Qur'an&Sunnahالقرآن

İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ) · AR

Dio V02/P019–V02/P021İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V02/P019–V02/P021)
Orijinal Metin (AR)

وقد روى ابن مردويه، من طريق موسى بن عبيدة الربذي عن محمد بن إبراهيم عن يحنش أبي موسى، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ مائة آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية إلى ألف أصبح له قنطار من أجر عند الله، القنطار منه مثل الجبل العظيم". ورواه وكيع، عن موسى بن عبيدة، بمعناه وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عيسى بن زيد اللخمي بتنيس حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا زهير بن محمد، حدثنا حميد الطويل، ورجل آخر، عن أنس بن مالك قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله، عز وجل: {والقناطير المقنطرة} قال: "القنطار ألفا أوقية". صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، هكذا رواه الحاكم . وقد رواه ابن أبي حاتم بلفظ آخر فقال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الرقي، حدثنا عمرو ابن أبي سلمة، حدثنا زهير -يعني ابن محمد-حدثنا حميد الطويل ورجل آخر قد سماه-يعني يزيد الرقاشي-عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: قنطار، يعني: "ألف دينار". وهكذا [رواه] ابن مردويه، ورواه الطبراني، عن عبد الله بن محمد بن أبي مريم، عن عمرو بن أبي سلمة، فذكر بإسناده مثله سواء . وروى ابن جرير عن الحسن البصري مرسلا عنه وموقوفا عليه: القنطار ألف ومائتا دينار. وكذا رواه العوفي عن ابن عباس. وقال الضحاك: من العرب من يقول: القنطار ألف دينار. ومنهم من يقول: اثنا عشر ألفا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عارم، عن حماد، عن سعيد الجريري عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: [القنطار] ملء مسك الثور ذهبا. قال أبو محمد: ورواه محمد بن موسى الحرشي، عن حماد بن زيد، مرفوعا. والموقوف أصح . وحب الخيل على ثلاثة أقسام، تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله تعالى، متى احتاجوا إليها غزوا عليها، فهؤلاء يثابون. وتارة تربط فخرا ونواء لأهل الإسلام، فهذه على صاحبها وزر. وتارة للتعفف واقتناء نسلها. ولم ينس حق الله في رقابها، فهذه لصاحبها ستر، كما سيأتي الحديث بذلك [إن شاء الله تعالى] عند قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل [ترهبون به عدو الله وعدوكم] } [الأنفال: 60] . وأما {المسومة} فعن ابن عباس، رضي الله عنهما: المسومة الراعية، والمطهمة الحسان، وكذا روي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبزى، والسدي، والربيع بن أنس، وأبي سنان وغيرهم. وقال مكحول: المسومة: الغرة والتحجيل. وقيل غير ذلك. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن حديج، عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس من فرس عربي إلا يؤذن له مع كل فجر يدعو بدعوتين، يقول: اللهم إنك خولتني من خولتني من] بني آدم، فاجعلني من أحب ماله وأهله إليه، أو أحب أهله وماله إليه" . وقوله: {والأنعام} يعني: الإبل والبقر والغنم {والحرث} يعني: الأرض المتخذة للغراس والزراعة . قال الإمام أحمد: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو نعامة العدوي، عن مسلم بن بديل عن إياس بن زهير، عن سويد بن هبيرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير مال امرئ له مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة" المأمورة الكثيرة النسل، والسكة: النخل المصطف، والمأبورة: الملقحة. ثم قال تعالى: {ذلك متاع الحياة الدنيا} أي: إنما هذا زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة {والله عنده حسن المآب} أي: حسن المرجع والثواب.

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقد روى ابن مردويه، من طريق موسى بن عبيدة الربذي عن محمد بن إبراهيم عن يحنش أبي موسى، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ مائة آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية إلى ألف أصبح له قنطار من أجر عند الله، القنطار منه مثل الجبل العظيم". ورواه وكيع، عن موسى بن عبيدة، بمعناه وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عيسى بن زيد اللخمي بتنيس حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا زهير بن محمد، حدثنا حميد الطويل، ورجل آخر، عن أنس بن مالك قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله، عز وجل: {والقناطير المقنطرة} قال: "القنطار ألفا أوقية". صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، هكذا رواه الحاكم . وقد رواه ابن أبي حاتم بلفظ آخر فقال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الرقي، حدثنا عمرو ابن أبي سلمة، حدثنا زهير -يعني ابن محمد-حدثنا حميد الطويل ورجل آخر قد سماه-يعني يزيد الرقاشي-عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: قنطار، يعني: "ألف دينار". وهكذا [رواه] ابن مردويه، ورواه الطبراني، عن عبد الله بن محمد بن أبي مريم، عن عمرو بن أبي سلمة، فذكر بإسناده مثله سواء . وروى ابن جرير عن الحسن البصري مرسلا عنه وموقوفا عليه: القنطار ألف ومائتا دينار. وكذا رواه العوفي عن ابن عباس. وقال الضحاك: من العرب من يقول: القنطار ألف دينار. ومنهم من يقول: اثنا عشر ألفا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عارم، عن حماد، عن سعيد الجريري عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: [القنطار] ملء مسك الثور ذهبا. قال أبو محمد: ورواه محمد بن موسى الحرشي، عن حماد بن زيد، مرفوعا. والموقوف أصح . وحب الخيل على ثلاثة أقسام، تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله تعالى، متى احتاجوا إليها غزوا عليها، فهؤلاء يثابون. وتارة تربط فخرا ونواء لأهل الإسلام، فهذه على صاحبها وزر. وتارة للتعفف واقتناء نسلها. ولم ينس حق الله في رقابها، فهذه لصاحبها ستر، كما سيأتي الحديث بذلك [إن شاء الله تعالى] عند قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل [ترهبون به عدو الله وعدوكم] } [الأنفال: 60] . وأما {المسومة} فعن ابن عباس، رضي الله عنهما: المسومة الراعية، والمطهمة الحسان، وكذا روي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبزى، والسدي، والربيع بن أنس، وأبي سنان وغيرهم. وقال مكحول: المسومة: الغرة والتحجيل. وقيل غير ذلك. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن حديج، عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس من فرس عربي إلا يؤذن له مع كل فجر يدعو بدعوتين، يقول: اللهم إنك خولتني من خولتني من] بني آدم، فاجعلني من أحب ماله وأهله إليه، أو أحب أهله وماله إليه" . وقوله: {والأنعام} يعني: الإبل والبقر والغنم {والحرث} يعني: الأرض المتخذة للغراس والزراعة . قال الإمام أحمد: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو نعامة العدوي، عن مسلم بن بديل عن إياس بن زهير، عن سويد بن هبيرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير مال امرئ له مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة" المأمورة الكثيرة النسل، والسكة: النخل المصطف، والمأبورة: الملقحة. ثم قال تعالى: {ذلك متاع الحياة الدنيا} أي: إنما هذا زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة {والله عنده حسن المآب} أي: حسن المرجع والثواب.

Dio V02/P021–V02/P023İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V02/P021–V02/P023)
Orijinal Metin (AR)

وقد قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد قال: قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: لما أنزلت: {زين للناس حب الشهوات} قلت: الآن يا رب حين زينتها لنا فنزلت: {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا [عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار] } . ولهذا قال تعالى: {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم} أي: قل يا محمد للناس: أأخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها، الذي هو زائل لا محالة. ثم أخبر عن ذلك، فقال: {للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار} أي: تنخرق بين جوانبها وأرجائها الأنهار، من أنواع الأشربة؛ من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. {خالدين فيها} أي: ماكثين فيها أبد الآباد لا يبغون عنها حولا. {وأزواج مطهرة} أي: من الدنس، والخبث، والأذى، والحيض، والنفاس، وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا. {ورضوان من الله} أي: يحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم بعده أبدا؛ ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي في براءة: {ورضوان من الله أكبر} [التوبة: 72] أي: أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم، ثم قال [تعالى] {والله بصير بالعباد} أي: يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء. {الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار } يصف تعالى عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل، فقال تعالى: {الذين يقولون ربنا إننا آمنا} أي: بك وبكتابك وبرسولك {فاغفر لنا ذنوبنا} أي بإيماننا بك وبما شرعته لنا فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا بفضلك ورحمتك {وقنا عذاب النار} ثم قال: {الصابرين} أي: في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات {والصادقين} فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمونه من الأعمال الشاقة {والقانتين} والقنوت: الطاعة والخضوع {والمنفقين} أي: من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، وسد الخلات، ومواساة ذوي الحاجات {والمستغفرين بالأسحار} دل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار. وقد قيل: إن يعقوب، عليه السلام، لما قال لبنيه: {سوف أستغفر لكم ربي} [يوسف:98] أنه أخرهم إلى وقت السحر. وثبت في الصحيحين وغيرهما من المساند والسنن، من غير وجه، عن جماعة من الصحابة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ينزل الله تبارك وتعالى في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ " الحديث وقد أفرد الحافظ أبو الحسن الدارقطني في ذلك جزءا على حدة فرواه من طرق متعددة. وفي الصحيحين، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أوله وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السحر . وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل، ثم يقول: يا نافع، هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح. رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن حريث بن أبي مطر، عن إبراهيم بن حاطب، عن أبيه قال: سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: رب أمرتني فأطعتك، وهذا سحر، فاغفر لي. فنظرت فإذا ابن مسعود، رضي الله عنه . وروى ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة. {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد }

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقد قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد قال: قال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: لما أنزلت: {زين للناس حب الشهوات} قلت: الآن يا رب حين زينتها لنا فنزلت: {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا [عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار] } . ولهذا قال تعالى: {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم} أي: قل يا محمد للناس: أأخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها، الذي هو زائل لا محالة. ثم أخبر عن ذلك، فقال: {للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار} أي: تنخرق بين جوانبها وأرجائها الأنهار، من أنواع الأشربة؛ من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. {خالدين فيها} أي: ماكثين فيها أبد الآباد لا يبغون عنها حولا. {وأزواج مطهرة} أي: من الدنس، والخبث، والأذى، والحيض، والنفاس، وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا. {ورضوان من الله} أي: يحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم بعده أبدا؛ ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي في براءة: {ورضوان من الله أكبر} [التوبة: 72] أي: أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم، ثم قال [تعالى] {والله بصير بالعباد} أي: يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء. {الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار } يصف تعالى عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل، فقال تعالى: {الذين يقولون ربنا إننا آمنا} أي: بك وبكتابك وبرسولك {فاغفر لنا ذنوبنا} أي بإيماننا بك وبما شرعته لنا فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا بفضلك ورحمتك {وقنا عذاب النار} ثم قال: {الصابرين} أي: في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات {والصادقين} فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمونه من الأعمال الشاقة {والقانتين} والقنوت: الطاعة والخضوع {والمنفقين} أي: من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، وسد الخلات، ومواساة ذوي الحاجات {والمستغفرين بالأسحار} دل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار. وقد قيل: إن يعقوب، عليه السلام، لما قال لبنيه: {سوف أستغفر لكم ربي} [يوسف:98] أنه أخرهم إلى وقت السحر. وثبت في الصحيحين وغيرهما من المساند والسنن، من غير وجه، عن جماعة من الصحابة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ينزل الله تبارك وتعالى في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ " الحديث وقد أفرد الحافظ أبو الحسن الدارقطني في ذلك جزءا على حدة فرواه من طرق متعددة. وفي الصحيحين، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أوله وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السحر . وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل، ثم يقول: يا نافع، هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح. رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن حريث بن أبي مطر، عن إبراهيم بن حاطب، عن أبيه قال: سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: رب أمرتني فأطعتك، وهذا سحر، فاغفر لي. فنظرت فإذا ابن مسعود، رضي الله عنه . وروى ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة. {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد }

Dio V02/P023–V02/P024İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V02/P023–V02/P024)
Orijinal Metin (AR)

شهد تعالى -وكفى به شهيدا، وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم، وأصدق القائلين- {أنه لا إله إلا هو} أي: المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه، والفقراء إليه، وهو الغني عما سواه كما قال تعالى: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا} الآية [النساء: 166] . ثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته فقال: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم} وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام. {قائما بالقسط} منصوب على الحال، وهو في جميع الأحوال كذلك. {لا إله إلا هو} تأكيد لما سبق {العزيز الحكيم} العزيز: الذي لا يرام جنابه عظمة وكبرياء، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثني جبير بن عمرو القرشي، حدثنا أبو سعيد الأنصاري، عن أبي يحيى مولى آل الزبير بن العوام، عن الزبير بن العوام، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} "وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب" . وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، فقال: حدثنا علي بن حسين، حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، حدثنا عمر بن حفص بن ثابت أبو سعيد الأنصاري، حدثنا عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده، عن الزبير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قرأ هذه الآية: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة} قال: "وأنا أشهد أي رب" . وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا عبدان بن أحمد وعلي بن سعيد الرازي قالا حدثنا عمار بن عمر بن المختار، حدثني أبي، حدثني غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريبا من الأعمش، فلما كانت ليلة أردت أن أنحدر قام فتهجد من الليل، فمر بهذه الآية: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم. إن الدين عند الله الإسلام} ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة: {إن الدين عند الله الإسلام} قالها مرارا. قلت: لقد سمع فيها شيئا، فغدوت إليه فودعته، ثم قلت: يا أبا محمد، إني سمعتك تردد هذه الآية. قال: أو ما بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ شهر لم تحدثني. قال: والله لا أحدثك بها إلى سنة. فأقمت سنة فكنت على بابه، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد، قد مضت السنة. قال: حدثني أبو وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله عز وجل: عبدي عهد إلي، وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة" . وقوله: {إن الدين عند الله الإسلام} إخبار من الله تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم، الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لقي الله بعد بعثته محمدا صلى الله عليه وسلم بدين على غير شريعته، فليس بمتقبل. كما قال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه [وهو في الآخرة من الخاسرين] } [آل عمران:85] وقال في هذه الآية مخبرا بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام: {إن الدين عند الله الإسلام}

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

شهد تعالى -وكفى به شهيدا، وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم، وأصدق القائلين- {أنه لا إله إلا هو} أي: المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه، والفقراء إليه، وهو الغني عما سواه كما قال تعالى: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا} الآية [النساء: 166] . ثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته فقال: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم} وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام. {قائما بالقسط} منصوب على الحال، وهو في جميع الأحوال كذلك. {لا إله إلا هو} تأكيد لما سبق {العزيز الحكيم} العزيز: الذي لا يرام جنابه عظمة وكبرياء، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثني جبير بن عمرو القرشي، حدثنا أبو سعيد الأنصاري، عن أبي يحيى مولى آل الزبير بن العوام، عن الزبير بن العوام، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} "وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب" . وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، فقال: حدثنا علي بن حسين، حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، حدثنا عمر بن حفص بن ثابت أبو سعيد الأنصاري، حدثنا عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده، عن الزبير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قرأ هذه الآية: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة} قال: "وأنا أشهد أي رب" . وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا عبدان بن أحمد وعلي بن سعيد الرازي قالا حدثنا عمار بن عمر بن المختار، حدثني أبي، حدثني غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريبا من الأعمش، فلما كانت ليلة أردت أن أنحدر قام فتهجد من الليل، فمر بهذه الآية: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم. إن الدين عند الله الإسلام} ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة: {إن الدين عند الله الإسلام} قالها مرارا. قلت: لقد سمع فيها شيئا، فغدوت إليه فودعته، ثم قلت: يا أبا محمد، إني سمعتك تردد هذه الآية. قال: أو ما بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ شهر لم تحدثني. قال: والله لا أحدثك بها إلى سنة. فأقمت سنة فكنت على بابه، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد، قد مضت السنة. قال: حدثني أبو وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله عز وجل: عبدي عهد إلي، وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة" . وقوله: {إن الدين عند الله الإسلام} إخبار من الله تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم، الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لقي الله بعد بعثته محمدا صلى الله عليه وسلم بدين على غير شريعته، فليس بمتقبل. كما قال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه [وهو في الآخرة من الخاسرين] } [آل عمران:85] وقال في هذه الآية مخبرا بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام: {إن الدين عند الله الإسلام}

Dio V02/P024–V02/P026İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V02/P024–V02/P026)
Orijinal Metin (AR)

وذكر ابن جرير أن ابن عباس قرأ: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم. إن الدين عند الله الإسلام} بكسر إنه وفتح {إن الدين عند الله الإسلام} أي: شهد هو وملائكته وأولو العلم من البشر بأن الدين عند الله الإسلام. والجمهور قرأوها بالكسر على الخبر، وكلا المعنيين صحيح. ولكن هذا على قول الجمهور أظهر والله أعلم. ثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول إنما اختلفوا بعد ما قامت عليهم الحجة، بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، فقال: {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} أي: بغى بعضهم على بعض، فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بغض البعض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله، وإن كانت حقا، ثم قال: {ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب} أي: من جحد بما أنزل الله في كتابه فإن الله سيجازيه على ذلك، ويحاسبه على تكذيبه، ويعاقبه على مخالفته كتابه ثم قال تعالى: {فإن حاجوك} أي: جادلوك في التوحيد {فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن} أي: فقل أخلصت عبادتي لله وحده، لا شريك له ولا ند [له] ولا ولد ولا صاحبة له {ومن اتبعن} على ديني، يقول كمقالتي، كما قال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني [وسبحان الله وما أنا من المشركين] } [يوسف: 108] . ثم قال تعالى آمرا لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى طريقته ودينه، والدخول في شرعه وما بعثه الله به الكتابيين من الملتين والأميين من المشركين فقال: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ} أي: والله عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وله الحكمة في ذلك، والحجة البالغة؛ ولهذا قال: {والله بصير بالعباد} أي: هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: 33] وما ذاك إلا لحكمته ورحمته. وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته، صلوات الله وسلامه عليه، إلى جميع الخلق، كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث، فمن ذلك قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158] وقال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} [الفرقان: 1] وفي الصحيحين وغيرهما، مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة، أنه بعث كتبه صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله ملوك الآفاق، وطوائف بني آدم من عربهم وعجمهم، كتابيهم وأميهم، امتثالا لأمر الله له بذلك. وقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أهل النار" رواه مسلم . وقال صلى الله عليه وسلم: "بعثت إلى الأحمر والأسود" وقال: "كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة". وقال الإمام أحمد: حدثنا مؤمل، حدثنا حماد، حدثنا ثابت عن أنس، رضي الله عنه: أن غلاما يهوديا كان يضع للنبي صلى الله عليه وسلم وضوءه ويناوله نعليه، فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "يا فلان، قل: لا إله إلا الله" فنظر إلى أبيه، فسكت أبوه، فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام:: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "الحمد لله الذي أخرجه بي من النار" أخرجه البخاري في الصحيح إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وذكر ابن جرير أن ابن عباس قرأ: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم. إن الدين عند الله الإسلام} بكسر إنه وفتح {إن الدين عند الله الإسلام} أي: شهد هو وملائكته وأولو العلم من البشر بأن الدين عند الله الإسلام. والجمهور قرأوها بالكسر على الخبر، وكلا المعنيين صحيح. ولكن هذا على قول الجمهور أظهر والله أعلم. ثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول إنما اختلفوا بعد ما قامت عليهم الحجة، بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، فقال: {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم} أي: بغى بعضهم على بعض، فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بغض البعض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله، وإن كانت حقا، ثم قال: {ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب} أي: من جحد بما أنزل الله في كتابه فإن الله سيجازيه على ذلك، ويحاسبه على تكذيبه، ويعاقبه على مخالفته كتابه ثم قال تعالى: {فإن حاجوك} أي: جادلوك في التوحيد {فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن} أي: فقل أخلصت عبادتي لله وحده، لا شريك له ولا ند [له] ولا ولد ولا صاحبة له {ومن اتبعن} على ديني، يقول كمقالتي، كما قال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني [وسبحان الله وما أنا من المشركين] } [يوسف: 108] . ثم قال تعالى آمرا لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى طريقته ودينه، والدخول في شرعه وما بعثه الله به الكتابيين من الملتين والأميين من المشركين فقال: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ} أي: والله عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وله الحكمة في ذلك، والحجة البالغة؛ ولهذا قال: {والله بصير بالعباد} أي: هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: 33] وما ذاك إلا لحكمته ورحمته. وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته، صلوات الله وسلامه عليه، إلى جميع الخلق، كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث، فمن ذلك قوله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158] وقال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} [الفرقان: 1] وفي الصحيحين وغيرهما، مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة، أنه بعث كتبه صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله ملوك الآفاق، وطوائف بني آدم من عربهم وعجمهم، كتابيهم وأميهم، امتثالا لأمر الله له بذلك. وقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أهل النار" رواه مسلم . وقال صلى الله عليه وسلم: "بعثت إلى الأحمر والأسود" وقال: "كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة". وقال الإمام أحمد: حدثنا مؤمل، حدثنا حماد، حدثنا ثابت عن أنس، رضي الله عنه: أن غلاما يهوديا كان يضع للنبي صلى الله عليه وسلم وضوءه ويناوله نعليه، فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "يا فلان، قل: لا إله إلا الله" فنظر إلى أبيه، فسكت أبوه، فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام:: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "الحمد لله الذي أخرجه بي من النار" أخرجه البخاري في الصحيح إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.

Dio V02/P026–V02/P027İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V02/P026–V02/P027)
Orijinal Metin (AR)

{إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين } هذا ذم من الله تعالى لأهل الكتاب فيما ارتكبوه من المآثم والمحارم في تكذيبهم بآيات الله قديما وحديثا، التي بلغتهم إياها الرسل، استكبارا عليهم وعنادا لهم، وتعاظما على الحق واستنكافا عن اتباعه، ومع هذا قتلوا من قتلوا من النبيين حين بلغوهم عن الله شرعه، بغير سبب ولا جريمة منهم إليهم، إلا لكونهم دعوهم إلى الحق {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس} وهذا هو غاية الكبر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الكبر بطر الحق وغمط الناس". وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو الزبير الحسن بن علي بن مسلم النيسابوري، نزيل مكة، حدثني أبو حفص عمر بن حفص -يعني ابن ثابت بن زرارة الأنصاري- حدثنا محمد بن حمزة، حدثني أبو الحسن مولى لبني أسد، عن مكحول، عن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، عن أبي عبيدة بن الجراح، رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: "رجل قتل نبيا أو من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر". ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم} [إلى قوله: {وما لهم من ناصرين] } الآية. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا، من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة وسبعون رجلا من بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعا من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله، عز وجل". وهكذا رواه ابن جرير عن أبي عبيد الوصابي محمد بن حفص، عن ابن حمير، عن أبي الحسن مولى بني أسد، عن مكحول، به . وعن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: قتلت بنو إسرائيل ثلاثمائة نبي من أول النهار، وأقاموا سوق بقلهم من آخره. رواه ابن أبي حاتم. ولهذا لما أن تكبروا عن الحق واستكبروا على الخلق، قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا والعذاب المهين في الآخرة، فقال: {فبشرهم بعذاب أليم} أي: موجع مهين. {أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين} {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } يقول تعالى منكرا على اليهود والنصارى، المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم اللذين بأيديهم، وهما التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما، من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم، والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد.

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

{إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين } هذا ذم من الله تعالى لأهل الكتاب فيما ارتكبوه من المآثم والمحارم في تكذيبهم بآيات الله قديما وحديثا، التي بلغتهم إياها الرسل، استكبارا عليهم وعنادا لهم، وتعاظما على الحق واستنكافا عن اتباعه، ومع هذا قتلوا من قتلوا من النبيين حين بلغوهم عن الله شرعه، بغير سبب ولا جريمة منهم إليهم، إلا لكونهم دعوهم إلى الحق {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس} وهذا هو غاية الكبر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الكبر بطر الحق وغمط الناس". وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو الزبير الحسن بن علي بن مسلم النيسابوري، نزيل مكة، حدثني أبو حفص عمر بن حفص -يعني ابن ثابت بن زرارة الأنصاري- حدثنا محمد بن حمزة، حدثني أبو الحسن مولى لبني أسد، عن مكحول، عن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، عن أبي عبيدة بن الجراح، رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: "رجل قتل نبيا أو من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر". ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم} [إلى قوله: {وما لهم من ناصرين] } الآية. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا عبيدة، قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا، من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة وسبعون رجلا من بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعا من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله، عز وجل". وهكذا رواه ابن جرير عن أبي عبيد الوصابي محمد بن حفص، عن ابن حمير، عن أبي الحسن مولى بني أسد، عن مكحول، به . وعن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: قتلت بنو إسرائيل ثلاثمائة نبي من أول النهار، وأقاموا سوق بقلهم من آخره. رواه ابن أبي حاتم. ولهذا لما أن تكبروا عن الحق واستكبروا على الخلق، قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا والعذاب المهين في الآخرة، فقال: {فبشرهم بعذاب أليم} أي: موجع مهين. {أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين} {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } يقول تعالى منكرا على اليهود والنصارى، المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم اللذين بأيديهم، وهما التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما، من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم، والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد.

Dio V02/P027–V02/P028İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V02/P027–V02/P028)
Orijinal Metin (AR)

ثم قال: {ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات} أي: إنما حملهم وجرأهم على مخالفة الحق افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام، عن كل ألف سنة في الدنيا يوما. وقد تقدم تفسير ذلك في سورة البقرة. ثم قال: {وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون} [أي غرهم في دينهم] أي: ثبتهم على دينهم الباطل ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أياما معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم وافتعلوه، ولم ينزل الله به سلطانا قال الله تعالى متهددا لهم ومتوعدا: {فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه} أي: كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله وكذبوا رسله وقتلوا أنبياءه والعلماء من قومهم، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والله تعالى سائلهم عن ذلك كله، ومحاسبهم عليه، ومجازيهم به؛ ولهذا قال: {فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه} لا شك في وقوعه وكونه {ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب } يقول تعالى: {قل} يا محمد، معظما لربك ومتوكلا عليه، وشاكرا له ومفوضا إليه: {اللهم مالك الملك} أي: لك الملك كله {تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء} أي: أنت المعطي، وأنت المانع، وأنت الذي ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن. وفي هذه الآية تنبيه وإرشاد إلى شكر نعمة الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وهذه الأمة؛ لأن الله حول النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي القرشي المكي الأمي خاتم الأنبياء على الإطلاق، ورسول الله إلى جميع الثقلين الإنس والجن، الذي جمع الله فيه محاسن من كان قبله، وخصه بخصائص لم يعطها نبيا من الأنبياء ولا رسولا من الرسل، في العلم بالله وشريعته وإطلاعه على الغيوب الماضية والآتية، وكشفه عن حقائق الآخرة ونشر أمته في الآفاق، في مشارق الأرض ومغاربها، وإظهار دينه وشرعه على سائر الأديان، والشرائع، فصلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين، ما تعاقب الليل والنهار. ولهذا قال تعالى: {قل اللهم مالك الملك [تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير] } أي: أنت المتصرف في خلقك، الفعال لما تريد، كما رد تبارك وتعالى على من يتحكم عليه في أمره، حيث قال: {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} [الزخرف: 31] . قال الله تعالى ردا عليهم: {أهم يقسمون رحمت ربك [نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات] } الآية [الزخرف: 32] أي: نحن نتصرف في خلقنا كما نريد، بلا ممانع ولا مدافع، ولنا الحكمة والحجة في ذلك، وهكذا نعطي النبوة لمن نريد، كما قال تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] وقال تعالى: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض [وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا] } [الإسراء: 21] وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة "إسحاق بن أحمد" من تاريخه عن المأمون الخليفة: أنه رأى في قصر ببلاد الروم مكتوبا بالحميرية، فعرب له، فإذا هو: باسم الله ما اختلف الليل والنهار، ولا دارت نجوم السماء في الفلك إلا بنقل النعيم عن ملك قد زال سلطانه إلى ملك. وملك ذي العرش دائم أبدا ليس بفان ولا بمشترك . وقوله: {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل} أي: تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان، ثم يعتدلان. وهكذا في فصول السنة: ربيعا وصيفا وخريفا وشتاء.

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ثم قال: {ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات} أي: إنما حملهم وجرأهم على مخالفة الحق افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام، عن كل ألف سنة في الدنيا يوما. وقد تقدم تفسير ذلك في سورة البقرة. ثم قال: {وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون} [أي غرهم في دينهم] أي: ثبتهم على دينهم الباطل ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أياما معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم وافتعلوه، ولم ينزل الله به سلطانا قال الله تعالى متهددا لهم ومتوعدا: {فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه} أي: كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله وكذبوا رسله وقتلوا أنبياءه والعلماء من قومهم، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والله تعالى سائلهم عن ذلك كله، ومحاسبهم عليه، ومجازيهم به؛ ولهذا قال: {فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه} لا شك في وقوعه وكونه {ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب } يقول تعالى: {قل} يا محمد، معظما لربك ومتوكلا عليه، وشاكرا له ومفوضا إليه: {اللهم مالك الملك} أي: لك الملك كله {تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء} أي: أنت المعطي، وأنت المانع، وأنت الذي ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن. وفي هذه الآية تنبيه وإرشاد إلى شكر نعمة الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وهذه الأمة؛ لأن الله حول النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي القرشي المكي الأمي خاتم الأنبياء على الإطلاق، ورسول الله إلى جميع الثقلين الإنس والجن، الذي جمع الله فيه محاسن من كان قبله، وخصه بخصائص لم يعطها نبيا من الأنبياء ولا رسولا من الرسل، في العلم بالله وشريعته وإطلاعه على الغيوب الماضية والآتية، وكشفه عن حقائق الآخرة ونشر أمته في الآفاق، في مشارق الأرض ومغاربها، وإظهار دينه وشرعه على سائر الأديان، والشرائع، فصلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين، ما تعاقب الليل والنهار. ولهذا قال تعالى: {قل اللهم مالك الملك [تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير] } أي: أنت المتصرف في خلقك، الفعال لما تريد، كما رد تبارك وتعالى على من يتحكم عليه في أمره، حيث قال: {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} [الزخرف: 31] . قال الله تعالى ردا عليهم: {أهم يقسمون رحمت ربك [نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات] } الآية [الزخرف: 32] أي: نحن نتصرف في خلقنا كما نريد، بلا ممانع ولا مدافع، ولنا الحكمة والحجة في ذلك، وهكذا نعطي النبوة لمن نريد، كما قال تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] وقال تعالى: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض [وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا] } [الإسراء: 21] وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة "إسحاق بن أحمد" من تاريخه عن المأمون الخليفة: أنه رأى في قصر ببلاد الروم مكتوبا بالحميرية، فعرب له، فإذا هو: باسم الله ما اختلف الليل والنهار، ولا دارت نجوم السماء في الفلك إلا بنقل النعيم عن ملك قد زال سلطانه إلى ملك. وملك ذي العرش دائم أبدا ليس بفان ولا بمشترك . وقوله: {تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل} أي: تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان، ثم يعتدلان. وهكذا في فصول السنة: ربيعا وصيفا وخريفا وشتاء.

Dio V02/P028–V02/P030İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V02/P028–V02/P030)
Orijinal Metin (AR)

وقوله: {وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} أي: تخرج الحبة من الزرع والزرع من الحبة، والنخلة من النواة والنواة من النخلة، والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، والدجاجة من البيضة والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء {وترزق من تشاء بغير حساب} أي: تعطي من شئت من المال ما لا يعده ولا يقدر على إحصائه، وتقتر على آخرين، لما لك في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة والعدل. قال الطبراني: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا جعفر بن جسر بن فرقد، حدثنا أبي، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، في هذه الآية من آل عمران: {قل اللهم مالك الملك [تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير] } . {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } نهى الله، تبارك وتعالى، عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعد على ذلك فقال: {ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء} أي: من يرتكب نهي الله في هذا فقد برئ من الله كما قال: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا} [النساء:144] وقال [تعالى] {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم [إن الله لا يهدي القوم الظالمين] } [المائدة: 51] . [وقال تعالى] {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة} إلى أن قال: {ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل} [الممتحنة: 1] وقال تعالى -بعد ذكر موالاة المؤمنين للمؤمنين من المهاجرين والأنصار والأعراب-: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} [الأنفال: 73] . وقوله: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} أي: إلا من خاف في بعض البلدان أوالأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما حكاه البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: "إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم". وقال الثوري: قال ابن عباس، رضي الله عنهما: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس: إنما التقية باللسان، وكذا قال أبو العالية، وأبو الشعثاء والضحاك، والربيع بن أنس. ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان [ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم] } [النحل: 106] . وقال البخاري: قال الحسن: التقية إلى يوم القيامة. ثم قال تعالى: {ويحذركم الله نفسه} أي: يحذركم نقمته، أي مخالفته وسطوته في عذابه لمن والى أعداءه وعادى أولياءه. ثم قال تعالى: {وإلى الله المصير} أي: إليه المرجع والمنقلب، فيجازي كل عامل بعمله. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن أبي حسين، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون [بن مهران] قال: قام فينا معاذ ابن جبل فقال: يا بني أود، إني رسول رسول الله إليكم، تعلمون أن المعاد [إلى الله] إلى الجنة أو إلى النار . {قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير } {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد }

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقوله: {وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي} أي: تخرج الحبة من الزرع والزرع من الحبة، والنخلة من النواة والنواة من النخلة، والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، والدجاجة من البيضة والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء {وترزق من تشاء بغير حساب} أي: تعطي من شئت من المال ما لا يعده ولا يقدر على إحصائه، وتقتر على آخرين، لما لك في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة والعدل. قال الطبراني: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا جعفر بن جسر بن فرقد، حدثنا أبي، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، في هذه الآية من آل عمران: {قل اللهم مالك الملك [تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير] } . {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير } نهى الله، تبارك وتعالى، عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعد على ذلك فقال: {ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء} أي: من يرتكب نهي الله في هذا فقد برئ من الله كما قال: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا} [النساء:144] وقال [تعالى] {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم [إن الله لا يهدي القوم الظالمين] } [المائدة: 51] . [وقال تعالى] {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة} إلى أن قال: {ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل} [الممتحنة: 1] وقال تعالى -بعد ذكر موالاة المؤمنين للمؤمنين من المهاجرين والأنصار والأعراب-: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} [الأنفال: 73] . وقوله: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} أي: إلا من خاف في بعض البلدان أوالأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما حكاه البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: "إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم". وقال الثوري: قال ابن عباس، رضي الله عنهما: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس: إنما التقية باللسان، وكذا قال أبو العالية، وأبو الشعثاء والضحاك، والربيع بن أنس. ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان [ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم] } [النحل: 106] . وقال البخاري: قال الحسن: التقية إلى يوم القيامة. ثم قال تعالى: {ويحذركم الله نفسه} أي: يحذركم نقمته، أي مخالفته وسطوته في عذابه لمن والى أعداءه وعادى أولياءه. ثم قال تعالى: {وإلى الله المصير} أي: إليه المرجع والمنقلب، فيجازي كل عامل بعمله. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن أبي حسين، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون [بن مهران] قال: قام فينا معاذ ابن جبل فقال: يا بني أود، إني رسول رسول الله إليكم، تعلمون أن المعاد [إلى الله] إلى الجنة أو إلى النار . {قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير } {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد }

Dio V02/P030–V02/P032İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V02/P030–V02/P032)
Orijinal Metin (AR)

يخبر تبارك وتعالى عباده أنه يعلم السرائر والضمائر والظواهر، وأنه لا يخفى عليه منهم خافية، بل علمه محيط بهم في سائر الأحوال والآناث واللحظات وجميع الأوقات، وبجميع ما في السموات والأرض، لا يغيب عنه مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار والجبال، وهو {على كل شيء قدير} أي: قدرته نافذة في جميع ذلك. وهذا تنبيه منه لعباده على خوفه وخشيته، وألا يرتكبوا ما نهى عنه وما يبغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم، وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة، وإن أنظر من أنظر منهم، فإنه يمهل ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر؛ ولهذا قال بعد هذا: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا [وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا] } الآية، يعني: يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير وشر كما قال تعالى: {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر} [القيامة: 13] فما رأى من أعماله حسنا سره ذلك وأفرحه، وما رأى من قبيح ساءه وغاظه، وود لو أنه تبرأ منه، وأن يكون بينهما أمد بعيد، كما يقول لشيطانه الذي كان مقترنا به في الدنيا، وهو الذي جرأه على فعل السوء: {يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} [الزخرف: 38] . ثم قال تعالى مؤكدا ومهددا ومتوعدا: {ويحذركم الله نفسه} أي: يخوفكم عقابه، ثم قال مرجيا لعباده لئلا ييأسوا من رحمته ويقنطوا من لطفه: {والله رءوف بالعباد} قال الحسن البصري: من رأفته بهم حذرهم نفسه. وقال غيره: أي: رحيم بخلقه، يحب لهم أن يستقيموا على صراطه المستقيم ودينه القويم، وأن يتبعوا رسوله الكريم. {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين } هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ولهذا قال: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تحب، إنما الشأن أن تحب وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} . وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عبيد الله بن موسى عن عبد الأعلى بن أعين، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وهل الدين إلا الحب والبغض؟ قال الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} قال أبو زرعة: عبد الأعلى هذا منكر الحديث . ثم قال: {ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} أي: باتباعكم للرسول صلى الله عليه وسلم يحصل لكم هذا كله ببركة سفارته. ثم قال آمرا لكل أحد من خاص وعام: {قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا} أي: خالفوا عن أمره {فإن الله لا يحب الكافرين} فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه يحب لله ويتقرب إليه، حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل، ورسول الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس الذي لو كان الأنبياء -بل المرسلون، بل أولو العزم منهم-في زمانه لما وسعهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته، واتباع شريعته، كما سيأتي تقريره عند قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} الآية [آل عمران: 31] [إن شاء الله تعالى] . {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم }

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

يخبر تبارك وتعالى عباده أنه يعلم السرائر والضمائر والظواهر، وأنه لا يخفى عليه منهم خافية، بل علمه محيط بهم في سائر الأحوال والآناث واللحظات وجميع الأوقات، وبجميع ما في السموات والأرض، لا يغيب عنه مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار والجبال، وهو {على كل شيء قدير} أي: قدرته نافذة في جميع ذلك. وهذا تنبيه منه لعباده على خوفه وخشيته، وألا يرتكبوا ما نهى عنه وما يبغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم، وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة، وإن أنظر من أنظر منهم، فإنه يمهل ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر؛ ولهذا قال بعد هذا: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا [وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا] } الآية، يعني: يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير وشر كما قال تعالى: {ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر} [القيامة: 13] فما رأى من أعماله حسنا سره ذلك وأفرحه، وما رأى من قبيح ساءه وغاظه، وود لو أنه تبرأ منه، وأن يكون بينهما أمد بعيد، كما يقول لشيطانه الذي كان مقترنا به في الدنيا، وهو الذي جرأه على فعل السوء: {يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} [الزخرف: 38] . ثم قال تعالى مؤكدا ومهددا ومتوعدا: {ويحذركم الله نفسه} أي: يخوفكم عقابه، ثم قال مرجيا لعباده لئلا ييأسوا من رحمته ويقنطوا من لطفه: {والله رءوف بالعباد} قال الحسن البصري: من رأفته بهم حذرهم نفسه. وقال غيره: أي: رحيم بخلقه، يحب لهم أن يستقيموا على صراطه المستقيم ودينه القويم، وأن يتبعوا رسوله الكريم. {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين } هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ولهذا قال: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تحب، إنما الشأن أن تحب وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} . وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عبيد الله بن موسى عن عبد الأعلى بن أعين، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وهل الدين إلا الحب والبغض؟ قال الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} قال أبو زرعة: عبد الأعلى هذا منكر الحديث . ثم قال: {ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} أي: باتباعكم للرسول صلى الله عليه وسلم يحصل لكم هذا كله ببركة سفارته. ثم قال آمرا لكل أحد من خاص وعام: {قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا} أي: خالفوا عن أمره {فإن الله لا يحب الكافرين} فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه يحب لله ويتقرب إليه، حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل، ورسول الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس الذي لو كان الأنبياء -بل المرسلون، بل أولو العزم منهم-في زمانه لما وسعهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته، واتباع شريعته، كما سيأتي تقريره عند قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} الآية [آل عمران: 31] [إن شاء الله تعالى] . {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم }

Dio V02/P032–V02/P033İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V02/P032–V02/P033)
Orijinal Metin (AR)

يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض، فاصطفى آدم، عليه السلام، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة ثم أهبطه منها، لما له في ذلك من الحكمة. واصطفى نوحا، عليه السلام، وجعله أول رسول [بعثه] إلى أهل الأرض، لما عبد الناس الأوثان، وأشركوا في دين الله ما لم ينزل به سلطانا، وانتقم له لما طالت مدته بين ظهراني قومه، يدعوهم إلى الله ليلا ونهارا، سرا وجهارا، فلم يزدهم ذلك إلا فرارا، فدعا عليهم، فأغرقهم الله عن آخرهم، ولم ينج منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به. واصطفى آل إبراهيم، ومنهم: سيد البشر وخاتم الأنبياء على الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم، وآل عمران، والمراد بعمران هذا: هو والد مريم بنت عمران، أم عيسى ابن مريم، عليهم السلام. قال محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله: هو عمران بن ياشم بن أمون بن ميشا بن حزقيا بن أحريق بن يوثم بن عزاريا ابن أمصيا بن ياوش بن أجريهو بن يازم بن يهفاشاط بن إنشا بن أبيان بن رخيعم بن سليمان بن داود، عليهما السلام. فعيسى، عليه السلام، من ذرية إبراهيم، كما سيأتي بيانه في سورة الأنعام، إن شاء الله وبه الثقة. {إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم } امرأة عمران هذه أم مريم [بنت عمران] عليها السلام وهي حنة بنت فاقوذ، قال محمد بن إسحاق: وكانت امرأة لا تحمل، فرأت يوما طائرا يزق فرخه، فاشتهت الولد، فدعت الله، عز وجل، أن يهبها ولدا، فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها، فحملت منه، فلما تحققت الحمل نذرته أن يكون {محررا} أي: خالصا مفرغا للعبادة، ولخدمة بيت المقدس، فقالت: {رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم} أي: السميع لدعائي، العليم بنيتي، ولم تكن تعلم ما في بطنها أذكرا أم أنثى؟ {فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت} قرئ برفع التاء على أنها تاء المتكلم، وأن ذلك من تمام قولها، وقرئ بتسكين التاء على أنه من قول الله عز وجل {وليس الذكر كالأنثى} أي: في القوة والجلد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى {وإني سميتها مريم} فيه دلالة على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق؛ لأنه شرع من قبلنا، وقد حكي مقررا، وبذلك ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: "ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي إبراهيم". أخرجاه وكذلك ثبت فيهما أن أنس بن مالك ذهب بأخيه، حين ولدته أمه، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحنكه وسماه عبد الله وفي صحيح البخاري: أن رجلا قال: يا رسول الله، ولد لي ولد، فما أسميه؟ قال: "اسم ولدك عبد الرحمن" وثبت في الصحيح أيضا: أنه لما جاءه أبو أسيد بابنه ليحنكه، فذهل عنه، فأمر به أبوه فرده إلى منزلهم، فلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس سماه المنذر . فأما حديث قتادة، عن الحسن البصري، عن سمرة بن جندب؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل غلام رهين بعقيقته، يذبح عنه يوم سابعه، ويسمى ويحلق رأسه" فقد رواه أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي بهذا اللفظ، ويروي: "ويدمى"، وهو أثبت وأحفظ والله أعلم. وكذا ما رواه الزبير بن بكار في كتاب النسب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن ولده إبراهيم يوم سابعه وسماه إبراهيم. فإسناده لا يثبت، وهو مخالف لما في الصحيح ولو صح لحمل على أنه أشهر اسمه بذلك يومئذ، والله أعلم.

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض، فاصطفى آدم، عليه السلام، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة ثم أهبطه منها، لما له في ذلك من الحكمة. واصطفى نوحا، عليه السلام، وجعله أول رسول [بعثه] إلى أهل الأرض، لما عبد الناس الأوثان، وأشركوا في دين الله ما لم ينزل به سلطانا، وانتقم له لما طالت مدته بين ظهراني قومه، يدعوهم إلى الله ليلا ونهارا، سرا وجهارا، فلم يزدهم ذلك إلا فرارا، فدعا عليهم، فأغرقهم الله عن آخرهم، ولم ينج منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به. واصطفى آل إبراهيم، ومنهم: سيد البشر وخاتم الأنبياء على الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم، وآل عمران، والمراد بعمران هذا: هو والد مريم بنت عمران، أم عيسى ابن مريم، عليهم السلام. قال محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله: هو عمران بن ياشم بن أمون بن ميشا بن حزقيا بن أحريق بن يوثم بن عزاريا ابن أمصيا بن ياوش بن أجريهو بن يازم بن يهفاشاط بن إنشا بن أبيان بن رخيعم بن سليمان بن داود، عليهما السلام. فعيسى، عليه السلام، من ذرية إبراهيم، كما سيأتي بيانه في سورة الأنعام، إن شاء الله وبه الثقة. {إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم } امرأة عمران هذه أم مريم [بنت عمران] عليها السلام وهي حنة بنت فاقوذ، قال محمد بن إسحاق: وكانت امرأة لا تحمل، فرأت يوما طائرا يزق فرخه، فاشتهت الولد، فدعت الله، عز وجل، أن يهبها ولدا، فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها، فحملت منه، فلما تحققت الحمل نذرته أن يكون {محررا} أي: خالصا مفرغا للعبادة، ولخدمة بيت المقدس، فقالت: {رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم} أي: السميع لدعائي، العليم بنيتي، ولم تكن تعلم ما في بطنها أذكرا أم أنثى؟ {فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت} قرئ برفع التاء على أنها تاء المتكلم، وأن ذلك من تمام قولها، وقرئ بتسكين التاء على أنه من قول الله عز وجل {وليس الذكر كالأنثى} أي: في القوة والجلد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى {وإني سميتها مريم} فيه دلالة على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق؛ لأنه شرع من قبلنا، وقد حكي مقررا، وبذلك ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: "ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي إبراهيم". أخرجاه وكذلك ثبت فيهما أن أنس بن مالك ذهب بأخيه، حين ولدته أمه، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحنكه وسماه عبد الله وفي صحيح البخاري: أن رجلا قال: يا رسول الله، ولد لي ولد، فما أسميه؟ قال: "اسم ولدك عبد الرحمن" وثبت في الصحيح أيضا: أنه لما جاءه أبو أسيد بابنه ليحنكه، فذهل عنه، فأمر به أبوه فرده إلى منزلهم، فلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس سماه المنذر . فأما حديث قتادة، عن الحسن البصري، عن سمرة بن جندب؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل غلام رهين بعقيقته، يذبح عنه يوم سابعه، ويسمى ويحلق رأسه" فقد رواه أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي بهذا اللفظ، ويروي: "ويدمى"، وهو أثبت وأحفظ والله أعلم. وكذا ما رواه الزبير بن بكار في كتاب النسب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن ولده إبراهيم يوم سابعه وسماه إبراهيم. فإسناده لا يثبت، وهو مخالف لما في الصحيح ولو صح لحمل على أنه أشهر اسمه بذلك يومئذ، والله أعلم.

Dio V02/P033–V02/P035İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V02/P033–V02/P035)
Orijinal Metin (AR)

وقوله إخبارا عن أم مريم أنها قالت: {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} أي: عوذتها بالله، عز وجل، من شر الشيطان، وعوذت ذريتها، وهو ولدها عيسى، عليه السلام. فاستجاب الله لها ذلك كما قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخا من مسه إياه، إلا مريم وابنها". ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} أخرجاه من حديث عبد الرزاق. ورواه ابن جرير، عن أحمد بن الفرج، عن بقية، [عن الزبيدي] عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه. وروى من حديث قيس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود إلا وقد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين إلا عيسى ابن مريم ومريم". ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} . ومن حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة. ورواه مسلم، عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة. ورواه وهب أيضا، عن ابن أبي ذئب، عن عجلان مولى المشمعل، عن أبي هريرة. ورواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بأصل الحديث. وهكذا رواه الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، الأعرج قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه حين تلده أمه، إلا عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب" . {فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } يخبر ربنا أنه تقبلها من أمها نذيرة، وأنه {وأنبتها نباتا حسنا} أي: جعلها شكلا مليحا ومنظرا بهيجا، ويسر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم الخير والعلم والدين. ولهذا قال: {وكفلها زكريا} وفي قراءة: {وكفلها زكريا} بتشديد الفاء ونصب زكريا على المفعولية، أي جعله كافلا لها. قال ابن إسحاق: وما ذاك إلا أنها كانت يتيمة. وذكر غيره أن بني إسرائيل أصابتهم سنة جدب، فكفل زكريا مريم لذلك. ولا منافاة بين القولين. والله أعلم. وإنما قدر الله كون زكريا كافلها لسعادتها، لتقتبس منه علما جما نافعا وعملا صالحا؛ ولأنه كان زوج خالتها، على ما ذكره ابن إسحاق وابن جرير [وغيرهما] وقيل: زوج أختها، كما ورد في الصحيح: "فإذا بيحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة"، وقد يطلق على ما ذكره ابن إسحاق ذلك أيضا توسعا، فعلى هذا كانت في حضانة خالتها. وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في عمارة بنت حمزة أن تكون في حضانة خالتها امرأة جعفر بن أبي طالب وقال: "الخالة بمنزلة الأم" . ثم أخبر تعالى عن سيادتها وجلالتها في محل عبادتها، فقال: {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا} قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، والسدي [والشعبي] يعني وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف. وعن مجاهد {وجد عندها رزقا} أي: علما، أو قال: صحفا فيها علم. رواه ابن أبي حاتم، والأول أصح، وفيه دلالة على كرامات الأولياء. وفي السنة لهذا نظائر كثيرة. فإذا رأى زكريا هذا عندها {قال يا مريم أنى لك هذا} أي: يقول من أين لك هذا؟ {قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} .

Bosanski Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقوله إخبارا عن أم مريم أنها قالت: {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} أي: عوذتها بالله، عز وجل، من شر الشيطان، وعوذت ذريتها، وهو ولدها عيسى، عليه السلام. فاستجاب الله لها ذلك كما قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخا من مسه إياه، إلا مريم وابنها". ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} أخرجاه من حديث عبد الرزاق. ورواه ابن جرير، عن أحمد بن الفرج، عن بقية، [عن الزبيدي] عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه. وروى من حديث قيس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود إلا وقد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين إلا عيسى ابن مريم ومريم". ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} . ومن حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة. ورواه مسلم، عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة. ورواه وهب أيضا، عن ابن أبي ذئب، عن عجلان مولى المشمعل، عن أبي هريرة. ورواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بأصل الحديث. وهكذا رواه الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، الأعرج قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه حين تلده أمه، إلا عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب" . {فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب } يخبر ربنا أنه تقبلها من أمها نذيرة، وأنه {وأنبتها نباتا حسنا} أي: جعلها شكلا مليحا ومنظرا بهيجا، ويسر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم الخير والعلم والدين. ولهذا قال: {وكفلها زكريا} وفي قراءة: {وكفلها زكريا} بتشديد الفاء ونصب زكريا على المفعولية، أي جعله كافلا لها. قال ابن إسحاق: وما ذاك إلا أنها كانت يتيمة. وذكر غيره أن بني إسرائيل أصابتهم سنة جدب، فكفل زكريا مريم لذلك. ولا منافاة بين القولين. والله أعلم. وإنما قدر الله كون زكريا كافلها لسعادتها، لتقتبس منه علما جما نافعا وعملا صالحا؛ ولأنه كان زوج خالتها، على ما ذكره ابن إسحاق وابن جرير [وغيرهما] وقيل: زوج أختها، كما ورد في الصحيح: "فإذا بيحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة"، وقد يطلق على ما ذكره ابن إسحاق ذلك أيضا توسعا، فعلى هذا كانت في حضانة خالتها. وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في عمارة بنت حمزة أن تكون في حضانة خالتها امرأة جعفر بن أبي طالب وقال: "الخالة بمنزلة الأم" . ثم أخبر تعالى عن سيادتها وجلالتها في محل عبادتها، فقال: {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا} قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، والسدي [والشعبي] يعني وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف. وعن مجاهد {وجد عندها رزقا} أي: علما، أو قال: صحفا فيها علم. رواه ابن أبي حاتم، والأول أصح، وفيه دلالة على كرامات الأولياء. وفي السنة لهذا نظائر كثيرة. فإذا رأى زكريا هذا عندها {قال يا مريم أنى لك هذا} أي: يقول من أين لك هذا؟ {قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} .

%0
10 Bölüm
İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm · 50 · Qur'an & Sunnah