Qur'an&Sunnahالقرآن

Fahreddin Râzî - Mefâtîhu'l-Gayb

Fahreddin Râzî · AR

Abschnitt V08/P043–V08/P045Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P043–V08/P045)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الأولى : معنى الوجيه : ذو الجاه والشرف والقدر ، يقال : وجه الرجل ، يوجه وجاهة هو وجيه ، إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس والسلطان ، وقال بعض أهل اللغة : الوجيه : هو الكريم ، لأن أشرف أعضاء الإنسان وجهه فجعل الوجه استعارة عن الكرم والكمال . واعلم أن الله تعالى وصف موسى صلى الله عليه وسلم بأنه كان وجيها قال الله تعالى : { كبيرا ياأيها الذين ءامنوا لا تكونوا كالذين ءاذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها } ( الأحزاب : 69 ) ثم للمفسرين أقوال : الأول : قال الحسن : كان وجيها في الدنيا بسبب النبوة ، وفي الآخرة بسبب علو المنزلة عند الله تعالى والثاني : أنه وجيه عند الله تعالى ، وأما عيسى عليه السلام ، فهو وجيه في الدنيا بسبب أنه يستجاب دعاؤه ويحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص بسبب دعائه ، ووجيه في الآخرة بسبب أنه يجعله شفيع أمته المحقين ويقبل شفاعتهم فيهم كما يقبل شفاعة أكابر الأنبياء عليهم السلام والثالث : أنه وجهه في الدنيا بسبب أنه كان مبرأ من العيوب التي وصفه اليهود بها ، ووجيه في الآخرة بسبب كثرة ثوابه وعلو درجته عن الله تعالى . / فإن قيل : كيف كان وجيها في الدنيا واليهود عاملوه بما عاملوه ، قلنا : قد ذكرنا أنه تعالى سمى موسى عليه السلام بالوجيه مع أن اليهود طعنوا فيه ، وآذوه إلى أن برأه الله تعالى مما قالوا ، وذلك لم يقدح في وجاهة موسى عليه السلام ، فكذا ههنا . المسألة الثانية : قال الزجاج { وجيها } منصوب على الحال ، المعنى : أن الله يبشرك بهذا الولد وجيها في الدنيا والآخرة ، والفراء يسمي هذا قطعا كأنه قال : عيسى بن مريم الوجيه فقطع منه التعريف . أما قوله { ومن المقربين } ففيه وجوه أحدها : أنه تعالى جعل ذلك كالمدح العظيم للملائكة فألحقه بمثل منزلتهم ودرجتهم بواسطة هذه الصفة وثانيها : أن هذا الوصف كالتنبيه على أنه عليه السلام سيرفع إلى السماء وتصاحبه الملائكة وثالثها : أنه ليس كل وجيه في الآخرة يكون مقربا لأن أهل الجنة على منازل ودرجات ، ولذلك قال تعالى : { وكنتم أزواجا ثلاثة } ( الواقعة : 7 ) إلى قوله { والسابقون السابقون أولئك المقربون } ( الواقعة : 10 ) . أما قوله تعالى : { ويكلم الناس فى المهد وكهلا } ففيه مسائل : المسألة الأولى : الواو للعطف على قوله { وجيها } والتقدير كأنه قال : وجيها ومكلما للناس وهذا عندي ضعيف ، لأن عطف الجملة الفعلية على الإسمية غير جائز إلا للضرورة ، أو الفائدة والأولى أن يقال تقدير الآية { إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم } الوجيه في الدنيا والآخرة المعدود من المقربين ، وهذا المجموع جملة واحدة ، ثم قال : { ويكلم الناس } فقوله { ويكلم الناس } عطف على قوله { إن الله يبشرك } . المسألة الثانية : في المهد قولان أحدهما : أنه حجر أمه والثاني : هو هذا الشيء المعروف الذي هو مضجع الصبي وقت الرضاع ، وكيف كان المراد منه : فإنه يكلم الناس في الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد ، ولا يختلف هذا المقصود سواء كان في حجر أمه و كان في المهد . المسألة الثالثة : قوله { وكهلا } عطف على الظرف من قوله { فى المهد } كأنه قيل : يكلم الناس صغيرا وكهلا وههنا سؤالات : السؤال الأول : ما الكهل ؟ . الجواب : الكهل في اللغة ما اجتمع قوته وكمل شبابه ، وهو مأخوذ من قول العرب اكتهل النبات إذا قوي وتم قال الأعشى : يضاحك الشمس منها كوكب شرق مؤزر بجميم النبت مكتهل أراد بالمكتهل المتناهي في الحسن والكمال .

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الأولى : معنى الوجيه : ذو الجاه والشرف والقدر ، يقال : وجه الرجل ، يوجه وجاهة هو وجيه ، إذا صارت له منزلة رفيعة عند الناس والسلطان ، وقال بعض أهل اللغة : الوجيه : هو الكريم ، لأن أشرف أعضاء الإنسان وجهه فجعل الوجه استعارة عن الكرم والكمال . واعلم أن الله تعالى وصف موسى صلى الله عليه وسلم بأنه كان وجيها قال الله تعالى : { كبيرا ياأيها الذين ءامنوا لا تكونوا كالذين ءاذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها } ( الأحزاب : 69 ) ثم للمفسرين أقوال : الأول : قال الحسن : كان وجيها في الدنيا بسبب النبوة ، وفي الآخرة بسبب علو المنزلة عند الله تعالى والثاني : أنه وجيه عند الله تعالى ، وأما عيسى عليه السلام ، فهو وجيه في الدنيا بسبب أنه يستجاب دعاؤه ويحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص بسبب دعائه ، ووجيه في الآخرة بسبب أنه يجعله شفيع أمته المحقين ويقبل شفاعتهم فيهم كما يقبل شفاعة أكابر الأنبياء عليهم السلام والثالث : أنه وجهه في الدنيا بسبب أنه كان مبرأ من العيوب التي وصفه اليهود بها ، ووجيه في الآخرة بسبب كثرة ثوابه وعلو درجته عن الله تعالى . / فإن قيل : كيف كان وجيها في الدنيا واليهود عاملوه بما عاملوه ، قلنا : قد ذكرنا أنه تعالى سمى موسى عليه السلام بالوجيه مع أن اليهود طعنوا فيه ، وآذوه إلى أن برأه الله تعالى مما قالوا ، وذلك لم يقدح في وجاهة موسى عليه السلام ، فكذا ههنا . المسألة الثانية : قال الزجاج { وجيها } منصوب على الحال ، المعنى : أن الله يبشرك بهذا الولد وجيها في الدنيا والآخرة ، والفراء يسمي هذا قطعا كأنه قال : عيسى بن مريم الوجيه فقطع منه التعريف . أما قوله { ومن المقربين } ففيه وجوه أحدها : أنه تعالى جعل ذلك كالمدح العظيم للملائكة فألحقه بمثل منزلتهم ودرجتهم بواسطة هذه الصفة وثانيها : أن هذا الوصف كالتنبيه على أنه عليه السلام سيرفع إلى السماء وتصاحبه الملائكة وثالثها : أنه ليس كل وجيه في الآخرة يكون مقربا لأن أهل الجنة على منازل ودرجات ، ولذلك قال تعالى : { وكنتم أزواجا ثلاثة } ( الواقعة : 7 ) إلى قوله { والسابقون السابقون أولئك المقربون } ( الواقعة : 10 ) . أما قوله تعالى : { ويكلم الناس فى المهد وكهلا } ففيه مسائل : المسألة الأولى : الواو للعطف على قوله { وجيها } والتقدير كأنه قال : وجيها ومكلما للناس وهذا عندي ضعيف ، لأن عطف الجملة الفعلية على الإسمية غير جائز إلا للضرورة ، أو الفائدة والأولى أن يقال تقدير الآية { إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم } الوجيه في الدنيا والآخرة المعدود من المقربين ، وهذا المجموع جملة واحدة ، ثم قال : { ويكلم الناس } فقوله { ويكلم الناس } عطف على قوله { إن الله يبشرك } . المسألة الثانية : في المهد قولان أحدهما : أنه حجر أمه والثاني : هو هذا الشيء المعروف الذي هو مضجع الصبي وقت الرضاع ، وكيف كان المراد منه : فإنه يكلم الناس في الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد ، ولا يختلف هذا المقصود سواء كان في حجر أمه و كان في المهد . المسألة الثالثة : قوله { وكهلا } عطف على الظرف من قوله { فى المهد } كأنه قيل : يكلم الناس صغيرا وكهلا وههنا سؤالات : السؤال الأول : ما الكهل ؟ . الجواب : الكهل في اللغة ما اجتمع قوته وكمل شبابه ، وهو مأخوذ من قول العرب اكتهل النبات إذا قوي وتم قال الأعشى : يضاحك الشمس منها كوكب شرق مؤزر بجميم النبت مكتهل أراد بالمكتهل المتناهي في الحسن والكمال .

Abschnitt V08/P045–V08/P046Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P045–V08/P046)
Orijinal Metin (AR)

السؤال الثاني : أن تكلمه حال كونه في المهد من المعجزات ، فأما تكلمه حال الكهولة فليس من المعجزات ، فما الفائدة في ذكره ؟ . / والجواب : من وجوه الأول : أن المراد منه بيان كونه متقلبا في الأحوال من الصبا إلى الكهولة والتغير على الإلاه تعالى محال ، والمراد منه الرد على وفد نجران في قولهم : إن عيسى كان إلاها والثاني : المراد منه أن يكلم الناس مرة واحدة في المهد لإظهار طهارة أمه ، ثم عند الكهولة يتكلم بالوحي والنبوة والثالث : قال أبو مسلم : معناه أنه يكلم حال كونه في المهد ، وحال كونه كهلا على حد واحد وصفة واحدة وذلك لا شك أنه غاية في المعجز الرابع : قال الأصم : المراد منه أنه يبلغ حال الكهولة . السؤال الثالث : نقل أن عمر عيسى عليه السلام إلى أن رفع كان ثلاثا وثلاثين سنة وستة أشهر ، وعلى هذا التقدير : فهو ما بلغ الكهولة . والجواب : من وجهين الأول : بينا أن الكهل في أصل اللغة عبارة عن الكامل التام ، وأكمل أحوال الإنسان إذا كان بين الثلاثين والأربعين / فصح وصفه بكونه كهلا في هذا الوقت والثاني : هو قول الحسين بن الفضل البجلي : أن المراد بقوله { وكهلا } أن يكون كهلا بعد أن ينزل من السماء في آخر الزمان ، ويكلم الناس ، ويقتل الدجال ، قال الحسين بن الفضل : وفي هذه الآية نص في أنه عليه الصلاة والسلام سينزل إلى الأرض . المسألة الرابعة : أنكرت النصارى كلام المسيح عليه السلام في المهد ، واحتجوا على صحة قولهم بأن كلامه في المهد من أعجب الأمور وأغربها ، ولا شك أن هذه الواقعة لو وقعت لوجب أن يكون وقوعها في حضور الجمع العظيم الذي يحصل القطع واليقين بقولهم ، لأن تخصيص مثل هذا المعجز بالواحد والإثنين لا يجوز ، ومتى حدثت الواقعة العجيبة جدا عند حضور الجمع العظيم فلا بد وأن تتوفر الدواعي على النقل فيصير ذلك بالغا حد التواتر ، وإخفاء ما يكون بالغا إلى حد التواتر ممتنع ، وأيضا فلو كان ذلك لكان ذلك الإخفاء ههنا ممتنعا لأن النصارى بالغوا في إفراط محبته إلى حيث قالوا إنه كان إلاها ، ومن كان كذلك يمتنع أن يسعى في إخفاء مناقبه وفضائله بل ربما يجعل الواحد ألفا فثبت أن لو كانت هذه الواقعة موجودة لكان أولى الناس بمعرفتها النصارى ، ولما أطبقوا على إنكارها علمنا أنه ما كان موجودا ألبتة . أجاب المتكلمون عن هذه الشبهة ، وقالوا : إن كلام عيسى عليه السلام في المهد إنما كان للدلالة على براءة حال مريم عليها السلام من الفاحشة ، وكان الحاضرون جمعا قليلين ، فالسامعون لذلك الكلام ، كان جمعا قليلا ، ولا يبعد في مثله التواطؤ على الإخفاء ، وبتقدير : أن يذكروا ذلك إلا أن اليهود كانوا يكذبونهم في ذلك وينسبونهم إلى البهت ، فهم أيضا قد سكتوا لهذه العلة فلأجل هذه الأسباب بقي الأمر مكتوما مخفيا إلى أن أخبر الله سبحانه وتعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بذلك ، وأيضا فليس كل النصارى ينكرون ذلك ، فإنه نقل عن جعفر بن أبي طالب : لما قرأ على النجاشي / سورة مريم ، قال النجاشي : لا تفاوت بين واقعة عيسى ، وبين المذكور في هذا الكلام بذرة . ثم قال تعالى : { ومن الصالحين } . فإن قيل : كون عيسى كلمة من الله تعالى ، وكونه { وجيها في الدنيا والاخرة } وكونه من المقربين عند الله تعالى ، وكونه مكلما للناس في المهد ، وفي الكهولة كل واحد من هذه الصفات أعظم وأشرف من كونه صالحا فلم ختم الله تعالى أوصاف عيسى بقوله { ومن الصالحين } ؟ .

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

السؤال الثاني : أن تكلمه حال كونه في المهد من المعجزات ، فأما تكلمه حال الكهولة فليس من المعجزات ، فما الفائدة في ذكره ؟ . / والجواب : من وجوه الأول : أن المراد منه بيان كونه متقلبا في الأحوال من الصبا إلى الكهولة والتغير على الإلاه تعالى محال ، والمراد منه الرد على وفد نجران في قولهم : إن عيسى كان إلاها والثاني : المراد منه أن يكلم الناس مرة واحدة في المهد لإظهار طهارة أمه ، ثم عند الكهولة يتكلم بالوحي والنبوة والثالث : قال أبو مسلم : معناه أنه يكلم حال كونه في المهد ، وحال كونه كهلا على حد واحد وصفة واحدة وذلك لا شك أنه غاية في المعجز الرابع : قال الأصم : المراد منه أنه يبلغ حال الكهولة . السؤال الثالث : نقل أن عمر عيسى عليه السلام إلى أن رفع كان ثلاثا وثلاثين سنة وستة أشهر ، وعلى هذا التقدير : فهو ما بلغ الكهولة . والجواب : من وجهين الأول : بينا أن الكهل في أصل اللغة عبارة عن الكامل التام ، وأكمل أحوال الإنسان إذا كان بين الثلاثين والأربعين / فصح وصفه بكونه كهلا في هذا الوقت والثاني : هو قول الحسين بن الفضل البجلي : أن المراد بقوله { وكهلا } أن يكون كهلا بعد أن ينزل من السماء في آخر الزمان ، ويكلم الناس ، ويقتل الدجال ، قال الحسين بن الفضل : وفي هذه الآية نص في أنه عليه الصلاة والسلام سينزل إلى الأرض . المسألة الرابعة : أنكرت النصارى كلام المسيح عليه السلام في المهد ، واحتجوا على صحة قولهم بأن كلامه في المهد من أعجب الأمور وأغربها ، ولا شك أن هذه الواقعة لو وقعت لوجب أن يكون وقوعها في حضور الجمع العظيم الذي يحصل القطع واليقين بقولهم ، لأن تخصيص مثل هذا المعجز بالواحد والإثنين لا يجوز ، ومتى حدثت الواقعة العجيبة جدا عند حضور الجمع العظيم فلا بد وأن تتوفر الدواعي على النقل فيصير ذلك بالغا حد التواتر ، وإخفاء ما يكون بالغا إلى حد التواتر ممتنع ، وأيضا فلو كان ذلك لكان ذلك الإخفاء ههنا ممتنعا لأن النصارى بالغوا في إفراط محبته إلى حيث قالوا إنه كان إلاها ، ومن كان كذلك يمتنع أن يسعى في إخفاء مناقبه وفضائله بل ربما يجعل الواحد ألفا فثبت أن لو كانت هذه الواقعة موجودة لكان أولى الناس بمعرفتها النصارى ، ولما أطبقوا على إنكارها علمنا أنه ما كان موجودا ألبتة . أجاب المتكلمون عن هذه الشبهة ، وقالوا : إن كلام عيسى عليه السلام في المهد إنما كان للدلالة على براءة حال مريم عليها السلام من الفاحشة ، وكان الحاضرون جمعا قليلين ، فالسامعون لذلك الكلام ، كان جمعا قليلا ، ولا يبعد في مثله التواطؤ على الإخفاء ، وبتقدير : أن يذكروا ذلك إلا أن اليهود كانوا يكذبونهم في ذلك وينسبونهم إلى البهت ، فهم أيضا قد سكتوا لهذه العلة فلأجل هذه الأسباب بقي الأمر مكتوما مخفيا إلى أن أخبر الله سبحانه وتعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بذلك ، وأيضا فليس كل النصارى ينكرون ذلك ، فإنه نقل عن جعفر بن أبي طالب : لما قرأ على النجاشي / سورة مريم ، قال النجاشي : لا تفاوت بين واقعة عيسى ، وبين المذكور في هذا الكلام بذرة . ثم قال تعالى : { ومن الصالحين } . فإن قيل : كون عيسى كلمة من الله تعالى ، وكونه { وجيها في الدنيا والاخرة } وكونه من المقربين عند الله تعالى ، وكونه مكلما للناس في المهد ، وفي الكهولة كل واحد من هذه الصفات أعظم وأشرف من كونه صالحا فلم ختم الله تعالى أوصاف عيسى بقوله { ومن الصالحين } ؟ .

Abschnitt V08/P046–V08/P047Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P046–V08/P047)
Orijinal Metin (AR)

قلنا : إنه لا رتبة أعظم من كون المرء صالحا لأنه لا يكون كذلك إلا ويكون في جميع الأفعال والتروك مواظبا على النهج الأصلح ، والطريق الأكمل ، ومعلوم أن ذلك يتناول جميع المقامات في الدنيا والدين في أفعال القلوب ، وفي أفعال الجوارح ، فلما ذكر الله تعالى بعض التفاصيل أردفه بهذا الكلام الذي يدل على أرفع الدرجات . ! 7 < { قالت رب أنى يكون لى ولد ولم يمسسنى بشر قال كذالك الله يخلق ما يشآء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل } . > 7 < آل عمران : ( 47 - 48 ) قالت رب أنى . . . . . > > قال المفسرون : إنها إنما قالت ذلك لأن التبشير به يقتضي التعجب مما وقع على خلاف العادة وقد قررنا مثله في قصة زكريا عليه السلام ، وقوله { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ( غافر : 68 ) تقدم تفسيره في سورة البقرة . أما قوله تعالى : { ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ نافع ، وعاصم { ويعلمه } بالياء والباقون بالنون ، أما الياء فعطف على قوله { يخلق ما يشاء } وقال المبرد عطف على يبشرك بكلمة ، وكذا وكذا { ويعلمه الكتاب } ومن قرأ بالنون قال تقدير الآية أنها : قالت رب أنى يكون لي ولد فقال لها الله { كذالك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } فهذا وإن كان إخبارا على وجه المغايبة ، فقال { ونعلمه } لأن معنى قوله { قال كذالك الله يخلق ما يشاء } معناه : كذلك نحن نخلق ما نشاء { إبراهيم الكتاب والحكمة } والله أعلم . / المسألة الثانية : في هذه الآية أمور أربعة معطوف بعضها على بعض بواو العطف ، والأقرب عندي أن يقال : المراد من الكتاب تعليم الخط والكتابة ، ثم المراد بالحكمة تعليم العلوم وتهذيب الأخلاق لأن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ومجموعهما هو المسمى بالحكمة ، ثم بعد أن صار عالما بالخط والكتابة ، ومحيطا بالعلوم العقلية والشرعية ، يعلمه التوراة ، وإنما أخر تعليم التوراة عن تعليم الخط والحكمة ، لأن التوراة كتاب إلاهي ، وفيه أسرار عظيمة ، والإنسان ما لم يتعلم العلوم الكثيرة لا يمكنه أن يخوض في البحث على أسرار الكتب الإلاهية ، ثم قال في المرتبة الرابعة والإنجيل ، وإنما أخر ذكر الإنجيل عن ذكر التوراة لأن من تعلم الخط ، ثم تعلم علوم الحق ، ثم أحاط بأسرار الكتاب الذي أنزله الله تعالى على من قبله من الأنبياء فقد عظمت درجته في العلم فإذا أنزل الله تعالى عليه بعد ذلك كتابا آخر وأوقفه على أسراره فذلك هو الغاية القصوى ، والمرتبة العليا في العلم ، والفهم والإحاطة بالأسرار العقلية والشرعية ، والاطلاع على الحكم العلوية والسفلية ، فهذا ما عندي في ترتيب هذه الألفاظ الأربعة . ! 7 < { ورسولا إلى بنىإسراءيل أنى قد جئتكم بآية من ربكم أنىأخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرىء الا كمه والا برص وأحى الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم إن في ذالك لأية لكم إن كنتم مؤمنين } . > 7 < آل عمران : ( 49 ) ورسولا إلى بني . . . . . > > فيه مسائل :

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

قلنا : إنه لا رتبة أعظم من كون المرء صالحا لأنه لا يكون كذلك إلا ويكون في جميع الأفعال والتروك مواظبا على النهج الأصلح ، والطريق الأكمل ، ومعلوم أن ذلك يتناول جميع المقامات في الدنيا والدين في أفعال القلوب ، وفي أفعال الجوارح ، فلما ذكر الله تعالى بعض التفاصيل أردفه بهذا الكلام الذي يدل على أرفع الدرجات . ! 7 < { قالت رب أنى يكون لى ولد ولم يمسسنى بشر قال كذالك الله يخلق ما يشآء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل } . > 7 < آل عمران : ( 47 - 48 ) قالت رب أنى . . . . . > > قال المفسرون : إنها إنما قالت ذلك لأن التبشير به يقتضي التعجب مما وقع على خلاف العادة وقد قررنا مثله في قصة زكريا عليه السلام ، وقوله { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ( غافر : 68 ) تقدم تفسيره في سورة البقرة . أما قوله تعالى : { ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ نافع ، وعاصم { ويعلمه } بالياء والباقون بالنون ، أما الياء فعطف على قوله { يخلق ما يشاء } وقال المبرد عطف على يبشرك بكلمة ، وكذا وكذا { ويعلمه الكتاب } ومن قرأ بالنون قال تقدير الآية أنها : قالت رب أنى يكون لي ولد فقال لها الله { كذالك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } فهذا وإن كان إخبارا على وجه المغايبة ، فقال { ونعلمه } لأن معنى قوله { قال كذالك الله يخلق ما يشاء } معناه : كذلك نحن نخلق ما نشاء { إبراهيم الكتاب والحكمة } والله أعلم . / المسألة الثانية : في هذه الآية أمور أربعة معطوف بعضها على بعض بواو العطف ، والأقرب عندي أن يقال : المراد من الكتاب تعليم الخط والكتابة ، ثم المراد بالحكمة تعليم العلوم وتهذيب الأخلاق لأن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ومجموعهما هو المسمى بالحكمة ، ثم بعد أن صار عالما بالخط والكتابة ، ومحيطا بالعلوم العقلية والشرعية ، يعلمه التوراة ، وإنما أخر تعليم التوراة عن تعليم الخط والحكمة ، لأن التوراة كتاب إلاهي ، وفيه أسرار عظيمة ، والإنسان ما لم يتعلم العلوم الكثيرة لا يمكنه أن يخوض في البحث على أسرار الكتب الإلاهية ، ثم قال في المرتبة الرابعة والإنجيل ، وإنما أخر ذكر الإنجيل عن ذكر التوراة لأن من تعلم الخط ، ثم تعلم علوم الحق ، ثم أحاط بأسرار الكتاب الذي أنزله الله تعالى على من قبله من الأنبياء فقد عظمت درجته في العلم فإذا أنزل الله تعالى عليه بعد ذلك كتابا آخر وأوقفه على أسراره فذلك هو الغاية القصوى ، والمرتبة العليا في العلم ، والفهم والإحاطة بالأسرار العقلية والشرعية ، والاطلاع على الحكم العلوية والسفلية ، فهذا ما عندي في ترتيب هذه الألفاظ الأربعة . ! 7 < { ورسولا إلى بنىإسراءيل أنى قد جئتكم بآية من ربكم أنىأخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرىء الا كمه والا برص وأحى الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم إن في ذالك لأية لكم إن كنتم مؤمنين } . > 7 < آل عمران : ( 49 ) ورسولا إلى بني . . . . . > > فيه مسائل :

Abschnitt V08/P047–V08/P048Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P047–V08/P048)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الأولى : في هذه الآية وجوه الأول : تقدير الآية : ونعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ونبعثه رسولا إلى بني إسرائيل ، قائلا { أنى قد جئتكم بآية من ربكم } والحذف حسن إذا لم يفض إلى الاشتباه الثاني : قال الزجاج : الاختيار عندي أن تقديره : ويكلم الناس رسولا ، وإنما أضمرنا ذلك لقوله { أنى قد جئتكم } والمعنى : ويكلمهم رسولا بأني قد جئتكم ، الثالث : قال الأخفش : إن شئت جعلت الواو زائدة ، والتقدير : ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة ، والإنجيل رسولا إلى بني إسرائيل ، قائلا : أني قد جئتكم بآية . المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان رسولا إلى كل بني إسرائيل بخلاف قول بعض اليهود إنه كان مبعوثا إلى قوم مخصوصين منهم . المسألة الثالثة : المراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه تعالى عدد ههنا أنواعا من الآيات ، وهي إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، والإخبار عن المغيبات فكان المراد من قوله { قد جئتكم بآية من ربكم } الجنس لا الفرد . ثم قال : { أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله } . / اعلم أنه تعالى حكى ههنا خمسة أنواع من معجزات عيسى عليه السلام : النوع الأول ما ذكره ههنا في هذه الآية وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة { إنى } بفتح الهمزة ، وقرأ نافع بكسر الهمزة فمن فتح { إنى } فقد جعلها بدلا من آية كأنه قال : وجئتكم بأنى أخلق لكم من الطين ، ومن كسر فله وجهان أحدهما : الاستئناف وقطع الكلام مما قبله والثاني : أنه فسر الآية بقوله { أنى أخلق لكم } ويجوز أن يفسر الجملة المتقدمة بما يكون على وجه الابتداء قال الله تعالى : { وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } ( الفتح : 29 ) ثم فسر الموعود بقوله { لهم مغفرة } وقال : { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم } ( آل عمران : 59 ) ثم فسر المثل بقوله . { خلقه من تراب } ( آل عمران : 59 ) وهذا الوجه أحسن لأنه في المعنى كقراءة من فتح { إنى } على جعله بدلا من آية .

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الأولى : في هذه الآية وجوه الأول : تقدير الآية : ونعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ونبعثه رسولا إلى بني إسرائيل ، قائلا { أنى قد جئتكم بآية من ربكم } والحذف حسن إذا لم يفض إلى الاشتباه الثاني : قال الزجاج : الاختيار عندي أن تقديره : ويكلم الناس رسولا ، وإنما أضمرنا ذلك لقوله { أنى قد جئتكم } والمعنى : ويكلمهم رسولا بأني قد جئتكم ، الثالث : قال الأخفش : إن شئت جعلت الواو زائدة ، والتقدير : ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة ، والإنجيل رسولا إلى بني إسرائيل ، قائلا : أني قد جئتكم بآية . المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان رسولا إلى كل بني إسرائيل بخلاف قول بعض اليهود إنه كان مبعوثا إلى قوم مخصوصين منهم . المسألة الثالثة : المراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه تعالى عدد ههنا أنواعا من الآيات ، وهي إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، والإخبار عن المغيبات فكان المراد من قوله { قد جئتكم بآية من ربكم } الجنس لا الفرد . ثم قال : { أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله } . / اعلم أنه تعالى حكى ههنا خمسة أنواع من معجزات عيسى عليه السلام : النوع الأول ما ذكره ههنا في هذه الآية وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة { إنى } بفتح الهمزة ، وقرأ نافع بكسر الهمزة فمن فتح { إنى } فقد جعلها بدلا من آية كأنه قال : وجئتكم بأنى أخلق لكم من الطين ، ومن كسر فله وجهان أحدهما : الاستئناف وقطع الكلام مما قبله والثاني : أنه فسر الآية بقوله { أنى أخلق لكم } ويجوز أن يفسر الجملة المتقدمة بما يكون على وجه الابتداء قال الله تعالى : { وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } ( الفتح : 29 ) ثم فسر الموعود بقوله { لهم مغفرة } وقال : { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم } ( آل عمران : 59 ) ثم فسر المثل بقوله . { خلقه من تراب } ( آل عمران : 59 ) وهذا الوجه أحسن لأنه في المعنى كقراءة من فتح { إنى } على جعله بدلا من آية .

Abschnitt V08/P048–V08/P049Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P048–V08/P049)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثانية : { أخلق لكم من الطين } أي أقدر وأصور وقد بينا في تفسير قوله تعالى : { قدير ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم } ( البقرة : 21 ) إن الخلق هو التقدير ولا بأس بأن نذكره ههنا أيضا فنقول الذي يدل عليه القرآن والشعر والاستشهاد ، أما القرآن فآيات أحدها : قوله تعالى : { فتبارك الله أحسن الخالقين } ( المؤمنون : 14 ) أي المقدرين ، وذلك لأنه ثبت أن العبد لا يكون خالقا بمعنى التكوين والإبداع فوجب تفسير كونه خالقا بالتقدير والتسوية وثانيها : أن لفظ الخلق يطلق على الكذب قال تعالى في سورة الشعراء { إن هاذا إلا خلق الاولين } ( الشعراء : 137 ) وفي العنكبوت { وتخلقون إفكا } ( العنكبوت : 17 ) وفي سورة ص { إن هاذا إلا اختلاق } ( ص: 7 ) والكاذب إنما سمي خالقا لأنه يقدر الكذب في خاطره ويصوره وثالثها : هذه الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله { أنى أخلق لكم من الطين } أي أصور وأقدر وقال تعالى في المائدة { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير } ( المائدة : 110 ) وكل ذلك يدل على أن الخلق هو التصوير والتقدير ورابعها : قوله تعالى : { هو الذى خلق لكم ما فى الارض جميعا } ( البقرة : 29 ) وقوله { خلق } إشارة إلى الماضي ، فلو حملنا قوله { خلق } على الإيجاد والإبداع ، لكان المعنى : أن كل ما في الأرض فهو تعالى قد أوجده في الزمان الماضي ، وذلك باطل بالاتفاق ، فإذن وجب حمل الخلق على التقدير حتى يصح الكلام وهو أنه تعالى قدر في الماضي كل ما وجد الآن في الأرض ، وأما الشعر فقوله : ولأنت تفري ما خلقت وبع ض القوم يخلق ثم لا يفري وقوله : ولا يعطي بأيدي الخالق ولا أيدي الخوالق إلا جيد الأدم وأما الاستشهاد : فهو أنه يقال : خلق النعل إذا قدرها وسواها بالقياس والخلاق المقدار من الخير ، وفلان خليق بكذا ، أي له هذا المقدار من الاستحقاق ، والصخرة الخلقاء الملساء ، لأن الملاسة استواء ، وفي الخشونة اختلاف ، فثبت أن الخلق عبارة عن التقدير والتسوية . / إذا عرفت هذا فنقول : اختلف الناس في لفظ { الخالق } قال أبو عبد الله البصري : إنه لا يجوز إطلاقه على الله في الحقيقة ، لأن التقدير والتسوية عبارة عن الظن والحسبان وذلك على الله محال ، وقال أصحابنا : الخالق ، ليس إلا الله ، واحتجوا عليه بقوله تعالى : { الله خالق كل شىء } ( الرعد : 16 ) ومنهم من احتج بقوله { هل من خالق غير الله يرزقكم } ( فاطر : 3 ) وهذا ضعيف ، لأنه تعالى قال : { هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء } ( فاطر : 3 ) فالمعنى هل من خالق غير الله موصوف بوصف كونه رازقا من السماء ولا يلزم من صدق قولنا الخالق الذي يكون هذا شأنه ، ليس إلا الله ، صدق قولنا أنه لا خالق إلا الله . وأجابوا عن كلام أبي عبد الله بأن التقدير والتسوية عبارة عن العلم والظن لكن الظن وإن كان محالا في حق الله تعالى فالعلم ثابت . إذا عرفت هذا فنقول : { أنى أخلق لكم من الطين } معناه : أصور وأقدر وقوله { كهيئة الطير } فالهيئة الصورة المهيئة من قولهم هيأت الشيء إذا قدرته وقوله { فأنفخ فيه } أي في ذلك الطين المصور وقوله { فيكون طيرا بإذن الله } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع { فيكون } بالألف على الواحد ، والباقون { عليهم طيرا } على الجمع ، وكذلك في المائدة والطير اسم الجنس يقع على الواحد وعلى الجمع .

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثانية : { أخلق لكم من الطين } أي أقدر وأصور وقد بينا في تفسير قوله تعالى : { قدير ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم } ( البقرة : 21 ) إن الخلق هو التقدير ولا بأس بأن نذكره ههنا أيضا فنقول الذي يدل عليه القرآن والشعر والاستشهاد ، أما القرآن فآيات أحدها : قوله تعالى : { فتبارك الله أحسن الخالقين } ( المؤمنون : 14 ) أي المقدرين ، وذلك لأنه ثبت أن العبد لا يكون خالقا بمعنى التكوين والإبداع فوجب تفسير كونه خالقا بالتقدير والتسوية وثانيها : أن لفظ الخلق يطلق على الكذب قال تعالى في سورة الشعراء { إن هاذا إلا خلق الاولين } ( الشعراء : 137 ) وفي العنكبوت { وتخلقون إفكا } ( العنكبوت : 17 ) وفي سورة ص { إن هاذا إلا اختلاق } ( ص: 7 ) والكاذب إنما سمي خالقا لأنه يقدر الكذب في خاطره ويصوره وثالثها : هذه الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله { أنى أخلق لكم من الطين } أي أصور وأقدر وقال تعالى في المائدة { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير } ( المائدة : 110 ) وكل ذلك يدل على أن الخلق هو التصوير والتقدير ورابعها : قوله تعالى : { هو الذى خلق لكم ما فى الارض جميعا } ( البقرة : 29 ) وقوله { خلق } إشارة إلى الماضي ، فلو حملنا قوله { خلق } على الإيجاد والإبداع ، لكان المعنى : أن كل ما في الأرض فهو تعالى قد أوجده في الزمان الماضي ، وذلك باطل بالاتفاق ، فإذن وجب حمل الخلق على التقدير حتى يصح الكلام وهو أنه تعالى قدر في الماضي كل ما وجد الآن في الأرض ، وأما الشعر فقوله : ولأنت تفري ما خلقت وبع ض القوم يخلق ثم لا يفري وقوله : ولا يعطي بأيدي الخالق ولا أيدي الخوالق إلا جيد الأدم وأما الاستشهاد : فهو أنه يقال : خلق النعل إذا قدرها وسواها بالقياس والخلاق المقدار من الخير ، وفلان خليق بكذا ، أي له هذا المقدار من الاستحقاق ، والصخرة الخلقاء الملساء ، لأن الملاسة استواء ، وفي الخشونة اختلاف ، فثبت أن الخلق عبارة عن التقدير والتسوية . / إذا عرفت هذا فنقول : اختلف الناس في لفظ { الخالق } قال أبو عبد الله البصري : إنه لا يجوز إطلاقه على الله في الحقيقة ، لأن التقدير والتسوية عبارة عن الظن والحسبان وذلك على الله محال ، وقال أصحابنا : الخالق ، ليس إلا الله ، واحتجوا عليه بقوله تعالى : { الله خالق كل شىء } ( الرعد : 16 ) ومنهم من احتج بقوله { هل من خالق غير الله يرزقكم } ( فاطر : 3 ) وهذا ضعيف ، لأنه تعالى قال : { هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء } ( فاطر : 3 ) فالمعنى هل من خالق غير الله موصوف بوصف كونه رازقا من السماء ولا يلزم من صدق قولنا الخالق الذي يكون هذا شأنه ، ليس إلا الله ، صدق قولنا أنه لا خالق إلا الله . وأجابوا عن كلام أبي عبد الله بأن التقدير والتسوية عبارة عن العلم والظن لكن الظن وإن كان محالا في حق الله تعالى فالعلم ثابت . إذا عرفت هذا فنقول : { أنى أخلق لكم من الطين } معناه : أصور وأقدر وقوله { كهيئة الطير } فالهيئة الصورة المهيئة من قولهم هيأت الشيء إذا قدرته وقوله { فأنفخ فيه } أي في ذلك الطين المصور وقوله { فيكون طيرا بإذن الله } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ نافع { فيكون } بالألف على الواحد ، والباقون { عليهم طيرا } على الجمع ، وكذلك في المائدة والطير اسم الجنس يقع على الواحد وعلى الجمع .

Abschnitt V08/P049–V08/P050Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P049–V08/P050)
Orijinal Metin (AR)

يروى أن عيسى عليه السلام لما ادعى النبوة ، وأظهر المعجزات أخذوا يتعنتون عليه وطالبوه بخلق خفاش ، فأخذ طينا وصوره ، ثم نفخ فيه ، فإذا هو يطير بين السماء والأرض ، قال وهب : كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه ، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ، ثم اختلف الناس فقال قوم : إنه لم يخلق غير الخفاش ، وكانت قراءة نافع عليه . وقال آخرون : إنه خلق أنواعا من الطير وكانت قراءة الباقين عليه . المسألة الثانية : قال بعض المتكلمين : الآية تدل على أن الروح جسم رقيق كالريح ، ولذلك وصفها بالفتح ، ثم ههنا بحث ، وهو أنه هل يجوز أن يقال : إنه تعالى أودع في نفس عيسى عليه السلام خاصية ، بحيث متى نفخ في شيء كان نفخه فيه موجبا لصيرورة ذلك الشيء حيا / أو يقال : ليس الأمر كذلك بل الله تعالى كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخة عيسى عليه السلام فيه على سبيل إظهار المعجزات ، وهذا الثاني هو الحق لقوله تعالى : { الذى خلق الموت والحيواة } ( الملك : 2 ) وحكي عن إبراهيم عليه السلام أنه قال في مناظرته مع الملك { ربي الذى يحى ويميت } ( البقرة : 258 ) فلو حصل لغيره ، هذه الصفة لبطل ذلك الاستدلال . المسألة الثالثة : القرآن دل على أنه عليه الصلاة والسلام إنما تولد من نفخ جبريل عليه السلام في مريم وجبريل صلى الله عليه وسلم روح محض وروحاني محض فلا جرم كانت نفخة عيسى / عليه السلام للحياة والروح . المسألة الرابعة : قوله { بإذن الله } معناه بتكوين الله تعالى وتخليقه لقوله تعالى : { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } ( آل عمران : 145 ) أي إلا بأن يوجد الله الموت ، وإنما ذكر عيسى عليه السلام هذا القيد إزالة للشبهة ، وتنبيها على إني أعمل هذا التصوير ، فأما خلق الحياة فهو من الله تعالى على سبيل إظهار المعجزات على يد الرسل . واما النوع الثاني والثالث والرابع من المعجزات فهو قوله : { ورسولا إلى بنى إسراءيل أنى قد جئتكم } . ذهب أكثر أهل اللغة إلى أن الأكمه هو الذي ولد أعمى ، وقال الخليل وغيره هو الذي عمي بعد أن كان بصيرا ، وعن مجاهد هو الذي لا يبصر بالليل ، ويقال : إنه لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب ( التفسير ) ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام ربما اجتمع عليه خمسون ألفا من المرضى من أطاق منهم أتاه ، ومن لم يطق أتاه عيسى عليه السلام ، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده ، قال الكلبي : كان عيسى عليه السلام يحيي الأموات بيا حي يا قيوم وأحيا عاذر ، وكان صديقا له ، ودعا سام بن نوح من قبره ، فخرج حيا ، ومر على ابن ميت لعجوز فدعا الله ، فنزل عن سريره حيا ، ورجع إلى أهله وولد له ، وقوله { بإذن الله } رفع لتوهم من اعتقد فيه الإلاهية . وأما النوع الخامس من المعجزات إخباره عن الغيوب فهو قوله تعالى حكاية عنه { وأنبئكم بما تأكلوا وما تدخرون فى بيوتكم } وفيه مسألتان :

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

يروى أن عيسى عليه السلام لما ادعى النبوة ، وأظهر المعجزات أخذوا يتعنتون عليه وطالبوه بخلق خفاش ، فأخذ طينا وصوره ، ثم نفخ فيه ، فإذا هو يطير بين السماء والأرض ، قال وهب : كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه ، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ، ثم اختلف الناس فقال قوم : إنه لم يخلق غير الخفاش ، وكانت قراءة نافع عليه . وقال آخرون : إنه خلق أنواعا من الطير وكانت قراءة الباقين عليه . المسألة الثانية : قال بعض المتكلمين : الآية تدل على أن الروح جسم رقيق كالريح ، ولذلك وصفها بالفتح ، ثم ههنا بحث ، وهو أنه هل يجوز أن يقال : إنه تعالى أودع في نفس عيسى عليه السلام خاصية ، بحيث متى نفخ في شيء كان نفخه فيه موجبا لصيرورة ذلك الشيء حيا / أو يقال : ليس الأمر كذلك بل الله تعالى كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخة عيسى عليه السلام فيه على سبيل إظهار المعجزات ، وهذا الثاني هو الحق لقوله تعالى : { الذى خلق الموت والحيواة } ( الملك : 2 ) وحكي عن إبراهيم عليه السلام أنه قال في مناظرته مع الملك { ربي الذى يحى ويميت } ( البقرة : 258 ) فلو حصل لغيره ، هذه الصفة لبطل ذلك الاستدلال . المسألة الثالثة : القرآن دل على أنه عليه الصلاة والسلام إنما تولد من نفخ جبريل عليه السلام في مريم وجبريل صلى الله عليه وسلم روح محض وروحاني محض فلا جرم كانت نفخة عيسى / عليه السلام للحياة والروح . المسألة الرابعة : قوله { بإذن الله } معناه بتكوين الله تعالى وتخليقه لقوله تعالى : { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله } ( آل عمران : 145 ) أي إلا بأن يوجد الله الموت ، وإنما ذكر عيسى عليه السلام هذا القيد إزالة للشبهة ، وتنبيها على إني أعمل هذا التصوير ، فأما خلق الحياة فهو من الله تعالى على سبيل إظهار المعجزات على يد الرسل . واما النوع الثاني والثالث والرابع من المعجزات فهو قوله : { ورسولا إلى بنى إسراءيل أنى قد جئتكم } . ذهب أكثر أهل اللغة إلى أن الأكمه هو الذي ولد أعمى ، وقال الخليل وغيره هو الذي عمي بعد أن كان بصيرا ، وعن مجاهد هو الذي لا يبصر بالليل ، ويقال : إنه لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب ( التفسير ) ، وروي أنه عليه الصلاة والسلام ربما اجتمع عليه خمسون ألفا من المرضى من أطاق منهم أتاه ، ومن لم يطق أتاه عيسى عليه السلام ، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده ، قال الكلبي : كان عيسى عليه السلام يحيي الأموات بيا حي يا قيوم وأحيا عاذر ، وكان صديقا له ، ودعا سام بن نوح من قبره ، فخرج حيا ، ومر على ابن ميت لعجوز فدعا الله ، فنزل عن سريره حيا ، ورجع إلى أهله وولد له ، وقوله { بإذن الله } رفع لتوهم من اعتقد فيه الإلاهية . وأما النوع الخامس من المعجزات إخباره عن الغيوب فهو قوله تعالى حكاية عنه { وأنبئكم بما تأكلوا وما تدخرون فى بيوتكم } وفيه مسألتان :

Abschnitt V08/P050–V08/P051Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P050–V08/P051)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الأولى : في هذه الآية قولان أحدهما : أنه عليه الصلاة والسلام كان من أول مرة يخبر عن الغيوب ، روى السدي : أنه كان يلعب مع الصبيان ، ثم يخبرهم بأفعال آبائهم وأمهاتهم ، وكان يخبر الصبي بأن أمك قد خبأت لك كذا فيرجع الصبي إلى أهله ويبكي إلى أن يأخذ ذلك الشيء ثم قالوا لصبيانهم : لا تلعبوا مع هذا الساحر ، وجمعوهم في بيت ، فجاء عيسى عليه السلام يطلبهم ، / فقالوا له ، ليسوا في البيت ، فقال : فمن في هذا البيت ، قالوا : خنازير قال عيسى عليه السلام كذلك يكونون فإذا هم خنازير . والقول الثاني : إن الإخبار عن الغيوب إنما ظهر وقت نزول المائدة ، وذلك لأن القوم نهوا عن الادخار ، فكانوا يخزنون ويدخرون ، فكان عيسى عليه السلام يخبرهم بذلك . المسألة الثانية : الإخبار عن الغيوب على هذا الوجه معجزة ، وذلك لأن المنجمين الذين يدعون استخراج الخير لا يمكنهم ذلك إلا عن سؤال يتقدم ثم يستعينون عند ذلك بآلة ويتوصلون بها إلى معرفة أحوال الكواكب ، ثم يعترفون بأنهم يغلطون كثيرا ، فأما الإخبار عن الغيب من غير استعانة بآلة ، ولا تقدم مسألة لا يكون إلا بالوحي من الله تعالى . ثم إنه عليه السلام ختم كلامه بقوله { إن في ذالك لأية لكم إن كنتم مؤمنين } . والمعنى إن في هذه الخمسة لمعجزة قاهرة قوية دالة على صدق المدعي لكل من آمن بدلائل المعجزة في الحمل على الصدق / بلى من أنكر دلالة أصل المعجز على صدق المدعي ، وهم البراهمة ، فإنه لا يكفيه ظهور هذه الآيات ، أما من آمن بدلالة المعجز على الصدق لا يبقى له في هذه المعجزات كلام البتة . ! 7 < { ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولا حل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بأية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربى وربكم فاعبدوه هاذا صراط مستقيم } . > 7 ! < < آل عمران : ( 50 - 51 ) ومصدقا لما بين . . . . . > > اعلم أنه عليه السلام لما بين بهذه المعجزات الباهرة كونه رسولا من عند الله تعالى ، بين بعد ذلك أنه بماذا أرسل وهو أمران أحدهما : قوله { ومصدقا لما بين يدي من التوراة } . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قد ذكرنا في قوله { ورسولا إلى بنى إسراءيل أنى قد جئتكم بآية } ( آل عمران : 49 ) أن تقديره وأبعثه رسولا إلى بني إسرائيل قائلا { أنى قد جئتكم بآية } فقوله { ومصدقا } معطوف عليه والتقدير : / وأبعثه رسولا إلى بني إسرائيل قائلا { أنى قد جئتكم بآية } ، وإني بعثت { مصدقا لما بين يدى من التوراة } وإنما حسن حذف هذه الألفاظ لدلالة الكلام عليها . المسألة الثانية : إنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقا لجميع الأنبياء عليهم السلام ، لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجزة ، فكل من حصل له المعجز ، وجب الاعتراف بنبوته ، فلهذا قلنا : بأن عيسى عليه السلام يجب أن يكون مصدقا لموسى بالتوراة ، ولعل من جملة الأغراض في بعثة عيسى عليه السلام إليهم تقرير التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات الجاهلين . وأما المقصود الثاني : من بعثة عيسى عليه السلام قوله { ولاحل لكم بعض الذي حرم عليكم } . وفيه سؤال : وهو أنه يقال : هذه الآية الأخيرة مناقضة لما قبلها لأن هذه الآية الأخيرة صريحة في أنه جاء ليحل بعد الذي كان محرما عليه في التوراة ، وهذا يقتضي أن يكون حكمه بخلاف حكم التوراة ، وهذا يناقض قوله { ومصدقا لما بين يدي من التوراة } .

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الأولى : في هذه الآية قولان أحدهما : أنه عليه الصلاة والسلام كان من أول مرة يخبر عن الغيوب ، روى السدي : أنه كان يلعب مع الصبيان ، ثم يخبرهم بأفعال آبائهم وأمهاتهم ، وكان يخبر الصبي بأن أمك قد خبأت لك كذا فيرجع الصبي إلى أهله ويبكي إلى أن يأخذ ذلك الشيء ثم قالوا لصبيانهم : لا تلعبوا مع هذا الساحر ، وجمعوهم في بيت ، فجاء عيسى عليه السلام يطلبهم ، / فقالوا له ، ليسوا في البيت ، فقال : فمن في هذا البيت ، قالوا : خنازير قال عيسى عليه السلام كذلك يكونون فإذا هم خنازير . والقول الثاني : إن الإخبار عن الغيوب إنما ظهر وقت نزول المائدة ، وذلك لأن القوم نهوا عن الادخار ، فكانوا يخزنون ويدخرون ، فكان عيسى عليه السلام يخبرهم بذلك . المسألة الثانية : الإخبار عن الغيوب على هذا الوجه معجزة ، وذلك لأن المنجمين الذين يدعون استخراج الخير لا يمكنهم ذلك إلا عن سؤال يتقدم ثم يستعينون عند ذلك بآلة ويتوصلون بها إلى معرفة أحوال الكواكب ، ثم يعترفون بأنهم يغلطون كثيرا ، فأما الإخبار عن الغيب من غير استعانة بآلة ، ولا تقدم مسألة لا يكون إلا بالوحي من الله تعالى . ثم إنه عليه السلام ختم كلامه بقوله { إن في ذالك لأية لكم إن كنتم مؤمنين } . والمعنى إن في هذه الخمسة لمعجزة قاهرة قوية دالة على صدق المدعي لكل من آمن بدلائل المعجزة في الحمل على الصدق / بلى من أنكر دلالة أصل المعجز على صدق المدعي ، وهم البراهمة ، فإنه لا يكفيه ظهور هذه الآيات ، أما من آمن بدلالة المعجز على الصدق لا يبقى له في هذه المعجزات كلام البتة . ! 7 < { ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولا حل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بأية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربى وربكم فاعبدوه هاذا صراط مستقيم } . > 7 ! < < آل عمران : ( 50 - 51 ) ومصدقا لما بين . . . . . > > اعلم أنه عليه السلام لما بين بهذه المعجزات الباهرة كونه رسولا من عند الله تعالى ، بين بعد ذلك أنه بماذا أرسل وهو أمران أحدهما : قوله { ومصدقا لما بين يدي من التوراة } . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قد ذكرنا في قوله { ورسولا إلى بنى إسراءيل أنى قد جئتكم بآية } ( آل عمران : 49 ) أن تقديره وأبعثه رسولا إلى بني إسرائيل قائلا { أنى قد جئتكم بآية } فقوله { ومصدقا } معطوف عليه والتقدير : / وأبعثه رسولا إلى بني إسرائيل قائلا { أنى قد جئتكم بآية } ، وإني بعثت { مصدقا لما بين يدى من التوراة } وإنما حسن حذف هذه الألفاظ لدلالة الكلام عليها . المسألة الثانية : إنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقا لجميع الأنبياء عليهم السلام ، لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجزة ، فكل من حصل له المعجز ، وجب الاعتراف بنبوته ، فلهذا قلنا : بأن عيسى عليه السلام يجب أن يكون مصدقا لموسى بالتوراة ، ولعل من جملة الأغراض في بعثة عيسى عليه السلام إليهم تقرير التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات الجاهلين . وأما المقصود الثاني : من بعثة عيسى عليه السلام قوله { ولاحل لكم بعض الذي حرم عليكم } . وفيه سؤال : وهو أنه يقال : هذه الآية الأخيرة مناقضة لما قبلها لأن هذه الآية الأخيرة صريحة في أنه جاء ليحل بعد الذي كان محرما عليه في التوراة ، وهذا يقتضي أن يكون حكمه بخلاف حكم التوراة ، وهذا يناقض قوله { ومصدقا لما بين يدي من التوراة } .

Abschnitt V08/P051–V08/P053Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P051–V08/P053)
Orijinal Metin (AR)

والجواب : إنه لا تناقض بين الكلام ، وذلك لأن التصديق بالتوراة لا معنى له إلا اعتقاد أن كل ما فيها فهو حق وصواب ، وإذا لم يكن الثاني مذكورا في التوراة لم يكن حكم عيسى بتحليل ما كان محرما فيها ، مناقضا لكونه مصدقا بالتوراة ، وأيضا إذا كانت البشارة بعيسى عليه السلام موجودة في التوراة لم يكن مجيء عيسى عليه السلام وشرعه مناقضا للتوراة ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : إنه عليه السلام ما غير شيئا من أحكام التوراة ، قال وهب بن منبه : إن عيسى عليه السلام كان على شريعة موسى عليه السلام كان يقرر السبت ويستقبل بيت المقدس ، ثم إنه فسر قوله { ولاحل لكم بعض الذي حرم عليكم } بأمرين أحدهما : إن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة ونسبوها إلى موسى ، فجاء عيسى عليه السلام ورفعها وأبطلها وأعاد الأمر إلى ما كان في زمن موسى عليه السلام والثاني : أن الله تعالى كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم على بعض ما صدر عنهم من الجنايات كما قال الله تعالى : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } ( النساء : 160 ) ثم بقي ذلك التحريم مستمرا على اليهود فجاء عيسى عليه السلام ورفع تلك التشديدات عنهم ، وقال آخرون : إن عيسى عليه السلام رفع كثيرا من أحكام التوراة ، ولم يكن ذلك قادحا في كونه مصدقا بالتوراة على ما بيناه ورفع السبت ووضع الأحد قائما مقامه وكان محقا في كل ما عمل لما بينا أن الناسخ والمنسوخ كلاهما حق وصدق . ثم قال : { وجئتكم بأية من ربكم } وإنما أعاده لأن إخراج الإنسان عن المألوف المعتاد من قديم الزمان عسر فأعاد ذكر المعجزات ليصير كلامه ناجعا في قلوبهم ومؤثرا في طباعهم ، ثم خوفهم فقال : { فاتقوا الله وأطيعون } لأن طاعة الرسول من لوازم تقوى الله تعالى فبين أنه إذا لزمكم أن تتقوا الله لزمكم أن تطيعوني فيما آمركم به عن ربي ، ثم إنه ختم كلامه بقوله { إن الله ربى وربكم } / ومقصوده إظهار الخضوع والاعتراف بالعبودية لكيلا يتقولوا عليه الباطل فيقولون : إنه إلاه وابن إلاه لأن إقراره لله بالعبودية يمنع ما تدعيه جهال النصارى عليه ، ثم قال : { فاعبدوه } والمعنى : أنه تعالى لما كان رب الخلائق بأسرهم وجب على الكل أن يعبدوه ، ثم أكد ذلك بقوله { هاذا صراط مستقيم } . ! 7 < { فلمآ أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصارىإلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله ءامنا بالله واشهد بأنا مسلمون ربنآ ءامنا بمآ أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } . > 7 < آل عمران : ( 52 - 54 ) فلما أحس عيسى . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما حكى بشارة مريم بولد مثل عيسى واستقصى في بيان صفاته وشرح معجزاته وترك ههنا قصة ولادته ، وقد ذكرها في سورة مريم على الاستقصاء ، شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات ، وأظهر لهم تلك الدلائل فهم بماذا عاملوه فقال تعالى : { فلما أحس عيسى منهم } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : الإحساس عبارة عن وجدان الشيء بالحاسة وههنا وجهان أحدهما : أن يجري اللفظ على ظاهره ، وهو أنهم تكلموا بالكفر ، فأحس ذلك بإذنه والثاني : أن نحمله على التأويل ، وهو أن المراد أنه عرف منهم إصرارهم على الكفر ، وعزمهم على قتله ، ولما كان ذلك العلم علما لا شبهة / فيه ، مثل العلم الحاصل من الحواس ، لا جرم عبر عن ذلك العلم بالإحساس .

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

والجواب : إنه لا تناقض بين الكلام ، وذلك لأن التصديق بالتوراة لا معنى له إلا اعتقاد أن كل ما فيها فهو حق وصواب ، وإذا لم يكن الثاني مذكورا في التوراة لم يكن حكم عيسى بتحليل ما كان محرما فيها ، مناقضا لكونه مصدقا بالتوراة ، وأيضا إذا كانت البشارة بعيسى عليه السلام موجودة في التوراة لم يكن مجيء عيسى عليه السلام وشرعه مناقضا للتوراة ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : إنه عليه السلام ما غير شيئا من أحكام التوراة ، قال وهب بن منبه : إن عيسى عليه السلام كان على شريعة موسى عليه السلام كان يقرر السبت ويستقبل بيت المقدس ، ثم إنه فسر قوله { ولاحل لكم بعض الذي حرم عليكم } بأمرين أحدهما : إن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة ونسبوها إلى موسى ، فجاء عيسى عليه السلام ورفعها وأبطلها وأعاد الأمر إلى ما كان في زمن موسى عليه السلام والثاني : أن الله تعالى كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم على بعض ما صدر عنهم من الجنايات كما قال الله تعالى : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } ( النساء : 160 ) ثم بقي ذلك التحريم مستمرا على اليهود فجاء عيسى عليه السلام ورفع تلك التشديدات عنهم ، وقال آخرون : إن عيسى عليه السلام رفع كثيرا من أحكام التوراة ، ولم يكن ذلك قادحا في كونه مصدقا بالتوراة على ما بيناه ورفع السبت ووضع الأحد قائما مقامه وكان محقا في كل ما عمل لما بينا أن الناسخ والمنسوخ كلاهما حق وصدق . ثم قال : { وجئتكم بأية من ربكم } وإنما أعاده لأن إخراج الإنسان عن المألوف المعتاد من قديم الزمان عسر فأعاد ذكر المعجزات ليصير كلامه ناجعا في قلوبهم ومؤثرا في طباعهم ، ثم خوفهم فقال : { فاتقوا الله وأطيعون } لأن طاعة الرسول من لوازم تقوى الله تعالى فبين أنه إذا لزمكم أن تتقوا الله لزمكم أن تطيعوني فيما آمركم به عن ربي ، ثم إنه ختم كلامه بقوله { إن الله ربى وربكم } / ومقصوده إظهار الخضوع والاعتراف بالعبودية لكيلا يتقولوا عليه الباطل فيقولون : إنه إلاه وابن إلاه لأن إقراره لله بالعبودية يمنع ما تدعيه جهال النصارى عليه ، ثم قال : { فاعبدوه } والمعنى : أنه تعالى لما كان رب الخلائق بأسرهم وجب على الكل أن يعبدوه ، ثم أكد ذلك بقوله { هاذا صراط مستقيم } . ! 7 < { فلمآ أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصارىإلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله ءامنا بالله واشهد بأنا مسلمون ربنآ ءامنا بمآ أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } . > 7 < آل عمران : ( 52 - 54 ) فلما أحس عيسى . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما حكى بشارة مريم بولد مثل عيسى واستقصى في بيان صفاته وشرح معجزاته وترك ههنا قصة ولادته ، وقد ذكرها في سورة مريم على الاستقصاء ، شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات ، وأظهر لهم تلك الدلائل فهم بماذا عاملوه فقال تعالى : { فلما أحس عيسى منهم } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : الإحساس عبارة عن وجدان الشيء بالحاسة وههنا وجهان أحدهما : أن يجري اللفظ على ظاهره ، وهو أنهم تكلموا بالكفر ، فأحس ذلك بإذنه والثاني : أن نحمله على التأويل ، وهو أن المراد أنه عرف منهم إصرارهم على الكفر ، وعزمهم على قتله ، ولما كان ذلك العلم علما لا شبهة / فيه ، مثل العلم الحاصل من الحواس ، لا جرم عبر عن ذلك العلم بالإحساس .

Abschnitt V08/P053–V08/P054Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P053–V08/P054)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثانية : اختلفوا في السبب الذي به ظهر كفرهم على وجوه الأول : قال السدي : أنه تعالى لما بعثه رسولا إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم إلى دين الله فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم ، وكان أمر عيسى عليه السلام في قومه كأمر محمد صلى الله عليه وسلم وهو بمكة فكان مستضعفا ، وكان يختفي من بني إسرائيل كما اختفى النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ، وفي منازل من آمن به لما أرادوا قتله ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام خرج مع أمه يسيحان في الأرض ، فاتفق أنه / نزل في قرية على رجل فأحسن ذلك الرجل ضيافته وكان في تلك المدينة ملك جبار فجاء ذلك الرجل يوما حزينا ، فسأله عيسى عن السبب فقال : ملك هذه المدينة رجل جبار ومن عادته أنه جعل على كل رجل منا يوما يطعمه ويسقيه هو وجنوده ، وهذا اليوم نوبتي والأمر متعذر علي ، فلما سمعت مريم عليها السلام ذلك ، قالت : يا بني ادع الله ليكفي ذلك ، فقال : يا أماه إن فعلت ذلك كان شر ، فقالت : قد أحسن وأكرم ولا بد من إكرامه فقال عيسى عليه السلام : إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني ، فلما فعل ذلك دعا الله تعالى فتحول ما في القدور طبيخا ، وما في الخوابي خمرا ، فلما جاءه الملك أكل وشرب وسأله من أين هذا الخمر ؟ فتعلل الرجل في الجواب فلم يزل الملك يطالبه بذلك حتى أخبره بالواقعة فقال : إن من دعا الله حتى جعل الماء خمرا إذا دعا أن يحيي الله تعالى ولدي لا بد وأن يجاب ، وكان ابنه قد مات قبل ذلك بأيام ، فدعا عيسى عليه السلام وطلب منه ذلك ، فقال عيسى : لا تفعل ، فإنه إن عاش كان شرا ، فقال : ما أبالي ما كان إذا رأيته ، وإن أحييته تركتك على ما تفعل ، فدعا الله عيسى ، فعاش الغلام ، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تبادروا بالسلاح واقتتلوا ، وصار أمر عيسى عليه السلام مشهورا في الخلق ، وقصد اليهود قتله ، وأظهروا الطعن فيه والكفر به . والقول الثاني : إن اليهود كانوا عارفين بأنه هو المسيح المبشر به في التوراة ، وأنه ينسخ دينهم ، فكانوا من أول الأمر طاعنين فيه ، طالبين قتله ، فلما أظهر الدعوة اشتد غضبهم ، وأخذوا في إيذائه وإيحاشه وطلبوا قتله . والقول الثالث : إن عيسى عليه السلام ظن من قومه الذين دعاهم إلى الإيمان أنهم لا يؤمنون به وأن دعوته لا تنجع فيهم فأحب أن يمتحنهم ليتحقق ما ظنه بهم فقال لهم { من أنصارى إلى الله } فما أجابه إلا الحواريون / فعند ذلك أحس بأن من سوى الحواريين كافرون مصرون على إنكار دينه وطلب قتله . أما قوله تعالى : { قال من أنصارى إلى الله } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في الآية أقوال الأول : أن عيسى عليه السلام لما دعا بني إسرائيل إلى الدين ، وتمردوا عليه فر منهم وأخذ يسيح في الأرض فمر بجماعة من صيادي السمك ، وكان فيهم شمعون ويعقوب ويوحنا ابنا زيدي وهم من جملة الحواريين الاثنى عشر فقال عيسى عليه السلام : الآن تصيد السمك ، فإن تبعتني صرت بحيث تصيد الناس لحياة الأبد ، فطلبوا منه المعجزة ، وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئا فأمره عيسى بإلقاء شبكته في الماء مرة أخرى ، فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق منه ، واستعانوا بأهل سفينة أخرى ، وملؤا السفينتين ، فعند ذلك آمنوا بعيسى عليه السلام .

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثانية : اختلفوا في السبب الذي به ظهر كفرهم على وجوه الأول : قال السدي : أنه تعالى لما بعثه رسولا إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم إلى دين الله فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم ، وكان أمر عيسى عليه السلام في قومه كأمر محمد صلى الله عليه وسلم وهو بمكة فكان مستضعفا ، وكان يختفي من بني إسرائيل كما اختفى النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ، وفي منازل من آمن به لما أرادوا قتله ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام خرج مع أمه يسيحان في الأرض ، فاتفق أنه / نزل في قرية على رجل فأحسن ذلك الرجل ضيافته وكان في تلك المدينة ملك جبار فجاء ذلك الرجل يوما حزينا ، فسأله عيسى عن السبب فقال : ملك هذه المدينة رجل جبار ومن عادته أنه جعل على كل رجل منا يوما يطعمه ويسقيه هو وجنوده ، وهذا اليوم نوبتي والأمر متعذر علي ، فلما سمعت مريم عليها السلام ذلك ، قالت : يا بني ادع الله ليكفي ذلك ، فقال : يا أماه إن فعلت ذلك كان شر ، فقالت : قد أحسن وأكرم ولا بد من إكرامه فقال عيسى عليه السلام : إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني ، فلما فعل ذلك دعا الله تعالى فتحول ما في القدور طبيخا ، وما في الخوابي خمرا ، فلما جاءه الملك أكل وشرب وسأله من أين هذا الخمر ؟ فتعلل الرجل في الجواب فلم يزل الملك يطالبه بذلك حتى أخبره بالواقعة فقال : إن من دعا الله حتى جعل الماء خمرا إذا دعا أن يحيي الله تعالى ولدي لا بد وأن يجاب ، وكان ابنه قد مات قبل ذلك بأيام ، فدعا عيسى عليه السلام وطلب منه ذلك ، فقال عيسى : لا تفعل ، فإنه إن عاش كان شرا ، فقال : ما أبالي ما كان إذا رأيته ، وإن أحييته تركتك على ما تفعل ، فدعا الله عيسى ، فعاش الغلام ، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تبادروا بالسلاح واقتتلوا ، وصار أمر عيسى عليه السلام مشهورا في الخلق ، وقصد اليهود قتله ، وأظهروا الطعن فيه والكفر به . والقول الثاني : إن اليهود كانوا عارفين بأنه هو المسيح المبشر به في التوراة ، وأنه ينسخ دينهم ، فكانوا من أول الأمر طاعنين فيه ، طالبين قتله ، فلما أظهر الدعوة اشتد غضبهم ، وأخذوا في إيذائه وإيحاشه وطلبوا قتله . والقول الثالث : إن عيسى عليه السلام ظن من قومه الذين دعاهم إلى الإيمان أنهم لا يؤمنون به وأن دعوته لا تنجع فيهم فأحب أن يمتحنهم ليتحقق ما ظنه بهم فقال لهم { من أنصارى إلى الله } فما أجابه إلا الحواريون / فعند ذلك أحس بأن من سوى الحواريين كافرون مصرون على إنكار دينه وطلب قتله . أما قوله تعالى : { قال من أنصارى إلى الله } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في الآية أقوال الأول : أن عيسى عليه السلام لما دعا بني إسرائيل إلى الدين ، وتمردوا عليه فر منهم وأخذ يسيح في الأرض فمر بجماعة من صيادي السمك ، وكان فيهم شمعون ويعقوب ويوحنا ابنا زيدي وهم من جملة الحواريين الاثنى عشر فقال عيسى عليه السلام : الآن تصيد السمك ، فإن تبعتني صرت بحيث تصيد الناس لحياة الأبد ، فطلبوا منه المعجزة ، وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئا فأمره عيسى بإلقاء شبكته في الماء مرة أخرى ، فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق منه ، واستعانوا بأهل سفينة أخرى ، وملؤا السفينتين ، فعند ذلك آمنوا بعيسى عليه السلام .

Abschnitt V08/P054–V08/P055Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P054–V08/P055)
Orijinal Metin (AR)

/ والقول الثاني : أن قوله { من أنصارى إلى الله } إنما كان في آخر أمره حين اجتمع اليهود عليه طلبا لقتله ، ثم ههنا احتمالات الأول : أن اليهود لما طلبوه للقتل وكان هو في الهرب عنهم قال لأولئك الاثنى عشر من الحواريين : أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ؟ . فأجابه إلى ذلك بعضهم وفيما تذكره النصارى في إنجيلهم : أن اليهود لما أخذوا عيسى سل شمعون سيفه فضرب به عبدا كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى باذنه ، فقال له عيسى : حسبك ثم أخذ اذن العبد فردها إلى موضعها ، فصارت كما كانت ، والحاصل أن الغرض من طلب النصرة إقدامهم على دفع الشر عنه . والاحتمال الثاني : أنه دعاهم إلى القتال مع القوم لقوله تعالى في سورة أخرى { يأيها الذين ءامنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصارى } ( الصف : 14 ) . المسألة الثانية : قوله { إلى الله } فيه وجوه الأول : التقدير : من أنصاري حال ذهابي إلى الله أو حال التجائي إلى الله والثاني : التقدير : من أنصاري إلى أن أبين أمر الله تعالى ، وإلى أن أظهر دينه ويكون إلى ههنا غاية كأنه أراد من يثبت على نصرتي إلى أن تتم دعوتي ، ويظهر أمر الله تعالى الثالث : قال الأكثرون من أهل اللغة إلى ههنا بمعنى مع قال تعالى : { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } ( النساء : 2 ) أي معها ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( الذود إلى الذود إبل ) أي مع الذود . قال الزجاج : كلمة { إلى } ليست بمعنى مع فإنك لو قلت ذهب زيد إلى عمرو لم يجز أن تقول : ذهب زيد مع عمرو لأن { إلى } تفيد الغاية و { مع } تفيد ضم الشيء إلى الشيء ، بل المراد من قولنا أن { إلى } ههنا بمعنى { مع } هو أنه يفيد فائدتها من حيث أن المراد من يضيف نصرته إلى نصرة الله إياي وكذلك المراد من قوله { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } ( النساء : 2 ) أي لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم ، وكذلك قوله عليه السلام : ( الذود إلى الذود إبل ) معناه : الذود مضموما إلى الذود إبل والرابع : أن يكون المعنى من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إليه ، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا ضحى ( اللهم منك وإليك ) أي تقربا إليك ، ويقول الرجل لغيره عند دعائه إياته { إلى } أي انضم إلى ، فكذا ههنا المعنى من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله تعالى الخامس : أن يكون { إلى } بمعنى اللام كأنه قال : من أنصاري لله نظيره قوله تعالى : { قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق قل الله يهدى للحق } ( يونس : 35 ) والسادس : تقدير الآية : من أنصاري في سبيل الله . و ( إلى ) بمعنى ( في ) جائز ، وهذا قول الحسن . أما قوله تعالى : { قال الحواريون نحن أنصار الله } ففيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في لفظ { الحواري } وجوها الأول : أن الحواري اسم موضوع / لخاصة الرجل ، وخالصته ، ومنه يقال للدقيق حواري ، لأنه هو الخالص منه ، وقال صلى الله عليه وسلم للزبير : ( إنه ابن عمتي ، وحواري من أمتي ) والحواريات من النساء النقيات الألوان والجلود ، فعلى هذا الحواريون هم صفوة الأنبياء الذي خلصوا وأخلصوا في التصديق بهم وفي نصرتهم .

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

/ والقول الثاني : أن قوله { من أنصارى إلى الله } إنما كان في آخر أمره حين اجتمع اليهود عليه طلبا لقتله ، ثم ههنا احتمالات الأول : أن اليهود لما طلبوه للقتل وكان هو في الهرب عنهم قال لأولئك الاثنى عشر من الحواريين : أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ؟ . فأجابه إلى ذلك بعضهم وفيما تذكره النصارى في إنجيلهم : أن اليهود لما أخذوا عيسى سل شمعون سيفه فضرب به عبدا كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى باذنه ، فقال له عيسى : حسبك ثم أخذ اذن العبد فردها إلى موضعها ، فصارت كما كانت ، والحاصل أن الغرض من طلب النصرة إقدامهم على دفع الشر عنه . والاحتمال الثاني : أنه دعاهم إلى القتال مع القوم لقوله تعالى في سورة أخرى { يأيها الذين ءامنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصارى } ( الصف : 14 ) . المسألة الثانية : قوله { إلى الله } فيه وجوه الأول : التقدير : من أنصاري حال ذهابي إلى الله أو حال التجائي إلى الله والثاني : التقدير : من أنصاري إلى أن أبين أمر الله تعالى ، وإلى أن أظهر دينه ويكون إلى ههنا غاية كأنه أراد من يثبت على نصرتي إلى أن تتم دعوتي ، ويظهر أمر الله تعالى الثالث : قال الأكثرون من أهل اللغة إلى ههنا بمعنى مع قال تعالى : { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } ( النساء : 2 ) أي معها ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( الذود إلى الذود إبل ) أي مع الذود . قال الزجاج : كلمة { إلى } ليست بمعنى مع فإنك لو قلت ذهب زيد إلى عمرو لم يجز أن تقول : ذهب زيد مع عمرو لأن { إلى } تفيد الغاية و { مع } تفيد ضم الشيء إلى الشيء ، بل المراد من قولنا أن { إلى } ههنا بمعنى { مع } هو أنه يفيد فائدتها من حيث أن المراد من يضيف نصرته إلى نصرة الله إياي وكذلك المراد من قوله { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } ( النساء : 2 ) أي لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم ، وكذلك قوله عليه السلام : ( الذود إلى الذود إبل ) معناه : الذود مضموما إلى الذود إبل والرابع : أن يكون المعنى من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إليه ، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا ضحى ( اللهم منك وإليك ) أي تقربا إليك ، ويقول الرجل لغيره عند دعائه إياته { إلى } أي انضم إلى ، فكذا ههنا المعنى من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله تعالى الخامس : أن يكون { إلى } بمعنى اللام كأنه قال : من أنصاري لله نظيره قوله تعالى : { قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق قل الله يهدى للحق } ( يونس : 35 ) والسادس : تقدير الآية : من أنصاري في سبيل الله . و ( إلى ) بمعنى ( في ) جائز ، وهذا قول الحسن . أما قوله تعالى : { قال الحواريون نحن أنصار الله } ففيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في لفظ { الحواري } وجوها الأول : أن الحواري اسم موضوع / لخاصة الرجل ، وخالصته ، ومنه يقال للدقيق حواري ، لأنه هو الخالص منه ، وقال صلى الله عليه وسلم للزبير : ( إنه ابن عمتي ، وحواري من أمتي ) والحواريات من النساء النقيات الألوان والجلود ، فعلى هذا الحواريون هم صفوة الأنبياء الذي خلصوا وأخلصوا في التصديق بهم وفي نصرتهم .

%0
10 Bölüm