Dio V02/P038–V02/P040Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P038–V02/P040)
Orijinal Metin (AR)البقرة : ( 99 ) ولقد أنزلنا إليك . . . . . > > < > ( البقره 99 ) < > قال بن عباس رضي الله عنهما : هذا جواب لابن صوريا حيث قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من آية بينة فنتبعك بها فأنزل الله هذه الآية ذكره الطبري < < البقرة : ( 100 ) أو كلما عاهدوا . . . . . > > < > ( البقره 100 ) < > قوله تعالى : ( أو كلما عاهدة ا عهدا ) الواو واو العطف دخلت عليها ألف الإستفهام كما تدخل على الفاء في قوله : أفحكم الجاهلية أفأنت تسمع الصم أفتتخذونه وذريته الكهف وعلى ثم كقوله : أثم إذا ما وقع هذا قول سيبويه وقال الأخفش : الواو زائدة ومذهب الكسائي أنها أو حركت الواو منها تسهيلا وقرأها قوم أو ساكنة الواو فتجيء بمعنى بل كما يقول القائل : لأضربنك فيقول المجيب : أو يكفي الله قال بن عطية : وهذا كله متكلف والصحيح قول سيبويه كلما نصب على الظرف والمعنى في الآية مالك بن الصيف ويقال فيه بن الضيف كان قد قال : والله ما أخذ علينا عهد في كتابنا أن نؤمن بمحمد ولا ميثاق فنزلت الآية وقيل : إن اليهود عاهدوا لئن خرج محمد لنؤمن به ولنكونن معه على مشركي العرب فلما بعث كفروا به وقال عطاء : هي العهود التي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود فنقضوها كفعل قريظة والنضير دليله قوله تعالى : الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون قوله تعالى : ( نبذه فريق منهم ) النبذ : الطرح والألقاء ومنه النبيذ والمنبوذ قال أبو الأسود : وخبرني من كنت أرسلت إنما أخذت كتابي معرضا بشمالكا نظرت إلى عنوانه فنبذته كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا آخر : إن الذين أمرتهم أن يعدلوا نبذوا كتابك واستحلوا المحرما وهذا مثل يضرب لمن استخف بالشيء فلا يعمل به تقول العرب : اجعل هذا خلف ظهرك ودبرا منك وتحت قدمك أي اتركه واعرض عنه قال الله تعالى : وأتخذتموه وراءكم ظهريا وأنشد الفراء : تميم بن زيد لا تكونن حاجتي بظهر فلا يعيا على جوابها ( بل اكثرهم ) ابتداء ( لا يؤمنون ) فعل مستقبل في موضع الخبر < < البقرة : ( 101 ) ولما جاءهم رسول . . . . . > > < > ( البقره 101 ) < > قوله تعالى : ( ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم ) نعت لرسول ويجوز نصبه على الحال ( نبذ فريق ) جواب لما ( من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله ) نصب ب نبذ والمراد التوراة لأن كفرهم بالنبي عليه السلام وتكذيبهم له نبذ لها قال السدي : نبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت وقيل : يجوز أن يعني به القرآن قال الشعبي : هو بين أيديهم يقرءونه ولكن نبذوا العمل به وقال سفيان بن عيينة : أدرجوه في الحرير والديباج وحلوه بالذهب والفضة ولم يحلوا حلاله ولم يحرموا حرامه فذلك النبذ وقد تقدم بيانه مستوفي ( كأنهم لا يعلمون ) تشبيه بمن لا يعلم إذ فعلوا فعل الجاهل فيجيء من اللفظ أنهم كفروا على علم < < البقرة : ( 102 ) واتبعوا ما تتلوا . . . . . > > < > ( البقره 102 ) <
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)البقرة : ( 99 ) ولقد أنزلنا إليك . . . . . > > < > ( البقره 99 ) < > قال بن عباس رضي الله عنهما : هذا جواب لابن صوريا حيث قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من آية بينة فنتبعك بها فأنزل الله هذه الآية ذكره الطبري < < البقرة : ( 100 ) أو كلما عاهدوا . . . . . > > < > ( البقره 100 ) < > قوله تعالى : ( أو كلما عاهدة ا عهدا ) الواو واو العطف دخلت عليها ألف الإستفهام كما تدخل على الفاء في قوله : أفحكم الجاهلية أفأنت تسمع الصم أفتتخذونه وذريته الكهف وعلى ثم كقوله : أثم إذا ما وقع هذا قول سيبويه وقال الأخفش : الواو زائدة ومذهب الكسائي أنها أو حركت الواو منها تسهيلا وقرأها قوم أو ساكنة الواو فتجيء بمعنى بل كما يقول القائل : لأضربنك فيقول المجيب : أو يكفي الله قال بن عطية : وهذا كله متكلف والصحيح قول سيبويه كلما نصب على الظرف والمعنى في الآية مالك بن الصيف ويقال فيه بن الضيف كان قد قال : والله ما أخذ علينا عهد في كتابنا أن نؤمن بمحمد ولا ميثاق فنزلت الآية وقيل : إن اليهود عاهدوا لئن خرج محمد لنؤمن به ولنكونن معه على مشركي العرب فلما بعث كفروا به وقال عطاء : هي العهود التي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود فنقضوها كفعل قريظة والنضير دليله قوله تعالى : الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون قوله تعالى : ( نبذه فريق منهم ) النبذ : الطرح والألقاء ومنه النبيذ والمنبوذ قال أبو الأسود : وخبرني من كنت أرسلت إنما أخذت كتابي معرضا بشمالكا نظرت إلى عنوانه فنبذته كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا آخر : إن الذين أمرتهم أن يعدلوا نبذوا كتابك واستحلوا المحرما وهذا مثل يضرب لمن استخف بالشيء فلا يعمل به تقول العرب : اجعل هذا خلف ظهرك ودبرا منك وتحت قدمك أي اتركه واعرض عنه قال الله تعالى : وأتخذتموه وراءكم ظهريا وأنشد الفراء : تميم بن زيد لا تكونن حاجتي بظهر فلا يعيا على جوابها ( بل اكثرهم ) ابتداء ( لا يؤمنون ) فعل مستقبل في موضع الخبر < < البقرة : ( 101 ) ولما جاءهم رسول . . . . . > > < > ( البقره 101 ) < > قوله تعالى : ( ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم ) نعت لرسول ويجوز نصبه على الحال ( نبذ فريق ) جواب لما ( من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله ) نصب ب نبذ والمراد التوراة لأن كفرهم بالنبي عليه السلام وتكذيبهم له نبذ لها قال السدي : نبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت وقيل : يجوز أن يعني به القرآن قال الشعبي : هو بين أيديهم يقرءونه ولكن نبذوا العمل به وقال سفيان بن عيينة : أدرجوه في الحرير والديباج وحلوه بالذهب والفضة ولم يحلوا حلاله ولم يحرموا حرامه فذلك النبذ وقد تقدم بيانه مستوفي ( كأنهم لا يعلمون ) تشبيه بمن لا يعلم إذ فعلوا فعل الجاهل فيجيء من اللفظ أنهم كفروا على علم < < البقرة : ( 102 ) واتبعوا ما تتلوا . . . . . > > < > ( البقره 102 ) <
Dio V02/P040–V02/P055Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P040–V02/P055)
Orijinal Metin (AR)> فيه أربع وعشرون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ) هذا إخبار من الله تعالى عن الطائفة الذين نبذوا الكتاب بانهم اتبعوا السحر أيضا وهم اليهود وقال السدي : عارضت اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم بالتوراة فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة واخذوا بكتاب آصف وبسحر هاروت وماروت وقال محمد بن إسحاق : لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم سليمان في المرسلين قال بعض أحبارهم : يزعم محمد أن بن داؤد كان نبيا والله ما كان إلا ساحرا فأنزل الله عز وجل : ( وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ) أي ألقت إلى بني آدم أن ما فعله سليمان من ركوب البحر واستسخار الطير والشياطين كان سحرا وقال الكلبي : كتبت الشياطين السحر والنيرنجيات على لسان آصف كاتب سليمان ودفنوه تحت مصلاه حين انتزع الله ملكه ولم يشعر بذلك سليمان فلما مات سليمان استخرجوه وقالوا للناس : إنما ملككم بهذا فتعلموه فأما علماء بني إسرائيل فقالوا : معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان وأما السفلة فقالوا : هذا علم سليمان وأقبلوا على تعليمه ورفضوا كتب أنبيائهم حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل على نبيه عذر سليمان وأظهر براءته مما رمى به فقال : وأتبعوا ما تتلوا الشياطين قال عطاء : تتلو تقرأ من التلاوة وقال بن عباس تتلو تتبع كما تقول : جاء القوم يتلو بعضهم بعضا وقال الطبري : اتبعوا بمعنى فضلوا قلت : لأن كل من اتبع شيئا وجعله أمامه فقد فضله على غيره ومعنى تتلو يعني تلت فهو بمعنى المضي قال الشاعر : وإذا مررت بقبره فاعقر به كوم الهجان وكل طرف سابح وانضح جوانب قبره بدمائها فلقد يكون أخادم وذبائح اي فلقد كان وما مفعول ب اتبعوا اي اتبعوا ما تقولته الشياطين على سليمان وتلته وقيل : ما نفي وليس بشيء لا في نظام الكلام ولا في صحته قاله بن العربي ( على ملك سليمان ) أي على شرعه ونبوته قال الزجاج قال الفراء على عهد ملك سليمان وقيل : المعنى في ملك سليمان يعني في قصصه وصفاته وأخباره قال الفراء : تصلح على وفي في مثل هذا الموضع وقال على ولم يقل بعد لقوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته أي في تلاوته وقد تقدم معنى الشيطان واشتقاقه فلا معنى لإعادته والشياطين هنا قيل : هم شياطين الجن وهو المفهوم من هذا الأسم وقيل : المراد شياطين الأنس المتمردون في الضلال كقول جرير : أيام يدعونني الشيطان من غزلي وكن يهوينني إذ كنت شيطانا الثانية قوله تعالى : ( وما كفر سليمان ) تبرئة من الله لسليمان ولم يتقدم في الآية أن أحدا نسبه إلى الكفر ولكن اليهود نسبته إلى السحر ولكن لما كان السحر كفرا صار بمنزلة من نسبه إلى الكفر ثم قال : ( ولكن الشياطين كفروا ) فأثبت كفرهم بتعليم السحر ويعلمون في موضع نصب على الحال ويجوز أن يكون في موضع رفع على إنه خبر ثان وقرأ الكوفيون سوى عاصم ولكن الشياطين بتخفيف لكن ورفع النون من الشياطين وكذلك في الأنفال ولكن الله رمى ووافقهم بن عامر الباقون بالتشديد والنصب ولكن كلمة لها معنيان : نفي الخبر الماضي وإثبات الخبر المستقبل وهي مبنية من ثلاث كلمات : لا ك إن لا نفي والكاف خطاب وإن إثبات وتحقيق فذهبت الهمزة استثقالا وهي تثقل وتخفف فإذا ثقلت نصبت كان الثقيلة وإذا خففت رفعت بها كما ترفع بان الخفيفة الثالثة السحر قيل : السحر أصله التمويه بالحيل والتخايل وهو أن يفعل الساحر أشياء ومعاني فيخيل للمسحور أنها بخلاف ما هي به كالذي يرى السراب من بعيد فيخيل إليه إنه ماء وكراكب السفينة السائرة سيرا حثيثا يخيل إليه أن ما يرى من الأشجار والجبال سائرة معه وقيل : هو مشتق من سحرت الصبي إذا خدعته وكذلك إذا عللته والتسحير مثله قال لبيد : فإن تسألينا فيم نحن فإننا عصافير من هذا الأنام المسحر آخر : أرانا موضعين لأمر غيب ونسحر بالطعام وبالشراب عصافير وذبان ودود وأجرأ من مجلحة الذئاب وقوله تعالى : إنما أنت من المسحرين الشعراء يقال : المسحر الذي خلق ذا سحر ويقال من المعللين أي ممن يأكل الطعام ويشرب الشراب وقيل : أصله الخفاء فإن الساحر يفعله في خفية وقيل : أصله الصرف يقال : ما سحرك عن كذا أي ما صرفك عنه فالسحر مصروف عن جهته وقيل : أصله الأستمالة وكل من استمالك فقد سحرك وقيل في قوله تعالى : بل نحن قوم مسحورون أي سحرنا فأزلنا بالتخييل عن معرفتنا وقال الجوهري : السحر الأخذة وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر وقد سحره يسحره سحرا والساحر : العالم وسحره أيضا بمعنى خدعه وقد ذكرناه وقال بن مسعود : كنا نسمي السحر في الجاهلية العضة والعضة عند العرب : شدة البهت وتمويه الكذب قال الشاعر : أعوذ بربي من النافثا ت في عضة العاضة المعضة الرابعة واختلف هل له حقيقة أم لا فذكر الغزنوي الحنفي في عيون المعاني له : أن السحر عند المعتزلة خدع لا أصل له وعند الشافعي وسوسة وأمراض قال : وعندنا أصله طلسم يبني على تأثير خصائص الكواكب كتأثير الشمس في زئبق عصى فرعون أو تعظيم الشياطين ليسهلوا له ما عسر قلت : وعندنا إنه حق وله حقيقة يخلق الله عنده ما شاء على ما يأتي ثم من السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة والشعوذي : البريد لخفة سيره قال بن فارس في المجمل : الشعوذة ليس من كلام أهل البادية وهي خفة في اليدين وأخذه كالسحر ومنه ما يكون كلاما يحفظ ورقي من أسماء الله تعالى وقد يكون من عهود الشياطين ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك الخامسة سمي رسول الله صلى الله عليه وسلم الفصاحة في الكلام واللسانة فيه سحرا فقال : ( إن من البيان لسحرا ( أخرجه مالك وغيره وذلك لأن فيه تصويب الباطل حتى يتوهم السامع أنه حق فعلى هذا يكون قوله عليه السلام ( إن من البيان لسحرا ( خرج مخرج الذم للبلاغة والفصاحة إذ شبهها بالسحر وقيل : خرج مخرج المدح للبلاغة والتفضيل للبيان قال جماعة من أهل العلم والأول أصح والدليل عليه قوله عليه السلام : ( فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ( وقوله : ( إن أبغضكم إلى الثرثارون المتفيهقون الثرثرة كثرة الكلام وترديده يقال ثرثر الرجل فهو ثرثار مهذار والمتفيهق نحوه قال بن دريد فلان يتفيهق في كلامه إذا توسع فيه وتنطع قال : وأصله الفهق وهو الإمتلاء كأنه ملأ به فمه قلت : وبهذا المعنى الذي ذكرناه فسره عامر الشعبي راوي الحديث وصعصعة بن صوحان فقالا : أما قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن من البيان لسحرا ( فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق وهو عليه وإنما يحمد العلماء البلاغة واللسانة ما لم تخرج إلى حد الاسهاب والاطناب وتصوير الباطل في صورة الحق وهذا بين والحمد لله السادسة من السحر ما يكون كفرا من فاعله مثل ما يدعون من تغيير صور الناس وإخراجهم في هيئة بهيمة وقطع مسافة شهر في ليلة والطيران في الهواء فكل من فعل هذا ليوهم الناس أنه محق فذلك كفر منه قاله أبو نصر عبد الرحيم القشيري قال أبو عمرو : من زعم أن الساحر يقلب الحيوان من صورة إلى صورة فيجعل الأنسان حمارا أو نحوه ويقدر على نقل الأجساد وهلاكها وتبديلها فهذا يرى قتل الساحر لأنه كافر بالأنبياء يدعي مثل آياتهم ومعجزاتهم ولا يتهيأ مع هذا علم صحة النبوة إذ قد يحصل مثلها بالحيلة وأما من زعم أن السحر خدع ومخاريق وتمويهات وتخييلات فلم يجب على أصله قتل الساحر إلا أن يقتل بفعله احدا فيقتل به السابعة ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة وذهب عامة المعتزلة وأبو إسحاق الإسترابادي من أصحاب الشافعي إلى أن السحر لا حقيقة له وإنما هو تمويه وتخييل وإيهام لكون الشيء على غير ما هو به وإنه ضرب من الخفة والشعوذة كما قال تعالى : يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ولم يقل تسعى على الحقيقة ولكن قال يخيل إليه وقال ايضا : سحروا أعين الناس وهذا لا حجة فيه لأنا لا ننكر أن يكون التخييل وغيره من جملة السحر ولكن ثبت وراء ذلك أمور جوزها العقل وورد بها السمع فمن ذلك ما جاء في هذه الآية من ذكر السحر وتعليمه ولو لم يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه ولا أخبر تعالى أنهم يعلمونه الناس فدل على أن له حقيقة وقوله تعالى في قصة سحرة فرعون : وجاءوا بسحر عظيم وسورة الفلق مع اتفاق المفسرين على أن سبب نزولها ما كان من سحر لبيد بن الأعصم وهو مما خرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت : سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم الحديث وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما حل السحر : ( إن الله شفاني ( والشفاء إنما يكون برفع العلة وزوال المرض فدل على أن له حقا وحقيقة فهو مقطوع به بأخبار الله تعالى ورسوله على وجوده ووقوعه وعلى هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق ولقد شاع السحر وذاع في سابق الزمان وتكلم الناس فيه ولم يبد من الصحابة ولا من التابعين إنكار لأصله وروى سفيان عن أبي الأعور عن عكرمة عن بن عباس قال : علم السحر في قرية من قرى مصر يقال لها : الفرما فمن كذب به فهو كافر مكذب لله ورسوله منكر لما علم مشاهدة وعيانا الثامنة قال علماؤنا : لا ينكر أن يظهر على يد الساحر خرق العادات مما ليس في مقدور البشر من مرض وتفريق وزوال عقل وتعويج عضو إلى غير ذلك مما قام الدليل على إستحالة كونه من مقدورات العباد قالوا : ولا يبعد في السحر أن يستدق جسم الساحر حتى يتولج في الكوات والخوخات والإنتصاب على رأس قصبة والجري على خيط مستدق والطيران في الهواء والمشي على الماء وركوب كلب وغير ذلك ومع ذلك فلا يكون السحر موجبا لذلك ولا علة لوقوعه ولا سببا مولدا ولا يكون الساحر مستقلا به وإنما يخلق الله تعالى هذه الأشياء ويحدثها عند وجود السحر كما يخلق الشبع عند الأكل والري عند شرب الماء روى سفيان عن عمار الذهبي أن ساحرا كان عند الوليد بن عقبة يمشي على الحبل ويدخل في است الحمار ويخرج من فيه فاشتمل له جندب على السيف فقتله جندب هذا هو جندب بن كعب الأزدي ويقال البجلي وهو الذي قال في حقه النبي صلى الله عليه وسلم : ( يكون في امتي رجل يقال له جندب يضرب ضربة بالسيف يفرق بين الحق والباطل ( فكانوا يرونه جندبا هذا قاتل الساحر قال على بن المديني : روى عنه حارثة بن مضرب التاسعة أجمع المسلمون على إنه ليس في السحر ما يفعل الله عنده إنزال الجراد والقمل والضفادع وفلق البحر وقلب العصا وإحياء الموتى وإنطاق العجماء وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم السلام فهذا ونحوه مما يجب القطع بانه لا يكون ولا يفعله الله عند ارادة الساحر قال القاضي أبو بكر بن الطيب : وإنما منعنا ذلك بالاجماع ولولاه لاجزناه العاشرة في الفرق بين السحر والمعجزة قال علماؤنا : السحر يوجد من الساحر وغيره وقد يكون جماعة يعرفونه ويمكنهم الآتيان به في وقت واحد والمعجزة لا يمكن الله أحدا أن يأتي بمثلها وبمعارضتها ثم الساحر لم يدع النبوة فالذي يصدر منه متميز عن المعجزة فإن المعجزة شرطها اقتران دعوى النبوة والتحدي بها كما تقدم في مقدمة الكتاب الحادية عشرة واختلف الفقهاء في حكم الساحر المسلم والذمي فذهب مالك إلى أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفرا يقتل ولا يستتاب ولا تقبل توبته لأنه أمر يستسر به كالزنديق والزاني ولأن الله تعالى سمي السحر كفرا بقوله : وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر وهو قول أحمد بن حنبل وأبي ثور وإسحاق والشافعي وأبي حنيفة وروي قتل الساحر عن عمر وعثمان وبن عمر وحفصة وأبي موسى وقيس بن سعد وعن سبعة من التابعين وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( حد الساحر ضربه بالسيف ( خرجه الترمذي وليس بالقوى انفرد به إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف عندهم رواه بن عيينة عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن مرسلا ومنهم من جعله عن الحسن عن جندب قال بن المنذر : وقد روينا عن عائشة أنها باعت ساحرة كانت سحرتها وجعلت ثمنها في الرقاب قال بن المنذر : وإذا أقر الرجل أنه سحر بكلام يكون كفرا وجب قتله إن لم يتب وكذلك لو ثبتت به عليه بينة ووصفت البينة كلاما يكون كفرا وإن كان الكلام الذي ذكر إنه سحر به ليس بكفر لم يجز قتله فان كان أحدث في المسحور جناية توجب القصاص اقتص منه إن كان عمد ذلك وإن كان مما لا قصاص فيه ففيه دية ذلك قال بن المنذر : وإذا أختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسالة وجب اتباع اشبههم بالكتاب والسنة وقد يجوز أن يكون السحر الذي أمر من أمر منهم بقتل الساحر سحرا يكون كفرا فيكون ذلك موافقا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن تكون عائشة رضي الله عنها أمرت ببيع ساحرة لم يكن سحرها كفرا فإن آحتج محتج بحديث جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( حد الساحر ضربه بالسيف ( فلو صح لإحتمل أن يكون أمر بقتل الساحر الذي يكون سحره كفرا فيكون ذلك موافقا للأخبار التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا باحدى ثلاث ( قلت : وهذا صحيح ودماء المسلمين محظورة لا تستباح إلا بيقين ولا يقين مع الاختلاف والله تعالى أعلم وقال بعض العلماء : إن قال أهل الصناعة أن السحر لا يتم إلا مع الكفر والاستكبار أو تعظيم الشيطان فالسحر إذا دال على الكفر على هذا التقدير والله تعالى أعلم وروي عن الشافعي : لا يقتل الساحر إلا أن يقتل بسحره ويقول تعمدت القتل وإن قال لم اتعمده لم يقتل وكانت فيه الدية كقتل الخطأ وإن أضر به أدب على قدر الضرر قال بن العربي : وهذا باطل من وجهين أحدهما : أنه لم يعلم السحر وحقيقته أنه كلام مؤلف يعظم به غير الله تعالى وتنسب إليه المقادير والكائنات الثاني : أن الله سبحانه قد صرح في كتابه بأنه كفر فقال : وما كفر سليمان بقول السحر ولكن الشياطين كفروا به وبتعليمه وهاروت وماروت يقولان : إنما نحن فتنة فلا تكفر وهذا تأكيد للبيان احتج أصحاب مالك بأنه لا تقبل توبته لأن السحر باطن لا يظهره صاحبه فلا تعرف توبته كالزنديق وإنما يستتاب من أظهر الكفر مرتدا قال مالك : فإن جاء الساحر أو الزنديق تائبا قبل أن يشهد عليهما قبلت توبتهما والحجة لذلك قوله تعالى : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا باسنا فدل على إنه كان ينفعهم إيمانهم قبل نزول العذاب فكذلك هذان الثاية عشرة وأما ساحر الذمة فقيل يقتل وقال مالك : لا يقتل إلا أن يقتل بسحره ويضمن ما جنى ويقتل إن جاء منه ما لم يعاهد عليه وقال بن خويز منداد : فأما أذا كان ذميا فقد اختلفت الرواية عن مالك فقال مرة : يستتاب وتوبته الإسلام وقال مرة : يقتل وإن أسلم وأما الحربي فلا يقتل إذا تاب وكذلك قال مالك في ذمي سب النبي صلى الله عليه وسلم : يستتاب وتوبته الإسلام وقال مرة يقتل ولا يستتاب كالمسلم وقال مالك أيضا في الذمي إذا سحر يعاقب إلا أن يكون قتل بسحره أو أحدث حدثا فيؤخذ منه بقدره وقال غيره : يقتل لأنه قد نقض العهد ولا يرث الساحر ورثته لأنه كافر إلا أن يكون سحره لا يسمى كفرا وقال مالك في المرأة تعقد زوجها عن نفسها أو عن غيرها : تنكل ولا تقتل الثالثة عشرة وأختلفوا هل يسأل الساحر حل السحر عن المسحور فاجازه سعيد بن المسيب على ما ذكره البخاري وإليه مال المزني وكرهه الحسن البصري وقال الشعبي لا بأس بالنشرة قال بن بطال : وفي كتاب وهب بن منبه أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ عليه آية الكرسي ثم يحسو منه ثلاث حسوات ويغتسل به فإنه يذهب عنه كل ما به إن شاء الله تعالى وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله الرابعة عشرة أنكر معظم المعتزلة الشياطين والجن ودل أنكارهم على قلة مبالاتهم وركاكة دياناتهم وليس في اثباتهم مستحيل عقلي وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على اثباتهم وحق على اللبيب المعتصم بحبل الله أن يثبت ما قضى العقل بجوازه ونص الشرع على ثبوته قال الله تعالى : ولكن الشياطين كفروا وقال : ومن الشياطين من يغوصون له الأنبياء إلى غير ذلك من الآي وسورة الجن تقضي بذلك وقال عليه السلام : ( إن الشيطان يجري من بن آدم مجرى الدم ( وقد أنكر هذا الخبر كثير من الناس واحالوا روحين في جسد والعقل لا يحيل سلوكهم في الأنس إذا كانت أجسامهم رقيقة بسيطة على ما يقوله بعض الناس بل أكثرهم ولو كانوا كثافا لصح ذلك أيضا منهم كما يصح دخول الطعام والشراب في الفراغ من الجسم وكذلك الديدان قد تكون في بني آدم وهي أحياء الخامسة عشرة قوله تعالى : ( وما أنزل على الملكين ) ما نفي والواو للعطف على قوله : وما كفر سليمان وذلك أن اليهود قالوا : إن الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر فنفى الله ذلك وفي الكلام تقديم وتأخير التقدير وما كفر سليمان وما أنزل على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت فهاروت وماروت بدل من الشياطين في قوله ولكن الشياطين كفروا هذا أولى ما حملت عليه الآية من التأويل واصح ما قيل فيها ولا يلتفت إلى سواه فالسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم ودقة أفهامهم وأكثر ما يتعاطاه من الأنس النساء وخاصة في حال طمثهن قال الله تعالى : ومن شر النفاثات في العقد الفلق وقال الشاعر : أعوذ بربي من النافثات السادسة عشرة إن قال قائل : كيف يكون إثنان بدلا من جمع والبدل إنما يكون على حد المبدل منه فالجواب من وجوه ثلاثة الأول : أن الاثنين قد يطلق عليهما أسم الجمع كما قال تعالى : فإن كان له إخوة فلإمه السدس ولا يحجبها عن الثلث إلى السدس الإ إثنان من الإخوة فصاعدا على ما يأتي بيانه في النساء الثاني : أنهما لما كانا الرأس في التعليم نص عليهما دون اتباعهما كما قال تعالى : عليها تسعة عشر المدثر الثالث : إنما خصا بالذكر من بينهم لتمردهما كما قال تعالى : فيهما فاكهة ونخل ورمان الرحمن وقوله : وجبريل وميكال وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب فقد ينص بالذكر على بعض أشخاص العموم إما لشرفه وإما لفضله كقوله تعالى : إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي وقوله : وجبريل وميكال وإما لطيبه كقوله : فاكهة ونخل ورمان الرحمن وإما لأكثريته كقوله صلى الله عليه وسلم : ( جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا ( وإما لتمرده وعتوه كما في هذه الآية والله تعالى أعلم وقد قيل : إن ما عطف على السحر وهي مفعولة فعلى هذا يكون ما بمعنى الذي ويكون السحر منزلا على الملكين فتنة للناس وامتحانا ولله أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن بنهر طالوت ولهذا يقول الملكان : إنما نحن فتنة أي محنة من الله نخبرك أن عمل الساحر كفر فإن أطعتنا نجوت وإن عصيتنا هلكت وقد روي عن علي وبن مسعود وبن عباس وبن عمر وكعب الأحبار والسدي والكلبي ما معناه : أنه لما كثر الفساد من أولاد آدم عليه السلام وذلك في زمن إدريس عليه السلام عيرتهم الملائكة فقال الله تعالى أما إنكم لو كنتم مكانهم وركبت فيكم ما ركبت فيهم لعملتم مثل أعمالهم فقالوا : سبحانك ما كان ينبغي لنا ذلك قال : فأختاروا ملكين من خياركم فأختاروا هاروت وماروت فأنزلهما إلى الأرض فركب فيهما الشهوة فما مر بهما شهر حتى فتنا بامرأة أسمها بالنبطية بيدخت وبالفارسية ناهيل وبالعربية الزهرة اختصمت إليهما وراوداها عن نفسها فأبت إلا أن يدخلا في دينها ويشربا الخمر ويقتلا النفس التي حرم الله فاجاباها وشربا الخمر والما بها فراهما رجل فقتلاه وسألتهما عن الأسم الذي يصعدان به إلى السماء فعلماها فتكلمت به فعرجت فمسخت كوكبا وقال سالم عن أبيه عن عبد الله : فحدثني كعب الحبر أنهما لم يستكملا يومهما حتى عملا بما حرم الله عليهما وفي غير هذا الحديث : فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فأختارا عذاب الدنيا فهما يعذبان ببابل في سرب من الأرض قيل : بابل العراق وقيل : بابل نهاوند وكان بن عمر فيما يروي عن عطاء أنه كان إذا رأى الزهرة وسهيلا سبهما وشتمهما ويقول : إن سهيلا كان عشارا باليمن يظلم الناس وإن الزهرة كانت صاحبة هاروت وماروت قلنا : هذا كله ضعيف وبعيد عن بن عمر وغيره لا يصح منه شيء فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة الذين هم أمناء الله على وحيه وسفراؤه إلى رسله لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يسبحون الليل والنهار لا يفترون وأما العقل فلا ينكر وقوع المعصية من الملائكة ويوجد منهم خلاف ما كلفوه ويخلق فيهم الشهوات إذ في قدرة الله تعالى كل موهوم ومن هذا خوف الأنبياء والأولياء الفضلاء العلماء لكن وقوع هذا الجائز لا يدرك إلا بالسمع ولم يصح ومما يدل على عدم صحته أن الله تعالى خلق النجوم وهذه الكواكب حين خلق السماء ففي الخبر أن السماء لما خلقت خلق فيها سبعة دوارة زحل والمشتري وبهرام وعطارد والزهرة والشمس والقمر وهذا معنى قول الله تعالى : وكل في فلك يسبحون فثبت بهذا أن الزهرة وسهيلا قد كانا قبل خلق آدم ثم إن قول الملائكة : ما كان ينبغي لنا عورة : لا تقدر على فتنتنا وهذا كفر نعوذ بالله منه ومن نسبته إلى الملائكة الكرام صلوات الله عليهم أجمعين وقد نزهناهم وهم المنزهون عن كل ما ذكره ونقله المفسرون سبحان ربك رب العزة عما يصفون السادسة عشرة قرأ بن عباس وبن أبزي والضحاك والحسن : الملكين بكسر اللام قال بن أبزي : هما داؤد وسليمان ف ما على هذا القول أيضا نافية وضعف هذا القول بن العربي وقال الحسن : هما علجان كانا ببابل ملكين ف ما على هذا القول مفعولة غير نافية الثامنة عشرة قوله تعالى : ( ببابل ) بابل لا ينصرف للتأنيث والتعريف والعجمة وهي قطر من الأرض قيل : العراق وما والاه وقال بن مسعود لأهل الكوفة : أنتم بين الحيرة وبابل وقال قتادة : هي من نصيبين إلى رأس العين وقال قوم : هي بالمغرب قال بن عطية : وهذا ضعيف وقال قوم : هو جبل نهاوند فالله تعالى أعلم واختلف في تسميته ببابل فقيل : سمي بذلك لتبلبل الألسن بها حين سقط صرح نمروذ وقيل : سمي به لأن الله تعالى لما أراد أن يخالف بين ألسنة بني آدم بعث ريحا فحشرتهم من الأفاق إلى بابل فبلبل الله ألسنتهم بها ثم فرقتهم تلك الريح في البلاد والبلبلة : التفريق قال معناه الخليل وقال أبو عمر بن عبد البر : من أخصر ما قيل في البلبلة وأحسنه ما رواه داؤد بن أبي هند عن علباء بن أحمر عن عكرمة عن بن عباس أن نوحا عليه السلام لما هبط إلى أسفل الجودى ابتنى قرية وسماها ثمانين فأصبح ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة إحداها اللسان العربي وكان لا يفهم بعضهم عن بعض التاسعة عشرة روى عبد الله بن بشر المازني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اتقوا الدنيا فوالذي نفسي بيده إنها لأسحر من هاروت وماروت ( قال علماؤنا : إنما كانت الدنيا أسحر منهما لأنها تسحرك بخدعها وتكتمك فتنتها فتدعوك إلى التحارص عليها والتنافس فيها والجمع لها والمنع حتى تفرق بينك وبين طاعة الله تعالى وتفرق بينك وبين رؤية الحق ورعايته فالدنيا أسحر منهما تأخذ بقلبك عن الله وعن القيام بحقوقه وعن وعده ووعيده وسحر الدنيا : محبتها وتلذذك بشهواتها وتمنيك بأمانيها الكاذبة حتى تأخذ بقلبك ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( حبك الشيء يعمي ويصم ( الموفية عشرين قوله تعالى : ( هاروت وماروت ) لا ينصرف هاروت لأنه أعجمي معرفة وكذا ماروت ويجمع هواريت ومواريت مثل طواغيت ويقال : هوارتة وهوار وموارتة وموار ومثله جالوت وطالوت فاعلم وقد تقدم هل هما ملكان أو غيرهما خلاف قال الزجاج : وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : اي والذي أنزل على الملكين وأن الملكين يعلمان الناس تعليم إنذار من السحر لا تعليم دعاء إليه قال الزجاج : وهذا القول الذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر ومعناه أنهما يعلمان الناس على النهي فيقولان لهم : لا تفعلوا كذا ولا تحتالوا بكذا لتفرقوا بين المرء وزوجه والذي أنزل عليهما هو النهي كأنه قولا للناس : لا تعملوا كذا ف يعلمان بمعنى يعلمان كما قال : ولقد كرمنا بني آدم أي أكرمنا الحادية والعشرون قوله تعالى : ( وما يعلمان من أحد ) من زائدة للتوكيد والتقدير : وما يعلمان أحدا ( حتى يقولا ) نصب بحتى فلذلك حذفت منه النون ولعة هذيل وثقيف عتى بالعين غير المعجمة والضمير في يعلمان لهاروت وماروت وفي يعلمان قولان أحدهما : أنه على بابه من التعليم الثاني : أنه من الإعلام لا من التعليم ف يعلمان بمعنى يعلمان وقد جاء في كلام العرب تعلم بمعنى أعلم ذكره بن الأعرابي وبن الأنباري قال كعب بن مالك : تعلم رسول الله أنك مدركي وأن وعيدا منك كالأخذ باليد وقال القطامي : تعلم أن بعد الغي رشدا وأن لذلك الغي أنقشاعا وقال زهير : تعلمن ها لعمر الله ذا قسما فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك وقال آخر : تعلم أنه لا طير إلا على متطير وهو الثبور ( إنما نحن فتنة ) لما أنبأ بفتنتهما كانت الدنيا أسحر منهما حين كتمت فتنتها ( فلا تكفر ) قالت فرقة بتعليم السحر وقالت فرقة باستعماله وحكي المهدوي أنه استهزاء لانهما إنما يقولانه لمن قد تحققا ضلاله الثانية والعشرون قوله تعالى : ( فيتعلمون منهما ) قال سيبويه : التقدير فهم يتعلمون قال ومثله كن فيكون وقيل : هو معطوف على موضع ما يعلمان لأن قوله : وما يعلمان وإن دخلت عليه ما النافية فمضمنه الأيجاب في التعليم وقال الفراء : هي مردودة على قوله : يعلمون الناس السحر فيتعلمون ويكون فيتعلمون متصلة بقوله إنما نحن فتنة فيأتون فيتعلمون قال السدي : كانا يقولان لمن جاءهما : إنما نحن فتنة فلا تكفر فإن أبي أن يرجع قالا له : ائت هذا الرماد قبل فيه فإذا بال فيه خرج منه نور يسطع إلى السماء وهو الإيمان ثم يخرج منه دخان أسود فيدخل في أذنيه وهو الكفر فإذا أخبرهما بما رآه من ذلك علماه ما يفرقون به بين المرء وزوجه ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الساحر ليس يقدر على أكثر مما أخبر الله عنه من التفرقة لأن الله ذكر ذلك في معرض الذم للسحر والغاية في تعليمه فلو كان يقدر على أكثر من ذلك لذكره وقالت طائفة : ذلك خرج على الأغلب ولا ينكر أن السحر له تأثير في القلوب بالحب والبغض وبإلقاء الشرور حتى يفرق الساحر بين المرء وزوجه ويحول بين المرء وقلبه وذلك بإدخال الالام وعظيم الأسقام وكل ذلك مدرك بالمشاهدة وإنكاره معاندة وقد تقدم هذا والحمد لله الثالثة والعشرون ق وله تعالى : ( وما هم بضارين من أحد إلا بإذن الله ) ما هم إشارة إلى السحرة وقيل إلى اليهود وقيل إلى الشياطين بضارين به أي بالسحر من أحد أي أحدا ومن زائدة إلا بإذن الله أي بارادته وقضائه لا بأمره لأنه تعالى لا يأمر بالفحشاء ويقضي على الخلق بها وقال الزجاج : إلا بإذن الله إلا بعلم الله قال النحاس : وقول أبي إسحاق إلا بإذن الله إلا بعلم الله غلط لأنه إنما يقال في العلم أذن وقد أذنت أذنا ولكن لما لم يحل فيما بينهم وبينه وظلوا يفعلونه كان كأنه أباحه مجازا الرابعة والعشرون قوله تعالى : ( ويتعلمون ما يضرهم ) يريد في الآخرة وإن أخذوا بها نفعا قليلا في الدنيا وقيل : يضرهم في الدنيا لأن ضرر السحر والتفريق يعود على الساحر في الدنيا إذا عثر عليه لأنه يؤدب ويزجر ويلحقه شؤم السحر وباقي الآى بين لتقدم معانيها واللام في ولقد علموا لام توكيد لمن اشتراه لام يمين وهي للتوكيد أيضا وموضع من رفع بالابتداء لأنه لا يعمل ما قبل اللام فيما بعدها ومن بمعنى الذي وقال الفراء : هي للمجازاة وقال الزجاج : ليس هذا بموضع شرط ومن بمعنى الذي كما تقول : لقد علمت لمن جاءك ما له عقل من خلاق من زائدة والتقدير ما له في الآخرة خلاق ولا تزاد في الواجب هذا قول البصريين وقال الكوفيون : تكون زائدة في الواجب واستدلوا بقوله تعالى : يغفر لكم من ذنوبكم نوح والخلاق : النصيب قاله مجاهد قال الزجاج : وكذلك هو عند أهل اللغة إلا أنه لا يكاد يستعمل إلا للنصيب من الخير وسئل عن قوله تعالى : ( ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ) فأخبر أنهم قد علموا ثم قال : ( ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ) فأخبر أنهم لا يعلمون فالجواب وهو قول قطرب والأخفش : أن يكون الذين يعلمون الشياطين والذين شروا أنفسهم أي باعوها هم الأنس الذين لا يعلمون قال الزجاج وقال علي بن سليمان : الأجود عندي أن يكون ولقد علموا للملكين لأنهما أولى بان يعلموا وقال علموا كما يقال : الزيدان قاموا وقال الزجاج : الذين علموا علماء اليهود ولكن قيل : لو كانوا يعلمون اي فدخلوا في محل من يقال له : لست بعالم لأنهم تركوا العمل بعلمهم واسترشدوا من الذين عملوا بالسحر < <
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> فيه أربع وعشرون مسألة : الأولى قوله تعالى : ( واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ) هذا إخبار من الله تعالى عن الطائفة الذين نبذوا الكتاب بانهم اتبعوا السحر أيضا وهم اليهود وقال السدي : عارضت اليهود محمدا صلى الله عليه وسلم بالتوراة فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة واخذوا بكتاب آصف وبسحر هاروت وماروت وقال محمد بن إسحاق : لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم سليمان في المرسلين قال بعض أحبارهم : يزعم محمد أن بن داؤد كان نبيا والله ما كان إلا ساحرا فأنزل الله عز وجل : ( وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ) أي ألقت إلى بني آدم أن ما فعله سليمان من ركوب البحر واستسخار الطير والشياطين كان سحرا وقال الكلبي : كتبت الشياطين السحر والنيرنجيات على لسان آصف كاتب سليمان ودفنوه تحت مصلاه حين انتزع الله ملكه ولم يشعر بذلك سليمان فلما مات سليمان استخرجوه وقالوا للناس : إنما ملككم بهذا فتعلموه فأما علماء بني إسرائيل فقالوا : معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان وأما السفلة فقالوا : هذا علم سليمان وأقبلوا على تعليمه ورفضوا كتب أنبيائهم حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل على نبيه عذر سليمان وأظهر براءته مما رمى به فقال : وأتبعوا ما تتلوا الشياطين قال عطاء : تتلو تقرأ من التلاوة وقال بن عباس تتلو تتبع كما تقول : جاء القوم يتلو بعضهم بعضا وقال الطبري : اتبعوا بمعنى فضلوا قلت : لأن كل من اتبع شيئا وجعله أمامه فقد فضله على غيره ومعنى تتلو يعني تلت فهو بمعنى المضي قال الشاعر : وإذا مررت بقبره فاعقر به كوم الهجان وكل طرف سابح وانضح جوانب قبره بدمائها فلقد يكون أخادم وذبائح اي فلقد كان وما مفعول ب اتبعوا اي اتبعوا ما تقولته الشياطين على سليمان وتلته وقيل : ما نفي وليس بشيء لا في نظام الكلام ولا في صحته قاله بن العربي ( على ملك سليمان ) أي على شرعه ونبوته قال الزجاج قال الفراء على عهد ملك سليمان وقيل : المعنى في ملك سليمان يعني في قصصه وصفاته وأخباره قال الفراء : تصلح على وفي في مثل هذا الموضع وقال على ولم يقل بعد لقوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته أي في تلاوته وقد تقدم معنى الشيطان واشتقاقه فلا معنى لإعادته والشياطين هنا قيل : هم شياطين الجن وهو المفهوم من هذا الأسم وقيل : المراد شياطين الأنس المتمردون في الضلال كقول جرير : أيام يدعونني الشيطان من غزلي وكن يهوينني إذ كنت شيطانا الثانية قوله تعالى : ( وما كفر سليمان ) تبرئة من الله لسليمان ولم يتقدم في الآية أن أحدا نسبه إلى الكفر ولكن اليهود نسبته إلى السحر ولكن لما كان السحر كفرا صار بمنزلة من نسبه إلى الكفر ثم قال : ( ولكن الشياطين كفروا ) فأثبت كفرهم بتعليم السحر ويعلمون في موضع نصب على الحال ويجوز أن يكون في موضع رفع على إنه خبر ثان وقرأ الكوفيون سوى عاصم ولكن الشياطين بتخفيف لكن ورفع النون من الشياطين وكذلك في الأنفال ولكن الله رمى ووافقهم بن عامر الباقون بالتشديد والنصب ولكن كلمة لها معنيان : نفي الخبر الماضي وإثبات الخبر المستقبل وهي مبنية من ثلاث كلمات : لا ك إن لا نفي والكاف خطاب وإن إثبات وتحقيق فذهبت الهمزة استثقالا وهي تثقل وتخفف فإذا ثقلت نصبت كان الثقيلة وإذا خففت رفعت بها كما ترفع بان الخفيفة الثالثة السحر قيل : السحر أصله التمويه بالحيل والتخايل وهو أن يفعل الساحر أشياء ومعاني فيخيل للمسحور أنها بخلاف ما هي به كالذي يرى السراب من بعيد فيخيل إليه إنه ماء وكراكب السفينة السائرة سيرا حثيثا يخيل إليه أن ما يرى من الأشجار والجبال سائرة معه وقيل : هو مشتق من سحرت الصبي إذا خدعته وكذلك إذا عللته والتسحير مثله قال لبيد : فإن تسألينا فيم نحن فإننا عصافير من هذا الأنام المسحر آخر : أرانا موضعين لأمر غيب ونسحر بالطعام وبالشراب عصافير وذبان ودود وأجرأ من مجلحة الذئاب وقوله تعالى : إنما أنت من المسحرين الشعراء يقال : المسحر الذي خلق ذا سحر ويقال من المعللين أي ممن يأكل الطعام ويشرب الشراب وقيل : أصله الخفاء فإن الساحر يفعله في خفية وقيل : أصله الصرف يقال : ما سحرك عن كذا أي ما صرفك عنه فالسحر مصروف عن جهته وقيل : أصله الأستمالة وكل من استمالك فقد سحرك وقيل في قوله تعالى : بل نحن قوم مسحورون أي سحرنا فأزلنا بالتخييل عن معرفتنا وقال الجوهري : السحر الأخذة وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر وقد سحره يسحره سحرا والساحر : العالم وسحره أيضا بمعنى خدعه وقد ذكرناه وقال بن مسعود : كنا نسمي السحر في الجاهلية العضة والعضة عند العرب : شدة البهت وتمويه الكذب قال الشاعر : أعوذ بربي من النافثا ت في عضة العاضة المعضة الرابعة واختلف هل له حقيقة أم لا فذكر الغزنوي الحنفي في عيون المعاني له : أن السحر عند المعتزلة خدع لا أصل له وعند الشافعي وسوسة وأمراض قال : وعندنا أصله طلسم يبني على تأثير خصائص الكواكب كتأثير الشمس في زئبق عصى فرعون أو تعظيم الشياطين ليسهلوا له ما عسر قلت : وعندنا إنه حق وله حقيقة يخلق الله عنده ما شاء على ما يأتي ثم من السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة والشعوذي : البريد لخفة سيره قال بن فارس في المجمل : الشعوذة ليس من كلام أهل البادية وهي خفة في اليدين وأخذه كالسحر ومنه ما يكون كلاما يحفظ ورقي من أسماء الله تعالى وقد يكون من عهود الشياطين ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك الخامسة سمي رسول الله صلى الله عليه وسلم الفصاحة في الكلام واللسانة فيه سحرا فقال : ( إن من البيان لسحرا ( أخرجه مالك وغيره وذلك لأن فيه تصويب الباطل حتى يتوهم السامع أنه حق فعلى هذا يكون قوله عليه السلام ( إن من البيان لسحرا ( خرج مخرج الذم للبلاغة والفصاحة إذ شبهها بالسحر وقيل : خرج مخرج المدح للبلاغة والتفضيل للبيان قال جماعة من أهل العلم والأول أصح والدليل عليه قوله عليه السلام : ( فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ( وقوله : ( إن أبغضكم إلى الثرثارون المتفيهقون الثرثرة كثرة الكلام وترديده يقال ثرثر الرجل فهو ثرثار مهذار والمتفيهق نحوه قال بن دريد فلان يتفيهق في كلامه إذا توسع فيه وتنطع قال : وأصله الفهق وهو الإمتلاء كأنه ملأ به فمه قلت : وبهذا المعنى الذي ذكرناه فسره عامر الشعبي راوي الحديث وصعصعة بن صوحان فقالا : أما قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن من البيان لسحرا ( فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق وهو عليه وإنما يحمد العلماء البلاغة واللسانة ما لم تخرج إلى حد الاسهاب والاطناب وتصوير الباطل في صورة الحق وهذا بين والحمد لله السادسة من السحر ما يكون كفرا من فاعله مثل ما يدعون من تغيير صور الناس وإخراجهم في هيئة بهيمة وقطع مسافة شهر في ليلة والطيران في الهواء فكل من فعل هذا ليوهم الناس أنه محق فذلك كفر منه قاله أبو نصر عبد الرحيم القشيري قال أبو عمرو : من زعم أن الساحر يقلب الحيوان من صورة إلى صورة فيجعل الأنسان حمارا أو نحوه ويقدر على نقل الأجساد وهلاكها وتبديلها فهذا يرى قتل الساحر لأنه كافر بالأنبياء يدعي مثل آياتهم ومعجزاتهم ولا يتهيأ مع هذا علم صحة النبوة إذ قد يحصل مثلها بالحيلة وأما من زعم أن السحر خدع ومخاريق وتمويهات وتخييلات فلم يجب على أصله قتل الساحر إلا أن يقتل بفعله احدا فيقتل به السابعة ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة وذهب عامة المعتزلة وأبو إسحاق الإسترابادي من أصحاب الشافعي إلى أن السحر لا حقيقة له وإنما هو تمويه وتخييل وإيهام لكون الشيء على غير ما هو به وإنه ضرب من الخفة والشعوذة كما قال تعالى : يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ولم يقل تسعى على الحقيقة ولكن قال يخيل إليه وقال ايضا : سحروا أعين الناس وهذا لا حجة فيه لأنا لا ننكر أن يكون التخييل وغيره من جملة السحر ولكن ثبت وراء ذلك أمور جوزها العقل وورد بها السمع فمن ذلك ما جاء في هذه الآية من ذكر السحر وتعليمه ولو لم يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه ولا أخبر تعالى أنهم يعلمونه الناس فدل على أن له حقيقة وقوله تعالى في قصة سحرة فرعون : وجاءوا بسحر عظيم وسورة الفلق مع اتفاق المفسرين على أن سبب نزولها ما كان من سحر لبيد بن الأعصم وهو مما خرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت : سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم الحديث وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما حل السحر : ( إن الله شفاني ( والشفاء إنما يكون برفع العلة وزوال المرض فدل على أن له حقا وحقيقة فهو مقطوع به بأخبار الله تعالى ورسوله على وجوده ووقوعه وعلى هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق ولقد شاع السحر وذاع في سابق الزمان وتكلم الناس فيه ولم يبد من الصحابة ولا من التابعين إنكار لأصله وروى سفيان عن أبي الأعور عن عكرمة عن بن عباس قال : علم السحر في قرية من قرى مصر يقال لها : الفرما فمن كذب به فهو كافر مكذب لله ورسوله منكر لما علم مشاهدة وعيانا الثامنة قال علماؤنا : لا ينكر أن يظهر على يد الساحر خرق العادات مما ليس في مقدور البشر من مرض وتفريق وزوال عقل وتعويج عضو إلى غير ذلك مما قام الدليل على إستحالة كونه من مقدورات العباد قالوا : ولا يبعد في السحر أن يستدق جسم الساحر حتى يتولج في الكوات والخوخات والإنتصاب على رأس قصبة والجري على خيط مستدق والطيران في الهواء والمشي على الماء وركوب كلب وغير ذلك ومع ذلك فلا يكون السحر موجبا لذلك ولا علة لوقوعه ولا سببا مولدا ولا يكون الساحر مستقلا به وإنما يخلق الله تعالى هذه الأشياء ويحدثها عند وجود السحر كما يخلق الشبع عند الأكل والري عند شرب الماء روى سفيان عن عمار الذهبي أن ساحرا كان عند الوليد بن عقبة يمشي على الحبل ويدخل في است الحمار ويخرج من فيه فاشتمل له جندب على السيف فقتله جندب هذا هو جندب بن كعب الأزدي ويقال البجلي وهو الذي قال في حقه النبي صلى الله عليه وسلم : ( يكون في امتي رجل يقال له جندب يضرب ضربة بالسيف يفرق بين الحق والباطل ( فكانوا يرونه جندبا هذا قاتل الساحر قال على بن المديني : روى عنه حارثة بن مضرب التاسعة أجمع المسلمون على إنه ليس في السحر ما يفعل الله عنده إنزال الجراد والقمل والضفادع وفلق البحر وقلب العصا وإحياء الموتى وإنطاق العجماء وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم السلام فهذا ونحوه مما يجب القطع بانه لا يكون ولا يفعله الله عند ارادة الساحر قال القاضي أبو بكر بن الطيب : وإنما منعنا ذلك بالاجماع ولولاه لاجزناه العاشرة في الفرق بين السحر والمعجزة قال علماؤنا : السحر يوجد من الساحر وغيره وقد يكون جماعة يعرفونه ويمكنهم الآتيان به في وقت واحد والمعجزة لا يمكن الله أحدا أن يأتي بمثلها وبمعارضتها ثم الساحر لم يدع النبوة فالذي يصدر منه متميز عن المعجزة فإن المعجزة شرطها اقتران دعوى النبوة والتحدي بها كما تقدم في مقدمة الكتاب الحادية عشرة واختلف الفقهاء في حكم الساحر المسلم والذمي فذهب مالك إلى أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفرا يقتل ولا يستتاب ولا تقبل توبته لأنه أمر يستسر به كالزنديق والزاني ولأن الله تعالى سمي السحر كفرا بقوله : وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر وهو قول أحمد بن حنبل وأبي ثور وإسحاق والشافعي وأبي حنيفة وروي قتل الساحر عن عمر وعثمان وبن عمر وحفصة وأبي موسى وقيس بن سعد وعن سبعة من التابعين وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( حد الساحر ضربه بالسيف ( خرجه الترمذي وليس بالقوى انفرد به إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف عندهم رواه بن عيينة عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن مرسلا ومنهم من جعله عن الحسن عن جندب قال بن المنذر : وقد روينا عن عائشة أنها باعت ساحرة كانت سحرتها وجعلت ثمنها في الرقاب قال بن المنذر : وإذا أقر الرجل أنه سحر بكلام يكون كفرا وجب قتله إن لم يتب وكذلك لو ثبتت به عليه بينة ووصفت البينة كلاما يكون كفرا وإن كان الكلام الذي ذكر إنه سحر به ليس بكفر لم يجز قتله فان كان أحدث في المسحور جناية توجب القصاص اقتص منه إن كان عمد ذلك وإن كان مما لا قصاص فيه ففيه دية ذلك قال بن المنذر : وإذا أختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسالة وجب اتباع اشبههم بالكتاب والسنة وقد يجوز أن يكون السحر الذي أمر من أمر منهم بقتل الساحر سحرا يكون كفرا فيكون ذلك موافقا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن تكون عائشة رضي الله عنها أمرت ببيع ساحرة لم يكن سحرها كفرا فإن آحتج محتج بحديث جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( حد الساحر ضربه بالسيف ( فلو صح لإحتمل أن يكون أمر بقتل الساحر الذي يكون سحره كفرا فيكون ذلك موافقا للأخبار التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا باحدى ثلاث ( قلت : وهذا صحيح ودماء المسلمين محظورة لا تستباح إلا بيقين ولا يقين مع الاختلاف والله تعالى أعلم وقال بعض العلماء : إن قال أهل الصناعة أن السحر لا يتم إلا مع الكفر والاستكبار أو تعظيم الشيطان فالسحر إذا دال على الكفر على هذا التقدير والله تعالى أعلم وروي عن الشافعي : لا يقتل الساحر إلا أن يقتل بسحره ويقول تعمدت القتل وإن قال لم اتعمده لم يقتل وكانت فيه الدية كقتل الخطأ وإن أضر به أدب على قدر الضرر قال بن العربي : وهذا باطل من وجهين أحدهما : أنه لم يعلم السحر وحقيقته أنه كلام مؤلف يعظم به غير الله تعالى وتنسب إليه المقادير والكائنات الثاني : أن الله سبحانه قد صرح في كتابه بأنه كفر فقال : وما كفر سليمان بقول السحر ولكن الشياطين كفروا به وبتعليمه وهاروت وماروت يقولان : إنما نحن فتنة فلا تكفر وهذا تأكيد للبيان احتج أصحاب مالك بأنه لا تقبل توبته لأن السحر باطن لا يظهره صاحبه فلا تعرف توبته كالزنديق وإنما يستتاب من أظهر الكفر مرتدا قال مالك : فإن جاء الساحر أو الزنديق تائبا قبل أن يشهد عليهما قبلت توبتهما والحجة لذلك قوله تعالى : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا باسنا فدل على إنه كان ينفعهم إيمانهم قبل نزول العذاب فكذلك هذان الثاية عشرة وأما ساحر الذمة فقيل يقتل وقال مالك : لا يقتل إلا أن يقتل بسحره ويضمن ما جنى ويقتل إن جاء منه ما لم يعاهد عليه وقال بن خويز منداد : فأما أذا كان ذميا فقد اختلفت الرواية عن مالك فقال مرة : يستتاب وتوبته الإسلام وقال مرة : يقتل وإن أسلم وأما الحربي فلا يقتل إذا تاب وكذلك قال مالك في ذمي سب النبي صلى الله عليه وسلم : يستتاب وتوبته الإسلام وقال مرة يقتل ولا يستتاب كالمسلم وقال مالك أيضا في الذمي إذا سحر يعاقب إلا أن يكون قتل بسحره أو أحدث حدثا فيؤخذ منه بقدره وقال غيره : يقتل لأنه قد نقض العهد ولا يرث الساحر ورثته لأنه كافر إلا أن يكون سحره لا يسمى كفرا وقال مالك في المرأة تعقد زوجها عن نفسها أو عن غيرها : تنكل ولا تقتل الثالثة عشرة وأختلفوا هل يسأل الساحر حل السحر عن المسحور فاجازه سعيد بن المسيب على ما ذكره البخاري وإليه مال المزني وكرهه الحسن البصري وقال الشعبي لا بأس بالنشرة قال بن بطال : وفي كتاب وهب بن منبه أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ عليه آية الكرسي ثم يحسو منه ثلاث حسوات ويغتسل به فإنه يذهب عنه كل ما به إن شاء الله تعالى وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله الرابعة عشرة أنكر معظم المعتزلة الشياطين والجن ودل أنكارهم على قلة مبالاتهم وركاكة دياناتهم وليس في اثباتهم مستحيل عقلي وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على اثباتهم وحق على اللبيب المعتصم بحبل الله أن يثبت ما قضى العقل بجوازه ونص الشرع على ثبوته قال الله تعالى : ولكن الشياطين كفروا وقال : ومن الشياطين من يغوصون له الأنبياء إلى غير ذلك من الآي وسورة الجن تقضي بذلك وقال عليه السلام : ( إن الشيطان يجري من بن آدم مجرى الدم ( وقد أنكر هذا الخبر كثير من الناس واحالوا روحين في جسد والعقل لا يحيل سلوكهم في الأنس إذا كانت أجسامهم رقيقة بسيطة على ما يقوله بعض الناس بل أكثرهم ولو كانوا كثافا لصح ذلك أيضا منهم كما يصح دخول الطعام والشراب في الفراغ من الجسم وكذلك الديدان قد تكون في بني آدم وهي أحياء الخامسة عشرة قوله تعالى : ( وما أنزل على الملكين ) ما نفي والواو للعطف على قوله : وما كفر سليمان وذلك أن اليهود قالوا : إن الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر فنفى الله ذلك وفي الكلام تقديم وتأخير التقدير وما كفر سليمان وما أنزل على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت فهاروت وماروت بدل من الشياطين في قوله ولكن الشياطين كفروا هذا أولى ما حملت عليه الآية من التأويل واصح ما قيل فيها ولا يلتفت إلى سواه فالسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم ودقة أفهامهم وأكثر ما يتعاطاه من الأنس النساء وخاصة في حال طمثهن قال الله تعالى : ومن شر النفاثات في العقد الفلق وقال الشاعر : أعوذ بربي من النافثات السادسة عشرة إن قال قائل : كيف يكون إثنان بدلا من جمع والبدل إنما يكون على حد المبدل منه فالجواب من وجوه ثلاثة الأول : أن الاثنين قد يطلق عليهما أسم الجمع كما قال تعالى : فإن كان له إخوة فلإمه السدس ولا يحجبها عن الثلث إلى السدس الإ إثنان من الإخوة فصاعدا على ما يأتي بيانه في النساء الثاني : أنهما لما كانا الرأس في التعليم نص عليهما دون اتباعهما كما قال تعالى : عليها تسعة عشر المدثر الثالث : إنما خصا بالذكر من بينهم لتمردهما كما قال تعالى : فيهما فاكهة ونخل ورمان الرحمن وقوله : وجبريل وميكال وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب فقد ينص بالذكر على بعض أشخاص العموم إما لشرفه وإما لفضله كقوله تعالى : إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي وقوله : وجبريل وميكال وإما لطيبه كقوله : فاكهة ونخل ورمان الرحمن وإما لأكثريته كقوله صلى الله عليه وسلم : ( جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا ( وإما لتمرده وعتوه كما في هذه الآية والله تعالى أعلم وقد قيل : إن ما عطف على السحر وهي مفعولة فعلى هذا يكون ما بمعنى الذي ويكون السحر منزلا على الملكين فتنة للناس وامتحانا ولله أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن بنهر طالوت ولهذا يقول الملكان : إنما نحن فتنة أي محنة من الله نخبرك أن عمل الساحر كفر فإن أطعتنا نجوت وإن عصيتنا هلكت وقد روي عن علي وبن مسعود وبن عباس وبن عمر وكعب الأحبار والسدي والكلبي ما معناه : أنه لما كثر الفساد من أولاد آدم عليه السلام وذلك في زمن إدريس عليه السلام عيرتهم الملائكة فقال الله تعالى أما إنكم لو كنتم مكانهم وركبت فيكم ما ركبت فيهم لعملتم مثل أعمالهم فقالوا : سبحانك ما كان ينبغي لنا ذلك قال : فأختاروا ملكين من خياركم فأختاروا هاروت وماروت فأنزلهما إلى الأرض فركب فيهما الشهوة فما مر بهما شهر حتى فتنا بامرأة أسمها بالنبطية بيدخت وبالفارسية ناهيل وبالعربية الزهرة اختصمت إليهما وراوداها عن نفسها فأبت إلا أن يدخلا في دينها ويشربا الخمر ويقتلا النفس التي حرم الله فاجاباها وشربا الخمر والما بها فراهما رجل فقتلاه وسألتهما عن الأسم الذي يصعدان به إلى السماء فعلماها فتكلمت به فعرجت فمسخت كوكبا وقال سالم عن أبيه عن عبد الله : فحدثني كعب الحبر أنهما لم يستكملا يومهما حتى عملا بما حرم الله عليهما وفي غير هذا الحديث : فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فأختارا عذاب الدنيا فهما يعذبان ببابل في سرب من الأرض قيل : بابل العراق وقيل : بابل نهاوند وكان بن عمر فيما يروي عن عطاء أنه كان إذا رأى الزهرة وسهيلا سبهما وشتمهما ويقول : إن سهيلا كان عشارا باليمن يظلم الناس وإن الزهرة كانت صاحبة هاروت وماروت قلنا : هذا كله ضعيف وبعيد عن بن عمر وغيره لا يصح منه شيء فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة الذين هم أمناء الله على وحيه وسفراؤه إلى رسله لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يسبحون الليل والنهار لا يفترون وأما العقل فلا ينكر وقوع المعصية من الملائكة ويوجد منهم خلاف ما كلفوه ويخلق فيهم الشهوات إذ في قدرة الله تعالى كل موهوم ومن هذا خوف الأنبياء والأولياء الفضلاء العلماء لكن وقوع هذا الجائز لا يدرك إلا بالسمع ولم يصح ومما يدل على عدم صحته أن الله تعالى خلق النجوم وهذه الكواكب حين خلق السماء ففي الخبر أن السماء لما خلقت خلق فيها سبعة دوارة زحل والمشتري وبهرام وعطارد والزهرة والشمس والقمر وهذا معنى قول الله تعالى : وكل في فلك يسبحون فثبت بهذا أن الزهرة وسهيلا قد كانا قبل خلق آدم ثم إن قول الملائكة : ما كان ينبغي لنا عورة : لا تقدر على فتنتنا وهذا كفر نعوذ بالله منه ومن نسبته إلى الملائكة الكرام صلوات الله عليهم أجمعين وقد نزهناهم وهم المنزهون عن كل ما ذكره ونقله المفسرون سبحان ربك رب العزة عما يصفون السادسة عشرة قرأ بن عباس وبن أبزي والضحاك والحسن : الملكين بكسر اللام قال بن أبزي : هما داؤد وسليمان ف ما على هذا القول أيضا نافية وضعف هذا القول بن العربي وقال الحسن : هما علجان كانا ببابل ملكين ف ما على هذا القول مفعولة غير نافية الثامنة عشرة قوله تعالى : ( ببابل ) بابل لا ينصرف للتأنيث والتعريف والعجمة وهي قطر من الأرض قيل : العراق وما والاه وقال بن مسعود لأهل الكوفة : أنتم بين الحيرة وبابل وقال قتادة : هي من نصيبين إلى رأس العين وقال قوم : هي بالمغرب قال بن عطية : وهذا ضعيف وقال قوم : هو جبل نهاوند فالله تعالى أعلم واختلف في تسميته ببابل فقيل : سمي بذلك لتبلبل الألسن بها حين سقط صرح نمروذ وقيل : سمي به لأن الله تعالى لما أراد أن يخالف بين ألسنة بني آدم بعث ريحا فحشرتهم من الأفاق إلى بابل فبلبل الله ألسنتهم بها ثم فرقتهم تلك الريح في البلاد والبلبلة : التفريق قال معناه الخليل وقال أبو عمر بن عبد البر : من أخصر ما قيل في البلبلة وأحسنه ما رواه داؤد بن أبي هند عن علباء بن أحمر عن عكرمة عن بن عباس أن نوحا عليه السلام لما هبط إلى أسفل الجودى ابتنى قرية وسماها ثمانين فأصبح ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة إحداها اللسان العربي وكان لا يفهم بعضهم عن بعض التاسعة عشرة روى عبد الله بن بشر المازني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اتقوا الدنيا فوالذي نفسي بيده إنها لأسحر من هاروت وماروت ( قال علماؤنا : إنما كانت الدنيا أسحر منهما لأنها تسحرك بخدعها وتكتمك فتنتها فتدعوك إلى التحارص عليها والتنافس فيها والجمع لها والمنع حتى تفرق بينك وبين طاعة الله تعالى وتفرق بينك وبين رؤية الحق ورعايته فالدنيا أسحر منهما تأخذ بقلبك عن الله وعن القيام بحقوقه وعن وعده ووعيده وسحر الدنيا : محبتها وتلذذك بشهواتها وتمنيك بأمانيها الكاذبة حتى تأخذ بقلبك ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( حبك الشيء يعمي ويصم ( الموفية عشرين قوله تعالى : ( هاروت وماروت ) لا ينصرف هاروت لأنه أعجمي معرفة وكذا ماروت ويجمع هواريت ومواريت مثل طواغيت ويقال : هوارتة وهوار وموارتة وموار ومثله جالوت وطالوت فاعلم وقد تقدم هل هما ملكان أو غيرهما خلاف قال الزجاج : وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : اي والذي أنزل على الملكين وأن الملكين يعلمان الناس تعليم إنذار من السحر لا تعليم دعاء إليه قال الزجاج : وهذا القول الذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر ومعناه أنهما يعلمان الناس على النهي فيقولان لهم : لا تفعلوا كذا ولا تحتالوا بكذا لتفرقوا بين المرء وزوجه والذي أنزل عليهما هو النهي كأنه قولا للناس : لا تعملوا كذا ف يعلمان بمعنى يعلمان كما قال : ولقد كرمنا بني آدم أي أكرمنا الحادية والعشرون قوله تعالى : ( وما يعلمان من أحد ) من زائدة للتوكيد والتقدير : وما يعلمان أحدا ( حتى يقولا ) نصب بحتى فلذلك حذفت منه النون ولعة هذيل وثقيف عتى بالعين غير المعجمة والضمير في يعلمان لهاروت وماروت وفي يعلمان قولان أحدهما : أنه على بابه من التعليم الثاني : أنه من الإعلام لا من التعليم ف يعلمان بمعنى يعلمان وقد جاء في كلام العرب تعلم بمعنى أعلم ذكره بن الأعرابي وبن الأنباري قال كعب بن مالك : تعلم رسول الله أنك مدركي وأن وعيدا منك كالأخذ باليد وقال القطامي : تعلم أن بعد الغي رشدا وأن لذلك الغي أنقشاعا وقال زهير : تعلمن ها لعمر الله ذا قسما فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك وقال آخر : تعلم أنه لا طير إلا على متطير وهو الثبور ( إنما نحن فتنة ) لما أنبأ بفتنتهما كانت الدنيا أسحر منهما حين كتمت فتنتها ( فلا تكفر ) قالت فرقة بتعليم السحر وقالت فرقة باستعماله وحكي المهدوي أنه استهزاء لانهما إنما يقولانه لمن قد تحققا ضلاله الثانية والعشرون قوله تعالى : ( فيتعلمون منهما ) قال سيبويه : التقدير فهم يتعلمون قال ومثله كن فيكون وقيل : هو معطوف على موضع ما يعلمان لأن قوله : وما يعلمان وإن دخلت عليه ما النافية فمضمنه الأيجاب في التعليم وقال الفراء : هي مردودة على قوله : يعلمون الناس السحر فيتعلمون ويكون فيتعلمون متصلة بقوله إنما نحن فتنة فيأتون فيتعلمون قال السدي : كانا يقولان لمن جاءهما : إنما نحن فتنة فلا تكفر فإن أبي أن يرجع قالا له : ائت هذا الرماد قبل فيه فإذا بال فيه خرج منه نور يسطع إلى السماء وهو الإيمان ثم يخرج منه دخان أسود فيدخل في أذنيه وهو الكفر فإذا أخبرهما بما رآه من ذلك علماه ما يفرقون به بين المرء وزوجه ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الساحر ليس يقدر على أكثر مما أخبر الله عنه من التفرقة لأن الله ذكر ذلك في معرض الذم للسحر والغاية في تعليمه فلو كان يقدر على أكثر من ذلك لذكره وقالت طائفة : ذلك خرج على الأغلب ولا ينكر أن السحر له تأثير في القلوب بالحب والبغض وبإلقاء الشرور حتى يفرق الساحر بين المرء وزوجه ويحول بين المرء وقلبه وذلك بإدخال الالام وعظيم الأسقام وكل ذلك مدرك بالمشاهدة وإنكاره معاندة وقد تقدم هذا والحمد لله الثالثة والعشرون ق وله تعالى : ( وما هم بضارين من أحد إلا بإذن الله ) ما هم إشارة إلى السحرة وقيل إلى اليهود وقيل إلى الشياطين بضارين به أي بالسحر من أحد أي أحدا ومن زائدة إلا بإذن الله أي بارادته وقضائه لا بأمره لأنه تعالى لا يأمر بالفحشاء ويقضي على الخلق بها وقال الزجاج : إلا بإذن الله إلا بعلم الله قال النحاس : وقول أبي إسحاق إلا بإذن الله إلا بعلم الله غلط لأنه إنما يقال في العلم أذن وقد أذنت أذنا ولكن لما لم يحل فيما بينهم وبينه وظلوا يفعلونه كان كأنه أباحه مجازا الرابعة والعشرون قوله تعالى : ( ويتعلمون ما يضرهم ) يريد في الآخرة وإن أخذوا بها نفعا قليلا في الدنيا وقيل : يضرهم في الدنيا لأن ضرر السحر والتفريق يعود على الساحر في الدنيا إذا عثر عليه لأنه يؤدب ويزجر ويلحقه شؤم السحر وباقي الآى بين لتقدم معانيها واللام في ولقد علموا لام توكيد لمن اشتراه لام يمين وهي للتوكيد أيضا وموضع من رفع بالابتداء لأنه لا يعمل ما قبل اللام فيما بعدها ومن بمعنى الذي وقال الفراء : هي للمجازاة وقال الزجاج : ليس هذا بموضع شرط ومن بمعنى الذي كما تقول : لقد علمت لمن جاءك ما له عقل من خلاق من زائدة والتقدير ما له في الآخرة خلاق ولا تزاد في الواجب هذا قول البصريين وقال الكوفيون : تكون زائدة في الواجب واستدلوا بقوله تعالى : يغفر لكم من ذنوبكم نوح والخلاق : النصيب قاله مجاهد قال الزجاج : وكذلك هو عند أهل اللغة إلا أنه لا يكاد يستعمل إلا للنصيب من الخير وسئل عن قوله تعالى : ( ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ) فأخبر أنهم قد علموا ثم قال : ( ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ) فأخبر أنهم لا يعلمون فالجواب وهو قول قطرب والأخفش : أن يكون الذين يعلمون الشياطين والذين شروا أنفسهم أي باعوها هم الأنس الذين لا يعلمون قال الزجاج وقال علي بن سليمان : الأجود عندي أن يكون ولقد علموا للملكين لأنهما أولى بان يعلموا وقال علموا كما يقال : الزيدان قاموا وقال الزجاج : الذين علموا علماء اليهود ولكن قيل : لو كانوا يعلمون اي فدخلوا في محل من يقال له : لست بعالم لأنهم تركوا العمل بعلمهم واسترشدوا من الذين عملوا بالسحر < <
Dio V02/P055–V02/P056Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P055–V02/P056)
Orijinal Metin (AR)البقرة : ( 103 ) ولو أنهم آمنوا . . . . . > > < > ( البقره 103 ) < > قوله تعالى ولو أنهم آمنوا واتقوا أي اتقوا السحر لمثوبة المثوبة الثواب وهي جواب ولو أنهم آمنوا عند قوم وقال الأخفش سعيد ليس ل لو هنا جواب في اللفظ ولكن في المعنى والمعنى لأثيبوا وموضع أن من قوله ولو أنهم موضع رفع أي لو وقع إيمانهم لأن لو لا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا لأنها بمنزلة حروف الشرط إذ كان لا بد له من جواب وأن يليه فعل قال محمد بن يزيد وإنما لم يجاز بلو لأن سبيل حروف المجازاة كلها أن تقلب الماضي إلى معنى المستقبل فلما لم يكن هذا في لو لم يجز أن يجازى بها < < البقرة : ( 104 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( البقره 104 ) <
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)البقرة : ( 103 ) ولو أنهم آمنوا . . . . . > > < > ( البقره 103 ) < > قوله تعالى ولو أنهم آمنوا واتقوا أي اتقوا السحر لمثوبة المثوبة الثواب وهي جواب ولو أنهم آمنوا عند قوم وقال الأخفش سعيد ليس ل لو هنا جواب في اللفظ ولكن في المعنى والمعنى لأثيبوا وموضع أن من قوله ولو أنهم موضع رفع أي لو وقع إيمانهم لأن لو لا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا لأنها بمنزلة حروف الشرط إذ كان لا بد له من جواب وأن يليه فعل قال محمد بن يزيد وإنما لم يجاز بلو لأن سبيل حروف المجازاة كلها أن تقلب الماضي إلى معنى المستقبل فلما لم يكن هذا في لو لم يجز أن يجازى بها < < البقرة : ( 104 ) يا أيها الذين . . . . . > > < > ( البقره 104 ) <
Dio V02/P056–V02/P060Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P056–V02/P060)
Orijinal Metin (AR)> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا ) ذكر شيئا آخر من جهالات اليهود والمقصود نهى المسلمين عن مثل ذلك وحقيقة راعنا في اللغة أرعنا ولنرعك لأن المفاعلة من اثنين فتكون من رعاك الله أي احفظنا ولنحفظك وارقبنا ولنرقبك ويجوز أن يكون من أرعنا سمعك أي فرغ سمعك لكلامنا وفي المخاطبة بهذا جفاء فأمر المؤمنين أن يتخيروا من الألفاظ أحسنها ومن المعاني أرقها قال بن عباس : كان المسلمون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : راعنا على جهة الطلب والرغبة من المراعاة أي التفت إلينا وكان هذا بلسان اليهود سبأ أي اسمع لا سمعت فأغتنموها وقالوا : كنا نسبه سرا فالان نسبه جهرا فكانوا يخاطبون بها النبي صلى الله عليه وسلم ويضحكون فيما بينهم فسمعها سعد بن معاذ وكان يعرف لغتهم فقال لليهود : عليكم لعنة الله لئن سمعتها من رجل منكم يقولها للنبي صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه فقالوا : أولستم تقولونها فنزلت الآية ونهوا عنها لئلا تقتدى بها اليهود في اللفظ وتقصد المعنى الفاسد فيه الثانية في هذه الآية دليلان : أحدهما على تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها التعريض للتنقيص والغض ويخرج من هذا فهم القذف بالتعريض وذلك يوجب الحد عندنا خلافا لأبي حنيفة والشافعي وأصحابهما حين قالوا : التعريض محتمل للقذف وغيره والحد مما يسقط بالشبهة وسيأتي في النور بيان هذا إن شاء الله تعالى الدليل الثاني : التمسك بسد الذرائع وحمايتها وهو مذهب مالك وأصحابه وأحمد بن حنبل في رواية عنه وقد دل على هذا الأصل الكتاب والسنة والذريعة عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه يخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع أما الكتاب فهذه الآية ووجه التمسك بها أن اليهود كانوا يقولون ذلك وهي سب بلغتهم فلما علم الله ذلك منهم منع من إطلاق ذلك اللفظ لأنه ذريعة للسب وقوله تعالى : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم فمنع من سب آلهتهم مخافة مقابلتهم بمثل ذلك وقوله تعالى : وآسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر الآية فحرم عليهم تبارك وتعالى الصيد في يوم السبت فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعا أي ظاهرة فسدوا عليها يوم السبت وأخذوها يوم الأحد وكان السد ذريعة للأصطياد فمسخهم الله قردة وخنازير وذكر الله لنا ذلك في معنى التحذير عن ذلك وقوله تعالى لآدم وحواء : ولا تقربا هذه الشجرة البقرة وفد تقدم وأما السنة فأحاديث كثيرة ثابتة صحيحة منها حديث عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهن ذكرتا كنيسة رأياها بالحبشة فيها تصاوير فذكرتا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله أخرجه البخاري ومسلم قال علماؤنا : ففعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا احوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عز وجل عند قبورهم فمضت لهم بذلك أزمان ثم أنهم خلف من بعدهم خلوف جهلوا اغراضهم ووسوس لهم الشيطان أن آباءكم واجدادكم كانوا يعبدون هذه الصورة فعبدوها فحذر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك وشدد النكير والوعيد على من فعل ذلك وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال : ( اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ( وقال : ( اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ( وروى مسلم عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ( الحديث فمنع من الإقدام على الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات وذلك سدا للذريعة وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يبلغ العبد ان يكون من المتقين حتى يدع ما لا باس به حذرا مما به البأس ( وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن من الكبائر شتم الرجل والديه ( قالوا : يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه قال : ( نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه ( فجعل التعرض لسب الأباء كسب الأباء وقال صلى الله عليه وسلم ( إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه منكم حتى ترجعوا إلى دينكم ( وقال أبو عبيد الهروي : العينة هو أن يبيع الرجل من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به قال : فإن اشترى بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم وقبضها ثم باعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراه إلى أجل مسمى ثم باعها المشتري من البائع الأول بالنقد بأقل من الثمن فهذه أيضا عينة وهي أهون من الأولى وهو جائز عند بعضهم وسميت عينة لحصول النقد لصاحب العينة وذلك لأن العين هو المال الحاضر والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضر يصل إليه من فوره وروى بن وهب عن مالك أن أم ولد لزيد بن الأرقم ذكرت لعائشة رضي الله عنها أنها باعت من زيد عبدا بثمانمائة إلى العطاء ثم ابتاعته منه بستمائة نقدا فقالت عائشة : بئس ما شريت وبئس ما اشتريت أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب ومثل هذا لا يقال بالرأي لأن إبطال الأعمال لا يتوصل إلى معرفتها إلا بالوحي فثبت إنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه دعوا الربا والريبة ونهى بن عباس رضي الله عنهما عن دراهم بدراهم بينهما حريزة قلت : فهذه هي الأدلة التي لنا على سد الذرائع وعليه بني المالكية كتاب الأجال وغيره من المسائل في البيوع وغيرها وليس عند الشافعية كتاب الأجال لأن ذلك عندهم عقود مختلفة مستقلة قالوا : واصل الأشياء على الظواهر لا على الظنون والمالكية جعلوا السلعة محللة ليتوصل بها إلى دراهم باكثر منها وهذا هو الربا بعينه فآعلمه الثالثة قوله تعالى : ( لا تقولوا راعنا ) نهي يقتضي التحريم على ما تقدم وقرأ الحسن راعنا منونة وقال : أي هجرا من القول وهو مصدر ونصبه بالقول اي لا تقولوا رعونة وقرأ زر بن حبيش والأعمش راعونا يقال لما نتأ من الجبل : رعن والجبل أرعن وجيش أرعن أي متفرق وكذا رجل أرعن أي متفرق الحجج وليس عقله مجتمعا عن النحاس وقال بن فارس : رعن الرجل يرعن رعنا فهو أرعن أي أهوج والمرأة رعناء وسميت البصرة رعناء لأنها تشبه برعن الجبل قال بن دريد ذلك وأنشد للفرزدق : لولا بن عتبة عمرو والرجاء له ما كانت البصرة الرعناء لي وطنا الرابعة قوله تعالى : ( وقولوا انظرنا ) أمروا أن يخاطبوه صلى الله عليه وسلم بالإجلال والمعنى : أقبل علينا وانظر إلينا فحذف حرف التعدية كما قال : ظاهرات الجمال والحسن ينظر ن كما ينظر الأراك الظباء أي إلى الأراك وقال مجاهد : المعنى فهمنا وبين لنا وقيل : المعنى انتظرنا وتأن بنا : قال : فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر ينفعني لدى أم جندب والظاهر استدعاء نظر العين المقترن بتدبر الحال وهذا هو معنى راعنا فبدلت اللفظة للمؤمنين وزال تعلق اليهود وقرأ الأعمش وغيره أنظرنا بقطع الألف وكسر الظاء بمعنى أخرنا وأمهلنا حتى نفهم عنك ونتلقى منك قال الشاعر : أبا هند فلا تعجل علينا وأنظرنا نخبرك اليقينا الخامسة قوله تعالى : ( واسمعوا ) لما نهى وأمر جل وعز حض على السمع الذي في ضمنه الطاعة وأعلم أن لمن خالف امره فكفر عذابا أليما < <
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا ) ذكر شيئا آخر من جهالات اليهود والمقصود نهى المسلمين عن مثل ذلك وحقيقة راعنا في اللغة أرعنا ولنرعك لأن المفاعلة من اثنين فتكون من رعاك الله أي احفظنا ولنحفظك وارقبنا ولنرقبك ويجوز أن يكون من أرعنا سمعك أي فرغ سمعك لكلامنا وفي المخاطبة بهذا جفاء فأمر المؤمنين أن يتخيروا من الألفاظ أحسنها ومن المعاني أرقها قال بن عباس : كان المسلمون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : راعنا على جهة الطلب والرغبة من المراعاة أي التفت إلينا وكان هذا بلسان اليهود سبأ أي اسمع لا سمعت فأغتنموها وقالوا : كنا نسبه سرا فالان نسبه جهرا فكانوا يخاطبون بها النبي صلى الله عليه وسلم ويضحكون فيما بينهم فسمعها سعد بن معاذ وكان يعرف لغتهم فقال لليهود : عليكم لعنة الله لئن سمعتها من رجل منكم يقولها للنبي صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه فقالوا : أولستم تقولونها فنزلت الآية ونهوا عنها لئلا تقتدى بها اليهود في اللفظ وتقصد المعنى الفاسد فيه الثانية في هذه الآية دليلان : أحدهما على تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها التعريض للتنقيص والغض ويخرج من هذا فهم القذف بالتعريض وذلك يوجب الحد عندنا خلافا لأبي حنيفة والشافعي وأصحابهما حين قالوا : التعريض محتمل للقذف وغيره والحد مما يسقط بالشبهة وسيأتي في النور بيان هذا إن شاء الله تعالى الدليل الثاني : التمسك بسد الذرائع وحمايتها وهو مذهب مالك وأصحابه وأحمد بن حنبل في رواية عنه وقد دل على هذا الأصل الكتاب والسنة والذريعة عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه يخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع أما الكتاب فهذه الآية ووجه التمسك بها أن اليهود كانوا يقولون ذلك وهي سب بلغتهم فلما علم الله ذلك منهم منع من إطلاق ذلك اللفظ لأنه ذريعة للسب وقوله تعالى : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم فمنع من سب آلهتهم مخافة مقابلتهم بمثل ذلك وقوله تعالى : وآسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر الآية فحرم عليهم تبارك وتعالى الصيد في يوم السبت فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعا أي ظاهرة فسدوا عليها يوم السبت وأخذوها يوم الأحد وكان السد ذريعة للأصطياد فمسخهم الله قردة وخنازير وذكر الله لنا ذلك في معنى التحذير عن ذلك وقوله تعالى لآدم وحواء : ولا تقربا هذه الشجرة البقرة وفد تقدم وأما السنة فأحاديث كثيرة ثابتة صحيحة منها حديث عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهن ذكرتا كنيسة رأياها بالحبشة فيها تصاوير فذكرتا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله أخرجه البخاري ومسلم قال علماؤنا : ففعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا احوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عز وجل عند قبورهم فمضت لهم بذلك أزمان ثم أنهم خلف من بعدهم خلوف جهلوا اغراضهم ووسوس لهم الشيطان أن آباءكم واجدادكم كانوا يعبدون هذه الصورة فعبدوها فحذر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك وشدد النكير والوعيد على من فعل ذلك وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال : ( اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ( وقال : ( اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ( وروى مسلم عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ( الحديث فمنع من الإقدام على الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات وذلك سدا للذريعة وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يبلغ العبد ان يكون من المتقين حتى يدع ما لا باس به حذرا مما به البأس ( وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن من الكبائر شتم الرجل والديه ( قالوا : يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه قال : ( نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه ( فجعل التعرض لسب الأباء كسب الأباء وقال صلى الله عليه وسلم ( إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه منكم حتى ترجعوا إلى دينكم ( وقال أبو عبيد الهروي : العينة هو أن يبيع الرجل من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به قال : فإن اشترى بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم وقبضها ثم باعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراه إلى أجل مسمى ثم باعها المشتري من البائع الأول بالنقد بأقل من الثمن فهذه أيضا عينة وهي أهون من الأولى وهو جائز عند بعضهم وسميت عينة لحصول النقد لصاحب العينة وذلك لأن العين هو المال الحاضر والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضر يصل إليه من فوره وروى بن وهب عن مالك أن أم ولد لزيد بن الأرقم ذكرت لعائشة رضي الله عنها أنها باعت من زيد عبدا بثمانمائة إلى العطاء ثم ابتاعته منه بستمائة نقدا فقالت عائشة : بئس ما شريت وبئس ما اشتريت أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب ومثل هذا لا يقال بالرأي لأن إبطال الأعمال لا يتوصل إلى معرفتها إلا بالوحي فثبت إنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه دعوا الربا والريبة ونهى بن عباس رضي الله عنهما عن دراهم بدراهم بينهما حريزة قلت : فهذه هي الأدلة التي لنا على سد الذرائع وعليه بني المالكية كتاب الأجال وغيره من المسائل في البيوع وغيرها وليس عند الشافعية كتاب الأجال لأن ذلك عندهم عقود مختلفة مستقلة قالوا : واصل الأشياء على الظواهر لا على الظنون والمالكية جعلوا السلعة محللة ليتوصل بها إلى دراهم باكثر منها وهذا هو الربا بعينه فآعلمه الثالثة قوله تعالى : ( لا تقولوا راعنا ) نهي يقتضي التحريم على ما تقدم وقرأ الحسن راعنا منونة وقال : أي هجرا من القول وهو مصدر ونصبه بالقول اي لا تقولوا رعونة وقرأ زر بن حبيش والأعمش راعونا يقال لما نتأ من الجبل : رعن والجبل أرعن وجيش أرعن أي متفرق وكذا رجل أرعن أي متفرق الحجج وليس عقله مجتمعا عن النحاس وقال بن فارس : رعن الرجل يرعن رعنا فهو أرعن أي أهوج والمرأة رعناء وسميت البصرة رعناء لأنها تشبه برعن الجبل قال بن دريد ذلك وأنشد للفرزدق : لولا بن عتبة عمرو والرجاء له ما كانت البصرة الرعناء لي وطنا الرابعة قوله تعالى : ( وقولوا انظرنا ) أمروا أن يخاطبوه صلى الله عليه وسلم بالإجلال والمعنى : أقبل علينا وانظر إلينا فحذف حرف التعدية كما قال : ظاهرات الجمال والحسن ينظر ن كما ينظر الأراك الظباء أي إلى الأراك وقال مجاهد : المعنى فهمنا وبين لنا وقيل : المعنى انتظرنا وتأن بنا : قال : فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر ينفعني لدى أم جندب والظاهر استدعاء نظر العين المقترن بتدبر الحال وهذا هو معنى راعنا فبدلت اللفظة للمؤمنين وزال تعلق اليهود وقرأ الأعمش وغيره أنظرنا بقطع الألف وكسر الظاء بمعنى أخرنا وأمهلنا حتى نفهم عنك ونتلقى منك قال الشاعر : أبا هند فلا تعجل علينا وأنظرنا نخبرك اليقينا الخامسة قوله تعالى : ( واسمعوا ) لما نهى وأمر جل وعز حض على السمع الذي في ضمنه الطاعة وأعلم أن لمن خالف امره فكفر عذابا أليما < <
Dio V02/P060Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P060)
Orijinal Metin (AR)البقرة : ( 105 ) ما يود الذين . . . . . > > < > ( البقره 105 ) < > قوله تعالى : ( ما يود ) أي ما يتمنى وقد تقدم ( الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ) معطوف على أهل ويجوز : ولا المشركون تعطفه على الذين قاله النحاس ( أن ينزل عليكم من خير ) من زائدة خير أسم ما لم يسم فاعله وأن في موضع نصب اي بأن ينزل ( والله يختص برحمته من يشاء ) قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : يختص برحمته أي بنبوته خص بها محمدا صلى الله عليه وسلم وقال قوم : الرحمة القرآن وقيل : الرحمة في هذه الآية عامة لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديما وحديثا يقال : رحم يرحم إذا رق والرحم والمرحمة والرحمة بمعنى قاله بن فارس ورحمة الله لعباده : إنعامه عليهم وعفوه لهم ( والله ذو الفضل العظيم ) ذو بمعنى صاحب < < البقرة : ( 106 ) ما ننسخ من . . . . . > > < > ( البقره 106 ) <
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)البقرة : ( 105 ) ما يود الذين . . . . . > > < > ( البقره 105 ) < > قوله تعالى : ( ما يود ) أي ما يتمنى وقد تقدم ( الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ) معطوف على أهل ويجوز : ولا المشركون تعطفه على الذين قاله النحاس ( أن ينزل عليكم من خير ) من زائدة خير أسم ما لم يسم فاعله وأن في موضع نصب اي بأن ينزل ( والله يختص برحمته من يشاء ) قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : يختص برحمته أي بنبوته خص بها محمدا صلى الله عليه وسلم وقال قوم : الرحمة القرآن وقيل : الرحمة في هذه الآية عامة لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديما وحديثا يقال : رحم يرحم إذا رق والرحم والمرحمة والرحمة بمعنى قاله بن فارس ورحمة الله لعباده : إنعامه عليهم وعفوه لهم ( والله ذو الفضل العظيم ) ذو بمعنى صاحب < < البقرة : ( 106 ) ما ننسخ من . . . . . > > < > ( البقره 106 ) <
Dio V02/P060–V02/P068Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P060–V02/P068)
Orijinal Metin (AR)> فيه خمس عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( ما ننسخ من آية أو ننسها ) ننسها عطف على ننسخ وحذفت الياء للجزم ومن قرأ ننساها حذف الضمة من الهمزة للجزم وسيأتي معناه ( نأت ) جواب الشرط وهذه آية عظمى في الأحكام وسببها أن اليهود لما حسدوا المسلمين في التوجه إلى الكعبة وطعنوا في الأسلام بذلك وقالوا : إن محمدا يأمر أصحابه بشيء ثم ينهاهم عنه فما كان هذا القرآن إلا من جهته ولهذا يناقض بعضه بعضا فأنزل الله : وإذا بدلنا آية مكان آية وأنزل ما ننسخ من آية الثانية معرفة هذا الباب أكيدة وفائدته عظيمة لا يستغنى عن معرفته العلماء ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام ومعرفة الحلال من الحرام روى أبو البختري قال : دخل علي رضي الله عنه المسجد فإذا رجل يخوف الناس فقال : ما هذا قالوا : رجل يذكر الناس فقال : ليس برجل يذكر الناس لكنه يقول أنا فلان بن فلان فاعرفوني فأرسل إليه فقال : أتعرف الناسخ من المنسوخ فقال : لا قال : فأخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه وفي رواية أخرى : أعلمت الناسخ والمنسوخ قال : لا قال : هلكت وأهلكت ومثله عن بن عباس رضي الله عنهما النسخ في كلام العرب على وجهين : أحدهما النقل كنقل كتاب من آخر وعلى هذا يكون القرآن كله منسوخا أعني من اللوح المحفوظ وإنزاله إلى بيت العزة في السماء الدنيا وهذا لا مدخل له في هذه الآية ومنه قوله تعالى : إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون أي نأمر بنسخه وإثباته الثاني : الإبطال والإزالة وهو المقصود هنا وهو منقسم في اللغة على ضربين : أحدهما : إبطال الشيء وزواله وإقامة آخر مقامه ومنه نسحت الشمس الظل إذا أذهبته وحلت محله وهو معنى قوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها وفي صحيح مسلم : ( لم تكن نبوة قط إلا تناسخت ( أي تحولت من حال إلى حال يعني أمر الأمة قال بن فارس النسخ نسخ الكتاب والنسخ أن تزيل أمرا كان من قبل يعمل به ثم تنسخه بحادث غيره كالآية تنزل بأمر ثم ينسخ بأخرى وكل شيء خلف شيئا فقد انتسخه يقال انتسخت الشمس الظل والشيب الشباب وتناسخ الورثة أن تموت ورثه بعد ورثة وأصل الميراث قائم لم يقسم وكذلك تناسخ الأزمنة والقرون الثاني إزالة الشيء دون أن يقوم آخر مقامه كقولهم : نسخت الريح الأثر ومن هذا المعنى قوله تعالى : فينسخ الله ما يلقى الشيطان أي يزيله فلا يتلى ولا يثبت في المصحف بدله وزعم أبو عبيد أن هذا النسخ الثاني قد كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم السورة فترفع فلا تتلى ولا تكتب قلت : ومنه ما روى عن أبي بن كعب وعائشة رضي الله عنهما أن سورة الاحزاب كانت تعدل سورة البقرة في الطول على ما يأتي مبينا هناك إن شاء الله تعالى ومما يدل على هذا ما ذكره أبو بكر الأنباري حدثنا أبي حدثنا نصر بن داود حدثنا أبو عبيد حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن يونس وعقيل عن بن شهاب قال : حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف في مجلس سعيد بن المسيب أن رجلا قام من الليل ليقرأ سورة من القرآن فلم يقدر على شيء منها وقام آخر فلم يقدر على شيء منها وقام آخر فلم يقدر على شيء منها فغدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهم : قمت الليلة يا رسول الله لأقرأ سورة من القرآن فلم أقدر على شيء منها فقام الآخر فقال وأنا والله كذلك يا رسول الله فقام الآخر فقال : وأنا والله كذلك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنها مما نسخ الله البارحة ( وفي إحدى الروايات : وسعيد بن المسيب يسمع ما يحدث به أبو أمامة فلا ينكره الرابعة أنكرت طوائف من المنتمين للإسلام المتأخرين جوازه وهم محجوجون باجماع السلف السابق على وقوعه في الشريعة وأنكرته أيضا طوائف من اليهود وهم محجوجون بما جاء في توراتهم بزعمهم أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام عند خروجه من السفينة : إني قد جعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه ثم قد حرم على موسى وعلى بني إسرائيل كثيرا من الحيوان وبما كان آدم عليه السلام يزوج الأخ من الأخت وقد حرم الله ذلك على موسى عليه السلام وعلى غيره وبأن إبراهيم الخليل أم بذبح ابنه ثم قال له : لا تذبحه وبأن موسى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل ثم أمرهم برفع السيف عنهم وبان نبوته غير متعبد بها قبل بعثه ثم تعبد بها بعد ذلك إلى غير ذلك وليس هذا من باب البداء بل هو نقل العباد من عبادة إلى عبادة وحكم إلى حكم لضرب من المصلحة إظهارا لحكمته وكمال مملكته ولا خلاف بين العقلاء أن شرائع الأنبياء قصد بها مصالح الخلق الدينية والدنيوية وإنما كان يلزم البداء لو لم يكن عالما بمآل الأمور وأما العالم بذلك فانما تتبدل خطاباته بحسب تبدل المصالح كالطبيب المراعي أحوال العليل فراعي ذلك في خليقته بمشيئته وارادته لا إله إلا هو فخطابه يتبدل وعلمه وارادته لا تتغير فإن ذلك محال في جهة الله تعالى وجعلت اليهود النسخ والبداء شيئا واحدا ولذلك لم يجوزوه فضلوا قال النحاس : والفرق بين النسخ والبداء أن النسخ تحويل العبادة من شيء إلى شيء قد كان حلالا فيحرم أو كان حراما فيحلل وأما البداء فهو ترك ما عزم عليه كقولك : أمض إلى فلان اليوم ثم تقول لا تمض إليه فيبدو لك العدول عن القول الأول وهذا يلحق البشر لنقصانهم وكذلك إن قلت : إزرع كذا في هذه السنة ثم قلت : لا تفعل فهو البداء الخامس أعلم أن الناسخ على الحقيقة هو الله تعالى ويسمى الخطاب الشرعي ناسخا تجوزا إذ به يقع النسخ كما قد يتجوز فيسمى المحكوم فيه ناسخا فيقال : صوم رمضان ناسخ لصوم عاشوراء فالمنسوخ هو المزال والمنسوخ عنه هو المتعبد بالعبادة المزالة وهو المكلف السادسة إختلفت عبارات أئمتنا في حد الناسخ فالذي عليه الحذاق من أهل السنة أنه إزالة ما قد استقر من الحكم الشرعي بخطاب وارد متراخيا هكذا حده القاضي عبد الوهاب والقاضي أبو بكر وزادا : لولاه لكان السابق ثابتا فحافظا على معنى النسخ اللغوي إذ هو بمعنى الرفع والإزالة وتحرزا من الحكم العقلي وذكر الخطاب ليعم وجوه الدلالة من النص والظاهر والمفهوم وغيره وليخرج القياس والاجماع إذ لا يتصور النسخ فيهما ولا بهما وقيدا بالتراخي لانه لو اتصل به لكان بيانا لغاية الحكم لا ناسخا أو يكون آخر الكلام يرفع اوله كقولك : قم لا تقم السابعة المنسوخ عند أئمتنا أهل السنة هو الحكم الثابت نفسه لا مثله كما تقوله المعتزلة بأنه الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت فيما يستقبل بالنص المتقدم زائل والذي قادهم إلى ذلك مذهبهم في أن الأوامر مرادة وأن الحسن صفة نفسية للحسن ومراد الله حسن وهذا قد أبطله علماؤنا في كتبهم الثامنة أختلف علماؤنا في الأخبار هل يدخلها النسخ فالجمهور على أن النسخ إنما هو مختص بالأوامر والنواهي والخبر لا يدخله النسخ لإستحالة الكذب على الله تعالى وقيل : إن الخبر إذا تضمن حكما شرعيا جاز نسخه كقوله تعالى : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا وهناك يأتي القول فيه إن شاء الله تعالى التاسعة التخصيص من العموم يوهم إنه نسخ وليس به لأن المخصص لم يتناوله العموم قط ولو ثبت تناول العموم لشيء ما ثم أخرج ذلك الشيء عن العموم لكان نسخا لا تخصيصا والمتقدمون يطلقون على التخصيص نسخا توسعا ومجازا العاشرة أعلم أنه قد يرد في الشرع أخبار ظاهرها الأطلاق والأستغراق ويرد تقييدها في موضع آخر فيرتفع ذلك الأطلاق كقوله تعالى : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فهذا الحكم ظاهره خبر عن إجابة كل داع على كل حال لكن قد جاء ما قيده في موضع آخر كقوله فيكشف ما تدعون إليه إن شاء فقد يظن من لا بصيرة عنده إن هذا من باب النسخ في الأخبار وليس كذلك بل هو من باب الأطلاق والتقييد وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان في موضعها إن شاء الله تعالى الحادية عشرة قال علماؤنا رحمهم الله تعالى : جائز نسخ الأثقل إلى الأخف كنسخ الثبوت لعشرة بالثبوت لاثنين ويجوز نسخ الأخف إلى الأثقل كنسخ يوم عاشوراء والأيام المعدودة برمضان على ما يأتي بيانه في آية الصيام وينسخ المثل بمثله ثقلا وخفة كالقبلة وينسخ الشيء لا إلى بدل كصدقة النجوى وينسخ القرآن بالقرآن والسنة بالعبارة وهذه العبارة يراد بها الخبر المتواتر القطعي وينسخ خبر الواحد بخبر الواحد وحذاق الائمة على أن القرآن ينسخ بالسنة وذلك موجود في قوله عليه السلام : ( لا وصية لوارث ( وهو ظاهر مسائل مالك وأبى ذلك الشافعي وأبو الفرج المالكي والأول اصح بدليل أن الكل حكم الله تعالى ومن عنده وإن اختلفت في الأسماء وايضا فان الجلد ساقط في حد الزنى عن الثيب الذي يرجم ولا مسقط لذلك إلا السنة فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا بين والحذاق أيضا على أن السنة تنسخ بالقرآن وذلك موجود في القبلة فان الصلاة إلى الشام لم تكن في كتاب الله تعالى وفي قوله الله تعالى : فلا ترجعوهن إلى الكفار الممتحنة فإن رجوعهن إنما كان بصلح النبي صلى الله عليه وسلم لقريش والحذاق على تجويز نسخ القرآن بخبر الواحد عقلا واختلفوا هل وقع شرعا فذهب أبو المعالي وغيره إلى وقوعه في نازلة مسجد قباء على ما يأتي بيانه وأبى ذلك قوم ولا يصح نسخ نص بقياس إذ من شروط القياس إلا يخالف نصا وهذا كله في مدة النبي صلى الله عليه وسلم وأما بعد موته واستقرار الشريعة فأجمعت الأمة أنه لا نسخ ولهذا كان الاجماع لا ينسخ ولا ينسخ به إذ انعقاده بعد انقطاع الوحي فاذا وجدنا اجماعا يخالف نصا فيعلم أن الاجماع استند إلى نص ناسخ لا نعلمه نحن وأن ذلك النص المخالف متروك العمل به وأن مقتضاه نسخ وبقى سنة يقرأ ويروى كما آية عدة السنة في القرآن تتلى فتأمل هذا فانه نفيس ويكون من باب نسخ الحكم دون التلاوة ومثله صدقة النجوى وقد تنسخ التلاوة دون الحكم كآية الرجم وقد تنسخ التلاوة والحكم معا ومنه قول الصديق رضي الله عنه : كنا نقرأ لا ترغبوا عن أبائكم فانه كفر ومثله كثير والذي عليه الحذاق أن من لم يبلغه الناسخ فهو متعبد بالحكم الأول كما يأتي بيانه في تحويل القبلة والحذاق على جواز نسخ الحكم قبل فعله وهو موجود في قصة الذبيح وفي فرض خمسين صلاة قبل فعلها بخمس على ما يأتي بيانه في الإسراء والصافات إن شاء الله تعالى الثانية عشرة لمعرفة الناسخ طرق منها أن يكون في اللفظ ما يدل عليه كقوله عليه السلام : ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم فإشربوا في كل وعاء غير ألا تشربوا مسكرا ( ونحوه ومنها أن يذكر الراوي التاريخ مثل أن يقول : سمعت عام الخندق وكان المنسوخ معلوما قبله أو يقول نسخ حكم كذا بكذا ومنها إن تجمع الأمة على حكم إنه منسوخ وأن ناسخه متقدم وهذا الباب مبسوط في أصول الفقه نبهنا منه على ما فيه لمن اقتصر كفاية والله الموفق للهداية الثالثة عشرة قرأ الجمهور ما ننسخ بفتح النون من نسخ وهو الظاهر المستعمل على معنى : ما نرفع من حكم آية ونبقي تلاوتها كما تقدم ويحتمل أن يكون المعنى : ما نرفع من حكم آية وتلاوتها على ما ذكرناه وقرأ بن عامر ننسخ بضم النون من انسخت الكتاب على معنى وجدته منسوخا قال أبو حاتم : هو غلط وقال الفارسي أبو علي : ليست لغة لأنه لا يقال : نسخ وانسخ بمعنى إلا أن يكون المعنى ما نجده منسوخا كما تقول : أحمدت الرجل وأبخلته بمعنى وجدته محمودا وبخيلا قال أبو علي : وليس نجده منسوخا إلا بأن ننسخه فتتفق القراءتان في المعنى وان إختلفتا في اللفظ وقيل : ما ننسخ ما نجعل لك نسخه يقال : نسخت الكتاب إذا كتبته وإنتسخته غيري إذا جعلت نسخه له قال مكي : ولا يجوز أن تكون الهمزة للتعدي لأن المعنى يتغير ويصير المعنى ما ننسخك من آية يا محمد وانساخه إياها إنزالها عليه فيصير المعنى ما ننزل عليك من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها فيؤول المعنى إلى أن كل آية أنزلت أتى بخير منها فيصير القرآن كله منسوخا وهذا لا يمكن لانه لم ينسخ إلا اليسير من القرآن فلما إمتنع أن يكون أفعل وفعل بمعنى إذ لم يسمع وامتنع أن تكون الهمزة للتعدي لفساد المعنى لم يبق ممكن إلا أن يكون من باب أحمدته وأبخلته إذا وجدته محمودا أو بخيلا الربعة عشرة قوله تعالى : ( أو ننسها ) قرأ أبو عمرو وبن كثير بفتح النون والسين والهمز وبه قرأ عمر وبن عباس وعطاء ومجاهد وأبي بن كعب وعبيد بن عمير والنخعي وبن محيصن من التاخير أي نؤخر نسخ لفظها أي نتركه في آخر أم الكتاب فلا يكون وهذا قول عطاء وقال غير عطاء : معنى أو ننسأها : نؤخرها عن النسخ إلى وقت معلوم من قولهم نسأت هذا الأمر إذا آخرته ومن ذلك قولهم : بعته نسأ اذا اخرته قال بن فارس : ويقولون : نسأ الله في أجلك وأنسأ الله أجلك وقد إنتسأ القوم إذا تأخروا وتباعدوا ونسأتهم أنا اخرتهم فالمعنى نؤخر نزولها أو نسخها على ما ذكرنا وقيل : نذهبها عنكم حتى لا تقرأ ولا تذكر وقرأ الباقون ننسها بضم النون من النسيان الذي بمعنى الترك أي نتركها فلا نبدلها ولا ننسخها قاله بن عباس والسدي ومنه قوله تعالى : ( نسوا الله فنسيهم ) أي تركوا عبادته فتركهم في العذاب واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم قال أبو عبيد : سمعت أبا نعيم القارئ يقول : قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم في المنام بقراءة أبي عمرو فلم يغير علي إلا حرفين قال : قرأت عليه أرنا فقال : أرنا فقال أبو عبيد : واحسب الحرف الآخر أو ننساها فقال : أو ننسها وحكى الأزهري ننسها نامر بتركها يقال : أنسيته الشيء أي أمرت بتركه ونسيته تركته قال الشاعر : إن علي عقبة اقضيها لست بناسيها ولا منسيها اي ولا أمر بتركها وقال الزجاج : إن القراءة بضم النون لا يتوجه فيها معنى الترك لا يقال : أنسى بمعنى ترك وما روى علي بن أبي طلحة عن بن عباس أو ننسها قال : نتركها لا نبدلها فلا يصح ولعل بن عباس قال : نتركها فلم يضبط والذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر أن معنى أو ننسها نبح لكم تركها من نسى إذا ترك ثم تعديه وقال أبو علي وغيره : ذلك متجه لانه بمعنى نجعلك تتركها وقيل : من النسيان على بابه الذي هو عدم الذكر على معنى أو ننسكها يا محمد فلا تذكرها نقل بالهمز فتعدى الفعل إلى مفعولين : وهما النبي والهاء لكن أسم النبي محذوف الخامسة عشرة قوله تعالى : ( نأت بخير منها ) لفظة بخير هنا صفة تفضيل والمعنى بانفع لكم أيها الناس في عاجل إن كانت الناسخة أخف وفي آجل إن كانت أثقل وبمثلها إن كانت مستوية وقال مالك : محكمة مكان منسوخة وقيل : ليس المراد بأخير التفضيل لإن كلام الله لا يتفاضل وإنما هو مثل قوله : من جاء بالحسنة فله خير منها أي فله منها خير أي نفع وأجر لا الخير الذي هو بمعنى الأفضل ويدل على القول الاول قوله : أو مثلها < <
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> فيه خمس عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( ما ننسخ من آية أو ننسها ) ننسها عطف على ننسخ وحذفت الياء للجزم ومن قرأ ننساها حذف الضمة من الهمزة للجزم وسيأتي معناه ( نأت ) جواب الشرط وهذه آية عظمى في الأحكام وسببها أن اليهود لما حسدوا المسلمين في التوجه إلى الكعبة وطعنوا في الأسلام بذلك وقالوا : إن محمدا يأمر أصحابه بشيء ثم ينهاهم عنه فما كان هذا القرآن إلا من جهته ولهذا يناقض بعضه بعضا فأنزل الله : وإذا بدلنا آية مكان آية وأنزل ما ننسخ من آية الثانية معرفة هذا الباب أكيدة وفائدته عظيمة لا يستغنى عن معرفته العلماء ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام ومعرفة الحلال من الحرام روى أبو البختري قال : دخل علي رضي الله عنه المسجد فإذا رجل يخوف الناس فقال : ما هذا قالوا : رجل يذكر الناس فقال : ليس برجل يذكر الناس لكنه يقول أنا فلان بن فلان فاعرفوني فأرسل إليه فقال : أتعرف الناسخ من المنسوخ فقال : لا قال : فأخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه وفي رواية أخرى : أعلمت الناسخ والمنسوخ قال : لا قال : هلكت وأهلكت ومثله عن بن عباس رضي الله عنهما النسخ في كلام العرب على وجهين : أحدهما النقل كنقل كتاب من آخر وعلى هذا يكون القرآن كله منسوخا أعني من اللوح المحفوظ وإنزاله إلى بيت العزة في السماء الدنيا وهذا لا مدخل له في هذه الآية ومنه قوله تعالى : إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون أي نأمر بنسخه وإثباته الثاني : الإبطال والإزالة وهو المقصود هنا وهو منقسم في اللغة على ضربين : أحدهما : إبطال الشيء وزواله وإقامة آخر مقامه ومنه نسحت الشمس الظل إذا أذهبته وحلت محله وهو معنى قوله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها وفي صحيح مسلم : ( لم تكن نبوة قط إلا تناسخت ( أي تحولت من حال إلى حال يعني أمر الأمة قال بن فارس النسخ نسخ الكتاب والنسخ أن تزيل أمرا كان من قبل يعمل به ثم تنسخه بحادث غيره كالآية تنزل بأمر ثم ينسخ بأخرى وكل شيء خلف شيئا فقد انتسخه يقال انتسخت الشمس الظل والشيب الشباب وتناسخ الورثة أن تموت ورثه بعد ورثة وأصل الميراث قائم لم يقسم وكذلك تناسخ الأزمنة والقرون الثاني إزالة الشيء دون أن يقوم آخر مقامه كقولهم : نسخت الريح الأثر ومن هذا المعنى قوله تعالى : فينسخ الله ما يلقى الشيطان أي يزيله فلا يتلى ولا يثبت في المصحف بدله وزعم أبو عبيد أن هذا النسخ الثاني قد كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم السورة فترفع فلا تتلى ولا تكتب قلت : ومنه ما روى عن أبي بن كعب وعائشة رضي الله عنهما أن سورة الاحزاب كانت تعدل سورة البقرة في الطول على ما يأتي مبينا هناك إن شاء الله تعالى ومما يدل على هذا ما ذكره أبو بكر الأنباري حدثنا أبي حدثنا نصر بن داود حدثنا أبو عبيد حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن يونس وعقيل عن بن شهاب قال : حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف في مجلس سعيد بن المسيب أن رجلا قام من الليل ليقرأ سورة من القرآن فلم يقدر على شيء منها وقام آخر فلم يقدر على شيء منها وقام آخر فلم يقدر على شيء منها فغدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهم : قمت الليلة يا رسول الله لأقرأ سورة من القرآن فلم أقدر على شيء منها فقام الآخر فقال وأنا والله كذلك يا رسول الله فقام الآخر فقال : وأنا والله كذلك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنها مما نسخ الله البارحة ( وفي إحدى الروايات : وسعيد بن المسيب يسمع ما يحدث به أبو أمامة فلا ينكره الرابعة أنكرت طوائف من المنتمين للإسلام المتأخرين جوازه وهم محجوجون باجماع السلف السابق على وقوعه في الشريعة وأنكرته أيضا طوائف من اليهود وهم محجوجون بما جاء في توراتهم بزعمهم أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام عند خروجه من السفينة : إني قد جعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه ثم قد حرم على موسى وعلى بني إسرائيل كثيرا من الحيوان وبما كان آدم عليه السلام يزوج الأخ من الأخت وقد حرم الله ذلك على موسى عليه السلام وعلى غيره وبأن إبراهيم الخليل أم بذبح ابنه ثم قال له : لا تذبحه وبأن موسى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل ثم أمرهم برفع السيف عنهم وبان نبوته غير متعبد بها قبل بعثه ثم تعبد بها بعد ذلك إلى غير ذلك وليس هذا من باب البداء بل هو نقل العباد من عبادة إلى عبادة وحكم إلى حكم لضرب من المصلحة إظهارا لحكمته وكمال مملكته ولا خلاف بين العقلاء أن شرائع الأنبياء قصد بها مصالح الخلق الدينية والدنيوية وإنما كان يلزم البداء لو لم يكن عالما بمآل الأمور وأما العالم بذلك فانما تتبدل خطاباته بحسب تبدل المصالح كالطبيب المراعي أحوال العليل فراعي ذلك في خليقته بمشيئته وارادته لا إله إلا هو فخطابه يتبدل وعلمه وارادته لا تتغير فإن ذلك محال في جهة الله تعالى وجعلت اليهود النسخ والبداء شيئا واحدا ولذلك لم يجوزوه فضلوا قال النحاس : والفرق بين النسخ والبداء أن النسخ تحويل العبادة من شيء إلى شيء قد كان حلالا فيحرم أو كان حراما فيحلل وأما البداء فهو ترك ما عزم عليه كقولك : أمض إلى فلان اليوم ثم تقول لا تمض إليه فيبدو لك العدول عن القول الأول وهذا يلحق البشر لنقصانهم وكذلك إن قلت : إزرع كذا في هذه السنة ثم قلت : لا تفعل فهو البداء الخامس أعلم أن الناسخ على الحقيقة هو الله تعالى ويسمى الخطاب الشرعي ناسخا تجوزا إذ به يقع النسخ كما قد يتجوز فيسمى المحكوم فيه ناسخا فيقال : صوم رمضان ناسخ لصوم عاشوراء فالمنسوخ هو المزال والمنسوخ عنه هو المتعبد بالعبادة المزالة وهو المكلف السادسة إختلفت عبارات أئمتنا في حد الناسخ فالذي عليه الحذاق من أهل السنة أنه إزالة ما قد استقر من الحكم الشرعي بخطاب وارد متراخيا هكذا حده القاضي عبد الوهاب والقاضي أبو بكر وزادا : لولاه لكان السابق ثابتا فحافظا على معنى النسخ اللغوي إذ هو بمعنى الرفع والإزالة وتحرزا من الحكم العقلي وذكر الخطاب ليعم وجوه الدلالة من النص والظاهر والمفهوم وغيره وليخرج القياس والاجماع إذ لا يتصور النسخ فيهما ولا بهما وقيدا بالتراخي لانه لو اتصل به لكان بيانا لغاية الحكم لا ناسخا أو يكون آخر الكلام يرفع اوله كقولك : قم لا تقم السابعة المنسوخ عند أئمتنا أهل السنة هو الحكم الثابت نفسه لا مثله كما تقوله المعتزلة بأنه الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت فيما يستقبل بالنص المتقدم زائل والذي قادهم إلى ذلك مذهبهم في أن الأوامر مرادة وأن الحسن صفة نفسية للحسن ومراد الله حسن وهذا قد أبطله علماؤنا في كتبهم الثامنة أختلف علماؤنا في الأخبار هل يدخلها النسخ فالجمهور على أن النسخ إنما هو مختص بالأوامر والنواهي والخبر لا يدخله النسخ لإستحالة الكذب على الله تعالى وقيل : إن الخبر إذا تضمن حكما شرعيا جاز نسخه كقوله تعالى : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا وهناك يأتي القول فيه إن شاء الله تعالى التاسعة التخصيص من العموم يوهم إنه نسخ وليس به لأن المخصص لم يتناوله العموم قط ولو ثبت تناول العموم لشيء ما ثم أخرج ذلك الشيء عن العموم لكان نسخا لا تخصيصا والمتقدمون يطلقون على التخصيص نسخا توسعا ومجازا العاشرة أعلم أنه قد يرد في الشرع أخبار ظاهرها الأطلاق والأستغراق ويرد تقييدها في موضع آخر فيرتفع ذلك الأطلاق كقوله تعالى : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فهذا الحكم ظاهره خبر عن إجابة كل داع على كل حال لكن قد جاء ما قيده في موضع آخر كقوله فيكشف ما تدعون إليه إن شاء فقد يظن من لا بصيرة عنده إن هذا من باب النسخ في الأخبار وليس كذلك بل هو من باب الأطلاق والتقييد وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان في موضعها إن شاء الله تعالى الحادية عشرة قال علماؤنا رحمهم الله تعالى : جائز نسخ الأثقل إلى الأخف كنسخ الثبوت لعشرة بالثبوت لاثنين ويجوز نسخ الأخف إلى الأثقل كنسخ يوم عاشوراء والأيام المعدودة برمضان على ما يأتي بيانه في آية الصيام وينسخ المثل بمثله ثقلا وخفة كالقبلة وينسخ الشيء لا إلى بدل كصدقة النجوى وينسخ القرآن بالقرآن والسنة بالعبارة وهذه العبارة يراد بها الخبر المتواتر القطعي وينسخ خبر الواحد بخبر الواحد وحذاق الائمة على أن القرآن ينسخ بالسنة وذلك موجود في قوله عليه السلام : ( لا وصية لوارث ( وهو ظاهر مسائل مالك وأبى ذلك الشافعي وأبو الفرج المالكي والأول اصح بدليل أن الكل حكم الله تعالى ومن عنده وإن اختلفت في الأسماء وايضا فان الجلد ساقط في حد الزنى عن الثيب الذي يرجم ولا مسقط لذلك إلا السنة فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا بين والحذاق أيضا على أن السنة تنسخ بالقرآن وذلك موجود في القبلة فان الصلاة إلى الشام لم تكن في كتاب الله تعالى وفي قوله الله تعالى : فلا ترجعوهن إلى الكفار الممتحنة فإن رجوعهن إنما كان بصلح النبي صلى الله عليه وسلم لقريش والحذاق على تجويز نسخ القرآن بخبر الواحد عقلا واختلفوا هل وقع شرعا فذهب أبو المعالي وغيره إلى وقوعه في نازلة مسجد قباء على ما يأتي بيانه وأبى ذلك قوم ولا يصح نسخ نص بقياس إذ من شروط القياس إلا يخالف نصا وهذا كله في مدة النبي صلى الله عليه وسلم وأما بعد موته واستقرار الشريعة فأجمعت الأمة أنه لا نسخ ولهذا كان الاجماع لا ينسخ ولا ينسخ به إذ انعقاده بعد انقطاع الوحي فاذا وجدنا اجماعا يخالف نصا فيعلم أن الاجماع استند إلى نص ناسخ لا نعلمه نحن وأن ذلك النص المخالف متروك العمل به وأن مقتضاه نسخ وبقى سنة يقرأ ويروى كما آية عدة السنة في القرآن تتلى فتأمل هذا فانه نفيس ويكون من باب نسخ الحكم دون التلاوة ومثله صدقة النجوى وقد تنسخ التلاوة دون الحكم كآية الرجم وقد تنسخ التلاوة والحكم معا ومنه قول الصديق رضي الله عنه : كنا نقرأ لا ترغبوا عن أبائكم فانه كفر ومثله كثير والذي عليه الحذاق أن من لم يبلغه الناسخ فهو متعبد بالحكم الأول كما يأتي بيانه في تحويل القبلة والحذاق على جواز نسخ الحكم قبل فعله وهو موجود في قصة الذبيح وفي فرض خمسين صلاة قبل فعلها بخمس على ما يأتي بيانه في الإسراء والصافات إن شاء الله تعالى الثانية عشرة لمعرفة الناسخ طرق منها أن يكون في اللفظ ما يدل عليه كقوله عليه السلام : ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم فإشربوا في كل وعاء غير ألا تشربوا مسكرا ( ونحوه ومنها أن يذكر الراوي التاريخ مثل أن يقول : سمعت عام الخندق وكان المنسوخ معلوما قبله أو يقول نسخ حكم كذا بكذا ومنها إن تجمع الأمة على حكم إنه منسوخ وأن ناسخه متقدم وهذا الباب مبسوط في أصول الفقه نبهنا منه على ما فيه لمن اقتصر كفاية والله الموفق للهداية الثالثة عشرة قرأ الجمهور ما ننسخ بفتح النون من نسخ وهو الظاهر المستعمل على معنى : ما نرفع من حكم آية ونبقي تلاوتها كما تقدم ويحتمل أن يكون المعنى : ما نرفع من حكم آية وتلاوتها على ما ذكرناه وقرأ بن عامر ننسخ بضم النون من انسخت الكتاب على معنى وجدته منسوخا قال أبو حاتم : هو غلط وقال الفارسي أبو علي : ليست لغة لأنه لا يقال : نسخ وانسخ بمعنى إلا أن يكون المعنى ما نجده منسوخا كما تقول : أحمدت الرجل وأبخلته بمعنى وجدته محمودا وبخيلا قال أبو علي : وليس نجده منسوخا إلا بأن ننسخه فتتفق القراءتان في المعنى وان إختلفتا في اللفظ وقيل : ما ننسخ ما نجعل لك نسخه يقال : نسخت الكتاب إذا كتبته وإنتسخته غيري إذا جعلت نسخه له قال مكي : ولا يجوز أن تكون الهمزة للتعدي لأن المعنى يتغير ويصير المعنى ما ننسخك من آية يا محمد وانساخه إياها إنزالها عليه فيصير المعنى ما ننزل عليك من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها فيؤول المعنى إلى أن كل آية أنزلت أتى بخير منها فيصير القرآن كله منسوخا وهذا لا يمكن لانه لم ينسخ إلا اليسير من القرآن فلما إمتنع أن يكون أفعل وفعل بمعنى إذ لم يسمع وامتنع أن تكون الهمزة للتعدي لفساد المعنى لم يبق ممكن إلا أن يكون من باب أحمدته وأبخلته إذا وجدته محمودا أو بخيلا الربعة عشرة قوله تعالى : ( أو ننسها ) قرأ أبو عمرو وبن كثير بفتح النون والسين والهمز وبه قرأ عمر وبن عباس وعطاء ومجاهد وأبي بن كعب وعبيد بن عمير والنخعي وبن محيصن من التاخير أي نؤخر نسخ لفظها أي نتركه في آخر أم الكتاب فلا يكون وهذا قول عطاء وقال غير عطاء : معنى أو ننسأها : نؤخرها عن النسخ إلى وقت معلوم من قولهم نسأت هذا الأمر إذا آخرته ومن ذلك قولهم : بعته نسأ اذا اخرته قال بن فارس : ويقولون : نسأ الله في أجلك وأنسأ الله أجلك وقد إنتسأ القوم إذا تأخروا وتباعدوا ونسأتهم أنا اخرتهم فالمعنى نؤخر نزولها أو نسخها على ما ذكرنا وقيل : نذهبها عنكم حتى لا تقرأ ولا تذكر وقرأ الباقون ننسها بضم النون من النسيان الذي بمعنى الترك أي نتركها فلا نبدلها ولا ننسخها قاله بن عباس والسدي ومنه قوله تعالى : ( نسوا الله فنسيهم ) أي تركوا عبادته فتركهم في العذاب واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم قال أبو عبيد : سمعت أبا نعيم القارئ يقول : قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم في المنام بقراءة أبي عمرو فلم يغير علي إلا حرفين قال : قرأت عليه أرنا فقال : أرنا فقال أبو عبيد : واحسب الحرف الآخر أو ننساها فقال : أو ننسها وحكى الأزهري ننسها نامر بتركها يقال : أنسيته الشيء أي أمرت بتركه ونسيته تركته قال الشاعر : إن علي عقبة اقضيها لست بناسيها ولا منسيها اي ولا أمر بتركها وقال الزجاج : إن القراءة بضم النون لا يتوجه فيها معنى الترك لا يقال : أنسى بمعنى ترك وما روى علي بن أبي طلحة عن بن عباس أو ننسها قال : نتركها لا نبدلها فلا يصح ولعل بن عباس قال : نتركها فلم يضبط والذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر أن معنى أو ننسها نبح لكم تركها من نسى إذا ترك ثم تعديه وقال أبو علي وغيره : ذلك متجه لانه بمعنى نجعلك تتركها وقيل : من النسيان على بابه الذي هو عدم الذكر على معنى أو ننسكها يا محمد فلا تذكرها نقل بالهمز فتعدى الفعل إلى مفعولين : وهما النبي والهاء لكن أسم النبي محذوف الخامسة عشرة قوله تعالى : ( نأت بخير منها ) لفظة بخير هنا صفة تفضيل والمعنى بانفع لكم أيها الناس في عاجل إن كانت الناسخة أخف وفي آجل إن كانت أثقل وبمثلها إن كانت مستوية وقال مالك : محكمة مكان منسوخة وقيل : ليس المراد بأخير التفضيل لإن كلام الله لا يتفاضل وإنما هو مثل قوله : من جاء بالحسنة فله خير منها أي فله منها خير أي نفع وأجر لا الخير الذي هو بمعنى الأفضل ويدل على القول الاول قوله : أو مثلها < <
Dio V02/P068–V02/P069Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P068–V02/P069)
Orijinal Metin (AR)البقرة : ( 107 ) ألم تعلم أن . . . . . > > < > ( البقره 107 ) < > قوله تعالى : ( الم تعلم ) جزم بلم وحروف الإستفهام لا تغير عمل العامل وفتحت أن لأنها في موضع نصب ( له ملك السماوات والأرض ) أي بالإيجاد والإختراع والملك والسلطان ونفوذ الأمر والإرادة وارتفع ملك بالابتداء والخبر له والجملة خبر أن والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته لقوله : ( وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ) وقيل : المعنى أي قل لهم يا محمد ألم تعلموا أن لله سلطان السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي من وليت أمر فلان أي قمت به ومنه ولي العهد أي القيم بما عهد إليه من أمر المسلمين ومعنى ( من دون الله ) سوى الله وبعد الله كما قال أمية بن أبي الصلت : يا نفس ما لك دون الله من واق وما على حدثان الدهر من باق وقراءة الجماعة ولا نصير بالخفض عطفا على ولي ويجوز ولا نصير بالرفع عطفا على الموضع لأن المعنى ما لكم من دون الله ولي ولا نصير < < البقرة : ( 108 ) أم تريدون أن . . . . . > > < > ( البقره 108 ) < > قوله تعالى : ( أم تريدون ) هذه أم المنقطعة التي بمعنى بل أي بل تريدون ومعنى الكلام التوبيخ ( أن تسألوا ) في موضع نصب ب تريدون ( كما سئل ) الكاف في موضع نصب نعت لمصدر أي سؤالا كما وموسى في موضع رفع على ما لم يسم فاعله من قبل : سؤالهم إياه أن يريهم الله جهرة وسألوا محمدا أن ياتي بالله والملائكة قبيلا عن بن عباس ومجاهد : سألوا أن يجعل لهم الصفا ذهبا وقرأ الحسن كما سيل وهذا على لغة من قال : سلت أسال ويجوز أن يكون على بدل الهمزة ياء ساكنة على غير قياس فانكسرت السين قبلها قال النحاس : بدل الهمزة بعيد والسواء من كل شيء : الوسط قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى ومنه قوله : في سواء الجحيم الصافات وحكى عيسى بن عمر قال : ما زلت أكتب حتى انقطع سوائي وانشد قول حسان يرثى رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ويح أصحاب النبي ورهطه بعد المغيب في سواء الملحد وقيل : السواء القصد عن الفراء أي ذهب عن قصد الطريق وسمته أي طريق طاعة الله عز وجل وعن بن عباس أيضا أن سبب نزول هذه الآية أن رافع بن خزيمة ووهب بن زيد قالا للنبي صلى الله عليه وسلم : أئتنا بكتاب من السماء نقرؤه وفجر لنا أنهارا نتبعك < < البقرة : ( 109 ) ود كثير من . . . . . > > < > ( البقره 109 : 110 ) <
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)البقرة : ( 107 ) ألم تعلم أن . . . . . > > < > ( البقره 107 ) < > قوله تعالى : ( الم تعلم ) جزم بلم وحروف الإستفهام لا تغير عمل العامل وفتحت أن لأنها في موضع نصب ( له ملك السماوات والأرض ) أي بالإيجاد والإختراع والملك والسلطان ونفوذ الأمر والإرادة وارتفع ملك بالابتداء والخبر له والجملة خبر أن والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته لقوله : ( وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ) وقيل : المعنى أي قل لهم يا محمد ألم تعلموا أن لله سلطان السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي من وليت أمر فلان أي قمت به ومنه ولي العهد أي القيم بما عهد إليه من أمر المسلمين ومعنى ( من دون الله ) سوى الله وبعد الله كما قال أمية بن أبي الصلت : يا نفس ما لك دون الله من واق وما على حدثان الدهر من باق وقراءة الجماعة ولا نصير بالخفض عطفا على ولي ويجوز ولا نصير بالرفع عطفا على الموضع لأن المعنى ما لكم من دون الله ولي ولا نصير < < البقرة : ( 108 ) أم تريدون أن . . . . . > > < > ( البقره 108 ) < > قوله تعالى : ( أم تريدون ) هذه أم المنقطعة التي بمعنى بل أي بل تريدون ومعنى الكلام التوبيخ ( أن تسألوا ) في موضع نصب ب تريدون ( كما سئل ) الكاف في موضع نصب نعت لمصدر أي سؤالا كما وموسى في موضع رفع على ما لم يسم فاعله من قبل : سؤالهم إياه أن يريهم الله جهرة وسألوا محمدا أن ياتي بالله والملائكة قبيلا عن بن عباس ومجاهد : سألوا أن يجعل لهم الصفا ذهبا وقرأ الحسن كما سيل وهذا على لغة من قال : سلت أسال ويجوز أن يكون على بدل الهمزة ياء ساكنة على غير قياس فانكسرت السين قبلها قال النحاس : بدل الهمزة بعيد والسواء من كل شيء : الوسط قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى ومنه قوله : في سواء الجحيم الصافات وحكى عيسى بن عمر قال : ما زلت أكتب حتى انقطع سوائي وانشد قول حسان يرثى رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ويح أصحاب النبي ورهطه بعد المغيب في سواء الملحد وقيل : السواء القصد عن الفراء أي ذهب عن قصد الطريق وسمته أي طريق طاعة الله عز وجل وعن بن عباس أيضا أن سبب نزول هذه الآية أن رافع بن خزيمة ووهب بن زيد قالا للنبي صلى الله عليه وسلم : أئتنا بكتاب من السماء نقرؤه وفجر لنا أنهارا نتبعك < < البقرة : ( 109 ) ود كثير من . . . . . > > < > ( البقره 109 : 110 ) <
Dio V02/P069–V02/P073Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P069–V02/P073)
Orijinal Metin (AR)> قوله تعالى : ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ) فيه مسألتان : الأولى ( ود ) تمنى وقد تقدم ( كفارا ) مفعول ثان ب يردونكم ( من عن تلقائهم من غير أن يجدوه في كتاب ولا امروا به ولفظة الحسد تعطي هذا فجاء من عند أنفسهم تأكيدا وإلزاما كما قال تعالى يقولون بأفواههم آل عمران : يكتبون الكتاب بايديهم ولا طائر يطير بجناحيه والآية في اليهود الثانية الحسد نوعان : مذموم ومحمود فالمذموم أن تتمنى زوال نعمة الله عن أخيك المسلم وسواء تمنيت مع ذلك أن تعود إليك أو لا وهذا النوع الذي ذمه الله تعالى في كتابه بقوله : أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله وإنما كان مذموما لأن فيه تسفيه الحق سبحانه وانه أنعم على من لا يستحق واما المحمود فهو ما جاء في صحيح الحديث من قوله عليه السلام : ( لا حسد إلا في اثنين رجل أتاه الله القرآن فهو يقوم به أناء الليل وأناء النهار ورجل اتاه الله مالا فهو ينفقه أناء الليل وأناء النهار ( وهذا الحسد معناه الغبطة وكذلك ترجم عليه البخاري باب الإغتباط في العلم والحكمة وحقيقتها : أن تتمنى أن يكون لك ما لأخيك المسلم من الخير والنعمة ولا يزول عنه خيره وقد يجوز أن يسمى هذا منافسة ومنه قوله تعالى : وفي ذلك فليتنافس المتنافسون المطففين أي ( من بعد ما تبين لهم الحق ) أي من بعد ما تبين الحق لهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن الذي جاء به قوله تعالى : ( فاعفوا واصفحوا ) فيه مسالتان : الأولى قوله تعالى : ( فاعفوا ) والأصل اعفووا حذفت الضمة لثقلها ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين والعفو : ترك المؤاخذة بالذنب والصفح : إزالة أثره من النفس صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه وقد ضربت عنه صفحا إذا اعرضت عنه وتركته ومنه قوله تعالى : أفنضرب عنكم الذكر صفحا الثانية هذه الآية منسوخة بقوله : قاتلوا الذين لا يؤمنون إلى قوله : صاغرون عن بن عباس وقيل : الناسخ لها فاقتلوا المشركين قال أبو عبيدة كل آية فيها ترك للقتال فهي مكية منسوخة بالقتال قال بن عطية : وحكمه بأن هذه الآية مكية ضعيف لأن معاندات اليهود إنما كانت بالمدينة قلت : وهو الصحيح روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار عليه قطيفة فدكية وأسامة وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعه بدر فسارا حتى مرا بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي فإذا في المجلس اخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود وفي المسلمين عبد الله بن رواحة فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر بن أبي أنفه بردائه وقال : لا تغبروا علينا فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم القرآن فقال له عبد الله بن أبي بن سلول : أيها المرء لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه قال عبد الله بن رواحة : بلى يا رسول الله فاغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك فاستتب المشركون والمسلمون واليهود حتى كادوا يتثاورون فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا سعد ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب يريد عبد الله بن أبي قال كذا وكذا ( فقال : أي رسول الله بأبي أنت وأمي أعف عنه واصفح فوالذي أنزل عليك الكتاب بالحق لقد جاءك الله بالحق الذي أنزل عليك ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك فذلك فعل ما رأيت فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله تعالى ويصبرون على الأذى قال الله عز وجل : ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وقال : ود كثير من أهل الكتاب فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول في العفو عنهم ما أمره الله به حتى أذن له فيهم فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا فقتل الله به من قتل من صناديد الكفار وسادات قريش فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه غانمين منصورين معهم أسارى من صناديد الكفار وسادات قريش قال عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان : هذا أمر قد توجه فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام فاسلموا قوله تعالى : ( حتى ياتي الله بأمره ) يعني قتل قريظة وجلاء بني النضير ( إن الله تعالى بالقدير فهو سبحانه قدير قادر مقتدر والقدير أبلغ في الوصف من القادر قاله الزجاجي وقال الهروي والقدير والقادر بمعنى واحد يقال قدرت على الشيء أقدر قدرا وقدرا ومقدرة ومقدرة وقدرانا أي قدرة والاقتدار على الشيء القدرة عليه فالله جل وعز قادر مقتدر قدير على كل شيء قدير وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) تقدم والحمد لله تعالى قوله تعالى : ( وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ) جاء في الحديث ( أن العبد إذا مات قال الناس ما خلف وقالت الملائكة ما قدم ( وخرج البخاري والنسائي عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله ( قالوا : يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس منكم من أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله مالك ما قدمت ومال وارثك ما آخرت ( لفظ النسائي ولفظ البخاري : قال عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله ( قالوا : يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه قال : ( فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما آخر ( وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مر ببقيع الغرقد فقال : السلام عليكم أهل القبور أخبار ما عندنا أن نساءكم قد تزوجن ودوركم قد سكنت وأموالكم قد قسمت فاجابه هاتف : يا بن الخطاب أخبار ما عندنا أن ما قدمناه وجدناه وما أنفقناه فقد ربحناه وما خلفناه فقد خسرناه ولقد أحسن القائل : قدم لنفسك قبل موتك صالحا واعمل فليس إلى الخلود سبيل وقال آخر : قدم لنفسك توبة مرجوة قبل الممات وقبل حبس الألسن وقال آخر : ولدتك إذ ولدتك أمك باكيا والقوم حولك يضحكون سرورا فاعمل ليوم تكون فيه إذا بكوا في يوم موتك ضاحكا مسرورا وقال آخر : سابق إلى الخير وبادر به فإنما خلفك ما تعلم وقدم الخير فكل امرئ على الذي قدمه يقدم وأحسن من هذا كله قول أبي العتاهية : إسعد بمالك في حياتك إنما يبقى وراءك مصلح أو مفسد وإذا تركت لمفسد لم يبقه وأخو الصلاح قليله يتزيد وإن استطعت فكن لنفسك وارثا إن المورث نفسه لمسدد ( إن الله بصير بما تعملون وقال العلماء وصف الله عز وجل نفسه بأنه بصير ) تقدم < <
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> قوله تعالى : ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ) فيه مسألتان : الأولى ( ود ) تمنى وقد تقدم ( كفارا ) مفعول ثان ب يردونكم ( من عن تلقائهم من غير أن يجدوه في كتاب ولا امروا به ولفظة الحسد تعطي هذا فجاء من عند أنفسهم تأكيدا وإلزاما كما قال تعالى يقولون بأفواههم آل عمران : يكتبون الكتاب بايديهم ولا طائر يطير بجناحيه والآية في اليهود الثانية الحسد نوعان : مذموم ومحمود فالمذموم أن تتمنى زوال نعمة الله عن أخيك المسلم وسواء تمنيت مع ذلك أن تعود إليك أو لا وهذا النوع الذي ذمه الله تعالى في كتابه بقوله : أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله وإنما كان مذموما لأن فيه تسفيه الحق سبحانه وانه أنعم على من لا يستحق واما المحمود فهو ما جاء في صحيح الحديث من قوله عليه السلام : ( لا حسد إلا في اثنين رجل أتاه الله القرآن فهو يقوم به أناء الليل وأناء النهار ورجل اتاه الله مالا فهو ينفقه أناء الليل وأناء النهار ( وهذا الحسد معناه الغبطة وكذلك ترجم عليه البخاري باب الإغتباط في العلم والحكمة وحقيقتها : أن تتمنى أن يكون لك ما لأخيك المسلم من الخير والنعمة ولا يزول عنه خيره وقد يجوز أن يسمى هذا منافسة ومنه قوله تعالى : وفي ذلك فليتنافس المتنافسون المطففين أي ( من بعد ما تبين لهم الحق ) أي من بعد ما تبين الحق لهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن الذي جاء به قوله تعالى : ( فاعفوا واصفحوا ) فيه مسالتان : الأولى قوله تعالى : ( فاعفوا ) والأصل اعفووا حذفت الضمة لثقلها ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين والعفو : ترك المؤاخذة بالذنب والصفح : إزالة أثره من النفس صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه وقد ضربت عنه صفحا إذا اعرضت عنه وتركته ومنه قوله تعالى : أفنضرب عنكم الذكر صفحا الثانية هذه الآية منسوخة بقوله : قاتلوا الذين لا يؤمنون إلى قوله : صاغرون عن بن عباس وقيل : الناسخ لها فاقتلوا المشركين قال أبو عبيدة كل آية فيها ترك للقتال فهي مكية منسوخة بالقتال قال بن عطية : وحكمه بأن هذه الآية مكية ضعيف لأن معاندات اليهود إنما كانت بالمدينة قلت : وهو الصحيح روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار عليه قطيفة فدكية وأسامة وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعه بدر فسارا حتى مرا بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي فإذا في المجلس اخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود وفي المسلمين عبد الله بن رواحة فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر بن أبي أنفه بردائه وقال : لا تغبروا علينا فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم القرآن فقال له عبد الله بن أبي بن سلول : أيها المرء لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه قال عبد الله بن رواحة : بلى يا رسول الله فاغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك فاستتب المشركون والمسلمون واليهود حتى كادوا يتثاورون فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا سعد ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب يريد عبد الله بن أبي قال كذا وكذا ( فقال : أي رسول الله بأبي أنت وأمي أعف عنه واصفح فوالذي أنزل عليك الكتاب بالحق لقد جاءك الله بالحق الذي أنزل عليك ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك فذلك فعل ما رأيت فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله تعالى ويصبرون على الأذى قال الله عز وجل : ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وقال : ود كثير من أهل الكتاب فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول في العفو عنهم ما أمره الله به حتى أذن له فيهم فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا فقتل الله به من قتل من صناديد الكفار وسادات قريش فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه غانمين منصورين معهم أسارى من صناديد الكفار وسادات قريش قال عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان : هذا أمر قد توجه فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام فاسلموا قوله تعالى : ( حتى ياتي الله بأمره ) يعني قتل قريظة وجلاء بني النضير ( إن الله تعالى بالقدير فهو سبحانه قدير قادر مقتدر والقدير أبلغ في الوصف من القادر قاله الزجاجي وقال الهروي والقدير والقادر بمعنى واحد يقال قدرت على الشيء أقدر قدرا وقدرا ومقدرة ومقدرة وقدرانا أي قدرة والاقتدار على الشيء القدرة عليه فالله جل وعز قادر مقتدر قدير على كل شيء قدير وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) تقدم والحمد لله تعالى قوله تعالى : ( وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ) جاء في الحديث ( أن العبد إذا مات قال الناس ما خلف وقالت الملائكة ما قدم ( وخرج البخاري والنسائي عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله ( قالوا : يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس منكم من أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله مالك ما قدمت ومال وارثك ما آخرت ( لفظ النسائي ولفظ البخاري : قال عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله ( قالوا : يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه قال : ( فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما آخر ( وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مر ببقيع الغرقد فقال : السلام عليكم أهل القبور أخبار ما عندنا أن نساءكم قد تزوجن ودوركم قد سكنت وأموالكم قد قسمت فاجابه هاتف : يا بن الخطاب أخبار ما عندنا أن ما قدمناه وجدناه وما أنفقناه فقد ربحناه وما خلفناه فقد خسرناه ولقد أحسن القائل : قدم لنفسك قبل موتك صالحا واعمل فليس إلى الخلود سبيل وقال آخر : قدم لنفسك توبة مرجوة قبل الممات وقبل حبس الألسن وقال آخر : ولدتك إذ ولدتك أمك باكيا والقوم حولك يضحكون سرورا فاعمل ليوم تكون فيه إذا بكوا في يوم موتك ضاحكا مسرورا وقال آخر : سابق إلى الخير وبادر به فإنما خلفك ما تعلم وقدم الخير فكل امرئ على الذي قدمه يقدم وأحسن من هذا كله قول أبي العتاهية : إسعد بمالك في حياتك إنما يبقى وراءك مصلح أو مفسد وإذا تركت لمفسد لم يبقه وأخو الصلاح قليله يتزيد وإن استطعت فكن لنفسك وارثا إن المورث نفسه لمسدد ( إن الله بصير بما تعملون وقال العلماء وصف الله عز وجل نفسه بأنه بصير ) تقدم < <
Dio V02/P073–V02/P075Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P073–V02/P075)
Orijinal Metin (AR)البقرة : ( 111 ) وقالوا لن يدخل . . . . . > > < > ( البقره 111 : 112 ) < > قوله تعالى : ( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ) المعنى : وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا وأجاز الفراء أن يكون هودا بمعنى يهوديا حذف منه الزائد وأن يكون جمع هائد وقال الأخفش سعيد : الا من كان جعل كان واحدا على لفظ من ثم قال هودا فجمع لأن معنى من جمع ويجوز تلك أمانيهم وتقدم الكلام في هذا والحمد لله قوله تعالى : ( قل هاتوا برهانكم ) أصل هاتوا هاتيوا حذفت الضمة لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين يقال في الواحد المذكر : هات مثل رام وفي المؤنث : هاتي مثل رامي والبرهان : الدليل الذي يوقع اليقين وجمعه براهين مثل قربان وقرابين وسلطان وسلاطين قال الطبري : طلب الدليل هنا يقضي إثبات النظر ويرد على من ينفيه ( إن كنتم صادقين ) يعني في إيمانكم أو في قولكم تدخلون الجنة اي بينوا ما قلتم ببرهان ثم قال تعالى : ( بلى ) ردا عليهم وتكذيبا لهم أي ليس كما تقولون وقيل : إن بلى محمولة على المعنى كأنه قيل أما يدخل الجنة أحد فقيل : ( بلى من اسلم وجهه لله ) ومعنى أسلم استسلم وخضع وقيل : أخلص عمله وخص الوجه بالذكر لكونه أشرف ما يرى من الإنسان ولأنه موضع الحواس وفيه يظهر العز والذل والعرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء ويصح أن يكون الوجه في هذه الآية المقصد ( وهو محسن ) جملة في موضع الحال وعاد الضمير في وجهه وله على لفظ من وكذلك أجره وعاد في عليهم على المعنى وكذلك في يحزنون وقد تقدم < < البقرة : ( 113 ) وقالت اليهود ليست . . . . . > > < > ( البقره 113 ) < > معناه ادعى كل فريق منهم أن صاحبه ليس على شيء وأنه أحق برحمة الله منه يعني التوراة والإنجيل والجملة في موضع الحال والمراد ب الذين لا يعلمون في قول الجمهور : كفار العرب لأنهم لا كتاب لهم وقال عطاء : المراد أمم كانت قبل اليهود والنصارى الربيع بن أنس : المعنى كذلك قالت اليهود قبل النصارى بن عباس : قدم أهل نجران على النبي صلى الله عليه وسلم فأتتهم أحبار يهود فتنازعوا عند النبي صلى الله عليه وسلم وقالت كل فرقة منهم للأخرى : لستم على شيء فنزلت الآية < < البقرة : ( 114 ) ومن أظلم ممن . . . . . > > < > ( البقره 114 ) <
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)البقرة : ( 111 ) وقالوا لن يدخل . . . . . > > < > ( البقره 111 : 112 ) < > قوله تعالى : ( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ) المعنى : وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا وأجاز الفراء أن يكون هودا بمعنى يهوديا حذف منه الزائد وأن يكون جمع هائد وقال الأخفش سعيد : الا من كان جعل كان واحدا على لفظ من ثم قال هودا فجمع لأن معنى من جمع ويجوز تلك أمانيهم وتقدم الكلام في هذا والحمد لله قوله تعالى : ( قل هاتوا برهانكم ) أصل هاتوا هاتيوا حذفت الضمة لثقلها ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين يقال في الواحد المذكر : هات مثل رام وفي المؤنث : هاتي مثل رامي والبرهان : الدليل الذي يوقع اليقين وجمعه براهين مثل قربان وقرابين وسلطان وسلاطين قال الطبري : طلب الدليل هنا يقضي إثبات النظر ويرد على من ينفيه ( إن كنتم صادقين ) يعني في إيمانكم أو في قولكم تدخلون الجنة اي بينوا ما قلتم ببرهان ثم قال تعالى : ( بلى ) ردا عليهم وتكذيبا لهم أي ليس كما تقولون وقيل : إن بلى محمولة على المعنى كأنه قيل أما يدخل الجنة أحد فقيل : ( بلى من اسلم وجهه لله ) ومعنى أسلم استسلم وخضع وقيل : أخلص عمله وخص الوجه بالذكر لكونه أشرف ما يرى من الإنسان ولأنه موضع الحواس وفيه يظهر العز والذل والعرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء ويصح أن يكون الوجه في هذه الآية المقصد ( وهو محسن ) جملة في موضع الحال وعاد الضمير في وجهه وله على لفظ من وكذلك أجره وعاد في عليهم على المعنى وكذلك في يحزنون وقد تقدم < < البقرة : ( 113 ) وقالت اليهود ليست . . . . . > > < > ( البقره 113 ) < > معناه ادعى كل فريق منهم أن صاحبه ليس على شيء وأنه أحق برحمة الله منه يعني التوراة والإنجيل والجملة في موضع الحال والمراد ب الذين لا يعلمون في قول الجمهور : كفار العرب لأنهم لا كتاب لهم وقال عطاء : المراد أمم كانت قبل اليهود والنصارى الربيع بن أنس : المعنى كذلك قالت اليهود قبل النصارى بن عباس : قدم أهل نجران على النبي صلى الله عليه وسلم فأتتهم أحبار يهود فتنازعوا عند النبي صلى الله عليه وسلم وقالت كل فرقة منهم للأخرى : لستم على شيء فنزلت الآية < < البقرة : ( 114 ) ومن أظلم ممن . . . . . > > < > ( البقره 114 ) <
Dio V02/P075–V02/P078Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P075–V02/P078)
Orijinal Metin (AR)> فيه سبع مسائل : الاولى قوله تعالى : ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يدكر فيها اسمه ) من رفع بالابتداء وأظلم خبره والمعنى لا أحد أظلم وأن في موضع نصب على البدل من مساجد ويجوز أن يكون التقدير : كراهية أن يذكر ثم حذف ويجوز أن يكون التقدير : من أن يذكر فيها وحرف الخفض يحذف مع ان لطول الكلام واراد بالمساجد هنا بيت المقدس ومحاريبه وقيل الكعبة وجمعت لأنها قبلة المساجد أو للتعظيم وقيل : المراد سائر المساجد والواحد مسجد ( بكسر الجيم ) ومن العرب من يقول : مسجد ( بفتحها ) قال الفراء : كل ما كان على فعل يفعل مثل دخل يدخل فالمفعل منه بالفتح أسما كان أو مصدرا ولا يقع فيه الفرق مثل دخل يدخل مدخلا وهذا مدخله إلا أحرفا من الأسماء الزموها كسر العين من ذلك : المسجد والمطلع والمغرب والمشرق والمسقط والمفرق والمجزر والمسكن والمرفق من رفق يرفق والمنبت والمنسك من نسك ينسك فجعلوا الكسر علامة للأسم وربما فتحه بعض العرب في الأسم والمسجد ( بالفتح ) : جبهة الرجل حيث يصيبه ندب السجود والآراب : السبعة مساجد قاله الجوهري الثانية واختلف الناس في المراد بهذه الآية وفيمن نزلت فذكر المفسرون أنها نزلت في بخت نصر لأنه كان أخرب بيت المقدس وقال بن عباس وغيره : نزلت في النصارى والمعنى كيف تدعون أيها النصارى أنكم من أهل الجنة وقد خربتم بيت المقدس ومنعتم المصلين من الصلاة فيه ومعنى الآية على هذا : التعجب من فعل النصارى ببيت المقدس مع تعظيمهم له وإنما فعلوا ما فعلوا عداوة لليهود روى سعيد عن قتادة قال : أولئك أعداء الله النصارى حملهم ابغاض اليهود على أن أعانوا بخت نصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس وروي أن هذا التخريب بقى إلى زمن عمر رضي الله عنه وقيل : نزلت في المشركين إذ منعوا المصلين والنبي صلى الله عليه وسلم وصدوهم عن المسجد الحرام عام الحديبية وقيل : المراد من منع من كل مسجد إلى يوم القيامة وهو الصحيح لأن اللفظ عام ورد بصيغة الجمع فتخصيصها ببعض المساجد وبعض الاشخاص ضعيف والله تعالى اعلم الثالثة خراب المساجد قد يكون حقيقيا كتخريب بخت نصر والنصارى بيت المقدس على ما ذكر أنهم غزوا بني إسرائيل مع بعض ملوكهم قيل اسمه نطوس بن اسبيسانوس الرومي فيما ذكر الغزنوي فقتلوا وسبوا وحرقوا التوراة وقذفوا في بيت المقدس العذرة وخربوه ويكون مجازا كمنع المشركين المسلمين حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر الإسلام فيها خراب لها الرابعة قال علماؤنا : ولهذا قلنا لا يجوز منع المراة من الحج اذا كانت صرورة سواء كان لها محرم أو لم يكن ولا تمنع أيضا من الصلاة في المساجد ما لم يخف عليها الفتنة وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولذلك قلنا : لا يجوز نقض المسجد ولا بيعه ولا تعطيله وأن خربت المحلة ولا يمنع بناء المساجد إلا أن يقصدوا الشقاق والخلاف بأن يبنوا مسجدا إلى جنب مسجد أو قربه يريدون بذلك تفريق أهل المسجد الأول وخرابه واختلاف الكلمة فان المسجد الثاني ينقض ويمنع من بنيانه ولذلك قلنا : لا يجوز ان يكون في المصر جامعان ولا لمسجد واحد إمامان ولا يصلي في مسجد جماعتان وسيأتي لهذا كله مزيد بيان في سورة براءة إن شاء الله تعالى وفي النور حكم المساجد وبنائها بحول الله تعالى ودلت الآية أيضا على تعظيم أمر الصلاة وأنها لما كانت أفضل الأعمال وأعظمها أجرا كان منعها أعظم إثما الخامسة كل موضع يمكن أن يعبد الله فيه ويسجد له يسمى مسجدا قال صلى الله عليه وسلم : ( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ( أخرجه الأئمة وأجمعت الأمة على أن البقعة إذا عينت للصلاة بالقول خرجت عن جملة الإملاك المختصة بربها وصارت عامة لجميع المسلمين فلو بنى رجل في داره مسجدا وحجزه على الناس واختص به لنفسه لبقى على ملكه ولم يخرج إلى حد المسجدية ولو أباحه للناس كلهم كان حكمه حكم سائر المساجد العامة وخرج عن اختصاص الإملاك السادسة قوله تعالى : ( أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين ) أولئك مبتدأ وما بعده خبره خائفين حال يعني إذا استولى عليها المسلمون وحصلت تحت سلطانهم فلا يتمكن الكافر حينئذ من دخولها فان دخلوها فعلى خوف من اخراج المسلمين لهم وتأديبهم على دخولها وفي هذا دليل على أن الكافر ليس له دخول المسجد بحال على ما يأتي في براءة إن شاء الله تعالى ومن جعل الآية في النصارى روي أنه مر زمان بعد بناء عمر بيت المقدس في الإسلام لا يدخله نصراني إلا أوجع ضربا بعد أن كان متعبدهم ومن جعلها في قريش قال : كذلك نودي بأمر النبي صلى الله عليه وسلم : ( الا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ( وقيل : هو خبر ومقصوده الأمر أي جاهدوهم واستأصلوهم حتى لا يدخل أحد منهم المسجد الحرام إلا خائفا كقوله : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله فإنه نهى ورد بلفظ الخبر السابعة قوله تعالى : ( لهم في الدنيا خزي ) قيل القتل للحربى والجزية للذمي عن قتادة السدي : الخزي لهم في الدنيا قيام المهدي وفتح عمورية ورومية وقسطنطينية وغير ذلك من مدنهم على ما ذكرناه في كتاب التذكرة ومن جعلها في قريش جعل الخزي عليهم في الفتح والعذاب في الآخرة لمن مات منهم كافرا < <
Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> فيه سبع مسائل : الاولى قوله تعالى : ( ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يدكر فيها اسمه ) من رفع بالابتداء وأظلم خبره والمعنى لا أحد أظلم وأن في موضع نصب على البدل من مساجد ويجوز أن يكون التقدير : كراهية أن يذكر ثم حذف ويجوز أن يكون التقدير : من أن يذكر فيها وحرف الخفض يحذف مع ان لطول الكلام واراد بالمساجد هنا بيت المقدس ومحاريبه وقيل الكعبة وجمعت لأنها قبلة المساجد أو للتعظيم وقيل : المراد سائر المساجد والواحد مسجد ( بكسر الجيم ) ومن العرب من يقول : مسجد ( بفتحها ) قال الفراء : كل ما كان على فعل يفعل مثل دخل يدخل فالمفعل منه بالفتح أسما كان أو مصدرا ولا يقع فيه الفرق مثل دخل يدخل مدخلا وهذا مدخله إلا أحرفا من الأسماء الزموها كسر العين من ذلك : المسجد والمطلع والمغرب والمشرق والمسقط والمفرق والمجزر والمسكن والمرفق من رفق يرفق والمنبت والمنسك من نسك ينسك فجعلوا الكسر علامة للأسم وربما فتحه بعض العرب في الأسم والمسجد ( بالفتح ) : جبهة الرجل حيث يصيبه ندب السجود والآراب : السبعة مساجد قاله الجوهري الثانية واختلف الناس في المراد بهذه الآية وفيمن نزلت فذكر المفسرون أنها نزلت في بخت نصر لأنه كان أخرب بيت المقدس وقال بن عباس وغيره : نزلت في النصارى والمعنى كيف تدعون أيها النصارى أنكم من أهل الجنة وقد خربتم بيت المقدس ومنعتم المصلين من الصلاة فيه ومعنى الآية على هذا : التعجب من فعل النصارى ببيت المقدس مع تعظيمهم له وإنما فعلوا ما فعلوا عداوة لليهود روى سعيد عن قتادة قال : أولئك أعداء الله النصارى حملهم ابغاض اليهود على أن أعانوا بخت نصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس وروي أن هذا التخريب بقى إلى زمن عمر رضي الله عنه وقيل : نزلت في المشركين إذ منعوا المصلين والنبي صلى الله عليه وسلم وصدوهم عن المسجد الحرام عام الحديبية وقيل : المراد من منع من كل مسجد إلى يوم القيامة وهو الصحيح لأن اللفظ عام ورد بصيغة الجمع فتخصيصها ببعض المساجد وبعض الاشخاص ضعيف والله تعالى اعلم الثالثة خراب المساجد قد يكون حقيقيا كتخريب بخت نصر والنصارى بيت المقدس على ما ذكر أنهم غزوا بني إسرائيل مع بعض ملوكهم قيل اسمه نطوس بن اسبيسانوس الرومي فيما ذكر الغزنوي فقتلوا وسبوا وحرقوا التوراة وقذفوا في بيت المقدس العذرة وخربوه ويكون مجازا كمنع المشركين المسلمين حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر الإسلام فيها خراب لها الرابعة قال علماؤنا : ولهذا قلنا لا يجوز منع المراة من الحج اذا كانت صرورة سواء كان لها محرم أو لم يكن ولا تمنع أيضا من الصلاة في المساجد ما لم يخف عليها الفتنة وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولذلك قلنا : لا يجوز نقض المسجد ولا بيعه ولا تعطيله وأن خربت المحلة ولا يمنع بناء المساجد إلا أن يقصدوا الشقاق والخلاف بأن يبنوا مسجدا إلى جنب مسجد أو قربه يريدون بذلك تفريق أهل المسجد الأول وخرابه واختلاف الكلمة فان المسجد الثاني ينقض ويمنع من بنيانه ولذلك قلنا : لا يجوز ان يكون في المصر جامعان ولا لمسجد واحد إمامان ولا يصلي في مسجد جماعتان وسيأتي لهذا كله مزيد بيان في سورة براءة إن شاء الله تعالى وفي النور حكم المساجد وبنائها بحول الله تعالى ودلت الآية أيضا على تعظيم أمر الصلاة وأنها لما كانت أفضل الأعمال وأعظمها أجرا كان منعها أعظم إثما الخامسة كل موضع يمكن أن يعبد الله فيه ويسجد له يسمى مسجدا قال صلى الله عليه وسلم : ( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ( أخرجه الأئمة وأجمعت الأمة على أن البقعة إذا عينت للصلاة بالقول خرجت عن جملة الإملاك المختصة بربها وصارت عامة لجميع المسلمين فلو بنى رجل في داره مسجدا وحجزه على الناس واختص به لنفسه لبقى على ملكه ولم يخرج إلى حد المسجدية ولو أباحه للناس كلهم كان حكمه حكم سائر المساجد العامة وخرج عن اختصاص الإملاك السادسة قوله تعالى : ( أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين ) أولئك مبتدأ وما بعده خبره خائفين حال يعني إذا استولى عليها المسلمون وحصلت تحت سلطانهم فلا يتمكن الكافر حينئذ من دخولها فان دخلوها فعلى خوف من اخراج المسلمين لهم وتأديبهم على دخولها وفي هذا دليل على أن الكافر ليس له دخول المسجد بحال على ما يأتي في براءة إن شاء الله تعالى ومن جعل الآية في النصارى روي أنه مر زمان بعد بناء عمر بيت المقدس في الإسلام لا يدخله نصراني إلا أوجع ضربا بعد أن كان متعبدهم ومن جعلها في قريش قال : كذلك نودي بأمر النبي صلى الله عليه وسلم : ( الا لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ( وقيل : هو خبر ومقصوده الأمر أي جاهدوهم واستأصلوهم حتى لا يدخل أحد منهم المسجد الحرام إلا خائفا كقوله : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله فإنه نهى ورد بلفظ الخبر السابعة قوله تعالى : ( لهم في الدنيا خزي ) قيل القتل للحربى والجزية للذمي عن قتادة السدي : الخزي لهم في الدنيا قيام المهدي وفتح عمورية ورومية وقسطنطينية وغير ذلك من مدنهم على ما ذكرناه في كتاب التذكرة ومن جعلها في قريش جعل الخزي عليهم في الفتح والعذاب في الآخرة لمن مات منهم كافرا < <