Qur'an&Sunnahالقرآن

İbn Kesîr - Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

İbn Kesîr · AR

Dio V05/P465–V05/P467İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P465–V05/P467)
Orijinal Metin (AR)

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا النضر -يعني: ابن كثير، مولى بني هاشم-حدثنا زيد بن علي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال: إذا أتمت النطفة أربعة أشهر، بعث إليها ملك فنفخ فيها الروح في الظلمات الثلاث، فذلك قوله: {ثم أنشأناه خلقا آخر} يعني: نفخنا فيه الروح . وروي عن أبي سعيد الخدري أنه نفخ الروح. قال ابن عباس: {ثم أنشأناه خلقا آخر} يعني به: الروح . وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والشعبي، والحسن، وأبو العالية، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي، وابن زيد، واختاره ابن جرير . وقال العوفي، عن ابن عباس: {ثم أنشأناه خلقا آخر} يعني: ننقله من حال إلى حال، إلى أن خرج طفلا ثم نشأ صغيرا، ثم احتلم، ثم صار شابا، ثم كهلا ثم شيخا، ثم هرما. وعن قتادة، والضحاك نحو ذلك. ولا منافاة، فإنه من ابتداء نفخ الروح [فيه] شرع في هذه التنقلات والأحوال. والله أعلم. قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله -هو ابن مسعود-قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: رزقه، وأجله، وعمله، وهل هو شقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخلها". أخرجاه من حديث سليمان بن مهران الأعمش . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن خيثمة قال: قال عبد الله -يعني: ابن مسعود-إن النطفة إذا وقعت في الرحم، طارت في كل شعر وظفر، فتمكث أربعين يوما، ثم تتحدر في الرحم فتكون علقة. وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا حسين بن الحسن، حدثنا أبو كدينة، عن عطاء بن السائب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله قال: مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أصحابه، فقالت قريش: يا يهودي، إن هذا يزعم أنه نبي. فقال: لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي. قال: فجاءه حتى جلس، فقال: يا محمد، مم يخلق الإنسان؟ فقال: "يا يهودي، من كل يخلق، من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة، فأما نطفة الرجل فنطفة غليظة منها العظم والعصب، وأما نطفة المرأة فنطفة رقيقة منها اللحم والدم" فقام اليهودي فقال: هكذا كان يقول من قبلك. وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عمرو، عن أبي الطفيل، حذيفة بن أسيد الغفاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين ليلة، فيقول: يا رب، ماذا؟ أشقي أم سعيد؟ أذكر أم أنثى؟ فيقول الله، فيكتبان . فيقولان: ماذا؟ أذكر أم أنثى؟ فيقول الله عز وجل، فيكتبان ويكتب عمله، وأثره، ومصيبته، ورزقه، ثم تطوى الصحيفة، فلا يزاد على ما فيها ولا ينقص". وقد رواه مسلم في صحيحه، من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو -وهو ابن دينار-به نحوه. ومن طرق أخرى، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد أبي سريحة الغفاري بنحوه، والله أعلم . وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله وكل بالرحم ملكا فيقول: أي رب، نطفة. أي رب، علقة أي رب، مضغة. فإذا أراد الله خلقها قال: يا رب، ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ " قال: "فذلك يكتب في بطن أمه".

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا النضر -يعني: ابن كثير، مولى بني هاشم-حدثنا زيد بن علي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال: إذا أتمت النطفة أربعة أشهر، بعث إليها ملك فنفخ فيها الروح في الظلمات الثلاث، فذلك قوله: {ثم أنشأناه خلقا آخر} يعني: نفخنا فيه الروح . وروي عن أبي سعيد الخدري أنه نفخ الروح. قال ابن عباس: {ثم أنشأناه خلقا آخر} يعني به: الروح . وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والشعبي، والحسن، وأبو العالية، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي، وابن زيد، واختاره ابن جرير . وقال العوفي، عن ابن عباس: {ثم أنشأناه خلقا آخر} يعني: ننقله من حال إلى حال، إلى أن خرج طفلا ثم نشأ صغيرا، ثم احتلم، ثم صار شابا، ثم كهلا ثم شيخا، ثم هرما. وعن قتادة، والضحاك نحو ذلك. ولا منافاة، فإنه من ابتداء نفخ الروح [فيه] شرع في هذه التنقلات والأحوال. والله أعلم. قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله -هو ابن مسعود-قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: رزقه، وأجله، وعمله، وهل هو شقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخلها". أخرجاه من حديث سليمان بن مهران الأعمش . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن خيثمة قال: قال عبد الله -يعني: ابن مسعود-إن النطفة إذا وقعت في الرحم، طارت في كل شعر وظفر، فتمكث أربعين يوما، ثم تتحدر في الرحم فتكون علقة. وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا حسين بن الحسن، حدثنا أبو كدينة، عن عطاء بن السائب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله قال: مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أصحابه، فقالت قريش: يا يهودي، إن هذا يزعم أنه نبي. فقال: لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي. قال: فجاءه حتى جلس، فقال: يا محمد، مم يخلق الإنسان؟ فقال: "يا يهودي، من كل يخلق، من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة، فأما نطفة الرجل فنطفة غليظة منها العظم والعصب، وأما نطفة المرأة فنطفة رقيقة منها اللحم والدم" فقام اليهودي فقال: هكذا كان يقول من قبلك. وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عمرو، عن أبي الطفيل، حذيفة بن أسيد الغفاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين ليلة، فيقول: يا رب، ماذا؟ أشقي أم سعيد؟ أذكر أم أنثى؟ فيقول الله، فيكتبان . فيقولان: ماذا؟ أذكر أم أنثى؟ فيقول الله عز وجل، فيكتبان ويكتب عمله، وأثره، ومصيبته، ورزقه، ثم تطوى الصحيفة، فلا يزاد على ما فيها ولا ينقص". وقد رواه مسلم في صحيحه، من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو -وهو ابن دينار-به نحوه. ومن طرق أخرى، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد أبي سريحة الغفاري بنحوه، والله أعلم . وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله وكل بالرحم ملكا فيقول: أي رب، نطفة. أي رب، علقة أي رب، مضغة. فإذا أراد الله خلقها قال: يا رب، ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ " قال: "فذلك يكتب في بطن أمه".

Dio V05/P467–V05/P469İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P467–V05/P469)
Orijinal Metin (AR)

أخرجاه في الصحيحين من حديث حماد بن زيد به . وقوله: {فتبارك الله أحسن الخالقين} يعني: حين ذكر قدرته ولطفه في خلق هذه النطفة من حال إلى حال، وشكل إلى شكل، حتى تصورت إلى ما صارت إليه من الإنسان السوي الكامل الخلق، قال: {فتبارك الله أحسن الخالقين} قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا علي بن زيد، عن أنس، قال: قال عمر -يعني: ابن الخطاب رضي الله عنه-: وافقت ربي ووافقني في أربع: نزلت هذه الآية: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} الآية، قلت أنا: فتبارك الله أحسن الخالقين. فنزلت: {فتبارك الله أحسن الخالقين} وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شيبان، عن جابر الجعفي، عن عامر الشعبي، عن زيد بن ثابت الأنصاري قال: أملى علي رسول الله هذه الآية: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} إلى قوله: {خلقا آخر} ، فقال معاذ: {فتبارك الله أحسن الخالقين} ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له معاذ: مم ضحكت يا رسول الله؟ قال: "بها ختمت {فتبارك الله أحسن الخالقين} . جابر بن يزيد الجعفي ضعيف جدا، وفي خبره هذا نكارة شديدة، وذلك أن هذه السورة مكية، وزيد بن ثابت إنما كتب الوحي بالمدينة، وكذلك إسلام معاذ بن جبل إنما كان بالمدينة أيضا، فالله أعلم . وقوله: {ثم إنكم بعد ذلك لميتون} يعني: بعد هذه النشأة الأولى من العدم تصيرون إلى الموت، {ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} يعني: النشأة الآخرة، {ثم الله ينشئ النشأة الآخرة} [العنكبوت:20] يعني: يوم المعاد، وقيام الأرواح والأجساد، فيحاسب الخلائق، ويوفي كل عامل عمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين } . لما ذكر تعالى خلق الإنسان، عطف بذكر خلق السموات السبع، وكثيرا ما يذكر تعالى خلق السموات والأرض مع خلق الإنسان، كما قال تعالى: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} [غافر:57] . وهكذا في أول {الم} السجدة، التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها [في] صبيحة يوم الجمعة، في أولها خلق السموات والأرض، ثم بيان خلق الإنسان من سلالة من طين، وفيها أمر المعاد والجزاء، وغير ذلك من المقاصد. فقوله: {سبع طرائق} : قال مجاهد: يعني السموات السبع، وهذه كقوله تعالى: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن} [الإسراء: 44] ، {ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا} [نوح:15] ، {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} [الطلاق:12] . وهكذا قال هاهنا: {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين} أي: ويعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وهو معكم أينما كنتم، والله بما تعملون بصير. وهو -سبحانه-لا يحجب عنه سماء سماء، ولا أرض أرضا، ولا جبل إلا يعلم ما في وعره، ولا بحر إلا يعلم ما في قعره، يعلم عدد ما في الجبال والتلال والرمال، والبحار والقفار والأشجار، {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} [الأنعام: 59] . {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون } .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

أخرجاه في الصحيحين من حديث حماد بن زيد به . وقوله: {فتبارك الله أحسن الخالقين} يعني: حين ذكر قدرته ولطفه في خلق هذه النطفة من حال إلى حال، وشكل إلى شكل، حتى تصورت إلى ما صارت إليه من الإنسان السوي الكامل الخلق، قال: {فتبارك الله أحسن الخالقين} قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا علي بن زيد، عن أنس، قال: قال عمر -يعني: ابن الخطاب رضي الله عنه-: وافقت ربي ووافقني في أربع: نزلت هذه الآية: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} الآية، قلت أنا: فتبارك الله أحسن الخالقين. فنزلت: {فتبارك الله أحسن الخالقين} وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شيبان، عن جابر الجعفي، عن عامر الشعبي، عن زيد بن ثابت الأنصاري قال: أملى علي رسول الله هذه الآية: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} إلى قوله: {خلقا آخر} ، فقال معاذ: {فتبارك الله أحسن الخالقين} ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له معاذ: مم ضحكت يا رسول الله؟ قال: "بها ختمت {فتبارك الله أحسن الخالقين} . جابر بن يزيد الجعفي ضعيف جدا، وفي خبره هذا نكارة شديدة، وذلك أن هذه السورة مكية، وزيد بن ثابت إنما كتب الوحي بالمدينة، وكذلك إسلام معاذ بن جبل إنما كان بالمدينة أيضا، فالله أعلم . وقوله: {ثم إنكم بعد ذلك لميتون} يعني: بعد هذه النشأة الأولى من العدم تصيرون إلى الموت، {ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} يعني: النشأة الآخرة، {ثم الله ينشئ النشأة الآخرة} [العنكبوت:20] يعني: يوم المعاد، وقيام الأرواح والأجساد، فيحاسب الخلائق، ويوفي كل عامل عمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين } . لما ذكر تعالى خلق الإنسان، عطف بذكر خلق السموات السبع، وكثيرا ما يذكر تعالى خلق السموات والأرض مع خلق الإنسان، كما قال تعالى: {لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} [غافر:57] . وهكذا في أول {الم} السجدة، التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها [في] صبيحة يوم الجمعة، في أولها خلق السموات والأرض، ثم بيان خلق الإنسان من سلالة من طين، وفيها أمر المعاد والجزاء، وغير ذلك من المقاصد. فقوله: {سبع طرائق} : قال مجاهد: يعني السموات السبع، وهذه كقوله تعالى: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن} [الإسراء: 44] ، {ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا} [نوح:15] ، {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} [الطلاق:12] . وهكذا قال هاهنا: {ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين} أي: ويعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وهو معكم أينما كنتم، والله بما تعملون بصير. وهو -سبحانه-لا يحجب عنه سماء سماء، ولا أرض أرضا، ولا جبل إلا يعلم ما في وعره، ولا بحر إلا يعلم ما في قعره، يعلم عدد ما في الجبال والتلال والرمال، والبحار والقفار والأشجار، {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} [الأنعام: 59] . {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون } .

Dio V05/P469–V05/P471İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P469–V05/P471)
Orijinal Metin (AR)

يذكر تعالى نعمه على عبيده التي لا تعد ولا تحصى، في إنزاله القطر من السماء {بقدر} أي: بحسب الحاجة، لا كثيرا فيفسد الأرض والعمران، ولا قليلا فلا يكفي الزروع والثمار، بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به، حتى إن الأراضي التي تحتاج ماء كثيرا لزرعها ولا تحتمل دمنتها إنزال المطر عليها، يسوق إليها الماء من بلاد أخرى، كما في أرض مصر، ويقال لها: "الأرض الجرز"، يسوق الله إليها ماء النيل معه طين أحمر يجترفه من بلاد الحبشة في زمان أمطارها، فيأتي الماء يحمل طينا أحمر، فيسقي أرض مصر، ويقر الطين على أرضهم ليزدرعوا فيه، لأن أرضهم سباخ يغلب عليها الرمال، فسبحان اللطيف الخبير الرحيم الغفور. وقوله: {فأسكناه في الأرض} أي: جعلنا الماء إذا نزل من السحاب يخلد في الأرض، وجعلنا في الأرض قابلية له، تشربه ويتغذى به ما فيها من الحب والنوى. وقوله: {وإنا على ذهاب به لقادرون} أي: لو شئنا ألا تمطر لفعلنا، ولو شئنا لصرفناه عنكم إلى السباخ والبراري [والبحار] والقفار لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه أجاجا لا ينتفع به لشرب ولا لسقي لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه لا ينزل في الأرض، بل ينجر على وجهها لفعلنا. ولو شئنا لجعلناه إذا نزل فيها يغور إلى مدى لا تصلون إليه ولا تنتفعون به لفعلنا. ولكن بلطفه ورحمته ينزل عليكم الماء من السحاب عذبا فراتا زلالا فيسكنه في الأرض ويسلكه ينابيع في الأرض، فيفتح العيون والأنهار، فيسقي به الزروع والثمار، وتشربون منه ودوابكم وأنعامكم، وتغتسلون منه وتتطهرون وتتنظفون، فله الحمد والمنة. وقوله: {فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب} يعني: فأخرجنا لكم بما أنزلنا من الماء {جنات} أي: بساتين وحدائق ذات بهجة، أي: ذات منظر حسن. وقوله: {من نخيل وأعناب} أي: فيها نخيل وأعناب. وهذا ما كان يألف أهل الحجاز، ولا فرق بين الشيء وبين نظيره، وكذلك في حق كل أهل إقليم، عندهم من الثمار من نعمة الله عليهم ما يعجزون عن القيام بشكره. وقوله: {لكم فيها فواكه كثيرة} أي: من جميع الثمار، كما قال: {ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات} [النحل: 11] . وقوله: {ومنها تأكلون} كأنه معطوف على شيء مقدر، تقديره: تنظرون إلى حسنه ونضجه، ومنه تأكلون. وقوله: {وشجرة تخرج من طور سيناء} يعني: الزيتونة. والطور: هو الجبل. وقال بعضهم: إنما يسمى طورا إذا كان فيه شجر، فإن عرى عنها سمي جبلا لا طورا، والله أعلم. وطور سيناء: هو طور سينين، وهو الجبل الذي كلم [الله] عليه موسى بن عمران، عليه السلام، وما حوله من الجبال التي فيها شجر الزيتون. وقوله: {تنبت بالدهن} : قال بعضهم: الباء زائدة، وتقديره: تنبت الدهن، كما في قول العرب: ألقى فلان بيده، أي: يده. وأما على قول من يضمن الفعل فتقديره: تخرج بالدهن، أو تأتي بالدهن؛ ولهذا قال: {وصبغ} أي: أدم، قاله قتادة. {للآكلين} أي: فيها ما ينتفع به من الدهن والاصطباغ، كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن عبد الله بن عيسى، عن عطاء الشامي، عن أبي أسيد -واسمه مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلوا الزيت وادهنوا به ؛ فإنه من شجرة مباركة" . وقال عبد بن حميد في مسنده وتفسيره: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ائتدموا بالزيت وادهنوا به، فإنه يخرج من شجرة مباركة". ورواه الترمذي وابن ماجه من غير وجه، عن عبد الرزاق . قال الترمذي: ولا يعرف إلا من حديثه، وكان يضطرب فيه، فربما ذكر فيه عمر وربما لم يذكره. قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثني الصعب بن حكيم بن شريك بن نملة، عن أبيه عن جده، قال: ضفت عمر بن الخطاب ليلة عاشوراء ، فأطعمني من رأس بعير بارد، وأطعمنا زيتا، وقال: هذا الزيت المبارك الذي قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

يذكر تعالى نعمه على عبيده التي لا تعد ولا تحصى، في إنزاله القطر من السماء {بقدر} أي: بحسب الحاجة، لا كثيرا فيفسد الأرض والعمران، ولا قليلا فلا يكفي الزروع والثمار، بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به، حتى إن الأراضي التي تحتاج ماء كثيرا لزرعها ولا تحتمل دمنتها إنزال المطر عليها، يسوق إليها الماء من بلاد أخرى، كما في أرض مصر، ويقال لها: "الأرض الجرز"، يسوق الله إليها ماء النيل معه طين أحمر يجترفه من بلاد الحبشة في زمان أمطارها، فيأتي الماء يحمل طينا أحمر، فيسقي أرض مصر، ويقر الطين على أرضهم ليزدرعوا فيه، لأن أرضهم سباخ يغلب عليها الرمال، فسبحان اللطيف الخبير الرحيم الغفور. وقوله: {فأسكناه في الأرض} أي: جعلنا الماء إذا نزل من السحاب يخلد في الأرض، وجعلنا في الأرض قابلية له، تشربه ويتغذى به ما فيها من الحب والنوى. وقوله: {وإنا على ذهاب به لقادرون} أي: لو شئنا ألا تمطر لفعلنا، ولو شئنا لصرفناه عنكم إلى السباخ والبراري [والبحار] والقفار لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه أجاجا لا ينتفع به لشرب ولا لسقي لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه لا ينزل في الأرض، بل ينجر على وجهها لفعلنا. ولو شئنا لجعلناه إذا نزل فيها يغور إلى مدى لا تصلون إليه ولا تنتفعون به لفعلنا. ولكن بلطفه ورحمته ينزل عليكم الماء من السحاب عذبا فراتا زلالا فيسكنه في الأرض ويسلكه ينابيع في الأرض، فيفتح العيون والأنهار، فيسقي به الزروع والثمار، وتشربون منه ودوابكم وأنعامكم، وتغتسلون منه وتتطهرون وتتنظفون، فله الحمد والمنة. وقوله: {فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب} يعني: فأخرجنا لكم بما أنزلنا من الماء {جنات} أي: بساتين وحدائق ذات بهجة، أي: ذات منظر حسن. وقوله: {من نخيل وأعناب} أي: فيها نخيل وأعناب. وهذا ما كان يألف أهل الحجاز، ولا فرق بين الشيء وبين نظيره، وكذلك في حق كل أهل إقليم، عندهم من الثمار من نعمة الله عليهم ما يعجزون عن القيام بشكره. وقوله: {لكم فيها فواكه كثيرة} أي: من جميع الثمار، كما قال: {ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات} [النحل: 11] . وقوله: {ومنها تأكلون} كأنه معطوف على شيء مقدر، تقديره: تنظرون إلى حسنه ونضجه، ومنه تأكلون. وقوله: {وشجرة تخرج من طور سيناء} يعني: الزيتونة. والطور: هو الجبل. وقال بعضهم: إنما يسمى طورا إذا كان فيه شجر، فإن عرى عنها سمي جبلا لا طورا، والله أعلم. وطور سيناء: هو طور سينين، وهو الجبل الذي كلم [الله] عليه موسى بن عمران، عليه السلام، وما حوله من الجبال التي فيها شجر الزيتون. وقوله: {تنبت بالدهن} : قال بعضهم: الباء زائدة، وتقديره: تنبت الدهن، كما في قول العرب: ألقى فلان بيده، أي: يده. وأما على قول من يضمن الفعل فتقديره: تخرج بالدهن، أو تأتي بالدهن؛ ولهذا قال: {وصبغ} أي: أدم، قاله قتادة. {للآكلين} أي: فيها ما ينتفع به من الدهن والاصطباغ، كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن عبد الله بن عيسى، عن عطاء الشامي، عن أبي أسيد -واسمه مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلوا الزيت وادهنوا به ؛ فإنه من شجرة مباركة" . وقال عبد بن حميد في مسنده وتفسيره: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ائتدموا بالزيت وادهنوا به، فإنه يخرج من شجرة مباركة". ورواه الترمذي وابن ماجه من غير وجه، عن عبد الرزاق . قال الترمذي: ولا يعرف إلا من حديثه، وكان يضطرب فيه، فربما ذكر فيه عمر وربما لم يذكره. قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثني الصعب بن حكيم بن شريك بن نملة، عن أبيه عن جده، قال: ضفت عمر بن الخطاب ليلة عاشوراء ، فأطعمني من رأس بعير بارد، وأطعمنا زيتا، وقال: هذا الزيت المبارك الذي قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم .

Dio V05/P471–V05/P472İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P471–V05/P472)
Orijinal Metin (AR)

وقوله: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون} : يذكر تعالى ما جعل لخلقه في الأنعام من المنافع، وذلك أنهم يشربون من ألبانها الخارجة من بين فرث ودم، ويأكلون من حملانها، ويلبسون من أصوافها وأوبارها وأشعارها، ويركبون ظهورها ويحملونها الأحمال الثقال إلى البلاد النائية عنهم، كما قال تعالى: {وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم} [النحل: 7] ، وقال تعالى: {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون. وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون. ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون} [يس: 71-73] . {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين } . يخبر تعالى عن نوح، عليه السلام، حين بعثه إلى قومه، لينذرهم عذاب الله وبأسه الشديد، وانتقامه ممن أشرك به وخالف أمره وكذب رسله، {فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون} أي: ألا تخافون من الله في إشراككم به؟! فقال الملأ -وهم السادة والأكابر منهم-: {ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم} يعنون: يترفع عليكم ويتعاظم بدعوى النبوة، وهو بشر مثلكم. فكيف أوحي إليه دونكم؟ {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} أي: لو أراد أن يبعث نبيا، لبعث ملكا من عنده ولم يكن بشرا! {ما سمعنا بهذا} أي: ببعثة البشر في آبائنا الأولين. يعنون بهذا أسلافهم وأجدادهم والأمم الماضية. وقوله: {إن هو إلا رجل به جنة} أي: مجنون فيما يزعمه، من أن الله أرسله إليكم، واختصه من بينكم بالوحي {فتربصوا به حتى حين} أي: انتظروا به ريب المنون، واصبروا عليه مدة حتى تستريحوا منه. {قال رب انصرني بما كذبون فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين } . يقول تعالى مخبرا عن نوح، عليه السلام، أنه دعا ربه يستنصره على قومه، كما قال تعالى مخبرا [عنه] في الآية الأخرى: {فدعا ربه أني مغلوب فانتصر} [القمر: 10] ، وقال هاهنا: { [قال] رب انصرني بما كذبون} فعند ذلك أمره الله تعالى بصنعة السفينة وإحكامها وإتقانها، وأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، أي: ذكرا وأنثى من كل صنف من الحيوانات والنباتات والثمار، وغير ذلك، وأن يحمل فيها أهله {إلا من سبق عليه القول} أي: سبق فيه القول من الله بالهلاك، وهم الذين لم يؤمنوا به من أهله، كابنه وزوجته، والله أعلم. وقوله: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} أي: عند معاينة إنزال المطر العظيم، لا تأخذنك رأفة بقومك، وشفقة عليهم، وطمع في تأخيرهم لعلهم يؤمنون، فإني قد قضيت أنهم مغرقون على ما هم عليه من الكفر والطغيان. وقد تقدمت القصة مبسوطة في سورة "هود" بما يغني عن إعادة ذلك هاهنا.

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقوله: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون} : يذكر تعالى ما جعل لخلقه في الأنعام من المنافع، وذلك أنهم يشربون من ألبانها الخارجة من بين فرث ودم، ويأكلون من حملانها، ويلبسون من أصوافها وأوبارها وأشعارها، ويركبون ظهورها ويحملونها الأحمال الثقال إلى البلاد النائية عنهم، كما قال تعالى: {وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم} [النحل: 7] ، وقال تعالى: {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون. وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون. ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون} [يس: 71-73] . {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين } . يخبر تعالى عن نوح، عليه السلام، حين بعثه إلى قومه، لينذرهم عذاب الله وبأسه الشديد، وانتقامه ممن أشرك به وخالف أمره وكذب رسله، {فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون} أي: ألا تخافون من الله في إشراككم به؟! فقال الملأ -وهم السادة والأكابر منهم-: {ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم} يعنون: يترفع عليكم ويتعاظم بدعوى النبوة، وهو بشر مثلكم. فكيف أوحي إليه دونكم؟ {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} أي: لو أراد أن يبعث نبيا، لبعث ملكا من عنده ولم يكن بشرا! {ما سمعنا بهذا} أي: ببعثة البشر في آبائنا الأولين. يعنون بهذا أسلافهم وأجدادهم والأمم الماضية. وقوله: {إن هو إلا رجل به جنة} أي: مجنون فيما يزعمه، من أن الله أرسله إليكم، واختصه من بينكم بالوحي {فتربصوا به حتى حين} أي: انتظروا به ريب المنون، واصبروا عليه مدة حتى تستريحوا منه. {قال رب انصرني بما كذبون فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين } . يقول تعالى مخبرا عن نوح، عليه السلام، أنه دعا ربه يستنصره على قومه، كما قال تعالى مخبرا [عنه] في الآية الأخرى: {فدعا ربه أني مغلوب فانتصر} [القمر: 10] ، وقال هاهنا: { [قال] رب انصرني بما كذبون} فعند ذلك أمره الله تعالى بصنعة السفينة وإحكامها وإتقانها، وأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، أي: ذكرا وأنثى من كل صنف من الحيوانات والنباتات والثمار، وغير ذلك، وأن يحمل فيها أهله {إلا من سبق عليه القول} أي: سبق فيه القول من الله بالهلاك، وهم الذين لم يؤمنوا به من أهله، كابنه وزوجته، والله أعلم. وقوله: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} أي: عند معاينة إنزال المطر العظيم، لا تأخذنك رأفة بقومك، وشفقة عليهم، وطمع في تأخيرهم لعلهم يؤمنون، فإني قد قضيت أنهم مغرقون على ما هم عليه من الكفر والطغيان. وقد تقدمت القصة مبسوطة في سورة "هود" بما يغني عن إعادة ذلك هاهنا.

Dio V05/P472–V05/P474İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P472–V05/P474)
Orijinal Metin (AR)

وقوله: {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين} ، كما قال: {وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون. لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. وإنا إلى ربنا لمنقلبون} [الزخرف: 12-14] . وقد امتثل نوح، عليه السلام، هذا، كما قال تعالى: {وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها} [هود:41] . فذكر الله تعالى عند ابتداء سيره وعند انتهائه، وقال تعالى: {وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين} . وقوله: {إن في ذلك لآيات} أي: إن في هذا الصنيع -وهو إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين- {لآيات} أي: لحججا ودلالات واضحات على صدق الأنبياء فيما جاءوا به عن الله تعالى، وأنه تعالى فاعل لما يشاء، وقادر على كل شيء، عليم بكل شيء. وقوله: {وإن كنا لمبتلين} أي: لمختبرين للعباد بإرسال المرسلين. {ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين قال رب انصرني بما كذبون قال عما قليل ليصبحن نادمين فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين } . يخبر تعالى أنه أنشأ بعد قوم نوح قرنا آخرين -قيل: المراد بهم عاد، فإنهم كانوا مستخلفين بعدهم. وقيل: المراد بهؤلاء ثمود؛ لقوله: {فأخذتهم الصيحة بالحق} -وأنه تعالى أرسل فيهم رسولا منهم، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. فكذبوه وخالفوه، وأبوا من اتباعه لكونه بشرا مثلهم، واستنكفوا عن اتباع رسول بشري، فكذبوا بلقاء الله في القيامة، وأنكروا المعاد الجثماني، وقالوا {أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون. هيهات هيهات لما توعدون} أي: بعيد بعيد ذلك. {إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا} أي: فيما جاءكم به من الرسالة والنذارة والإخبار بالمعاد. {وما نحن له بمؤمنين. قال رب انصرني بما كذبون} أي: استفتح عليهم الرسول واستنصر ربه عليهم، فأجاب دعاءه، {قال عما قليل ليصبحن نادمين} أي: بمخالفتك وعنادك فيما جئتهم به، {فأخذتهم الصيحة بالحق} أي: وكانوا يستحقون ذلك من الله لكفرهم وطغيانهم. والظاهر أنه اجتمع عليهم صيحة مع الريح الصرصر العاصف القوي الباردة، {تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} [الأحقاف: 25] . وقوله: {فجعلناهم غثاء} أي: صرعى هلكى كغثاء السيل، وهو الشيء الحقير التافه الهالك الذي لا ينتفع بشيء منه. {فبعدا للقوم الظالمين} ، كقوله : {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين} [الزخرف:76] أي: بكفرهم وعنادهم ومخالفة رسول الله، فليحذر السامعون أن يكذبوا رسولهم. {ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين } {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ثم أرسلنا رسلنا تترى كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون } . يقول تعالى: {ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين} أي: أمما وخلائق، {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون} يعني : بل يؤخذون حسب ما قدر لهم تعالى في كتابه المحفوظ وعلمه قبل كونهم، أمة بعد أمة، وقرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، وخلفا بعد سلف. {ثم أرسلنا رسلنا تترى} : قال ابن عباس: يعني يتبع بعضهم بعضا. وهذه كقوله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} [النحل: 36] ، وقوله: {كل ما جاء أمة رسولها كذبوه} يعني: جمهورهم وأكثرهم، كقوله تعالى: {يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} [يس:30] .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقوله: {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين} ، كما قال: {وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون. لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. وإنا إلى ربنا لمنقلبون} [الزخرف: 12-14] . وقد امتثل نوح، عليه السلام، هذا، كما قال تعالى: {وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها} [هود:41] . فذكر الله تعالى عند ابتداء سيره وعند انتهائه، وقال تعالى: {وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين} . وقوله: {إن في ذلك لآيات} أي: إن في هذا الصنيع -وهو إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين- {لآيات} أي: لحججا ودلالات واضحات على صدق الأنبياء فيما جاءوا به عن الله تعالى، وأنه تعالى فاعل لما يشاء، وقادر على كل شيء، عليم بكل شيء. وقوله: {وإن كنا لمبتلين} أي: لمختبرين للعباد بإرسال المرسلين. {ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين قال رب انصرني بما كذبون قال عما قليل ليصبحن نادمين فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين } . يخبر تعالى أنه أنشأ بعد قوم نوح قرنا آخرين -قيل: المراد بهم عاد، فإنهم كانوا مستخلفين بعدهم. وقيل: المراد بهؤلاء ثمود؛ لقوله: {فأخذتهم الصيحة بالحق} -وأنه تعالى أرسل فيهم رسولا منهم، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له. فكذبوه وخالفوه، وأبوا من اتباعه لكونه بشرا مثلهم، واستنكفوا عن اتباع رسول بشري، فكذبوا بلقاء الله في القيامة، وأنكروا المعاد الجثماني، وقالوا {أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون. هيهات هيهات لما توعدون} أي: بعيد بعيد ذلك. {إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا} أي: فيما جاءكم به من الرسالة والنذارة والإخبار بالمعاد. {وما نحن له بمؤمنين. قال رب انصرني بما كذبون} أي: استفتح عليهم الرسول واستنصر ربه عليهم، فأجاب دعاءه، {قال عما قليل ليصبحن نادمين} أي: بمخالفتك وعنادك فيما جئتهم به، {فأخذتهم الصيحة بالحق} أي: وكانوا يستحقون ذلك من الله لكفرهم وطغيانهم. والظاهر أنه اجتمع عليهم صيحة مع الريح الصرصر العاصف القوي الباردة، {تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} [الأحقاف: 25] . وقوله: {فجعلناهم غثاء} أي: صرعى هلكى كغثاء السيل، وهو الشيء الحقير التافه الهالك الذي لا ينتفع بشيء منه. {فبعدا للقوم الظالمين} ، كقوله : {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين} [الزخرف:76] أي: بكفرهم وعنادهم ومخالفة رسول الله، فليحذر السامعون أن يكذبوا رسولهم. {ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين } {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ثم أرسلنا رسلنا تترى كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون } . يقول تعالى: {ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين} أي: أمما وخلائق، {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون} يعني : بل يؤخذون حسب ما قدر لهم تعالى في كتابه المحفوظ وعلمه قبل كونهم، أمة بعد أمة، وقرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، وخلفا بعد سلف. {ثم أرسلنا رسلنا تترى} : قال ابن عباس: يعني يتبع بعضهم بعضا. وهذه كقوله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} [النحل: 36] ، وقوله: {كل ما جاء أمة رسولها كذبوه} يعني: جمهورهم وأكثرهم، كقوله تعالى: {يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} [يس:30] .

Dio V05/P474–V05/P476İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P474–V05/P476)
Orijinal Metin (AR)

وقوله: {فأتبعنا بعضهم بعضا} أي: أهلكناهم، كقوله: {وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح} [الإسراء: 17] . {وجعلناهم أحاديث} أي: أخبارا وأحاديث للناس، كقوله: {فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق} [الآية] [سبأ: 19] [ {فبعدا لقوم لا يؤمنون} ] . {ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون فكذبوهما فكانوا من المهلكين ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون } . يخبر تعالى أنه بعث رسوله موسى، عليه السلام، وأخاه هارون إلى فرعون وملئه، بالآيات والحجج الدامغات، والبراهين القاطعات، وأن فرعون وقومه استكبروا عن اتباعهما، والانقياد لأمرهما، لكونهما بشرين كما أنكرت الأمم الماضية بعثة الرسل من البشر، تشابهت قلوبهم، فأهلك الله فرعون وملأه، وأغرقهم في يوم واحد أجمعين، وأنزل على موسى الكتاب -وهو التوراة-فيها أحكامه وأوامره ونواهيه، وذلك بعد ما قصم الله فرعون والقبط، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر؛ وبعد أن أنزل الله التوراة لم يهلك أمة بعامة، بل أمر المؤمنين بقتال الكافرين، كما قال تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون} [القصص: 43] . ثم قال تعالى: {وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين } . يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله عيسى ابن مريم، عليهما السلام، أنه جعلهما آية للناس: أي حجة قاطعة على قدرته على ما يشاء، فإنه خلق آدم من غير أب ولا أم، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الناس من ذكر وأنثى. وقوله: {وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين} قال الضحاك، عن ابن عباس: الربوة: المكان المرتفع من الأرض، وهو أحسن ما يكون فيه النبات. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة. قال ابن عباس: وقوله: {ذات قرار} يقول: ذات خصب {ومعين} يعني: ماء ظاهرا . وقال مجاهد: ربوة مستوية. وقال سعيد بن جبير: {ذات قرار ومعين} : استوى الماء فيها. وقال مجاهد، وقتادة: {ومعين} : الماء الجاري. ثم اختلف المفسرون في مكان هذه الربوة في أي أرض [الله] هي؟ فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ليس الربى إلا بمصر. والماء حين يرسل يكون الربى عليها القرى، ولولا الربى غرقت القرى. وروي عن وهب بن منبه نحو هذا، وهو بعيد جدا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى: {وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين} ، قال: هي دمشق . قال: وروي عن عبد الله بن سلام، والحسن، وزيد بن أسلم، وخالد بن معدان نحو ذلك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: {ذات قرار ومعين} قال: أنهار دمشق. وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: {وآويناهما إلى ربوة [ذات قرار ومعين] } ، قال: عيسى ابن مريم وأمه، حين أويا إلى غوطة دمشق وما حولها. وقال عبد الرزاق، عن بشر بن رافع، عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: في قوله : {: إلى ربوة ذات قرار ومعين} قال: هي الرملة من فلسطين. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي، حدثنا رواد بن الجراح، حدثنا عباد بن عباد الخواص أبو عتبة، حدثنا السيباني ، عن ابن وعلة، عن كريب السحولي، عن مرة البهزي قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لرجل: "إنك ميت بالربوة" فمات بالرملة. وهذا حديث غريب جدا. وأقرب الأقوال في ذلك ما رواه العوفي، عن ابن عباس في قوله: {وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين} ، قال: المعين الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله تعالى: {قد جعل ربك تحتك سريا} [مريم: 24] .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقوله: {فأتبعنا بعضهم بعضا} أي: أهلكناهم، كقوله: {وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح} [الإسراء: 17] . {وجعلناهم أحاديث} أي: أخبارا وأحاديث للناس، كقوله: {فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق} [الآية] [سبأ: 19] [ {فبعدا لقوم لا يؤمنون} ] . {ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون فكذبوهما فكانوا من المهلكين ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون } . يخبر تعالى أنه بعث رسوله موسى، عليه السلام، وأخاه هارون إلى فرعون وملئه، بالآيات والحجج الدامغات، والبراهين القاطعات، وأن فرعون وقومه استكبروا عن اتباعهما، والانقياد لأمرهما، لكونهما بشرين كما أنكرت الأمم الماضية بعثة الرسل من البشر، تشابهت قلوبهم، فأهلك الله فرعون وملأه، وأغرقهم في يوم واحد أجمعين، وأنزل على موسى الكتاب -وهو التوراة-فيها أحكامه وأوامره ونواهيه، وذلك بعد ما قصم الله فرعون والقبط، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر؛ وبعد أن أنزل الله التوراة لم يهلك أمة بعامة، بل أمر المؤمنين بقتال الكافرين، كما قال تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون} [القصص: 43] . ثم قال تعالى: {وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين } . يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله عيسى ابن مريم، عليهما السلام، أنه جعلهما آية للناس: أي حجة قاطعة على قدرته على ما يشاء، فإنه خلق آدم من غير أب ولا أم، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الناس من ذكر وأنثى. وقوله: {وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين} قال الضحاك، عن ابن عباس: الربوة: المكان المرتفع من الأرض، وهو أحسن ما يكون فيه النبات. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة. قال ابن عباس: وقوله: {ذات قرار} يقول: ذات خصب {ومعين} يعني: ماء ظاهرا . وقال مجاهد: ربوة مستوية. وقال سعيد بن جبير: {ذات قرار ومعين} : استوى الماء فيها. وقال مجاهد، وقتادة: {ومعين} : الماء الجاري. ثم اختلف المفسرون في مكان هذه الربوة في أي أرض [الله] هي؟ فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ليس الربى إلا بمصر. والماء حين يرسل يكون الربى عليها القرى، ولولا الربى غرقت القرى. وروي عن وهب بن منبه نحو هذا، وهو بعيد جدا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى: {وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين} ، قال: هي دمشق . قال: وروي عن عبد الله بن سلام، والحسن، وزيد بن أسلم، وخالد بن معدان نحو ذلك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: {ذات قرار ومعين} قال: أنهار دمشق. وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: {وآويناهما إلى ربوة [ذات قرار ومعين] } ، قال: عيسى ابن مريم وأمه، حين أويا إلى غوطة دمشق وما حولها. وقال عبد الرزاق، عن بشر بن رافع، عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: في قوله : {: إلى ربوة ذات قرار ومعين} قال: هي الرملة من فلسطين. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي، حدثنا رواد بن الجراح، حدثنا عباد بن عباد الخواص أبو عتبة، حدثنا السيباني ، عن ابن وعلة، عن كريب السحولي، عن مرة البهزي قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لرجل: "إنك ميت بالربوة" فمات بالرملة. وهذا حديث غريب جدا. وأقرب الأقوال في ذلك ما رواه العوفي، عن ابن عباس في قوله: {وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين} ، قال: المعين الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله تعالى: {قد جعل ربك تحتك سريا} [مريم: 24] .

Dio V05/P476–V05/P478İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P476–V05/P478)
Orijinal Metin (AR)

وكذا قال الضحاك، وقتادة: {إلى ربوة ذات قرار ومعين} : هو بيت المقدس. فهذا والله أعلم هو الأظهر؛ لأنه المذكور في الآية الأخرى. والقرآن يفسر بعضه بعضا. وهو أولى ما يفسر به، ثم الأحاديث الصحيحة، ثم الآثار. {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون فذرهم في غمرتهم حتى حين أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون } . يأمر تعالى عباده المرسلين، عليهم الصلاة والسلام أجمعين، بالأكل من الحلال، والقيام بالصالح من الأعمال، فدل هذا على أن الحلال عون على العمل الصالح، فقام الأنبياء، عليهم السلام، بهذا أتم القيام. وجمعوا بين كل خير، قولا وعملا ودلالة ونصحا، فجزاهم الله عن العباد خيرا. قال الحسن البصري في قوله: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات} قال: أما والله ما أمروا بأصفركم ولا أحمركم، ولا حلوكم ولا حامضكم، ولكن قال: انتهوا إلى الحلال منه. وقال سعيد بن جبير، والضحاك: {كلوا من الطيبات} يعني: الحلال. وقال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي ميسرة بن شرحبيل: كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه. وفي الصحيح: "ما من نبي إلا رعى الغنم". قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: "نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" . وفي الصحيح: أن داود، عليه السلام، كان يأكل من كسب يده . وفي الصحيحين: "إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب القيام إلى الله قيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى" . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، أن أم عبد الله، أخت شداد بن أوس بعثت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقدح لبن عند فطره وهو صائم، وذلك في أول النهار وشدة الحر، فرد إليها رسولها: أنى كانت لك الشاة؟ فقالت: اشتريتها من مالي، فشرب منه، فلما كان الغد أتته أم عبد الله أخت شداد فقالت: يا رسول الله ، بعثت إليك بلبن مرثية لك من طول النهار وشدة الحر، فرددت إلي الرسول فيه؟. فقال لها: "بذلك أمرت الرسل، ألا تأكل إلا طيبا، ولا تعمل إلا صالحا" . وقد ثبت في صحيح مسلم، وجامع الترمذي، ومسند الإمام أحمد -واللفظ له-من حديث فضيل بن مرزوق، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} . وقال: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 172] . ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، فأنى يستجاب لذلك" . وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث فضيل بن مرزوق. وقوله: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة} أي : دينكم -يا معشر الأنبياء-دين واحد، وملة واحدة، وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ ولهذا قال: {وأنا ربكم فاتقون} ، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة "الأنبياء"، وأن قوله: {أمة واحدة} منصوب على الحال. وقوله: {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا} أي: الأمم الذين بعث إليهم الأنبياء، {كل حزب بما لديهم فرحون} أي: يفرحون بما هم فيه من الضلال؛ لأنهم يحسبون أنهم مهتدون؛ ولهذا قال متهددا لهم ومتواعدا: {فذرهم في غمرتهم} أي: في غيهم وضلالهم {حتى حين} أي: إلى حين حينهم وهلاكهم، كما قال تعالى: {فمهل الكافرين أمهلهم رويدا} [الطارق: 17] ، وقال تعالى: {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون} [الحجر: 3] .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وكذا قال الضحاك، وقتادة: {إلى ربوة ذات قرار ومعين} : هو بيت المقدس. فهذا والله أعلم هو الأظهر؛ لأنه المذكور في الآية الأخرى. والقرآن يفسر بعضه بعضا. وهو أولى ما يفسر به، ثم الأحاديث الصحيحة، ثم الآثار. {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون فذرهم في غمرتهم حتى حين أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون } . يأمر تعالى عباده المرسلين، عليهم الصلاة والسلام أجمعين، بالأكل من الحلال، والقيام بالصالح من الأعمال، فدل هذا على أن الحلال عون على العمل الصالح، فقام الأنبياء، عليهم السلام، بهذا أتم القيام. وجمعوا بين كل خير، قولا وعملا ودلالة ونصحا، فجزاهم الله عن العباد خيرا. قال الحسن البصري في قوله: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات} قال: أما والله ما أمروا بأصفركم ولا أحمركم، ولا حلوكم ولا حامضكم، ولكن قال: انتهوا إلى الحلال منه. وقال سعيد بن جبير، والضحاك: {كلوا من الطيبات} يعني: الحلال. وقال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي ميسرة بن شرحبيل: كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه. وفي الصحيح: "ما من نبي إلا رعى الغنم". قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: "نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" . وفي الصحيح: أن داود، عليه السلام، كان يأكل من كسب يده . وفي الصحيحين: "إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب القيام إلى الله قيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى" . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، أن أم عبد الله، أخت شداد بن أوس بعثت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقدح لبن عند فطره وهو صائم، وذلك في أول النهار وشدة الحر، فرد إليها رسولها: أنى كانت لك الشاة؟ فقالت: اشتريتها من مالي، فشرب منه، فلما كان الغد أتته أم عبد الله أخت شداد فقالت: يا رسول الله ، بعثت إليك بلبن مرثية لك من طول النهار وشدة الحر، فرددت إلي الرسول فيه؟. فقال لها: "بذلك أمرت الرسل، ألا تأكل إلا طيبا، ولا تعمل إلا صالحا" . وقد ثبت في صحيح مسلم، وجامع الترمذي، ومسند الإمام أحمد -واللفظ له-من حديث فضيل بن مرزوق، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} . وقال: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 172] . ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، فأنى يستجاب لذلك" . وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث فضيل بن مرزوق. وقوله: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة} أي : دينكم -يا معشر الأنبياء-دين واحد، وملة واحدة، وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له؛ ولهذا قال: {وأنا ربكم فاتقون} ، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة "الأنبياء"، وأن قوله: {أمة واحدة} منصوب على الحال. وقوله: {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا} أي: الأمم الذين بعث إليهم الأنبياء، {كل حزب بما لديهم فرحون} أي: يفرحون بما هم فيه من الضلال؛ لأنهم يحسبون أنهم مهتدون؛ ولهذا قال متهددا لهم ومتواعدا: {فذرهم في غمرتهم} أي: في غيهم وضلالهم {حتى حين} أي: إلى حين حينهم وهلاكهم، كما قال تعالى: {فمهل الكافرين أمهلهم رويدا} [الطارق: 17] ، وقال تعالى: {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون} [الحجر: 3] .

Dio V05/P478–V05/P479İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P478–V05/P479)
Orijinal Metin (AR)

وقوله: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} يعني: أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا ومعزتهم عندنا؟! كلا ليس الأمر كما يزعمون في قولهم: {نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين} [سبأ:35] ، لقد أخطؤوا في ذلك وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجا وإنظارا وإملاء؛ ولهذا قال: {بل لا يشعرون} ، كما قال تعالى: {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} [التوبة: 55] ، وقال تعالى: {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} [آل عمران: 178] ، وقال تعالى: {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين} [القلم: 44، 45] ، وقال: {ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا} [المدثر: 11-16] وقال تعالى: {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون} [سبأ: 37] والآيات في هذا كثيرة. قال قتادة في قوله: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} قال: مكر والله بالقوم في أموالهم وأولادهم، يا ابن آدم، فلا تعتبر الناس بأموالهم وأولادهم، ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد [بن عبيد، حدثنا أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمد، عن مرة الهمداني، حدثنا عبد الله] بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه-قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال: غشمه وظلمه- ولا يكسب عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث" . {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون } {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون } . يقول تعالى: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون} أي: هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح، مشفقون من الله خائفون منه، وجلون من مكره بهم، كما قال الحسن البصري: إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة وأمنا. {والذين هم بآيات ربهم يؤمنون} أي: يؤمنون بآياته الكونية والشرعية، كقوله تعالى إخبارا عن مريم، عليها السلام: {وصدقت بكلمات ربها وكتبه} [التحريم: 12] ، أي: أيقنت أن ما كان فإنما هو عن قدر الله وقضائه، وما شرعه الله فهو إن كان أمرا فمما يحبه ويرضاه، وإن كان نهيا فهو مما يكرهه ويأباه، وإن كان خيرا فهو حق، كما قال الله تعالى: {والذين هم بربهم لا يشركون} أي: لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا الله أحدا صمدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأنه لا نظير له ولا كفء له. وقوله: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} أي: يعطون العطاء وهم خائفون ألا يتقبل منهم، لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشروط الإعطاء. وهذا من باب الإشفاق والاحتياط، كما قال الإمام أحمد:

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقوله: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} يعني: أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا ومعزتهم عندنا؟! كلا ليس الأمر كما يزعمون في قولهم: {نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين} [سبأ:35] ، لقد أخطؤوا في ذلك وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجا وإنظارا وإملاء؛ ولهذا قال: {بل لا يشعرون} ، كما قال تعالى: {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} [التوبة: 55] ، وقال تعالى: {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} [آل عمران: 178] ، وقال تعالى: {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين} [القلم: 44، 45] ، وقال: {ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا} [المدثر: 11-16] وقال تعالى: {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون} [سبأ: 37] والآيات في هذا كثيرة. قال قتادة في قوله: {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} قال: مكر والله بالقوم في أموالهم وأولادهم، يا ابن آدم، فلا تعتبر الناس بأموالهم وأولادهم، ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد [بن عبيد، حدثنا أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمد، عن مرة الهمداني، حدثنا عبد الله] بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه-قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال: غشمه وظلمه- ولا يكسب عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث" . {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون } {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون } . يقول تعالى: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون} أي: هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح، مشفقون من الله خائفون منه، وجلون من مكره بهم، كما قال الحسن البصري: إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة وأمنا. {والذين هم بآيات ربهم يؤمنون} أي: يؤمنون بآياته الكونية والشرعية، كقوله تعالى إخبارا عن مريم، عليها السلام: {وصدقت بكلمات ربها وكتبه} [التحريم: 12] ، أي: أيقنت أن ما كان فإنما هو عن قدر الله وقضائه، وما شرعه الله فهو إن كان أمرا فمما يحبه ويرضاه، وإن كان نهيا فهو مما يكرهه ويأباه، وإن كان خيرا فهو حق، كما قال الله تعالى: {والذين هم بربهم لا يشركون} أي: لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا الله أحدا صمدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأنه لا نظير له ولا كفء له. وقوله: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} أي: يعطون العطاء وهم خائفون ألا يتقبل منهم، لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشروط الإعطاء. وهذا من باب الإشفاق والاحتياط، كما قال الإمام أحمد:

Dio V05/P479–V05/P481İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P479–V05/P481)
Orijinal Metin (AR)

حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا مالك بن مغول، حدثنا عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، عن عائشة؛ أنها قالت: يا رسول الله، {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} ، هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله عز وجل؟ قال: "لا يا بنت أبي بكر، يا بنت الصديق، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق، وهو يخاف الله عز وجل". وهكذا رواه الترمذي وابن أبي حاتم، من حديث مالك بن مغول، به بنحوه . وقال: "لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون، وهم يخافون ألا يقبل منهم، {أولئك يسارعون في الخيرات} قال الترمذي: وروي هذا الحديث من حديث عبد الرحمن بن سعيد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا . وهكذا قال ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي، والحسن البصري في تفسير هذه الآية. وقد قرأ آخرون هذه الآية: "والذين يأتون ما أتوا وقلوبهم وجلة" أي: يفعلون ما يفعلون وهم خائفون، وروي هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ كذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا صخر بن جويرية، حدثنا إسماعيل المكي، حدثني أبو خلف مولى بني جمح: أنه دخل مع عبيد بن عمير على عائشة، رضي الله عنها، فقالت: مرحبا بأبي عاصم، ما يمنعك أن تزورنا -أو: تلم بنا؟ -فقال: أخشى أن أملك. فقالت: ما كنت لتفعل؟ قال: جئت لأسأل عن آية في كتاب الله عز وجل، كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها؟ قالت: أية آية؟ فقال: {الذين يأتون ما أتوا} أو {الذين يؤتون ما آتوا} ؟ فقالت: أيتهما أحب إليك؟ فقلت: والذي نفسي بيده، لإحداهما أحب إلي من الدنيا جميعا -أو: الدنيا وما فيها-قالت: وما هي؟ فقلت: {الذين يأتون ما أتوا} فقالت: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك كان يقرؤها، وكذلك أنزلت، ولكن الهجاء حرف . إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف. والمعنى على القراءة الأولى -وهي قراءة الجمهور: السبعة وغيرهم-أظهر؛ لأنه قال: {أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} ، فجعلهم من السابقين. ولو كان المعنى على القراءة الأخرى لأوشك ألا يكونوا من السابقين، بل من المقتصدين أو المقصرين، والله تعالى أعلم. {ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به سامرا تهجرون } . يقول تعالى مخبرا عن عدله في شرعه على عباده في الدنيا: أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، أي: إلا ما تطيق حمله والقيام به، وأنه يوم القيامة يحاسبهم بأعمالهم التي كتبها عليهم في كتاب مسطور لا يضيع منه شيء؛ ولهذا قال: {ولدينا كتاب ينطق بالحق} يعني: كتاب الأعمال، {وهم لا يظلمون} أي: لا يبخسون من الخير شيئا، وأما السيئات فيعفو ويصفح عن كثير منها لعباده المؤمنين. ثم قال منكرا على الكفار والمشركين من قريش: {بل قلوبهم في غمرة} أي: غفلة وضلالة {من هذا} أي: القرآن الذي أنزله [الله تعالى] على رسوله صلى الله عليه وسلم. وقوله: {ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون} : قال الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس: {ولهم أعمال} أي: سيئة من دون ذلك، يعني: الشرك، {هم لها عاملون} قال: لا بد أن يعملوها. كذا روي عن مجاهد، والحسن، وغير واحد.

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا مالك بن مغول، حدثنا عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، عن عائشة؛ أنها قالت: يا رسول الله، {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} ، هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله عز وجل؟ قال: "لا يا بنت أبي بكر، يا بنت الصديق، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق، وهو يخاف الله عز وجل". وهكذا رواه الترمذي وابن أبي حاتم، من حديث مالك بن مغول، به بنحوه . وقال: "لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون، وهم يخافون ألا يقبل منهم، {أولئك يسارعون في الخيرات} قال الترمذي: وروي هذا الحديث من حديث عبد الرحمن بن سعيد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا . وهكذا قال ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي، والحسن البصري في تفسير هذه الآية. وقد قرأ آخرون هذه الآية: "والذين يأتون ما أتوا وقلوبهم وجلة" أي: يفعلون ما يفعلون وهم خائفون، وروي هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ كذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا صخر بن جويرية، حدثنا إسماعيل المكي، حدثني أبو خلف مولى بني جمح: أنه دخل مع عبيد بن عمير على عائشة، رضي الله عنها، فقالت: مرحبا بأبي عاصم، ما يمنعك أن تزورنا -أو: تلم بنا؟ -فقال: أخشى أن أملك. فقالت: ما كنت لتفعل؟ قال: جئت لأسأل عن آية في كتاب الله عز وجل، كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها؟ قالت: أية آية؟ فقال: {الذين يأتون ما أتوا} أو {الذين يؤتون ما آتوا} ؟ فقالت: أيتهما أحب إليك؟ فقلت: والذي نفسي بيده، لإحداهما أحب إلي من الدنيا جميعا -أو: الدنيا وما فيها-قالت: وما هي؟ فقلت: {الذين يأتون ما أتوا} فقالت: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك كان يقرؤها، وكذلك أنزلت، ولكن الهجاء حرف . إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف. والمعنى على القراءة الأولى -وهي قراءة الجمهور: السبعة وغيرهم-أظهر؛ لأنه قال: {أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} ، فجعلهم من السابقين. ولو كان المعنى على القراءة الأخرى لأوشك ألا يكونوا من السابقين، بل من المقتصدين أو المقصرين، والله تعالى أعلم. {ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به سامرا تهجرون } . يقول تعالى مخبرا عن عدله في شرعه على عباده في الدنيا: أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، أي: إلا ما تطيق حمله والقيام به، وأنه يوم القيامة يحاسبهم بأعمالهم التي كتبها عليهم في كتاب مسطور لا يضيع منه شيء؛ ولهذا قال: {ولدينا كتاب ينطق بالحق} يعني: كتاب الأعمال، {وهم لا يظلمون} أي: لا يبخسون من الخير شيئا، وأما السيئات فيعفو ويصفح عن كثير منها لعباده المؤمنين. ثم قال منكرا على الكفار والمشركين من قريش: {بل قلوبهم في غمرة} أي: غفلة وضلالة {من هذا} أي: القرآن الذي أنزله [الله تعالى] على رسوله صلى الله عليه وسلم. وقوله: {ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون} : قال الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس: {ولهم أعمال} أي: سيئة من دون ذلك، يعني: الشرك، {هم لها عاملون} قال: لا بد أن يعملوها. كذا روي عن مجاهد، والحسن، وغير واحد.

Dio V05/P481–V05/P482İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V05/P481–V05/P482)
Orijinal Metin (AR)

وقال آخرون: {ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون} أي: قد كتب عليهم أعمال سيئة لا بد أن يعملوها قبل موتهم لا محالة، لتحق عليهم كلمة العذاب. وروي نحو هذا عن مقاتل بن حيان والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وهو ظاهر قوي حسن. وقد قدمنا في حديث ابن مسعود: "فوالذي لا إله غيره، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها". وقوله: {حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون} يعني: حتى إذا جاء مترفيهم -وهم السعداء المنعمون في الدنيا-عذاب الله وبأسه ونقمته بهم {إذا هم يجأرون} أي: يصرخون ويستغيثون، كما قال تعالى: {وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا. إن لدينا أنكالا وجحيما. وطعاما ذا غصة وعذابا أليما} [المزمل: 11-13] ، وقال تعالى: {كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص} [ص: 3] . وقوله: {لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون} أي: لا نجيركم مما حل بكم، سواء جأرتم أو سكتم، لا محيد ولا مناص ولا وزر لزم الأمر ووجب العذاب. ثم ذكر أكبر ذنوبهم فقال: {قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون} أي: إذا دعيتم أبيتم، وإن طلبتم امتنعتم؛ {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير} [غافر: 12] . وقوله: {مستكبرين به سامرا تهجرون} : في تفسيره قولان، أحدهما: أن مستكبرين حال منهم حين نكوصهم عن الحق وإبائهم إياه، استكبارا عليه واحتقارا له ولأهله، فعلى هذا الضمير في {به} فيه ثلاثة أقوال: أحدهما : أنه الحرم بمكة، ذموا لأنهم كانوا يسمرون بالهجر من الكلام. والثاني: أنه ضمير القرآن، كانوا يسمرون ويذكرون القرآن بالهجر من الكلام: "إنه سحر، إنه شعر، إنه كهانة" إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة. والثالث: أنه محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا يذكرونه في سمرهم بالأقوال الفاسدة، ويضربون له الأمثال الباطلة، من أنه شاعر، أو كاهن، أو ساحر، أو كذاب، أو مجنون. وكل ذلك باطل، بل هو عبد الله ورسوله، الذي أظهره الله عليهم، وأخرجهم من الحرم صاغرين أذلاء. وقيل: المراد بقوله: {مستكبرين به} أي: بالبيت، يفتخرون به ويعتقدون أنهم أولياؤه، وليسوا بهم، كما قال النسائي في التفسير من سننه: أخبرنا أحمد بن سليمان، أخبرنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى، أنه سمع سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس أنه قال: إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية: {مستكبرين به سامرا تهجرون} ، فقال: مستكبرين بالبيت، يقولون: نحن أهله، {سامرا} قال: يتكبرون [ويسمرون فيه، ولا] يعمرونه، ويهجرونه . وقد أطنب ابن أبي حاتم هاهنا بماذا حاصله. {أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون } {ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون } . يقول تعالى منكرا على المشركين في عدم تفهمهم للقرآن العظيم، وتدبرهم له وإعراضهم عنه، مع أنهم قد خصوا بهذا الكتاب الذي لم ينزل الله على رسول أكمل منه ولا أشرف، لا سيما وآباؤهم الذين ماتوا في الجاهلية، حيث لم يبلغهم كتاب ولا أتاهم نذير، فكان اللائق بهؤلاء أن يقابلوا النعمة التي أسداها الله إليهم بقبولها، والقيام بشكرها وتفهمها، والعمل بمقتضاها آناء الليل وأطراف النهار، كما فعله النجباء منهم ممن أسلم واتبع الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، ورضي عنهم. وقال قتادة: {أفلم يدبروا القول} إذا والله يجدون في القرآن زاجرا عن معصية الله لو تدبره القوم وعقلوه، ولكنهم أخذوا بما تشابه، فهلكوا عند ذلك.

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقال آخرون: {ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون} أي: قد كتب عليهم أعمال سيئة لا بد أن يعملوها قبل موتهم لا محالة، لتحق عليهم كلمة العذاب. وروي نحو هذا عن مقاتل بن حيان والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وهو ظاهر قوي حسن. وقد قدمنا في حديث ابن مسعود: "فوالذي لا إله غيره، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها". وقوله: {حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون} يعني: حتى إذا جاء مترفيهم -وهم السعداء المنعمون في الدنيا-عذاب الله وبأسه ونقمته بهم {إذا هم يجأرون} أي: يصرخون ويستغيثون، كما قال تعالى: {وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا. إن لدينا أنكالا وجحيما. وطعاما ذا غصة وعذابا أليما} [المزمل: 11-13] ، وقال تعالى: {كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص} [ص: 3] . وقوله: {لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون} أي: لا نجيركم مما حل بكم، سواء جأرتم أو سكتم، لا محيد ولا مناص ولا وزر لزم الأمر ووجب العذاب. ثم ذكر أكبر ذنوبهم فقال: {قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون} أي: إذا دعيتم أبيتم، وإن طلبتم امتنعتم؛ {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير} [غافر: 12] . وقوله: {مستكبرين به سامرا تهجرون} : في تفسيره قولان، أحدهما: أن مستكبرين حال منهم حين نكوصهم عن الحق وإبائهم إياه، استكبارا عليه واحتقارا له ولأهله، فعلى هذا الضمير في {به} فيه ثلاثة أقوال: أحدهما : أنه الحرم بمكة، ذموا لأنهم كانوا يسمرون بالهجر من الكلام. والثاني: أنه ضمير القرآن، كانوا يسمرون ويذكرون القرآن بالهجر من الكلام: "إنه سحر، إنه شعر، إنه كهانة" إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة. والثالث: أنه محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا يذكرونه في سمرهم بالأقوال الفاسدة، ويضربون له الأمثال الباطلة، من أنه شاعر، أو كاهن، أو ساحر، أو كذاب، أو مجنون. وكل ذلك باطل، بل هو عبد الله ورسوله، الذي أظهره الله عليهم، وأخرجهم من الحرم صاغرين أذلاء. وقيل: المراد بقوله: {مستكبرين به} أي: بالبيت، يفتخرون به ويعتقدون أنهم أولياؤه، وليسوا بهم، كما قال النسائي في التفسير من سننه: أخبرنا أحمد بن سليمان، أخبرنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى، أنه سمع سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس أنه قال: إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية: {مستكبرين به سامرا تهجرون} ، فقال: مستكبرين بالبيت، يقولون: نحن أهله، {سامرا} قال: يتكبرون [ويسمرون فيه، ولا] يعمرونه، ويهجرونه . وقد أطنب ابن أبي حاتم هاهنا بماذا حاصله. {أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون } {ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون } . يقول تعالى منكرا على المشركين في عدم تفهمهم للقرآن العظيم، وتدبرهم له وإعراضهم عنه، مع أنهم قد خصوا بهذا الكتاب الذي لم ينزل الله على رسول أكمل منه ولا أشرف، لا سيما وآباؤهم الذين ماتوا في الجاهلية، حيث لم يبلغهم كتاب ولا أتاهم نذير، فكان اللائق بهؤلاء أن يقابلوا النعمة التي أسداها الله إليهم بقبولها، والقيام بشكرها وتفهمها، والعمل بمقتضاها آناء الليل وأطراف النهار، كما فعله النجباء منهم ممن أسلم واتبع الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، ورضي عنهم. وقال قتادة: {أفلم يدبروا القول} إذا والله يجدون في القرآن زاجرا عن معصية الله لو تدبره القوم وعقلوه، ولكنهم أخذوا بما تشابه، فهلكوا عند ذلك.

%0
10 Bölüm