Dio V03/P041Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V03/P041)
Orijinal Metin (AR)أي ملازم ، وقال آخرون : بل هي مأخوذة من المصلي وهو الفرس الذي يتبع غيره . والأقرب أنها مأخوذة من الدعاء إذ لا صلاة إلا ويقع فيها الدعاء أو ما يجري مجراه ، وقد تكون صلاة ولا يحصل فيها متابعة الغير وإذا حصل في وجه التشبيه ما عم كل الصور كان أولى أن يجعل وجه التشبيه شيئا يختص ببعض الصور . وقال أصحابنا من المجازات المشهورة في اللغة إطلاق اسم الجزء على الكل ولما كانت الصلاة الشرعية مشتملة على الدعاء لا جرم أطلق اسم الدعاء عليها على سبيل المجاز ، فإن كان مراد المعتزلة من كونها اسما شرعيا هذا . فذلك حق وإن كان المراد أن الشرع ارتجل هذه اللفظة ابتداء لهذا المسمى فهو باطل وإلا لما كانت هذه اللفظة عربية ، وذلك ينافي قوله تعالى : { إنا أنزلناه قرانا عربيا } ( يوسف : 20 ) أما الزكاة فهي في اللغة عبارة عن النماء ، يقال : زكا الزرع إذا نما ، وعن التطهير قال الله تعالى : { أقتلت نفسا زكية } ( الكهف : 74 ) أي طاهرة . وقال : { قد أفلح من تزكى } ( الأعلى : 14 ) أي تطهر وقال : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا } ( النور : 21 ) وقال : { ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه } ( فاطر : 18 ) أي تطهر بطاعة الله ، ولعل إخراج نصف دينار من عشرين دينارا سمي بالزكاة تشبيها بهذين الوجهين ، لأن في إخراج ذلك القدر تنمية للبقية من حيث البركة فإن الله يرفع البلاء عن ذلك المال بسبب تزكية / تلك العطية فصار ذلك الإعطاء نماء في المعنى وإن كان نقصانا في الصورة ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : ( عليكم بالصدقة فإن فيها ست خصال ، ثلاثة في الدنيا وثلاثة في الآخرة ، فأما التي في الدنيا فتزيد في الرزق وتكثر المال وتعمر الديار ، وأما التي في الآخرة فتستر العورة وتصير ظلا فوق الرأس وتكون سترا في النار ) . ويجوز أن تسمى الزكاة بالوجه الثاني من حيث إنها تطهر مخرج الزكاة عن كل الذنوب ، ولهذا قال تعالى لنبيه : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } ( التوبة : 103 ) .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)أي ملازم ، وقال آخرون : بل هي مأخوذة من المصلي وهو الفرس الذي يتبع غيره . والأقرب أنها مأخوذة من الدعاء إذ لا صلاة إلا ويقع فيها الدعاء أو ما يجري مجراه ، وقد تكون صلاة ولا يحصل فيها متابعة الغير وإذا حصل في وجه التشبيه ما عم كل الصور كان أولى أن يجعل وجه التشبيه شيئا يختص ببعض الصور . وقال أصحابنا من المجازات المشهورة في اللغة إطلاق اسم الجزء على الكل ولما كانت الصلاة الشرعية مشتملة على الدعاء لا جرم أطلق اسم الدعاء عليها على سبيل المجاز ، فإن كان مراد المعتزلة من كونها اسما شرعيا هذا . فذلك حق وإن كان المراد أن الشرع ارتجل هذه اللفظة ابتداء لهذا المسمى فهو باطل وإلا لما كانت هذه اللفظة عربية ، وذلك ينافي قوله تعالى : { إنا أنزلناه قرانا عربيا } ( يوسف : 20 ) أما الزكاة فهي في اللغة عبارة عن النماء ، يقال : زكا الزرع إذا نما ، وعن التطهير قال الله تعالى : { أقتلت نفسا زكية } ( الكهف : 74 ) أي طاهرة . وقال : { قد أفلح من تزكى } ( الأعلى : 14 ) أي تطهر وقال : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا } ( النور : 21 ) وقال : { ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه } ( فاطر : 18 ) أي تطهر بطاعة الله ، ولعل إخراج نصف دينار من عشرين دينارا سمي بالزكاة تشبيها بهذين الوجهين ، لأن في إخراج ذلك القدر تنمية للبقية من حيث البركة فإن الله يرفع البلاء عن ذلك المال بسبب تزكية / تلك العطية فصار ذلك الإعطاء نماء في المعنى وإن كان نقصانا في الصورة ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : ( عليكم بالصدقة فإن فيها ست خصال ، ثلاثة في الدنيا وثلاثة في الآخرة ، فأما التي في الدنيا فتزيد في الرزق وتكثر المال وتعمر الديار ، وأما التي في الآخرة فتستر العورة وتصير ظلا فوق الرأس وتكون سترا في النار ) . ويجوز أن تسمى الزكاة بالوجه الثاني من حيث إنها تطهر مخرج الزكاة عن كل الذنوب ، ولهذا قال تعالى لنبيه : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } ( التوبة : 103 ) .
Dio V03/P041–V03/P042Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V03/P041–V03/P042)
Orijinal Metin (AR)المسألة الثالثة : قوله تعالى { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } خطاب مع اليهود وذلك يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع . أما قوله تعالى { وأركعوا مع الراكعين } ففيه وجوه أحدها : أن اليهود لا ركوع في صلاتهم فخص الله الركوع بالذكر تحريضا لهم على الإتيان بصلاة المسلمين ، وثانيها : أن المراد صلوا مع المصلين ، وعلى هذا يزول التكرار لأن في الأول أمر تعالى بإقانتها وأمر في الثاني بفعلها في الجماعة ، وثالثها : أن يكون المراد من الأمر بالركوع هو الأمر بالخضوع لأن الركوع والخضوع في اللغة سواء فيكون نهيا عن الاستكبار المذموم وأمرا بالتذلل كما قال للمؤمنين { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } [ المائدة : 54 ] وكقوله تأديبا لرسوله عليه السلام < < واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين > > [ الشعراء : 215 ] وكمدحه له بقوله { فبما رحمة منك لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب القلب لانفضوا من حولك } [ آل عمران : 159 ] وهكذا في قوله تعالى { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون } [ المائدة : 55 ] فكأنه تعالى لما أمرهم بالصلاة والزكاة أمرهم بعد ذلك بالانقياد والخضوع وترك التمرد . وحكى الأصم عن بعضهم أنه إنما أمر الله تعالى بني إسرائيل بالزكاة لأنهم كانوا لا يؤتون الزكاة وهو المراد بقوله تعالى { وأكلهم السحت } [ المائدة : 62 ] وبقوله ' وأكلهم الربا ' { وأكلهم أموال الناس بالباطل } [ النساء : 166 ] فأظهر الله تعالى في هذا الموضع ما كان مكتوما ليحذروا أن يفضحهم في سائر أسرارهم ومعاصيهم فيصير هذا كالإخبار عن الغيب الذي هو أحد دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . قوله تعالى : ! 7 < { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } > 7 ! . < < البقرة : ( 44 ) أتأمرون الناس بالبر . . . . . > > اعلم أن الهمزة في أتأمرون الناس بالبر للتقرير مع التقرير والتعجب من حالهم ، وأما البر فهو اسم جامع لأعمال الخير ، ومنه بر الوالدين وهو طاعتهما ، ومنه عمل مبرور أي قد رضيه الله تعالى ، وقد يكون بمعنى الصدق كما يقال بر في يمينه أي صدق ولم يحنث ، ويقال صدقت وبررت ، وقال تعالى { ولكن البر من اتقى } [ البقرة : 189 ] فأخبر أن البر جامع للتقوى ، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما أمر بالإيمان والشرائع بناء على ما خصهم به من النعم ورغبهم في ذلك بناه على مأخذ آخر ، وهو أن التغافل عن أعمال البر مع حث الناس عليها مستقبح في العقول ، إذ المقصود من أمر الناس بذلك إما النصيحة أو الشفقة ، وليس من العقل أن يشفق الإنسان على غيره أو أن ينصح غيره ويهمل نفسه فحذرهم الله تعالى من ذلك بأن قرعهم بهذا الكلام . واختلفوا في المراد بالبر في هذا الموضع على وجوه : أحدها : وهو قول السدي أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وينهونه عن معصية الله ، وهم كانوا يتركون الطاعة ويقدمون على المعصية . وثانيها : قول ابن جريج أنهم كانوا يأمرون الناس بالصلاة والزكاة وهم كانوا يتركونهما . وثالثها : إنه إذا جاءهم أحد في الخفية لاستعلام أمر محمد صلى الله عليه وسلم قالوا هو صادق فيما يقول وأمره حق فاتبعوه ، وهم كانوا لا يتبعونه لطعمهم في الهدايا والصلات التي كانت تصل إليهم من أتباعهم . ورابعها : أن جماعة من اليهود كانوا قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم يخبرون مشركي العرب أن رسولا سيظهر منكم ويدعو إلى الحق وكانوا يأمرون باتباعه قبل ظهوره فلما ظهر تركوه وأعرضوا عن دينه ، وهذا اختيار أبي مسلم .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الثالثة : قوله تعالى { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } خطاب مع اليهود وذلك يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع . أما قوله تعالى { وأركعوا مع الراكعين } ففيه وجوه أحدها : أن اليهود لا ركوع في صلاتهم فخص الله الركوع بالذكر تحريضا لهم على الإتيان بصلاة المسلمين ، وثانيها : أن المراد صلوا مع المصلين ، وعلى هذا يزول التكرار لأن في الأول أمر تعالى بإقانتها وأمر في الثاني بفعلها في الجماعة ، وثالثها : أن يكون المراد من الأمر بالركوع هو الأمر بالخضوع لأن الركوع والخضوع في اللغة سواء فيكون نهيا عن الاستكبار المذموم وأمرا بالتذلل كما قال للمؤمنين { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } [ المائدة : 54 ] وكقوله تأديبا لرسوله عليه السلام < < واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين > > [ الشعراء : 215 ] وكمدحه له بقوله { فبما رحمة منك لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب القلب لانفضوا من حولك } [ آل عمران : 159 ] وهكذا في قوله تعالى { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون } [ المائدة : 55 ] فكأنه تعالى لما أمرهم بالصلاة والزكاة أمرهم بعد ذلك بالانقياد والخضوع وترك التمرد . وحكى الأصم عن بعضهم أنه إنما أمر الله تعالى بني إسرائيل بالزكاة لأنهم كانوا لا يؤتون الزكاة وهو المراد بقوله تعالى { وأكلهم السحت } [ المائدة : 62 ] وبقوله ' وأكلهم الربا ' { وأكلهم أموال الناس بالباطل } [ النساء : 166 ] فأظهر الله تعالى في هذا الموضع ما كان مكتوما ليحذروا أن يفضحهم في سائر أسرارهم ومعاصيهم فيصير هذا كالإخبار عن الغيب الذي هو أحد دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . قوله تعالى : ! 7 < { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } > 7 ! . < < البقرة : ( 44 ) أتأمرون الناس بالبر . . . . . > > اعلم أن الهمزة في أتأمرون الناس بالبر للتقرير مع التقرير والتعجب من حالهم ، وأما البر فهو اسم جامع لأعمال الخير ، ومنه بر الوالدين وهو طاعتهما ، ومنه عمل مبرور أي قد رضيه الله تعالى ، وقد يكون بمعنى الصدق كما يقال بر في يمينه أي صدق ولم يحنث ، ويقال صدقت وبررت ، وقال تعالى { ولكن البر من اتقى } [ البقرة : 189 ] فأخبر أن البر جامع للتقوى ، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما أمر بالإيمان والشرائع بناء على ما خصهم به من النعم ورغبهم في ذلك بناه على مأخذ آخر ، وهو أن التغافل عن أعمال البر مع حث الناس عليها مستقبح في العقول ، إذ المقصود من أمر الناس بذلك إما النصيحة أو الشفقة ، وليس من العقل أن يشفق الإنسان على غيره أو أن ينصح غيره ويهمل نفسه فحذرهم الله تعالى من ذلك بأن قرعهم بهذا الكلام . واختلفوا في المراد بالبر في هذا الموضع على وجوه : أحدها : وهو قول السدي أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وينهونه عن معصية الله ، وهم كانوا يتركون الطاعة ويقدمون على المعصية . وثانيها : قول ابن جريج أنهم كانوا يأمرون الناس بالصلاة والزكاة وهم كانوا يتركونهما . وثالثها : إنه إذا جاءهم أحد في الخفية لاستعلام أمر محمد صلى الله عليه وسلم قالوا هو صادق فيما يقول وأمره حق فاتبعوه ، وهم كانوا لا يتبعونه لطعمهم في الهدايا والصلات التي كانت تصل إليهم من أتباعهم . ورابعها : أن جماعة من اليهود كانوا قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم يخبرون مشركي العرب أن رسولا سيظهر منكم ويدعو إلى الحق وكانوا يأمرون باتباعه قبل ظهوره فلما ظهر تركوه وأعرضوا عن دينه ، وهذا اختيار أبي مسلم .
Dio V03/P042–V03/P044Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V03/P042–V03/P044)
Orijinal Metin (AR)وخامسها : هو قول الزجاج كانوا يأمرون الناس ببذل الصدقة وكانوا يشحون بها ، لأن الله تعالى وصفهم بقساوة القلوب وأكل الربا والسحت . وسادسها : لهل المنافقين من اليهود كانوا يأمرون باتباع محمد صلى الله عليه وسلم في الظاهر ، ثم إنهم كانوا في قلوبهم منكرين له فوبخهم الله تعالى عليه . وسابعها : أن اليهود كانوا يأمرون غيرهم باتباع التوراة ثم إنهم خالفوه لأنهم وجدوا فيها ما يدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم إنهم ما آمنوا به . أما قوله { وتنسون أنفسكم } فالنسيان عبارة عن السهو الحادث بعد حصول العلم والناسي غير مكلف ومن لا يكون مكلفا لا يجوز أن يذمه الله تعالى على ما صدر منه فالمراد بقوله { وتنسون أنفسكم } أنكم تغفولن عن حق أنفسكم وتعدلون عما لها فيه من النفع ، أما قوله { وأنتم تتلون الكتاب } فمعناه تقرأون التوراة وتدرسونها وتعلمون بما فيها من الحث على أفعال البر والإعراض عن أفعال الإثم . وأما قوله { أفلا تعقلون } فهو تعجب للعقلاء من أفعالهم ونظيره قوله تعالى { أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون } [ الأنبياء : 67 ] وسبب التعجب وجوه ، الأول : أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغير وذلك معلوم بشواهد العقل والنقل فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بفعل متناقض لا يقبله العقل فلهذا قال { أفلا تعقلون } . الثاني : أن من وعظ الناس وأظهر علمه للخلق ثم لم يتعظ صار ذلك الوعظ سببا لرغبة الناس في المعصية لأن الناس يقولون إنه مع هذا العلم لولا أنه مطلع على أنه لا اصل لهذه التخويفات وإلا لما أقدم على المعصية ثم أتى بفعل يوجب الجراءة على المعصية فكأنه جمع بين المتناقضين ، وذلك لا يليق بأفعال العقلاء ، فلهذا قال { أفلا تعقلون } الثالث أن نت وعظ فلا بد وأن يجتهد في أن يصير وعظه مؤثرا في القلوب ، ومن عصى كان غرضه أن لا يصير وعظه مؤثرا في القلوب فالجمع بينهما متناقض غير لائق بالعقلاء ، ولهذا قال علي رضي الله عنه : قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك . وبقي ههنا مسائل : المسألة الأولى : قال بعضهم : ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر واحتجوا بالآية والمعقول ، أما الآية فقوله { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } ولا شك أنه تعالى ذكر ذلك في معرض الذم ، وقال أيضا { لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } [ الصف : 3 ] وأما المعقول فهو أنه لو جاز ذلك لجاز لمن يزني بامرأة أن ينكر عليها في أثناء الزنا على كشفها عن وجهها ، ومعلوم أن ذلك مستنكر . والجواب : أن المكلف مأمور بشيئين : أحدهما ترك المعصية ، والثاني منع الغير عن فعل المعصية والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر أما قوله { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } فهو نهي عن الجمع بينهما والنهي عن الجمع بين الشيئين يصح حمله على وجهين : أحدهما : أن يكون المراد هو النهي عن نسيان النفس مطلقا . والآخر : أن يكون المراد هو النهي عن ترغيب الناس في البر حال كونه ناسيا للنفس وعندنا المراد من الآية هو الأول لا الثاني ، وعلى هذا التقدير يسقط قول هذا الخصم ، وأما المعقول الذي ذكروه فليزمهم .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وخامسها : هو قول الزجاج كانوا يأمرون الناس ببذل الصدقة وكانوا يشحون بها ، لأن الله تعالى وصفهم بقساوة القلوب وأكل الربا والسحت . وسادسها : لهل المنافقين من اليهود كانوا يأمرون باتباع محمد صلى الله عليه وسلم في الظاهر ، ثم إنهم كانوا في قلوبهم منكرين له فوبخهم الله تعالى عليه . وسابعها : أن اليهود كانوا يأمرون غيرهم باتباع التوراة ثم إنهم خالفوه لأنهم وجدوا فيها ما يدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم إنهم ما آمنوا به . أما قوله { وتنسون أنفسكم } فالنسيان عبارة عن السهو الحادث بعد حصول العلم والناسي غير مكلف ومن لا يكون مكلفا لا يجوز أن يذمه الله تعالى على ما صدر منه فالمراد بقوله { وتنسون أنفسكم } أنكم تغفولن عن حق أنفسكم وتعدلون عما لها فيه من النفع ، أما قوله { وأنتم تتلون الكتاب } فمعناه تقرأون التوراة وتدرسونها وتعلمون بما فيها من الحث على أفعال البر والإعراض عن أفعال الإثم . وأما قوله { أفلا تعقلون } فهو تعجب للعقلاء من أفعالهم ونظيره قوله تعالى { أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون } [ الأنبياء : 67 ] وسبب التعجب وجوه ، الأول : أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغير وذلك معلوم بشواهد العقل والنقل فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بفعل متناقض لا يقبله العقل فلهذا قال { أفلا تعقلون } . الثاني : أن من وعظ الناس وأظهر علمه للخلق ثم لم يتعظ صار ذلك الوعظ سببا لرغبة الناس في المعصية لأن الناس يقولون إنه مع هذا العلم لولا أنه مطلع على أنه لا اصل لهذه التخويفات وإلا لما أقدم على المعصية ثم أتى بفعل يوجب الجراءة على المعصية فكأنه جمع بين المتناقضين ، وذلك لا يليق بأفعال العقلاء ، فلهذا قال { أفلا تعقلون } الثالث أن نت وعظ فلا بد وأن يجتهد في أن يصير وعظه مؤثرا في القلوب ، ومن عصى كان غرضه أن لا يصير وعظه مؤثرا في القلوب فالجمع بينهما متناقض غير لائق بالعقلاء ، ولهذا قال علي رضي الله عنه : قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك . وبقي ههنا مسائل : المسألة الأولى : قال بعضهم : ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر واحتجوا بالآية والمعقول ، أما الآية فقوله { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } ولا شك أنه تعالى ذكر ذلك في معرض الذم ، وقال أيضا { لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون } [ الصف : 3 ] وأما المعقول فهو أنه لو جاز ذلك لجاز لمن يزني بامرأة أن ينكر عليها في أثناء الزنا على كشفها عن وجهها ، ومعلوم أن ذلك مستنكر . والجواب : أن المكلف مأمور بشيئين : أحدهما ترك المعصية ، والثاني منع الغير عن فعل المعصية والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر أما قوله { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } فهو نهي عن الجمع بينهما والنهي عن الجمع بين الشيئين يصح حمله على وجهين : أحدهما : أن يكون المراد هو النهي عن نسيان النفس مطلقا . والآخر : أن يكون المراد هو النهي عن ترغيب الناس في البر حال كونه ناسيا للنفس وعندنا المراد من الآية هو الأول لا الثاني ، وعلى هذا التقدير يسقط قول هذا الخصم ، وأما المعقول الذي ذكروه فليزمهم .
Dio V03/P044–V03/P045Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V03/P044–V03/P045)
Orijinal Metin (AR)المسألة الثانية : احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن فعل العبد غير مخلوق لله عز وجل فقالوا قوله تعالى { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } إنما يصح ويحسن لو كان ذلك الفعل منهم ، فأما إذا كان مخلوقا فيهم على سبيل الاضطرار فإن ذلك لا يحسن إذ لا يجوز أن يقال للأسود : لم لا تبيض ؟ لما كان السواد مخلوق فيه . والجواب : أن قدرته لما صلحت للضدين فإن حصل أحد الضدين دون الآخر لا لمرجح كان ذلك محض الاتفاق ، والأمر الاتفاقي لا يمكن التوبيخ عليه . وإن حصل فإن كان ذلك المرجح منه عاد البحث فيه ، وإن حصل من الله تعالى فعند حصوله يصير ذلك الطرف راجحا والآخر مرجوحا والمرجوح ممتنع الوقوع لأنه حال الاستواء لما كان ممتنع الوقوع فحال المرجوحية أولى بأن يكون ممتنع الوقوع وإذا امتنع أحد النقيضين وجب الآخر وحينئذ يعود عليكم كل ما أوردتموه علينا . ثم الجواب الحقيقي عن الكل : أنه ' لا يسأل عما يفعل ' . المسألة الثالثة : ( أ ) عن أنس رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام < < مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من النار فقلت يا أخي جبريل من هؤلاء ؟ فقال هؤلاء خطباء من أهل الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم > > ( ب ) وقال عليه الصلاة والسلام < < إن في النار رجلا يتأذى أهل النار بريحه فقيل من هو يا رسول الله ؟ قال عالم لا ينتفع بعلمه > > ( ج ) وقال عليه الصلاة والسلام < < مثل الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه > > ( د ) وعن الشعبي : يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من النار فيقولون لم دخلتم النار ونحن إنما دخلنا الجنة بفضل تعليمكم ؟ فقالوا إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله . كما قيل : من وعظ بقوله ضاع كلامه ، ومن وعظ بفعله نفذت سهامه . وقال الشاعر : يا أيها المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا كيما يصح به وأنت سقيم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل إذا وعظت ويقتدى بالرأي منك وينفع التعليم قيل : عمل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل ، وأما من وعظ واتعظ فمحله عند الله عظيم . روي أن يزيد بن هارون مات وكان واعظا زاهدا فرؤي في المنام فقيل له ما فعل الله بك ؟ فقال غفر لي وأول ما سالني منكر ونكير فقالا من ربك ؟ فقلت أما تستحيان من شيخ دعا إلى الله تعالى كذا وكذا سنة فتقولان له من ربك ؟ وقيل للشبلي عند النزع قل لا إله إلا الله فقال : إن بيتا أنت ساكنه غير محتاج إلى السرج قوله سبحانه وتعالى < > ( { واستيعنوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ، الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون } ) < > < < البقرة : ( 45 - 46 ) واستعينوا بالصبر والصلاة . . . . . > >
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الثانية : احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن فعل العبد غير مخلوق لله عز وجل فقالوا قوله تعالى { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } إنما يصح ويحسن لو كان ذلك الفعل منهم ، فأما إذا كان مخلوقا فيهم على سبيل الاضطرار فإن ذلك لا يحسن إذ لا يجوز أن يقال للأسود : لم لا تبيض ؟ لما كان السواد مخلوق فيه . والجواب : أن قدرته لما صلحت للضدين فإن حصل أحد الضدين دون الآخر لا لمرجح كان ذلك محض الاتفاق ، والأمر الاتفاقي لا يمكن التوبيخ عليه . وإن حصل فإن كان ذلك المرجح منه عاد البحث فيه ، وإن حصل من الله تعالى فعند حصوله يصير ذلك الطرف راجحا والآخر مرجوحا والمرجوح ممتنع الوقوع لأنه حال الاستواء لما كان ممتنع الوقوع فحال المرجوحية أولى بأن يكون ممتنع الوقوع وإذا امتنع أحد النقيضين وجب الآخر وحينئذ يعود عليكم كل ما أوردتموه علينا . ثم الجواب الحقيقي عن الكل : أنه ' لا يسأل عما يفعل ' . المسألة الثالثة : ( أ ) عن أنس رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام < < مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من النار فقلت يا أخي جبريل من هؤلاء ؟ فقال هؤلاء خطباء من أهل الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم > > ( ب ) وقال عليه الصلاة والسلام < < إن في النار رجلا يتأذى أهل النار بريحه فقيل من هو يا رسول الله ؟ قال عالم لا ينتفع بعلمه > > ( ج ) وقال عليه الصلاة والسلام < < مثل الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه > > ( د ) وعن الشعبي : يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من النار فيقولون لم دخلتم النار ونحن إنما دخلنا الجنة بفضل تعليمكم ؟ فقالوا إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله . كما قيل : من وعظ بقوله ضاع كلامه ، ومن وعظ بفعله نفذت سهامه . وقال الشاعر : يا أيها المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا كيما يصح به وأنت سقيم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل إذا وعظت ويقتدى بالرأي منك وينفع التعليم قيل : عمل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل ، وأما من وعظ واتعظ فمحله عند الله عظيم . روي أن يزيد بن هارون مات وكان واعظا زاهدا فرؤي في المنام فقيل له ما فعل الله بك ؟ فقال غفر لي وأول ما سالني منكر ونكير فقالا من ربك ؟ فقلت أما تستحيان من شيخ دعا إلى الله تعالى كذا وكذا سنة فتقولان له من ربك ؟ وقيل للشبلي عند النزع قل لا إله إلا الله فقال : إن بيتا أنت ساكنه غير محتاج إلى السرج قوله سبحانه وتعالى < > ( { واستيعنوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ، الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون } ) < > < < البقرة : ( 45 - 46 ) واستعينوا بالصبر والصلاة . . . . . > >
Dio V03/P045–V03/P046Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V03/P045–V03/P046)
Orijinal Metin (AR)المسألة الأولى : اختلفوا في المخاطبين بقوله سبحانه وتعالى { واستعينوا بالصبر والصلاة } فقال قوم : هم المؤمنون بالرسول قال لأن من ينكر الصلاة أصلا والصبر على دين محمد صلى الله عليه سلم لا يكاد يقال له استعن بالصبر والصلاة ، فلا جرم وجب صرفه إلى من صدق بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا يمتنع أن يكون الخطاب أولا في بني إسرائيل ثم يقع بعد ذلك خطابا للمؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم ، والأقرب أن المخاطبين هم بنو إسرائيل لأن صرف الخطاب إلى غيرهم يوجب تفكيك النظم . فإن قيل كيف يؤمرون بالصبر والصلاة مع كونهم منكرين لهما ؟ قلنا لا نسلم كونهم منكرين لهما ؛ وذلك لأن كل أحد يعلم أن الصبر على ما يجب الصبر عليه حسن وأن الصلاة التي هي تواضع للخالق والاشتغال بذكر الله تعالى يسلي عن محن الدنيا وآفاتها ، وإنما الاختلاف في الكيفية فإن صلاة اليهود واقعة على كيفية وصلاة المسلمين على كيفية أخرى . وإذا كان متعلق الأمر هو الماهية التي هي القدر المشترك زال الإشكال المذكور وعلى هذا نقول : إنه تعالى لما أمرهم بالإيمان وبترك الإضلال وبالتزام الشرائع وهي الصلاة والزكاة ، وكان ذلك شاقا عليهم لما فيه من ترك الرياسات والإعراض عن المال والجاه لا جرم عالج الله تعالى هذا المرض فقال { واستعينوا بالصبر والصلاة } . المسألة الثانية : ذكروا في الصبر والصلاة وجوها : أحدها : كأنه قيل واستعينوا على ترك ما تحبون من الدنيا والدخول فيما تستثقله طباعكم من قبول دين محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر أي يحبس النفس عن اللذات فإنكم إذا كلفتم أنفسكم ذلك مرنت عليه وخف عليها ثم إذا ضممتم الصلاة إلى ذلك تم الأمر ، لأن المشتغل بالصلاة لا بد وأن يكون مشتغلا بذكر الله عز وجل وذكر جلاله وقهره وذكر رحمته وفضله ، فإذا تذكر رجمته صار مائلا إلى طاعته وإذا تذكر عقابه ترك معصيته فيسهل عند ذلك اشتغاله بالطاعة وتركه للمعصية . وثانيها : المراد من الصبر ههنا هو الصوم لأن الصائم صابر عن الطعام والشراب ، ومن حبس نفسه عن قضاء شهورة البطن والفرج زالت عنه كدورات حب الدنيا ، فإذا انضاف إليه الصلاة استنار القلب بأنوار معرفة الله تعالى وإنما قدم الصوم على الصلاة لأن تأثير الصوم في إزالة ما لا ينبغي وتأثير الصلاة في حصول ما ينبغي والنفي مقدم على الإثبات ، ولأنه عليه الصلاة والسلام قال < < الصوم جنة من النار > > وقال الله تعالى { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } [ العنكبوت : 45 ] لأن الصلاة تمنع عن الاشتغال بالدنيا وتخشع القلب ويحصل بسببها تلاوة الكتاب والوقوف على ما فيه من الوعد والوعيد والمواعظ والآداب الجميلة وذكر مصير الخلق إلى دار الثواب أو دار العقاب رغبة في الآخرة ونفرة عن الدنيا فيهون على الإنسان حينئذ ترك الرياسة ، ومقطعة عن المخلوقين إلى قبلة خدمة الخالق ونظير هذه الآية قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا استيعنوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين } [ البقرة : 153 ] .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الأولى : اختلفوا في المخاطبين بقوله سبحانه وتعالى { واستعينوا بالصبر والصلاة } فقال قوم : هم المؤمنون بالرسول قال لأن من ينكر الصلاة أصلا والصبر على دين محمد صلى الله عليه سلم لا يكاد يقال له استعن بالصبر والصلاة ، فلا جرم وجب صرفه إلى من صدق بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا يمتنع أن يكون الخطاب أولا في بني إسرائيل ثم يقع بعد ذلك خطابا للمؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم ، والأقرب أن المخاطبين هم بنو إسرائيل لأن صرف الخطاب إلى غيرهم يوجب تفكيك النظم . فإن قيل كيف يؤمرون بالصبر والصلاة مع كونهم منكرين لهما ؟ قلنا لا نسلم كونهم منكرين لهما ؛ وذلك لأن كل أحد يعلم أن الصبر على ما يجب الصبر عليه حسن وأن الصلاة التي هي تواضع للخالق والاشتغال بذكر الله تعالى يسلي عن محن الدنيا وآفاتها ، وإنما الاختلاف في الكيفية فإن صلاة اليهود واقعة على كيفية وصلاة المسلمين على كيفية أخرى . وإذا كان متعلق الأمر هو الماهية التي هي القدر المشترك زال الإشكال المذكور وعلى هذا نقول : إنه تعالى لما أمرهم بالإيمان وبترك الإضلال وبالتزام الشرائع وهي الصلاة والزكاة ، وكان ذلك شاقا عليهم لما فيه من ترك الرياسات والإعراض عن المال والجاه لا جرم عالج الله تعالى هذا المرض فقال { واستعينوا بالصبر والصلاة } . المسألة الثانية : ذكروا في الصبر والصلاة وجوها : أحدها : كأنه قيل واستعينوا على ترك ما تحبون من الدنيا والدخول فيما تستثقله طباعكم من قبول دين محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر أي يحبس النفس عن اللذات فإنكم إذا كلفتم أنفسكم ذلك مرنت عليه وخف عليها ثم إذا ضممتم الصلاة إلى ذلك تم الأمر ، لأن المشتغل بالصلاة لا بد وأن يكون مشتغلا بذكر الله عز وجل وذكر جلاله وقهره وذكر رحمته وفضله ، فإذا تذكر رجمته صار مائلا إلى طاعته وإذا تذكر عقابه ترك معصيته فيسهل عند ذلك اشتغاله بالطاعة وتركه للمعصية . وثانيها : المراد من الصبر ههنا هو الصوم لأن الصائم صابر عن الطعام والشراب ، ومن حبس نفسه عن قضاء شهورة البطن والفرج زالت عنه كدورات حب الدنيا ، فإذا انضاف إليه الصلاة استنار القلب بأنوار معرفة الله تعالى وإنما قدم الصوم على الصلاة لأن تأثير الصوم في إزالة ما لا ينبغي وتأثير الصلاة في حصول ما ينبغي والنفي مقدم على الإثبات ، ولأنه عليه الصلاة والسلام قال < < الصوم جنة من النار > > وقال الله تعالى { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } [ العنكبوت : 45 ] لأن الصلاة تمنع عن الاشتغال بالدنيا وتخشع القلب ويحصل بسببها تلاوة الكتاب والوقوف على ما فيه من الوعد والوعيد والمواعظ والآداب الجميلة وذكر مصير الخلق إلى دار الثواب أو دار العقاب رغبة في الآخرة ونفرة عن الدنيا فيهون على الإنسان حينئذ ترك الرياسة ، ومقطعة عن المخلوقين إلى قبلة خدمة الخالق ونظير هذه الآية قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا استيعنوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين } [ البقرة : 153 ] .
Dio V03/P046–V03/P047Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V03/P046–V03/P047)
Orijinal Metin (AR)أما قوله تعالى { وإنها } ففي هذا الضمير وجوه أحدها : الضمير عائد إلى الصلاة أي صلاة ثقيلة إلا على الخاشعين ، وثانيها : الضمير عائد إلى الاستعانة التي يدل عليها قوله { واستعينوا } وثالثها : أنه عائد إلى جميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله { واذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } إلى قوله { واستعينوا } والعرب قد تضمر الشيء اختصارا أو تقتصر فيه على الإيماء إذا وثقت بعلم المخاطب فيقول القائل : ما عليها أفضل من فلان يعني الأرض ، ويقلون : ما بين لابتيها أكرم من فلان يعنون المدينة وقال تعالى { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة } [ النحل : 61 ] ولا ذكر للأرض . أما قوله { لكبيرة } أي لشاقة ثقيلة على هؤلاء سهلة على الخاشعين فيجب أن يكون ثوابهم أكثر وثواب الخاشع أقل وذلك منكر من القول ، قلنا ليس المراد أن الذي يلحقهم من التعب أكثر مما يلحق الخاشع وكيف يكون ذلك والخاشع يستعمل عند الصلاة جوارحه وقلبه وسمعه وبصره ولا يغفل عن تدبر ما يأتي به من الذكر والتذلل والخشوع ، وإذ تذكر الوعيد لم يخل من حسرة وغم ، وإذا ذكر الوعد فكمثل ذلك ، وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عليه بفعل الصلاة أعظم ، وإنما المراد بقوله : وإنها ثقيلة على من لم يخشع أنه من حيث لا يعتقد في فعلها ثوابا ولا في تركها عقابا فيصعب عليه فعلها . فالحاصل أن الملحد إذا لم يعتقد في فعلها منفعة ثقل عليه فعلها لأن الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل على الطبع أما الموحد فلما اعتقد في فعلها أعظم المنافع وفي تركها أعظم المضار لم يثقل ذلك عليه لما يعتقد في فعله من الثواب والفوز العظيم بالنعيم المقيم والخلاص من العذاب الأليم ، ألا ترى إلى قوله { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } أي يتوقعون نيل ثوابه والخلاص من العذاب الأليم ، ألا ترى إلى قوله { والذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } أي يتوقعون نيل ثوابه والخلاص من عقابه . مثاله إذا قيل للمريض كل هذا الشيء المر فإن اعتقد أنه له فيه شفاء سهل ذلك عليه ، وإن لم يعتقد ذلك فيه صعب الأمر عليه ، وعليه يحمل قوله عليه الصلاة والسلام < < وجعلت قرة عيني في الصلاة > > وصف الصلاة بذلك للوجوه التي ذكرناها لا لأنها كانت تثقل عليه ، وكيف وكان عليه الصلاة والسلام يصلي حتى تورمت قدماه . وأما الخشوع فهو التذلل والخضوع . أما قوله { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } فللمفسرين فيه قولان : القول الأول : أن الظن بمعنى العلم قالوا لأن الظن وهو الإعتقاد الذي يقارنه تجويز النقيض يقتضي أن يكون صاحبه غير جازم بيوم القيامة وذلك كفر والله تعالى مدح على هذا الظن والمدح على الكفر غير جائز فوجب أن يكون المراد من الظن ههنا العلم ، وسبب هذا المجاز أن العلم والظن يشتركان في كون كل واحد منهما اعتقادا راجحا إلا أن العلم راجح مانع من النقيض والظن راجح غير مانع من النقيض فلما اشتبها من هذا الوجه صح إطلاق اسم أحدهما على الآخر ، قال أوس بن حجر : فأرسلته مستيقن الظن أنه مخالط ما بين الشراسيف خائف وقال تعالى { إني ظننت أني ملاق حسابيه } [ الحاقة : 20 ] وقال { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون } [ المطففين : 4 ] ذكر الله تعالى ذلك إنكارا عليهم وبعثا على الظن ولا يجوز أن يبعثهم على الإعتقاد المجوز للنقيض فثبت أن المراد بالظن ههنا العلم .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)أما قوله تعالى { وإنها } ففي هذا الضمير وجوه أحدها : الضمير عائد إلى الصلاة أي صلاة ثقيلة إلا على الخاشعين ، وثانيها : الضمير عائد إلى الاستعانة التي يدل عليها قوله { واستعينوا } وثالثها : أنه عائد إلى جميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله { واذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } إلى قوله { واستعينوا } والعرب قد تضمر الشيء اختصارا أو تقتصر فيه على الإيماء إذا وثقت بعلم المخاطب فيقول القائل : ما عليها أفضل من فلان يعني الأرض ، ويقلون : ما بين لابتيها أكرم من فلان يعنون المدينة وقال تعالى { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة } [ النحل : 61 ] ولا ذكر للأرض . أما قوله { لكبيرة } أي لشاقة ثقيلة على هؤلاء سهلة على الخاشعين فيجب أن يكون ثوابهم أكثر وثواب الخاشع أقل وذلك منكر من القول ، قلنا ليس المراد أن الذي يلحقهم من التعب أكثر مما يلحق الخاشع وكيف يكون ذلك والخاشع يستعمل عند الصلاة جوارحه وقلبه وسمعه وبصره ولا يغفل عن تدبر ما يأتي به من الذكر والتذلل والخشوع ، وإذ تذكر الوعيد لم يخل من حسرة وغم ، وإذا ذكر الوعد فكمثل ذلك ، وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عليه بفعل الصلاة أعظم ، وإنما المراد بقوله : وإنها ثقيلة على من لم يخشع أنه من حيث لا يعتقد في فعلها ثوابا ولا في تركها عقابا فيصعب عليه فعلها . فالحاصل أن الملحد إذا لم يعتقد في فعلها منفعة ثقل عليه فعلها لأن الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل على الطبع أما الموحد فلما اعتقد في فعلها أعظم المنافع وفي تركها أعظم المضار لم يثقل ذلك عليه لما يعتقد في فعله من الثواب والفوز العظيم بالنعيم المقيم والخلاص من العذاب الأليم ، ألا ترى إلى قوله { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } أي يتوقعون نيل ثوابه والخلاص من العذاب الأليم ، ألا ترى إلى قوله { والذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } أي يتوقعون نيل ثوابه والخلاص من عقابه . مثاله إذا قيل للمريض كل هذا الشيء المر فإن اعتقد أنه له فيه شفاء سهل ذلك عليه ، وإن لم يعتقد ذلك فيه صعب الأمر عليه ، وعليه يحمل قوله عليه الصلاة والسلام < < وجعلت قرة عيني في الصلاة > > وصف الصلاة بذلك للوجوه التي ذكرناها لا لأنها كانت تثقل عليه ، وكيف وكان عليه الصلاة والسلام يصلي حتى تورمت قدماه . وأما الخشوع فهو التذلل والخضوع . أما قوله { الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم } فللمفسرين فيه قولان : القول الأول : أن الظن بمعنى العلم قالوا لأن الظن وهو الإعتقاد الذي يقارنه تجويز النقيض يقتضي أن يكون صاحبه غير جازم بيوم القيامة وذلك كفر والله تعالى مدح على هذا الظن والمدح على الكفر غير جائز فوجب أن يكون المراد من الظن ههنا العلم ، وسبب هذا المجاز أن العلم والظن يشتركان في كون كل واحد منهما اعتقادا راجحا إلا أن العلم راجح مانع من النقيض والظن راجح غير مانع من النقيض فلما اشتبها من هذا الوجه صح إطلاق اسم أحدهما على الآخر ، قال أوس بن حجر : فأرسلته مستيقن الظن أنه مخالط ما بين الشراسيف خائف وقال تعالى { إني ظننت أني ملاق حسابيه } [ الحاقة : 20 ] وقال { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون } [ المطففين : 4 ] ذكر الله تعالى ذلك إنكارا عليهم وبعثا على الظن ولا يجوز أن يبعثهم على الإعتقاد المجوز للنقيض فثبت أن المراد بالظن ههنا العلم .
Dio V03/P047Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V03/P047)
Orijinal Metin (AR)القول الثاني : أن يحمل اللفظ على ظاهره وهو الظن الحقيقي ، ثم ههنا وجوه . الأول : أن تجعل ملاقاة الرب مجازا عن الموت ، وذلك لأن ملاقاة الرب مسبب عن الموت فأطلق المسبب والمراد منه السبب ، وهذا مجاز مشهور فإنه يقال لمن مات إنه لقي ربه . إذ ثبت هذا فنقول : وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون الموت في كل لحظة ، وذلك لأن كل من كان متوقعا للموت في كل لحظة فإنه لا يفارق قلبه الخشوع فهم يبادرون إلى التوبة ، لأن خوف الموت مما يقوي دواعي التوبة مع خشوعه لا بد في كل حال من أن لا يأمن تقصيرا جرى منه فيلزمه التلافي ، فإذا كان حاله ما ذكرنا كان ذلك داعيا له إلى المبادرة إلى التوبة ، الثاني : أن تفسر ملاقاة ثواب الرب وذلك مظنون لا معلوم فإن الزهد العابد لا يقطع بكونه ملاقيا لثواب الله بل يظن إلا أن ذلك الظن مما يحمله على كمال الخشوع . الثالث : المعنى الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم بذنوبهم فإن الإنسان الخاشع قد يسيء ظنه بنفسه وبأعماله فيغلب على ظنه أنه يلقى الله تعالى بذنوبه فعند ذلك يسارع إلى التوبة وذلك من صفات المدح . بقي هنا مسألتان : المسألة الأولى : استدل بعض الأصحاب بقوله { ملاقوا ربهم } على جواز رؤية الله تعالى وقالت المعتزلة : لفظ اللقاء لا يفيد الرؤية والدليل عليه الآية والخبر والعرف . أما الآية فقوله تعالى { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه } [ الفرقان : 68 ] والمنافق لا يرى ربه ، وقال { ومن يفعل ذلك يلق آثاما } [ الفرقان 68 ] وقال تعالى في معرض التهديد { واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه } [ البقرة : 223 ] فهذا يتناول الكافر والمؤمن ، والرؤية لا تثبت للكافر فعلمنا أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية . وأما الخبر فقوله عليه السلام < < من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان > > وليس المراد رأى الله تعالى لأن ذلك وصف أهل النار ، وأما العرف فهو قول المسلمين فيمن مات : لقي الله ، ولا يعنون أنه رأى الله عز وجل ، وأيضا فاللقاء يراد به القرب ممن يلقاه على زجه يزول الحجاب بينهما ، ولذلك يقول الرجل إذا حجب عن الأمير : ما لقيته بعد وإن كان قد رآه ، وإذا أذن له في الدخول عليه يقول لقيته ، وإن كان ضريرا ، ويقال لقي فلان جهدا شديدا ولقيت من فلان الداهية ، ولاقى فلان حمامه ، وكل ذلك يدل على أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية ويدل عليه أيضا قوله تعالى { فالتقى الماء على أمر قد قدر } [ القمر : 12 ] وهذا إنما يصح في حق الجسم ولا يصح على الله تعالى .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)القول الثاني : أن يحمل اللفظ على ظاهره وهو الظن الحقيقي ، ثم ههنا وجوه . الأول : أن تجعل ملاقاة الرب مجازا عن الموت ، وذلك لأن ملاقاة الرب مسبب عن الموت فأطلق المسبب والمراد منه السبب ، وهذا مجاز مشهور فإنه يقال لمن مات إنه لقي ربه . إذ ثبت هذا فنقول : وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون الموت في كل لحظة ، وذلك لأن كل من كان متوقعا للموت في كل لحظة فإنه لا يفارق قلبه الخشوع فهم يبادرون إلى التوبة ، لأن خوف الموت مما يقوي دواعي التوبة مع خشوعه لا بد في كل حال من أن لا يأمن تقصيرا جرى منه فيلزمه التلافي ، فإذا كان حاله ما ذكرنا كان ذلك داعيا له إلى المبادرة إلى التوبة ، الثاني : أن تفسر ملاقاة ثواب الرب وذلك مظنون لا معلوم فإن الزهد العابد لا يقطع بكونه ملاقيا لثواب الله بل يظن إلا أن ذلك الظن مما يحمله على كمال الخشوع . الثالث : المعنى الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم بذنوبهم فإن الإنسان الخاشع قد يسيء ظنه بنفسه وبأعماله فيغلب على ظنه أنه يلقى الله تعالى بذنوبه فعند ذلك يسارع إلى التوبة وذلك من صفات المدح . بقي هنا مسألتان : المسألة الأولى : استدل بعض الأصحاب بقوله { ملاقوا ربهم } على جواز رؤية الله تعالى وقالت المعتزلة : لفظ اللقاء لا يفيد الرؤية والدليل عليه الآية والخبر والعرف . أما الآية فقوله تعالى { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه } [ الفرقان : 68 ] والمنافق لا يرى ربه ، وقال { ومن يفعل ذلك يلق آثاما } [ الفرقان 68 ] وقال تعالى في معرض التهديد { واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه } [ البقرة : 223 ] فهذا يتناول الكافر والمؤمن ، والرؤية لا تثبت للكافر فعلمنا أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية . وأما الخبر فقوله عليه السلام < < من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان > > وليس المراد رأى الله تعالى لأن ذلك وصف أهل النار ، وأما العرف فهو قول المسلمين فيمن مات : لقي الله ، ولا يعنون أنه رأى الله عز وجل ، وأيضا فاللقاء يراد به القرب ممن يلقاه على زجه يزول الحجاب بينهما ، ولذلك يقول الرجل إذا حجب عن الأمير : ما لقيته بعد وإن كان قد رآه ، وإذا أذن له في الدخول عليه يقول لقيته ، وإن كان ضريرا ، ويقال لقي فلان جهدا شديدا ولقيت من فلان الداهية ، ولاقى فلان حمامه ، وكل ذلك يدل على أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية ويدل عليه أيضا قوله تعالى { فالتقى الماء على أمر قد قدر } [ القمر : 12 ] وهذا إنما يصح في حق الجسم ولا يصح على الله تعالى .
Dio V03/P047–V03/P048Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V03/P047–V03/P048)
Orijinal Metin (AR)قال الأصحاب اللقاء في أصل اللغة عبارة عن وصول أحد الجسمين إلى الآخر بحيث يماسه بمسطحة يقال : لقي هذا ذاك إذا ماسه واتصل به ، ولما كانت الملاقاة بين الجنسين المدركين سببا لحصول الإدراك فحيث يمتنع إجراء اللفظ على المماسة وجب حمله على الإدراك لأن إطلاق لفظ السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز ، فثبت أنه يجب حمله لفظ اللقاء على الإدراك أكثر ما في الباب أنه ترك هذا المعنى في بعض الصور لدليل يخصه فوجب إجراؤه على الإدراك في البواقي ، وعلى هذا التقرير زالت السؤالات . أما قوله : { فاعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه } [ التوبة : 77 ] والمنافق لا يرى ربه ؛ قلنا : فلأجل هذه الضرورة ففي هذا الموضع لما اضطررنا إليه اعتبرناه ، وأما في قوله تعالى { أنهم ملاقوا ربهم } لا ضرورة في صرف اللفظ عن ظاهره ولا في إضمار هذه الزيادة فلا جرم وجب تعليق اللقاء بالله تعالى لا بحكم الله ، فإن اشتغلوا بذكر الدلائل العقلية التي تمنع من جواز الرؤية بينا ضعفها وحينئذ يستقيم التمسك بالظاهر من هذا الوجه . المسألة الثانية : المراد من الرجوع إلى الله تعالى الرجوع إلى حيث يكون لهم مالك سواه وأن لا يملك لهم أحد نفعا ولا ضرا غيره كما كانوا كذلك في أول الخلق فجعل مصيرهم إلى مثل ما كانوا عليه أولا رجوعا إلى الله من حيث كانوا في سائر أيام حياتهم قد يملك غيره الحكم عليهم ويملك أن يضرهم وينفعهم وإن كان الله تعالى مالكا لهم في جميع أحوالهم ، وقد احتج بهذه الآية فريقان من المبطلين . الأول : المجسمة فإنهم قالوا الرجوع إلى غير الجسم محال فلما ثبت الرجوع إلى الله وجب كون الله جسما ، الثاني : التناسخية فإنهم قالوا الرجوع إلى الشيء مسبوق بالكون عنده ، فدلت هذه الآية على كون الأرواح قديمة وأنها كانت موجودة في عالم الروحانيات . والجواب عنها قد حصل بناء على ما تقدم . قوله تبارك وتعالى < > ( { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين } ) < > < < البقرة : ( 47 ) يا بني إسرائيل . . . . . > > اعلم أنه تعالى إنما أعاد هذا الكلام مرة أخرى توكيدا للحجة عليهم وتحذيرا من ترك اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ثم قرنه بالوعيد ، وهو قوله { وتقوا يوما } [ البقرة : 48 ] كأنه قال إن لم تطيعوني لأجل سوالف نعمتي عليكم فأطيعوني للخوف من عقابي في المستقبل . أما قوله { وأني فضلتكم على العالمين } ففيه سؤال وهو أنه يلزم أنم يكونوا أفضل من محمد عليه السلام وذلك باطل بالاتفاق والجواب عنه من وجوه : أحدها : قال قوم : العالم عبارة عن الجمع الكثير من الناس كقولك رأيت عالما من الناس ، والمراد منه الكثير لا الكل ، وهذا ضعيف لأن لفظ العالم مشتق من العلم وهو الدليل فكل ما كان دليلا على الله تعالى كان عالما فكان من العلم ، وهذا تحقيق قول المتكلمين : العالم كل موجود سوى الله ، وعلى هذا لا يمكن تخصيص لفظ ببعض المحدثات .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)قال الأصحاب اللقاء في أصل اللغة عبارة عن وصول أحد الجسمين إلى الآخر بحيث يماسه بمسطحة يقال : لقي هذا ذاك إذا ماسه واتصل به ، ولما كانت الملاقاة بين الجنسين المدركين سببا لحصول الإدراك فحيث يمتنع إجراء اللفظ على المماسة وجب حمله على الإدراك لأن إطلاق لفظ السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز ، فثبت أنه يجب حمله لفظ اللقاء على الإدراك أكثر ما في الباب أنه ترك هذا المعنى في بعض الصور لدليل يخصه فوجب إجراؤه على الإدراك في البواقي ، وعلى هذا التقرير زالت السؤالات . أما قوله : { فاعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه } [ التوبة : 77 ] والمنافق لا يرى ربه ؛ قلنا : فلأجل هذه الضرورة ففي هذا الموضع لما اضطررنا إليه اعتبرناه ، وأما في قوله تعالى { أنهم ملاقوا ربهم } لا ضرورة في صرف اللفظ عن ظاهره ولا في إضمار هذه الزيادة فلا جرم وجب تعليق اللقاء بالله تعالى لا بحكم الله ، فإن اشتغلوا بذكر الدلائل العقلية التي تمنع من جواز الرؤية بينا ضعفها وحينئذ يستقيم التمسك بالظاهر من هذا الوجه . المسألة الثانية : المراد من الرجوع إلى الله تعالى الرجوع إلى حيث يكون لهم مالك سواه وأن لا يملك لهم أحد نفعا ولا ضرا غيره كما كانوا كذلك في أول الخلق فجعل مصيرهم إلى مثل ما كانوا عليه أولا رجوعا إلى الله من حيث كانوا في سائر أيام حياتهم قد يملك غيره الحكم عليهم ويملك أن يضرهم وينفعهم وإن كان الله تعالى مالكا لهم في جميع أحوالهم ، وقد احتج بهذه الآية فريقان من المبطلين . الأول : المجسمة فإنهم قالوا الرجوع إلى غير الجسم محال فلما ثبت الرجوع إلى الله وجب كون الله جسما ، الثاني : التناسخية فإنهم قالوا الرجوع إلى الشيء مسبوق بالكون عنده ، فدلت هذه الآية على كون الأرواح قديمة وأنها كانت موجودة في عالم الروحانيات . والجواب عنها قد حصل بناء على ما تقدم . قوله تبارك وتعالى < > ( { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين } ) < > < < البقرة : ( 47 ) يا بني إسرائيل . . . . . > > اعلم أنه تعالى إنما أعاد هذا الكلام مرة أخرى توكيدا للحجة عليهم وتحذيرا من ترك اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ثم قرنه بالوعيد ، وهو قوله { وتقوا يوما } [ البقرة : 48 ] كأنه قال إن لم تطيعوني لأجل سوالف نعمتي عليكم فأطيعوني للخوف من عقابي في المستقبل . أما قوله { وأني فضلتكم على العالمين } ففيه سؤال وهو أنه يلزم أنم يكونوا أفضل من محمد عليه السلام وذلك باطل بالاتفاق والجواب عنه من وجوه : أحدها : قال قوم : العالم عبارة عن الجمع الكثير من الناس كقولك رأيت عالما من الناس ، والمراد منه الكثير لا الكل ، وهذا ضعيف لأن لفظ العالم مشتق من العلم وهو الدليل فكل ما كان دليلا على الله تعالى كان عالما فكان من العلم ، وهذا تحقيق قول المتكلمين : العالم كل موجود سوى الله ، وعلى هذا لا يمكن تخصيص لفظ ببعض المحدثات .
Dio V03/P048–V03/P049Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V03/P048–V03/P049)
Orijinal Metin (AR)ثانيها : المراد فضلتكم على عالمي زمانكم وذلك لأن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك وهو الآن ليس بموجود لم يكن ذلك الشخص من جملة العالمين حال عدمه لأن شرط العالم أن يكون موجودا والشيء حال عدمه لا يكون موجودا فالشيء حال عدمه لا يكون من العالمين ، وأن محمد عليه السلام ما كان موجودا في ذلك الوقت ، فما كان ذلك الوقت من العالمين فلا يلزم من كون بني إسرائيل أفضل العالمين في ذلك الوقت كونهم أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت ، وهذا هو الجواب أيضا عن قوله تعالى { إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحد من العالمين } [ المائدة : 20 ] وقال { ولقد أخترناهم على علم على العالمين } [ الدخان : 32 ] وأراد به عالمي ذلك الزمان ، وإنما كانوا أفضل من غيرهم بما أعطوا من الملك والرسالة والكتب الإلهية . وثالثها : أن قوله { وأني فضلتكم على العالمين } عام في العالمين لكنه مطلق في الفضل والمطلق يكفي في صدقه واحدة فالآية تدل على أن بني إسرائيل فضلوا على العالمين في أمرها وهذا لا يقتضي أن يكونوا أفضل من كل العالمين في كل الأمور بل لعلهم وإن كانوا أفضل من غيرهم في أمر واحد فغيرهم يكون أفضل منهم فيما عدا ذلك الأمر وعند ذلك يظهر أنه لا يصلح الاستدلال بقوله تعالى { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } [ آل عمران : 33 ] على أن الأنبياء أفضل من الملائكة . بقي ههنا أبحاث : البحث الأول : قال ابن زيد : أراد به المؤمنون منهم لأن عصاتهم مسخوا قردة وخنازير على ما قال تعالى { وجعل منهم القردة والخنازير } [ المائدة : 60 ] وقال { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل } [ المائدة : 78 ] . البحث الثاني : أن جميع ما خاطب الله تعالى به بني إسرائيل تنبيه للعرب لأن الفضيلة بالنبي قد لحقتهم ، وجميع أقاصيص الأنبياء تنبيه وإرشاد قال الله تعالى { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } [ الزمر : 18 ] وقال { واتبعوا ما أحسن ما أنزل إليكم كم ربكم } [ الزمر : 55 ] وقال { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } [ يوسف : 111 ] ولذلك روى قتادة قال : ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول قد مضى والله بنو إسرائيل وما يغني ما تسمعون عن غيركم . البحث الثالث : قال القفال ' النعمة ' بكسر النون المنة وما ينعم به الرجل على صاحبه قال تعالى { وتلك نعمة تمنها علي } [ الشعراء : 22 ] وأما النعمة بفتح النون فهو ما يتنعم به في العيش ، قال تعالى { ونعمة كانوا فيها فاكهين } [ الدخان : 27 ] البحث الرابع : قوله تعالى { وأني فضلتكم على العالمين } يدل على أن رعاية الأصلح لا تجب على الله تعالى لا في الدنيا ولا في الدين لأن قوله { وأني فضلتكم على العالمين } يتناول جميع نعم الدنيا والدين ، فذلك التفضيل إما أن يكون واجبا أو لا يكون واجبا فإن كان واجبا لم يجز جعله منة عليهم لأن من أدى واجبا فلا منة له على أحد وإن كان غير واجب مع أنه تعالى خصص البعض بذلك دون البعض فهذا يدل على أن رعاية الأصلح غير واجبة لا في الدنيا ولا في الدين . فإن قيل لما خصهم بالنعم العظيمة في الدنيا فهذا يناسب أن يخصهم أيضا بالنعم العظيمة في الآخرة كما قيل : إتمام المعروف خير من إبتدائه ، فلم اردف ذلك التخويف الشديد في قوله { واتقوا يوما } ؟ والجواب : لأن المعصية مع عظم النعمة تكون أقبح وأفحش فلهذا حذرهم عنها .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)ثانيها : المراد فضلتكم على عالمي زمانكم وذلك لأن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك وهو الآن ليس بموجود لم يكن ذلك الشخص من جملة العالمين حال عدمه لأن شرط العالم أن يكون موجودا والشيء حال عدمه لا يكون موجودا فالشيء حال عدمه لا يكون من العالمين ، وأن محمد عليه السلام ما كان موجودا في ذلك الوقت ، فما كان ذلك الوقت من العالمين فلا يلزم من كون بني إسرائيل أفضل العالمين في ذلك الوقت كونهم أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت ، وهذا هو الجواب أيضا عن قوله تعالى { إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحد من العالمين } [ المائدة : 20 ] وقال { ولقد أخترناهم على علم على العالمين } [ الدخان : 32 ] وأراد به عالمي ذلك الزمان ، وإنما كانوا أفضل من غيرهم بما أعطوا من الملك والرسالة والكتب الإلهية . وثالثها : أن قوله { وأني فضلتكم على العالمين } عام في العالمين لكنه مطلق في الفضل والمطلق يكفي في صدقه واحدة فالآية تدل على أن بني إسرائيل فضلوا على العالمين في أمرها وهذا لا يقتضي أن يكونوا أفضل من كل العالمين في كل الأمور بل لعلهم وإن كانوا أفضل من غيرهم في أمر واحد فغيرهم يكون أفضل منهم فيما عدا ذلك الأمر وعند ذلك يظهر أنه لا يصلح الاستدلال بقوله تعالى { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } [ آل عمران : 33 ] على أن الأنبياء أفضل من الملائكة . بقي ههنا أبحاث : البحث الأول : قال ابن زيد : أراد به المؤمنون منهم لأن عصاتهم مسخوا قردة وخنازير على ما قال تعالى { وجعل منهم القردة والخنازير } [ المائدة : 60 ] وقال { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل } [ المائدة : 78 ] . البحث الثاني : أن جميع ما خاطب الله تعالى به بني إسرائيل تنبيه للعرب لأن الفضيلة بالنبي قد لحقتهم ، وجميع أقاصيص الأنبياء تنبيه وإرشاد قال الله تعالى { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } [ الزمر : 18 ] وقال { واتبعوا ما أحسن ما أنزل إليكم كم ربكم } [ الزمر : 55 ] وقال { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } [ يوسف : 111 ] ولذلك روى قتادة قال : ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول قد مضى والله بنو إسرائيل وما يغني ما تسمعون عن غيركم . البحث الثالث : قال القفال ' النعمة ' بكسر النون المنة وما ينعم به الرجل على صاحبه قال تعالى { وتلك نعمة تمنها علي } [ الشعراء : 22 ] وأما النعمة بفتح النون فهو ما يتنعم به في العيش ، قال تعالى { ونعمة كانوا فيها فاكهين } [ الدخان : 27 ] البحث الرابع : قوله تعالى { وأني فضلتكم على العالمين } يدل على أن رعاية الأصلح لا تجب على الله تعالى لا في الدنيا ولا في الدين لأن قوله { وأني فضلتكم على العالمين } يتناول جميع نعم الدنيا والدين ، فذلك التفضيل إما أن يكون واجبا أو لا يكون واجبا فإن كان واجبا لم يجز جعله منة عليهم لأن من أدى واجبا فلا منة له على أحد وإن كان غير واجب مع أنه تعالى خصص البعض بذلك دون البعض فهذا يدل على أن رعاية الأصلح غير واجبة لا في الدنيا ولا في الدين . فإن قيل لما خصهم بالنعم العظيمة في الدنيا فهذا يناسب أن يخصهم أيضا بالنعم العظيمة في الآخرة كما قيل : إتمام المعروف خير من إبتدائه ، فلم اردف ذلك التخويف الشديد في قوله { واتقوا يوما } ؟ والجواب : لأن المعصية مع عظم النعمة تكون أقبح وأفحش فلهذا حذرهم عنها .
Dio V03/P049–V03/P051Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V03/P049–V03/P051)
Orijinal Metin (AR)البحث الخامس : في بيان أن أي فرق العالم أفضل يعني أن ايهم أكثر استجماعا لخصال الخير اعلم أن هذا مما وقع فيه النزاع الشديد بين سكان النواحي فكل طائفة تدعي أنها أفضل وأكثر استجماعا لصفات الكمال ونحن نشير إلى معاقد الكلام في هذا الباب بتوفيق الله تعالى وعونه . ! 7 < { واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون } > 7 ! < < البقرة : ( 48 ) واتقوا يوما لا . . . . . > > اعلم أن اتقاء اليوم اتقاء لما يحصل في ذلك اليوم من العقاب والشدائد لأن نفس اليوم لا يتقي ولا بد من أن يرده أهل الجنة والنار جميعا . فالمراد ما ذكرناه ثم إنه تعالى وصف اليوم / بأشد الصفات وأعظمها تهويلا ، وذلك لأن العرب إذا دفع أحدهم إلى كريهة وحاولت أعوانه دفاع ذلك عنه بذلت ما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية فذبت عنه كما يذب الوالد عن ولده بغاية قوته ، فإن رأى من لا طاقة له بمانعته عاد بوجوه الضراعة وصنوف الشفاعة فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة ، فإن لم تغن عنه الحالتان من الخشونة والليان لم يبق بعده إلا فداء الشيء بمثله . إما مال أو غيره وإن لم تغن عنه هذه الثلاثة تعلل بما يرجوه من نصر الأخلاء والأخوان فأخبر الله سبحانه أنه لا يغني شيء من هذه الأمور عن المجرمين في الآخرة . بقي على هذا الترتيب سؤالان : السؤال الأول : الفائدة من قوله : { لا تجزى نفس عن نفس شيئا } هي الفائدة من قوله : { ولا هم ينصرون } فما المقصود من هذا التكرار ؟ والجواب : المراد من قوله : { لا تجزى نفس عن نفس شيئا } أنه لا يتحمل عنه غيره ما يلزمه من الجزاء ، وأما النصرة فهي أن يحاول تخليصه عن حكم المعاقب وسنذكر فرقا آخر إن شاء الله تعالى . السؤال الثاني : أن الله تعالى قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الفدية وذكر هذه الآية في هذه السورة بعد العشرين والمائة وقدم قبول الفدية على ذكر الشفاعة فما الحكمة فيه ؟ الجواب : أن من كان ميله إلى حب المال أشد من ميله إلى علو النفس فإنه يقدم التمسك بالشافعين على إعطاء الفدية ومن كان بالعكس يقدم الفدية على الشفاعة ، ففائدة تغيير الترتيب ، الإشارة إلى هذين الصنفين : ولنذكر الآن تفسير الألفاظ : أما قوله تعالى : { لا تجزى نفس عن نفس شيئا } فقال القفال : الأصل في جزي هذا عند أهل اللغة قضي ومنه الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بردة بن يسار : ( تجزيك ولا تجزي أحدا بعدك ) ، هكذا يرويه أهل العربية : ( تجزيك ) بفتح التاء غير مهموز أي تقضي عن أضحيتك وتنوب ، ومعنى الآية أن يوم القيامة لا تنوب نفس عن نفس شيئا ولا تحمل عنها شيئا مما أصابها ، بل يفر المرء فيه من أخيه وأمه وأبيه ومعنى هذه النيابة أن طاعة المطيع لا تقضي على العاصي ما كان واجبا عليه . وقد تقع هذه النيابة في الدنيا كالرجل يقضي عن قريبه وصديقه دينه ويتحمل عنه ، فأما يوم القيامة فإن قضاء الحقوق إنما يقع فيه من الحسنات . روى أبو هريرة قال : قال عليه السلام : ( رحم الله عبدا كان عنده لأخيه مظلمة في عرض أو مال أو جاه فاستحله قبل أن يؤخذ منه وليس ثم دينار ولا درهم فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته وإن لم يكن له حسنات حمل من سيئاته ) . قال صاحب الكشاف : و ( شيئا ) مفعول به ويجوز أن يكون في موضع مصدر أي قليلا من الجزاء كقوله تعالى : { ولا يظلمون شيئا } ( مريم : 60 ) . ومن قرأ : ( لا يجزي ) من أجزأ عنه إذا أغنى عنه فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئا من الإجزاء وهذه الجملة منصوبة المحل صفة ليوما . فإن قيل : فأين العائد منها إلى الموصوف ؟ قلنا : هو محذوف تقديره لا تجزي فيه ومعنى التنكير أن نفسا من الأنفس لا تجزي عن نفس غيرها شيئا من الأشياء وهو الإقناط الكلي القطاع للمطامع . أما قوله تعالى : { ولا يقبل منها شفاعة } فالشفاعة / أن يستوهب أحد لأحد شيئا ويطلب له حاجة وأصلها من الشفع الذي هو ضد الوتر / كأن صاحب الحاجة كان فردا فصار الشفيع له شفعا أي صارا زوجا . واعلم أن الضمير في قوله : { ولا يقبل منها } راجع إلى النفس الثانية العاصية وهي التي لا يؤخذ منها عدل ، ومعنى لا يقبل منها شفاعة إنها إن جاءت بشفاعة شفيع لا يقبل منها ، ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى ، على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها كما لا تجزي عنها شيئا . أما قوله تعالى : { ولا يؤخذ منها عدل } أي فدية ، وأصل الكلمة من معادلة الشيء تقول : ما أعدل بفلان أحدا ، أي لا أرى له نظيرا . قال تعالى : { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ( المائدة : 36 ) ونظيره هذه الآية قوله تعالى : { إن الذين كفروا لو أن لهم ما فى الارض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما } ( المائدة : 36 ) وقال تعالى : { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الارض ذهبا ولو افتدى به } ( آل عمران : 91 ) وقال : { وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها } ( الأنعام : 70 ) .
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)البحث الخامس : في بيان أن أي فرق العالم أفضل يعني أن ايهم أكثر استجماعا لخصال الخير اعلم أن هذا مما وقع فيه النزاع الشديد بين سكان النواحي فكل طائفة تدعي أنها أفضل وأكثر استجماعا لصفات الكمال ونحن نشير إلى معاقد الكلام في هذا الباب بتوفيق الله تعالى وعونه . ! 7 < { واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون } > 7 ! < < البقرة : ( 48 ) واتقوا يوما لا . . . . . > > اعلم أن اتقاء اليوم اتقاء لما يحصل في ذلك اليوم من العقاب والشدائد لأن نفس اليوم لا يتقي ولا بد من أن يرده أهل الجنة والنار جميعا . فالمراد ما ذكرناه ثم إنه تعالى وصف اليوم / بأشد الصفات وأعظمها تهويلا ، وذلك لأن العرب إذا دفع أحدهم إلى كريهة وحاولت أعوانه دفاع ذلك عنه بذلت ما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية فذبت عنه كما يذب الوالد عن ولده بغاية قوته ، فإن رأى من لا طاقة له بمانعته عاد بوجوه الضراعة وصنوف الشفاعة فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة ، فإن لم تغن عنه الحالتان من الخشونة والليان لم يبق بعده إلا فداء الشيء بمثله . إما مال أو غيره وإن لم تغن عنه هذه الثلاثة تعلل بما يرجوه من نصر الأخلاء والأخوان فأخبر الله سبحانه أنه لا يغني شيء من هذه الأمور عن المجرمين في الآخرة . بقي على هذا الترتيب سؤالان : السؤال الأول : الفائدة من قوله : { لا تجزى نفس عن نفس شيئا } هي الفائدة من قوله : { ولا هم ينصرون } فما المقصود من هذا التكرار ؟ والجواب : المراد من قوله : { لا تجزى نفس عن نفس شيئا } أنه لا يتحمل عنه غيره ما يلزمه من الجزاء ، وأما النصرة فهي أن يحاول تخليصه عن حكم المعاقب وسنذكر فرقا آخر إن شاء الله تعالى . السؤال الثاني : أن الله تعالى قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الفدية وذكر هذه الآية في هذه السورة بعد العشرين والمائة وقدم قبول الفدية على ذكر الشفاعة فما الحكمة فيه ؟ الجواب : أن من كان ميله إلى حب المال أشد من ميله إلى علو النفس فإنه يقدم التمسك بالشافعين على إعطاء الفدية ومن كان بالعكس يقدم الفدية على الشفاعة ، ففائدة تغيير الترتيب ، الإشارة إلى هذين الصنفين : ولنذكر الآن تفسير الألفاظ : أما قوله تعالى : { لا تجزى نفس عن نفس شيئا } فقال القفال : الأصل في جزي هذا عند أهل اللغة قضي ومنه الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بردة بن يسار : ( تجزيك ولا تجزي أحدا بعدك ) ، هكذا يرويه أهل العربية : ( تجزيك ) بفتح التاء غير مهموز أي تقضي عن أضحيتك وتنوب ، ومعنى الآية أن يوم القيامة لا تنوب نفس عن نفس شيئا ولا تحمل عنها شيئا مما أصابها ، بل يفر المرء فيه من أخيه وأمه وأبيه ومعنى هذه النيابة أن طاعة المطيع لا تقضي على العاصي ما كان واجبا عليه . وقد تقع هذه النيابة في الدنيا كالرجل يقضي عن قريبه وصديقه دينه ويتحمل عنه ، فأما يوم القيامة فإن قضاء الحقوق إنما يقع فيه من الحسنات . روى أبو هريرة قال : قال عليه السلام : ( رحم الله عبدا كان عنده لأخيه مظلمة في عرض أو مال أو جاه فاستحله قبل أن يؤخذ منه وليس ثم دينار ولا درهم فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته وإن لم يكن له حسنات حمل من سيئاته ) . قال صاحب الكشاف : و ( شيئا ) مفعول به ويجوز أن يكون في موضع مصدر أي قليلا من الجزاء كقوله تعالى : { ولا يظلمون شيئا } ( مريم : 60 ) . ومن قرأ : ( لا يجزي ) من أجزأ عنه إذا أغنى عنه فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئا من الإجزاء وهذه الجملة منصوبة المحل صفة ليوما . فإن قيل : فأين العائد منها إلى الموصوف ؟ قلنا : هو محذوف تقديره لا تجزي فيه ومعنى التنكير أن نفسا من الأنفس لا تجزي عن نفس غيرها شيئا من الأشياء وهو الإقناط الكلي القطاع للمطامع . أما قوله تعالى : { ولا يقبل منها شفاعة } فالشفاعة / أن يستوهب أحد لأحد شيئا ويطلب له حاجة وأصلها من الشفع الذي هو ضد الوتر / كأن صاحب الحاجة كان فردا فصار الشفيع له شفعا أي صارا زوجا . واعلم أن الضمير في قوله : { ولا يقبل منها } راجع إلى النفس الثانية العاصية وهي التي لا يؤخذ منها عدل ، ومعنى لا يقبل منها شفاعة إنها إن جاءت بشفاعة شفيع لا يقبل منها ، ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى ، على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها كما لا تجزي عنها شيئا . أما قوله تعالى : { ولا يؤخذ منها عدل } أي فدية ، وأصل الكلمة من معادلة الشيء تقول : ما أعدل بفلان أحدا ، أي لا أرى له نظيرا . قال تعالى : { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ( المائدة : 36 ) ونظيره هذه الآية قوله تعالى : { إن الذين كفروا لو أن لهم ما فى الارض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما } ( المائدة : 36 ) وقال تعالى : { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الارض ذهبا ولو افتدى به } ( آل عمران : 91 ) وقال : { وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها } ( الأنعام : 70 ) .