Qur'an&Sunnahالقرآن

İbn Kesîr - Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

İbn Kesîr · AR

Dio V06/P242–V06/P244İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P242–V06/P244)
Orijinal Metin (AR)

{الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين } . يخبر تعالى عن العلماء الأولياء من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن، كما قال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به} [البقرة: 121] ، وقال: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله} [آل عمران: 199] ، وقال: {إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا} [الإسراء: 107، 108] ، وقال: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون. وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} [المائدة: 82، 83] . قال سعيد بن جبير: نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم: {يس. والقرآن الحكيم} حتى ختمها، فجعلوا يبكون وأسلموا، ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون. وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين} يعني: من قبل هذا القرآن كنا مسلمين، أي: موحدين مخلصين لله مستجيبين له. قال الله: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} أي: هؤلاء المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول ثم بالثاني [يؤتون أجرهم مرتين بإيمانهم بالرسول الأول ثم بالثاني] ؛ ولهذا قال: {بما صبروا} أي: على اتباع الحق؛ فإن تجشم مثل هذا شديد على النفوس. وقد ورد في الصحيحين من حديث عامر الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت له أمة فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها فتزوجها" . وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني، حدثنا ابن لهيعة، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: إني لتحت راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فقال قولا حسنا جميلا وقال فيما قال: "من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين، وله ما لنا وعليه ما علينا، [ومن أسلم من المشركين، فله أجره، وله ما لنا وعليه ما علينا] " . وقوله {ويدرؤون بالحسنة السيئة} أي: لا يقابلون السيئ بمثله، ولكن يعفون ويصفحون. {ومما رزقناهم ينفقون} أي: ومن الذي رزقهم من الحلال ينفقون على خلق الله في النفقات الواجبة لأهلهم وأقاربهم، والزكاة المفروضة والمستحبة من التطوعات، وصدقات النفل والقربات. وقوله: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه} أي: لا يخالطون أهله ولا يعاشرونهم، بل كما قال تعالى: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} [0الفرقان: 72] . {وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} أي: إذا سفه عليهم سفيه، وكلمهم بما لا يليق بهم الجواب عنه، أعرضوا عنه ولم يقابلوه بمثله من الكلام القبيح، ولا يصدر عنهم إلا كلام طيب. ولهذا قال عنهم: إنهم قالوا: {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} أي: لا نريد طريق الجاهلين ولا نحبها.

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

{الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين } . يخبر تعالى عن العلماء الأولياء من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن، كما قال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به} [البقرة: 121] ، وقال: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله} [آل عمران: 199] ، وقال: {إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا} [الإسراء: 107، 108] ، وقال: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون. وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} [المائدة: 82، 83] . قال سعيد بن جبير: نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم: {يس. والقرآن الحكيم} حتى ختمها، فجعلوا يبكون وأسلموا، ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون. وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين} يعني: من قبل هذا القرآن كنا مسلمين، أي: موحدين مخلصين لله مستجيبين له. قال الله: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} أي: هؤلاء المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول ثم بالثاني [يؤتون أجرهم مرتين بإيمانهم بالرسول الأول ثم بالثاني] ؛ ولهذا قال: {بما صبروا} أي: على اتباع الحق؛ فإن تجشم مثل هذا شديد على النفوس. وقد ورد في الصحيحين من حديث عامر الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت له أمة فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها فتزوجها" . وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني، حدثنا ابن لهيعة، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: إني لتحت راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فقال قولا حسنا جميلا وقال فيما قال: "من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين، وله ما لنا وعليه ما علينا، [ومن أسلم من المشركين، فله أجره، وله ما لنا وعليه ما علينا] " . وقوله {ويدرؤون بالحسنة السيئة} أي: لا يقابلون السيئ بمثله، ولكن يعفون ويصفحون. {ومما رزقناهم ينفقون} أي: ومن الذي رزقهم من الحلال ينفقون على خلق الله في النفقات الواجبة لأهلهم وأقاربهم، والزكاة المفروضة والمستحبة من التطوعات، وصدقات النفل والقربات. وقوله: {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه} أي: لا يخالطون أهله ولا يعاشرونهم، بل كما قال تعالى: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} [0الفرقان: 72] . {وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} أي: إذا سفه عليهم سفيه، وكلمهم بما لا يليق بهم الجواب عنه، أعرضوا عنه ولم يقابلوه بمثله من الكلام القبيح، ولا يصدر عنهم إلا كلام طيب. ولهذا قال عنهم: إنهم قالوا: {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} أي: لا نريد طريق الجاهلين ولا نحبها.

Dio V06/P244–V06/P245İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P244–V06/P245)
Orijinal Metin (AR)

قال محمد بن إسحاق في السيرة: ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلا أو قريب من ذلك، من النصارى، حين بلغهم خبره من الحبشة. فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلموه وساءلوه -ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة -فلما فرغوا من مساءلة رسول الله عما أرادوا، دعاهم إلى الله وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره. فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب. بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال؛ ما نعلم ركبا أحمق منكم. أو كما قالوا لهم. فقالوا [لهم] سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيرا . قال: ويقال: إن النفر النصارى من أهل نجران، فالله أعلم أي ذلك كان . قال: ويقال -والله أعلم -إن فيهم نزلت هذه الآيات: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون} إلى قوله: {لا نبتغي الجاهلين} . قال: وقد سألت الزهري عن هذه الآيات فيمن أنزلن ، قال: ما زلت أسمع من علمائنا أنهن أنزلهن في النجاشي وأصحابه، رضي الله عنهم، والآيات التي في سورة المائدة: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا} إلى قوله: {فاكتبنا مع الشاهدين} [المائدة: 82، 83] {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون } . يقول تعالى لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه: إنك يا محمد {إنك لا تهدي من أحببت} أي: ليس إليك ذلك، إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، كما قال تعالى: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} [البقرة: 272] ، وقال: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف: 103] . وهذه الآية أخص من هذا كله؛ فإنه قال: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} أي: هو أعلم بمن يستحق الهداية بمن يستحق الغواية، وقد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان يحوطه وينصره، ويقوم في صفه ويحبه حبا [شديدا] طبعيا لا شرعيا، فلما حضرته الوفاة وحان أجله، دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان والدخول في الإسلام، فسبق القدر فيه، واختطف من يده، فاستمر على ما كان عليه من الكفر، ولله الحكمة التامة. قال الزهري: حدثني سعيد بن المسيب، عن أبيه -وهو المسيب بن حزن المخزومي، رضي الله عنه -قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله". فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعودان له بتلك المقالة، حتى قال آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما لأستغفرن لك ما لم أنه عنك". فأنزل الله عز وجل: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} [التوبة: 113] ، بوأنزل في أبي طالب: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

قال محمد بن إسحاق في السيرة: ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلا أو قريب من ذلك، من النصارى، حين بلغهم خبره من الحبشة. فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلموه وساءلوه -ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة -فلما فرغوا من مساءلة رسول الله عما أرادوا، دعاهم إلى الله وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره. فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب. بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال؛ ما نعلم ركبا أحمق منكم. أو كما قالوا لهم. فقالوا [لهم] سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيرا . قال: ويقال: إن النفر النصارى من أهل نجران، فالله أعلم أي ذلك كان . قال: ويقال -والله أعلم -إن فيهم نزلت هذه الآيات: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون} إلى قوله: {لا نبتغي الجاهلين} . قال: وقد سألت الزهري عن هذه الآيات فيمن أنزلن ، قال: ما زلت أسمع من علمائنا أنهن أنزلهن في النجاشي وأصحابه، رضي الله عنهم، والآيات التي في سورة المائدة: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا} إلى قوله: {فاكتبنا مع الشاهدين} [المائدة: 82، 83] {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون } . يقول تعالى لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه: إنك يا محمد {إنك لا تهدي من أحببت} أي: ليس إليك ذلك، إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، كما قال تعالى: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} [البقرة: 272] ، وقال: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف: 103] . وهذه الآية أخص من هذا كله؛ فإنه قال: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} أي: هو أعلم بمن يستحق الهداية بمن يستحق الغواية، وقد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان يحوطه وينصره، ويقوم في صفه ويحبه حبا [شديدا] طبعيا لا شرعيا، فلما حضرته الوفاة وحان أجله، دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان والدخول في الإسلام، فسبق القدر فيه، واختطف من يده، فاستمر على ما كان عليه من الكفر، ولله الحكمة التامة. قال الزهري: حدثني سعيد بن المسيب، عن أبيه -وهو المسيب بن حزن المخزومي، رضي الله عنه -قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله". فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعودان له بتلك المقالة، حتى قال آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما لأستغفرن لك ما لم أنه عنك". فأنزل الله عز وجل: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} [التوبة: 113] ، بوأنزل في أبي طالب: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} .

Dio V06/P245–V06/P247İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P245–V06/P247)
Orijinal Metin (AR)

أخرجاه من حديث الزهري . وهكذا رواه مسلم في صحيحه، والترمذي، من حديث يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا عماه، قل: لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة". فقال: لولا أن تعيرني بها قريش، يقولون: ما حمله عليه إلا جزع الموت، لأقررت بها عينك، لا أقولها إلا لأقر بها عينك. فأنزل الله: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} . وقال الترمذي: حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن كيسان . ورواه الإمام أحمد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن يزيد بن كيسان، حدثني أبو حازم، عن أبي هريرة، فذكره بنحوه . وهكذا قال ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، والشعبي، وقتادة: إنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: "لا إله إلا الله" فأبى عليه ذلك، وقال: أي ابن أخي، ملة الأشياخ. وكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن أبي راشد قال: كان رسول قيصر جاء إلي قال: كتب معي قيصر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا، فأتيته فدفعت الكتاب، فوضعه في حجره، ثم قال:"ممن الرجل؟ " قلت: من تنوخ . قال: "هل لك في دين أبيك إبراهيم الحنيفية؟ " قلت: إني رسول قوم، وعلى دينهم حتى أرجع إليهم. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظر إلى أصحابه وقال : {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} . وقوله: {وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} : [يقول تعالى مخبرا عن اعتذار بعض الكفار في عدم اتباع الهدى حيث قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} ] أي: نخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى، وخالفنا من حولنا من أحياء العرب المشركين، أن يقصدونا بالأذى والمحاربة، ويتخطفونا أينما كنا، فقال الله تعالى مجيبا لهم: {أولم نمكن لهم حرما آمنا} يعني: هذا الذي اعتذروا به كذب وباطل؛ لأن الله جعلهم في بلد أمين، وحرم معظم آمن منذ وضع، فكيف يكون هذا الحرم آمنا في حال كفرهم وشركهم، ولا يكون آمنا لهم وقد أسلموا وتابعوا الحق؟. وقوله: {يجبى إليه ثمرات كل شيء} أي: من سائر الثمار مما حوله من الطائف وغيره، وكذلك المتاجر والأمتعة {رزقا من لدنا} أي: من عندنا {ولكن أكثرهم لا يعلمون} فلهذا قالوا ما قالوا. وقد قال النسائي: أنبأنا الحسن بن محمد، حدثنا الحجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة قال: قال عمرو بن شعيب، عن ابن عباس -ولم يسمعه منه -: أن الحارث بن عامر بن نوفل الذي قال: {إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} . {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون } . يقول تعالى معرضا بأهل مكة في قوله: {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها} أي: طغت وأشرت وكفرت نعمة الله ، فيما أنعم به عليهم من الأرزاق، كما قال في الآية الأخرى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون} [النحل 112، 113] ولهذا قال: {فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا} أي: دثرت ديارهم فلا ترى إلا مساكنهم. وقوله: {وكنا نحن الوارثين} أي: رجعت خرابا ليس فيها أحد.

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

أخرجاه من حديث الزهري . وهكذا رواه مسلم في صحيحه، والترمذي، من حديث يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا عماه، قل: لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة". فقال: لولا أن تعيرني بها قريش، يقولون: ما حمله عليه إلا جزع الموت، لأقررت بها عينك، لا أقولها إلا لأقر بها عينك. فأنزل الله: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} . وقال الترمذي: حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن كيسان . ورواه الإمام أحمد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن يزيد بن كيسان، حدثني أبو حازم، عن أبي هريرة، فذكره بنحوه . وهكذا قال ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، والشعبي، وقتادة: إنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: "لا إله إلا الله" فأبى عليه ذلك، وقال: أي ابن أخي، ملة الأشياخ. وكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن أبي راشد قال: كان رسول قيصر جاء إلي قال: كتب معي قيصر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا، فأتيته فدفعت الكتاب، فوضعه في حجره، ثم قال:"ممن الرجل؟ " قلت: من تنوخ . قال: "هل لك في دين أبيك إبراهيم الحنيفية؟ " قلت: إني رسول قوم، وعلى دينهم حتى أرجع إليهم. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظر إلى أصحابه وقال : {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} . وقوله: {وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} : [يقول تعالى مخبرا عن اعتذار بعض الكفار في عدم اتباع الهدى حيث قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} ] أي: نخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى، وخالفنا من حولنا من أحياء العرب المشركين، أن يقصدونا بالأذى والمحاربة، ويتخطفونا أينما كنا، فقال الله تعالى مجيبا لهم: {أولم نمكن لهم حرما آمنا} يعني: هذا الذي اعتذروا به كذب وباطل؛ لأن الله جعلهم في بلد أمين، وحرم معظم آمن منذ وضع، فكيف يكون هذا الحرم آمنا في حال كفرهم وشركهم، ولا يكون آمنا لهم وقد أسلموا وتابعوا الحق؟. وقوله: {يجبى إليه ثمرات كل شيء} أي: من سائر الثمار مما حوله من الطائف وغيره، وكذلك المتاجر والأمتعة {رزقا من لدنا} أي: من عندنا {ولكن أكثرهم لا يعلمون} فلهذا قالوا ما قالوا. وقد قال النسائي: أنبأنا الحسن بن محمد، حدثنا الحجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة قال: قال عمرو بن شعيب، عن ابن عباس -ولم يسمعه منه -: أن الحارث بن عامر بن نوفل الذي قال: {إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} . {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون } . يقول تعالى معرضا بأهل مكة في قوله: {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها} أي: طغت وأشرت وكفرت نعمة الله ، فيما أنعم به عليهم من الأرزاق، كما قال في الآية الأخرى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون} [النحل 112، 113] ولهذا قال: {فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا} أي: دثرت ديارهم فلا ترى إلا مساكنهم. وقوله: {وكنا نحن الوارثين} أي: رجعت خرابا ليس فيها أحد.

Dio V06/P247–V06/P248İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P247–V06/P248)
Orijinal Metin (AR)

وقد ذكر ابن أبي حاتم [هاهنا] عن ابن مسعود أنه سمع كعبا يقول لعمر: إن سليمان عليه السلام قال للهامة -يعني البومة -ما لك لا تأكلين الزرع؟ قالت: لأنه أخرج آدم بسببه من الجنة. قال: فما لك لا تشربين الماء؟ قالت: لأن الله أغرق قوم نوح به. قال: فما لك لا تأوين إلا إلى الخراب؟ قالت: لأنه ميراث الله عز وجل، ثم تلا {وكنا نحن الوارثين} . ثم قال الله مخبرا عن عدله، وأنه لا يهلك أحدا ظالما له، وإنما يهلك من أهلك بعد قيام الحجة عليهم، ولهذا قال: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها} وهي مكة {رسولا يتلو عليهم آياتنا} . فيه دلالة على أن النبي الأمي، وهو محمد، صلوات الله وسلامه عليه ، المبعوث من أم القرى، رسول إلى جميع القرى، من عرب وأعجام، كما قال تعالى: {لتنذر أم القرى ومن حولها} [الشورى: 7] ، وقال تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158] ، وقال: {لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] ، وقال: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} [هود: 17] . وتمام الدليل [قوله] {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا} [الإسراء: 58] . فأخبر أنه سيهلك كل قرية قبل يوم القيامة، وقد قال: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] . فجعل تعالى بعثة النبي الأمي شاملة لجميع القرى؛ لأنه مبعوث إلى أمها وأصلها التي ترجع إليها. وثبت في الصحيحين عنه، صلوات الله وسلامه عليه ، أنه قال: "بعثت إلى الأحمر والأسود". ولهذا ختم به الرسالة والنبوة، فلا نبي بعده ولا رسول، بل شرعه باق بقاء الليل والنهار إلى يوم القيامة. وقيل: المراد بقوله: {حتى يبعث في أمها} أي: أصلها وعظيمتها، كأمهات الرساتيق والأقاليم. حكاه الزمخشري وابن الجوزي، وغيرهما، وليس ببعيد. {وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين } . يقول تعالى مخبرا عن حقارة الدنيا ، وما فيها من الزينة الدنيئة والزهرة الفانية بالنسبة إلى ما أعده الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة من النعيم العظيم المقيم، كما قال: {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} [النحل: 96] ، وقال: {وما عند الله خير للأبرار} [آل عمران: 198] ، وقال: {وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع} [الرعد: 26] ، وقال: {بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى} [الأعلى: 16، 17] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله ما الدنيا في الآخرة، إلا كما يغمس أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر ماذا يرجع إليه" . [وقوله] : {أفلا يعقلون} أي: أفلا يعقل من يقدم الدنيا على الآخرة؟. وقوله: {أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين} : يقول: أفمن هو مؤمن مصدق بما وعده الله على صالح أعماله من الثواب الذي هو صائر إليه لا محالة، كمن هو كافر مكذب بلقاء الله ووعده ووعيده، فهو ممتع في الحياة الدنيا أياما قلائل، {ثم هو يوم القيامة من المحضرين} قال مجاهد، وقتادة: من المعذبين. ثم قد قيل: إنها نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبي جهل. وقيل: في حمزة وعلي وأبي جهل، وكلاهما عن مجاهد. والظاهر أنها عامة، وهذا كقوله تعالى إخبارا عن ذلك المؤمن حين أشرف على صاحبه، وهو في الدرجات وذاك في الدركات: {ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين} [الصافات: 57] ، وقال تعالى: {ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون} [الصافات: 158] .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقد ذكر ابن أبي حاتم [هاهنا] عن ابن مسعود أنه سمع كعبا يقول لعمر: إن سليمان عليه السلام قال للهامة -يعني البومة -ما لك لا تأكلين الزرع؟ قالت: لأنه أخرج آدم بسببه من الجنة. قال: فما لك لا تشربين الماء؟ قالت: لأن الله أغرق قوم نوح به. قال: فما لك لا تأوين إلا إلى الخراب؟ قالت: لأنه ميراث الله عز وجل، ثم تلا {وكنا نحن الوارثين} . ثم قال الله مخبرا عن عدله، وأنه لا يهلك أحدا ظالما له، وإنما يهلك من أهلك بعد قيام الحجة عليهم، ولهذا قال: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها} وهي مكة {رسولا يتلو عليهم آياتنا} . فيه دلالة على أن النبي الأمي، وهو محمد، صلوات الله وسلامه عليه ، المبعوث من أم القرى، رسول إلى جميع القرى، من عرب وأعجام، كما قال تعالى: {لتنذر أم القرى ومن حولها} [الشورى: 7] ، وقال تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158] ، وقال: {لأنذركم به ومن بلغ} [الأنعام: 19] ، وقال: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} [هود: 17] . وتمام الدليل [قوله] {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا} [الإسراء: 58] . فأخبر أنه سيهلك كل قرية قبل يوم القيامة، وقد قال: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] . فجعل تعالى بعثة النبي الأمي شاملة لجميع القرى؛ لأنه مبعوث إلى أمها وأصلها التي ترجع إليها. وثبت في الصحيحين عنه، صلوات الله وسلامه عليه ، أنه قال: "بعثت إلى الأحمر والأسود". ولهذا ختم به الرسالة والنبوة، فلا نبي بعده ولا رسول، بل شرعه باق بقاء الليل والنهار إلى يوم القيامة. وقيل: المراد بقوله: {حتى يبعث في أمها} أي: أصلها وعظيمتها، كأمهات الرساتيق والأقاليم. حكاه الزمخشري وابن الجوزي، وغيرهما، وليس ببعيد. {وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين } . يقول تعالى مخبرا عن حقارة الدنيا ، وما فيها من الزينة الدنيئة والزهرة الفانية بالنسبة إلى ما أعده الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة من النعيم العظيم المقيم، كما قال: {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} [النحل: 96] ، وقال: {وما عند الله خير للأبرار} [آل عمران: 198] ، وقال: {وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع} [الرعد: 26] ، وقال: {بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى} [الأعلى: 16، 17] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله ما الدنيا في الآخرة، إلا كما يغمس أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر ماذا يرجع إليه" . [وقوله] : {أفلا يعقلون} أي: أفلا يعقل من يقدم الدنيا على الآخرة؟. وقوله: {أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين} : يقول: أفمن هو مؤمن مصدق بما وعده الله على صالح أعماله من الثواب الذي هو صائر إليه لا محالة، كمن هو كافر مكذب بلقاء الله ووعده ووعيده، فهو ممتع في الحياة الدنيا أياما قلائل، {ثم هو يوم القيامة من المحضرين} قال مجاهد، وقتادة: من المعذبين. ثم قد قيل: إنها نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبي جهل. وقيل: في حمزة وعلي وأبي جهل، وكلاهما عن مجاهد. والظاهر أنها عامة، وهذا كقوله تعالى إخبارا عن ذلك المؤمن حين أشرف على صاحبه، وهو في الدرجات وذاك في الدركات: {ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين} [الصافات: 57] ، وقال تعالى: {ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون} [الصافات: 158] .

Dio V06/P248–V06/P250İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P248–V06/P250)
Orijinal Metin (AR)

{ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين } . يقول تعالى مخبرا عما يوبخ به الكفار المشركين يوم القيامة، حيث يناديهم فيقول: {أين شركائي الذين كنتم تزعمون} يعني: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدار الدنيا، من الأصنام والأنداد، هل ينصرونكم أو ينتصرون؟ وهذا على سبيل التقريع والتهديد، كما قال: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} [الأنعام: 94] . وقوله: {قال الذين حق عليهم القول} يعني: من الشياطين والمردة والدعاة إلى الكفر، {ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون} ، فشهدوا عليهم أنهم أغووهم فاتبعوهم، ثم تبرؤوا من عبادتهم، كما قال تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا. كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} [مريم: 81، 82] ، وقال: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون. وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} [الأحقاف: 5، 6] ، وقال الخليل لقومه: {إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} [العنكبوت: 25] ، وقال الله : {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار} [البقرة: 166، 167] ، ولهذا قال: {وقيل ادعوا شركاءكم} [أي] : ليخلصوكم مما أنتم فيه، كما كنتم ترجون منهم في الدار الدنيا، {فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب} أي: وتيقنوا أنهم صائرون إلى النار لا محالة. وقوله: {لو أنهم كانوا يهتدون} أي: فودوا حين عاينوا العذاب لو أنهم كانوا من المهتدين في الدار الدنيا. وهذا كقوله تعالى: {ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا. ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا} [الكهف: 52، 53] . وقوله: {ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} : النداء الأول عن سؤال التوحيد، وهذا فيه إثبات النبوات: ماذا كان جوابكم للمرسلين إليكم؟ وكيف كان حالكم معهم؟ وهذا كما يسأل العبد في قبره: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك ؟ فأما المؤمن فيشهد أنه لا إله إلا الله، وأن محمدا عبد الله ورسوله. وأما الكافر فيقول: هاه.. هاه. لا أدري؛ ولهذا لا جواب له يوم القيامة غير السكوت؛ لأن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ولهذا قال تعالى: {فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون} . وقال مجاهد: فعميت عليهم الحجج، فهم لا يتساءلون بالأنساب. وقوله: {فأما من تاب وآمن وعمل صالحا} أي: في الدنيا، {فعسى أن يكون من المفلحين} أي: يوم القيامة، و"عسى" من الله موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومنه لا محالة. {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون } . يخبر تعالى أنه المنفرد بالخلق والاختيار، وأنه ليس له في ذلك منازع ولا معقب فقال: {وربك يخلق ما يشاء ويختار} أي: ما يشاء، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فالأمور كلها خيرها وشرها بيده، ومرجعها إليه.

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

{ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين } . يقول تعالى مخبرا عما يوبخ به الكفار المشركين يوم القيامة، حيث يناديهم فيقول: {أين شركائي الذين كنتم تزعمون} يعني: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدار الدنيا، من الأصنام والأنداد، هل ينصرونكم أو ينتصرون؟ وهذا على سبيل التقريع والتهديد، كما قال: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} [الأنعام: 94] . وقوله: {قال الذين حق عليهم القول} يعني: من الشياطين والمردة والدعاة إلى الكفر، {ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون} ، فشهدوا عليهم أنهم أغووهم فاتبعوهم، ثم تبرؤوا من عبادتهم، كما قال تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا. كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} [مريم: 81، 82] ، وقال: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون. وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} [الأحقاف: 5، 6] ، وقال الخليل لقومه: {إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} [العنكبوت: 25] ، وقال الله : {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار} [البقرة: 166، 167] ، ولهذا قال: {وقيل ادعوا شركاءكم} [أي] : ليخلصوكم مما أنتم فيه، كما كنتم ترجون منهم في الدار الدنيا، {فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب} أي: وتيقنوا أنهم صائرون إلى النار لا محالة. وقوله: {لو أنهم كانوا يهتدون} أي: فودوا حين عاينوا العذاب لو أنهم كانوا من المهتدين في الدار الدنيا. وهذا كقوله تعالى: {ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا. ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا} [الكهف: 52، 53] . وقوله: {ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} : النداء الأول عن سؤال التوحيد، وهذا فيه إثبات النبوات: ماذا كان جوابكم للمرسلين إليكم؟ وكيف كان حالكم معهم؟ وهذا كما يسأل العبد في قبره: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك ؟ فأما المؤمن فيشهد أنه لا إله إلا الله، وأن محمدا عبد الله ورسوله. وأما الكافر فيقول: هاه.. هاه. لا أدري؛ ولهذا لا جواب له يوم القيامة غير السكوت؛ لأن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ولهذا قال تعالى: {فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون} . وقال مجاهد: فعميت عليهم الحجج، فهم لا يتساءلون بالأنساب. وقوله: {فأما من تاب وآمن وعمل صالحا} أي: في الدنيا، {فعسى أن يكون من المفلحين} أي: يوم القيامة، و"عسى" من الله موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومنه لا محالة. {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون } . يخبر تعالى أنه المنفرد بالخلق والاختيار، وأنه ليس له في ذلك منازع ولا معقب فقال: {وربك يخلق ما يشاء ويختار} أي: ما يشاء، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فالأمور كلها خيرها وشرها بيده، ومرجعها إليه.

Dio V06/P250–V06/P251İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P250–V06/P251)
Orijinal Metin (AR)

وقوله: {ما كان لهم الخيرة} نفي على أصح القولين، كقوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] . وقد اختار ابن جرير أن {ما} هاهنا بمعنى "الذي"، تقديره: ويختار الذي لهم فيه خيرة. وقد احتج بهذا المسلك طائفة المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح. والصحيح أنها نافية، كما نقله ابن أبي حاتم، عن ابن عباس وغيره أيضا، فإن المقام في بيان انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار، وأنه لا نظير له في ذلك؛ ولهذا قال: {سبحان الله وتعالى عما يشركون} أي: من الأصنام والأنداد، التي لا تخلق ولا تختار شيئا. ثم قال: {وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} أي: يعلم ما تكن الضمائر، وما تنطوي عليه السرائر، كما يعلم ما تبديه الظواهر من سائر الخلائق، {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: 10] . وقوله: {وهو الله لا إله إلا هو} أي: هو المنفرد بالإلهية، فلا معبود سواه، كما لا رب يخلق ويختار سواه {له الحمد في الأولى والآخرة} أي: في جميع ما يفعله هو المحمود عليه، لعدله وحكمته {وله الحكم} أي: الذي لا معقب له، لقهره وغلبته وحكمته ورحمته، {وإليه ترجعون} أي: جميعكم يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله، من خير وشر، ولا يخفى عليه منهم خافية في سائر الأعمال. {قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } . يقول تعالى ممتنا على عباده بما سخر لهم من الليل والنهار، اللذين لا قوام لهم بدونهما. وبين أنه لو جعل الليل دائما عليهم سرمدا إلى يوم القيامة، لأضر ذلك بهم، ولسئمته النفوس وانحصرت منه، ولهذا قال تعالى: {من إله غير الله يأتيكم بضياء} أي: تبصرون به وتستأنسون بسببه، {أفلا تسمعون} . ثم أخبر أنه لو جعل النهار سرمدا دائما مستمرا إلى يوم القيامة، لأضر ذلك بهم، ولتعبت الأبدان وكلت من كثرة الحركات والأشغال؛ ولهذا قال: {من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه} أي: تستريحون من حركاتكم وأشغالكم. {أفلا تبصرون. ومن رحمته} أي: بكم {جعل لكم الليل والنهار} أي: خلق هذا وهذا {لتسكنوا فيه} أي: في الليل، {ولتبتغوا من فضله} أي: في النهار بالأسفار والترحال، والحركات والأشغال، وهذا من باب اللف والنشر. وقوله: {ولعلكم تشكرون} أي: تشكرون الله بأنواع العبادات في الليل والنهار، ومن فاته شيء بالليل استدركه بالنهار، أو بالنهار استدركه بالليل، كما قال تعالى: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} [الفرقان: 62] . والآيات في هذا كثيرة . {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون } . وهذا أيضا نداء [ثان] على سبيل التقريع والتوبيخ لمن عبد مع الله إلها آخر، يناديهم الرب -تبارك وتعالى -على رؤوس الأشهاد فيقول: {أين شركائي الذين كنتم تزعمون} أي: في الدار الدنيا. {ونزعنا من كل أمة شهيدا} : قال مجاهد: يعني رسولا. {فقلنا هاتوا برهانكم} أي: على صحة ما ادعيتموه من أن لله شركاء، {فعلموا أن الحق لله} أي: لا إله غيره، أي: فلم ينطقوا ولم يحيروا جوابا، {وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي: ذهبوا فلم ينفعوهم. {إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين } .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقوله: {ما كان لهم الخيرة} نفي على أصح القولين، كقوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] . وقد اختار ابن جرير أن {ما} هاهنا بمعنى "الذي"، تقديره: ويختار الذي لهم فيه خيرة. وقد احتج بهذا المسلك طائفة المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح. والصحيح أنها نافية، كما نقله ابن أبي حاتم، عن ابن عباس وغيره أيضا، فإن المقام في بيان انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار، وأنه لا نظير له في ذلك؛ ولهذا قال: {سبحان الله وتعالى عما يشركون} أي: من الأصنام والأنداد، التي لا تخلق ولا تختار شيئا. ثم قال: {وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} أي: يعلم ما تكن الضمائر، وما تنطوي عليه السرائر، كما يعلم ما تبديه الظواهر من سائر الخلائق، {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: 10] . وقوله: {وهو الله لا إله إلا هو} أي: هو المنفرد بالإلهية، فلا معبود سواه، كما لا رب يخلق ويختار سواه {له الحمد في الأولى والآخرة} أي: في جميع ما يفعله هو المحمود عليه، لعدله وحكمته {وله الحكم} أي: الذي لا معقب له، لقهره وغلبته وحكمته ورحمته، {وإليه ترجعون} أي: جميعكم يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله، من خير وشر، ولا يخفى عليه منهم خافية في سائر الأعمال. {قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } . يقول تعالى ممتنا على عباده بما سخر لهم من الليل والنهار، اللذين لا قوام لهم بدونهما. وبين أنه لو جعل الليل دائما عليهم سرمدا إلى يوم القيامة، لأضر ذلك بهم، ولسئمته النفوس وانحصرت منه، ولهذا قال تعالى: {من إله غير الله يأتيكم بضياء} أي: تبصرون به وتستأنسون بسببه، {أفلا تسمعون} . ثم أخبر أنه لو جعل النهار سرمدا دائما مستمرا إلى يوم القيامة، لأضر ذلك بهم، ولتعبت الأبدان وكلت من كثرة الحركات والأشغال؛ ولهذا قال: {من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه} أي: تستريحون من حركاتكم وأشغالكم. {أفلا تبصرون. ومن رحمته} أي: بكم {جعل لكم الليل والنهار} أي: خلق هذا وهذا {لتسكنوا فيه} أي: في الليل، {ولتبتغوا من فضله} أي: في النهار بالأسفار والترحال، والحركات والأشغال، وهذا من باب اللف والنشر. وقوله: {ولعلكم تشكرون} أي: تشكرون الله بأنواع العبادات في الليل والنهار، ومن فاته شيء بالليل استدركه بالنهار، أو بالنهار استدركه بالليل، كما قال تعالى: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} [الفرقان: 62] . والآيات في هذا كثيرة . {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون } . وهذا أيضا نداء [ثان] على سبيل التقريع والتوبيخ لمن عبد مع الله إلها آخر، يناديهم الرب -تبارك وتعالى -على رؤوس الأشهاد فيقول: {أين شركائي الذين كنتم تزعمون} أي: في الدار الدنيا. {ونزعنا من كل أمة شهيدا} : قال مجاهد: يعني رسولا. {فقلنا هاتوا برهانكم} أي: على صحة ما ادعيتموه من أن لله شركاء، {فعلموا أن الحق لله} أي: لا إله غيره، أي: فلم ينطقوا ولم يحيروا جوابا، {وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي: ذهبوا فلم ينفعوهم. {إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين } .

Dio V06/P251–V06/P253İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P251–V06/P253)
Orijinal Metin (AR)

قال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: {إن قارون كان من قوم موسى} ، قال: كان ابن عمه. وهكذا قال إبراهيم النخعي، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وسماك بن حرب، وقتادة، ومالك بن دينار، وابن جريج، وغيرهم: أنه كان ابن عم موسى، عليه السلام . قال ابن جريج: هو قارون بن يصهر بن قاهث، وموسى بن عمران بن قاهث. وزعم محمد بن إسحاق بن يسار: أن قارون كان عم موسى ، عليه السلام. قال ابن جرير: وأكثر أهل العلم على أنه كان ابن عمه، والله أعلم. وقال قتادة بن دعامة: كنا نحدث أنه كان ابن عم موسى، وكان يسمى المنور لحسن صوته بالتوراة، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري، فأهلكه البغي لكثرة ماله. وقال شهر بن حوشب: زاد في ثيابه شبرا طولا ترفعا على قومه. وقوله: {وآتيناه من الكنوز} أي: [من] الأموال {ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة} أي: ليثقل حملها الفئام من الناس لكثرتها. قال الأعمش، عن خيثمة: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود، كل مفتاح مثل الأصبع، كل مفتاح على خزانة على حدته، فإذا ركب حملت على ستين بغلا أغر محجلا. وقيل: غير ذلك، والله أعلم. وقوله: {إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين} أي: وعظه فيما هو فيه صالح قومه، فقالوا على سبيل النصح والإرشاد: لا تفرح بما أنت فيه، يعنون: لا تبطر بما أنت فيه من الأموال {إن الله لا يحب الفرحين} قال ابن عباس: يعني المرحين. وقال مجاهد: يعني الأشرين البطرين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم. وقوله: {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا} أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة، في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات، التي يحصل لك بها الثواب في الدار الآخرة. {ولا تنس نصيبك من الدنيا} أي: مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح، فإن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولزورك عليك حقا، فآت كل ذي حق حقه. {وأحسن كما أحسن الله إليك} أي: أحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك {ولا تبغ الفساد في الأرض} أي: لا تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به الأرض ، وتسيء إلى خلق الله {إن الله لا يحب المفسدين} . {قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } . يقول تعالى مخبرا عن جواب قارون لقومه، حين نصحوه وأرشدوه إلى الخير {قال إنما أوتيته على علم عندي} أي: أنا لا أفتقر إلى ما تقولون، فإن الله تعالى إنما أعطاني هذا المال لعلمه بأني أستحقه، ولمحبته لي فتقديره: إنما أعطيته لعلم الله في أني أهل له، وهذا كقوله تعالى: {فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم} [الزمر: 49] أي: على علم من الله بي، وكقوله تعالى: {ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي} [فصلت: 50] أي: هذا أستحقه.

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

قال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: {إن قارون كان من قوم موسى} ، قال: كان ابن عمه. وهكذا قال إبراهيم النخعي، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وسماك بن حرب، وقتادة، ومالك بن دينار، وابن جريج، وغيرهم: أنه كان ابن عم موسى، عليه السلام . قال ابن جريج: هو قارون بن يصهر بن قاهث، وموسى بن عمران بن قاهث. وزعم محمد بن إسحاق بن يسار: أن قارون كان عم موسى ، عليه السلام. قال ابن جرير: وأكثر أهل العلم على أنه كان ابن عمه، والله أعلم. وقال قتادة بن دعامة: كنا نحدث أنه كان ابن عم موسى، وكان يسمى المنور لحسن صوته بالتوراة، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري، فأهلكه البغي لكثرة ماله. وقال شهر بن حوشب: زاد في ثيابه شبرا طولا ترفعا على قومه. وقوله: {وآتيناه من الكنوز} أي: [من] الأموال {ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة} أي: ليثقل حملها الفئام من الناس لكثرتها. قال الأعمش، عن خيثمة: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود، كل مفتاح مثل الأصبع، كل مفتاح على خزانة على حدته، فإذا ركب حملت على ستين بغلا أغر محجلا. وقيل: غير ذلك، والله أعلم. وقوله: {إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين} أي: وعظه فيما هو فيه صالح قومه، فقالوا على سبيل النصح والإرشاد: لا تفرح بما أنت فيه، يعنون: لا تبطر بما أنت فيه من الأموال {إن الله لا يحب الفرحين} قال ابن عباس: يعني المرحين. وقال مجاهد: يعني الأشرين البطرين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم. وقوله: {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا} أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة، في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات، التي يحصل لك بها الثواب في الدار الآخرة. {ولا تنس نصيبك من الدنيا} أي: مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح، فإن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، ولزورك عليك حقا، فآت كل ذي حق حقه. {وأحسن كما أحسن الله إليك} أي: أحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك {ولا تبغ الفساد في الأرض} أي: لا تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به الأرض ، وتسيء إلى خلق الله {إن الله لا يحب المفسدين} . {قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } . يقول تعالى مخبرا عن جواب قارون لقومه، حين نصحوه وأرشدوه إلى الخير {قال إنما أوتيته على علم عندي} أي: أنا لا أفتقر إلى ما تقولون، فإن الله تعالى إنما أعطاني هذا المال لعلمه بأني أستحقه، ولمحبته لي فتقديره: إنما أعطيته لعلم الله في أني أهل له، وهذا كقوله تعالى: {فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم} [الزمر: 49] أي: على علم من الله بي، وكقوله تعالى: {ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي} [فصلت: 50] أي: هذا أستحقه.

Dio V06/P253–V06/P254İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P253–V06/P254)
Orijinal Metin (AR)

وقد روي عن بعضهم أنه أراد: {إنما أوتيته على علم عندي} أي: إنه كان يعاني علم الكيمياء: وهذا القول ضعيف؛ لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل؛ لأن قلب الأعيان لا يقدر أحد عليها إلا الله عز وجل، قال الله: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له} [الحج: 73] ، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقول الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة" . وهذا ورد في المصورين الذين يشبهون بخلق الله في مجرد الصورة الظاهرة أو الشكل، فكيف بمن يدعي أنه يحيل ماهية هذه الذات إلى ماهية ذات أخرى، هذا زور ومحال، وجهل وضلال. وإنما يقدرون على الصبغ في الصورة الظاهرة، وهو كذب وزغل وتمويه، وترويج أنه صحيح في نفس الأمر، وليس كذلك قطعا لا محالة، ولم يثبت بطريق شرعي أنه صح مع أحد من الناس من هذه الطريقة التي يتعاناها هؤلاء الجهلة الفسقة الأفاكون فأما ما يجريه الله تعالى من خرق العوائد على يدي بعض الأولياء من قلب بعض الأعيان ذهبا أو فضة أو نحو ذلك، فهذا أمر لا ينكره مسلم، ولا يرده مؤمن، ولكن هذا ليس من قبيل الصناعات وإنما هذا عن مشيئة رب الأرض والسموات، واختياره وفعله، كما روي عن حيوة بن شريح المصري، رحمه الله، أنه سأله سائل، فلم يكن عنده ما يعطيه، ورأى ضرورته، فأخذ حصاة من الأرض فأجالها في كفه، ثم ألقاها إلى ذلك السائل فإذا هي ذهب أحمر. والأحاديث والآثار [في هذا] كثيرة جدا يطول ذكرها. وقال بعضهم: إن قارون كان يعلم الاسم الأعظم، فدعا الله به، فتمول بسببه. والصحيح المعنى الأول؛ ولهذا قال الله تعالى -رادا عليه فيما ادعاه من اعتناء الله به فيما أعطاه من المال {أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا} أي: قد كان من هو أكثر منه مالا وما كان ذلك عن محبة منا له، وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم وعدم شكرهم؛ ولهذا قال: {ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} أي: لكثرة ذنوبهم. قال قتادة: {على علم عندي} : على خير عندي. وقال السدي: على علم أني أهل لذلك. وقد أجاد في تفسير هذه الآية الإمام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فإنه قال في قوله: {قال إنما أوتيته على علم عندي} قال: لولا رضا الله عني، ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا المال، وقرأ {أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} [وهكذا يقول من قل علمه إذا رأى من وسع الله عليه يقول: لولا أنه يستحق ذلك لما أعطي] . {فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون } . يقول تعالى مخبرا عن قارون: إنه خرج ذات يوم على قومه في زينة عظيمة، وتجمل باهر، من مراكب وملابس عليه وعلى خدمه وحشمه، فلما رآه من يريد الحياة الدنيا ويميل إلى زخرفها وزينتها، تمنوا أن لو كان لهم مثل الذي أعطي، قالوا: {يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم} أي: ذو حظ وافر من الدنيا. فلما سمع مقالتهم أهل العلم النافع قالوا لهم: {ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا} أي: جزاء الله لعباده المؤمنين الصالحين في الدار الآخرة خير مما ترون. [كما في الحديث الصحيح: يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، واقرؤوا إن شئتم: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17] .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقد روي عن بعضهم أنه أراد: {إنما أوتيته على علم عندي} أي: إنه كان يعاني علم الكيمياء: وهذا القول ضعيف؛ لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل؛ لأن قلب الأعيان لا يقدر أحد عليها إلا الله عز وجل، قال الله: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له} [الحج: 73] ، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقول الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة" . وهذا ورد في المصورين الذين يشبهون بخلق الله في مجرد الصورة الظاهرة أو الشكل، فكيف بمن يدعي أنه يحيل ماهية هذه الذات إلى ماهية ذات أخرى، هذا زور ومحال، وجهل وضلال. وإنما يقدرون على الصبغ في الصورة الظاهرة، وهو كذب وزغل وتمويه، وترويج أنه صحيح في نفس الأمر، وليس كذلك قطعا لا محالة، ولم يثبت بطريق شرعي أنه صح مع أحد من الناس من هذه الطريقة التي يتعاناها هؤلاء الجهلة الفسقة الأفاكون فأما ما يجريه الله تعالى من خرق العوائد على يدي بعض الأولياء من قلب بعض الأعيان ذهبا أو فضة أو نحو ذلك، فهذا أمر لا ينكره مسلم، ولا يرده مؤمن، ولكن هذا ليس من قبيل الصناعات وإنما هذا عن مشيئة رب الأرض والسموات، واختياره وفعله، كما روي عن حيوة بن شريح المصري، رحمه الله، أنه سأله سائل، فلم يكن عنده ما يعطيه، ورأى ضرورته، فأخذ حصاة من الأرض فأجالها في كفه، ثم ألقاها إلى ذلك السائل فإذا هي ذهب أحمر. والأحاديث والآثار [في هذا] كثيرة جدا يطول ذكرها. وقال بعضهم: إن قارون كان يعلم الاسم الأعظم، فدعا الله به، فتمول بسببه. والصحيح المعنى الأول؛ ولهذا قال الله تعالى -رادا عليه فيما ادعاه من اعتناء الله به فيما أعطاه من المال {أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا} أي: قد كان من هو أكثر منه مالا وما كان ذلك عن محبة منا له، وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم وعدم شكرهم؛ ولهذا قال: {ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} أي: لكثرة ذنوبهم. قال قتادة: {على علم عندي} : على خير عندي. وقال السدي: على علم أني أهل لذلك. وقد أجاد في تفسير هذه الآية الإمام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فإنه قال في قوله: {قال إنما أوتيته على علم عندي} قال: لولا رضا الله عني، ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا المال، وقرأ {أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} [وهكذا يقول من قل علمه إذا رأى من وسع الله عليه يقول: لولا أنه يستحق ذلك لما أعطي] . {فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون } . يقول تعالى مخبرا عن قارون: إنه خرج ذات يوم على قومه في زينة عظيمة، وتجمل باهر، من مراكب وملابس عليه وعلى خدمه وحشمه، فلما رآه من يريد الحياة الدنيا ويميل إلى زخرفها وزينتها، تمنوا أن لو كان لهم مثل الذي أعطي، قالوا: {يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم} أي: ذو حظ وافر من الدنيا. فلما سمع مقالتهم أهل العلم النافع قالوا لهم: {ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا} أي: جزاء الله لعباده المؤمنين الصالحين في الدار الآخرة خير مما ترون. [كما في الحديث الصحيح: يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، واقرؤوا إن شئتم: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17] .

Dio V06/P254–V06/P256İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P254–V06/P256)
Orijinal Metin (AR)

وقوله: {ولا يلقاها إلا الصابرون} : قال السدي: وما يلقى الجنة إلا الصابرون. كأنه جعل ذلك من تمام كلام الذين أوتوا العلم. قال ابن جرير: وما يلقى هذه الكلمة إلا الصابرون عن محبة الدنيا، الراغبون في الدار الآخرة. وكأنه جعل ذلك مقطوعا من كلام أولئك، وجعله من كلام الله عز وجل وإخباره بذلك. {فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون } لما ذكر تعالى اختيال قارون في زينته، وفخره على قومه وبغيه عليهم، عقب ذلك بأنه خسف به وبداره الأرض، كما ثبت في الصحيح -عند البخاري من حديث الزهري، عن سالم -أن أباه حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بينا رجل يجر إزاره إذ خسف به ، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة". ثم رواه من حديث جرير بن زيد، عن سالم عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه . وقال الإمام أحمد: حدثنا النضر بن إسماعيل أبو المغيرة القاص، حدثنا الأعمش، عن عطية ، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينا رجل فيمن كان قبلكم، خرج في بردين أخضرين يختال فيهما، أمر الله الأرض فأخذته، فإنه ليتجلجل فيها إلى يوم القيامة". تفرد به أحمد ، وإسناده حسن. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا أبو معلى بن منصور ، أخبرني محمد بن مسلم، سمعت زيادا النميري يحدث عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينا رجل فيمن كان قبلكم خرج في بردين فاختال فيهما، فأمر الله الأرض فأخذته، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة" . وقد ذكر [الحافظ] محمد بن المنذر -شكر -في كتاب العجائب الغريبة بسنده عن نوفل بن مساحق قال: رأيت شابا في مسجد نجران، فجعلت أنظر إليه وأتعجب من طوله وتمامه وجماله، فقال: ما لك تنظر إلي؟ فقلت: أعجب من جمالك وكمالك. فقال: إن الله ليعجب مني. قال: فما زال ينقص وينقص حتى صار بطول الشبر، فأخذه بعض قرابته في كمه وذهب. وقد ذكر أن هلاك قارون كان عن دعوة نبي الله موسى عليه السلام واختلف في سببه، فعن ابن عباس والسدي: أن قارون أعطى امرأة بغيا مالا على أن تبهت موسى بحضرة الملأ من بني إسرائيل، وهو قائم فيهم يتلو عليهم كتاب الله، فتقول: يا موسى، إنك فعلت بي كذا وكذا. فلما قالت في الملأ ذلك لموسى عليه السلام، أرعد من الفرق، وأقبل عليها وصلى ركعتين ثم قال: أنشدك بالله الذي فرق البحر، وأنجاكم من فرعون، وفعل كذا و [فعل] كذا، لما أخبرتني بالذي حملك على ما قلت؟ فقالت: أما إذ نشدتني فإن قارون أعطاني كذا وكذا، على أن أقول لك، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه. فعند ذلك خر موسى لله عز وجل ساجدا، وسأل الله في قارون. فأوحى الله إليه أني قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه، فأمر موسى الأرض أن تبتلعه وداره فكان ذلك.

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقوله: {ولا يلقاها إلا الصابرون} : قال السدي: وما يلقى الجنة إلا الصابرون. كأنه جعل ذلك من تمام كلام الذين أوتوا العلم. قال ابن جرير: وما يلقى هذه الكلمة إلا الصابرون عن محبة الدنيا، الراغبون في الدار الآخرة. وكأنه جعل ذلك مقطوعا من كلام أولئك، وجعله من كلام الله عز وجل وإخباره بذلك. {فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون } لما ذكر تعالى اختيال قارون في زينته، وفخره على قومه وبغيه عليهم، عقب ذلك بأنه خسف به وبداره الأرض، كما ثبت في الصحيح -عند البخاري من حديث الزهري، عن سالم -أن أباه حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بينا رجل يجر إزاره إذ خسف به ، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة". ثم رواه من حديث جرير بن زيد، عن سالم عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه . وقال الإمام أحمد: حدثنا النضر بن إسماعيل أبو المغيرة القاص، حدثنا الأعمش، عن عطية ، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينا رجل فيمن كان قبلكم، خرج في بردين أخضرين يختال فيهما، أمر الله الأرض فأخذته، فإنه ليتجلجل فيها إلى يوم القيامة". تفرد به أحمد ، وإسناده حسن. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا أبو معلى بن منصور ، أخبرني محمد بن مسلم، سمعت زيادا النميري يحدث عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينا رجل فيمن كان قبلكم خرج في بردين فاختال فيهما، فأمر الله الأرض فأخذته، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة" . وقد ذكر [الحافظ] محمد بن المنذر -شكر -في كتاب العجائب الغريبة بسنده عن نوفل بن مساحق قال: رأيت شابا في مسجد نجران، فجعلت أنظر إليه وأتعجب من طوله وتمامه وجماله، فقال: ما لك تنظر إلي؟ فقلت: أعجب من جمالك وكمالك. فقال: إن الله ليعجب مني. قال: فما زال ينقص وينقص حتى صار بطول الشبر، فأخذه بعض قرابته في كمه وذهب. وقد ذكر أن هلاك قارون كان عن دعوة نبي الله موسى عليه السلام واختلف في سببه، فعن ابن عباس والسدي: أن قارون أعطى امرأة بغيا مالا على أن تبهت موسى بحضرة الملأ من بني إسرائيل، وهو قائم فيهم يتلو عليهم كتاب الله، فتقول: يا موسى، إنك فعلت بي كذا وكذا. فلما قالت في الملأ ذلك لموسى عليه السلام، أرعد من الفرق، وأقبل عليها وصلى ركعتين ثم قال: أنشدك بالله الذي فرق البحر، وأنجاكم من فرعون، وفعل كذا و [فعل] كذا، لما أخبرتني بالذي حملك على ما قلت؟ فقالت: أما إذ نشدتني فإن قارون أعطاني كذا وكذا، على أن أقول لك، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه. فعند ذلك خر موسى لله عز وجل ساجدا، وسأل الله في قارون. فأوحى الله إليه أني قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه، فأمر موسى الأرض أن تبتلعه وداره فكان ذلك.

Dio V06/P256–V06/P257İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P256–V06/P257)
Orijinal Metin (AR)

وقيل: إن قارون لما خرج على قومه في زينته تلك، وهو راكب على البغال الشهب، وعليه وعلى خدمه الثياب الأرجوان الصبغة ، فمر في جحفله ذلك على مجلس نبي الله موسى عليه السلام، وهو يذكرهم بأيام الله. فلما رأى الناس قارون انصرفت وجوه الناس حوله، ينظرون إلى ما هو فيه. فدعاه موسى عليه السلام، وقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا موسى، أما لئن كنت فضلت علي بالنبوة، فلقد فضلت عليك بالدنيا، ولئن شئت لتخرجن، فلتدعون علي وأدعو عليك. فخرج وخرج قارون في قومه، فقال موسى : تدعو أو أدعو أنا؟ قال: بل أنا أدعو. فدعا قارون فلم يجب له، ثم قال موسى : أدعو؟ قال: نعم. فقال موسى: اللهم، مر الأرض أن تطيعني اليوم. فأوحى الله إليه أني قد فعلت، فقال موسى: يا أرض، خذيهم. فأخذتهم إلى أقدامهم. ثم قال: خذيهم. فأخذتهم إلى ركبهم، ثم إلى مناكبهم. ثم قال: أقبلي بكنوزهم وأموالهم. قال: فأقبلت بها حتى نظروا إليها. ثم أشار موسى بيده فقال: اذهبوا بني لاوى فاستوت بهم الأرض. وعن ابن عباس أنه قال: خسف بهم إلى الأرض السابعة. وقال قتادة: ذكر لنا أنه يخسف بهم كل يوم قامة، فهم يتجلجلون فيها إلى يوم القيامة. وقد ذكر ها هنا إسرائيليات [غريبة] أضربنا عنها صفحا. وقوله: {فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين} أي: ما أغنى عنه ماله، وما جمعه، ولا خدمه و [لا] حشمه. ولا دفعوا عنه نقمة الله وعذابه ونكاله [به] ، ولا كان هو في نفسه منتصرا لنفسه، فلا ناصر له [لا] من نفسه، ولا من غيره. وقوله تعالى: {وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس} أي: الذين لما رأوه في زينته قالوا {يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم} ، فلما خسف به أصبحوا يقولون: {ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر} أي: ليس المال بدال على رضا الله عن صاحبه [وعن عباده] ؛ فإن الله يعطي ويمنع، ويضيق ويوسع، ويخفض ويرفع، وله الحكمة التامة والحجة البالغة. وهذا كما في الحديث المرفوع عن ابن مسعود: "إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم أرزاقكم وإن الله يعطي المال من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب" . {لولا أن من الله علينا لخسف بنا} أي: لولا لطف الله بنا وإحسانه إلينا لخسف بنا، كما خسف به، لأنا وددنا أن نكون مثله. {ويكأنه لا يفلح الكافرون} يعنون: أنه كان كافرا، ولا يفلح الكافر عند الله، لا في الدنيا ولا في الآخرة. وقد اختلف النحاة في معنى قوله تعالى [ها هنا] : {ويكأن} ، فقال بعضهم: معناها: "ويلك اعلم أن"، ولكن خففت فقيل: "ويك"، ودل فتح "أن" على حذف "اعلم". وهذا القول ضعفه ابن جرير ، والظاهر أنه قوي، ولا يشكل على ذلك إلا كتابتها في المصاحف متصلة "ويكأن". والكتابة أمر وضعي اصطلاحي، والمرجع إلى اللفظ العربي، والله أعلم. وقيل: معناها: ويكأن، أي: ألم تر أن. قاله قتادة. وقيل: معناها "وي كأن"، ففصلها وجعل حرف "وي" للتعجب أو للتنبيه، و"كأن" بمعنى "أظن وأحسب". قال ابن جرير: وأقوى الأقوال في هذا قول قتادة: إنها بمعنى: ألم تر أن، واستشهد بقول الشاعر : سألتاني الطلاق أن رأتاني قل مالي، وقد جئتماني بنكر ويكأن من يكن له نشب يح بب ومن يفتقر يعش عيش ضر {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون } . يخبر تعالى أن الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول، جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين، الذين لا يريدون علوا في الأرض، أي: ترفعا على خلق الله وتعاظما عليهم وتجبرا بهم، ولا فسادا فيهم. كما قال عكرمة: العلو: التجبر. وقال سعيد بن جبير: العلو: البغي.

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقيل: إن قارون لما خرج على قومه في زينته تلك، وهو راكب على البغال الشهب، وعليه وعلى خدمه الثياب الأرجوان الصبغة ، فمر في جحفله ذلك على مجلس نبي الله موسى عليه السلام، وهو يذكرهم بأيام الله. فلما رأى الناس قارون انصرفت وجوه الناس حوله، ينظرون إلى ما هو فيه. فدعاه موسى عليه السلام، وقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا موسى، أما لئن كنت فضلت علي بالنبوة، فلقد فضلت عليك بالدنيا، ولئن شئت لتخرجن، فلتدعون علي وأدعو عليك. فخرج وخرج قارون في قومه، فقال موسى : تدعو أو أدعو أنا؟ قال: بل أنا أدعو. فدعا قارون فلم يجب له، ثم قال موسى : أدعو؟ قال: نعم. فقال موسى: اللهم، مر الأرض أن تطيعني اليوم. فأوحى الله إليه أني قد فعلت، فقال موسى: يا أرض، خذيهم. فأخذتهم إلى أقدامهم. ثم قال: خذيهم. فأخذتهم إلى ركبهم، ثم إلى مناكبهم. ثم قال: أقبلي بكنوزهم وأموالهم. قال: فأقبلت بها حتى نظروا إليها. ثم أشار موسى بيده فقال: اذهبوا بني لاوى فاستوت بهم الأرض. وعن ابن عباس أنه قال: خسف بهم إلى الأرض السابعة. وقال قتادة: ذكر لنا أنه يخسف بهم كل يوم قامة، فهم يتجلجلون فيها إلى يوم القيامة. وقد ذكر ها هنا إسرائيليات [غريبة] أضربنا عنها صفحا. وقوله: {فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين} أي: ما أغنى عنه ماله، وما جمعه، ولا خدمه و [لا] حشمه. ولا دفعوا عنه نقمة الله وعذابه ونكاله [به] ، ولا كان هو في نفسه منتصرا لنفسه، فلا ناصر له [لا] من نفسه، ولا من غيره. وقوله تعالى: {وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس} أي: الذين لما رأوه في زينته قالوا {يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم} ، فلما خسف به أصبحوا يقولون: {ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر} أي: ليس المال بدال على رضا الله عن صاحبه [وعن عباده] ؛ فإن الله يعطي ويمنع، ويضيق ويوسع، ويخفض ويرفع، وله الحكمة التامة والحجة البالغة. وهذا كما في الحديث المرفوع عن ابن مسعود: "إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم أرزاقكم وإن الله يعطي المال من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب" . {لولا أن من الله علينا لخسف بنا} أي: لولا لطف الله بنا وإحسانه إلينا لخسف بنا، كما خسف به، لأنا وددنا أن نكون مثله. {ويكأنه لا يفلح الكافرون} يعنون: أنه كان كافرا، ولا يفلح الكافر عند الله، لا في الدنيا ولا في الآخرة. وقد اختلف النحاة في معنى قوله تعالى [ها هنا] : {ويكأن} ، فقال بعضهم: معناها: "ويلك اعلم أن"، ولكن خففت فقيل: "ويك"، ودل فتح "أن" على حذف "اعلم". وهذا القول ضعفه ابن جرير ، والظاهر أنه قوي، ولا يشكل على ذلك إلا كتابتها في المصاحف متصلة "ويكأن". والكتابة أمر وضعي اصطلاحي، والمرجع إلى اللفظ العربي، والله أعلم. وقيل: معناها: ويكأن، أي: ألم تر أن. قاله قتادة. وقيل: معناها "وي كأن"، ففصلها وجعل حرف "وي" للتعجب أو للتنبيه، و"كأن" بمعنى "أظن وأحسب". قال ابن جرير: وأقوى الأقوال في هذا قول قتادة: إنها بمعنى: ألم تر أن، واستشهد بقول الشاعر : سألتاني الطلاق أن رأتاني قل مالي، وقد جئتماني بنكر ويكأن من يكن له نشب يح بب ومن يفتقر يعش عيش ضر {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون } . يخبر تعالى أن الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول، جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين، الذين لا يريدون علوا في الأرض، أي: ترفعا على خلق الله وتعاظما عليهم وتجبرا بهم، ولا فسادا فيهم. كما قال عكرمة: العلو: التجبر. وقال سعيد بن جبير: العلو: البغي.

%0
10 Bölüm