Qur'an&Sunnahالقرآن

Fahruddin er-Razi - Mefatihul-gajb (Veliki tefsir)

Fahruddin Muhammed ibn Omer er-Razi · AR

Dio V14/P149–V14/P150Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V14/P149–V14/P150)
Orijinal Metin (AR)

! 7 < { ولو أن أهل القرىءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السمآء والا رض ولاكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نآئمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } . > 7 < الأعراف : ( 96 - 99 ) ولو أن أهل . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى إن الذين عصوا وتمردوا أخذهم الله بغتة ، بين في هذه الآية أنهم لو أطاعوا لفتح الله عليهم أبواب الخيرات فقال : { ولو أن أهل القرىءامنوا } أي آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر { واتقوا } ما نهى الله عنه وحرمه { لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض } بركات السماء بالمطر ، وبركات الأرض بالنبات والثمار ، وكثرة المواشي والأنعام ، وحصول الأمن والسلامة ، وذلك لأن السماء تجري مجرى الأب ، والأرض تجري مجرى الأم ، ومنها يحصل جميع المنافع والخيرات بخلق الله تعالى وتدبيره . وقوله : { ولاكن كذبوا } يعني الرسل { فأخذناهم } بالجدوبة والقحط { بما كانوا يكسبون } من الكفر والمعصية . ثم إنه تعالى أعاد التهديد بعذاب الاستئصال فقال : { أفأمن أهل القرى } وهو استفهام بمعنى الإنكار عليهم ، والمقصود أنه تعالى خوفهم بنزول ذلك العذاب عليهم في الوقت الذي يكونون فيه في غاية الغفلة ، وهو حال النوم بالليل ، وحال الضحى بالنهار ؛ لأنه الوقت الذي يغلب على المرء التشاغل باللذات فيه . وقوله : { وهم يلعبون } يحتمل التشاغل بأمور الدنيا ، فهي لعب ولهو ، ويحتمل خوضهم في كفرهم ، لأن ذلك كاللعب في أنه لا يضر ولا ينفع . قرأ أكثر القراء { أو أمن } بفتح الواو ، وهو حرف العطف دخلت عليه همزة الاستفهام ، كما دخل في قوله : { أثم إذا ما وقع } ( يونس : 51 ) وقوله : { أو كلما عاهدوا } ( البقرة : 100 ) وهذه القراءة أشبه بما قبله وبعده ، لأن قبله { أفأمن أهل القرى } وما بعده { أفأمنوا مكر الله } ( الأعراف : 99 ) { أو لم يهد للذين يرثون الارض } ( الأعراف : 100 ) وقرأ ابن عامر { أو أمن } ساكنة الواو ، واستعمل على ضربين : أحدهما : أن تكون بمعنى أحد الشيئين ، كقوله : زيد أو عمرو جاء ، والمعنى أحدهما جاء . والضرب الثاني : أن تكون للاضراب عما قبلها ، كقولك : أنا أخرج أو أقيم ، أضربت عن الخروج ، وأثبت الإقامة ، كأنك قلت : لا بل أقيم . فوجه هذه القراءة أنه جعل ( أو ) للاضراب لا على أنه أبطل الأول ، وهو { الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون } ( السجدة : 1 ، 2 ) فكان / المعنى من هذه الآية استواء هذه الضروب من العذاب ، وإن شئت جعلت ( أو ) ههنا التي لأحد الشيئين ، ويكون المعنى : أفأمنوا إحدى هذه العقوبات ، وقوله : { ضحى } الضحى صدر النهار ، وأصله الظهور من قولهم : ضحا للشمس إذا ظهر لها .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

! 7 < { ولو أن أهل القرىءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السمآء والا رض ولاكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نآئمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون } . > 7 < الأعراف : ( 96 - 99 ) ولو أن أهل . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى إن الذين عصوا وتمردوا أخذهم الله بغتة ، بين في هذه الآية أنهم لو أطاعوا لفتح الله عليهم أبواب الخيرات فقال : { ولو أن أهل القرىءامنوا } أي آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر { واتقوا } ما نهى الله عنه وحرمه { لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض } بركات السماء بالمطر ، وبركات الأرض بالنبات والثمار ، وكثرة المواشي والأنعام ، وحصول الأمن والسلامة ، وذلك لأن السماء تجري مجرى الأب ، والأرض تجري مجرى الأم ، ومنها يحصل جميع المنافع والخيرات بخلق الله تعالى وتدبيره . وقوله : { ولاكن كذبوا } يعني الرسل { فأخذناهم } بالجدوبة والقحط { بما كانوا يكسبون } من الكفر والمعصية . ثم إنه تعالى أعاد التهديد بعذاب الاستئصال فقال : { أفأمن أهل القرى } وهو استفهام بمعنى الإنكار عليهم ، والمقصود أنه تعالى خوفهم بنزول ذلك العذاب عليهم في الوقت الذي يكونون فيه في غاية الغفلة ، وهو حال النوم بالليل ، وحال الضحى بالنهار ؛ لأنه الوقت الذي يغلب على المرء التشاغل باللذات فيه . وقوله : { وهم يلعبون } يحتمل التشاغل بأمور الدنيا ، فهي لعب ولهو ، ويحتمل خوضهم في كفرهم ، لأن ذلك كاللعب في أنه لا يضر ولا ينفع . قرأ أكثر القراء { أو أمن } بفتح الواو ، وهو حرف العطف دخلت عليه همزة الاستفهام ، كما دخل في قوله : { أثم إذا ما وقع } ( يونس : 51 ) وقوله : { أو كلما عاهدوا } ( البقرة : 100 ) وهذه القراءة أشبه بما قبله وبعده ، لأن قبله { أفأمن أهل القرى } وما بعده { أفأمنوا مكر الله } ( الأعراف : 99 ) { أو لم يهد للذين يرثون الارض } ( الأعراف : 100 ) وقرأ ابن عامر { أو أمن } ساكنة الواو ، واستعمل على ضربين : أحدهما : أن تكون بمعنى أحد الشيئين ، كقوله : زيد أو عمرو جاء ، والمعنى أحدهما جاء . والضرب الثاني : أن تكون للاضراب عما قبلها ، كقولك : أنا أخرج أو أقيم ، أضربت عن الخروج ، وأثبت الإقامة ، كأنك قلت : لا بل أقيم . فوجه هذه القراءة أنه جعل ( أو ) للاضراب لا على أنه أبطل الأول ، وهو { الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون } ( السجدة : 1 ، 2 ) فكان / المعنى من هذه الآية استواء هذه الضروب من العذاب ، وإن شئت جعلت ( أو ) ههنا التي لأحد الشيئين ، ويكون المعنى : أفأمنوا إحدى هذه العقوبات ، وقوله : { ضحى } الضحى صدر النهار ، وأصله الظهور من قولهم : ضحا للشمس إذا ظهر لها .

Dio V14/P150–V14/P152Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V14/P150–V14/P152)
Orijinal Metin (AR)

ثم قال تعالى : { أفأمنوا مكر الله } وقد سبق تفسير المكر في اللغة ، ومعنى المكر في حق الله تعالى في سورة آل عمران عند قوله : { ومكروا ومكر الله } ( آل عمران : 54 ) ويدل قوله : { أفأمنوا مكر الله } أن المراد أن يأتيهم عذابه من حيث لا يشعرون . قاله على وجه التحذير ، وسمي هذا العذاب مكرا توسعا / لأن الواحد منا إذا أراد المكر بصاحبه ، فإنه يوقعه في البلاء من حيث لا يشعر به ، فسمي العذاب مكرا لنزوله بهم من حيث لا يشعرون ، وبين أنه لا يأمن من نزول عذاب الله على هذا الوجه { إلا القوم الخاسرون } وهم الذين لغفلتهم وجهلهم لا يعرفون ربهم ، فلا يخافونه ، ومن هذه سبيله ، فهو أخسر الخاسرين في الدنيا والآخرة ، لأنه أوقع نفسه في الدنيا في الضرر ، وفي الآخرة في أشد العذاب . ! 7 < { أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلهآ أن لو نشآء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون } . > 7 ! < < الأعراف : ( 100 ) أولم يهد للذين . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين فيما تقدم من الآيات حال الكفار الذين أهلكهم الله بالاستئصال مجملا ومفصلا أتبعه ببيان أن الغرض من ذكر هذه القصص حصول العبرة لجميع المكلفين في مصالح أديانهم وطاعاتهم ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلف القراء فقرأ بعضهم { أولم يهد } بالياء المعجمة من تحتها ، وبعضهم بالنون ، قال الزجاج : إذا قرىء بالياء المعجمة من تحت كان قوله : { أن لو نشاء } مرفوعا بأنه فاعله / بمعنى أو لم يهد للذين يخلفون أولئك المتقدمين ويرثون أرضهم وديارهم ، وهذا الشأن وهو أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم وأهلكنا الوارثين كما أهلكنا المورثين ، إذا قرىء بالنون فهو منصوب ، كأنه قيل . أولم نهد للوارثين هذا الشأن . بمعنى أو لم نبين لهم أن قريشا أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم ؟ المسألة الثانية : المعنى أو لم نبين للذين نبعثهم في الأرض بعد إهلاكنا من كان قبلهم فيها فنهلكهم بعدهم ؟ وهو معنى لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ، أي عقاب ذنوبهم ، وقوله : { ونطبع على قلوبهم } أي إن لم نهلكهم بالعقاب نطبع على قلوبهم { فهم لا يسمعون } أي لا يقبلون ، ولا يتعظون ، ولا ينزجرون . وإنما قلنا : إن المراد إما الإهلاك . وإما الطبع على القلب ، لأن الإهلاك لا يجتمع مع الطبع على القلب ، فإنه إذا أهلكه يستحيل أن يطبع على قلبه . المسألة الثالثة : استدل أصحابنا على أنه تعالى قد يمنع العبد عن الإيمان بقوله : { ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون } والطبع والختم والرين والكنان والغشاوة والصد والمنع واحد على ما قررناه في آيات كثيرة . قال الجبائي : المراد من هذا الطبع أنه تعالى يسم قلوب الكفار بسمات وعلامات تعرف الملائكة بها أن أصحابها لا يؤمنون ، وتلك العلامة غير مانعة من الإيمان . وقال الكعبي : إنما أضاف الطبع إلى نفسه لأجل أن القوم إنما صاروا إلى ذلك الكفر عند أمره وامتحانه فهو كقوله تعالى : { فلم يزدهم دعائى إلا فرارا } ( نوح : 6 ) . واعلم أن البحث عن حقيقة الطبع والختم قد مر مرارا كثيرة فلا فائدة في الإعادة . المسألة الرابعة : قوله : { ونطبع } هل هو منقطع عما قبله أو معطوف على ما قبله . فيه قولان :

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ثم قال تعالى : { أفأمنوا مكر الله } وقد سبق تفسير المكر في اللغة ، ومعنى المكر في حق الله تعالى في سورة آل عمران عند قوله : { ومكروا ومكر الله } ( آل عمران : 54 ) ويدل قوله : { أفأمنوا مكر الله } أن المراد أن يأتيهم عذابه من حيث لا يشعرون . قاله على وجه التحذير ، وسمي هذا العذاب مكرا توسعا / لأن الواحد منا إذا أراد المكر بصاحبه ، فإنه يوقعه في البلاء من حيث لا يشعر به ، فسمي العذاب مكرا لنزوله بهم من حيث لا يشعرون ، وبين أنه لا يأمن من نزول عذاب الله على هذا الوجه { إلا القوم الخاسرون } وهم الذين لغفلتهم وجهلهم لا يعرفون ربهم ، فلا يخافونه ، ومن هذه سبيله ، فهو أخسر الخاسرين في الدنيا والآخرة ، لأنه أوقع نفسه في الدنيا في الضرر ، وفي الآخرة في أشد العذاب . ! 7 < { أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلهآ أن لو نشآء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون } . > 7 ! < < الأعراف : ( 100 ) أولم يهد للذين . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين فيما تقدم من الآيات حال الكفار الذين أهلكهم الله بالاستئصال مجملا ومفصلا أتبعه ببيان أن الغرض من ذكر هذه القصص حصول العبرة لجميع المكلفين في مصالح أديانهم وطاعاتهم ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلف القراء فقرأ بعضهم { أولم يهد } بالياء المعجمة من تحتها ، وبعضهم بالنون ، قال الزجاج : إذا قرىء بالياء المعجمة من تحت كان قوله : { أن لو نشاء } مرفوعا بأنه فاعله / بمعنى أو لم يهد للذين يخلفون أولئك المتقدمين ويرثون أرضهم وديارهم ، وهذا الشأن وهو أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم وأهلكنا الوارثين كما أهلكنا المورثين ، إذا قرىء بالنون فهو منصوب ، كأنه قيل . أولم نهد للوارثين هذا الشأن . بمعنى أو لم نبين لهم أن قريشا أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم ؟ المسألة الثانية : المعنى أو لم نبين للذين نبعثهم في الأرض بعد إهلاكنا من كان قبلهم فيها فنهلكهم بعدهم ؟ وهو معنى لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ، أي عقاب ذنوبهم ، وقوله : { ونطبع على قلوبهم } أي إن لم نهلكهم بالعقاب نطبع على قلوبهم { فهم لا يسمعون } أي لا يقبلون ، ولا يتعظون ، ولا ينزجرون . وإنما قلنا : إن المراد إما الإهلاك . وإما الطبع على القلب ، لأن الإهلاك لا يجتمع مع الطبع على القلب ، فإنه إذا أهلكه يستحيل أن يطبع على قلبه . المسألة الثالثة : استدل أصحابنا على أنه تعالى قد يمنع العبد عن الإيمان بقوله : { ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون } والطبع والختم والرين والكنان والغشاوة والصد والمنع واحد على ما قررناه في آيات كثيرة . قال الجبائي : المراد من هذا الطبع أنه تعالى يسم قلوب الكفار بسمات وعلامات تعرف الملائكة بها أن أصحابها لا يؤمنون ، وتلك العلامة غير مانعة من الإيمان . وقال الكعبي : إنما أضاف الطبع إلى نفسه لأجل أن القوم إنما صاروا إلى ذلك الكفر عند أمره وامتحانه فهو كقوله تعالى : { فلم يزدهم دعائى إلا فرارا } ( نوح : 6 ) . واعلم أن البحث عن حقيقة الطبع والختم قد مر مرارا كثيرة فلا فائدة في الإعادة . المسألة الرابعة : قوله : { ونطبع } هل هو منقطع عما قبله أو معطوف على ما قبله . فيه قولان :

Dio V14/P152Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V14/P152)
Orijinal Metin (AR)

القول الأول : أنه منقطع عن الذي قبله ، لأن قوله : { أصبنا } ماض وقوله : { بذنوبهم ونطبع } مستقبل وهذا العطف ليس بمستحسن ، بل هو منقطع عما قبله ، والتقدير : ونحن نطبع على قلوبهم . والقول الثاني : أنه معطوف على ما قبله . قال صاحب ( الكشاف ) : هو معطوف على ما دل عليه معنى { أو لم يهد } كأنه قيل يغفلون عن الهداية ، ونطبع على قلوبهم أو معطوف على قوله : { يرثون الارض } ثم قال : ولا يجوز أن يكون معطوفا على { أصبناهم } لأنهم كانوا كفارا وكل كافر فهو مطبوع على قلبه ، فقوله بعد ذلك : { ونطبع على قلوبهم } يجري مجرى تحصيل الحاصل . وهو محال ، هذا تقرير قول صاحب ( الكشاف ) على أقوى الوجوه وهو ضعيف ، لأن كونه مطبوعا عليه إنما يحصل حال استمراره وثباته عليه ، فهو يكفر أولا ، ثم يصير مطبوعا عليه في الكفر ، فلم يكن هذا منافيا لصحة العطف . / ثم قال تعالى : { تلك القرى نقص عليك من أنبائها } < < الأعراف : ( 101 ) تلك القرى نقص . . . . . > > قوله : { تلك } مبتدأ { والقرى } صفة و { نحن نقص عليك } خبر / والمراد بتلك القرى قرى الأقوام الخمسة الذين وصفهم فيما سبق ، وهم : قوم نوح ، وهود ، وصالح ، ولوط ، وشعيب ، نقص عليك من أخبارها كيف أهلكت . وأما أخبار غير هؤلاء الأقوام ، فلم نقصها عليك ، وإنما خص الله أنباء هذه القرى لأنهم اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النعم فتوهموا أنهم على الحق ، فذكرها الله تعالى تنبيها لقوم محمد عليه الصلاة والسلام عن الاحتراز من مثل تلك الأعمال . ثم عزاه الله تعالى بقوله : { ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات } يريد الأنبياء الذين أرسلوا إليهم وقوله : { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } فيه قولان : الأول : قال ابن عباس والسدي : فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا به يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم ، فآمنوا كرها ، وأقروا باللسان وأضمروا التكذيب . الثاني : قال الزجاج : { فما كانوا ليؤمنوا } بعد رؤية المعجزات بما كذبوا به قبل رؤية تلك المعجزات . الثالث : ما كانوا لو أحييناهم بعد إهلاكهم ورددناهم إلى دار التكليف ليؤمنواب ما كذبوا به من قبل إهلاكهم ، ونظيره قوله : { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } ( الإنعام : 28 ) الرابع : قبل مجيء الرسول كانوا مصرين على الكفر ، فهؤلاء ما كانوا ليؤمنوا بعد مجيء الرسل أيضا . الخامس : ليؤمنوا في الزمان المستقبل . ثم إنه تعالى بين السبب في عدم هذا القبول فقال : { كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين } قال الزجاج : والكاف في { كذالك } نصب ، والمعنى : مثل ذلك الذي طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية ، يطبع على قلوب الكافرين الذين كتب الله عليهم أن لا يؤمنوا أبدا . والله أعلم بحقائق الأمور . ! 7 < { وما وجدنا لاكثرهم من عهد وإن وجدنآ أكثرهم لفاسقين } . > 7 ! < < الأعراف : ( 102 ) وما وجدنا لأكثرهم . . . . .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

القول الأول : أنه منقطع عن الذي قبله ، لأن قوله : { أصبنا } ماض وقوله : { بذنوبهم ونطبع } مستقبل وهذا العطف ليس بمستحسن ، بل هو منقطع عما قبله ، والتقدير : ونحن نطبع على قلوبهم . والقول الثاني : أنه معطوف على ما قبله . قال صاحب ( الكشاف ) : هو معطوف على ما دل عليه معنى { أو لم يهد } كأنه قيل يغفلون عن الهداية ، ونطبع على قلوبهم أو معطوف على قوله : { يرثون الارض } ثم قال : ولا يجوز أن يكون معطوفا على { أصبناهم } لأنهم كانوا كفارا وكل كافر فهو مطبوع على قلبه ، فقوله بعد ذلك : { ونطبع على قلوبهم } يجري مجرى تحصيل الحاصل . وهو محال ، هذا تقرير قول صاحب ( الكشاف ) على أقوى الوجوه وهو ضعيف ، لأن كونه مطبوعا عليه إنما يحصل حال استمراره وثباته عليه ، فهو يكفر أولا ، ثم يصير مطبوعا عليه في الكفر ، فلم يكن هذا منافيا لصحة العطف . / ثم قال تعالى : { تلك القرى نقص عليك من أنبائها } < < الأعراف : ( 101 ) تلك القرى نقص . . . . . > > قوله : { تلك } مبتدأ { والقرى } صفة و { نحن نقص عليك } خبر / والمراد بتلك القرى قرى الأقوام الخمسة الذين وصفهم فيما سبق ، وهم : قوم نوح ، وهود ، وصالح ، ولوط ، وشعيب ، نقص عليك من أخبارها كيف أهلكت . وأما أخبار غير هؤلاء الأقوام ، فلم نقصها عليك ، وإنما خص الله أنباء هذه القرى لأنهم اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النعم فتوهموا أنهم على الحق ، فذكرها الله تعالى تنبيها لقوم محمد عليه الصلاة والسلام عن الاحتراز من مثل تلك الأعمال . ثم عزاه الله تعالى بقوله : { ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات } يريد الأنبياء الذين أرسلوا إليهم وقوله : { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل } فيه قولان : الأول : قال ابن عباس والسدي : فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا به يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم ، فآمنوا كرها ، وأقروا باللسان وأضمروا التكذيب . الثاني : قال الزجاج : { فما كانوا ليؤمنوا } بعد رؤية المعجزات بما كذبوا به قبل رؤية تلك المعجزات . الثالث : ما كانوا لو أحييناهم بعد إهلاكهم ورددناهم إلى دار التكليف ليؤمنواب ما كذبوا به من قبل إهلاكهم ، ونظيره قوله : { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } ( الإنعام : 28 ) الرابع : قبل مجيء الرسول كانوا مصرين على الكفر ، فهؤلاء ما كانوا ليؤمنوا بعد مجيء الرسل أيضا . الخامس : ليؤمنوا في الزمان المستقبل . ثم إنه تعالى بين السبب في عدم هذا القبول فقال : { كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين } قال الزجاج : والكاف في { كذالك } نصب ، والمعنى : مثل ذلك الذي طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية ، يطبع على قلوب الكافرين الذين كتب الله عليهم أن لا يؤمنوا أبدا . والله أعلم بحقائق الأمور . ! 7 < { وما وجدنا لاكثرهم من عهد وإن وجدنآ أكثرهم لفاسقين } . > 7 ! < < الأعراف : ( 102 ) وما وجدنا لأكثرهم . . . . .

Dio V14/P152–V14/P154Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V14/P152–V14/P154)
Orijinal Metin (AR)

> > فيه أقوال : الأول : قال ابن عباس : يريد الوفاء بالعهد الذي عاهدهم الله وهم في صلب آدم ، حيث قال : { ألست بربكم قالوا بلى } ( الأعراف : 172 ) فلما أخذ الله منهم هذا العهد وأقروا به ، ثم خالفوا ذلك ، صار كأنه ما كان لهم عهد ، فلهذا قال : { وما وجدنا لاكثرهم من عهد } والثاني : قال ابن مسعود : العهد هنا الإيمان ، والدليل عليه قوله تعالى : { إلا من اتخذ عند الرحمان عهدا } ( مريم : 87 ) يعني آمن وقال لا إله إلا الله والثالث : أن العهد عبارة عن وضع الأدلة الدالة على صحة التوحيد والنبوة ، وعلى هذا التقدير فالمراد / ما وجدنا لأكثرهم من الوفاء بالعهد . ثم قال : { وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين } أي وإن الشأن والحديث وجدنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة ، صارفين عن الدين . ! 7 < { ثم بعثنا من بعدهم موسى بأاياتنآ إلى فرعون وملإيه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } . > 7 ! < < الأعراف : ( 103 ) ثم بعثنا من . . . . . > > اعلم أن هذا هو القصة السادسة من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة ، وذكر في هذه القصة من الشرح والتفصيل ما لم يذكر في سائر القصص ، لأجل أن معجزات موسى كانت أقوى من معجزات سائر الأنبياء ، وجهل قومه كان أعظم وأفحش من جهل سائر الأقوام . واعلم أن الكناية في قوله : { من بعدهم } يجوز أن تعود إلى الأنبياء الذين جرى ذكرهم ، ويجوز أن تعود إلى الأمم الذين تقدم ذكرهم بإهلاكهم وقوله : { بئاياتنا } فيه مباحث . البحث الأول : هذه الآية تدل على أن النبي لا بد له من آية ومعجزة بها يمتاز عن غيره ، إذ لو لم يكن مختصا بهذه الآية لم يكن قبول قوله أولى من قبول قول غيره . والبحث الثاني : هذه الآية تدل على أنه تعالى آتاه آيات كثيرة ، ومعجزات كثيرة . والبحث الثالث : قال ابن عباس رضي الله عنهما : أول آياته العصا ثم اليد ، ضرب بالعصا باب فرعون ، ففزع منها فشاب رأسه ، فاستحيا فخضب بالسواد ، فهو أول من خضب . قال : وآخر الآيات الطمس . قال : وللعصا فوائد كثيرة منها ما هو مذكور في القرآن كقوله : { قال هى عصاى أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمى ولى فيها مأرب } ( طه : 18 ) وذكر الله من تلك المآرب في القرآن قوله : { اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا } ( البقرة : 60 ) وذكر ابن عباس أشياء أخرى منها : أنه كان يضرب الأرض بها فتنبت ، ومنها : أنه كانت تحارب اللصوص والسباع التي كانت تقصد غنمه ، ومنها : أنها كانت تشتعل في الليل كاشتعال الشمعة ، ومنها : أنها كانت تصير كالحبل الطويل فينزح به الماء من البئر العميقة . واعلم أن الفوائد المذكورة في القرآن معلومة ، فأما الأمور التي هي غير مذكورة في القرآن / فكل ما ورد به خبر صحيح فهو مقبول . وما لا فلا ، وقوله أنه كان يضرب بها الأرض فتخرج النبات ضعيف ، لأن القرآن يدل على أن موسى عليه السلام ، كان يفزع إلى العصا في الماء الخارج من الحجر ، وما كان يفزع إليها في طلب الطعام . أما قوله : { فظلموا بها } أي فظلموا بالآيات التي جاءتهم ، لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه . فلما كانت تلك الآيات قاهرة ظاهرة ، ثم إنهم كفروا بها فوضعوا الإنكار في موضع الإقرار والكفر في موضع الإيمان ، كان ذلك ظلما منهم على تلك الآيات .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> > فيه أقوال : الأول : قال ابن عباس : يريد الوفاء بالعهد الذي عاهدهم الله وهم في صلب آدم ، حيث قال : { ألست بربكم قالوا بلى } ( الأعراف : 172 ) فلما أخذ الله منهم هذا العهد وأقروا به ، ثم خالفوا ذلك ، صار كأنه ما كان لهم عهد ، فلهذا قال : { وما وجدنا لاكثرهم من عهد } والثاني : قال ابن مسعود : العهد هنا الإيمان ، والدليل عليه قوله تعالى : { إلا من اتخذ عند الرحمان عهدا } ( مريم : 87 ) يعني آمن وقال لا إله إلا الله والثالث : أن العهد عبارة عن وضع الأدلة الدالة على صحة التوحيد والنبوة ، وعلى هذا التقدير فالمراد / ما وجدنا لأكثرهم من الوفاء بالعهد . ثم قال : { وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين } أي وإن الشأن والحديث وجدنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة ، صارفين عن الدين . ! 7 < { ثم بعثنا من بعدهم موسى بأاياتنآ إلى فرعون وملإيه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } . > 7 ! < < الأعراف : ( 103 ) ثم بعثنا من . . . . . > > اعلم أن هذا هو القصة السادسة من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة ، وذكر في هذه القصة من الشرح والتفصيل ما لم يذكر في سائر القصص ، لأجل أن معجزات موسى كانت أقوى من معجزات سائر الأنبياء ، وجهل قومه كان أعظم وأفحش من جهل سائر الأقوام . واعلم أن الكناية في قوله : { من بعدهم } يجوز أن تعود إلى الأنبياء الذين جرى ذكرهم ، ويجوز أن تعود إلى الأمم الذين تقدم ذكرهم بإهلاكهم وقوله : { بئاياتنا } فيه مباحث . البحث الأول : هذه الآية تدل على أن النبي لا بد له من آية ومعجزة بها يمتاز عن غيره ، إذ لو لم يكن مختصا بهذه الآية لم يكن قبول قوله أولى من قبول قول غيره . والبحث الثاني : هذه الآية تدل على أنه تعالى آتاه آيات كثيرة ، ومعجزات كثيرة . والبحث الثالث : قال ابن عباس رضي الله عنهما : أول آياته العصا ثم اليد ، ضرب بالعصا باب فرعون ، ففزع منها فشاب رأسه ، فاستحيا فخضب بالسواد ، فهو أول من خضب . قال : وآخر الآيات الطمس . قال : وللعصا فوائد كثيرة منها ما هو مذكور في القرآن كقوله : { قال هى عصاى أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمى ولى فيها مأرب } ( طه : 18 ) وذكر الله من تلك المآرب في القرآن قوله : { اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا } ( البقرة : 60 ) وذكر ابن عباس أشياء أخرى منها : أنه كان يضرب الأرض بها فتنبت ، ومنها : أنه كانت تحارب اللصوص والسباع التي كانت تقصد غنمه ، ومنها : أنها كانت تشتعل في الليل كاشتعال الشمعة ، ومنها : أنها كانت تصير كالحبل الطويل فينزح به الماء من البئر العميقة . واعلم أن الفوائد المذكورة في القرآن معلومة ، فأما الأمور التي هي غير مذكورة في القرآن / فكل ما ورد به خبر صحيح فهو مقبول . وما لا فلا ، وقوله أنه كان يضرب بها الأرض فتخرج النبات ضعيف ، لأن القرآن يدل على أن موسى عليه السلام ، كان يفزع إلى العصا في الماء الخارج من الحجر ، وما كان يفزع إليها في طلب الطعام . أما قوله : { فظلموا بها } أي فظلموا بالآيات التي جاءتهم ، لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه . فلما كانت تلك الآيات قاهرة ظاهرة ، ثم إنهم كفروا بها فوضعوا الإنكار في موضع الإقرار والكفر في موضع الإيمان ، كان ذلك ظلما منهم على تلك الآيات .

Dio V14/P154–V14/P155Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V14/P154–V14/P155)
Orijinal Metin (AR)

ثم قال : { فانظر } أي بعين عقلك { كيف كان عاقبة المفسدين } وكيف فعلنا بهم . ! 7 < { وقال موسى يافرعون إنى رسول من رب العالمين حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معى بنىإسراءيل قال إن كنت جئت بأاية فأت بهآ إن كنت من الصادقين } . > 7 < الأعراف : ( 104 - 106 ) وقال موسى يا . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه كان يقال لملوك مصر : الفراعنة ، كما يقال لملوك فارس : الأكاسرة ، فكأنه قال : يا ملك مصر ، وكان اسمه قايوس ، وقيل : الوليد بن مصعب بن الريان . المسألة الثانية : قوله : { إنى رسول من رب العالمين } فيه إشارة إلى ما يدل على وجود الإله تعالى . فإن قوله : { رب العالمين } يدل على أن العالم موصوف بصفات لأجلها افتقر إلى رب يربيه ، وإله يوجده ويخلقه . ثم قال : { حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق } والمعنى أن الرسول لا يقول إلا الحق ، فصار نظم الكلام . كأنه قال : أنا رسول الله ، ورسول الله لا يقول إلا الحق ، ينتج أني لا أقول إلا الحق ، ولما كانت المقدمة الأولى خفية ، وكانت المقدمة الثانية جلية ظاهرة ، ذكر ما يدل على صحة المقدمة الأولى ، وهو قوله : { قد جئتكم ببينة من ربكم } وهي المعجزة الظاهرة القاهرة . ولما قرر رسالة نفسه فرع عليه تبليغ الحكم ، وهو قوله : { فأرسل معى بنى إسراءيل } ولما سمع فرعون هذا / الكلام قال : { قال إن كنت جئت بئاية فأت بها إن كنت من } واعلم أن دليل موسى عليه السلام كان مبنيا على مقدمات : إحداها : أن لهذا العالم إلها قادرا عالما حكيما . والثانية : أنه أرسله إليهم بدليل أنه أظهر المعجز على وفق دعواه ، ومتى كان الأمر كذلك ، وجب أن يكون رسولا حقا . والثالثة : أنه متى كان الأمر كذلك كان كل ما يبلغه من الله إليهم ، فهو حق وصدق . ثم إن فرعون ما نازعه في شيء من هذه المقدمات إلا في طلب المعجزة ، وهذا يوهم أنه كان مساعدا على صحة سائر المقدمات ، وقد ذكرنا في سورة طه أن العلماء اختلفوا في أن فرعون هل كان عارفا بربه أم لا ؟ ولمجيب أن يجيب ، فيقول : إن ظهور المعجزة يدل أولا على وجود الإله القادر المختار ، وثانيا : على أن الإله جعله قائما مقام تصديق ذلك الرسول ، فلعل فرعون كان جاهلا بوجود الإله القادر المختار ، وطلب منه إظهار تلك البينة حتى أنه إن أظهرها وأتى بها كان ذلك دليلا على وجود الإله أولا ، وعلى صحة نبوته ثانيا ، وعلى هذا التقدير : لا يلزم من اقتصار فرعون على طلب البينة ، كونه مقرا بوجود الإله الفاعل المختار . المسألة الثالثة : قرأ نافع { حقيق على } مشدد الياء والباقون بسكون الياء والتخفيف . أما قراءة نافع { فحقيق } يجوز أن يكون بمعنى فاعل . قال الليث : حق الشيء معناه وجب ، ويحق عليك أن تفعل كذا ، وحقيق علي أن أفعله ، بمعنى فاعل . والمعنى : واجب علي ترك القول على الله إلا بالحق ، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول ، وضع فعيل في موضع مفعول . تقول العرب : حق علي أن أفعل كذا وإني لمحقوق على أن أفعل خيرا ، أي حق علي ذلك بمعنى استحق .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ثم قال : { فانظر } أي بعين عقلك { كيف كان عاقبة المفسدين } وكيف فعلنا بهم . ! 7 < { وقال موسى يافرعون إنى رسول من رب العالمين حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معى بنىإسراءيل قال إن كنت جئت بأاية فأت بهآ إن كنت من الصادقين } . > 7 < الأعراف : ( 104 - 106 ) وقال موسى يا . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه كان يقال لملوك مصر : الفراعنة ، كما يقال لملوك فارس : الأكاسرة ، فكأنه قال : يا ملك مصر ، وكان اسمه قايوس ، وقيل : الوليد بن مصعب بن الريان . المسألة الثانية : قوله : { إنى رسول من رب العالمين } فيه إشارة إلى ما يدل على وجود الإله تعالى . فإن قوله : { رب العالمين } يدل على أن العالم موصوف بصفات لأجلها افتقر إلى رب يربيه ، وإله يوجده ويخلقه . ثم قال : { حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق } والمعنى أن الرسول لا يقول إلا الحق ، فصار نظم الكلام . كأنه قال : أنا رسول الله ، ورسول الله لا يقول إلا الحق ، ينتج أني لا أقول إلا الحق ، ولما كانت المقدمة الأولى خفية ، وكانت المقدمة الثانية جلية ظاهرة ، ذكر ما يدل على صحة المقدمة الأولى ، وهو قوله : { قد جئتكم ببينة من ربكم } وهي المعجزة الظاهرة القاهرة . ولما قرر رسالة نفسه فرع عليه تبليغ الحكم ، وهو قوله : { فأرسل معى بنى إسراءيل } ولما سمع فرعون هذا / الكلام قال : { قال إن كنت جئت بئاية فأت بها إن كنت من } واعلم أن دليل موسى عليه السلام كان مبنيا على مقدمات : إحداها : أن لهذا العالم إلها قادرا عالما حكيما . والثانية : أنه أرسله إليهم بدليل أنه أظهر المعجز على وفق دعواه ، ومتى كان الأمر كذلك ، وجب أن يكون رسولا حقا . والثالثة : أنه متى كان الأمر كذلك كان كل ما يبلغه من الله إليهم ، فهو حق وصدق . ثم إن فرعون ما نازعه في شيء من هذه المقدمات إلا في طلب المعجزة ، وهذا يوهم أنه كان مساعدا على صحة سائر المقدمات ، وقد ذكرنا في سورة طه أن العلماء اختلفوا في أن فرعون هل كان عارفا بربه أم لا ؟ ولمجيب أن يجيب ، فيقول : إن ظهور المعجزة يدل أولا على وجود الإله القادر المختار ، وثانيا : على أن الإله جعله قائما مقام تصديق ذلك الرسول ، فلعل فرعون كان جاهلا بوجود الإله القادر المختار ، وطلب منه إظهار تلك البينة حتى أنه إن أظهرها وأتى بها كان ذلك دليلا على وجود الإله أولا ، وعلى صحة نبوته ثانيا ، وعلى هذا التقدير : لا يلزم من اقتصار فرعون على طلب البينة ، كونه مقرا بوجود الإله الفاعل المختار . المسألة الثالثة : قرأ نافع { حقيق على } مشدد الياء والباقون بسكون الياء والتخفيف . أما قراءة نافع { فحقيق } يجوز أن يكون بمعنى فاعل . قال الليث : حق الشيء معناه وجب ، ويحق عليك أن تفعل كذا ، وحقيق علي أن أفعله ، بمعنى فاعل . والمعنى : واجب علي ترك القول على الله إلا بالحق ، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول ، وضع فعيل في موضع مفعول . تقول العرب : حق علي أن أفعل كذا وإني لمحقوق على أن أفعل خيرا ، أي حق علي ذلك بمعنى استحق .

Dio V14/P155–V14/P156Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V14/P155–V14/P156)
Orijinal Metin (AR)

إذا عرفت هذا فنقول : حجة نافع في تشديد الياء أن حق يتعدى بعلي . قال تعالى : { طاغين فحق علينا قول ربنا } وقال : { فحق عليها القول } فحقيق يجوز أن يكون موصولا بحرف على من هذا الوجه ، وأيضا فإن قوله : { حقيق } بمعنى واجب ، فكما أن وجب يتعدى بعلي ، كذلك حقيق إن أريد به وجب ، يتعدى بعلي . وأما قراءة العامة { حقيق على } بسكون الياء . ففيه وجوه : الأول : أن العرب تجعل الباء في موضع ( علي ) تقول : رميت على القوس وبالقوس ، وجئت على حال حسنة ، وبحال حسنة . قال الأخفش : وهذا كما قال : { ولا تقعدوا بكل صراط توعدون } ( الأعراف : 86 ) فكما وقعت الباء في قوله : { بكل صراط } موضع ( علي ) كذلك وقعت كلمة ( علي ) موقع الباء في قوله : { حقيق على أن لا أقول } يؤكد هذا الوجه قراءة عبدالله { حقيق بأن لا أقول } وعلى هذه القراءة فالتقدير : أنا حقيق بأن لا أقول ، وعلى قراءة نافع يرتفع بالابتداء ، وخبره { أن لا أقول } الثاني : أن الحق هو الثابت الدائم ، والحقيق مبالغة فيه ، وكان المعنى : أنا ثابت مستمر على أن لا أقول إلا الحق . الثالث : الحقيق ههنا / بمعنى المحقوق ، وهو من قولك : حققت الرجل إذا ما تحققته وعرفته على يقين ، ولفظة { على } ههنا هي التي تقرن بالأوصاف اللازمة الأصلية ، كقوله تعالى : { فطرة الله التى فطر الناس عليها } ( الروم : 30 ) وتقول : جاءت فلان على هيئته وعادته ، وعرفته وتحققته على كذا وكذا من الصفات ، فمعنى الآية : أني لم أعرف ولم أتحقق إلا على قول الحق . والله أعلم . أما قوله : { فأرسل معى بنى إسراءيل } أي أطلق عنهم وخلهم ، وكان فرعون قد استخدمهم في الأعمال الشاقة ، مثل ضرب اللبن ونقل التراب ، فعند هذا الكلام قال فرعون : { قال إن كنت جئت بئاية فأت بها إن كنت من } وفيه بحثان : البحث الأول : أن لقائل أن يقول : كيف قال له { فأت بها } بعد قوله : { قال إن كنت جئت } . وجوابه : إن كنت جئت من عند من أرسلك بآية فاتني بها وأحضرها عندي ، ليصح دعواك ويثبت صدقك . والبحث الثاني : أن قوله : { قال إن كنت جئت بئاية فأت بها إن كنت من } جزاء وقع بين شرطين ، فكيف حكمه ؟ وجوابه أن نظيره قوله : إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت زيدا . وههنا المؤخر في اللفظ يكون متقدما في المعنى ، وقد سبق تقرير هذا المعنى فيما تقدم . ! 7 < { فألقى عصاه فإذا هى ثعبان مبين ونزع يده فإذا هى بيضآء للناظرين قال الملأ من قوم فرعون إن هاذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون } . > 7 < الأعراف : ( 107 - 110 ) فألقى عصاه فإذا . . . . . > >

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

إذا عرفت هذا فنقول : حجة نافع في تشديد الياء أن حق يتعدى بعلي . قال تعالى : { طاغين فحق علينا قول ربنا } وقال : { فحق عليها القول } فحقيق يجوز أن يكون موصولا بحرف على من هذا الوجه ، وأيضا فإن قوله : { حقيق } بمعنى واجب ، فكما أن وجب يتعدى بعلي ، كذلك حقيق إن أريد به وجب ، يتعدى بعلي . وأما قراءة العامة { حقيق على } بسكون الياء . ففيه وجوه : الأول : أن العرب تجعل الباء في موضع ( علي ) تقول : رميت على القوس وبالقوس ، وجئت على حال حسنة ، وبحال حسنة . قال الأخفش : وهذا كما قال : { ولا تقعدوا بكل صراط توعدون } ( الأعراف : 86 ) فكما وقعت الباء في قوله : { بكل صراط } موضع ( علي ) كذلك وقعت كلمة ( علي ) موقع الباء في قوله : { حقيق على أن لا أقول } يؤكد هذا الوجه قراءة عبدالله { حقيق بأن لا أقول } وعلى هذه القراءة فالتقدير : أنا حقيق بأن لا أقول ، وعلى قراءة نافع يرتفع بالابتداء ، وخبره { أن لا أقول } الثاني : أن الحق هو الثابت الدائم ، والحقيق مبالغة فيه ، وكان المعنى : أنا ثابت مستمر على أن لا أقول إلا الحق . الثالث : الحقيق ههنا / بمعنى المحقوق ، وهو من قولك : حققت الرجل إذا ما تحققته وعرفته على يقين ، ولفظة { على } ههنا هي التي تقرن بالأوصاف اللازمة الأصلية ، كقوله تعالى : { فطرة الله التى فطر الناس عليها } ( الروم : 30 ) وتقول : جاءت فلان على هيئته وعادته ، وعرفته وتحققته على كذا وكذا من الصفات ، فمعنى الآية : أني لم أعرف ولم أتحقق إلا على قول الحق . والله أعلم . أما قوله : { فأرسل معى بنى إسراءيل } أي أطلق عنهم وخلهم ، وكان فرعون قد استخدمهم في الأعمال الشاقة ، مثل ضرب اللبن ونقل التراب ، فعند هذا الكلام قال فرعون : { قال إن كنت جئت بئاية فأت بها إن كنت من } وفيه بحثان : البحث الأول : أن لقائل أن يقول : كيف قال له { فأت بها } بعد قوله : { قال إن كنت جئت } . وجوابه : إن كنت جئت من عند من أرسلك بآية فاتني بها وأحضرها عندي ، ليصح دعواك ويثبت صدقك . والبحث الثاني : أن قوله : { قال إن كنت جئت بئاية فأت بها إن كنت من } جزاء وقع بين شرطين ، فكيف حكمه ؟ وجوابه أن نظيره قوله : إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت زيدا . وههنا المؤخر في اللفظ يكون متقدما في المعنى ، وقد سبق تقرير هذا المعنى فيما تقدم . ! 7 < { فألقى عصاه فإذا هى ثعبان مبين ونزع يده فإذا هى بيضآء للناظرين قال الملأ من قوم فرعون إن هاذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون } . > 7 < الأعراف : ( 107 - 110 ) فألقى عصاه فإذا . . . . . > >

Dio V14/P156–V14/P157Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V14/P156–V14/P157)
Orijinal Metin (AR)

اعلم أن فرعون لما طالب موسى عليه السلام بإقامة البينة على صحة نبوته بين الله تعالى أن معجزته كانت قلب العصا ثعبانا ، وإظهار اليد البيضاء ، والكلام في هذه الآية يقع على وجوه : الأول : أن جماعة الطبيعيين ينكرون إمكان انقلاب العصا ثعبانا . وقالوا : الدليل على امتناعه أن تجويز انقلاب العصا ثعبانا يوجب ارتفاع الوثوق عن العلوم الضرورية وذلك باطل ، وما يفضي إلى الباطل فهو باطل . إنما قلنا : إن تجويزه يوجب ارتفاع الوثوق على العلوم الضرورية ، وذلك لأنا لو جوزنا أن يتولد الثعبان العظيم من العصا الصغيرة لجوزنا أيضا أن يتولد الإنسان الشاب القوي عن التبنة / الواحدة والحية الواحدة من الشعير ، ولو جوز ذلك لجوزناه في هذا الإنسان الذي نشاهده الآن أنه إنما حدث الآن دفعة واحدة لا من الأبوين ، ولجوزنا في زيد الذي نشاهده الآن أنه ليس هو زيد الذي شاهدناه بالأمس ، بل هو شخص آخر حدث الآن دفعة واحدة ، ومعلوم أن من فتح على نفسه أبواب هذه التجويزات فإن جمهور العقلاء يحكمون عليه بالخبل والعته والجنون ، ولأن لو جوزنا ذلك لجوزنا أن يقال : إن الجبال انقلبت ذهبا ومياه البحار انقلبت دما ، ولجوزنا في التراث الذي كان في مزبلة البيت أنه انقلب دقيقا ، وفي الدقيق الذي كان في البيت أنه نقلب ترابا . وتجويز أمثال هذه الأشياء مما يبطل العلوم الضرورية ويوجب دخول الإنسان في السفسطة ، وذلك باطل قطعا . فما يفضي إليه كان أيضا باطلا . فإن قال قائل : تجويز أمثال هذه الأشياء مختص بزمان دعوة الأنبياء ، وهذا لزمان ليس كذلك . فقد حصل الأمان في هذا الزمان عن تجويز هذه الأحوال . فالجواب عنه من وجوه : الأول : أن هذا التجويز إذا كان قائما في الجملة كان تخصيص هذا التجويز بزمان دون زمان مما لا يعرف إلا بدليل غامض . فكان يلزم أن يكون الجاهل بذلك الدليل الغامض جاهلا باختصاص ذلك التجويز بذلك الزمان المعين . فكان يلزم من جمهور العقلاء الذين لا يعرفون ذلك الدليل الغامض أن يجوزوا كل ما ذكرناه من الجهات وأن لا يكونوا قاطعين بامتناع وقوعها ، وحيث نراهم قاطعين بامتناع وقوعها علمنا أن ما ذكرتموه فاسد . والثاني : أنا لو جوزنا أمثال هذه الأحوال في زمان دعوة النبوة فإنه يبطل أيضا به القول بصحة النبوة ، فإنه إذا جاز أن تنقلب العصا ثعبانا ، جاز في الشخص الذي شاهدناه أنه ليس هو الشخص الأول ، بل الله أعدم الشخص الأول دفعة واحدة ، وأوجد شخصا آخر يساويه في جميع الصفات . وعلى هذا التقدير فلا يمكننا أن نعلم أن هذا الذي نراه الآن هو الذي رأيناه بالأمس . وحينئذ يلزم وقوع الشك في الذين رأوا موسى وعيسى ومحمدا عليهم السلام أن ذلك الشخص هل هو الذي رأوه بالأمس أم لا ؟ ومعلوم أن تجويزه يوجب القدح في النبوة والرسالة . والثالث : وهو أن هذا الزمان وإن لم لكن زمان جواز المعجزات إلا أنه زمان جواز الكرامات عندكم . فيلزمكم تجويزه ، فهذا جملة الكلام في هذا المقام . واعلم أن القول بتجويز انقلاب العادات عن مجاريها صعب مشكل ، والعقلاء اضطربوا فيه وحصل لأهل العلم فيه ثلاثة أقوال : القول الأول : قول من يجوز ذلك على الإطلاق وهو قول أصحابنا ، وذلك لأنهم جوزوا / تولد الإنسان وسائر أنواع الحيوان والنبات دفعة واحدة من غير سابقة مادة ولا مدة ولا أصل ولا تربية . وجوزوا في الجوهر الفرد أن يكون حيا عالما قادرا عاقلا قاهرا من غير حصول بنية ولا مزاج ولا رطوبة ولا تركيب ، وجوزوا في الأعمى الذي يكون بالأندلس أن يبصر في ظلمة الليل البقعة التي تكون بأقصى المشرق ، مع أن الإنسان الذي يكون سليم البصر لا يرى الشمس الطالعة في ضياء النهار ، فهذا هو قول أصحابنا .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

اعلم أن فرعون لما طالب موسى عليه السلام بإقامة البينة على صحة نبوته بين الله تعالى أن معجزته كانت قلب العصا ثعبانا ، وإظهار اليد البيضاء ، والكلام في هذه الآية يقع على وجوه : الأول : أن جماعة الطبيعيين ينكرون إمكان انقلاب العصا ثعبانا . وقالوا : الدليل على امتناعه أن تجويز انقلاب العصا ثعبانا يوجب ارتفاع الوثوق عن العلوم الضرورية وذلك باطل ، وما يفضي إلى الباطل فهو باطل . إنما قلنا : إن تجويزه يوجب ارتفاع الوثوق على العلوم الضرورية ، وذلك لأنا لو جوزنا أن يتولد الثعبان العظيم من العصا الصغيرة لجوزنا أيضا أن يتولد الإنسان الشاب القوي عن التبنة / الواحدة والحية الواحدة من الشعير ، ولو جوز ذلك لجوزناه في هذا الإنسان الذي نشاهده الآن أنه إنما حدث الآن دفعة واحدة لا من الأبوين ، ولجوزنا في زيد الذي نشاهده الآن أنه ليس هو زيد الذي شاهدناه بالأمس ، بل هو شخص آخر حدث الآن دفعة واحدة ، ومعلوم أن من فتح على نفسه أبواب هذه التجويزات فإن جمهور العقلاء يحكمون عليه بالخبل والعته والجنون ، ولأن لو جوزنا ذلك لجوزنا أن يقال : إن الجبال انقلبت ذهبا ومياه البحار انقلبت دما ، ولجوزنا في التراث الذي كان في مزبلة البيت أنه انقلب دقيقا ، وفي الدقيق الذي كان في البيت أنه نقلب ترابا . وتجويز أمثال هذه الأشياء مما يبطل العلوم الضرورية ويوجب دخول الإنسان في السفسطة ، وذلك باطل قطعا . فما يفضي إليه كان أيضا باطلا . فإن قال قائل : تجويز أمثال هذه الأشياء مختص بزمان دعوة الأنبياء ، وهذا لزمان ليس كذلك . فقد حصل الأمان في هذا الزمان عن تجويز هذه الأحوال . فالجواب عنه من وجوه : الأول : أن هذا التجويز إذا كان قائما في الجملة كان تخصيص هذا التجويز بزمان دون زمان مما لا يعرف إلا بدليل غامض . فكان يلزم أن يكون الجاهل بذلك الدليل الغامض جاهلا باختصاص ذلك التجويز بذلك الزمان المعين . فكان يلزم من جمهور العقلاء الذين لا يعرفون ذلك الدليل الغامض أن يجوزوا كل ما ذكرناه من الجهات وأن لا يكونوا قاطعين بامتناع وقوعها ، وحيث نراهم قاطعين بامتناع وقوعها علمنا أن ما ذكرتموه فاسد . والثاني : أنا لو جوزنا أمثال هذه الأحوال في زمان دعوة النبوة فإنه يبطل أيضا به القول بصحة النبوة ، فإنه إذا جاز أن تنقلب العصا ثعبانا ، جاز في الشخص الذي شاهدناه أنه ليس هو الشخص الأول ، بل الله أعدم الشخص الأول دفعة واحدة ، وأوجد شخصا آخر يساويه في جميع الصفات . وعلى هذا التقدير فلا يمكننا أن نعلم أن هذا الذي نراه الآن هو الذي رأيناه بالأمس . وحينئذ يلزم وقوع الشك في الذين رأوا موسى وعيسى ومحمدا عليهم السلام أن ذلك الشخص هل هو الذي رأوه بالأمس أم لا ؟ ومعلوم أن تجويزه يوجب القدح في النبوة والرسالة . والثالث : وهو أن هذا الزمان وإن لم لكن زمان جواز المعجزات إلا أنه زمان جواز الكرامات عندكم . فيلزمكم تجويزه ، فهذا جملة الكلام في هذا المقام . واعلم أن القول بتجويز انقلاب العادات عن مجاريها صعب مشكل ، والعقلاء اضطربوا فيه وحصل لأهل العلم فيه ثلاثة أقوال : القول الأول : قول من يجوز ذلك على الإطلاق وهو قول أصحابنا ، وذلك لأنهم جوزوا / تولد الإنسان وسائر أنواع الحيوان والنبات دفعة واحدة من غير سابقة مادة ولا مدة ولا أصل ولا تربية . وجوزوا في الجوهر الفرد أن يكون حيا عالما قادرا عاقلا قاهرا من غير حصول بنية ولا مزاج ولا رطوبة ولا تركيب ، وجوزوا في الأعمى الذي يكون بالأندلس أن يبصر في ظلمة الليل البقعة التي تكون بأقصى المشرق ، مع أن الإنسان الذي يكون سليم البصر لا يرى الشمس الطالعة في ضياء النهار ، فهذا هو قول أصحابنا .

Dio V14/P157–V14/P158Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V14/P157–V14/P158)
Orijinal Metin (AR)

والقول الثاني : قول الفلاسفة الطبيعيين وهو أن ذلك ممتنع على الإطلاق ، وزعموا أنه لا يجوز حدوث هذه الأشياء ودخولها في الوجود إلا على هذا الوجه المخصوص والطريق المعين . وقالوا : وبهذا الطريق دفعنا عن أنفسنا التزام الجهالات التي ذكرناها والمحالات التي شرحناها ، واعلم أنهم وإن زعموا أن ذلك غير لازم لهم ، إلا أنهم في الحقيقة يلزمهم ذلك لزوما لا دافع له ، وتقريره أن هذه الحوادث التي تحدث في عالمنا هذا إما أن تحدث لا لمؤثر أو لمؤثر ، وعلى التقديرين : فالقول الذي ذكرناه لازم أما على القول بأنها تحدث لا عن مؤثر ، فهذا القول باطل في صريح العقل ، إلا أن مع تجويزه فالإلزام المذكور لازم لأنا إذا جوزنا حدوث الأشياء لا عن مؤثر ولا عن موجد ، فكيف يكون الأمان من تجويز حدوث إنسان لا عن الأبوين ، ومن تجويز انقلاب الجبل ذهبا والبحر دما ؟ فإن تجويز حدوث بعض الأشياء لا عن مؤثر ليس أبعد عند العقل من تجويز حدوث سائر الأشياء لا عن مؤثر ، فثبت على هذا التقدير أن الإلزام المذكور لازم . أما على التقدير الثاني وهو إثبات مؤثر ومدبر لهذا العالم فذلك المؤثر إما أن يكون موجبا بالذات وأما أن يكون فاعلا بالاختيار . أما على التقدير الأول فالإلزامات المذكورة لازمة ، وتقريره : أنه إذا كان مؤثرا ومرجحه موجبا بالذات وجب الجزم بأن اختصاص كل وقت معين بالحادث المعين الذي حدث فيه إنما كان لأجل أنه بحسب اختلاف الأشكال الفلكية تختلف حوادث هذا العالم إذ لو لم يعتبر هذا المعنى لامتنع أن تكون العلة القديمة الدائمة سببا لحدوث المعلول الحادث المتغير . وءذا ثبت هذا فنقول : كيف الأمان من أن يحدث في الفلك شكل غريب يقتضي حدوث إنسان دفعة واحدة لا عن الأبوين وانتقال مادة الجبل من الصورة الجبلية إلى الصورة الذهبية أو للصورة الحيوانية ؟ وحينئذ تعود جميع الإلزامات المذكورة . وأما على التقدير الثاني وهو أن يكون مؤثر العالم ومرجحه فاعلا مختارا ، فلا شك أن جميع الأشياء المذكورة محتملة لأنه لا يمتنع أن يقال أن ذلك الفاعل المختار يخلق بإرادته إنسانا دفعة واحدة لا عن الأبوين وانتقال مادة الجبل ذهبا والبحر دما ، فثبت أن الأشياء التي ألزموها علينا واردة على جميع التقديرات وعلى جميع الفرق وأنه لا دافع لها ألبتة . / والقول الثالث : وهو قول المعتزلة فإنهم يجوزون انخراق العادات وانقلابها عن مجاريها في بعض الصور دون بعض ، فأكثر شيوخهم يجوزون حدوث الإنسان دفعة واحدة لا عن الأبوين ، ويجوزون انقلاب الماء نارا وبالعكس ، ويجوزون حدوث الزرع لا عن سابقة بذر . ثم قالوا إنه لا يجوز أن يكون الجوهر الفرد موصوفا بالعلم والقدرة والحياة ، بل صحة هذه الأشياء مشروطة بحصول بنية مخصوصة ومزاج مخصوص ، وزعموا أن عند كون الحاسة سليمة وكون المرئي حاضرا وعدم القرب القريب والبعد البعيد يجب حصول الإدراك وعند فقدان أحد هذه الشروط يمتنع حصول الإدراك ، وبالجملة فالمعتزلة في بعض الصور لا يعتبرون مجاري العادات ويزعمون أن انقلابها ممكن وانخراقها جائز ، وفي سائر الصور يزعمون أنها واجبة ويمتنع زوالها وانقلابها ، وليس لهم بين الناس قانون مضبوط ولا ضابط معلوم ، فلا جرم كان قولهم أدخل الأقاويل في الفساد .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

والقول الثاني : قول الفلاسفة الطبيعيين وهو أن ذلك ممتنع على الإطلاق ، وزعموا أنه لا يجوز حدوث هذه الأشياء ودخولها في الوجود إلا على هذا الوجه المخصوص والطريق المعين . وقالوا : وبهذا الطريق دفعنا عن أنفسنا التزام الجهالات التي ذكرناها والمحالات التي شرحناها ، واعلم أنهم وإن زعموا أن ذلك غير لازم لهم ، إلا أنهم في الحقيقة يلزمهم ذلك لزوما لا دافع له ، وتقريره أن هذه الحوادث التي تحدث في عالمنا هذا إما أن تحدث لا لمؤثر أو لمؤثر ، وعلى التقديرين : فالقول الذي ذكرناه لازم أما على القول بأنها تحدث لا عن مؤثر ، فهذا القول باطل في صريح العقل ، إلا أن مع تجويزه فالإلزام المذكور لازم لأنا إذا جوزنا حدوث الأشياء لا عن مؤثر ولا عن موجد ، فكيف يكون الأمان من تجويز حدوث إنسان لا عن الأبوين ، ومن تجويز انقلاب الجبل ذهبا والبحر دما ؟ فإن تجويز حدوث بعض الأشياء لا عن مؤثر ليس أبعد عند العقل من تجويز حدوث سائر الأشياء لا عن مؤثر ، فثبت على هذا التقدير أن الإلزام المذكور لازم . أما على التقدير الثاني وهو إثبات مؤثر ومدبر لهذا العالم فذلك المؤثر إما أن يكون موجبا بالذات وأما أن يكون فاعلا بالاختيار . أما على التقدير الأول فالإلزامات المذكورة لازمة ، وتقريره : أنه إذا كان مؤثرا ومرجحه موجبا بالذات وجب الجزم بأن اختصاص كل وقت معين بالحادث المعين الذي حدث فيه إنما كان لأجل أنه بحسب اختلاف الأشكال الفلكية تختلف حوادث هذا العالم إذ لو لم يعتبر هذا المعنى لامتنع أن تكون العلة القديمة الدائمة سببا لحدوث المعلول الحادث المتغير . وءذا ثبت هذا فنقول : كيف الأمان من أن يحدث في الفلك شكل غريب يقتضي حدوث إنسان دفعة واحدة لا عن الأبوين وانتقال مادة الجبل من الصورة الجبلية إلى الصورة الذهبية أو للصورة الحيوانية ؟ وحينئذ تعود جميع الإلزامات المذكورة . وأما على التقدير الثاني وهو أن يكون مؤثر العالم ومرجحه فاعلا مختارا ، فلا شك أن جميع الأشياء المذكورة محتملة لأنه لا يمتنع أن يقال أن ذلك الفاعل المختار يخلق بإرادته إنسانا دفعة واحدة لا عن الأبوين وانتقال مادة الجبل ذهبا والبحر دما ، فثبت أن الأشياء التي ألزموها علينا واردة على جميع التقديرات وعلى جميع الفرق وأنه لا دافع لها ألبتة . / والقول الثالث : وهو قول المعتزلة فإنهم يجوزون انخراق العادات وانقلابها عن مجاريها في بعض الصور دون بعض ، فأكثر شيوخهم يجوزون حدوث الإنسان دفعة واحدة لا عن الأبوين ، ويجوزون انقلاب الماء نارا وبالعكس ، ويجوزون حدوث الزرع لا عن سابقة بذر . ثم قالوا إنه لا يجوز أن يكون الجوهر الفرد موصوفا بالعلم والقدرة والحياة ، بل صحة هذه الأشياء مشروطة بحصول بنية مخصوصة ومزاج مخصوص ، وزعموا أن عند كون الحاسة سليمة وكون المرئي حاضرا وعدم القرب القريب والبعد البعيد يجب حصول الإدراك وعند فقدان أحد هذه الشروط يمتنع حصول الإدراك ، وبالجملة فالمعتزلة في بعض الصور لا يعتبرون مجاري العادات ويزعمون أن انقلابها ممكن وانخراقها جائز ، وفي سائر الصور يزعمون أنها واجبة ويمتنع زوالها وانقلابها ، وليس لهم بين الناس قانون مضبوط ولا ضابط معلوم ، فلا جرم كان قولهم أدخل الأقاويل في الفساد .

Dio V14/P158–V14/P159Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V14/P158–V14/P159)
Orijinal Metin (AR)

إذا عرفت هذه التفاصيل فنقول : ذوات الأجسام متماثلة في تمام الماهية وكل ما صح على الشيء صح على مثله / فوجب أن يصح على كل جسم ما صح على غيره ، فإذا صح على بعض الأجسام صفة من الصفات وجب أن يصح على كلها مثل تلك الصفة ، وإذا كان كذلك كان جسم العصا قابلا للصفات التي باعتبارها تصير ثعبانا ، وإذا كان كذلك كان انقلاب العصا ثعبانا أمرا ممكنا لذاته ، وثبت أنه تعالى قادر على جميع الممكنات ، فلزم القطع بكونه تعالى قادرا على قلب العصا ثعبانا ، وذلك هو المطلوب ، وهذا الدليل موقوف على إثبات مقدمات ثلاث : إثبات أن الأجسام متماثلة في تمام الذات ، وإثبات أن حكم الشيء حكم مثله ، وإثبات أنه تعالى قادر على كل الممكنات ومتى قامت الدلالة على صحة هذه المقدمات الثلاثة فقد حصل المطلوب التام والله أعلم . قوله : : { فإذا هى } أي العصا وهي مؤنثة ، والثعبان الحية الضخمة الذكر في قول جميع أهل اللغة . فأما مقدارها فغير مذكور في القرآن ، ونقل عن المفسرين في صفتها أشياء ، فعن ابن عباس : إنها ملأت ثمانين ذراعا ثم شدت على فرعون لتبتلعه فوثب فرعون عن سريره هاربا وأحدث ، وانهزم الناس ومات منهم خمسة وعشرون ألفا . وقيل : كان بين لحييها أربعون ذراعا ووضع لحيها الأسفل على الأرض ، والأعلى على سور القصر ، وصاح فرعون يا موسى خذها . فأنا أومن بك ، فلما أخذها موسى عادت عصا كما كانت ، وفي وصف ذلك الثعبان بكونه مبينا وجوه : الأول : تمييز ذلك عما جاءت به السحرة من التمويه الذي يلتبس على من لا يعرف سببه ، وبذلك تتميز معجزات الأنبياء من الحيل والتمويهات . والثاني : في المراد أنهم شاهدوا كونه حية لم يشتبه الأمر عليهم فيه . الثالث : المراد أن ذلك الثعبان أبان قول موسى عليه السلام عن قول المدعي الكاذب . / وأما قوله : { ونزع يده } فالنزع في اللغة عبارة عن إخراج الشيء عن مكانه فقوله : { ونزع يده } أي أخرجها من جيبه أو من جناحه ، بدليل قوله تعالى : { وأدخل يدك فى جيبك } وقوله : { واضمم يدك إلى جناحك } وقوله : { فإذا هى بيضاء للناظرين } قال ابن عباس : وكان لها نور ساطع يضيء ما بين السماء والأرض . واعلم أنه لما كان البياض كالعيب بين الله تعالى في غير هذه الآية أنه كان من غير سوء . فإن قيل : بم يتعلق قوله : { للناظرين } . قلنا : يتعلق بقوله : { بيضاء } والمعنى : فإذا هي بيضاء للنظارة ، ولا تكون بيضاء للنظارة إلا إذا كان بياضها بياضا عجيبا خارجا عن العادة يجتمع الناس للنظر إليه كما تجتمع النظارة للعجائب . وبقي ههنا مباحث : فأولها : أن انقلاب العصا ثعبانا ، من كم وجه يدل على المعجز ؟ والثاني : أن هذا المعجز كان أعظم أم اليد البيضاء ؟ وقد استقصينا الكلام في هذين المطلوبين في سورة طه . والثالث : أن المعجز الواحد كان كافيا ، فالجمع بينهما كان عبثا .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

إذا عرفت هذه التفاصيل فنقول : ذوات الأجسام متماثلة في تمام الماهية وكل ما صح على الشيء صح على مثله / فوجب أن يصح على كل جسم ما صح على غيره ، فإذا صح على بعض الأجسام صفة من الصفات وجب أن يصح على كلها مثل تلك الصفة ، وإذا كان كذلك كان جسم العصا قابلا للصفات التي باعتبارها تصير ثعبانا ، وإذا كان كذلك كان انقلاب العصا ثعبانا أمرا ممكنا لذاته ، وثبت أنه تعالى قادر على جميع الممكنات ، فلزم القطع بكونه تعالى قادرا على قلب العصا ثعبانا ، وذلك هو المطلوب ، وهذا الدليل موقوف على إثبات مقدمات ثلاث : إثبات أن الأجسام متماثلة في تمام الذات ، وإثبات أن حكم الشيء حكم مثله ، وإثبات أنه تعالى قادر على كل الممكنات ومتى قامت الدلالة على صحة هذه المقدمات الثلاثة فقد حصل المطلوب التام والله أعلم . قوله : : { فإذا هى } أي العصا وهي مؤنثة ، والثعبان الحية الضخمة الذكر في قول جميع أهل اللغة . فأما مقدارها فغير مذكور في القرآن ، ونقل عن المفسرين في صفتها أشياء ، فعن ابن عباس : إنها ملأت ثمانين ذراعا ثم شدت على فرعون لتبتلعه فوثب فرعون عن سريره هاربا وأحدث ، وانهزم الناس ومات منهم خمسة وعشرون ألفا . وقيل : كان بين لحييها أربعون ذراعا ووضع لحيها الأسفل على الأرض ، والأعلى على سور القصر ، وصاح فرعون يا موسى خذها . فأنا أومن بك ، فلما أخذها موسى عادت عصا كما كانت ، وفي وصف ذلك الثعبان بكونه مبينا وجوه : الأول : تمييز ذلك عما جاءت به السحرة من التمويه الذي يلتبس على من لا يعرف سببه ، وبذلك تتميز معجزات الأنبياء من الحيل والتمويهات . والثاني : في المراد أنهم شاهدوا كونه حية لم يشتبه الأمر عليهم فيه . الثالث : المراد أن ذلك الثعبان أبان قول موسى عليه السلام عن قول المدعي الكاذب . / وأما قوله : { ونزع يده } فالنزع في اللغة عبارة عن إخراج الشيء عن مكانه فقوله : { ونزع يده } أي أخرجها من جيبه أو من جناحه ، بدليل قوله تعالى : { وأدخل يدك فى جيبك } وقوله : { واضمم يدك إلى جناحك } وقوله : { فإذا هى بيضاء للناظرين } قال ابن عباس : وكان لها نور ساطع يضيء ما بين السماء والأرض . واعلم أنه لما كان البياض كالعيب بين الله تعالى في غير هذه الآية أنه كان من غير سوء . فإن قيل : بم يتعلق قوله : { للناظرين } . قلنا : يتعلق بقوله : { بيضاء } والمعنى : فإذا هي بيضاء للنظارة ، ولا تكون بيضاء للنظارة إلا إذا كان بياضها بياضا عجيبا خارجا عن العادة يجتمع الناس للنظر إليه كما تجتمع النظارة للعجائب . وبقي ههنا مباحث : فأولها : أن انقلاب العصا ثعبانا ، من كم وجه يدل على المعجز ؟ والثاني : أن هذا المعجز كان أعظم أم اليد البيضاء ؟ وقد استقصينا الكلام في هذين المطلوبين في سورة طه . والثالث : أن المعجز الواحد كان كافيا ، فالجمع بينهما كان عبثا .

Dio V14/P159–V14/P160Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V14/P159–V14/P160)
Orijinal Metin (AR)

وجوابه : أن كثرة الدلائل توجب القوة في اليقين وزوال الشك ، ومن الملحدين من قال : المراد بالثعبان وباليد البيضاء شيء واحد ، وهو أن حجة موسى عليه السلام كانت قوية ظاهرة قاهرة ، فتلك الحجة من حيث إنها أبطلت أقوال المخالفين ، وأظهرت فسادها ، كانت كالثعبان العظيم الذي يتلقف حجج المبطلين ، ومن حيث كانت ظاهرة في نفسها ، وصفت باليد البيضاء ، كما يقال في العرف : لفلان يد بيضاء في العلم الفلاني . أي قوة كاملة ، ومرتبة ظاهرة . واعلم أن حمل هذين المعجزين على هذا الوجه يجري مجرى دفع التواتر وتكذيب الله ورسوله . ولما بينا أن انقلاب العصا حية أمر ممكن في نفسه ، فأي حامل يحملنا على المصير إلى هذا التأويل ؟ ولما ذكر الله تعالى أن موسى عليه السلام أظهر هذين النوعين من المعجزات . حكى عن قوم فرعون أنهم قالوا : { إن هاذا لساحر عليم } وذلك لأن السحر كان غالبا في ذلك الزمان / ولا شك أن مراتب السحرة كانت متفاضلة متفاوتة ، ولا شك أنه يحصل فيهم من يكون غاية في ذلك العلم ونهاية فيه . فالقوم زعموا أن موسى عليه السلام . لكونه في النهاية من علم السحر ، أتى بتلك الصفة ، ثم ذكروا أنه إنما أتى بذلك السحر لكونه طالبا للملك والرياسة . فإن قيل : قوله : { إن هاذا لساحر عليم } حكاه الله تعالى في سورة الشعراء أنه قاله فرعون لقومه ، وحكى ههنا أن قوم فرعون قالوه ، فكيف الجمع بينهما ؟ وجوابه من وجهين : الأول : لا يمتنع أنه قد قاله هو وقالوه هم ، فحكى الله تعالى قوله ثم ، وقولهم ههنا . والثاني : لعل فرعون قاله ابتداء / فتلقنه الملأ منه فقالوه لغيره أو قالوه عنه لسائر الناس على طريق التبليغ ، فإن الملوك إذا رأوا رأيا ذكروه للخاصة وهم يذكرونه للعامة ، فكذا ههنا . وأما قوله : { فماذا تأمرون } فقد ذكر الزجاج فيه ثلاثة أوجه : الأول : أن كلام الملأ من قوم فرعون تم عند قوله : { يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره } ثم عند هذا الكلام قال فرعون مجيبا لهم : { فماذا تأمرون } واحتجوا على صحة هذا القول بوجهين : أحدهما : أن قوله : { فماذا تأمرون } خطاب للجمع لا للواحد ، فيجب أن يكون هذا كلام فرعون للقوم . أما لو جعلناه كلام القوم مع فرعون لكانوا قد خاطبوه بخطاب الواحد لا بخطاب الجمع . وأجيب عنه : بأنه يجوز أن يكونوا خاطبوه بخطاب الجمع تفخيما لشأنه ، لأن العظيم إنما يكنى عنه بكناية الجمع كما في قوله تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر } ( الحجر : 9 ) { إنا أرسلنا نوحا } ( نوح : 1 ) { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } ( القدر : 1 ) . والحجة الثانية : أنه تعالى لما ذكر قوله : { فماذا تأمرون } قال بعده : { قالوا أرجه } ولا شك أن هذا كلام القوم ، وجعله جوابا عن قولهم : { فماذا تأمرون } فوجب أن يكون القائل لقوله : { فماذا تأمرون } غير الذي قالوا أرجه ، وذلك يدل على أن قوله : { فماذا تأمرون } كلام لغير الملأ من قوم فرعون . وأجيب عنه : بأنه لا يبعد أن القوم قالوا : { إن هاذا لساحر عليم } ثم قالوا لفرعون ولأكابر خدمه { فماذا تأمرون } ثم أتبعوه بقولهم : { أرجه وأخاه } فإن الخدم والأتباع يفوضون الأمر والنهي إلى المخدوم والمتبوع أولا ، ثم يذكرون ما حضر في خواطرهم من المصلحة .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وجوابه : أن كثرة الدلائل توجب القوة في اليقين وزوال الشك ، ومن الملحدين من قال : المراد بالثعبان وباليد البيضاء شيء واحد ، وهو أن حجة موسى عليه السلام كانت قوية ظاهرة قاهرة ، فتلك الحجة من حيث إنها أبطلت أقوال المخالفين ، وأظهرت فسادها ، كانت كالثعبان العظيم الذي يتلقف حجج المبطلين ، ومن حيث كانت ظاهرة في نفسها ، وصفت باليد البيضاء ، كما يقال في العرف : لفلان يد بيضاء في العلم الفلاني . أي قوة كاملة ، ومرتبة ظاهرة . واعلم أن حمل هذين المعجزين على هذا الوجه يجري مجرى دفع التواتر وتكذيب الله ورسوله . ولما بينا أن انقلاب العصا حية أمر ممكن في نفسه ، فأي حامل يحملنا على المصير إلى هذا التأويل ؟ ولما ذكر الله تعالى أن موسى عليه السلام أظهر هذين النوعين من المعجزات . حكى عن قوم فرعون أنهم قالوا : { إن هاذا لساحر عليم } وذلك لأن السحر كان غالبا في ذلك الزمان / ولا شك أن مراتب السحرة كانت متفاضلة متفاوتة ، ولا شك أنه يحصل فيهم من يكون غاية في ذلك العلم ونهاية فيه . فالقوم زعموا أن موسى عليه السلام . لكونه في النهاية من علم السحر ، أتى بتلك الصفة ، ثم ذكروا أنه إنما أتى بذلك السحر لكونه طالبا للملك والرياسة . فإن قيل : قوله : { إن هاذا لساحر عليم } حكاه الله تعالى في سورة الشعراء أنه قاله فرعون لقومه ، وحكى ههنا أن قوم فرعون قالوه ، فكيف الجمع بينهما ؟ وجوابه من وجهين : الأول : لا يمتنع أنه قد قاله هو وقالوه هم ، فحكى الله تعالى قوله ثم ، وقولهم ههنا . والثاني : لعل فرعون قاله ابتداء / فتلقنه الملأ منه فقالوه لغيره أو قالوه عنه لسائر الناس على طريق التبليغ ، فإن الملوك إذا رأوا رأيا ذكروه للخاصة وهم يذكرونه للعامة ، فكذا ههنا . وأما قوله : { فماذا تأمرون } فقد ذكر الزجاج فيه ثلاثة أوجه : الأول : أن كلام الملأ من قوم فرعون تم عند قوله : { يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره } ثم عند هذا الكلام قال فرعون مجيبا لهم : { فماذا تأمرون } واحتجوا على صحة هذا القول بوجهين : أحدهما : أن قوله : { فماذا تأمرون } خطاب للجمع لا للواحد ، فيجب أن يكون هذا كلام فرعون للقوم . أما لو جعلناه كلام القوم مع فرعون لكانوا قد خاطبوه بخطاب الواحد لا بخطاب الجمع . وأجيب عنه : بأنه يجوز أن يكونوا خاطبوه بخطاب الجمع تفخيما لشأنه ، لأن العظيم إنما يكنى عنه بكناية الجمع كما في قوله تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر } ( الحجر : 9 ) { إنا أرسلنا نوحا } ( نوح : 1 ) { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } ( القدر : 1 ) . والحجة الثانية : أنه تعالى لما ذكر قوله : { فماذا تأمرون } قال بعده : { قالوا أرجه } ولا شك أن هذا كلام القوم ، وجعله جوابا عن قولهم : { فماذا تأمرون } فوجب أن يكون القائل لقوله : { فماذا تأمرون } غير الذي قالوا أرجه ، وذلك يدل على أن قوله : { فماذا تأمرون } كلام لغير الملأ من قوم فرعون . وأجيب عنه : بأنه لا يبعد أن القوم قالوا : { إن هاذا لساحر عليم } ثم قالوا لفرعون ولأكابر خدمه { فماذا تأمرون } ثم أتبعوه بقولهم : { أرجه وأخاه } فإن الخدم والأتباع يفوضون الأمر والنهي إلى المخدوم والمتبوع أولا ، ثم يذكرون ما حضر في خواطرهم من المصلحة .

%0
10 Dio

Pitanja