفاهة وقلة العقل . فلما ذكر هود هذا الكلام في أسلافهم قابلوه بمثله ونسبوه إلى السفاهة ثم قالوا : { وإنا لنظنك من الكاذبين } في ادعاء الرسالة واختلفوا في تفسير هذا الظن فقال بعضهم : المراد منه القطع والجزم ، وورود الظن بهذا المعنى في القرآن كثير . قال تعالى : { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } ( البقرة : 46 ) وقال الحسن والزجاج : كان تكذيبهم إياه على الظن لا على اليقين فكفروا به ظانين لا متيقنين ، وهذا يدل على أن حصول الشك والتجويز في أصول الدين يوجب الكفر . والفرق الخامس : بين القصتين أن نوحا عليه السلام . قال : { أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون } ( الأعراف : 62 ) وأما هود عليه السلام فقال : { أبلغكم رسالات ربى وأنا لكم ناصح أمين } فنوح عليه السلام . قال : { أنصح لكم } وهو صيغة الفعل وهود عليه السلام قال : { وأنا لكم ناصح } وهو صيغة اسم الفاعل ونوح عليه السلام . قال : { وأعلم من الله ما لا تعلمون } وهود عليه السلام لم يقل ذلك ، ولكنه زاد فيه كونه أمينا ، والفرق بين الصورتين أن الشيخ عبد القاهر النحوي ذكر في كتاب دلائل الإعجاز أن صيغة الفعل تدل على التجدد ساعة فساعة ، وأما صيغة اسم الفاعل فإنها دالة على الثبات والاستمرار على ذلك الفعل .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

والفرق الثالث : قال تعالى في قصة نوح : { قال الملا من قومه } وقال في قصة هود : { قال الملا الذين كفروا من قومه } والفرق أنه كان في أشراف قوم هود من آمن به ، منهم مرثد بن سعد ، أسلم وكان يكتم إيمانه فأريدت التفرقة بالوصف ولم يكن في أشراف قوم نوح مؤمن . والفرق الرابع : أنه تعالى حكى عن قوم نوح أنهم قالوا : { إنا لنراك في ضلال مبين } وحكى عن قوم هود أنهم قالوا : { إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين } والفرق بين الصورتين أن نوحا عليه السلام كان يخوف الكفار بالطوفان العام وكان أيضا مشتغلا بإعداد السفينة وكان يحتاج إلى أن يتعب نفسه في إعداد السفينة ، فعند هذا ، القوم قالوا : { إنا لنراك في ضلال مبين } ( الأعراف : 60 ) ولم يظهر شيء من العلامات التي تدل على ظهور الماء في تلك المفازة . أما هود عليه السلام فما ذكر شيئا / إلا أنه زيف عبادة الأوثان ونسب من اشتغل بعبادتها إلى السفاهة وقلة العقل . فلما ذكر هود هذا الكلام في أسلافهم قابلوه بمثله ونسبوه إلى السفاهة ثم قالوا : { وإنا لنظنك من الكاذبين } في ادعاء الرسالة واختلفوا في تفسير هذا الظن فقال بعضهم : المراد منه القطع والجزم ، وورود الظن بهذا المعنى في القرآن كثير . قال تعالى : { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } ( البقرة : 46 ) وقال الحسن والزجاج : كان تكذيبهم إياه على الظن لا على اليقين فكفروا به ظانين لا متيقنين ، وهذا يدل على أن حصول الشك والتجويز في أصول الدين يوجب الكفر . والفرق الخامس : بين القصتين أن نوحا عليه السلام . قال : { أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون } ( الأعراف : 62 ) وأما هود عليه السلام فقال : { أبلغكم رسالات ربى وأنا لكم ناصح أمين } فنوح عليه السلام . قال : { أنصح لكم } وهو صيغة الفعل وهود عليه السلام قال : { وأنا لكم ناصح } وهو صيغة اسم الفاعل ونوح عليه السلام . قال : { وأعلم من الله ما لا تعلمون } وهود عليه السلام لم يقل ذلك ، ولكنه زاد فيه كونه أمينا ، والفرق بين الصورتين أن الشيخ عبد القاهر النحوي ذكر في كتاب دلائل الإعجاز أن صيغة الفعل تدل على التجدد ساعة فساعة ، وأما صيغة اسم الفاعل فإنها دالة على الثبات والاستمرار على ذلك الفعل .

Dio V14/P126–V14/P127Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V14/P126–V14/P127)
Orijinal Metin (AR)

وإذا ثبت هذا فنقول : إن القوم كانوا يبالغون في السفاحة على نوح عليه السلام ، ثم إنه في اليوم الثاني كان يعود إليهم ويدعوهم إلى الله ، وقد ذكر الله تعالى عنه ذلك فقال : { رب إنى دعوت قومى ليلا ونهارا } ( نوح : 5 ) فلما كان من عادة نوح عليه السلام العود إلى تجديد تلك الدعوة في كل يوم وفي كل ساعة لا جرم ذكره بصيغة الفعل ، فقال : { وأنصح لكم } وأما هود عليه السلام فقوله : { وأنا لما ناصح } يدل على كونه مثبتا في تلك النصيحة مستقرا فيها . أما ليس فيها إعلام بأنه سيعود إلى ذكرها حالا فحالا ويوما فيوما ، وأما الفرق الآخر في هذه الآية وهو أن نوحا عليه السلام قال : { وأعلم من الله ما لا تعلمون } وهودا وصف نفسه بكونه أمينا . فالفرق أن نوحا عليه السلام كان أعلى شأنا وأعظم منصبا في النبوة من هود ، فلم يبعد أن يقال : إن نوحا كان يعلم من أسرار حكم الله وحكمته ما لم يصل إليه هود ، فلهذا السبب أمسك هود لسانه عن ذكر تلك الكلمة ، واقتصر على أن وصف نفسه بكونه أمينا : ومقصود منه أمور : أحدها : الرد عليهم في قولهم : { وإنا لنظنك من الكاذبين } وثانيها : أن مدار أمر الرسالة والتبليغ عن الله على الأمانة فوصف نفسه بكونه أمينا تقريرا للرسالة والنبوة . وثالثها : كأنه قال لهم : كنت قبل هذه الدعوى أمينا فيكم ، ما وجدتم مني غدرا ولا مكرا ولا كذبا ، واعترفتم لي بكوني أمينا فكيف نسبتموني الآن إلى الكذب ؟ / واعلم أن الأمين هو الثقة ، وهو فعيل من أمن يأمن أمنا فهو آمن وأمين بمعنى واحد . واعلم أن القوم لما قالوا له : { إنا لنراك في سفاهة } فهو لم يقابل سفاهتهم بالسفاهة بل قابلها بالحلم والإغضاء ولم يزد على قوله : { ليس بى سفاهة } وذلك يدل على أن ترك الانتقام أولى كما قال : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ( الفرقان : 72 ) . أما قوله : { ولكني رسول من رب العالمين } فهو مدح للنفس بأعظم صفات المدح . وإنما فعل ذلك لأنه كان يجب عليه إعلام القوم بذلك ، وذلك يدل على أن مدح الإنسان نفسه إذا كان في موضع الضرورة جائز . والفرق السادس : بين القصتين أن نوحا عليه السلام قال : { عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون } ( الأعراف : 63 ) وفي قصة هود أعاد هذا الكلام بعينه إلا أنه حذف منه قوله : { ولتتقوا ولعلكم ترحمون } والسبب فيه أنه لما ظهر في القصة الأولى أن فائدة الإنذار هي حصول التقوى الموجبة للرحمة لم يكن إلى إعادته في هذه القصة حاجة ، وأما بعد هذه الكلمة فكله من خواص قصة هود عليه السلام وهو قوله تعالى حكاية عن هود عليه السلام : { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } ( الأعراف : 69 ) . واعلم أن الكلام في الخلفاء والخلائف والخليفة قد مضى في مواضع ، والمقصود منه أن تذكر النعم العظيمة يوجب الرغبة والمحبة وزوال النفرة والعداوة ، وقد ذكر هود عليه السلام ههنا نوعين من الأنعام : الأول : أنه تعالى جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح ، وذلك بأن أورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم وما يتصل بها من المنافع والمصالح . والثاني : قوله : { وزادكم فى الخلق بسطة } وفيه مباحث :

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وإذا ثبت هذا فنقول : إن القوم كانوا يبالغون في السفاحة على نوح عليه السلام ، ثم إنه في اليوم الثاني كان يعود إليهم ويدعوهم إلى الله ، وقد ذكر الله تعالى عنه ذلك فقال : { رب إنى دعوت قومى ليلا ونهارا } ( نوح : 5 ) فلما كان من عادة نوح عليه السلام العود إلى تجديد تلك الدعوة في كل يوم وفي كل ساعة لا جرم ذكره بصيغة الفعل ، فقال : { وأنصح لكم } وأما هود عليه السلام فقوله : { وأنا لما ناصح } يدل على كونه مثبتا في تلك النصيحة مستقرا فيها . أما ليس فيها إعلام بأنه سيعود إلى ذكرها حالا فحالا ويوما فيوما ، وأما الفرق الآخر في هذه الآية وهو أن نوحا عليه السلام قال : { وأعلم من الله ما لا تعلمون } وهودا وصف نفسه بكونه أمينا . فالفرق أن نوحا عليه السلام كان أعلى شأنا وأعظم منصبا في النبوة من هود ، فلم يبعد أن يقال : إن نوحا كان يعلم من أسرار حكم الله وحكمته ما لم يصل إليه هود ، فلهذا السبب أمسك هود لسانه عن ذكر تلك الكلمة ، واقتصر على أن وصف نفسه بكونه أمينا : ومقصود منه أمور : أحدها : الرد عليهم في قولهم : { وإنا لنظنك من الكاذبين } وثانيها : أن مدار أمر الرسالة والتبليغ عن الله على الأمانة فوصف نفسه بكونه أمينا تقريرا للرسالة والنبوة . وثالثها : كأنه قال لهم : كنت قبل هذه الدعوى أمينا فيكم ، ما وجدتم مني غدرا ولا مكرا ولا كذبا ، واعترفتم لي بكوني أمينا فكيف نسبتموني الآن إلى الكذب ؟ / واعلم أن الأمين هو الثقة ، وهو فعيل من أمن يأمن أمنا فهو آمن وأمين بمعنى واحد . واعلم أن القوم لما قالوا له : { إنا لنراك في سفاهة } فهو لم يقابل سفاهتهم بالسفاهة بل قابلها بالحلم والإغضاء ولم يزد على قوله : { ليس بى سفاهة } وذلك يدل على أن ترك الانتقام أولى كما قال : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } ( الفرقان : 72 ) . أما قوله : { ولكني رسول من رب العالمين } فهو مدح للنفس بأعظم صفات المدح . وإنما فعل ذلك لأنه كان يجب عليه إعلام القوم بذلك ، وذلك يدل على أن مدح الإنسان نفسه إذا كان في موضع الضرورة جائز . والفرق السادس : بين القصتين أن نوحا عليه السلام قال : { عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون } ( الأعراف : 63 ) وفي قصة هود أعاد هذا الكلام بعينه إلا أنه حذف منه قوله : { ولتتقوا ولعلكم ترحمون } والسبب فيه أنه لما ظهر في القصة الأولى أن فائدة الإنذار هي حصول التقوى الموجبة للرحمة لم يكن إلى إعادته في هذه القصة حاجة ، وأما بعد هذه الكلمة فكله من خواص قصة هود عليه السلام وهو قوله تعالى حكاية عن هود عليه السلام : { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } ( الأعراف : 69 ) . واعلم أن الكلام في الخلفاء والخلائف والخليفة قد مضى في مواضع ، والمقصود منه أن تذكر النعم العظيمة يوجب الرغبة والمحبة وزوال النفرة والعداوة ، وقد ذكر هود عليه السلام ههنا نوعين من الأنعام : الأول : أنه تعالى جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح ، وذلك بأن أورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم وما يتصل بها من المنافع والمصالح . والثاني : قوله : { وزادكم فى الخلق بسطة } وفيه مباحث :

%0
10 Dio

Pitanja