Dio V13/P034–V13/P035Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V13/P034–V13/P035)
Orijinal Metin (AR)> قوله تعالى : ( أرأيت من اتخذ إلهه هواء ) عجب نبيه صلى الله عليه وسلم من إضمارهم على الشرك وإصرارهم عليه مع إقرارهم بأنه خالقهم ورازقهم ثم يعمد إلى حجر يعبده من غير حجة قال الكلبي وغيره : كانت العرب إذا هوى الرجل منهم شيئا عبده من دون الله فإذا رأى أحسن منه ترك الأول وعبد الأحسن فعلى هذا يعني : أرأيت من اتخذ إلهه بهواه فحذف الجار وقال بن عباس : الهوى إله يعبد من دون الله ثم تلا هذه الآية قال الشاعر : لعمر أبيها لو تبدت لناسك قد اعتزل الدنيا بإحدى المناسك لصلى لها قبل الصلاة لربه ولا ارتد في الدنيا بأعمال فاتك وقيل : اتخذ إلهه هواه أي أطاع هواه وعن الحسن لا يهوى شيئا إلا اتبعه والمعنى واحد ( أفأنت تكون عليه وكيلا ) أي حفيظا وكفيلا حتى ترده إلى الإيمان وتخرجه من هذا الفساد أي ليست الهداية والضلالة موكولتين إلى مشيئتك وإنما عليك التبليغ وهذا رد على القدرية ثم قيل : إنها منسوخة بآية القتال وقيل : لم تنسخ لأن الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم < < الفرقان : ( 44 ) أم تحسب أن . . . . . > > < > ( الفرقان 44 ) < > قوله تعالى : ( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ) ولم يقل أنهم لأن منهم من قد علم أنه يؤمن وذمهم جل وعز بهذا أم تحسب أن أكثرهم يسمعون سماع قبول أو يفكرون فيما تقول فيعقلونه أي هم بمنزلة من لا يعقل ولا يسمع وقيل : المعنى أنهم لما لم ينتفعوا بما يسمعون فكأنهم لم يسمعوا والمراد أهل مكة وقيل : أم بمعنى بل في مثل هذا الموضع ( إن هم إلا كالأنعام ) أي في الأكل والشرب لا يفكرون في الآخرة ( بل هم أضل سبيلا ) إذ لا حساب ولا عقاب على الأنعام وقال مقاتل : البهائم تعرف ربها وتهتدي إلى مراعيها وتنقاد لأربابها التي تعقلها وهؤلاء لا ينقادون ولا يعرفون ربهم الذي خلقهم ورزقهم وقيل : لأن البهائم إن لم تعقل صحة التوحيد والنبوة لم تعتقد بطلان ذلك أيضا < < الفرقان : ( 45 ) ألم تر إلى . . . . . > > < > ( الفرقان 45 : 46 ) <
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> قوله تعالى : ( أرأيت من اتخذ إلهه هواء ) عجب نبيه صلى الله عليه وسلم من إضمارهم على الشرك وإصرارهم عليه مع إقرارهم بأنه خالقهم ورازقهم ثم يعمد إلى حجر يعبده من غير حجة قال الكلبي وغيره : كانت العرب إذا هوى الرجل منهم شيئا عبده من دون الله فإذا رأى أحسن منه ترك الأول وعبد الأحسن فعلى هذا يعني : أرأيت من اتخذ إلهه بهواه فحذف الجار وقال بن عباس : الهوى إله يعبد من دون الله ثم تلا هذه الآية قال الشاعر : لعمر أبيها لو تبدت لناسك قد اعتزل الدنيا بإحدى المناسك لصلى لها قبل الصلاة لربه ولا ارتد في الدنيا بأعمال فاتك وقيل : اتخذ إلهه هواه أي أطاع هواه وعن الحسن لا يهوى شيئا إلا اتبعه والمعنى واحد ( أفأنت تكون عليه وكيلا ) أي حفيظا وكفيلا حتى ترده إلى الإيمان وتخرجه من هذا الفساد أي ليست الهداية والضلالة موكولتين إلى مشيئتك وإنما عليك التبليغ وهذا رد على القدرية ثم قيل : إنها منسوخة بآية القتال وقيل : لم تنسخ لأن الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم < < الفرقان : ( 44 ) أم تحسب أن . . . . . > > < > ( الفرقان 44 ) < > قوله تعالى : ( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ) ولم يقل أنهم لأن منهم من قد علم أنه يؤمن وذمهم جل وعز بهذا أم تحسب أن أكثرهم يسمعون سماع قبول أو يفكرون فيما تقول فيعقلونه أي هم بمنزلة من لا يعقل ولا يسمع وقيل : المعنى أنهم لما لم ينتفعوا بما يسمعون فكأنهم لم يسمعوا والمراد أهل مكة وقيل : أم بمعنى بل في مثل هذا الموضع ( إن هم إلا كالأنعام ) أي في الأكل والشرب لا يفكرون في الآخرة ( بل هم أضل سبيلا ) إذ لا حساب ولا عقاب على الأنعام وقال مقاتل : البهائم تعرف ربها وتهتدي إلى مراعيها وتنقاد لأربابها التي تعقلها وهؤلاء لا ينقادون ولا يعرفون ربهم الذي خلقهم ورزقهم وقيل : لأن البهائم إن لم تعقل صحة التوحيد والنبوة لم تعتقد بطلان ذلك أيضا < < الفرقان : ( 45 ) ألم تر إلى . . . . . > > < > ( الفرقان 45 : 46 ) <
Dio V13/P035–V13/P037Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V13/P035–V13/P037)
Orijinal Metin (AR)> قوله تعالى : ( ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ) يجوز أن تكون هذه الرؤية من رؤية العين ويجوز أن تكون من العلم وقال الحسن وقتادة وغيرهما : مد الظل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وقيل : هو من غيوبة الشمس إلى طلوعها والأول أصح والدليل على ذلك أنه ليس من ساعة أطيب من تلك الساعة فإن فيها يجد المريض راحة والمسافر وكل ذي علة : وفيها ترد نفوس الأموات والأرواح منهم إلى الأجساد وتطيب نفوس الأحياء فيها وهذه الصفة مفقودة بعد المغرب وقال أبو العالية : نهار الجنة هكذا وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر أبو عبيدة : الظل بالغداة والفيء بالعشي لأنه يرجع بعد زوال الشمس سمي فيئا لأنه فاء من المشرق إلى جانب المغرب قال الشاعر وهو حميد بن ثور يصف سرحة وكنى بها عن امرأة : فلا الظل من برد الضحا تستطيعه ولا الفيء من برد العشي تذوق وقال بن السكيت : الظل ما نسخته الشمس والفيء ما نسخ الشمس وحكى أبو عبيدة عن رؤبة قال : كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل ( ولو شاء لجعله ساكنا ) أي دائما مستقرا لا تنسخه الشمس بن عباس : يريد إلى يوم القيامة وقيل : المعنى لو شاء لمنع الشمس الطلوع ( ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ) أي جعلنا الشمس بنسخها الظل عند مجيئها دالة على أن الظل شيء ومعنى لأن الأشياء تعرف بأضدادها ولولا الشمس ما عرف الظل ولولا النور ما عرفت الظلمة فالدليل فعيل بمعنى الفاعل وقيل : بمعنى المفعول كالقتيل والدهين والخضيب أي دللنا الشمس على الظل حتى ذهبت به أي أتبعناها إياه فالشمس دليل أي حجة وبرهان وهو الذي يكشف المشكل ويوضحه ولم يؤنث الدليل وهو صفة الشمس لأنه في معنى الاسم كما يقال : الشمس برهان والشمس حق ( ثم قبضناه ) يريد ذلك الظل الممدود ( إلينا قبضا يسيرا ) أي يسيرا قبضه علينا وكل أمر ربنا عليه يسير فالظل مكثه في هذا الجو بمقدار طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فإذا طلعت الشمس صار الظل مقبوضا وخلفه في هذا الجو شعاع الشمس فأشرق على الأرض وعلى الأشياء إلى وقت غروبها فإذا غربت فليس هناك ظل إنما ذلك بقية نور النهار وقال قوم : قبضه بغروب الشمس لأنها ما لم تغرب فالظل فيه بقية وإنما يتم زواله بمجيء الليل ودخول الظلمة عليه وقيل : إن هذا القبض وقع بالشمس لأنها إذا طلعت أخذ الظل في الذهاب شيئا فشيئا قاله أبو مالك وإبراهيم التيمي وقيل : ثم قبضناه أي قبضنا ضياء الشمس بالفيء قبضا يسيرا وقيل : يسيرا أي سريعا قاله الضحاك قتادة : خفيا أي إذا غابت الشمس قبض الظل قبضا خفيا كلما قبض جزء منه جعل مكانه جزء من الظلمة وليس يزول دفعة واحدة فهذا معنى قول قتادة وهو قول مجاهد < < الفرقان : ( 47 ) وهو الذي جعل . . . . . > > < > ( الفرقان 47 ) <
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> قوله تعالى : ( ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ) يجوز أن تكون هذه الرؤية من رؤية العين ويجوز أن تكون من العلم وقال الحسن وقتادة وغيرهما : مد الظل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وقيل : هو من غيوبة الشمس إلى طلوعها والأول أصح والدليل على ذلك أنه ليس من ساعة أطيب من تلك الساعة فإن فيها يجد المريض راحة والمسافر وكل ذي علة : وفيها ترد نفوس الأموات والأرواح منهم إلى الأجساد وتطيب نفوس الأحياء فيها وهذه الصفة مفقودة بعد المغرب وقال أبو العالية : نهار الجنة هكذا وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر أبو عبيدة : الظل بالغداة والفيء بالعشي لأنه يرجع بعد زوال الشمس سمي فيئا لأنه فاء من المشرق إلى جانب المغرب قال الشاعر وهو حميد بن ثور يصف سرحة وكنى بها عن امرأة : فلا الظل من برد الضحا تستطيعه ولا الفيء من برد العشي تذوق وقال بن السكيت : الظل ما نسخته الشمس والفيء ما نسخ الشمس وحكى أبو عبيدة عن رؤبة قال : كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل ( ولو شاء لجعله ساكنا ) أي دائما مستقرا لا تنسخه الشمس بن عباس : يريد إلى يوم القيامة وقيل : المعنى لو شاء لمنع الشمس الطلوع ( ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ) أي جعلنا الشمس بنسخها الظل عند مجيئها دالة على أن الظل شيء ومعنى لأن الأشياء تعرف بأضدادها ولولا الشمس ما عرف الظل ولولا النور ما عرفت الظلمة فالدليل فعيل بمعنى الفاعل وقيل : بمعنى المفعول كالقتيل والدهين والخضيب أي دللنا الشمس على الظل حتى ذهبت به أي أتبعناها إياه فالشمس دليل أي حجة وبرهان وهو الذي يكشف المشكل ويوضحه ولم يؤنث الدليل وهو صفة الشمس لأنه في معنى الاسم كما يقال : الشمس برهان والشمس حق ( ثم قبضناه ) يريد ذلك الظل الممدود ( إلينا قبضا يسيرا ) أي يسيرا قبضه علينا وكل أمر ربنا عليه يسير فالظل مكثه في هذا الجو بمقدار طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فإذا طلعت الشمس صار الظل مقبوضا وخلفه في هذا الجو شعاع الشمس فأشرق على الأرض وعلى الأشياء إلى وقت غروبها فإذا غربت فليس هناك ظل إنما ذلك بقية نور النهار وقال قوم : قبضه بغروب الشمس لأنها ما لم تغرب فالظل فيه بقية وإنما يتم زواله بمجيء الليل ودخول الظلمة عليه وقيل : إن هذا القبض وقع بالشمس لأنها إذا طلعت أخذ الظل في الذهاب شيئا فشيئا قاله أبو مالك وإبراهيم التيمي وقيل : ثم قبضناه أي قبضنا ضياء الشمس بالفيء قبضا يسيرا وقيل : يسيرا أي سريعا قاله الضحاك قتادة : خفيا أي إذا غابت الشمس قبض الظل قبضا خفيا كلما قبض جزء منه جعل مكانه جزء من الظلمة وليس يزول دفعة واحدة فهذا معنى قول قتادة وهو قول مجاهد < < الفرقان : ( 47 ) وهو الذي جعل . . . . . > > < > ( الفرقان 47 ) <
Dio V13/P037–V13/P038Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V13/P037–V13/P038)
Orijinal Metin (AR)> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وهو الذي جعل لكم الليل لباسا ) يعني سترا للخلق يقوم مقام اللباس في ستر البدن قال الطبري : وصف الليل باللباس تشبيها من حيث يستر الأشياء ويغشاها الثانية قال بن العربي : ظن بعض الغفلة أن من صلى عريانا في الظلام أنه يجزئه لأن الليل لباس وهذا يوجب أن يصلي في بيته عريانا إذا أغلق عليه بابه والستر في الصلاة عبادة تختص بها ليست لأجل نظر الناس ولا حاجة إلى الإطناب في هذا الثالثة قوله تعالى : ( والنوم سباتا ) أي راحة لأبدانكم بانقطاعكم عن الأشغال وأصل السبات من التمدد يقال : سبتت المرأة شعرها أي نقضته وأرسلته ورجل مسبوت أي ممدود الخلقة وقيل : للنوم سبات لأنه بالتمدد يكون وفي التمدد معنى الراحة وقيل السبت القطع فالنوم انقطاع عن الاشتغال ومنه سبت اليهود لانقطاعهم عن الأعمال فيه وقيل : السبت الإقامة في المكان فكأن السبات سكون ما وثبوت عليه فالنوم سبات على معنى أنه سكون عن الاضطراب والحركة وقال الخليل : السبات نوم ثقيل أي جعلنا نومكم ثقيلا ليكمل الإجمام والراحة الرابعة قوله تعالى : ( وجعل النهار نشورا ) من الإنتشار للمعاش أي النهار سبب الإحياء للانتشار شبه اليقظة فيه بتطابق الإحياء مع الإماتة وكان عليه السلام إذا أصبح قال : ( الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ( < < الفرقان : ( 48 ) وهو الذي أرسل . . . . . > > < > ( الفرقان 48 ) <
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وهو الذي جعل لكم الليل لباسا ) يعني سترا للخلق يقوم مقام اللباس في ستر البدن قال الطبري : وصف الليل باللباس تشبيها من حيث يستر الأشياء ويغشاها الثانية قال بن العربي : ظن بعض الغفلة أن من صلى عريانا في الظلام أنه يجزئه لأن الليل لباس وهذا يوجب أن يصلي في بيته عريانا إذا أغلق عليه بابه والستر في الصلاة عبادة تختص بها ليست لأجل نظر الناس ولا حاجة إلى الإطناب في هذا الثالثة قوله تعالى : ( والنوم سباتا ) أي راحة لأبدانكم بانقطاعكم عن الأشغال وأصل السبات من التمدد يقال : سبتت المرأة شعرها أي نقضته وأرسلته ورجل مسبوت أي ممدود الخلقة وقيل : للنوم سبات لأنه بالتمدد يكون وفي التمدد معنى الراحة وقيل السبت القطع فالنوم انقطاع عن الاشتغال ومنه سبت اليهود لانقطاعهم عن الأعمال فيه وقيل : السبت الإقامة في المكان فكأن السبات سكون ما وثبوت عليه فالنوم سبات على معنى أنه سكون عن الاضطراب والحركة وقال الخليل : السبات نوم ثقيل أي جعلنا نومكم ثقيلا ليكمل الإجمام والراحة الرابعة قوله تعالى : ( وجعل النهار نشورا ) من الإنتشار للمعاش أي النهار سبب الإحياء للانتشار شبه اليقظة فيه بتطابق الإحياء مع الإماتة وكان عليه السلام إذا أصبح قال : ( الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ( < < الفرقان : ( 48 ) وهو الذي أرسل . . . . . > > < > ( الفرقان 48 ) <
Dio V13/P038–V13/P055Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V13/P038–V13/P055)
Orijinal Metin (AR)> قوله تعالى : ( وهو الذي أرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته ) تقدم في الأعراف مستوفى قوله تعالى : ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) فيه خمس عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ماء طهورا يتطهر به كما يقال : وضوء للماء الذي يتوضأ به وكل طهور طاهر وليس كل طاهر طهورا فالطهور ( بفتح الطاء ) الاسم وكذلك الوضوء والوقود وبالضم المصدر وهذا هو المعروف في اللغة قاله بن الأنباري فبين أن الماء المنزل من السماء طاهر في نفسه مطهر لغيره فإن الطهور بناء مبالغة في طاهر وهذه المبالغة اقتضت أن يكون طاهرا مطهرا وإلى هذا ذهب الجمهور وقيل : إن طهورا بمعنى طاهر وهو قول أبي حنيفة وتعلق بقوله تعالى : وسقاهم ربهم شرابا طهورا يعني طاهرا ويقول الشاعر : خليلي هل في نظرة بعد توبة أداوي بها قلبي على فجور إلى رجح الأكفال غيد من الظبا عذاب الثنايا ريقهن طهور فوصف الريق بأنه طهور وليس بمطهر وتقول العرب : رجل نؤوم وليس ذلك بمعنى أنه منيم لغيره وإنما يرجع ذلك إلى فعل نفسه ولقد أجاب علماؤنا عن هذا فقالوا : وصف شراب الجنة بأنه طهور يفيد التطهير عن أوضار الذنوب وعن خسائس الصفات كالغل والحسد فإذا شربوا هذا الشراب يطهرهم الله من رحض الذنوب وأوضار الإعتقادات الذميمة فجاؤوا الله بقلب سليم ودخلوا الجنة بصفات التسليم وقيل لهم حينئذ : سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ولما كان حكمه في الدنيا بزوال حكم الحدث بجريان الماء على الأعضاء كانت تلك حكمته في الآخرة وأما قول الشاعر : ريقهن طهور فإنه قصد بذلك المبالغة في وصف الريق بالطهورية لعذوبته وتعلقه بالقلوب وطيبه في النفوس وسكون غليل المحب برشفه حتى كأنه الماء الطهور وبالجملة فإن الأحكام الشرعية لا تثبت بالمجازاة الشعرية فإن الشعراء يتجاوزون في الإستغراق حد الصدق إلى الكذب ويسترسلون في القول حتى يخرجهم ذلك إلى البدعة والمعصية وربما وقعوا في الكفر من حيث لا يشعرون ألا ترى إلى قول بعضهم : ولو لم تلامس صفحة الأرض رجلها لما كنت أدري علة للتيمم وهذا كفر صراح نعوذ بالله منه قال القاضي أبو بكر بن العربي : هذا منتهى لباب كلام العلماء وهو بالغ في فنه إلا أني تأملت من طريق العربية فوجدت فيه مطلعا مشرقا وهو أن بناء فعول للمبالغة إلا أن المبالغة قد تكون في الفعل المتعدى كما قال الشاعر : ضروب بنصل السيف سوق سمانها وقد تكون في الفعل القاصر كما قال الشاعر : نؤوم الضحا لم تنتطق عن تفضل وإنما تؤخذ طهورية الماء لغيره من الحسن نظافة ومن الشرع طهارة كقوله عليه السلام : ( لا يقبل الله صلاة بغير طهور ( وأجمعت الأمة لغة وشريعة على أن وصف طهور يختص بالماء فلا يتعدى إلى سائر المائعات وهي طاهرة فكان اقتصارهم بذلك على الماء أدل دليل على أن الطهور هو المطهر وقد يأتي فعول لوجه آخر ليس من هذا كله وهو العبارة به عن الآلة للفعل لا عن الفعل كقولنا : وقود وسحور بفتح الفاء فإنها عبارة عن الحطب والطعم المتسحر به فوصف الماء بأنه طهور ( بفتح الطاء ) أيضا يكون خبرا عن الآلة التي يتطهر بها فإذا ضمت الفاء في الوقود والسحور والطهور عاد إلى الفعل وكان خبرا عنه فثبت بهذا أن اسم الفعول ( بفتح الفاء ) يكون بناء للمبالغة ويكون خبرا عن الآلة وهو الذي خطر ببال الحنفية ولكن قصرت أشداقها عن لوكه وبعد هذا يقف البيان عن المبالغة وعن الآلة على الدليل بقوله تعالى : وأنزلنا من السماء ماء طهورا وقوله عليه السلام : ( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ( يحتمل المبالغة ويحتمل العبارة به عن الآلة فلا حجة فيه لعلمائنا لكن يبقى قوله : ( ليطهركم به نص في أن فعله يتعدى إلى غيره الثانية المياه المنزلة من السماء والمودعة في الأرض طاهرة مطهرة على اختلاف ألوانها وطعومها وأرياحها حتى يخالطها غيرها والمخالط للماء على ثلاثة أضرب : ضرب يوافقه في صفتيه جميعا فإذا خالطه فغيره لم يسلبه وصفا منهما لموافقته لهما وهو التراب والضرب الثاني يوافقه في إحدى صفتيه وهي الطهارة فإذا خالطه فغيره سلبه ما خالفه فيه وهو التطهير كماء الورد وسائر الطاهرات والضرب الثالث يخالفه في الصفتين جميعا فإذا خالطه فغيره سلبه الصفتين جميعا لمخالفته له فيهما وهو النجس الثالثة ذهب المصريون من أصحاب مالك إلى أن قليل الماء يفسده قليل النجاسة وأن الكثير لا يفسده إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه من المحرمات ولم يحدوا بين القليل والكثير حدا يوقف عنده إلا أن بن القاسم روى عن مالك في الجنب يغتسل في حوض من الحياض التي تسقى فيها الدواب ولم يكن غسل ما به من الأذى أنه قد أفسد الماء وهو مذهب بن القاسم وأشهب وبن عبد الحكم ومن اتبعهم من المصريين إلا بن وهب فإنه يقول في الماء بقول المدنيين من أصحاب مالك وقولهم ما حكاه أبو مصعب عنهم وعنه : أن الماء لا تفسده النجاسة الحالة فيه قليلا كان أو كثيرا إلا أن تظهر فيه النجاسة الحالة فيه وتغير منه طعما أو ريحا أو لونا وذكر أحمد بن المعدل أن هذا قول مالك بن أنس في الماء وإلى هذا ذهب إسماعيل بن إسحاق ومحمد بن بكير وأبو الفرج الأبهري وسائر المنتحلين لمذهب مالك من البغداديين وهو قول الأوزاعي والليث بن سعد والحسن بن صالح وداود بن علي وهو مذهب أهل البصرة وهو الصحيح في النظر وجيد الأثر وقال أبو حنيفة : إذا وقعت نجاسة في الماء أفسدته كثيرا كان أو قليلا إذا تحققت عموم النجاسة فيه ووجه تحققها عنده أن تقع مثلا نقطة بول في بركة فإن كانت البركة يتحرك طرفاها بتحرك أحدهما فالكل نجس وإن كانت حركة أحد الطرفين لا تحرك الآخر لم ينجس وفي المجموعة نحو مذهب أبي حنيفة وقال الشافعي بحديث القلتين وهو حديث مطعون فيه اختلف في إسناده ومتنه أخرجه أبو داود والترمذي وخاصة الدارقطني فإنه صدر به كتابه وجمع طرقه قال بن العربي : وقد رام الدارقطني على إمامته أن يصحح حديث القلتين فلم يقدر وقال أبو عمر بن عبد البر : وأما ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين فمذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت في الأثر لأنه قد تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل ولأن القلتين لا يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع فلو كان ذلك حدا لازما لوجب على العلماء البحث عنه ليقفوا على حد ما حده النبي صلى الله عليه وسلم لأنه من أصل دينهم وفرضهم ولو كان ذلك كذلك ما ضيعوه فلقد بحثوا عما هو أدون من ذلك وألطف قلت : وفيما ذكر بن المنذر في القلتين من الخلاف يدل على عدم التوقيف فيهما والتحديد وفي سنن الدارقطني عن حماد بن زيد عن عاصم بن المنذر قال : القلال الخوابي العظام وعاصم هذا هو أحد رواة حديث القلتين ويظهر من قول الدارقطني أنها مثل قلال هجر لسياقه حديث الإسراء عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لما رفعت إلى سدرة المنتهى في السماء السابعة نبقها مثل قلال هجر وورقها مثل آذان الفيلة ( وذكر الحديث قال بن العربي : وتعلق علماؤنا بحديث أبي سعيد الخدري في بئر بضاعة رواه النسائي والترمذي وأبو داود وغيرهم وهو أيضا حديث ضعيف لا قدم له في الصحة فلا تعويل عليه وقد فاوضت الطوسى الأكبر في هذه المسألة فقال : إن إخلص المذاهب في هذه المسألة مذهب مالك فإن الماء طهور ما لم يتغير أحد أوصافه إذ لا حديث في الباب يعول عليه وإنما المعول على ظاهر القرآن وهو قوله تعالى : وأنزلنا من السماء ماء طهورا وهو مادام بصفاته فإذا تغير عن شيء منها خرج عن الإسم لخروجه عن الصفة ولذلك لما لم يجد البخاري إمام الحديث والفقه في الباب خبرا يعول عليه قال : باب إذا تغير وصف الماء وأدخل الحديث الصحيح : ( ما من أحد يكلم في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك ( فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الدم بحاله وعليه رائحة المسك ولم تخرجه الرائحة عن صفة الدموية ولذلك قال علماؤنا : إذا تغير الماء بريح جيفة على طرفه وساحله لم يمنع ذلك الوضوء منه ولو تغير بها وقد وضعت فيه لكان ذلك تنجيسا له للمخالطة والأول مجاورة لا تعويل عليها قلت : وقد استدل به أيضا على نقيض ذلك وهو أن تغير الرائحة يخرجه عن أصله ووجه هذا الإستدلال أن الدم لما استحالت رائحته إلى رائحة المسك خرج عن كونه مستخبثا نجسا وأنه صار مسكا وأن المسك بعض دم الغزال فكذلك الماء إذا تغيرت رائحته وإلى هذا التأويل ذهب الجمهور في الماء وإلى الأول ذهب عبد الملك قال أبو عمر : جعلوا الحكم للرائحة دون اللون فكان الحكم لها فاستدلوا عليها في زعمهم بهذا الحديث وهذا لا يفهم منه معنى تسكن إليه النفس ولا في الدم معنى الماء فيقاس عليه ولا يشتغل بمثل هذا الفقهاء وليس من شأن أهل العلم اللغز به وإشكاله وإنما شأنهم إيضاحه وبيانه ولذلك أخذ الميثاق عليهم ليبيننه للناس ولا يكتمونه والماء لا يخلو تغيره بنجاسة أو بغير نجاسة فإن كان بنجاسة وتغير فقد أجمع العلماء على أنه غير طاهر ولا مطهر وكذلك أجمعوا أنه إذا تغير بغير نجاسة أنه طاهر على أصله وقال الجمهور : إنه غير مطهر إلا أن يكون تغيره من تربة ومأة وما أجمعوا عليه فهو الحق الذي لا إشكال فيه ولا التباس معه الرابعة الماء المتغير بقراره كزرنيخ أو جير يجري عليه أو تغير بطحلب أو ورق شجر ينبت عليه لا يمكن الإحتراز عنه فاتفق العلماء أن ذلك لا يمنع من الوضوء به لعدم الإحتراز منه والإنفكاك عنه وقد روى بن وهب عن مالك أن غيره أولى منه الخامسة قال علماؤنا رحمة الله عليهم : ويكره سؤر النصراني وسائر الكفار والمدمن الخمر وما أكل الجيف كالكلاب وغيرها ومن توضأ بسؤرهم فلا شيء عليه حتى يستيقن النجاسة قال البخاري : وتوضأ عمر رضي الله عنه من بيت نصرانية ذكر سفيان بن عيينة قال : حدثونا عن زيد بن أسلم عن أبيه قال : لما كنا بالشام أتيت عمر بن الخطاب بماء فتوضأ منه فقال : من أين جئت بهذا الماء ما رأيت ماء عذبا ولا ماء سماء أطيب منه قال قلت : جئت به من بيت هذه العجوز النصرانية فلما توضأ أتاها فقال : أيتها العجوز أسلمي تسلمي بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق قال : فكشفت عن رأسها فإذا مثل الثغامة فقالت : عجوز كبيرة وإنما أموت الآن فقال عمر رضي الله عنه : اللهم اشهد خرجه الدارقطني حدثنا الحسين بن إسماعيل قال حدثنا أحمد بن إبراهيم البوشنجي قال حدثنا سفيان فذكره ورواه أيضا عن الحسين بن إسماعيل قال حدثنا خلاد بن أسلم حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه توضأ من بيت نصرانية أتاها فقال : أيتها العجوز أسلمي 000 وذكر الحديث بمثل ما تقدم السادسة فأما الكلب إذا ولغ في الماء فقال مالك : يغسل الإناء سبعا ولا يتوضأ منه وهو طاهر وقال الثوري : يتوضأ بذلك الماء ويتيمم معه وهو قول عبد الملك بن عبد العزيز ومحمد بن مسلمة وقال أبو حنيفة : الكلب نجس ويغسل الإناء منه لأنه نجس وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وقد كان مالك يفرق بين ما يجوز اتخاذه من الكلاب وبين ما لا يجوز اتخاذه منها في غسل الإناء من ولوغه وتحصيل مذهبه أنه طاهر عنده لا ينجس ولوغه شيئا ولغ فيه طعاما ولا غيره إلا أنه استحب هراقة ما ولغ فيه من الماء ليسارة مؤنته وكلب البادية والحاضرة سواء ويغسل الإناء منه على كل حال سبعا تعبدا هذا ما إستقر عليه مذهبه عند المناظرين من أصحابه ذكر بن وهب قال : حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء عن أبي هريرة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحياض التي تكون فيما بين مكة والمدينة فقيل له : إن الكلاب والسباع ترد عليها فقال : ( لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور ( أخرجه الدارقطني وهذا نص في طهارة الكلاب وطهارة ما تلغ فيه وفي البخاري عن بن عمر أن الكلاب كانت تقبل وتدبر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يرشون شيئا من ذلك وقال عمر بحضرة الصحابة لصاحب الحوض الذي سأله عمرو بن العاص : هل ترد حوضك السباع فقال عمر : يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا أخرجه مالك والدارقطني ولم يفرق بين السباع والكلب من جملتها ولا حجة للمخالف في الأمر بإراقة ما ولغ فيه وأن ذلك للنجاسة وإنما أمر بإراقته لأن النفس تعافه لا لنجاسته لأن التنزه من الأقذار مندوب إليه أو تغليظا عليهم لأنهم نهوا عن إقتنائها كما قاله بن عمر والحسن فلما لم ينتهوا عن ذلك غلظ عليهم في الماء لقلته عندهم في البادية حتى يشتد عليهم فيمتنعوا من اقتنائها وأما الأمر بغسل الإناء فعبادة لا لنجاسة كما ذكرناه بدليلين : أحدهما أن الغسل قد دخله العدد الثاني أنه جعل للتراب فيه مدخل لقوله عليه السلام : ( ( وعفروه الثامنة بالتراب ( ولو كان للنجاسة لما كان للعدد ولا للتراب فيه مدخل كالبول وقد جعل صلى الله عليه وسلم الهر وما ولغ فيه طاهرا والهر سبع لا خلاف في ذلك لأنه يفترس ويأكل الميتة فكذلك الكلب وما كان مثله من السباع لأنه إذا جاء نص في أحدهما كان نصا في الآخر وهذا من أقوى أنواع القياس هذا لو لم يكن هناك دليل وقد ذكرنا النص على طهارته فسقط قول المخالف والحمد لله السابعة ما مات في الماء مما لا دم له فلا يضر الماء إن لم يغير ريحه فإن أنتن لم يتوضأ به وكذلك ما كان له دم سائل من دواب الماء كالحوت والضفدع لم يفسد ذلك الماء موته فيه إلا أن تتغير رائحته فإن تغيرت رائحته وأنتن لم يجز التطهر به ولا الوضوء منه وليس بنجس عند مالك وأما ما له نفس سائلة فمات في الماء ونزح مكانه ولم يغير لونه ولا طعمه ولا ريحه فهو طاهر مطهر سواء كان الماء قليلا أو كثيرا عند المدنيين واستحب بعضهم أن ينزح من ذلك الماء دلاء لتطيب النفس به ولا يحدون في ذلك حدا لا يتعدى ويكرهون إستعمال ذلك الماء قبل نزح الدلاء فإن استعمله أحد في غسل أو وضوء جاز إذا كانت حاله ما وصفنا وقد كان بعض أصحاب مالك يرى لمن توضأ بهذا الماء وإن لم يتغير أن يتيمم فيجمع بين الطهارتين إحتياطا فإن لم يفعل وصلى بذلك الماء أجزأه وروى الدارقطني عن محمد بن سيرين أن زنجيا وقع في زمزم يعني فمات فأمر به بن عباس رضي الله عنه فأخرج فأمر بها أن تنزح قال : فغلبتهم عين جاءتهم من الركن فأمر بها فدسمت بالقباطي والمطارف حتى نزحوها فلما نزحوها إنفجرت عليهم وأخرجه عن أبي الطفيل أن غلاما وقع في بئر زمزم فنزحت وهذا يحتمل أن يكون الماء تغير والله أعلم وروى شعبة عن مغيرة عن إبراهيم أنه كان يقول : كل نفس سائلة لا يتوضأ منها ولكن رخص في الخنفساء والعقرب والجراد والجدجد إذا وقعن في الركاء فلا بأس به قال شعبة : وأظنه قد ذكر الوزغة أخرجه الدارقطني حدثنا الحسين بن إسماعيل قال حدثنا محمد بن الوليد قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة 000 فذكره الثامنة ذهب الجمهور من الصحابة وفقهاء الأمصار وسائر التابعين بالحجاز والعراق أن ما ولغ فيه الهر من الماء طاهر وأنه لا بأس بالوضوء بسؤره لحديث أبي قتادة أخرجه مالك وغيره وقد روي عن أبي هريرة فيه خلاف وروي عن عطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين أنهم أمروا بإراقة ماء ولغ فيه الهر وغسل الإناء منه واختلف في ذلك عن الحسن ويحتمل أن يكون الحسن رأى في فمه نجاسة ليصح مخرج الروايتين عنه قال الترمذي لما ذكر حديث مالك : وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة هذا حديث حسن صحيح وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم مثل الشافعي وأحمد وإسحاق لم يروا بسؤر الهرة بأسا وهذا أحسن شيء في الباب وقد جود مالك هذا الحديث عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ولم يأت به أحد أتم من مالك قال الحافظ أبو عمر : الحجة عند التنازع والإختلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صح من حديث أبي قتادة أنه أصغى لها الإناء حتى شربت الحديث وعليه إعتماد الفقهاء في كل مصر إلا أبا حنيفة ومن قال بقوله فإنه كان يكره سؤره وقال : إن توضأ به أحد أجزأه ولا أعلم حجة لمن كره الوضوء بسؤر الهرة أحسن من أنه لم يبلغه حديث أبي قتادة وبلغه حديث أبي هريرة في الكلب فقاس الهر عليه وقد فرقت السنة بينهما في باب التعبد في غسل الإناء ومن حجته السنة خاصمته وما خالفها مطرح وبالله التوفيق ومن حجتهم أيضا ما رواه قرة بن خالد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ( طهور الإناء إذا ولغ فيه الهر أن يغسل مرة أو مرتين ( شك قرة وهذا الحديث لم يرفعه إلا قرة بن خالد وقرة ثقة ثبت قلت : هذا الحديث أخرجه الدارقطني ومتنه : ( طهور الإناء إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات الأولى بالتراب والهر مرة أو مرتين ( قرة شك قال أبو بكر : كذا رواه أبو عاصم مرفوعا ورواه غيره عن قرة ( ولوغ الكلب ) مرفوعا و ( ولوغ الهر ) موقوفا وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ( يغسل الإناء من الهر كما يغسل من الكلب ( قال الدارقطني : لا يثبت هذا مرفوعا والمحفوظ من قول أبي هريرة واختلف عنه وذكر معمر وبن جريج عن بن طاوس عن أبيه أنه كان يجعل الهر مثل الكلب وعن مجاهد أنه قال في الإناء يلغ فيه السنور قال : اغسله سبع مرات قاله الدارقطني التاسعة الماء المستعمل طاهر إذا كانت أعضاء المتوضئ به طاهرة إلا أن مالكا وجماعة من الفقهاء الجلة كانوا يكرهون الوضوء به وقال مالك : لا خير فيه ولا أحب لأحد أن يتوضأ به فإن فعل وصلى لم أر عليه إعادة الصلاة ويتوضأ لما يستقبل وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما : لا يجوز استعماله في رفع الحدث ومن توضأ به أعاد لأنه ليس بماء مطلق ويتمم واجده لأنه ليس بواجد ماء وقال بقولهم في ذلك أصبغ بن الفرج وهو قول الأوزاعي واحتجوا بحديث الصنابحي خرجه مالك وحديث عمرو بن عنبسة أخرجه مسلم وغير ذلك من الآثار وقالوا : الماء إذا توضئ به خرجت الخطايا معه فوجب التنزه عنه لأنه ماء الذنوب قال أبو عمر : وهذا عندي لا وجه له لأن الذنوب لا تنجس الماء لأنها لا أشخاص لها ولا أجسام تمازج الماء فتفسده وإنما معنى قوله : خرجت الخطايا مع الماء إعلام منه بأن الوضوء للصلاة عمل يكفر الله به السيئات عن عباده المؤمنين رحمة منه بهم وتفضلا عليهم وقال أبو ثور وداود مثل قول مالك وأن الوضوء بالماء المستعمل جائز لأنه ماء طاهر لا ينضاف إليه شيء وهو ماء مطلق واحتجوا بإجماع الأمة على طهارته إذا لم يكن في أعضاء المتوضئ نجاسة وإلى هذا ذهب أبو عبد الله المروزي محمد بن نصر وروي عن علي بن أبي طالب وبن عمر وأبي أمامة وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري والنخعي ومكحول والزهري أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه فوجد في لحيته بللا : أنه يجزئه أن يمسح بذلك البلل رأسه فهؤلاء كلهم أجازوا الوضوء بالماء المستعمل روى عبد السلام بن صالح حدثنا إسحاق بن سويد عن العلاء بن زياد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مرضي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم ذات يوم وقد اغتسل وقد بقيت لمعة من جسده لم يصبها الماء فقلنا : يا رسول الله هذه لمعة لم يصبها الماء فكان له شعر وارد فقال بشعره هكذا على المكان فبله أخرجه الدارقطني وقال : عبد السلام بن صالح هذا بصري وليس بقوي وغيره من الثقات يرويه عن إسحاق عن العلاء مرسلا وهو الصواب قلت : الراوي الثقة عن إسحاق بن سويد العدوي عن العلاء بن زياد العدوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل الحديث فيما ذكره هشيم قال بن العربي : مسألة الماء المستعمل إنما تنبني على أصل آخر وهو أن الآلة إذا أدى بها فرض هل يؤدي بها فرض آخر أم لا فمنع ذلك المخالف قياسا على الرقبة إذا أدى بها فرض عتق لم يصلح أن يتكرر في أداء فرض آخر وهذا باطل من القول فإن العتق إذا أتى على الرق أتلفه فلا يبقى محل لأداء الفرض بعتق آخر ونظيره من الماء ما تلف على الأعضاء فإنه لا يصح أن يؤدى به فرض آخر لتلف عينه حسا كما تلف الرق في الرقبة بالعتق حكما وهذا نفيس فتأملوه العاشرة لم يفرق مالك وأصحابه بين الماء تقع فيه النجاسة وبين النجاسة يرد عليها ا لماء راكدا كان الماء أو غير راكد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه فغير طعمه أو لونه أو ريحه ( وفرقت الشافعية فقالوا : إذا وردت النجاسة على الماء تنجس واختاره بن العربي وقال : من أصول الشريعة في أحكام المياه أن ورود النجاسة على الماء ليس كورود الماء على النجاسة لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده ( فمنع من ورود اليد على الماء وأمر بإيراد الماء عليها وهذا أصل بديع في الباب ولولا وروده على النجاسة قليلا كان أو كثيرا لما طهرت وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في بول الأعرابي في المسجد : ( صبوا عليه ذنوبا من ماء ( قال شيخنا 4 أبو العباس : واستدلوا أيضا بحديث القلتين فقالوا : إذا كان الماء دون القلتين فحلته نجاسة تنجس وإن لم تغيره وإن ورد ذلك القدر فأقل على النجاسة فأذهب عينها بقي الماء على طهارته وأزال النجاسة وهذه مناقضة إذ المخالطة قد حصلت في الصورتين وتفريقهم بورود الماء على النجاسة وورودها عليه فرق صوري ليس فيه من الفقه شيء فليس الباب باب التعبدات بل من باب عقلية المعاني فإنه من باب إزالة النجاسة وأحكامها ثم هذا كله منهم يرده قوله عليه الصلاة والسلام : ( ( الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه ( قلت : هذا الحديث أخرجه الدارقطني عن رشدين بن سعد أبي الحجاج عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي أمامة الباهلي وعن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس فيه ذكر اللون وقال : لم يرفعه غير رشدين بن سعد عن معاوية بن صالح وليس بالقوي وأحسن منه في الإستدلال ما رواه أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج عن أبي سعيد الخدري قال قيل : يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر تلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الماء طهور لا ينجسه شيء ( أخرجه أبو داود والترمذي والدارقطني كلهم بهذا الإسناد وقال أبو عيسى : هذا حديث حسن وقد جود أبو أسامة هذا الحديث ولم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة فهذا الحديث نص في ورود النجاسة على الماء وقد حكم صلى الله عليه وسلم بطهارته وطهوره قال أبو داود : سمعت قتيبة بن سعيد قال سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها قلت : أكثر ما يكون الماء فيها قال : إلى العانة قلت : فإذا نقص قال : دون العورة قال أبو داود : وقدرت بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه : هل غير بناؤها عما كانت عليه فقال لا ورأيت فيها ماء متغير اللون فكان هذا دليلا لنا على ما ذكرناه غير أن بن العربي قال : إنها في وسط السبخة فماؤها يكون متغيرا من قرارها والله أعلم الحادية عشرة الماء الطاهر المطهر الذي يجوز به الوضوء وغسل النجاسات هو الماء القراح الصافي من ماء السماء والأنهار والبحار والعيون والآبار وما عرفه الناس ماء مطلقا غير مضاف إلى شيء خالطه كما خلقه الله عز وجل صافيا ولا يضره لون أرضه على ما بيناه وخالف في هذه الجملة أبو حنيفة وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر فأما أبو حنيفة فأجاز الوضوء بالنبيذ في السفر وجوز إزالة النجاسة بكل مائع طاهر فأما بالدهن والمرق فعنه رواية أنه لا يجوز إزالتها به إلا أن أصحابه يقولون : إذا زالت النجاسة به جاز وكذلك عنده النار والشمس حتى أن جلد الميتة إذا جف في الشمس طهر من غير دباغ وكذلك النجاسة على الأرض إذا جفت بالشمس فإنه يطهر ذلك الموضع بحيث تجوز الصلاة عليه ولكن لا يجوز التيمم بذلك التراب قال بن العربي : لما وصف الله سبحانه الماء بأنه طهور وامتن بإنزاله من السماء ليطهرنا به دل على إختصاصه بذلك وكذلك قال عليه الصلاة والسلام لأسماء بنت الصديق حين سألته عن دم الحيض يصيب الثوب : ( حتيه ثم إقرصيه ثم إغسليه بالماء ( فلذلك لم يلحق غير الماء بالماء لما في ذلك من إبطال الإمتنان وليست النجاسة معنى محسوسا حتى يقال كل ما أزالها فقد قام به الغرض وإنما النجاسة حكم شرعي عين له صاحب الشرع الماء فلا يلحق به غيره إذ ليس في معناه ولأنه لو لحق به لأسقطه والفرع إذا عاد إلحاقه بالأصل في إسقاطه سقط في نفسه وقد كان تاج السنة ذو العز بن المرتضى الدبوسي يسميه فرخ زنى قلت : وأما ما استدل به على إستعمال النبيذ فأحاديث واهية ضعاف لا يقوم شيء منها على ساق ذكرها الدارقطني وضعفها ونص عليها وكذلك ضعف ما روي عن بن عباس موقوفا ( النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء ( في طريقه بن محرز متروك الحديث وكذلك ما روي عن علي أنه قال : لا بأس بالوضوء بالنبيذ الحجاج وأبو ليلى ضعيفان وضعف حديث بن مسعود وقال : تفرد به بن لهيعة وهو ضعيف الحديث وذكر عن علقمة بن قيس قال قلت لعبد الله بن مسعود : أشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد منكم ليلة أتاه داعي الجن فقال لا قلت : هذا إسناد صحيح لا يختلف في عدالة رواته وأخرج الترمذي حديث بن مسعود قال : سألني النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما في إدواتك ( فقلت : نبيذ فقال : ( تمرة طيبة وماء طهور ( قال : فتوضأ منه قال أبو عيسى : وإنما روي هذا الحديث عن أبي زيد عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث لا نعرف له رواية غير هذا الحديث وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ منهم سفيان وغيره وقال بعض أهل العلم : لا يتوضأ بالنبيذ وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وقال إسحاق : إن ابتلي رجل بهذا فتوضأ بالنبيذ وتيمم أحب إلي قال أبو عيسى : وقول من يقول لا يتوضأ بالنبيذ أقرب إلى الكتاب والسنة وأشبه لأن الله تعالى قال : فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا وهذه المسألة مطولة في كتب الخلاف وعمدتهم التمسك بلفظ الماء حسبما تقدم في المائدة بيانه والله أعلم الثانية عشرة لما قال الله تعالى : وأنزلنا من السماء ماء طهورا وقال : ليطهركم به توقف جماعة في ماء البحر لأنه ليس بمنزل من السماء حتى رووا عن عبد الله بن عمر وبن عمرو معا أنه لا يتوضأ به لأنه نار ولأنه طبق جهنم ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بين حكمه حين قال لمن سأله : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ( أخرجه مالك وقال فيه أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح وهو قول أكثر الفقهاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر وعمر وبن عباس لم يروا بأسا بماء البحر وقد كره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء بماء البحر منهم بن عمر وعبد الله بن عمرو وقال عبد الله بن عمرو : هو نار قال أبو عمر وقد سئل أبو عيسى الترمذي عن حديث مالك هذا عن صفوان بن سليم فقال : هو عندي حديث صحيح قال أبو عيسى فقلت للبخاري : هشيم يقول فيه أبي بن برزة فقال : وهم فيه إنما هو المغيرة بن أبي بردة قال أبو عمر : لا أدري ما هذا من البخاري رحمه الله ولو كان صحيحا لأخرجه في مصنفه الصحيح عنده ولم يفعل لأنه لا يعول في الصحيح إلا على الإسناد وهذا الحديث لا يحتج أهل الحديث بمثل إسناده وهو عندي صحيح لأن العلماء تلقوه بالقبول له والعمل به ولا يخالف في جملته أحد من الفقهاء وإنما الخلاف بينهم في بعض معانيه وقد أجمع جمهور من العلماء وجماعة أئمة الفتوى بالأمصار من الفقهاء : أن البحر طهور ماؤه وأن الوضوء به جائز إلا ما روي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص أنهما كرها الوضوء بماء البحر ولم يتابعهما أحد من فقهاء الأمصار على ذلك ولا عرج عليه ولا إلتفت إليه لحديث هذا الباب وهذا يدلك على إشتهار الحديث عندهم وعملهم به وقبولهم له وهو أولى عندهم من الإسناد الظاهر الصحة لمعنى ترده الأصول وبالله التوفيق قال أبو عمر وصفوان بن سليم مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري من عباد أهل المدينة وأتقاهم لله ناسكا كثير الصدقة بما وجد من قليل وكثير كثير العمل خائفا لله يكنى أبا عبد الله سكن المدينة لم ينتقل عنها ومات بها سنة اثنتين وثلاثين ومائة ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : سمعت أبي يسأل عن صفوان بن سليم فقال : ثقة من خيار عباد الله وفضلاء المسلمين وأما سعيد بن سلمة فلم يرو عنه فيما علمت إلا صفوان والله أعلم ومن كانت هذه حاله فهو مجهول لا تقوم به حجة عند جميعهم وأما المغيرة بن أبي بردة فقيل عنه أنه غير معروف في حملة العلم كسعيد بن سلمة وقيل : ليس بمجهول قال أبو عمر : المغيرة بن أبي بردة وجدت ذكره في مغازي موسى بن نصير بالمغرب وكان موسى يستعمله على الخيل وفتح الله له في بلاد البربر فتوحات في البر والبحر وروى الدارقطني من غير طريق مالك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من لم يطهره ماء البحر فلا طهره الله ( قال إسناده حسن الثالثة عشرة قال بن العربي : توهم قوم أن الماء إذا فضلت للجنب منه فضلة لا يتوضأ به وهو مذهب باطل فقد ثبت عن ميمونة أنها قالت : أجنبت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم وإغتسلت من جفنة وفضلت فضلة فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليغتسل منه فقلت : إني قد اغتسلت منه فقال : ( إن الماء ليس عليه نجاسة أو إن الماء لا يجنب ( قال أبو عمر : وردت آثار في هذا الباب مرفوعة في النهي عن أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة وزاد بعضهم في بعضها : ولكن ليغترفا جميعا فقالت طائفة : لا يجوز أن يغترف الرجل مع المرأة في إناء واحد لأن كل واحد منهما متوضئ بفضل صاحبه وقال آخرون : إنما كره من ذلك أن تنفرد المرأة بالإناء ثم يتوضأ الرجل بعدها بفضلها وكل واحد منهم روى بما ذهب إليه أثرا والذي ذهب إليه الجمهور من العلماء وجماعة فقهاء الأمصار أنه لا بأس أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة وتتوضأ المرأة من فضله انفردت المرأة بالإناء أو لم تنفرد وفي مثل هذا آثار كثيرة صحاح والذي نذهب إليه أن الماء لا ينجسه شيء إلا ما ظهر فيه من النجاسات أو غلب عليه منها فلا وجه للإشتغال بما لا يصح من الاثار والأقوال والله المستعان روى الترمذي عن بن عباس قال حدثتني ميمونة قالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة قال هذا حديث حسن صحيح وروى البخاري عن عائشة قالت : كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد يقال له الفرق وفي صحيح مسلم عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة وروى الترمذي عن بن عباس قال : اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ منه فقالت : يا رسول الله إني كنت جنبا قال : ( إن الماء لا يجنب ( قال : هذا حديث حسن صحيح وهو قول سفيان الثوري ومالك والشافعي وروى الدارقطني عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت : كنت أتوضأ أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد وقد أصابت الهرة منه قبل ذلك قال : هذا حديث حسن صحيح وروي أيضا عن رجل من بني غفار قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فضل طهور المرأة وفي الباب عن عبد الله بن سرجس وكره بعض الفقهاء فضل طهور المرأة وهو قول أحمد وإسحاق الرابعة عشرة روى الدارقطني عن زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب أن عمر بن الخطاب كان يسخن له الماء في قمقمة ويغتسل به قال : وهذا إسناد صحيح وروي عن عائشة قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سخنت ماء في الشمس فقال ( لا تفعلي يا حميراء فإنه يورث البرص ( رواه خالد بن إسماعيل المخزومي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وهو متروك ورواه عمرو بن محمد الأعشم عن فليح عن الزهري عن عروة عن عائشة وهو منكر الحديث ولم يروه غيره عن فليح ولا يصح عن الزهري قاله الدارقطني الخامسة عشرة كل إناء طاهر فجائز الوضوء منه إلا إناء الذهب والفضة لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذهما وذلك والله أعلم للتشبه بالأعاجم والجبابرة لا لنجاسة فيهما ومن توضأ فيهما أجزاه وضوءه وكان عاصيا بإستعمالهما وقد قيل : لا يجزئ الوضوء في أحدهما والأول أكثر قاله أبو عمر وكل جلد ذكي فجائز إستعماله للوضوء وغير ذلك وكان مالك يكره الوضوء في إناء جلد الميتة بعد الدباغ على إختلاف من قوله وقد تقدم في النحل < <
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> قوله تعالى : ( وهو الذي أرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته ) تقدم في الأعراف مستوفى قوله تعالى : ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) فيه خمس عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ماء طهورا يتطهر به كما يقال : وضوء للماء الذي يتوضأ به وكل طهور طاهر وليس كل طاهر طهورا فالطهور ( بفتح الطاء ) الاسم وكذلك الوضوء والوقود وبالضم المصدر وهذا هو المعروف في اللغة قاله بن الأنباري فبين أن الماء المنزل من السماء طاهر في نفسه مطهر لغيره فإن الطهور بناء مبالغة في طاهر وهذه المبالغة اقتضت أن يكون طاهرا مطهرا وإلى هذا ذهب الجمهور وقيل : إن طهورا بمعنى طاهر وهو قول أبي حنيفة وتعلق بقوله تعالى : وسقاهم ربهم شرابا طهورا يعني طاهرا ويقول الشاعر : خليلي هل في نظرة بعد توبة أداوي بها قلبي على فجور إلى رجح الأكفال غيد من الظبا عذاب الثنايا ريقهن طهور فوصف الريق بأنه طهور وليس بمطهر وتقول العرب : رجل نؤوم وليس ذلك بمعنى أنه منيم لغيره وإنما يرجع ذلك إلى فعل نفسه ولقد أجاب علماؤنا عن هذا فقالوا : وصف شراب الجنة بأنه طهور يفيد التطهير عن أوضار الذنوب وعن خسائس الصفات كالغل والحسد فإذا شربوا هذا الشراب يطهرهم الله من رحض الذنوب وأوضار الإعتقادات الذميمة فجاؤوا الله بقلب سليم ودخلوا الجنة بصفات التسليم وقيل لهم حينئذ : سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ولما كان حكمه في الدنيا بزوال حكم الحدث بجريان الماء على الأعضاء كانت تلك حكمته في الآخرة وأما قول الشاعر : ريقهن طهور فإنه قصد بذلك المبالغة في وصف الريق بالطهورية لعذوبته وتعلقه بالقلوب وطيبه في النفوس وسكون غليل المحب برشفه حتى كأنه الماء الطهور وبالجملة فإن الأحكام الشرعية لا تثبت بالمجازاة الشعرية فإن الشعراء يتجاوزون في الإستغراق حد الصدق إلى الكذب ويسترسلون في القول حتى يخرجهم ذلك إلى البدعة والمعصية وربما وقعوا في الكفر من حيث لا يشعرون ألا ترى إلى قول بعضهم : ولو لم تلامس صفحة الأرض رجلها لما كنت أدري علة للتيمم وهذا كفر صراح نعوذ بالله منه قال القاضي أبو بكر بن العربي : هذا منتهى لباب كلام العلماء وهو بالغ في فنه إلا أني تأملت من طريق العربية فوجدت فيه مطلعا مشرقا وهو أن بناء فعول للمبالغة إلا أن المبالغة قد تكون في الفعل المتعدى كما قال الشاعر : ضروب بنصل السيف سوق سمانها وقد تكون في الفعل القاصر كما قال الشاعر : نؤوم الضحا لم تنتطق عن تفضل وإنما تؤخذ طهورية الماء لغيره من الحسن نظافة ومن الشرع طهارة كقوله عليه السلام : ( لا يقبل الله صلاة بغير طهور ( وأجمعت الأمة لغة وشريعة على أن وصف طهور يختص بالماء فلا يتعدى إلى سائر المائعات وهي طاهرة فكان اقتصارهم بذلك على الماء أدل دليل على أن الطهور هو المطهر وقد يأتي فعول لوجه آخر ليس من هذا كله وهو العبارة به عن الآلة للفعل لا عن الفعل كقولنا : وقود وسحور بفتح الفاء فإنها عبارة عن الحطب والطعم المتسحر به فوصف الماء بأنه طهور ( بفتح الطاء ) أيضا يكون خبرا عن الآلة التي يتطهر بها فإذا ضمت الفاء في الوقود والسحور والطهور عاد إلى الفعل وكان خبرا عنه فثبت بهذا أن اسم الفعول ( بفتح الفاء ) يكون بناء للمبالغة ويكون خبرا عن الآلة وهو الذي خطر ببال الحنفية ولكن قصرت أشداقها عن لوكه وبعد هذا يقف البيان عن المبالغة وعن الآلة على الدليل بقوله تعالى : وأنزلنا من السماء ماء طهورا وقوله عليه السلام : ( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ( يحتمل المبالغة ويحتمل العبارة به عن الآلة فلا حجة فيه لعلمائنا لكن يبقى قوله : ( ليطهركم به نص في أن فعله يتعدى إلى غيره الثانية المياه المنزلة من السماء والمودعة في الأرض طاهرة مطهرة على اختلاف ألوانها وطعومها وأرياحها حتى يخالطها غيرها والمخالط للماء على ثلاثة أضرب : ضرب يوافقه في صفتيه جميعا فإذا خالطه فغيره لم يسلبه وصفا منهما لموافقته لهما وهو التراب والضرب الثاني يوافقه في إحدى صفتيه وهي الطهارة فإذا خالطه فغيره سلبه ما خالفه فيه وهو التطهير كماء الورد وسائر الطاهرات والضرب الثالث يخالفه في الصفتين جميعا فإذا خالطه فغيره سلبه الصفتين جميعا لمخالفته له فيهما وهو النجس الثالثة ذهب المصريون من أصحاب مالك إلى أن قليل الماء يفسده قليل النجاسة وأن الكثير لا يفسده إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه من المحرمات ولم يحدوا بين القليل والكثير حدا يوقف عنده إلا أن بن القاسم روى عن مالك في الجنب يغتسل في حوض من الحياض التي تسقى فيها الدواب ولم يكن غسل ما به من الأذى أنه قد أفسد الماء وهو مذهب بن القاسم وأشهب وبن عبد الحكم ومن اتبعهم من المصريين إلا بن وهب فإنه يقول في الماء بقول المدنيين من أصحاب مالك وقولهم ما حكاه أبو مصعب عنهم وعنه : أن الماء لا تفسده النجاسة الحالة فيه قليلا كان أو كثيرا إلا أن تظهر فيه النجاسة الحالة فيه وتغير منه طعما أو ريحا أو لونا وذكر أحمد بن المعدل أن هذا قول مالك بن أنس في الماء وإلى هذا ذهب إسماعيل بن إسحاق ومحمد بن بكير وأبو الفرج الأبهري وسائر المنتحلين لمذهب مالك من البغداديين وهو قول الأوزاعي والليث بن سعد والحسن بن صالح وداود بن علي وهو مذهب أهل البصرة وهو الصحيح في النظر وجيد الأثر وقال أبو حنيفة : إذا وقعت نجاسة في الماء أفسدته كثيرا كان أو قليلا إذا تحققت عموم النجاسة فيه ووجه تحققها عنده أن تقع مثلا نقطة بول في بركة فإن كانت البركة يتحرك طرفاها بتحرك أحدهما فالكل نجس وإن كانت حركة أحد الطرفين لا تحرك الآخر لم ينجس وفي المجموعة نحو مذهب أبي حنيفة وقال الشافعي بحديث القلتين وهو حديث مطعون فيه اختلف في إسناده ومتنه أخرجه أبو داود والترمذي وخاصة الدارقطني فإنه صدر به كتابه وجمع طرقه قال بن العربي : وقد رام الدارقطني على إمامته أن يصحح حديث القلتين فلم يقدر وقال أبو عمر بن عبد البر : وأما ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين فمذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت في الأثر لأنه قد تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل ولأن القلتين لا يوقف على حقيقة مبلغهما في أثر ثابت ولا إجماع فلو كان ذلك حدا لازما لوجب على العلماء البحث عنه ليقفوا على حد ما حده النبي صلى الله عليه وسلم لأنه من أصل دينهم وفرضهم ولو كان ذلك كذلك ما ضيعوه فلقد بحثوا عما هو أدون من ذلك وألطف قلت : وفيما ذكر بن المنذر في القلتين من الخلاف يدل على عدم التوقيف فيهما والتحديد وفي سنن الدارقطني عن حماد بن زيد عن عاصم بن المنذر قال : القلال الخوابي العظام وعاصم هذا هو أحد رواة حديث القلتين ويظهر من قول الدارقطني أنها مثل قلال هجر لسياقه حديث الإسراء عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لما رفعت إلى سدرة المنتهى في السماء السابعة نبقها مثل قلال هجر وورقها مثل آذان الفيلة ( وذكر الحديث قال بن العربي : وتعلق علماؤنا بحديث أبي سعيد الخدري في بئر بضاعة رواه النسائي والترمذي وأبو داود وغيرهم وهو أيضا حديث ضعيف لا قدم له في الصحة فلا تعويل عليه وقد فاوضت الطوسى الأكبر في هذه المسألة فقال : إن إخلص المذاهب في هذه المسألة مذهب مالك فإن الماء طهور ما لم يتغير أحد أوصافه إذ لا حديث في الباب يعول عليه وإنما المعول على ظاهر القرآن وهو قوله تعالى : وأنزلنا من السماء ماء طهورا وهو مادام بصفاته فإذا تغير عن شيء منها خرج عن الإسم لخروجه عن الصفة ولذلك لما لم يجد البخاري إمام الحديث والفقه في الباب خبرا يعول عليه قال : باب إذا تغير وصف الماء وأدخل الحديث الصحيح : ( ما من أحد يكلم في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك ( فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الدم بحاله وعليه رائحة المسك ولم تخرجه الرائحة عن صفة الدموية ولذلك قال علماؤنا : إذا تغير الماء بريح جيفة على طرفه وساحله لم يمنع ذلك الوضوء منه ولو تغير بها وقد وضعت فيه لكان ذلك تنجيسا له للمخالطة والأول مجاورة لا تعويل عليها قلت : وقد استدل به أيضا على نقيض ذلك وهو أن تغير الرائحة يخرجه عن أصله ووجه هذا الإستدلال أن الدم لما استحالت رائحته إلى رائحة المسك خرج عن كونه مستخبثا نجسا وأنه صار مسكا وأن المسك بعض دم الغزال فكذلك الماء إذا تغيرت رائحته وإلى هذا التأويل ذهب الجمهور في الماء وإلى الأول ذهب عبد الملك قال أبو عمر : جعلوا الحكم للرائحة دون اللون فكان الحكم لها فاستدلوا عليها في زعمهم بهذا الحديث وهذا لا يفهم منه معنى تسكن إليه النفس ولا في الدم معنى الماء فيقاس عليه ولا يشتغل بمثل هذا الفقهاء وليس من شأن أهل العلم اللغز به وإشكاله وإنما شأنهم إيضاحه وبيانه ولذلك أخذ الميثاق عليهم ليبيننه للناس ولا يكتمونه والماء لا يخلو تغيره بنجاسة أو بغير نجاسة فإن كان بنجاسة وتغير فقد أجمع العلماء على أنه غير طاهر ولا مطهر وكذلك أجمعوا أنه إذا تغير بغير نجاسة أنه طاهر على أصله وقال الجمهور : إنه غير مطهر إلا أن يكون تغيره من تربة ومأة وما أجمعوا عليه فهو الحق الذي لا إشكال فيه ولا التباس معه الرابعة الماء المتغير بقراره كزرنيخ أو جير يجري عليه أو تغير بطحلب أو ورق شجر ينبت عليه لا يمكن الإحتراز عنه فاتفق العلماء أن ذلك لا يمنع من الوضوء به لعدم الإحتراز منه والإنفكاك عنه وقد روى بن وهب عن مالك أن غيره أولى منه الخامسة قال علماؤنا رحمة الله عليهم : ويكره سؤر النصراني وسائر الكفار والمدمن الخمر وما أكل الجيف كالكلاب وغيرها ومن توضأ بسؤرهم فلا شيء عليه حتى يستيقن النجاسة قال البخاري : وتوضأ عمر رضي الله عنه من بيت نصرانية ذكر سفيان بن عيينة قال : حدثونا عن زيد بن أسلم عن أبيه قال : لما كنا بالشام أتيت عمر بن الخطاب بماء فتوضأ منه فقال : من أين جئت بهذا الماء ما رأيت ماء عذبا ولا ماء سماء أطيب منه قال قلت : جئت به من بيت هذه العجوز النصرانية فلما توضأ أتاها فقال : أيتها العجوز أسلمي تسلمي بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق قال : فكشفت عن رأسها فإذا مثل الثغامة فقالت : عجوز كبيرة وإنما أموت الآن فقال عمر رضي الله عنه : اللهم اشهد خرجه الدارقطني حدثنا الحسين بن إسماعيل قال حدثنا أحمد بن إبراهيم البوشنجي قال حدثنا سفيان فذكره ورواه أيضا عن الحسين بن إسماعيل قال حدثنا خلاد بن أسلم حدثنا سفيان عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه توضأ من بيت نصرانية أتاها فقال : أيتها العجوز أسلمي 000 وذكر الحديث بمثل ما تقدم السادسة فأما الكلب إذا ولغ في الماء فقال مالك : يغسل الإناء سبعا ولا يتوضأ منه وهو طاهر وقال الثوري : يتوضأ بذلك الماء ويتيمم معه وهو قول عبد الملك بن عبد العزيز ومحمد بن مسلمة وقال أبو حنيفة : الكلب نجس ويغسل الإناء منه لأنه نجس وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وقد كان مالك يفرق بين ما يجوز اتخاذه من الكلاب وبين ما لا يجوز اتخاذه منها في غسل الإناء من ولوغه وتحصيل مذهبه أنه طاهر عنده لا ينجس ولوغه شيئا ولغ فيه طعاما ولا غيره إلا أنه استحب هراقة ما ولغ فيه من الماء ليسارة مؤنته وكلب البادية والحاضرة سواء ويغسل الإناء منه على كل حال سبعا تعبدا هذا ما إستقر عليه مذهبه عند المناظرين من أصحابه ذكر بن وهب قال : حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء عن أبي هريرة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحياض التي تكون فيما بين مكة والمدينة فقيل له : إن الكلاب والسباع ترد عليها فقال : ( لها ما أخذت في بطونها ولنا ما بقي شراب وطهور ( أخرجه الدارقطني وهذا نص في طهارة الكلاب وطهارة ما تلغ فيه وفي البخاري عن بن عمر أن الكلاب كانت تقبل وتدبر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يرشون شيئا من ذلك وقال عمر بحضرة الصحابة لصاحب الحوض الذي سأله عمرو بن العاص : هل ترد حوضك السباع فقال عمر : يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا أخرجه مالك والدارقطني ولم يفرق بين السباع والكلب من جملتها ولا حجة للمخالف في الأمر بإراقة ما ولغ فيه وأن ذلك للنجاسة وإنما أمر بإراقته لأن النفس تعافه لا لنجاسته لأن التنزه من الأقذار مندوب إليه أو تغليظا عليهم لأنهم نهوا عن إقتنائها كما قاله بن عمر والحسن فلما لم ينتهوا عن ذلك غلظ عليهم في الماء لقلته عندهم في البادية حتى يشتد عليهم فيمتنعوا من اقتنائها وأما الأمر بغسل الإناء فعبادة لا لنجاسة كما ذكرناه بدليلين : أحدهما أن الغسل قد دخله العدد الثاني أنه جعل للتراب فيه مدخل لقوله عليه السلام : ( ( وعفروه الثامنة بالتراب ( ولو كان للنجاسة لما كان للعدد ولا للتراب فيه مدخل كالبول وقد جعل صلى الله عليه وسلم الهر وما ولغ فيه طاهرا والهر سبع لا خلاف في ذلك لأنه يفترس ويأكل الميتة فكذلك الكلب وما كان مثله من السباع لأنه إذا جاء نص في أحدهما كان نصا في الآخر وهذا من أقوى أنواع القياس هذا لو لم يكن هناك دليل وقد ذكرنا النص على طهارته فسقط قول المخالف والحمد لله السابعة ما مات في الماء مما لا دم له فلا يضر الماء إن لم يغير ريحه فإن أنتن لم يتوضأ به وكذلك ما كان له دم سائل من دواب الماء كالحوت والضفدع لم يفسد ذلك الماء موته فيه إلا أن تتغير رائحته فإن تغيرت رائحته وأنتن لم يجز التطهر به ولا الوضوء منه وليس بنجس عند مالك وأما ما له نفس سائلة فمات في الماء ونزح مكانه ولم يغير لونه ولا طعمه ولا ريحه فهو طاهر مطهر سواء كان الماء قليلا أو كثيرا عند المدنيين واستحب بعضهم أن ينزح من ذلك الماء دلاء لتطيب النفس به ولا يحدون في ذلك حدا لا يتعدى ويكرهون إستعمال ذلك الماء قبل نزح الدلاء فإن استعمله أحد في غسل أو وضوء جاز إذا كانت حاله ما وصفنا وقد كان بعض أصحاب مالك يرى لمن توضأ بهذا الماء وإن لم يتغير أن يتيمم فيجمع بين الطهارتين إحتياطا فإن لم يفعل وصلى بذلك الماء أجزأه وروى الدارقطني عن محمد بن سيرين أن زنجيا وقع في زمزم يعني فمات فأمر به بن عباس رضي الله عنه فأخرج فأمر بها أن تنزح قال : فغلبتهم عين جاءتهم من الركن فأمر بها فدسمت بالقباطي والمطارف حتى نزحوها فلما نزحوها إنفجرت عليهم وأخرجه عن أبي الطفيل أن غلاما وقع في بئر زمزم فنزحت وهذا يحتمل أن يكون الماء تغير والله أعلم وروى شعبة عن مغيرة عن إبراهيم أنه كان يقول : كل نفس سائلة لا يتوضأ منها ولكن رخص في الخنفساء والعقرب والجراد والجدجد إذا وقعن في الركاء فلا بأس به قال شعبة : وأظنه قد ذكر الوزغة أخرجه الدارقطني حدثنا الحسين بن إسماعيل قال حدثنا محمد بن الوليد قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة 000 فذكره الثامنة ذهب الجمهور من الصحابة وفقهاء الأمصار وسائر التابعين بالحجاز والعراق أن ما ولغ فيه الهر من الماء طاهر وأنه لا بأس بالوضوء بسؤره لحديث أبي قتادة أخرجه مالك وغيره وقد روي عن أبي هريرة فيه خلاف وروي عن عطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين أنهم أمروا بإراقة ماء ولغ فيه الهر وغسل الإناء منه واختلف في ذلك عن الحسن ويحتمل أن يكون الحسن رأى في فمه نجاسة ليصح مخرج الروايتين عنه قال الترمذي لما ذكر حديث مالك : وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة هذا حديث حسن صحيح وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم مثل الشافعي وأحمد وإسحاق لم يروا بسؤر الهرة بأسا وهذا أحسن شيء في الباب وقد جود مالك هذا الحديث عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ولم يأت به أحد أتم من مالك قال الحافظ أبو عمر : الحجة عند التنازع والإختلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صح من حديث أبي قتادة أنه أصغى لها الإناء حتى شربت الحديث وعليه إعتماد الفقهاء في كل مصر إلا أبا حنيفة ومن قال بقوله فإنه كان يكره سؤره وقال : إن توضأ به أحد أجزأه ولا أعلم حجة لمن كره الوضوء بسؤر الهرة أحسن من أنه لم يبلغه حديث أبي قتادة وبلغه حديث أبي هريرة في الكلب فقاس الهر عليه وقد فرقت السنة بينهما في باب التعبد في غسل الإناء ومن حجته السنة خاصمته وما خالفها مطرح وبالله التوفيق ومن حجتهم أيضا ما رواه قرة بن خالد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ( طهور الإناء إذا ولغ فيه الهر أن يغسل مرة أو مرتين ( شك قرة وهذا الحديث لم يرفعه إلا قرة بن خالد وقرة ثقة ثبت قلت : هذا الحديث أخرجه الدارقطني ومتنه : ( طهور الإناء إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات الأولى بالتراب والهر مرة أو مرتين ( قرة شك قال أبو بكر : كذا رواه أبو عاصم مرفوعا ورواه غيره عن قرة ( ولوغ الكلب ) مرفوعا و ( ولوغ الهر ) موقوفا وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ( يغسل الإناء من الهر كما يغسل من الكلب ( قال الدارقطني : لا يثبت هذا مرفوعا والمحفوظ من قول أبي هريرة واختلف عنه وذكر معمر وبن جريج عن بن طاوس عن أبيه أنه كان يجعل الهر مثل الكلب وعن مجاهد أنه قال في الإناء يلغ فيه السنور قال : اغسله سبع مرات قاله الدارقطني التاسعة الماء المستعمل طاهر إذا كانت أعضاء المتوضئ به طاهرة إلا أن مالكا وجماعة من الفقهاء الجلة كانوا يكرهون الوضوء به وقال مالك : لا خير فيه ولا أحب لأحد أن يتوضأ به فإن فعل وصلى لم أر عليه إعادة الصلاة ويتوضأ لما يستقبل وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما : لا يجوز استعماله في رفع الحدث ومن توضأ به أعاد لأنه ليس بماء مطلق ويتمم واجده لأنه ليس بواجد ماء وقال بقولهم في ذلك أصبغ بن الفرج وهو قول الأوزاعي واحتجوا بحديث الصنابحي خرجه مالك وحديث عمرو بن عنبسة أخرجه مسلم وغير ذلك من الآثار وقالوا : الماء إذا توضئ به خرجت الخطايا معه فوجب التنزه عنه لأنه ماء الذنوب قال أبو عمر : وهذا عندي لا وجه له لأن الذنوب لا تنجس الماء لأنها لا أشخاص لها ولا أجسام تمازج الماء فتفسده وإنما معنى قوله : خرجت الخطايا مع الماء إعلام منه بأن الوضوء للصلاة عمل يكفر الله به السيئات عن عباده المؤمنين رحمة منه بهم وتفضلا عليهم وقال أبو ثور وداود مثل قول مالك وأن الوضوء بالماء المستعمل جائز لأنه ماء طاهر لا ينضاف إليه شيء وهو ماء مطلق واحتجوا بإجماع الأمة على طهارته إذا لم يكن في أعضاء المتوضئ نجاسة وإلى هذا ذهب أبو عبد الله المروزي محمد بن نصر وروي عن علي بن أبي طالب وبن عمر وأبي أمامة وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري والنخعي ومكحول والزهري أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه فوجد في لحيته بللا : أنه يجزئه أن يمسح بذلك البلل رأسه فهؤلاء كلهم أجازوا الوضوء بالماء المستعمل روى عبد السلام بن صالح حدثنا إسحاق بن سويد عن العلاء بن زياد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مرضي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم ذات يوم وقد اغتسل وقد بقيت لمعة من جسده لم يصبها الماء فقلنا : يا رسول الله هذه لمعة لم يصبها الماء فكان له شعر وارد فقال بشعره هكذا على المكان فبله أخرجه الدارقطني وقال : عبد السلام بن صالح هذا بصري وليس بقوي وغيره من الثقات يرويه عن إسحاق عن العلاء مرسلا وهو الصواب قلت : الراوي الثقة عن إسحاق بن سويد العدوي عن العلاء بن زياد العدوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل الحديث فيما ذكره هشيم قال بن العربي : مسألة الماء المستعمل إنما تنبني على أصل آخر وهو أن الآلة إذا أدى بها فرض هل يؤدي بها فرض آخر أم لا فمنع ذلك المخالف قياسا على الرقبة إذا أدى بها فرض عتق لم يصلح أن يتكرر في أداء فرض آخر وهذا باطل من القول فإن العتق إذا أتى على الرق أتلفه فلا يبقى محل لأداء الفرض بعتق آخر ونظيره من الماء ما تلف على الأعضاء فإنه لا يصح أن يؤدى به فرض آخر لتلف عينه حسا كما تلف الرق في الرقبة بالعتق حكما وهذا نفيس فتأملوه العاشرة لم يفرق مالك وأصحابه بين الماء تقع فيه النجاسة وبين النجاسة يرد عليها ا لماء راكدا كان الماء أو غير راكد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب عليه فغير طعمه أو لونه أو ريحه ( وفرقت الشافعية فقالوا : إذا وردت النجاسة على الماء تنجس واختاره بن العربي وقال : من أصول الشريعة في أحكام المياه أن ورود النجاسة على الماء ليس كورود الماء على النجاسة لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده ( فمنع من ورود اليد على الماء وأمر بإيراد الماء عليها وهذا أصل بديع في الباب ولولا وروده على النجاسة قليلا كان أو كثيرا لما طهرت وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في بول الأعرابي في المسجد : ( صبوا عليه ذنوبا من ماء ( قال شيخنا 4 أبو العباس : واستدلوا أيضا بحديث القلتين فقالوا : إذا كان الماء دون القلتين فحلته نجاسة تنجس وإن لم تغيره وإن ورد ذلك القدر فأقل على النجاسة فأذهب عينها بقي الماء على طهارته وأزال النجاسة وهذه مناقضة إذ المخالطة قد حصلت في الصورتين وتفريقهم بورود الماء على النجاسة وورودها عليه فرق صوري ليس فيه من الفقه شيء فليس الباب باب التعبدات بل من باب عقلية المعاني فإنه من باب إزالة النجاسة وأحكامها ثم هذا كله منهم يرده قوله عليه الصلاة والسلام : ( ( الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه ( قلت : هذا الحديث أخرجه الدارقطني عن رشدين بن سعد أبي الحجاج عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي أمامة الباهلي وعن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس فيه ذكر اللون وقال : لم يرفعه غير رشدين بن سعد عن معاوية بن صالح وليس بالقوي وأحسن منه في الإستدلال ما رواه أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج عن أبي سعيد الخدري قال قيل : يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر تلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الماء طهور لا ينجسه شيء ( أخرجه أبو داود والترمذي والدارقطني كلهم بهذا الإسناد وقال أبو عيسى : هذا حديث حسن وقد جود أبو أسامة هذا الحديث ولم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة فهذا الحديث نص في ورود النجاسة على الماء وقد حكم صلى الله عليه وسلم بطهارته وطهوره قال أبو داود : سمعت قتيبة بن سعيد قال سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها قلت : أكثر ما يكون الماء فيها قال : إلى العانة قلت : فإذا نقص قال : دون العورة قال أبو داود : وقدرت بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه : هل غير بناؤها عما كانت عليه فقال لا ورأيت فيها ماء متغير اللون فكان هذا دليلا لنا على ما ذكرناه غير أن بن العربي قال : إنها في وسط السبخة فماؤها يكون متغيرا من قرارها والله أعلم الحادية عشرة الماء الطاهر المطهر الذي يجوز به الوضوء وغسل النجاسات هو الماء القراح الصافي من ماء السماء والأنهار والبحار والعيون والآبار وما عرفه الناس ماء مطلقا غير مضاف إلى شيء خالطه كما خلقه الله عز وجل صافيا ولا يضره لون أرضه على ما بيناه وخالف في هذه الجملة أبو حنيفة وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر فأما أبو حنيفة فأجاز الوضوء بالنبيذ في السفر وجوز إزالة النجاسة بكل مائع طاهر فأما بالدهن والمرق فعنه رواية أنه لا يجوز إزالتها به إلا أن أصحابه يقولون : إذا زالت النجاسة به جاز وكذلك عنده النار والشمس حتى أن جلد الميتة إذا جف في الشمس طهر من غير دباغ وكذلك النجاسة على الأرض إذا جفت بالشمس فإنه يطهر ذلك الموضع بحيث تجوز الصلاة عليه ولكن لا يجوز التيمم بذلك التراب قال بن العربي : لما وصف الله سبحانه الماء بأنه طهور وامتن بإنزاله من السماء ليطهرنا به دل على إختصاصه بذلك وكذلك قال عليه الصلاة والسلام لأسماء بنت الصديق حين سألته عن دم الحيض يصيب الثوب : ( حتيه ثم إقرصيه ثم إغسليه بالماء ( فلذلك لم يلحق غير الماء بالماء لما في ذلك من إبطال الإمتنان وليست النجاسة معنى محسوسا حتى يقال كل ما أزالها فقد قام به الغرض وإنما النجاسة حكم شرعي عين له صاحب الشرع الماء فلا يلحق به غيره إذ ليس في معناه ولأنه لو لحق به لأسقطه والفرع إذا عاد إلحاقه بالأصل في إسقاطه سقط في نفسه وقد كان تاج السنة ذو العز بن المرتضى الدبوسي يسميه فرخ زنى قلت : وأما ما استدل به على إستعمال النبيذ فأحاديث واهية ضعاف لا يقوم شيء منها على ساق ذكرها الدارقطني وضعفها ونص عليها وكذلك ضعف ما روي عن بن عباس موقوفا ( النبيذ وضوء لمن لم يجد الماء ( في طريقه بن محرز متروك الحديث وكذلك ما روي عن علي أنه قال : لا بأس بالوضوء بالنبيذ الحجاج وأبو ليلى ضعيفان وضعف حديث بن مسعود وقال : تفرد به بن لهيعة وهو ضعيف الحديث وذكر عن علقمة بن قيس قال قلت لعبد الله بن مسعود : أشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد منكم ليلة أتاه داعي الجن فقال لا قلت : هذا إسناد صحيح لا يختلف في عدالة رواته وأخرج الترمذي حديث بن مسعود قال : سألني النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما في إدواتك ( فقلت : نبيذ فقال : ( تمرة طيبة وماء طهور ( قال : فتوضأ منه قال أبو عيسى : وإنما روي هذا الحديث عن أبي زيد عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث لا نعرف له رواية غير هذا الحديث وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ منهم سفيان وغيره وقال بعض أهل العلم : لا يتوضأ بالنبيذ وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وقال إسحاق : إن ابتلي رجل بهذا فتوضأ بالنبيذ وتيمم أحب إلي قال أبو عيسى : وقول من يقول لا يتوضأ بالنبيذ أقرب إلى الكتاب والسنة وأشبه لأن الله تعالى قال : فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا وهذه المسألة مطولة في كتب الخلاف وعمدتهم التمسك بلفظ الماء حسبما تقدم في المائدة بيانه والله أعلم الثانية عشرة لما قال الله تعالى : وأنزلنا من السماء ماء طهورا وقال : ليطهركم به توقف جماعة في ماء البحر لأنه ليس بمنزل من السماء حتى رووا عن عبد الله بن عمر وبن عمرو معا أنه لا يتوضأ به لأنه نار ولأنه طبق جهنم ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بين حكمه حين قال لمن سأله : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ( أخرجه مالك وقال فيه أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح وهو قول أكثر الفقهاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر وعمر وبن عباس لم يروا بأسا بماء البحر وقد كره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء بماء البحر منهم بن عمر وعبد الله بن عمرو وقال عبد الله بن عمرو : هو نار قال أبو عمر وقد سئل أبو عيسى الترمذي عن حديث مالك هذا عن صفوان بن سليم فقال : هو عندي حديث صحيح قال أبو عيسى فقلت للبخاري : هشيم يقول فيه أبي بن برزة فقال : وهم فيه إنما هو المغيرة بن أبي بردة قال أبو عمر : لا أدري ما هذا من البخاري رحمه الله ولو كان صحيحا لأخرجه في مصنفه الصحيح عنده ولم يفعل لأنه لا يعول في الصحيح إلا على الإسناد وهذا الحديث لا يحتج أهل الحديث بمثل إسناده وهو عندي صحيح لأن العلماء تلقوه بالقبول له والعمل به ولا يخالف في جملته أحد من الفقهاء وإنما الخلاف بينهم في بعض معانيه وقد أجمع جمهور من العلماء وجماعة أئمة الفتوى بالأمصار من الفقهاء : أن البحر طهور ماؤه وأن الوضوء به جائز إلا ما روي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص أنهما كرها الوضوء بماء البحر ولم يتابعهما أحد من فقهاء الأمصار على ذلك ولا عرج عليه ولا إلتفت إليه لحديث هذا الباب وهذا يدلك على إشتهار الحديث عندهم وعملهم به وقبولهم له وهو أولى عندهم من الإسناد الظاهر الصحة لمعنى ترده الأصول وبالله التوفيق قال أبو عمر وصفوان بن سليم مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري من عباد أهل المدينة وأتقاهم لله ناسكا كثير الصدقة بما وجد من قليل وكثير كثير العمل خائفا لله يكنى أبا عبد الله سكن المدينة لم ينتقل عنها ومات بها سنة اثنتين وثلاثين ومائة ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : سمعت أبي يسأل عن صفوان بن سليم فقال : ثقة من خيار عباد الله وفضلاء المسلمين وأما سعيد بن سلمة فلم يرو عنه فيما علمت إلا صفوان والله أعلم ومن كانت هذه حاله فهو مجهول لا تقوم به حجة عند جميعهم وأما المغيرة بن أبي بردة فقيل عنه أنه غير معروف في حملة العلم كسعيد بن سلمة وقيل : ليس بمجهول قال أبو عمر : المغيرة بن أبي بردة وجدت ذكره في مغازي موسى بن نصير بالمغرب وكان موسى يستعمله على الخيل وفتح الله له في بلاد البربر فتوحات في البر والبحر وروى الدارقطني من غير طريق مالك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من لم يطهره ماء البحر فلا طهره الله ( قال إسناده حسن الثالثة عشرة قال بن العربي : توهم قوم أن الماء إذا فضلت للجنب منه فضلة لا يتوضأ به وهو مذهب باطل فقد ثبت عن ميمونة أنها قالت : أجنبت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم وإغتسلت من جفنة وفضلت فضلة فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليغتسل منه فقلت : إني قد اغتسلت منه فقال : ( إن الماء ليس عليه نجاسة أو إن الماء لا يجنب ( قال أبو عمر : وردت آثار في هذا الباب مرفوعة في النهي عن أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة وزاد بعضهم في بعضها : ولكن ليغترفا جميعا فقالت طائفة : لا يجوز أن يغترف الرجل مع المرأة في إناء واحد لأن كل واحد منهما متوضئ بفضل صاحبه وقال آخرون : إنما كره من ذلك أن تنفرد المرأة بالإناء ثم يتوضأ الرجل بعدها بفضلها وكل واحد منهم روى بما ذهب إليه أثرا والذي ذهب إليه الجمهور من العلماء وجماعة فقهاء الأمصار أنه لا بأس أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة وتتوضأ المرأة من فضله انفردت المرأة بالإناء أو لم تنفرد وفي مثل هذا آثار كثيرة صحاح والذي نذهب إليه أن الماء لا ينجسه شيء إلا ما ظهر فيه من النجاسات أو غلب عليه منها فلا وجه للإشتغال بما لا يصح من الاثار والأقوال والله المستعان روى الترمذي عن بن عباس قال حدثتني ميمونة قالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة قال هذا حديث حسن صحيح وروى البخاري عن عائشة قالت : كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد يقال له الفرق وفي صحيح مسلم عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة وروى الترمذي عن بن عباس قال : اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في جفنة فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ منه فقالت : يا رسول الله إني كنت جنبا قال : ( إن الماء لا يجنب ( قال : هذا حديث حسن صحيح وهو قول سفيان الثوري ومالك والشافعي وروى الدارقطني عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت : كنت أتوضأ أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد وقد أصابت الهرة منه قبل ذلك قال : هذا حديث حسن صحيح وروي أيضا عن رجل من بني غفار قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فضل طهور المرأة وفي الباب عن عبد الله بن سرجس وكره بعض الفقهاء فضل طهور المرأة وهو قول أحمد وإسحاق الرابعة عشرة روى الدارقطني عن زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب أن عمر بن الخطاب كان يسخن له الماء في قمقمة ويغتسل به قال : وهذا إسناد صحيح وروي عن عائشة قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سخنت ماء في الشمس فقال ( لا تفعلي يا حميراء فإنه يورث البرص ( رواه خالد بن إسماعيل المخزومي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وهو متروك ورواه عمرو بن محمد الأعشم عن فليح عن الزهري عن عروة عن عائشة وهو منكر الحديث ولم يروه غيره عن فليح ولا يصح عن الزهري قاله الدارقطني الخامسة عشرة كل إناء طاهر فجائز الوضوء منه إلا إناء الذهب والفضة لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اتخاذهما وذلك والله أعلم للتشبه بالأعاجم والجبابرة لا لنجاسة فيهما ومن توضأ فيهما أجزاه وضوءه وكان عاصيا بإستعمالهما وقد قيل : لا يجزئ الوضوء في أحدهما والأول أكثر قاله أبو عمر وكل جلد ذكي فجائز إستعماله للوضوء وغير ذلك وكان مالك يكره الوضوء في إناء جلد الميتة بعد الدباغ على إختلاف من قوله وقد تقدم في النحل < <
Dio V13/P055–V13/P057Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V13/P055–V13/P057)
Orijinal Metin (AR)الفرقان : ( 49 ) لنحيي به بلدة . . . . . > > < > ( الفرقان 49 ) < > قوله تعالى : ( لنحيي به ) أي بالمطر ( بلدة ميتا ) بالجدوبة والمحل وعدم النبات قال كعب : المطر روح الأرض يحييها الله به وقال : ميتا ولم يقل ميتة لأن معنى البلدة والبلد واحد قاله الزجاج وقيل : أراد بالبلد المكان ( ونسقيه ) قراءة العامة بضم النون وقرأ عمر بن الخطاب وعاصم والأعمش فيما روى المفضل عنهما نسقيه بفتح النون ( مما خلقنا أناما وأناسي كثيرا ) أي بشرا كثيرا وأناسي واحده إنسي نحو جمع القرقور قراقير وقراقر في قول الأخفش والمبرد وأحد قولي الفراء وله قول آخر وهو أن يكون واحده إنسانا ثم تبدل من النون ياء فتقول : أناسي والأصل أناسين مثل سرحان وسراحين وبستان وبساتين فجعلوا الياء عوضا من النون وعلى هذا يجوز سراحي وبساتي لا فرق بينهما قال الفراء : ويجوز أناسي بتخفيف الياء التي فيما بين لام الفعل وعينه مثل قراقير وقراقر وقال كثيرا ولم يقل كثيرين لأن فعيلا قد يراد به الكثرة نحو وحسن أولئك رفيقا < < الفرقان : ( 50 ) ولقد صرفناه بينهم . . . . . > > < > ( الفرقان 50 ) < > قوله تعالى : ( ولقد صرفنا بينهم ) يعني القرآن وقد جرى ذكره في أول السورة : قوله تعالى : تبارك الذي نزل الفرقان وقوله : لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وقوله : اتخذوا هذا القرآن مهجورا ( ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا ) أي جحودا له وتكذيبا به وقيل : ولقد صرفناه بينهم هو المطر روي عن بن عباس وبن مسعود : وأنه ليس عام بأكثر مطرا من عام ولكن الله يصرفه حيث يشاء فما زيد لبعض نقص من غيرهم فهذا معنى التصريف وقيل : صرفناه بينهم وابلا وطشا وطلا ورهاما الجوهري : الرهام الأمطار اللينة ورذاذا وقيل : تصريفه تنويع الإنتفاع به في الشرب والسقي والزراعات به والطهارات وسقي البساتين والغسل وشبهه ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا قال عكرمة : هو قولهم في الأنواء : مطرنا بنوء كذا قال النحاس : ولا نعلم بين أهل التفسير اختلافا أن الكفر ها هنا قولهم مطرنا بنوء كذا 0 وكذا وأن نظيره فعل النجم كذا وأن كل من نسب إليه فعلا فهو كافر وروى الربيع بن صبيح قال : مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فلما أصبح قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أصبح الناس فيها رجلين شاكر وكافر فأما الشاكر فيحمد الله تعالى على سقياه وغياثه وأما الكافر فيقول مطرنا بنوء كذا وكذا ( وهذا متفق على صحته بمعناه وسيأتي في الواقعة إن شاء الله وروي من حديث بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما من سنة بأمطر من أخرى ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي صرف الله ذلك إلى غيرهم فإذا عصوا جميعا صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار ( وقيل : التصريف راجع إلى الريح وقد مضى في البقرة بيانه وقرأ حمزة والكسائي : ليذكروا مخففة الذال من الذكر الباقون مثقلا من التذكر أي ليذكروا نعم الله ويعلموا أن من أنعم بها لا يجوز الإشراك به فالتذكر قريب من الذكر غير أن التذكر يطلق فيما بعد عن القلب فيحتاج إلى تكلف في التذكر < < الفرقان : ( 51 ) ولو شئنا لبعثنا . . . . . > > < > ( الفرقان 51 : 52 ) <
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)الفرقان : ( 49 ) لنحيي به بلدة . . . . . > > < > ( الفرقان 49 ) < > قوله تعالى : ( لنحيي به ) أي بالمطر ( بلدة ميتا ) بالجدوبة والمحل وعدم النبات قال كعب : المطر روح الأرض يحييها الله به وقال : ميتا ولم يقل ميتة لأن معنى البلدة والبلد واحد قاله الزجاج وقيل : أراد بالبلد المكان ( ونسقيه ) قراءة العامة بضم النون وقرأ عمر بن الخطاب وعاصم والأعمش فيما روى المفضل عنهما نسقيه بفتح النون ( مما خلقنا أناما وأناسي كثيرا ) أي بشرا كثيرا وأناسي واحده إنسي نحو جمع القرقور قراقير وقراقر في قول الأخفش والمبرد وأحد قولي الفراء وله قول آخر وهو أن يكون واحده إنسانا ثم تبدل من النون ياء فتقول : أناسي والأصل أناسين مثل سرحان وسراحين وبستان وبساتين فجعلوا الياء عوضا من النون وعلى هذا يجوز سراحي وبساتي لا فرق بينهما قال الفراء : ويجوز أناسي بتخفيف الياء التي فيما بين لام الفعل وعينه مثل قراقير وقراقر وقال كثيرا ولم يقل كثيرين لأن فعيلا قد يراد به الكثرة نحو وحسن أولئك رفيقا < < الفرقان : ( 50 ) ولقد صرفناه بينهم . . . . . > > < > ( الفرقان 50 ) < > قوله تعالى : ( ولقد صرفنا بينهم ) يعني القرآن وقد جرى ذكره في أول السورة : قوله تعالى : تبارك الذي نزل الفرقان وقوله : لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وقوله : اتخذوا هذا القرآن مهجورا ( ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا ) أي جحودا له وتكذيبا به وقيل : ولقد صرفناه بينهم هو المطر روي عن بن عباس وبن مسعود : وأنه ليس عام بأكثر مطرا من عام ولكن الله يصرفه حيث يشاء فما زيد لبعض نقص من غيرهم فهذا معنى التصريف وقيل : صرفناه بينهم وابلا وطشا وطلا ورهاما الجوهري : الرهام الأمطار اللينة ورذاذا وقيل : تصريفه تنويع الإنتفاع به في الشرب والسقي والزراعات به والطهارات وسقي البساتين والغسل وشبهه ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا قال عكرمة : هو قولهم في الأنواء : مطرنا بنوء كذا قال النحاس : ولا نعلم بين أهل التفسير اختلافا أن الكفر ها هنا قولهم مطرنا بنوء كذا 0 وكذا وأن نظيره فعل النجم كذا وأن كل من نسب إليه فعلا فهو كافر وروى الربيع بن صبيح قال : مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فلما أصبح قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أصبح الناس فيها رجلين شاكر وكافر فأما الشاكر فيحمد الله تعالى على سقياه وغياثه وأما الكافر فيقول مطرنا بنوء كذا وكذا ( وهذا متفق على صحته بمعناه وسيأتي في الواقعة إن شاء الله وروي من حديث بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما من سنة بأمطر من أخرى ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي صرف الله ذلك إلى غيرهم فإذا عصوا جميعا صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار ( وقيل : التصريف راجع إلى الريح وقد مضى في البقرة بيانه وقرأ حمزة والكسائي : ليذكروا مخففة الذال من الذكر الباقون مثقلا من التذكر أي ليذكروا نعم الله ويعلموا أن من أنعم بها لا يجوز الإشراك به فالتذكر قريب من الذكر غير أن التذكر يطلق فيما بعد عن القلب فيحتاج إلى تكلف في التذكر < < الفرقان : ( 51 ) ولو شئنا لبعثنا . . . . . > > < > ( الفرقان 51 : 52 ) <
Dio V13/P057–V13/P058Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V13/P057–V13/P058)
Orijinal Metin (AR)> قوله تعالى : ( ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ) أي رسولا ينذرهم كما قسمنا المطر ليخف عليك أعباء النبوة ولكنا لم نفعل بل جعلناك نذيرا للكل لترتفع درجتك فاشكر نعمة الله عليك ( فلا تطع الكافرين ) أي فيما يدعونك إليه من اتباع آلهتهم ( وجاهدهم به ) قال بن عباس بالقرآن بن زيد : بالإسلام وقيل : بالسيف وهذا فيه بعد لأن السورة مكية نزلت قبل الأمر بالقتال ( جهادا كبيرا ) لا يخالطه فتور < < الفرقان : ( 53 ) وهو الذي مرج . . . . . > > < > ( الفرقان 53 ) < > قوله تعالى : ( وهو الذي مرج البحرين ) عاد الكلام إلى ذكر النعم ومرج خلى وخلط وأرسل قال مجاهد : أرسلهما وأفاض أحدهما في الآخر قال بن عرفة : مرج البحرين أي خلطهما فهما يلتقيان يقال : مرجته إذا خلطته ومرج الدين والأمر اختلط واضطرب ومنه قوله تعالى : في أمر مريج ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو بن العاصي : ( إذا رأيت الناس مرجت عهودهم وخفت أماناتهم وكانوا هكذا وهكذا ( وشبك بين أصابعه فقلت له : كيف أصنع عند ذلك جعلني الله فداك قال : ( ألزم بيتك واملك عليك لسانك وخذ بما تعرف ودع ما تنكر وعليك بخاصة أمر نفسك ودع عنك أمر العامة ( خرجه النسائي وأبو داود وغيرهما وقال الأزهري : مرج البحرين خلى بينهما يقال : مرجت الدابة إذا خليتها ترعى وقال ثعلب : المرج الإجراء فقوله : مرج البحرين أي أجراهما وقال الأخفش : يقول قوم أمرج البحرين مثل مرج فعل وأفعل بمعنى ( هذاب عذب فرات ) أي حلو شديد العذوبة ( وهذا ملح أجاج ) أي فيه ملوحة ومرارة وروي عن طلحة أنه قرئ : وهذا ملح بفتح الميم وكسر اللام ( وجعل بينهما برزخا ) أي حاجزا من قدرته لا يغلب أحدهما على صاحبه كما قال في سورة الرحمن مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان ( وحجرا محجورا ) أي سترا مستورا يمنع أحدهما من الإختلاط بالآخر فالبرزخ الحاجز والحجر المانع وقال الحسن : يعني بحر فارس وبحر الروم وقال بن عباس وبن جبير : يعني بحر السماء وبحر الأرض قال بن عباس : يلتقيان في كل عام وبينهما برزخ قضاء من قضائه ( وحجرا محجورا حراما محرما أن يعذب هذا الملح بالعذب أو يملح هذا العذب بالملح < < الفرقان : ( 54 ) وهو الذي خلق . . . . . > > < > ( الفرقان 54 ) <
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> قوله تعالى : ( ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ) أي رسولا ينذرهم كما قسمنا المطر ليخف عليك أعباء النبوة ولكنا لم نفعل بل جعلناك نذيرا للكل لترتفع درجتك فاشكر نعمة الله عليك ( فلا تطع الكافرين ) أي فيما يدعونك إليه من اتباع آلهتهم ( وجاهدهم به ) قال بن عباس بالقرآن بن زيد : بالإسلام وقيل : بالسيف وهذا فيه بعد لأن السورة مكية نزلت قبل الأمر بالقتال ( جهادا كبيرا ) لا يخالطه فتور < < الفرقان : ( 53 ) وهو الذي مرج . . . . . > > < > ( الفرقان 53 ) < > قوله تعالى : ( وهو الذي مرج البحرين ) عاد الكلام إلى ذكر النعم ومرج خلى وخلط وأرسل قال مجاهد : أرسلهما وأفاض أحدهما في الآخر قال بن عرفة : مرج البحرين أي خلطهما فهما يلتقيان يقال : مرجته إذا خلطته ومرج الدين والأمر اختلط واضطرب ومنه قوله تعالى : في أمر مريج ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو بن العاصي : ( إذا رأيت الناس مرجت عهودهم وخفت أماناتهم وكانوا هكذا وهكذا ( وشبك بين أصابعه فقلت له : كيف أصنع عند ذلك جعلني الله فداك قال : ( ألزم بيتك واملك عليك لسانك وخذ بما تعرف ودع ما تنكر وعليك بخاصة أمر نفسك ودع عنك أمر العامة ( خرجه النسائي وأبو داود وغيرهما وقال الأزهري : مرج البحرين خلى بينهما يقال : مرجت الدابة إذا خليتها ترعى وقال ثعلب : المرج الإجراء فقوله : مرج البحرين أي أجراهما وقال الأخفش : يقول قوم أمرج البحرين مثل مرج فعل وأفعل بمعنى ( هذاب عذب فرات ) أي حلو شديد العذوبة ( وهذا ملح أجاج ) أي فيه ملوحة ومرارة وروي عن طلحة أنه قرئ : وهذا ملح بفتح الميم وكسر اللام ( وجعل بينهما برزخا ) أي حاجزا من قدرته لا يغلب أحدهما على صاحبه كما قال في سورة الرحمن مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان ( وحجرا محجورا ) أي سترا مستورا يمنع أحدهما من الإختلاط بالآخر فالبرزخ الحاجز والحجر المانع وقال الحسن : يعني بحر فارس وبحر الروم وقال بن عباس وبن جبير : يعني بحر السماء وبحر الأرض قال بن عباس : يلتقيان في كل عام وبينهما برزخ قضاء من قضائه ( وحجرا محجورا حراما محرما أن يعذب هذا الملح بالعذب أو يملح هذا العذب بالملح < < الفرقان : ( 54 ) وهو الذي خلق . . . . . > > < > ( الفرقان 54 ) <
Dio V13/P058–V13/P060Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V13/P058–V13/P060)
Orijinal Metin (AR)> فيه مسئلتان : الأولى قوله تعالى : ( وهو الذي خلق من الماء بشرا ) أي خلق من النطفة إنسانا ( فجعله ) أي جعل الإنسان نسبا وصهرا وقيل : من الماء إشارة إلى أصل الخلقة في أن كل حي مخلوق من الماء وفي هذه الآية تعديد النعمة على الناس في إيجادهم بعد العدم والتنبيه على العبرة في ذلك الثانية قوله تعالى : ( فجعله نسبا وصهرا ) النسب والصهر معنيان يعمان كل قربى تكون بين آدميين قال بن العربي : النسب عبارة عن خلط الماء بين الذكر والأنثى على وجه الشرع فإن كان بمعصية كان خلقا مطلقا ولم يكن نسبا محققا ولذلك لم يدخل تحت قوله : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم بنته من الزنى لأنها ليست ببنت له في أصح القولين لعلمائنا وأصح القولين في الدين وإذا لم يكن نسب شرعا فلا صهر شرعا فلا يحرم الزنى بنت أم ولا أم بنت وما يحرم من الحلال لا يحرم من الحرام لأن الله امتن بالنسب والصهر على عباده ورفع قدرهما وعلق الأحكام في الحل والحرمة عليهما فلا يلحق الباطل بهما ولا يساويهما قلت : إختلف الفقهاء في نكاح الرجل ابنته من زنى أو أخته أو بنت ابنه من زنى فحرم ذلك قوم منهم بن القاسم وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وأجاز ذلك آخرون منهم عبد الملك بن الماجشون وهو قول الشافعي وقد مضى هذا في النساء مجودا قال الفراء : النسب الذي لا يحل نكاحه والصهر الذي يحل نكاحه وقاله الزجاج وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه واشتقاق الصهر من صهرت الشيء إذا خلطته فكل واحد من الصهرين قد خالط صاحبه فسميت المناكح صهرا لإختلاط الناس بها وقيل : الصهر قرابة النكاح فقرابة الزوجة هم الأختان وقرابة الزوج هم الأحماء والأصهار يقع عاما لذلك كله قاله الأصمعي وقال بن الأعرابي : الأختان أبو المرأة وأخوها وعمها كما قال الأصمعي والصهر زوج ابنة الرجل وأخوه وأبوه وعمه وقال محمد بن الحسن في رواية أبي سليمان الجوزجاني : أختان الرجل أزواج بناته وأخواته وعماته وخالاته وكل ذات محرم منه وأصهاره كل ذي رحم محرم من زوجته قال النحاس : الأولى في هذا أن يكون القول في الأصهار ما قال الأصمعي وأن يكون من قبلهما جميعا يقال : صهرت الشيء أي خلطته فكل واحد منهما قد خلط صاحبه والأولى في الأختان ما قال محمد بن الحسن لجهتين : إحداهما الحديث المرفوع روى محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن محمد بن أسامة بن زيد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما أنت يا علي فختني وأبو ولدي وأنت مني وأنا منك ( فهذا على أن زوج البنت ختن والجهة الأخرى أن إشتقاق الختن من ختنه إذا قطعه وكأن الزوج قد انقطع عن أهله وقطع زوجته عن أهلها وقال الضحاك : الصهر قرابة الرضاع قال بن عطية : وذلك عندي وهم أوجبه أن بن عباس قال : حرم من النسب سبع ومن الصهر خمس وفي رواية أخرى من الصهر سبع يريد قوله عز وجل : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت فهذا هو النسب ثم يريد بالصهر قوله تعالى : وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم إلى قوله : وأن تجمعوا بين الأختين ثم ذكر المحصنات ومحمل هذا أن بن عباس أراد حرم من الصهر ما ذكر معه فقد أشار بما ذكر إلى عظمه وهو الصهر لا أن الرضاع صهر وإنما الرضاع عديل النسب يحرم منه ما يحرم من النسب بحكم الحديث المأثور فيه ومن روى : وحرم من الصهر خمس أسقط من الآيتين الجمع بين الأختين والمحصنات وهن ذوات الأزواج قلت : فابن عطية جعل الرضاع مع ما 8 تقدم نسبا وهو قول الزجاج قال أبو إسحاق : النسب الذي ليس بصهر من قوله جل ثناؤه : حرمت عليكم أمهاتكم إلى قوله وأن تجمعوا بين الأختين والصهر من له التزويج قال بن عطية : وحكى الزهراوي قولا أن النسب من جهة البنين والصهر من جهة البنات قلت : وذكر هذا القول النحاس وقال : لأن المصاهرة من جهتين تكون وقال بن سيرين : نزلت هذه الآية في النبي صلى الله عليه وسلم وعلي رضي الله عنه لأنه جمعه معه نسب وصهر قال بن عطية : فاجتماعهما وكادة حرمة إلى يوم القيامة ( وكان ربك قديرا ) على خلق ما يريده < <
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> فيه مسئلتان : الأولى قوله تعالى : ( وهو الذي خلق من الماء بشرا ) أي خلق من النطفة إنسانا ( فجعله ) أي جعل الإنسان نسبا وصهرا وقيل : من الماء إشارة إلى أصل الخلقة في أن كل حي مخلوق من الماء وفي هذه الآية تعديد النعمة على الناس في إيجادهم بعد العدم والتنبيه على العبرة في ذلك الثانية قوله تعالى : ( فجعله نسبا وصهرا ) النسب والصهر معنيان يعمان كل قربى تكون بين آدميين قال بن العربي : النسب عبارة عن خلط الماء بين الذكر والأنثى على وجه الشرع فإن كان بمعصية كان خلقا مطلقا ولم يكن نسبا محققا ولذلك لم يدخل تحت قوله : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم بنته من الزنى لأنها ليست ببنت له في أصح القولين لعلمائنا وأصح القولين في الدين وإذا لم يكن نسب شرعا فلا صهر شرعا فلا يحرم الزنى بنت أم ولا أم بنت وما يحرم من الحلال لا يحرم من الحرام لأن الله امتن بالنسب والصهر على عباده ورفع قدرهما وعلق الأحكام في الحل والحرمة عليهما فلا يلحق الباطل بهما ولا يساويهما قلت : إختلف الفقهاء في نكاح الرجل ابنته من زنى أو أخته أو بنت ابنه من زنى فحرم ذلك قوم منهم بن القاسم وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وأجاز ذلك آخرون منهم عبد الملك بن الماجشون وهو قول الشافعي وقد مضى هذا في النساء مجودا قال الفراء : النسب الذي لا يحل نكاحه والصهر الذي يحل نكاحه وقاله الزجاج وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه واشتقاق الصهر من صهرت الشيء إذا خلطته فكل واحد من الصهرين قد خالط صاحبه فسميت المناكح صهرا لإختلاط الناس بها وقيل : الصهر قرابة النكاح فقرابة الزوجة هم الأختان وقرابة الزوج هم الأحماء والأصهار يقع عاما لذلك كله قاله الأصمعي وقال بن الأعرابي : الأختان أبو المرأة وأخوها وعمها كما قال الأصمعي والصهر زوج ابنة الرجل وأخوه وأبوه وعمه وقال محمد بن الحسن في رواية أبي سليمان الجوزجاني : أختان الرجل أزواج بناته وأخواته وعماته وخالاته وكل ذات محرم منه وأصهاره كل ذي رحم محرم من زوجته قال النحاس : الأولى في هذا أن يكون القول في الأصهار ما قال الأصمعي وأن يكون من قبلهما جميعا يقال : صهرت الشيء أي خلطته فكل واحد منهما قد خلط صاحبه والأولى في الأختان ما قال محمد بن الحسن لجهتين : إحداهما الحديث المرفوع روى محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن محمد بن أسامة بن زيد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما أنت يا علي فختني وأبو ولدي وأنت مني وأنا منك ( فهذا على أن زوج البنت ختن والجهة الأخرى أن إشتقاق الختن من ختنه إذا قطعه وكأن الزوج قد انقطع عن أهله وقطع زوجته عن أهلها وقال الضحاك : الصهر قرابة الرضاع قال بن عطية : وذلك عندي وهم أوجبه أن بن عباس قال : حرم من النسب سبع ومن الصهر خمس وفي رواية أخرى من الصهر سبع يريد قوله عز وجل : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت فهذا هو النسب ثم يريد بالصهر قوله تعالى : وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم إلى قوله : وأن تجمعوا بين الأختين ثم ذكر المحصنات ومحمل هذا أن بن عباس أراد حرم من الصهر ما ذكر معه فقد أشار بما ذكر إلى عظمه وهو الصهر لا أن الرضاع صهر وإنما الرضاع عديل النسب يحرم منه ما يحرم من النسب بحكم الحديث المأثور فيه ومن روى : وحرم من الصهر خمس أسقط من الآيتين الجمع بين الأختين والمحصنات وهن ذوات الأزواج قلت : فابن عطية جعل الرضاع مع ما 8 تقدم نسبا وهو قول الزجاج قال أبو إسحاق : النسب الذي ليس بصهر من قوله جل ثناؤه : حرمت عليكم أمهاتكم إلى قوله وأن تجمعوا بين الأختين والصهر من له التزويج قال بن عطية : وحكى الزهراوي قولا أن النسب من جهة البنين والصهر من جهة البنات قلت : وذكر هذا القول النحاس وقال : لأن المصاهرة من جهتين تكون وقال بن سيرين : نزلت هذه الآية في النبي صلى الله عليه وسلم وعلي رضي الله عنه لأنه جمعه معه نسب وصهر قال بن عطية : فاجتماعهما وكادة حرمة إلى يوم القيامة ( وكان ربك قديرا ) على خلق ما يريده < <
Dio V13/P060–V13/P062Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V13/P060–V13/P062)
Orijinal Metin (AR)الفرقان : ( 55 ) ويعبدون من دون . . . . . > > < > ( الفرقان 55 ) < > قوله تعالى : ( ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ) لما عدد النعم وبين كمال قدرته عجب من المشركين في إشراكهم به من لا يقدر على نفع ولا ضر أي أن الله هو الذي خلق ما ذكره ثم هؤلاء لجهلهم يعبدون من دونه أمواتا جمادات لا تنفع ولا تضر ( وكان الكافر على ربه ظهيرا ) روي عن بن عباس الكافر هنا أبو جهل لعنه الله وشرحه أنه يستظهر بعبادة الأوثان على أوليائه وقال عكرمة : الكافر إبليس ظهر على عداوة ربه وقال مطرف : الكافر هنا الشيطان وقال الحسن : ظهيرا أي معينا للشيطان على المعاصي وقيل : المعنى وكان الكافر على ربه هينا ذليلا لا قدر له ولا وزن عنده من قول العرب : ظهرت به أي جعلته خلف ظهرك ولم تلتفت إليه ومنه قوله تعالى : واتخذتموه وراءكم طهريا أي هينا ومنه قول الفرزدق : تميم بن قيس لا تكونن حاجتي بظهر فلا يعيا علي جوابها هذا معنى قول أبي عبيدة وظهير بمعنى مظهور أي كفر الكافرين هين على الله تعالى والله مستهين به لأن كفره لا يضره وقيل : وكان الكافر على ربه الذي يعبده وهو الصنم قويا غالبا يعمل به ما يشاء لأن الجماد لا قدرة له على دفع ضر ونفع < < الفرقان : ( 56 ) وما أرسلناك إلا . . . . . > > < > ( الفرقان 56 : 57 ) < > قوله تعالى : ( وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ) يريد بالجنة مبشرا ونذيرا من النار وما أرسلناك وكيلا ولا مسيطرا ( قل ما أسألكم عليه أجرا ) يريد على ما جئتكم به من القرآن والوحي ومن للتأكيد ( إلا من شاء ) لكن من شاء فهو استثناء منقطع والمعنى : لكن من شاء ( أن يتخذ إلى ربه سبيلا ) بإنفاقه من ماله في سبيل الله فلينفق ويجوز أن يكون متصلا ويقدر حذف المضاف التقدير : إلا أجر من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا باتباع ديني حتى ينال كرامة الدنيا والآخرة < < الفرقان : ( 58 ) وتوكل على الحي . . . . . > > < > ( الفرقان 58 ) < > قوله تعالى : ( وتوكل على الحي الذي لا يموت ) تقدم معنى التوكل في آل عمران وهذه السورة وأنه اعتماد القلب على الله تعالى في كل الأمور وأن الأسباب وسائط أمر بها من غير اعتماد عليها ( وسبح بحمده ) أي نزه الله تعالى عما يصفه هؤلاء الكفار به من الشركاء والتسبيح التنزيه وقد تقدم وقيل : وسبح أي وصل له وتسمى الصلاة تسبيحا ( وكفى به بذنوب عباده خبيرا ) أي عليما فيجازيهم بها < < الفرقان : ( 59 ) الذي خلق السماوات . . . . . > > < > ( الفرقان 59 ) <
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)الفرقان : ( 55 ) ويعبدون من دون . . . . . > > < > ( الفرقان 55 ) < > قوله تعالى : ( ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ) لما عدد النعم وبين كمال قدرته عجب من المشركين في إشراكهم به من لا يقدر على نفع ولا ضر أي أن الله هو الذي خلق ما ذكره ثم هؤلاء لجهلهم يعبدون من دونه أمواتا جمادات لا تنفع ولا تضر ( وكان الكافر على ربه ظهيرا ) روي عن بن عباس الكافر هنا أبو جهل لعنه الله وشرحه أنه يستظهر بعبادة الأوثان على أوليائه وقال عكرمة : الكافر إبليس ظهر على عداوة ربه وقال مطرف : الكافر هنا الشيطان وقال الحسن : ظهيرا أي معينا للشيطان على المعاصي وقيل : المعنى وكان الكافر على ربه هينا ذليلا لا قدر له ولا وزن عنده من قول العرب : ظهرت به أي جعلته خلف ظهرك ولم تلتفت إليه ومنه قوله تعالى : واتخذتموه وراءكم طهريا أي هينا ومنه قول الفرزدق : تميم بن قيس لا تكونن حاجتي بظهر فلا يعيا علي جوابها هذا معنى قول أبي عبيدة وظهير بمعنى مظهور أي كفر الكافرين هين على الله تعالى والله مستهين به لأن كفره لا يضره وقيل : وكان الكافر على ربه الذي يعبده وهو الصنم قويا غالبا يعمل به ما يشاء لأن الجماد لا قدرة له على دفع ضر ونفع < < الفرقان : ( 56 ) وما أرسلناك إلا . . . . . > > < > ( الفرقان 56 : 57 ) < > قوله تعالى : ( وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ) يريد بالجنة مبشرا ونذيرا من النار وما أرسلناك وكيلا ولا مسيطرا ( قل ما أسألكم عليه أجرا ) يريد على ما جئتكم به من القرآن والوحي ومن للتأكيد ( إلا من شاء ) لكن من شاء فهو استثناء منقطع والمعنى : لكن من شاء ( أن يتخذ إلى ربه سبيلا ) بإنفاقه من ماله في سبيل الله فلينفق ويجوز أن يكون متصلا ويقدر حذف المضاف التقدير : إلا أجر من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا باتباع ديني حتى ينال كرامة الدنيا والآخرة < < الفرقان : ( 58 ) وتوكل على الحي . . . . . > > < > ( الفرقان 58 ) < > قوله تعالى : ( وتوكل على الحي الذي لا يموت ) تقدم معنى التوكل في آل عمران وهذه السورة وأنه اعتماد القلب على الله تعالى في كل الأمور وأن الأسباب وسائط أمر بها من غير اعتماد عليها ( وسبح بحمده ) أي نزه الله تعالى عما يصفه هؤلاء الكفار به من الشركاء والتسبيح التنزيه وقد تقدم وقيل : وسبح أي وصل له وتسمى الصلاة تسبيحا ( وكفى به بذنوب عباده خبيرا ) أي عليما فيجازيهم بها < < الفرقان : ( 59 ) الذي خلق السماوات . . . . . > > < > ( الفرقان 59 ) <
Dio V13/P062–V13/P064Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V13/P062–V13/P064)
Orijinal Metin (AR)> 8 قوله تعالى : ( الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ) تقدم في الأعراف والذي في موضع خفض نعتا للحي وقال : بينهما ولم يقل بينهن لأنه أراد الصنفين والنوعين والشيئين كقول القطامي : ألم يحزنك أن حبال قيس وتغلب قد تباينتا انقطاعا أراد وحبال تغلب فثنى والحبال جمع لأنه أراد الشيئين والنوعين ( الرحمن فاسئل به خبيرا ) قال الزجاج : المعنى فاسأل عنه وقد حكى هذا جماعة من أهل اللغة أن الباء تكون بمعنى عن كما قال تعالى : سأل سائل بعذاب واقع وقال الشاعر : هلا سألت الخيل يابنة مالك إن كنت جاهلة بما لم تعلمي وقال علقمة بن عبدة : فإن تسألوني بالنساء فإنني خبير بأدواء النساء طبيب أي عن النساء وعما لم تعلمي وأنكره علي بن سليمان وقال : أهل النظر ينكرون أن تكون الباء بمعنى عن لأن في هذا إفسادا لمعاني قول العرب : لو لقيت فلانا للقيك به الأسد أي للقيك بلقائك إياه الأسد المعنى فاسأل بسؤالك إياه خبيرا وكذلك قال بن جبير : الخبير هو الله تعالى ف خبيرا نصب على المفعول به بالسوأل قلت : قول الزجاج يخرج على وجه حسن وهو أن يكون الخبير غير الله أي فاسأل عنه خبيرا أي عالما به أي بصفاته وأسمائه وقيل : المعنى فاسأل له خبيرا فهو نصب على الحال من الهاء المضمرة قال المهدوي : ولا يحسن حالا إذ لا يخلو أن تكون الحال من السائل أو المسئول ولا يصح كونها حالا من الفاعل لأن الخبير لا يحتاج أن يسأل غيره ولا يكون من المفعول لأن المسئول عنه وهو الرحمن خبير أبدا والحال في أغلب الأمر يتغير وينتقل إلا أن يحمل على أنها حال مؤكدة مثل : وهو الحق مصدقا فيجوز وأما الرحمن ففي رفعه ثلاثة أوجه : يكون بدلا من المضمر الذي في استوى ويجوز أن يكون مرفوعا بمعنى هو الرحمن ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء وخبره فاسأل به خبيرا ويجوز الخفض بمعنى وتوكل على الحي الذي لا يموت الرحمن يكون نعتا ويجوز النصب على المدح < < الفرقان : ( 60 ) وإذا قيل لهم . . . . . > > < > ( الفرقان 60 ) < > قوله تعالى : ( وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن ) أي لله تعالى ( قالوا وما الرحمن ) على جهة الإنكار والتعجب أي ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب وزعم القاضي أبو بكر بن العربي أنهم إنما جهلوا الصفة لا الموصوف واستدل على ذلك بقوله : وما الرحمن ولم يقولوا ومن الرحمن قال بن الحصار : وكأنه رحمه الله لم يقرأ الآية الأخرى وهم يكفرون بالرحمن ( أنسجد لما تأمرنا ) هذه قراءة المدنيين والبصريين أي لما تأمرنا أنت يا محمد واختاره أبو عبيد وأبو حاتم وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي : يأمرنا بالياء يعنون الرحمن كذا تأوله أبو عبيد قال : ولو أقروا بأن الرحمن أمرهم ما كانوا كفارا فقال النحاس : وليس يجب أن يتأول عن الكوفيين في قراءتهم هذا التأويل البعيد ولكن الأولى أن يكون التأويل لهم أنسجد لما يأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم فتصح القراءة على هذا وإن كانت الأولى أبين وأقرب تناولا ( وزادهم نفورا ) أي زادهم قول القائل لهم اسجدوا للرحمن نفورا عن الدين وكان سفيان الثوري يقول في هذه الآية : إلهي زادني لك خضوعا ما زاد أعداك نفورا < < الفرقان : ( 61 ) تبارك الذي جعل . . . . . > > < > ( الفرقان 61 ) <
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> 8 قوله تعالى : ( الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ) تقدم في الأعراف والذي في موضع خفض نعتا للحي وقال : بينهما ولم يقل بينهن لأنه أراد الصنفين والنوعين والشيئين كقول القطامي : ألم يحزنك أن حبال قيس وتغلب قد تباينتا انقطاعا أراد وحبال تغلب فثنى والحبال جمع لأنه أراد الشيئين والنوعين ( الرحمن فاسئل به خبيرا ) قال الزجاج : المعنى فاسأل عنه وقد حكى هذا جماعة من أهل اللغة أن الباء تكون بمعنى عن كما قال تعالى : سأل سائل بعذاب واقع وقال الشاعر : هلا سألت الخيل يابنة مالك إن كنت جاهلة بما لم تعلمي وقال علقمة بن عبدة : فإن تسألوني بالنساء فإنني خبير بأدواء النساء طبيب أي عن النساء وعما لم تعلمي وأنكره علي بن سليمان وقال : أهل النظر ينكرون أن تكون الباء بمعنى عن لأن في هذا إفسادا لمعاني قول العرب : لو لقيت فلانا للقيك به الأسد أي للقيك بلقائك إياه الأسد المعنى فاسأل بسؤالك إياه خبيرا وكذلك قال بن جبير : الخبير هو الله تعالى ف خبيرا نصب على المفعول به بالسوأل قلت : قول الزجاج يخرج على وجه حسن وهو أن يكون الخبير غير الله أي فاسأل عنه خبيرا أي عالما به أي بصفاته وأسمائه وقيل : المعنى فاسأل له خبيرا فهو نصب على الحال من الهاء المضمرة قال المهدوي : ولا يحسن حالا إذ لا يخلو أن تكون الحال من السائل أو المسئول ولا يصح كونها حالا من الفاعل لأن الخبير لا يحتاج أن يسأل غيره ولا يكون من المفعول لأن المسئول عنه وهو الرحمن خبير أبدا والحال في أغلب الأمر يتغير وينتقل إلا أن يحمل على أنها حال مؤكدة مثل : وهو الحق مصدقا فيجوز وأما الرحمن ففي رفعه ثلاثة أوجه : يكون بدلا من المضمر الذي في استوى ويجوز أن يكون مرفوعا بمعنى هو الرحمن ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء وخبره فاسأل به خبيرا ويجوز الخفض بمعنى وتوكل على الحي الذي لا يموت الرحمن يكون نعتا ويجوز النصب على المدح < < الفرقان : ( 60 ) وإذا قيل لهم . . . . . > > < > ( الفرقان 60 ) < > قوله تعالى : ( وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن ) أي لله تعالى ( قالوا وما الرحمن ) على جهة الإنكار والتعجب أي ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب وزعم القاضي أبو بكر بن العربي أنهم إنما جهلوا الصفة لا الموصوف واستدل على ذلك بقوله : وما الرحمن ولم يقولوا ومن الرحمن قال بن الحصار : وكأنه رحمه الله لم يقرأ الآية الأخرى وهم يكفرون بالرحمن ( أنسجد لما تأمرنا ) هذه قراءة المدنيين والبصريين أي لما تأمرنا أنت يا محمد واختاره أبو عبيد وأبو حاتم وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي : يأمرنا بالياء يعنون الرحمن كذا تأوله أبو عبيد قال : ولو أقروا بأن الرحمن أمرهم ما كانوا كفارا فقال النحاس : وليس يجب أن يتأول عن الكوفيين في قراءتهم هذا التأويل البعيد ولكن الأولى أن يكون التأويل لهم أنسجد لما يأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم فتصح القراءة على هذا وإن كانت الأولى أبين وأقرب تناولا ( وزادهم نفورا ) أي زادهم قول القائل لهم اسجدوا للرحمن نفورا عن الدين وكان سفيان الثوري يقول في هذه الآية : إلهي زادني لك خضوعا ما زاد أعداك نفورا < < الفرقان : ( 61 ) تبارك الذي جعل . . . . . > > < > ( الفرقان 61 ) <
Dio V13/P064–V13/P066Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V13/P064–V13/P066)
Orijinal Metin (AR)> قوله تعالى : ( تبارك الذي جعل في السماء بروجا ) أي منازل وقد تقدم ذكرها ( وجعل فيها سراجا منيرا ) قال بن عباس : يعني الشمس نظيره : وجعل الشمس سراجا وقراءة العامة : سراجا بالتوحيد وقرأ حمزة والكسائي : سرجا يريدون النجوم العظام الوقادة والقراءة الأولى عند أبي عبيد أولى لأنه تأول أن السرج النجوم وأن البروج النجوم فيجيء المعنى نجوما ونجوما النحاس : ولكن التأويل لهم أن أبان بن تغلب قال : السرج النجوم الدراري الثعلبي : كالزهرة والمشتري وزحل والسماكين ونحوهما ( وقمرا منيرا ) ينير الأرض إذا طلع وروى عصمة عن الأعمش وقمرا بضم القاف وإسكان الميم وهذه قراءة شاذة ولو لم يكن فيها إلا أن أحمد بن حنبل وهو إمام المسلمين في وقته قال : لا تكتبوا ما يحكيه عصمة الذي يروي القراءات وقد أولع أبو حاتم السجستاني بذكر ما يرويه عصمة هذا < < الفرقان : ( 62 ) وهو الذي جعل . . . . . > > < > ( الفرقان 62 ) < > فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( خلفة ) قال أبو عبيده : الخلفة كل شيء بعد شيء وكل واحد من الليل والنهار يخلف صاحبه ويقال للمبطون : أصابته خلفة أي قيام وقعود يخلف هذا ذاك ومنه خلفة النبات وهو ورق يخرج بعد الورق الأول في الصيف ومن هذا المعنى قول زهير بن أبي سلمى : بها العين والآرام يمشين خلفة وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم الرئم ولد الظبي وجمعه آرام يقول : إذا ذهب فوج جاء فوج ومنه قول الآخر يصف امرأة تنتقل من منزل في الشتاء إلى منزل في الصيف دأبا ولها بالماطرون إذا أكل النمل الذي جمعا خلفة حتى إذا ارتبعت سكنت من جلق بيعا في بيوت وسط دسكرة حولها الزيتون قد ينعا قال مجاهد : خلفة من الخلاف هذا أبيض وهذا أسود والأول أقوى وقيل : يتعاقبان في الضياء والظلام والزيادة والنقصان وقيل : هو من باب حذف المضاف أي جعل الليل والنهار ذوى خلفة أي اختلاف ( لمن أراد أن يذكر ) أي يتذكر فيعلم أن الله لم يجعله كذلك عبثا فيعتبر في مصنوعات الله ويشكر الله تعالى على نعمه عليه في العقل والفكر والفهم وقال عمر بن الخطاب وبن عباس والحسن : معناه من فاته شيء من الخير بالليل أدركه بالنهار ومن فاته بالنهار أدركه بالليل وفي الصحيح : ( ( ما من امرئ تكون له صلاة بالليل فغلبه عليها نوم فيصلي ما بين طلوع الشمس إلى صلاة الظهر إلا كتب الله له اجر صلاته وكان نومه عليه صدقة ( وروى مسلم عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل ( الثانية قال بن العربي : سمعت ذا الشهيد الأكبر يقول : إن الله تعالى خلق العبد حيا عالما وبذلك كماله وسلط عليه آفة النوم وضرورة الحدث ونقصان الخلقة إذ الكمال للأول الخالق فما أمكن الرجل من دفع النوم بقلة الأكل والسهر في طاعة الله فليفعل ومن الغبن العظيم أن يعيش الرجل ستين سنة ينام ليلها فيذهب النصف من عمره لغوا وينام سدس النهار راحة فيذهب ثلثاه ويبقى له من العمر عشرون سنة ومن الجهالة والسفاهة أن يتلف الرجل ثلثي عمره في لذة فانية ولا يتلف عمره بسهر في لذة باقية عند الغني الوفي الذي ليس بعديم ولا ظلوم الثالثة الأشياء لا تتفاضل بأنفسها فإن الجواهر والأعراض من حيث الوجود متماثلة وإنما يقع التفاضل بالصفات وقد اختلف أي الوقتين أفضل الليل أو النهار وفي الصوم غنية في الدلالة والله أعلم قاله بن العربي قلت : والليل عظيم قدره أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بقيامه فقال : ومن الليل فتهجد به نافلة لك وقال : قم الليل على ما يأتي بيانه ومدح المؤمنين على قيامه فقال : تتجافى جنوبهم عن المضاجع وقال عليه الصلاة والسلام : ( والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وصلاة الرجل في جوف الليل وفيه ساعة يستجاب فيها الدعاء وفيه ينزل الرب تبارك وتعالى ( حسبما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى الرابعة قرأ حمزة وحده : يذكر بسكون الذال وضم الكاف وهي قراءة بن وثاب وطلحة والنخعي وفي مصحف أبي يتذكر بزيادة تاء وقرأ الباقون : يذكر بتشديد الكاف ويذكر ويذكر بمعنى واحد وقيل : معنى يذكر بالتخفيف أي يذكر ما نسيه في أحد الوقتين في الوقت الثاني أو ليذكر تنزيه الله وتسبيحه فيها ( أو أراد شكورا ) يقال : شكر يشكر شكرا وشكورا مثل كفر يكفر كفرا وكفورا وهذا الشكور على أنهما جعلهما قواما لمعاشهم وكأنهم لما قالوا : وما الرحمن قالوا : هو الذي يقدر على هذه الأشياء < <
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> قوله تعالى : ( تبارك الذي جعل في السماء بروجا ) أي منازل وقد تقدم ذكرها ( وجعل فيها سراجا منيرا ) قال بن عباس : يعني الشمس نظيره : وجعل الشمس سراجا وقراءة العامة : سراجا بالتوحيد وقرأ حمزة والكسائي : سرجا يريدون النجوم العظام الوقادة والقراءة الأولى عند أبي عبيد أولى لأنه تأول أن السرج النجوم وأن البروج النجوم فيجيء المعنى نجوما ونجوما النحاس : ولكن التأويل لهم أن أبان بن تغلب قال : السرج النجوم الدراري الثعلبي : كالزهرة والمشتري وزحل والسماكين ونحوهما ( وقمرا منيرا ) ينير الأرض إذا طلع وروى عصمة عن الأعمش وقمرا بضم القاف وإسكان الميم وهذه قراءة شاذة ولو لم يكن فيها إلا أن أحمد بن حنبل وهو إمام المسلمين في وقته قال : لا تكتبوا ما يحكيه عصمة الذي يروي القراءات وقد أولع أبو حاتم السجستاني بذكر ما يرويه عصمة هذا < < الفرقان : ( 62 ) وهو الذي جعل . . . . . > > < > ( الفرقان 62 ) < > فيه أربع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( خلفة ) قال أبو عبيده : الخلفة كل شيء بعد شيء وكل واحد من الليل والنهار يخلف صاحبه ويقال للمبطون : أصابته خلفة أي قيام وقعود يخلف هذا ذاك ومنه خلفة النبات وهو ورق يخرج بعد الورق الأول في الصيف ومن هذا المعنى قول زهير بن أبي سلمى : بها العين والآرام يمشين خلفة وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم الرئم ولد الظبي وجمعه آرام يقول : إذا ذهب فوج جاء فوج ومنه قول الآخر يصف امرأة تنتقل من منزل في الشتاء إلى منزل في الصيف دأبا ولها بالماطرون إذا أكل النمل الذي جمعا خلفة حتى إذا ارتبعت سكنت من جلق بيعا في بيوت وسط دسكرة حولها الزيتون قد ينعا قال مجاهد : خلفة من الخلاف هذا أبيض وهذا أسود والأول أقوى وقيل : يتعاقبان في الضياء والظلام والزيادة والنقصان وقيل : هو من باب حذف المضاف أي جعل الليل والنهار ذوى خلفة أي اختلاف ( لمن أراد أن يذكر ) أي يتذكر فيعلم أن الله لم يجعله كذلك عبثا فيعتبر في مصنوعات الله ويشكر الله تعالى على نعمه عليه في العقل والفكر والفهم وقال عمر بن الخطاب وبن عباس والحسن : معناه من فاته شيء من الخير بالليل أدركه بالنهار ومن فاته بالنهار أدركه بالليل وفي الصحيح : ( ( ما من امرئ تكون له صلاة بالليل فغلبه عليها نوم فيصلي ما بين طلوع الشمس إلى صلاة الظهر إلا كتب الله له اجر صلاته وكان نومه عليه صدقة ( وروى مسلم عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل ( الثانية قال بن العربي : سمعت ذا الشهيد الأكبر يقول : إن الله تعالى خلق العبد حيا عالما وبذلك كماله وسلط عليه آفة النوم وضرورة الحدث ونقصان الخلقة إذ الكمال للأول الخالق فما أمكن الرجل من دفع النوم بقلة الأكل والسهر في طاعة الله فليفعل ومن الغبن العظيم أن يعيش الرجل ستين سنة ينام ليلها فيذهب النصف من عمره لغوا وينام سدس النهار راحة فيذهب ثلثاه ويبقى له من العمر عشرون سنة ومن الجهالة والسفاهة أن يتلف الرجل ثلثي عمره في لذة فانية ولا يتلف عمره بسهر في لذة باقية عند الغني الوفي الذي ليس بعديم ولا ظلوم الثالثة الأشياء لا تتفاضل بأنفسها فإن الجواهر والأعراض من حيث الوجود متماثلة وإنما يقع التفاضل بالصفات وقد اختلف أي الوقتين أفضل الليل أو النهار وفي الصوم غنية في الدلالة والله أعلم قاله بن العربي قلت : والليل عظيم قدره أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بقيامه فقال : ومن الليل فتهجد به نافلة لك وقال : قم الليل على ما يأتي بيانه ومدح المؤمنين على قيامه فقال : تتجافى جنوبهم عن المضاجع وقال عليه الصلاة والسلام : ( والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وصلاة الرجل في جوف الليل وفيه ساعة يستجاب فيها الدعاء وفيه ينزل الرب تبارك وتعالى ( حسبما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى الرابعة قرأ حمزة وحده : يذكر بسكون الذال وضم الكاف وهي قراءة بن وثاب وطلحة والنخعي وفي مصحف أبي يتذكر بزيادة تاء وقرأ الباقون : يذكر بتشديد الكاف ويذكر ويذكر بمعنى واحد وقيل : معنى يذكر بالتخفيف أي يذكر ما نسيه في أحد الوقتين في الوقت الثاني أو ليذكر تنزيه الله وتسبيحه فيها ( أو أراد شكورا ) يقال : شكر يشكر شكرا وشكورا مثل كفر يكفر كفرا وكفورا وهذا الشكور على أنهما جعلهما قواما لمعاشهم وكأنهم لما قالوا : وما الرحمن قالوا : هو الذي يقدر على هذه الأشياء < <