Qur'an&Sunnahالقرآن

Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân

أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي · AR

Abschnitt V02/P349Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P349)
Orijinal Metin (AR)

البقرة : ( 191 ) واقتلوهم حيث ثقفتموهم . . . . . > > < > ( البقره 191 : 192 ) <

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البقرة : ( 191 ) واقتلوهم حيث ثقفتموهم . . . . . > > < > ( البقره 191 : 192 ) <

Abschnitt V02/P349–V02/P352Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P349–V02/P352)
Orijinal Metin (AR)

> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ثقفتموهم ) يقال : ثقف يثقف ثقفا وثقفا ورجل ثقف لقف : إذا كان محكما لما يتناوله من الأمور وفي هذا دليل على قتل الأسير وسيأتي بيان هذا في الأنفال إن شاء الله تعالى ( وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ) أي مكة قال الطبري : الخطاب للمهاجرين والضمير لكفار قريش الثانية قوله تعالى : ( والفتنة أشد من القتل ) أي الفتنة التي حملوكم عليها وراموا رجوعكم بها إلى الكفر أشد من القتل قال مجاهد : أي من أن يقتل المؤمن فالقتل أخف عليه من الفتنة وقال غيره : أي شركهم بالله وكفرهم به أعظم جرما وأشد من القتل الذي عيروكم به وهذا دليل على أن الآية نزلت في شأن عمرو بن الحضرمي حين قتله واقد بن عبد الله التميمي في آخر يوم من رجب الشهر الحرام حسب ما هو مذكور في سرية عبد الله بن جحش على ما يأتي بيانه قاله الطبري وغيره الثالثة قوله تعالى : ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ) الآية للعلماء في هذه الآية قولان : أحدهما أنها منسوخة والثاني أنها محكمة قال مجاهد : الآية محكمة ولا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلا بعد أن يقاتل وبه قال طاوس وهو الذي يقتضيه نص الآية وهو الصحيح من القولين وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وفي الصحيح عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : ( ( إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ( وقال قتادة : الآية منسوخة بقوله تعالى : فإذا أنسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقال مقاتل : نسخها قوله تعالى : واقتلوهم حيث ثقفتموهم ثم نسخ هذا قوله : اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم فيجوز الإبتداء بالقتال في الحرم ومما احتجوا به أن براءة نزلت بعد سورة البقرة بسنتين وأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه المغفر فقيل : إن بن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال : ( اقتلوه ( وقال بن خويز منداد : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام منسوخة لأن الإجماع قد تقرر بأن عدوا لو استولى على مكة وقال : لأقاتلكم وأمنعكم من الحج ولا أبرح من مكة لوجب قتاله وإن لم يبدأ بالقتال فمكة وغيرها من البلاد سواء وإنما قيل فيها : هي حرام تعظيما لها ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد يوم الفتح وقال : ( إحصدهم بالسيف حتى تلقاني على الصفا ( حتى جاء العباس فقال : يا رسول الله ذهبت قريش فلا قريش بعد اليوم ألا ترى أنه قال في تعظيمها : ( ولا يلتقط لقطتها إلا منشد ( واللقطة بها وبغيرها سواء ويجوز أن تكون منسوخة بقوله : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة قال بن العربي : حضرت في بيت المقدس طهره الله بمدرسة أبي عقبة الحنفي والقاضي الزنجاني يلقي علينا الدرس في يوم جمعة فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل بهي المنظر على ظهره أطمار فسلم سلام العلماء وتصدر في صدر المجلس بمدارع الرعاء فقال القاضي الزنجاني : من السيد فقال : رجل سلبه الشطار أمس وكان مقصدي هذا الحرم المقدس وأنا رجل من أهل صاغان من طلبة العلم فقال القاضي مبادرا : سلوه على العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم هل يقتل أم لا فأفتى بأنه لا يقتل فسئل عن الدليل فقال قوله تعالى : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه قرئ ولا تقتلوهم ولا تقاتلوهم فإن قرئ ولا تقتلوهم فالمسألة نص وإن قرئ ولا تقاتلوهم فهو تنبيه لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلا بينا ظاهرا على النهى عن القتل فاعترض عليه القاضي منتصرا للشافعي ومالك وإن لم ير مذهبهما على العادة فقال : هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم فقال له الصاغاني : هذا لا يليق بمنصب القاضي وعلمه فإن هذه الآية التي اعترضت بها عامة في الأماكن والتي احتججت بها خاصة ولا يجوز لأحد أن يقول : إن العام ينسخ الخاص فبهت القاضي الزنجاني وهذا من بديع الكلام قال بن العربي : فإن لجأ إليه كافر فلا سبيل إليه لنص الآية والسنة الثابتة بالنهى عن القتال فيه وأما الزاني والقاتل فلا بد من إقامة الحد عليه إلا أن يبتدئ الكافر بالقتال فيقتل بنص القرآن قلت : وأما ما احتجوا به من قتل بن خطل وأصحابه فلا حجة فيه فإن ذلك كان في الوقت الذي أحلت له مكة وهي دار حرب وكفر وكان له أن يريق دماء من شاء من أهلها في الساعة التي أحل له فيها القتال فثبت وصح أن القول الأول أصح والله أعلم الرابعة قال بعض العلماء : في هذه الآية دليل على أن الباغي على الإمام بخلاف الكافر فالكافر يقتل إذا قاتل بكل حال والباغي إذا قاتل يقاتل بنية الدفع ولا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح على ما يأتي بيانه من أحكام الباغين في الحجرات إن شاء الله تعالى الخامسة قوله تعالى : ( فإن انتهوا ) أي عن قتالكم بالإيمان فإن الله يغفر لهم جميع ما تقدم ويرحم كلا منهم بالعفو عما اجترم نظيره قوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وسيأتي < <

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( ثقفتموهم ) يقال : ثقف يثقف ثقفا وثقفا ورجل ثقف لقف : إذا كان محكما لما يتناوله من الأمور وفي هذا دليل على قتل الأسير وسيأتي بيان هذا في الأنفال إن شاء الله تعالى ( وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ) أي مكة قال الطبري : الخطاب للمهاجرين والضمير لكفار قريش الثانية قوله تعالى : ( والفتنة أشد من القتل ) أي الفتنة التي حملوكم عليها وراموا رجوعكم بها إلى الكفر أشد من القتل قال مجاهد : أي من أن يقتل المؤمن فالقتل أخف عليه من الفتنة وقال غيره : أي شركهم بالله وكفرهم به أعظم جرما وأشد من القتل الذي عيروكم به وهذا دليل على أن الآية نزلت في شأن عمرو بن الحضرمي حين قتله واقد بن عبد الله التميمي في آخر يوم من رجب الشهر الحرام حسب ما هو مذكور في سرية عبد الله بن جحش على ما يأتي بيانه قاله الطبري وغيره الثالثة قوله تعالى : ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ) الآية للعلماء في هذه الآية قولان : أحدهما أنها منسوخة والثاني أنها محكمة قال مجاهد : الآية محكمة ولا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلا بعد أن يقاتل وبه قال طاوس وهو الذي يقتضيه نص الآية وهو الصحيح من القولين وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وفي الصحيح عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : ( ( إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ( وقال قتادة : الآية منسوخة بقوله تعالى : فإذا أنسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقال مقاتل : نسخها قوله تعالى : واقتلوهم حيث ثقفتموهم ثم نسخ هذا قوله : اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم فيجوز الإبتداء بالقتال في الحرم ومما احتجوا به أن براءة نزلت بعد سورة البقرة بسنتين وأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه المغفر فقيل : إن بن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال : ( اقتلوه ( وقال بن خويز منداد : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام منسوخة لأن الإجماع قد تقرر بأن عدوا لو استولى على مكة وقال : لأقاتلكم وأمنعكم من الحج ولا أبرح من مكة لوجب قتاله وإن لم يبدأ بالقتال فمكة وغيرها من البلاد سواء وإنما قيل فيها : هي حرام تعظيما لها ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد يوم الفتح وقال : ( إحصدهم بالسيف حتى تلقاني على الصفا ( حتى جاء العباس فقال : يا رسول الله ذهبت قريش فلا قريش بعد اليوم ألا ترى أنه قال في تعظيمها : ( ولا يلتقط لقطتها إلا منشد ( واللقطة بها وبغيرها سواء ويجوز أن تكون منسوخة بقوله : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة قال بن العربي : حضرت في بيت المقدس طهره الله بمدرسة أبي عقبة الحنفي والقاضي الزنجاني يلقي علينا الدرس في يوم جمعة فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل بهي المنظر على ظهره أطمار فسلم سلام العلماء وتصدر في صدر المجلس بمدارع الرعاء فقال القاضي الزنجاني : من السيد فقال : رجل سلبه الشطار أمس وكان مقصدي هذا الحرم المقدس وأنا رجل من أهل صاغان من طلبة العلم فقال القاضي مبادرا : سلوه على العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم هل يقتل أم لا فأفتى بأنه لا يقتل فسئل عن الدليل فقال قوله تعالى : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه قرئ ولا تقتلوهم ولا تقاتلوهم فإن قرئ ولا تقتلوهم فالمسألة نص وإن قرئ ولا تقاتلوهم فهو تنبيه لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلا بينا ظاهرا على النهى عن القتل فاعترض عليه القاضي منتصرا للشافعي ومالك وإن لم ير مذهبهما على العادة فقال : هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم فقال له الصاغاني : هذا لا يليق بمنصب القاضي وعلمه فإن هذه الآية التي اعترضت بها عامة في الأماكن والتي احتججت بها خاصة ولا يجوز لأحد أن يقول : إن العام ينسخ الخاص فبهت القاضي الزنجاني وهذا من بديع الكلام قال بن العربي : فإن لجأ إليه كافر فلا سبيل إليه لنص الآية والسنة الثابتة بالنهى عن القتال فيه وأما الزاني والقاتل فلا بد من إقامة الحد عليه إلا أن يبتدئ الكافر بالقتال فيقتل بنص القرآن قلت : وأما ما احتجوا به من قتل بن خطل وأصحابه فلا حجة فيه فإن ذلك كان في الوقت الذي أحلت له مكة وهي دار حرب وكفر وكان له أن يريق دماء من شاء من أهلها في الساعة التي أحل له فيها القتال فثبت وصح أن القول الأول أصح والله أعلم الرابعة قال بعض العلماء : في هذه الآية دليل على أن الباغي على الإمام بخلاف الكافر فالكافر يقتل إذا قاتل بكل حال والباغي إذا قاتل يقاتل بنية الدفع ولا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح على ما يأتي بيانه من أحكام الباغين في الحجرات إن شاء الله تعالى الخامسة قوله تعالى : ( فإن انتهوا ) أي عن قتالكم بالإيمان فإن الله يغفر لهم جميع ما تقدم ويرحم كلا منهم بالعفو عما اجترم نظيره قوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وسيأتي < <

Abschnitt V02/P352–V02/P353Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P352–V02/P353)
Orijinal Metin (AR)

البقرة : ( 193 ) وقاتلوهم حتى لا . . . . . > > < > ( البقره 193 ) < > فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( وقاتلوهم ) أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع على من رآها ناسخة ومن رآها غير ناسخة قال : المعنى قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم : فإن قاتلوكم والأول أظهر وهو أمر بقتال مطلق لا بشرط أن يبدأ الكفار دليل ذلك قوله تعالى : ويكون الدين لله وقال عليه السلام : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فدلت الآية والحديث على أن سبب القتال هو الكفر لأنه قال : حتى لا تكون فتنة أي كفر فجعل الغاية عدم الكفر وهذا ظاهر قال بن عباس وقتادة والربيع والسدي وغيرهم : الفتنة هناك الشرك وما تابعه من أذى المؤمنين وأصل الفتنة : ألإختبار والإمتحان مأخوذ من فتنت الفضة إذا أدخلتها في النار لتميز رديئها من جيدها وسيأتي بيان محاملها إن شاء الله تعالى الثانية قوله تعالى : ( فإن انتهوا ) أي عن الكفر إما بالإسلام كما تقدم في الآية قبل أو بأداء الجزية في حق أهل الكتاب على ما يأتي بيانه في براءة وإلا قوتلوا وهم الظالمون لا عدوان إلا عليهم وسمي ما يصنع بالظالمين عدوانا من حيث هو جزاء عدوان إذ الظلم يتضمن العدوان فسمي جزأء العدوان عدوانا كقوله : وجزاء سيئة سيئة مثلها والظالمون هم على أحد التأويلين : من بدأ بقتال وعلى التأويل الآخر : من بقى على كفر وفتنة < < البقرة : ( 194 ) الشهر الحرام بالشهر . . . . . > > < > ( البقره 194 ) <

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البقرة : ( 193 ) وقاتلوهم حتى لا . . . . . > > < > ( البقره 193 ) < > فيه مسألتان : الأولى قوله تعالى : ( وقاتلوهم ) أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع على من رآها ناسخة ومن رآها غير ناسخة قال : المعنى قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم : فإن قاتلوكم والأول أظهر وهو أمر بقتال مطلق لا بشرط أن يبدأ الكفار دليل ذلك قوله تعالى : ويكون الدين لله وقال عليه السلام : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فدلت الآية والحديث على أن سبب القتال هو الكفر لأنه قال : حتى لا تكون فتنة أي كفر فجعل الغاية عدم الكفر وهذا ظاهر قال بن عباس وقتادة والربيع والسدي وغيرهم : الفتنة هناك الشرك وما تابعه من أذى المؤمنين وأصل الفتنة : ألإختبار والإمتحان مأخوذ من فتنت الفضة إذا أدخلتها في النار لتميز رديئها من جيدها وسيأتي بيان محاملها إن شاء الله تعالى الثانية قوله تعالى : ( فإن انتهوا ) أي عن الكفر إما بالإسلام كما تقدم في الآية قبل أو بأداء الجزية في حق أهل الكتاب على ما يأتي بيانه في براءة وإلا قوتلوا وهم الظالمون لا عدوان إلا عليهم وسمي ما يصنع بالظالمين عدوانا من حيث هو جزاء عدوان إذ الظلم يتضمن العدوان فسمي جزأء العدوان عدوانا كقوله : وجزاء سيئة سيئة مثلها والظالمون هم على أحد التأويلين : من بدأ بقتال وعلى التأويل الآخر : من بقى على كفر وفتنة < < البقرة : ( 194 ) الشهر الحرام بالشهر . . . . . > > < > ( البقره 194 ) <

Abschnitt V02/P353–V02/P360Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P353–V02/P360)
Orijinal Metin (AR)

> فيه عشر مسائل : الأولى قوله تعالى : ( الشهر الحرام ) قد تقدم اشتقاق الشهر وسبب نزولها ما روي عن بن عباس وقتادة ومجاهد ومقسم والسدي والربيع والضحاك وغيرهم قالوا : نزلت في عمرة القضية وعام الحديبية وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا حتى بلغ الحديبية في ذي القعدة سنة ست فصده المشركون كفار قريش عن البيت فانصرف ووعده الله سبحانه أنه سيدخله فدخله سنة سبع وقضى نسكه فنزلت هذه الآية وروي عن الحسن أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أنهيت يا محمد عن القتال في الشهر الحرام قال : ( نعم ( فأرادوا قتاله فنزلت الآية المعنى : إن استحلوا ذلك فيه فقاتلهم فأباح الله بالآية مدافعتهم والقول الأول أشهر وعليه الأكثر الثانية قوله تعالى : ( والحرمات قصاص ) الحرمات جمع حرمة كالظلمات جمع ظلمة والحجرات جمع حجرة وإنما جمعت الحرمات لأنه أراد حرمة الشهر الحرام وحرمة البلد الحرام وحرمة الإحرام والحرمة : ما منعت من انتهاكه والقصاص المساواة أي اقتصصت لكم منهم إذ صدوكم سنة ست فقضيتم العمرة سنة سبع ف الحرمات قصاص على هذا متصل بما قبله ومتعلق به وقيل : هو مقطوع منه وهو ابتداء أمر كأن في أول الإسلام : إن من انتهك حرمتك نلت منه مثل ما اعتدي عليك ثم نسخ ذلك بالقتال وقالت طائفة : ما تناولت الآية من التعدي بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم والجنايات ونحوها لم ينسخ وجاز لمن تعدى عليه في مال أو جرح أن يتعدى بمثل ما تعدى به عليه إذا خفى له ذلك وليس بينه وبين الله تعالى في ذلك شيء قاله الشافعي وغيره وهي رواية في مذهب مالك وقالت طائفة من أصحاب مالك : ليس ذلك له وأمور القصاص وقف على الحكام والأموال يتناولها قوله تعالى صلى الله عليه وسلم : ( أد الأمانة إلى من أئتمنك ولا تخن من خانك ( خرجه الدارقطني وغيره فمن ائتمنه من خانه فلا يجوز له أن يخونه ويصل إلى حقه مما أئتمنه عليه وهو المشهور من المذهب وبه قال أبو حنيفة تمسكا بهذا الحديث وقوله تعالى : إن الله يأمركم أن تودوا الأمانات إلى أهلها وهو قول عطاء الخرساني قال قدامة بن الهيثم : سألت عطاء بن ميسرة الخرساني فقلت له : لي على رجل حق وقد جحدني به وقد أعيا على البينة أفأقتص من ماله قال : أرأيت لو وقع بجاريتك فعلمت ما كنت صانعا قلت : والصحيح جواز ذلك كيف ما توصل إلى أخذ حقه مالم يعد سارقا وهو مذهب الشافعي وحكاه الداودي عن مالك وقال به بن المنذر واختاره بن العربي وأن ذلك ليس خيانة وإنما هو وصول إلى حق وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ( وأخذ الحق من الظالم نصر له وقال صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة امراة أبي سفيان لما قالت له : إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل علي جناح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خذي ما يكفيك ويكفي ولدك بالمعروف ( فأباح لها الأخذ وألا تأخذ إلا القدر الذي يجب لها وهذا كله ثابت في الصحيح وقوله تعالى : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم قاطع في موضع الخلاف الثالثة واختلفوا إذأ ظفر له بمال من غير جنس ماله فقيل : لا يأخذ إلا بحكم الحاكم وللشافعي قولان أصحهما الأخذ قياسا على ما لو ظفر له من جنس ماله والقول الثاني لا يأخذ لأنه خلاف الجنس ومنهم من قال : يتحرى قيمة ماله عليه ويأخذ مقدار ذلك وهذا هو الصحيح لما بيناه من الدليل والله أعلم الرابعة وإذا فرعنا على الأخذ فهل يعتبر ما عليه من الديون وغير ذلك فقال الشافعي : لا بل يأخذ ماله عليه وقال مالك : يعتبر ما يحصل له مع الغرماء في الفلس وهو القياس والله أعلم الخامسة قوله تعالى : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم ) عموم متفق عليه إما بالمباشرة إن أمكن وإما بالحكام واختلف الناس في المكافأة هل تسمى عدوانا أم لا فمن قال : ليس في القرآن مجاز قال : المقابلة عدوان وهو عدوان مباح كما أن المجاز في كلام العرب كذب مباح لأن قول القائل : فقالت له العينان سمعا وطاعة وكذلك : امتلا الحوض وقال قطني وكذلك : شكا إلى جملي طول السرى ومعلوم أن هذه الأشياء لا تنطق وحد الكذب : إخبار عن الشئ على خلاف ما هو به ومن قال في القرآن مجاز سمي هذا عدوانا على طريق المجاز ومقابلة الكلام بمثله كما قال عمرو بن كلثوم : ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا وقال الآخر : ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ولي فرس للجهل بالجهل مسرج ومن رام تقويمي فإني مقوم ومن رام تعويجي فإني معوج يريد : أكافي الجاهل والمعوج لا أنه امتدح بالجهل والإعوجاج السادسة واختلف العلماء فيمن استهلك أو أفسد شيئا من الحيوان أو العروض التي لا تكال ولا توزن فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما وجماعة من العلماء : عليه في ذلك المثل ولا يعدل إلى القيمة إلا عند عدم المثل لقوله تعالى : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وقوله تعالى : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به قالوا : وهذا عموم في جميع الأشياء كلها وعضدوا هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم حبس القصعة المكسورة في بيت التي كسرتها ودفع الصحيحة وقال : ( إناء بإناء وطعام بطعام ( خرجه أبو داؤد قال : حدثنا مسدد حدثنا يحيى ح وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا خالد عن حميد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم قصعة فيها طعام قال : فضربت بيدها فكسرت القصعة قال بن المثنى : فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى فجعل يجمع فيها الطعام ويقول : ( غارت أمكم ( زاد بن المثنى ( كلوا ( فأكلوا حتى جاءت قصعتها التي في بيتها ثم رجعنا إلى لفظ حديث مسدد وقال : ( كلوا ( وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول وحبس المكسورة في بيته حدثنا أبو داؤد قال : حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان قال وحدثنا فليت العامري قال أبو داؤد : وهو أفلت بن خليفة عن جسرة بنت دجاجة قالت قالت عائشة رضي الله عنها : ما رأيت صانعا طعاما مثل صفية صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما فبعثت به فأخذني أفكل فكسرت الإناء فقلت : يارسول الله ما كفارة ما صنعت قال : ( إناء مثل إناء وطعام مثل طعام ( قال مالك وأصحابه : عليه في الحيوان والعروض التي لا تكال ولا توزن القيمة لا المثل بدليل تضمين النبي صلى الله عليه وسلم الذي أعتق نصف عبده قيمة نصف شريكه ولم يضمنه مثل نصف عبده ولا خلاف بين العلماء على تضمين المثل في المطعومات والمشروبات والموزونات لقوله عليه السلام : ( طعام بطعام ( السابعة لا خلاف بين العلماء أن هذه الآية أصل في المماثلة في القصاص فمن قتل بشئ قتل بمثل ما قتل به وهو قول الجمهور ما لم يقتله بفسق كاللوطية وإسقاء الخمر فيقتل بالسيف وللشافعية قول : إنه يقتل بذلك فيتخذ عود على تلك الصفة ويطعن به في دبره حتى يموت ويسقى عن الخمر ماء حتى يموت وقال بن الماجشون : إن من قتل بالنار أو بالسم لا يقتل به لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يعذب بالنار إلا الله ( والسم نار باطنه وذهب الجمهور إلى أنه يقتل بذلك لعموم الآية الثامنة وأما القود بالعصا فقال مالك في إحدى الروايتين : إنه إن كان في القتل بالعصا تطويل وتعذيب قتل بالسيف رواه عنه بن وهب وقاله بن القاسم وفي الأخرى : يقتل بها وإن كان فيه ذلك وهو قول الشافعي وروى أشهب وبن نافع عن مالك في الحجر والعصا أنه يقتل بهما إذا كانت الضربة مجهزة فأما أن يضرب ضربات فلا وعليه لا يرمي بالنبل ولا بالحجارة لأنه من التعذيب وقاله عبد الملك قال بن العربي : والصحيح من أقوال علمائنا أن المماثلة واجبة إلا أن تدخل في حد التعذيب فلتترك إلى السيف واتفق علماؤنا على أنه إذا قطع يده ورجله وفقا عينه قصد التعذيب فعل به ذلك كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بقتلة الرعاء وإن كان في مدافعة أو مضاربة قتل بالسيف وذهبت طائفة إلى خلاف هذا كله فقالوا : لا قود إلا بالسيف وهو مذهب أبي حنيفة والشعبي والنخعي واحتجوا على ذلك بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا قود الا بحديدة ( وبالنهي عن المثلة وقوله : ( لا يعذب بالنار إلا رب النار ( والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لما رواه الأئمة عن أنس بن مالك أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين فسألوها : من صنع هذا بك أفلان أفلان حتى ذكروا يهوديا فأومأت برأسها فأخذ اليهودي فأقر فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترض رأسه بالحجارة وفي رواية : فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حجرين وهذا نص صريح صحيح وهو مقتضى قوله تعالى : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به وقوله : فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وأما ما استدلوا به من حديث جابر فحديث ضعيف عند المحدثين لا يروى عن طريق صحيح لو صح قلنا بموجبه وأنه إذا قتل بحديدة قتل بها يدل على ذلك حديث أنس : أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه بين حجرين وأما النهي عن المثلة فنقول أيضا بموجبها إذا لم يمثل فإذا مثل مثلنا به يدل على ذلك حديث العرنيين وهو صحيح أخرجه الأئمة وقوله : ( لا يعذب بالنار إلا رب النار ( صحيح إذا لم يحرق فإن حرق حرق يدل عليه عموم القرآن قال الشافعي : إن طرحه في النار عمدا طرحه في النار حتى يموت وذكره الوقار في مختصره عن مالك وهو قول محمد بن عبدالحكم قال بن المنذر : وقول كثير من أهل العلم في الرجل يخنق الرجل : عليه القود وخالف في ذلك محمد بن الحسن فقال : لو خنقه حتى مات أو طرحه في بئر فمات أو ألقاه من جبل أو سطح فمات لم يكن عليه قصاص وكان على عاقلته الدية فإن كان معروفا بذلك قد خنق غير واحد فعليه القتل قال بن المنذر : ولما أقاد النبي صلى الله عليه وسلم من اليهودي الذي رض رأس الجارية بالحجر كان هذا في معناه فلا معنى لقوله قلت : وحكى هذا القول غيره عن أبي حنيفة فقال : وقد شذ أبو حنيفة فقال فيمن قتل بخنق أو بسم أو تردية من جبل أو بئر أو بخشبة : إنه لا يقتل ولا يقتص منه إلا إذا قتل بمحدد حديد أو حجر أو خشب أو كان معروفا بالخنق والتردية وكان على عاقلته الدية وهذا منه رد للكتاب والسنة وإحداث ما لم يكن عليه أمر الأمة وذريعة إلى رفع القصاص الذي شرعه الله للنفوس فليس عنه مناص التاسعة واختلفوا فيمن حبس رجلا وقتله آخر فقال عطاء : يقتل القاتل ويحبس الحابس حتى يموت وقال مالك : إن كان حبسه وهو يرى أنه يريد قتله قتلا جميعا وفي قول الشافعي وأبي ثور والنعمان يعاقب الحابس واختاره بن المنذر قلت : قول عطاء صحيح وهو مقتضى التنزيل وروى الدارقطني عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر يقتل القاتل ويحبس الذي أمسكه ( رواه سفيان الثوري عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن بن عمر ورواه معمر وبن جريج عن إسماعيل مرسلا العاشرة قوله تعالى : ( فمن اعتدى ) الإعتداء هو التجاوز قال الله تعالى : ومن يتعد حدود الله أي يتجاوزها فمن ظلمك فخذ حقك منه بقدر مظلمتك ومن شتمك فرد عليه مثل قوله ومن اخذ عرضك فخذ عرضه ولا تتعدى إلى أبويه ولا إلى ابنه أو قريبه وليس لك أن تكذب عليه وإن كذب عليك فإن المعصية لا تقابل بالمعصية فلو قال لك مثلا : يا كافر جاز لك أن تقول له : أنت الكافر وإن قال لك : يا زان فقصاصك أن تقول له : يا كذاب يا شاهد زور ولو قلت له يا زان كنت كاذبا وأثمت في الكذب وإن مطلك وهو غني دون عذر فقال : يا ظالم يا آكل أموال الناس قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لي الواجد يحل عرضه وعقوبته ( أما عرضه فبما فسرناه وأما عقوبته فالسجن يحبس فيه وقال بن عباس : نزل هذا قبل أن يقوى الإسلام فأمر من أوذي من المسلمين أن يجازى بمثل ما أؤذي به أو يصبر أو يعفو ثم نسخ ذلك بقوله : وقاتلوا المشركين كافة وقيل : نسخ ذلك بتصييره إلى السلطان ولا يحل لأحد أن يقتص من أحد إلا بإذن السلطان < <

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> فيه عشر مسائل : الأولى قوله تعالى : ( الشهر الحرام ) قد تقدم اشتقاق الشهر وسبب نزولها ما روي عن بن عباس وقتادة ومجاهد ومقسم والسدي والربيع والضحاك وغيرهم قالوا : نزلت في عمرة القضية وعام الحديبية وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا حتى بلغ الحديبية في ذي القعدة سنة ست فصده المشركون كفار قريش عن البيت فانصرف ووعده الله سبحانه أنه سيدخله فدخله سنة سبع وقضى نسكه فنزلت هذه الآية وروي عن الحسن أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أنهيت يا محمد عن القتال في الشهر الحرام قال : ( نعم ( فأرادوا قتاله فنزلت الآية المعنى : إن استحلوا ذلك فيه فقاتلهم فأباح الله بالآية مدافعتهم والقول الأول أشهر وعليه الأكثر الثانية قوله تعالى : ( والحرمات قصاص ) الحرمات جمع حرمة كالظلمات جمع ظلمة والحجرات جمع حجرة وإنما جمعت الحرمات لأنه أراد حرمة الشهر الحرام وحرمة البلد الحرام وحرمة الإحرام والحرمة : ما منعت من انتهاكه والقصاص المساواة أي اقتصصت لكم منهم إذ صدوكم سنة ست فقضيتم العمرة سنة سبع ف الحرمات قصاص على هذا متصل بما قبله ومتعلق به وقيل : هو مقطوع منه وهو ابتداء أمر كأن في أول الإسلام : إن من انتهك حرمتك نلت منه مثل ما اعتدي عليك ثم نسخ ذلك بالقتال وقالت طائفة : ما تناولت الآية من التعدي بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم والجنايات ونحوها لم ينسخ وجاز لمن تعدى عليه في مال أو جرح أن يتعدى بمثل ما تعدى به عليه إذا خفى له ذلك وليس بينه وبين الله تعالى في ذلك شيء قاله الشافعي وغيره وهي رواية في مذهب مالك وقالت طائفة من أصحاب مالك : ليس ذلك له وأمور القصاص وقف على الحكام والأموال يتناولها قوله تعالى صلى الله عليه وسلم : ( أد الأمانة إلى من أئتمنك ولا تخن من خانك ( خرجه الدارقطني وغيره فمن ائتمنه من خانه فلا يجوز له أن يخونه ويصل إلى حقه مما أئتمنه عليه وهو المشهور من المذهب وبه قال أبو حنيفة تمسكا بهذا الحديث وقوله تعالى : إن الله يأمركم أن تودوا الأمانات إلى أهلها وهو قول عطاء الخرساني قال قدامة بن الهيثم : سألت عطاء بن ميسرة الخرساني فقلت له : لي على رجل حق وقد جحدني به وقد أعيا على البينة أفأقتص من ماله قال : أرأيت لو وقع بجاريتك فعلمت ما كنت صانعا قلت : والصحيح جواز ذلك كيف ما توصل إلى أخذ حقه مالم يعد سارقا وهو مذهب الشافعي وحكاه الداودي عن مالك وقال به بن المنذر واختاره بن العربي وأن ذلك ليس خيانة وإنما هو وصول إلى حق وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ( وأخذ الحق من الظالم نصر له وقال صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة امراة أبي سفيان لما قالت له : إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل علي جناح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خذي ما يكفيك ويكفي ولدك بالمعروف ( فأباح لها الأخذ وألا تأخذ إلا القدر الذي يجب لها وهذا كله ثابت في الصحيح وقوله تعالى : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم قاطع في موضع الخلاف الثالثة واختلفوا إذأ ظفر له بمال من غير جنس ماله فقيل : لا يأخذ إلا بحكم الحاكم وللشافعي قولان أصحهما الأخذ قياسا على ما لو ظفر له من جنس ماله والقول الثاني لا يأخذ لأنه خلاف الجنس ومنهم من قال : يتحرى قيمة ماله عليه ويأخذ مقدار ذلك وهذا هو الصحيح لما بيناه من الدليل والله أعلم الرابعة وإذا فرعنا على الأخذ فهل يعتبر ما عليه من الديون وغير ذلك فقال الشافعي : لا بل يأخذ ماله عليه وقال مالك : يعتبر ما يحصل له مع الغرماء في الفلس وهو القياس والله أعلم الخامسة قوله تعالى : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم ) عموم متفق عليه إما بالمباشرة إن أمكن وإما بالحكام واختلف الناس في المكافأة هل تسمى عدوانا أم لا فمن قال : ليس في القرآن مجاز قال : المقابلة عدوان وهو عدوان مباح كما أن المجاز في كلام العرب كذب مباح لأن قول القائل : فقالت له العينان سمعا وطاعة وكذلك : امتلا الحوض وقال قطني وكذلك : شكا إلى جملي طول السرى ومعلوم أن هذه الأشياء لا تنطق وحد الكذب : إخبار عن الشئ على خلاف ما هو به ومن قال في القرآن مجاز سمي هذا عدوانا على طريق المجاز ومقابلة الكلام بمثله كما قال عمرو بن كلثوم : ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا وقال الآخر : ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ولي فرس للجهل بالجهل مسرج ومن رام تقويمي فإني مقوم ومن رام تعويجي فإني معوج يريد : أكافي الجاهل والمعوج لا أنه امتدح بالجهل والإعوجاج السادسة واختلف العلماء فيمن استهلك أو أفسد شيئا من الحيوان أو العروض التي لا تكال ولا توزن فقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما وجماعة من العلماء : عليه في ذلك المثل ولا يعدل إلى القيمة إلا عند عدم المثل لقوله تعالى : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وقوله تعالى : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به قالوا : وهذا عموم في جميع الأشياء كلها وعضدوا هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم حبس القصعة المكسورة في بيت التي كسرتها ودفع الصحيحة وقال : ( إناء بإناء وطعام بطعام ( خرجه أبو داؤد قال : حدثنا مسدد حدثنا يحيى ح وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا خالد عن حميد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم قصعة فيها طعام قال : فضربت بيدها فكسرت القصعة قال بن المثنى : فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى فجعل يجمع فيها الطعام ويقول : ( غارت أمكم ( زاد بن المثنى ( كلوا ( فأكلوا حتى جاءت قصعتها التي في بيتها ثم رجعنا إلى لفظ حديث مسدد وقال : ( كلوا ( وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول وحبس المكسورة في بيته حدثنا أبو داؤد قال : حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان قال وحدثنا فليت العامري قال أبو داؤد : وهو أفلت بن خليفة عن جسرة بنت دجاجة قالت قالت عائشة رضي الله عنها : ما رأيت صانعا طعاما مثل صفية صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما فبعثت به فأخذني أفكل فكسرت الإناء فقلت : يارسول الله ما كفارة ما صنعت قال : ( إناء مثل إناء وطعام مثل طعام ( قال مالك وأصحابه : عليه في الحيوان والعروض التي لا تكال ولا توزن القيمة لا المثل بدليل تضمين النبي صلى الله عليه وسلم الذي أعتق نصف عبده قيمة نصف شريكه ولم يضمنه مثل نصف عبده ولا خلاف بين العلماء على تضمين المثل في المطعومات والمشروبات والموزونات لقوله عليه السلام : ( طعام بطعام ( السابعة لا خلاف بين العلماء أن هذه الآية أصل في المماثلة في القصاص فمن قتل بشئ قتل بمثل ما قتل به وهو قول الجمهور ما لم يقتله بفسق كاللوطية وإسقاء الخمر فيقتل بالسيف وللشافعية قول : إنه يقتل بذلك فيتخذ عود على تلك الصفة ويطعن به في دبره حتى يموت ويسقى عن الخمر ماء حتى يموت وقال بن الماجشون : إن من قتل بالنار أو بالسم لا يقتل به لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يعذب بالنار إلا الله ( والسم نار باطنه وذهب الجمهور إلى أنه يقتل بذلك لعموم الآية الثامنة وأما القود بالعصا فقال مالك في إحدى الروايتين : إنه إن كان في القتل بالعصا تطويل وتعذيب قتل بالسيف رواه عنه بن وهب وقاله بن القاسم وفي الأخرى : يقتل بها وإن كان فيه ذلك وهو قول الشافعي وروى أشهب وبن نافع عن مالك في الحجر والعصا أنه يقتل بهما إذا كانت الضربة مجهزة فأما أن يضرب ضربات فلا وعليه لا يرمي بالنبل ولا بالحجارة لأنه من التعذيب وقاله عبد الملك قال بن العربي : والصحيح من أقوال علمائنا أن المماثلة واجبة إلا أن تدخل في حد التعذيب فلتترك إلى السيف واتفق علماؤنا على أنه إذا قطع يده ورجله وفقا عينه قصد التعذيب فعل به ذلك كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بقتلة الرعاء وإن كان في مدافعة أو مضاربة قتل بالسيف وذهبت طائفة إلى خلاف هذا كله فقالوا : لا قود إلا بالسيف وهو مذهب أبي حنيفة والشعبي والنخعي واحتجوا على ذلك بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا قود الا بحديدة ( وبالنهي عن المثلة وقوله : ( لا يعذب بالنار إلا رب النار ( والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لما رواه الأئمة عن أنس بن مالك أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين فسألوها : من صنع هذا بك أفلان أفلان حتى ذكروا يهوديا فأومأت برأسها فأخذ اليهودي فأقر فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترض رأسه بالحجارة وفي رواية : فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حجرين وهذا نص صريح صحيح وهو مقتضى قوله تعالى : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به وقوله : فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وأما ما استدلوا به من حديث جابر فحديث ضعيف عند المحدثين لا يروى عن طريق صحيح لو صح قلنا بموجبه وأنه إذا قتل بحديدة قتل بها يدل على ذلك حديث أنس : أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه بين حجرين وأما النهي عن المثلة فنقول أيضا بموجبها إذا لم يمثل فإذا مثل مثلنا به يدل على ذلك حديث العرنيين وهو صحيح أخرجه الأئمة وقوله : ( لا يعذب بالنار إلا رب النار ( صحيح إذا لم يحرق فإن حرق حرق يدل عليه عموم القرآن قال الشافعي : إن طرحه في النار عمدا طرحه في النار حتى يموت وذكره الوقار في مختصره عن مالك وهو قول محمد بن عبدالحكم قال بن المنذر : وقول كثير من أهل العلم في الرجل يخنق الرجل : عليه القود وخالف في ذلك محمد بن الحسن فقال : لو خنقه حتى مات أو طرحه في بئر فمات أو ألقاه من جبل أو سطح فمات لم يكن عليه قصاص وكان على عاقلته الدية فإن كان معروفا بذلك قد خنق غير واحد فعليه القتل قال بن المنذر : ولما أقاد النبي صلى الله عليه وسلم من اليهودي الذي رض رأس الجارية بالحجر كان هذا في معناه فلا معنى لقوله قلت : وحكى هذا القول غيره عن أبي حنيفة فقال : وقد شذ أبو حنيفة فقال فيمن قتل بخنق أو بسم أو تردية من جبل أو بئر أو بخشبة : إنه لا يقتل ولا يقتص منه إلا إذا قتل بمحدد حديد أو حجر أو خشب أو كان معروفا بالخنق والتردية وكان على عاقلته الدية وهذا منه رد للكتاب والسنة وإحداث ما لم يكن عليه أمر الأمة وذريعة إلى رفع القصاص الذي شرعه الله للنفوس فليس عنه مناص التاسعة واختلفوا فيمن حبس رجلا وقتله آخر فقال عطاء : يقتل القاتل ويحبس الحابس حتى يموت وقال مالك : إن كان حبسه وهو يرى أنه يريد قتله قتلا جميعا وفي قول الشافعي وأبي ثور والنعمان يعاقب الحابس واختاره بن المنذر قلت : قول عطاء صحيح وهو مقتضى التنزيل وروى الدارقطني عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر يقتل القاتل ويحبس الذي أمسكه ( رواه سفيان الثوري عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن بن عمر ورواه معمر وبن جريج عن إسماعيل مرسلا العاشرة قوله تعالى : ( فمن اعتدى ) الإعتداء هو التجاوز قال الله تعالى : ومن يتعد حدود الله أي يتجاوزها فمن ظلمك فخذ حقك منه بقدر مظلمتك ومن شتمك فرد عليه مثل قوله ومن اخذ عرضك فخذ عرضه ولا تتعدى إلى أبويه ولا إلى ابنه أو قريبه وليس لك أن تكذب عليه وإن كذب عليك فإن المعصية لا تقابل بالمعصية فلو قال لك مثلا : يا كافر جاز لك أن تقول له : أنت الكافر وإن قال لك : يا زان فقصاصك أن تقول له : يا كذاب يا شاهد زور ولو قلت له يا زان كنت كاذبا وأثمت في الكذب وإن مطلك وهو غني دون عذر فقال : يا ظالم يا آكل أموال الناس قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لي الواجد يحل عرضه وعقوبته ( أما عرضه فبما فسرناه وأما عقوبته فالسجن يحبس فيه وقال بن عباس : نزل هذا قبل أن يقوى الإسلام فأمر من أوذي من المسلمين أن يجازى بمثل ما أؤذي به أو يصبر أو يعفو ثم نسخ ذلك بقوله : وقاتلوا المشركين كافة وقيل : نسخ ذلك بتصييره إلى السلطان ولا يحل لأحد أن يقتص من أحد إلا بإذن السلطان < <

Abschnitt V02/P360Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P360)
Orijinal Metin (AR)

البقرة : ( 195 ) وأنفقوا في سبيل . . . . . > > < > ( البقره 195 ) <

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البقرة : ( 195 ) وأنفقوا في سبيل . . . . . > > < > ( البقره 195 ) <

Abschnitt V02/P360–V02/P364Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P360–V02/P364)
Orijinal Metin (AR)

> فيه ثلاث مسائل : الأولى روى البخاري عن حذيفة : وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة قال : نزلت في النفقة وروي عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال : غزونا القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن الوليد والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة فحمل رجل على العدو فقال الناس : مه مه لا إله إلا الله يلقي بيديه إلى التهلكة فقال أبو أيوب : سبحان الله أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر دينه قلنا : هلم نقيم في أموالنا ونصلحها فأنزل الله عز وجل : وأنفقوا في سبيل الله الآية والإلقاء باليد إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد فلم يزل أبو أيوب مجاهدا في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية فقبره هناك فأخبرنا أبو أيوب أن الإلقاء باليد إلى التهلكة هو ترك الجهاد في سبيل الله وأن الآية نزلت في ذلك وروي مثله عن حذيفة والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك قلت : وروى الترمذي عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران هذا الخبر بمعناه فقال : كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا : سبحان الله يلقى بيديه إلى التهلكة فقام أبو أيوب الأنصاري فقال : يأيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل وإنما أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد عليه ما قلنا : وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب صحيح وقال حذيفة بن اليمان وبن عباس وعكرمة وعطاء ومجاهد وجمهور الناس : المعنى لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة فيقول الرجل : ليس عندي ما أنفقه وإلى هذا المعنى ذهب البخاري إذ لم يذكر غيره والله أعلم قال بن عباس : أنفق في سبيل الله وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص ولا يقولن أحدكم : لا أجد شيئا ونحوه عن السدي : أنفق ولو عقالا ولا تلقى بيدك إلى التهلكة فتقول : ليس عندي شيء وقول ثالث قاله بن عباس وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر الناس بالخروج إلى الجهاد قام إليه أناس من الأعراب حاضرين بالمدينة فقالوا : بماذا نتجهز فوالله ما لنا زاد ولا يطعمنا أحد فنزل قوله تعالى : وأنفقوا في سبيل الله يعني تصدقوا يا أهل الميسرة في سبيل الله يعني في طاعة الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة يعني ولا تمسكوا بأيديكم عن الصدقة فتهلكوا وهكذا قال مقاتل ومعنى قول بن عباس : ولا تمسكوا عن الصدقة فتهلكوا أي لا تمسكوا عن النفقة على الضعفاء فإنهم إذا تخلفوا عنكم غلبكم العدو فتهلكوا وقول رابع قيل للبراء بن عازب في هذه الآية : أهو الرجل يحمل على الكتيبة فقال لا ولكنه الرجل يصيب الذنب فيلقي بيديه ويقول : قد بالغت في المعاصي ولا فائدة في التوبة فييأس من الله فينهمك بعد ذلك في المعاصي فالهلاك : اليأس من الله وقال عبيدة السلماني وقال زيد بن أسلم : المعنى لا تسافروا في الجهاد بغير زاد وقد كان فعل ذلك قوم فأداهم ذلك إلى الأنقطاع في الطريق أو يكون عالة على الناس فهذه خمسة أقوال سبيل الله هنا : الجهاد واللفظ يتناول بعد جميع سبله والباء في بأيديكم زائدة التقدير تلقوا أيديكم ونظيره : ألم يعلم بأن الله يرى العلق وقال المبرد : بأيديكم أي بأنفسكم فعبر بالبعض عن الكل كقوله : فبما كسبت أيديكم بما قدمت يداك وقيل : هذا ضرب مثل تقول : فلان ألقى بيده في أمر كذا إذا آستسلم لأن المستسلم في القتال يلقي سلاحه بيديه فكذلك فعل كل عاجز في أي فعل كان ومنه قول عبد المطلب : والله إن إلقاءنا بأيدينا للموت لعجز وقال قوم : التقدير لا تلقوا أنفسكم بأيديكم كما تقول : لا تفسد حالك برأيك والتهلكة ( بضم اللام ) مصدر من هلك يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة أي لا تأخذوا فيما يهلككم قاله الزجاج وغيره أي إن لم تنفقوا عصيتم الله وهلكتم وقيل إن معنى الآية لا تمسكوا أموالكم فيرثها منكم غيركم فتهلكوا بحرمان منفعة أموالكم ومعنى آخر : ولا تمسكوا فيذهب عنكم الخلف في الدنيا والثواب في الآخرة ويقال : لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة يعني لا تنفقوا من حرام فيرد عليكم فتهلكوا ونحوه عن عكرمة قال : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة قال : ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون وقال الطبري : قوله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة عام في جميع ما ذكر لدخوله فيه إذ اللفظ يحتمله الثانية اختلف العلماء في إقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا : لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة وكان لله بنية خالصة فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة وقيل : إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل لأن مقصوده واحد منهم وذلك بين في قوله تعالى : ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله وقال بن خويز منداد فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان : إن علم وغلب على ظنه أن سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يقتل ولكن سينكى نكاية أو سيبلى أو يؤثر أثرا ينتفع به المسلمون فجائز أيضا وقد بلغني أن عسكر المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفيلة فعمد رجل منهم فصنع فيلا من طين وأنس به فرسه حتى ألفه فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل فحمل على الفيل الذي كان يقدمها فقيل له : إنه قاتلك فقال : لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين وكذلك يوم اليمامة لما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة قال رجل من المسلمين ضعوني في الجحفة وألقوني إليهم ففعلوا وقاتلهم وحده وفتح الباب قلت : ومن هذا ما روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا قال : ( فلك الجنة ( فآنغمس في العدو حتى قتل وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش فلما رهقوه قال : ( من يردهم عنا وله الجنة ( أو هو رفيقي في الجنة ( فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ثم رهقوه أيضا فقال : ( من يردهم عنا وله الجنة ( أو ( هو رفيقي في الجنة ( فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما أنصفنا أصحابنا ( هكذا الرواية ( أنصفنا ( بسكون الفاء ( أصحابنا ( بفتح الباء أي لم ندلهم للقتال حتى قتلوا وروي بفتح الفاء ورفع الباء ووجهها أنها ترجع لمن فر عنه من أصحابه والله أعلم وقال محمد بن الحسن : لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو فإن لم يكن كذلك فهو مكروه لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعة فلا يبعد جوازه ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه وإن كان قصده إرهاب العدو وليعلم صلابة المسلمين في الدين فلا يبعد جوازه وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز دين الله وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم الآية إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أنه متى رجا نفعا في الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل كان في أعلى درجات الشهداء قال الله تعالى : وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر وأصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور لقمان وقد روى عكرمة عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله ( وسيأتي القول في هذا في آل عمران إن شاء الله تعالى الثالثة قوله تعالى : ( وأحسنوا ) أي في الإنفاق في الطاعة وأحسنوا الظن بالله في إخلافه عليكم وقيل : أحسنوا في أعمالكم بامتثال الطاعات روى ذلك عن بعض الصحابة < <

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> فيه ثلاث مسائل : الأولى روى البخاري عن حذيفة : وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة قال : نزلت في النفقة وروي عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال : غزونا القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن الوليد والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة فحمل رجل على العدو فقال الناس : مه مه لا إله إلا الله يلقي بيديه إلى التهلكة فقال أبو أيوب : سبحان الله أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر دينه قلنا : هلم نقيم في أموالنا ونصلحها فأنزل الله عز وجل : وأنفقوا في سبيل الله الآية والإلقاء باليد إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد فلم يزل أبو أيوب مجاهدا في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية فقبره هناك فأخبرنا أبو أيوب أن الإلقاء باليد إلى التهلكة هو ترك الجهاد في سبيل الله وأن الآية نزلت في ذلك وروي مثله عن حذيفة والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك قلت : وروى الترمذي عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران هذا الخبر بمعناه فقال : كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا : سبحان الله يلقى بيديه إلى التهلكة فقام أبو أيوب الأنصاري فقال : يأيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل وإنما أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد عليه ما قلنا : وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب صحيح وقال حذيفة بن اليمان وبن عباس وعكرمة وعطاء ومجاهد وجمهور الناس : المعنى لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة فيقول الرجل : ليس عندي ما أنفقه وإلى هذا المعنى ذهب البخاري إذ لم يذكر غيره والله أعلم قال بن عباس : أنفق في سبيل الله وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص ولا يقولن أحدكم : لا أجد شيئا ونحوه عن السدي : أنفق ولو عقالا ولا تلقى بيدك إلى التهلكة فتقول : ليس عندي شيء وقول ثالث قاله بن عباس وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر الناس بالخروج إلى الجهاد قام إليه أناس من الأعراب حاضرين بالمدينة فقالوا : بماذا نتجهز فوالله ما لنا زاد ولا يطعمنا أحد فنزل قوله تعالى : وأنفقوا في سبيل الله يعني تصدقوا يا أهل الميسرة في سبيل الله يعني في طاعة الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة يعني ولا تمسكوا بأيديكم عن الصدقة فتهلكوا وهكذا قال مقاتل ومعنى قول بن عباس : ولا تمسكوا عن الصدقة فتهلكوا أي لا تمسكوا عن النفقة على الضعفاء فإنهم إذا تخلفوا عنكم غلبكم العدو فتهلكوا وقول رابع قيل للبراء بن عازب في هذه الآية : أهو الرجل يحمل على الكتيبة فقال لا ولكنه الرجل يصيب الذنب فيلقي بيديه ويقول : قد بالغت في المعاصي ولا فائدة في التوبة فييأس من الله فينهمك بعد ذلك في المعاصي فالهلاك : اليأس من الله وقال عبيدة السلماني وقال زيد بن أسلم : المعنى لا تسافروا في الجهاد بغير زاد وقد كان فعل ذلك قوم فأداهم ذلك إلى الأنقطاع في الطريق أو يكون عالة على الناس فهذه خمسة أقوال سبيل الله هنا : الجهاد واللفظ يتناول بعد جميع سبله والباء في بأيديكم زائدة التقدير تلقوا أيديكم ونظيره : ألم يعلم بأن الله يرى العلق وقال المبرد : بأيديكم أي بأنفسكم فعبر بالبعض عن الكل كقوله : فبما كسبت أيديكم بما قدمت يداك وقيل : هذا ضرب مثل تقول : فلان ألقى بيده في أمر كذا إذا آستسلم لأن المستسلم في القتال يلقي سلاحه بيديه فكذلك فعل كل عاجز في أي فعل كان ومنه قول عبد المطلب : والله إن إلقاءنا بأيدينا للموت لعجز وقال قوم : التقدير لا تلقوا أنفسكم بأيديكم كما تقول : لا تفسد حالك برأيك والتهلكة ( بضم اللام ) مصدر من هلك يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة أي لا تأخذوا فيما يهلككم قاله الزجاج وغيره أي إن لم تنفقوا عصيتم الله وهلكتم وقيل إن معنى الآية لا تمسكوا أموالكم فيرثها منكم غيركم فتهلكوا بحرمان منفعة أموالكم ومعنى آخر : ولا تمسكوا فيذهب عنكم الخلف في الدنيا والثواب في الآخرة ويقال : لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة يعني لا تنفقوا من حرام فيرد عليكم فتهلكوا ونحوه عن عكرمة قال : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة قال : ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون وقال الطبري : قوله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة عام في جميع ما ذكر لدخوله فيه إذ اللفظ يحتمله الثانية اختلف العلماء في إقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا : لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة وكان لله بنية خالصة فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة وقيل : إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل لأن مقصوده واحد منهم وذلك بين في قوله تعالى : ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله وقال بن خويز منداد فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان : إن علم وغلب على ظنه أن سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يقتل ولكن سينكى نكاية أو سيبلى أو يؤثر أثرا ينتفع به المسلمون فجائز أيضا وقد بلغني أن عسكر المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفيلة فعمد رجل منهم فصنع فيلا من طين وأنس به فرسه حتى ألفه فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل فحمل على الفيل الذي كان يقدمها فقيل له : إنه قاتلك فقال : لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين وكذلك يوم اليمامة لما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة قال رجل من المسلمين ضعوني في الجحفة وألقوني إليهم ففعلوا وقاتلهم وحده وفتح الباب قلت : ومن هذا ما روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا قال : ( فلك الجنة ( فآنغمس في العدو حتى قتل وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش فلما رهقوه قال : ( من يردهم عنا وله الجنة ( أو هو رفيقي في الجنة ( فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ثم رهقوه أيضا فقال : ( من يردهم عنا وله الجنة ( أو ( هو رفيقي في الجنة ( فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما أنصفنا أصحابنا ( هكذا الرواية ( أنصفنا ( بسكون الفاء ( أصحابنا ( بفتح الباء أي لم ندلهم للقتال حتى قتلوا وروي بفتح الفاء ورفع الباء ووجهها أنها ترجع لمن فر عنه من أصحابه والله أعلم وقال محمد بن الحسن : لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو فإن لم يكن كذلك فهو مكروه لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعة فلا يبعد جوازه ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه وإن كان قصده إرهاب العدو وليعلم صلابة المسلمين في الدين فلا يبعد جوازه وإذا كان فيه نفع للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز دين الله وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم الآية إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أنه متى رجا نفعا في الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل كان في أعلى درجات الشهداء قال الله تعالى : وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر وأصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور لقمان وقد روى عكرمة عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله ( وسيأتي القول في هذا في آل عمران إن شاء الله تعالى الثالثة قوله تعالى : ( وأحسنوا ) أي في الإنفاق في الطاعة وأحسنوا الظن بالله في إخلافه عليكم وقيل : أحسنوا في أعمالكم بامتثال الطاعات روى ذلك عن بعض الصحابة < <

Abschnitt V02/P364Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P364)
Orijinal Metin (AR)

البقرة : ( 196 ) وأتموا الحج والعمرة . . . . . > > < > ( البقره 196 ) <

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البقرة : ( 196 ) وأتموا الحج والعمرة . . . . . > > < > ( البقره 196 ) <

Abschnitt V02/P364–V02/P403Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P364–V02/P403)
Orijinal Metin (AR)

> قوله تعالى : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) فيه سبع مسائل : الأولى اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة لله فقيل : أداؤهما والإتيان بهما كقوله : فأتمهن وقوله : ثم أتموا الصيام إلى الليل أي ائتوا بالصيام وهذا على مذهب من أوجب العمرة على ما يأتي ومن لم يوجبها قال : المراد تمامها بعد الشروع فيهما فإن من أحرم بنسك وجب عليه المضي فيه ولا يفسخه قال معناه الشعبي وبن زيد وعن علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) : إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك وروى ذلك عن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص وفعله عمران بن حصين وقال سفيان الثوري : إتمامهما أن تخرج قاصدا لهما لا لتجارة ولا لغير ذلك ويقوى هذا قوله لله وقال عمر : إتمامهما أن يفرد كل واحد منهما من غير تمتع وقرآن وقاله بن حبيب وقال مقاتل : إتمامهما ألا تستحلوا فيهما ما لا ينبغي لكم وذلك أنهم كانوا يشركون في إحرامهم فيقولون : لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك فقال : فأتموهما ولا تخلطوهما بشئ آخر قلت : أما ما روي عن علي وفعله عمران بن حصين في الإحرام قبل المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال به عبد الله بن مسعود وجماعة من السلف وثبت أن عمر أهل من إيلياء وكان الأسود وعلقمة وعبد الرحمن وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم ورخص فيه الشافعي وروى أبو داؤد والدارقطني عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أحرم من بيت المقدس بحج أو عمرة كان من ذنوبه كيوم ولدته أمه ( في رواية ( غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ( وخرجه أبو داؤد وقال : يرحم الله وكيعا أحرم من بيت المقدس يعني إلى مكة ففي هذا إجازة الإحرام قبل الميقات وكره مالك رحمه الله أن يحرم أحد قبل الميقات ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب وأنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة وأنكر عثمان على بن عمر إحرامه قبل الميقات وقال أحمد وإسحاق : وجه العمل المواقيت ومن الحجة لهذا القول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت المواقيت وعينها فصارت بيانا لمجمل الحج ولم يحرم صلى الله عليه وسلم من بيته لحجته بل أحرم من ميقاته الذي وقته لأمته وما فعله صلى الله عليه وسلم فهو الأفضل إن شاء الله وكذلك صنع جمهور الصحابة والتابعين بعدهم واحتج أهل المقالة الأولى بأن ذلك أفضل بقول عائشة : ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا آختار أيسرهما وبحديث أم سلمة مع ما ذكر عن الصحابة في ذلك وقد شهدوا إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته من ميقاته وعرفوا مغزاه ومراده وعلموا أن إحرامه من ميقاته كان تيسيرا على أمته الثانية روى الأئمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن ولأهل اليمن يلملم هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة يهلون منها وأجمع أهل العلم على القول بظاهر هذا 0 الحديث واستعماله لا يخالفون شيئا منه واختلفوا في ميقات أهل العراق وفيمن وقته فروى أبو داؤد والترمذي عن بن عباس أن أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق العقيق قال الترمذي : هذا حديث حسن وروي أن عمر وقت لأهل العراق ذات عرق وفي كتاب أبي داؤد عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق وهذا هو الصحيح ومن روى أن عمر وقته لأن العراق في وقته افتتحت فغفلة منه بل وقته رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وقت لأهل الشام الجحفة والشام كلها يومئذ دار كفر كما كانت العراق وغيرها يومئذ من البلدان ولم تفتح العراق ولا الشام إلا على عهد عمر وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل السير قال أبو عمر : كل عراقي أو مشرقي أحرم من ذات عرق فقد أحرم عند الجميع من ميقاته والعقيق أحوط عندهم وأولى من ذات عرق وذات عرق ميقاتهم أيضا بإجماع الثالثة أجمع أهل العلم على أن من أحرم من قبل أن يأتي الميقات أنه محرم وإنما منع من ذلك من رأى الإحرام عند الميقات أفضل كراهية أن يضيق المرء على نفسه ما قد وسع الله عليه وأن يتعرض بما لا يؤمن أن يحدث في إحرامه وكلهم ألزمه الإحرام إذا فعل ذلك لأنه زاد ولم ينقص الرابعة في هذه الآية دليل على وجوب العمرة لأنه تعالى أمر بإتمامها كما أمر بإتمام الحج قال الصبي بن معبد : أتيت عمر ( رضي الله عنه ) فقلت إني كنت نصرانيا فأسلمت وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبتين علي وإني أهللت بهما جميعا فقال له عمر هديت لسنة نبيك قال بن المنذر : ولم ينكر عليه قوله : وجدت الحج والعمرة مكتوبتين علي وبوجوبهما قال علي بن أبي طالب وبن عمر وبن عباس وروى الدارقطني عن بن جريج قال : أخبرني نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول : ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلا فمن زاد بعدها شيئا فهو خير وتطوع قال : ولم أسمعه يقول في أهل مكة شيئا قال بن جريج : وأخبرت عن عكرمة أن بن عباس قال : العمرة واجبة كوجوب الحج من استطاع إليه سبيلا وممن ذهب إلى وجوبها من التابعين عطاء وطاوس ومجاهد والحسن وبن سيرين والشعبي وسعيد بن جبير وأبو بردة ومسروق وعبد الله بن شداد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وبن الجهم من المالكيين وقال الثوري : سمعنا أنها واجبة وسئل زيد بن ثابت عن العمرة قبل الحج فقال : صلاتان لا يضرك بأيهما بدأت ذكره الدارقطني وروى مرفوعا عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت ( وكان مالك يقول : العمرة سنة ولا نعلم أحدا أرخص في تركها وهو قول النخعي وأصحاب الرأي فيما حكي بن المنذر وحكي بعض القزوينيين والبغداديين عن أبي حنيفة أنه كان يوجبها كالحج وبانها سنة ثابتة قاله بن مسعود وجابر بن عبد الله روى الدارقطني حدثنا محمد بن القاسم بن زكريا حدثنا محمد بن العلاء أبو كريب حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن حجاج عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة والزكاة والحج : أواجب هو قال : ( نعم ( فسأله عن العمرة : أواجبة هي قال : ( لا وأن تعتمر خير لك ( رواه يحيى بن أيوب عن حجاج وبن جريج عن بن المنكدر عن جابر موقوفا من قول جابر فهذه حجة من لم يوجبها من السنة قالوا : وأما الآية فلا حجة فيها للوجوب لأن الله سبحانه إنما قرنها في وجوب الإتمام لا في الإبتداء فإنه ابتدأ الصلاة والزكاة فقال وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة المزمل وابتدأ بإيجاب الحج فقال : ولله على الناس حج البيت ولما ذكر العمرة أمر بإتمامها لا بأبتدائها فلو حج عشر حجج أو أعتمر عشر عمر لزم الإتمام في جميعها فإنما جاءت الآية لإلزام الإتمام لا لإلزام الآبتداء والله أعلم واحتج المخالف من جهة 8 النظر على وجوبها بأن قال : عماد الحج الوقوف بعرفة وليس في العمرة وقوف فلو كانت كسنة الحج لوجب أن تساويه في أفعاله كما أن سنة الصلاة تساوي فريضتها في افعالها الخامسة قرأ الشعبي وأبو حيوة برفع التاء في العمرة وهي تدل على عدم الوجوب وقرأ الجماعة العمرة بنصب التاء وهي تدل على الوجوب وفي مصحف بن مسعود وأتموا الحج والعمرة إلى البيت لله وروى عنه وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت وفائدة التخصيص بذكر الله هنا أن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتظاهر والتناضل والتنافر وقضاء الحاجة وحضور الأسواق وكل ذلك ليس لله فيه طاعة ولا حظ بقصد ولا قربة بمعتقد فأمر الله سبحانه بالقصد إليه لأداء فرضه وقضاء حقه ثم سامح في التجارة على ما يأتي السادسة لا خلاف بين العلماء فيمن شهد مناسك الحج وهو لا ينوي حجا ولا عمرة والقلم جار له وعليه أن شهودها بغير نية ولا قصد غير مغن عنه وأن النية تجب فرضا لقوله تعالى : وأتموا ومن تمام العبادة حضور النية وهي فرض كالإحرام عند الإحرام لقوله عليه السلام لما ركب راحلته : ( لبيك بحجة وعمرة معا ( على ما يأتي وذكر الربيع في كتاب البويطي عن الشافعي قال : ولو لبى رجل ولم ينو حجا ولا عمرة لم يكن حاجا ولا معتمرا ولو نوى ولم يلب حتى قضى المناسك كان حجه تاما واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات ( قال : ومن فعل مثل ما فعل على حين أهل على إهلال النبي صلى الله عليه وسلم أجزته تلك النية لأنها وقعت على نية لغيره قد تقدمت بخلاف الصلاة السابعة واختلف العلماء في المراهق والعبد يحرمان بالحج ثم يحتلم هذا ويعتق هذا قبل الوقوف بعرفة فقال مالك : لا سبيل لهما إلى رفض الإحرام ولا لأحد متمسكا بقوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله ومن رفض إحرامه فلا يتم حجة ولا عمرته وقال أبو حنيفة : جائز للصبي إذا بلغ قبل الوقوف بعرفة أن يجدد إحراما فإن تمادي على حجه ذلك لم يجزه من حجة الإسلام واحتج بأنه لما لم يكن الحج يجزئ عنه ولم يكن الفرض لازما له حين أحرم بالحج ثم لزمه حين بلغ استحال أن يشغل عن فرض قد تعين عليه بنافلة ويعطل فرضه كمن دخل في نافلة وأقيمت عليه المكتوبة وخشي فوتها قطع النافلة ودخل في المكتوبة وقال الشافعي : إذا أحرم الصبي ثم بلغ قبل الوقوف بعرفة فوقف بها محرما أجزأه من حجة الإسلام وكذلك العبد قال : ولو عتق بمزدلفة وبلغ الصبي بها فرجعا إلى عرفة بعد العتق والبلوغ فأدركا الوقوف بها قبل طلوع الفجر أجزت عنهما من حجة الإسلام ولم يكن عليهما دم ولو احتاطا فأهراقا دما كان أحب إلي وليس ذلك بالبين عندي واحتج في إسقاط تجديد الإحرام بحديث علي ( رضي الله عنه ) إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين 2 أقبل من اليمن مهلا بالحج : ( بم أهللت ( قال قلت : لبيك اللهم بإهلال كإهلال نبيك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فإني أهللت بالحج وسقت الهدي ( قال الشافعي : ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته ولا أمره بتجديد نية لإفراد أو تمتع أو قران وقال مالك في النصراني يسلم عشية عرفة فيحرم بالحج : أجزأه من حجة الإسلام وكذلك العبد يعتق والصبي يبلغ إذا لم يكونوا محرمين ولا دم على واحد منهم وإنما يلزم الدم من أراد الحج ولم يحرم من الميقات وقال أبو حنيفة : يلزم العبد الدم وهو كالحر عندهم في تجاؤز الميقات بخلاف الصبي والنصراني فإنهما لا يلزمهما الإحرام لدخول مكة لسقوط الفرض عنهما فإذأ أسلم الكافر وبلغ الصبي كان حكمهما حكم المكي ولا شيء عليهما في ترك الميقات قوله تعالى : ( فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) فيه اثنتا عشرة مسألة : الأولى قال بن العربي : هذه آية مشكلة عضلة من العضل قلت : لا إشكال فيها ونحن نبينها غاية البيان فنقول الإحصار هو المنع من الوجه الذي تقصده بالعوائق جملة فجملة أي بأي عذر كان كان حصر عدو أو جور سلطان أو مرض أو ما كان واختلف العلماء في تعيين المانع هنا على قولين : الأول قال علقمة وعروة بن الزبير وغيرهما : هو المرض لا العدو وقيل : العدو خاصة قاله بن عباس وبن عمر وأنس والشافعي قال بن العربي : وهو اختيار علمائنا ورأى أكثر أهل اللغة ومحصليها على أن أحصر عرض للمرض وحصر نزل به العدو قلت : ما حكاه بن العربي من أنه اختيار علمائنا فلم يقل به إلا أشهب وحده وخالفه سائر أصحاب مالك في هذا وقالوا : الإحصار إنما هو المرض وأما العدو فإنما يقال فيه : حصر حصرا فهو محصور قاله الباجي في المنتقي وحكى أبو إسحاق الزجاج أنه كذلك عند جميع أهل اللغة على ما يأتي وقال أبو عبيدة والكسائي : أحصر بالمرض وحصر بالعدو وفي المجمل لابن فارس على العكس فحصر بالمرض وأحصر بالعدو وقالت طائفة : يقال أحصر فيهما جميعا من الرباعي حكاه أبو عمر قلت : وهو يشبه قول مالك حيث ترجم في موطئه أحصر فيهما فتأمله وقال الفراء : هما بمعنى واحد في المرض والعدو قال القشيري أبو نصر : وادعت الشافعية أن الإحصار يستعمل في العدو فأما المرض فيستعمل فيه الحصر والصحيح أنهما يستعملان فيهما قلت : ما آدعته الشافعية قد نص الخليل بن أحمد وغيره على خلافه قال الخليل : حصرت الرجل حصرا منعته وحبسته وأحصر الحاج عن بلوغ المناسك من مرض أو نحوه هكذا قال جعل الأول ثلاثيا من حصرت والثاني في المرض رباعيا وعلى هذا خرج قول بن عباس : لا حصر إلا حصر العدو وقال بن السكيت : أحصره المرض إذا منعه من السفر أو من حاجة يريدها وقد حصره العدو يحصرونه إذأ ضيقوا عليه فأطافوا به وحاصروه محاصرة وحصارا قال الأخفش : حصرت الرجل فهو محصور أي حبسته قال : وأحصرني بولي وأحصرني مرضي أي جعلني أحصر نفسي قال أبو عمرو الشيباني : حصرني الشئ وأحصرني أي حبسني قلت : فالأكثر من أهل اللغة على أن حصر في العدو وأحصر في المرض وقد قيل ذلك في قول الله تعالى : للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله وقال بن ميادة : وما هجر ليلى أن تكون تباعدت عليك ولا أن أحصرتك شغول وقال الزجاج : الإحصار عند جميع أهل اللغة إنما هو من المرض فأما من العدو فلا يقال فيه إلا حصر يقال : حصر حصرا وفي الأول أحصر إحصارا فدل على ما ذكرناه وأصل الكلمة من الحبس ومنه الحصير للذي يحبس نفسه عن البوح بسره والحصير : الملك لأنه كالمحبوس من وراء الحجاب والحصير الذي يجلس عليه لأنضمام بعض طاقات البردي إلى بعض كحبس الشئ مع غيره الثانية ولما كان أصل الحصر الحبس قالت الحنفيه : المحصر من يصير ممنوعا من مكة بعد الإحرام بمرض أو عدو أو غير ذلك واحتجوا بمقتضى الإحصار مطلقا قالوا : وذكر الأمن في آخر الآية لا يدل على أنه لا يكون من المرض قال صلى الله عليه وسلم : ( الزكام أمان من الجذام ( وقال : ( من سبق العاطس بالحمد أمن من الشوص واللوص والعلوص ( الشوص : وجع السن واللوص : وجع الأذن والعلوص : وجع البطن أخرجه بن ماجه في سننه قالوا : وإنما جعلنا حبس العدو حصارا قياسا على المرض إذا كان في حكمه لا بدلالة الظاهر وقال بن عمر وبن الزبير وبن عباس والشافعي وأهل المدينة : المراد بالآية حصر العدو لأن الآية نزلت في سنة ست في عمرة الحديبية حين صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة قال بن عمر : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحال كفار قريش دون البيت فنحر النبي صلى الله عليه وسلم هدية وحلق رأسه ودل على هذا قوله تعالى : فإذا أمنتم ولم يقل : برأتم والله أعلم الثالثة جمهور الناس على أن المحصر بعدو يحل حيث أحصر وينحر هديه إن كان ثم هدي ويحلق رأسه وقال قتادة وإبراهيم : يبعث بهديه إن أمكنه فإذأ بلغ محله صار حلالا وقال أبو حنيفة : دم الإحصار لا يتوقف على يوم النحر بل يجوز ذبحه قبل يوم النحر إذا بلغ محله وخالفه صاحباه فقالا : يتوقف على يوم النحر وإن نحر قبله لم يجزه وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان الرابعة الأكثر من العلماء على أن من أحصر بعدو كافر أو مسلم أو سلطان حبسه في سجن أن عليه الهدي وهو قول الشافعي وبه قال أشهب وكان بن القاسم يقول : ليس على من صد عن البيت في حج أو عمرة هدي إلا أن يكون ساقه معه وهو قول مالك ومن حجتهما أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نحر يوم الحديبية هديا قد كان أشعره وقلده حين أحرم بعمرة فلما لم يبلغ ذلك الهدي محله للصد أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحر لأنه كان هديا وجب بالتقليد والإشعار وخرج لله فلم يجز الرجوع فيه ولم ينحره رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل الصد فلذلك لا يجب على من صد عن البيت هدي واحتج الجمهور بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل يوم الحديبية ولم يحلق رأسه حتى نحر الهدي فدل ذلك على أن من شرط إحلال المحصر ذبح هدى إن كان عنده وإن كان فقيرا فمتى وجده وقدر عليه لا يحل إلا به وهو مقتضى قوله : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي وقد قيل : يحل ويهدي إذا قدر عليه والقولان للشافعي وكذلك من لا يجد هديا يشتريه قولان الخامسة قال عطاء وغيره : المحصر بمرض كالمحصر بعدو وقال مالك والشافعي وأصحابهما : من أحصره المرض فلا يحله إلا الطواف بالبيت وإن أقام سنين حتى يفيق وكذلك من أخطأ العدد أو خفي عليه الهلال قال مالك : وأهل مكة في ذلك كأهل الآفاق قال : وإن أحتاج المريض إلى دواء تداوى به وافتدى وبقي على إحرامه لا يحل من شيء حتى يبرأ من مرضه فإذأ بريء من مرضه مضى إلى البيت فطاف به سبعا وسعى بين الصفا والمروة وحل من حجته أو عمرته وهذا كله قول الشافعي وذهب في ذلك إلى ما روي عن عمر وبن عباس وعائشة وبن عمر وبن الزبير أنهم قالوا في المحصر بمرض أو خطأ العدد : إنه لا يحله إلا الطواف بالبيت وكذلك من أصابه كسر أو بطن منخرق وحكم من كانت هذه حاله عند مالك وأصحابه أن يكون بالخيار إذا خاف فوت الوقوف بعرفة لمرضه إن شاء مضى إذا أفاق إلى البيت فطاف وتحلل بعمرة وإن شاء أقام على إحرامه إلى قابل وإن أقام على إحرامه ولم يواقع شيئا مما نهى عنه الحاج فلا هدي عليه ومن حجته في ذلك الإجماع من الصحابة على أن من أخطأ العدد أن هذا حكمه لا يحله إلا الطواف بالبيت وقال في المكي إذا بقى محصورا حتى فرغ الناس من حجهم : فإنه يخرج إلى الحل فيلبي ويفعل ما يفعله المعتمر ويحل فإذا كان قابل حج وأهدى وقال بن شهاب الزهري في إحصار من أحصر بمكة من أهلها : لا بد له من أن يقف بعرفة وإن نعش نعشا واختار هذا القول أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن بكير المالكي فقال : قول مالك في المحصر المكي أن عليه ما على الآفاق من إعادة الحج والهدي خلاف ظاهر الكتاب لقول الله عز وجل : ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام قال : والقول عندي في هذا قول الزهري في أن الإباحة من الله عز وجل لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام أن يقيم لبعد المسافة يتعالج وإن فاته الحج فأما من كان بينه وبين المسجد الحرام ما لا تقصر في مثله الصلاة فإنه يحضر المشاهد وإن نعش نعشا لقرب المسافة بالبيت وقال أبو حنيفة وأصحابه : كل من منع من الوصول إلى البيت بعدو أو مرض أو ذهاب نفقة أو إضلال راحلة أو لدغ هامة فإنه يقف مكانه على إحرامه ويبعث بهديه أو بثمن هديه فإذا نحر فقد حل من إحرامه كذلك قال عروة وقتادة والحسن وعطاء والنخعي ومجاهد وأهل العراق لقوله تعالى : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي الآية السادسة قال مالك وأصحابه : لا ينفع المحرم الإشتراط في الحج إذا خاف الحصر بمرض أو عدو وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابهم والإشتراط أن يقول إذا أهل : لبيك اللهم لبيك ومحلى حيث حبستني من الأرض وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور : لا بأس أن يشترط وله شرطه وقاله غير واحد من الصحابة والتابعين وحجتهم حديث ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إني أردت الحج أأشترط قال : ( نعم ( قالت : فكيف أقول قال : ( قولي لبيك اللهم لبيك ومحلى من الأرض حيث حبستني ( أخرجه أبو داؤد والدارقطني وغيرهما قال الشافعي : لو ثبت حديث ضباعة لم أعده وكان محله حيث حبسه الله قلت : قد صححه غير واحد منهم أبو حاتم البستي وبن المنذر قال بن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لضباعة بنت الزبير : ( حجي واشترطي ( وبه قال الشافعي إذ هو بالعراق ثم وقف عنه بمصر قال بن المنذر : وبالقول الأول أقول وذكره عبد الرزاق أخبرنا بن جريج قال : أخبرنا أبو الزبير أن طاوسا وعكرمة أخبراه عن بن عباس قال : جاءت ضباعة بنت الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إني امراة ثقيلة وإني أريد الحج فكيف تأمرني أن أهل قال : ( أهلي واشترطي أن محلى حيث حبستني ( قال : فأدركت وهذا إسناد صحيح السابعة واختلفت العلماء أيضا في وجوب القضاء على من أحصر فقال مالك والشافعي : من أحصر بعدو فلا قضاء عليه بحجه ولا عمرته إلا أن يكون ضرورة لم يكن حج فيكون عليه الحج على حسب وجوبه عليه وكذلك العمرة عند من أوجبها فرضا وقال أبو حنيفة : المحصر بمرض أو عدو عليه حجة وعمرة وهو قول الطبري قال أصحاب الرأي : إن كان مهلا بحج قضى حجة وعمرة لأن إحرامه بالحج صار عمرة وإن كان قارنا قضى حجة وعمرتين وإن كان مهلا بعمرة قضى عمرة وسواء عندهم المحصر بمرض أو عدو على ما تقدم واحتجوا بحديث ميمون بن مهران قال : خرجت معتمرا عام حاصر أهل الشام بن الزبير بمكة وبعث معي رجال من قومي بهدي فلما انتهيت إلى أهل الشام منعوني أن أدخل الحرم فنحرت الهدى مكاني ثم حللت ثم رجعت فلما كان من العام المقبل خرجت لأقضي عمرتي فأتيت بن عباس فسألته فقال : أبدل الهدي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء واستدلوا بقوله عليه السلام : ( من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى أو عمرة أخرى ( رواه عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من عرج أو كسر فقد حل وعليه حجة أخرى ( قالوا : فاعتمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في العام المقبل من عام الحديبية إنما كان قضاء لتلك العمرة قالوا : ولذلك قيل لها عمرة القضاء وآحتج مالك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدا من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا ولا أن يعودوا لشئ ولا حفظ ذلك عنه بوجه من الوجوه ولا قال في العام المقبل : إن عمرتي هذه قضاء عن العمرة التي حصرت فيها ولم ينقل ذلك عنه قالوا : وعمرة القضاء وعمرة القضية سواء وإنما قيل لها ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضي قريشا وصالحهم في ذلك العام على الرجوع عن البيت وقصده من قابل فسميت بذلك عمرة القضية الثامنة لم يقل أحد من الفقهاء فيمن كسر أو عرج أنه يحل مكانه بنفس الكسر غير أبي ثور على ظاهر حديث الحجاج بن عمرو وتابعه على ذلك داود بن علي وأصحابه وأجمع العلماء على أنه يحل من كسر ولكن اختلفوا فيما به يحل فقال مالك وغيره : يحل بالطواف بالبيت لا يحله غيره ومن خالفه من الكوفيين يقول : يحل بالنية وفعل ما يتحلل به على ما تقدم من مذهبه التاسعة لا خلاف بين علماء الأمصار أن الإحصار عام في الحج والعمرة وقال بن سيرين : لا إحصار في العمرة لأنها غير مؤقتة وأجيب بأنها وإن كانت غير مؤقتة لكن في الصبر إلى زوال العذر ضرر وفي ذلك نزلت الآية وحكي عن بن الزبير أن من أحصره العدو أو المرض فلا يحله إلا الطواف بالبيت وهذا أيضا مخالف لنص الخبر عام الحديبية العاشرة الحاصر لا يخلو أن يكون كافرا أو مسلما فإن كان كافرا لم يجز قتاله ولو وثق بالظهور عليه ويتحلل بموضعه لقوله تعالى : ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ( كما تقدم ولو سأل الكافر جعلا لم يجز لأن ذلك وهن في الإسلام فإن كان مسلما لم يجز قتاله بحال ووجب التحلل فإن طلب شيئا ويتخلى عن الطريق جاز دفعه ولم يجز القتال لما فيه من إتلاف المهج وذلك لا يلزم في أداء العبادات فإن الدين أسمح وأما بذل الجعل فلما فيه من دفع أعظم الضررين بأهونهما ولأن الحج مما ينفق فيه المال فيعد هذا من النفقة الحادية عشرة والعدو الحاصر لا يخلو أن يتيقن بقاؤه واستيطانه لقوته وكثرته أولا فإن كان الأؤل حل المحصر مكانه من ساعته وإن كان الثاني وهو مما يرجى زواله فهذا لا يكون محصورا حتى يبقى بينه وبين الحج مقدار ما يعلم أنه إن زال العدو لا يدرك فيه الحج فيحل حينئذ عند بن القاسم وبن الماجشون وقال أشهب : لا يحل من حصر عن الحج بعدو حتى يوم النحر ولا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة وجه قول بن القاسم : أن هذا وقت يأس من إكمال حجه لعدو غالب فجاز له أن يحل فيه أصل ذلك يوم عرفة ووجه قول أشهب أن عليه أن يأتي من حكم الإحرام بما يمكنه والتزامه له إلى يوم النحر الوقت الذي يجوز للحاج التحلل بما يمكنه الإتيان به فكان ذلك عليه قوله تعالى : ( فما استيسر من الهدي ) ما في موضع رفع أي فالواجب أو فعليكم ما استيسر ويحتمل أن يكون في موضع نصب أي فأنحروا أو فآهدوا وما استيسر عند جمهور أهل العلم شاة وقال بن عمر وعائشة وبن الزبير : ما استيسر جمل دون جمل وبقرة دون بقرة لا يكون من غيرهما وقال الحسن : أعلى الهدي بدنة وأوسطه بقرة وأخسه شاة وفي هذا دليل على ما ذهب إليه مالك من أن المحصر بعدو لا يجب عليه القضاء لقوله : فما استيسر من الهدي ولم يذكر قضاء والله أعلم الثانية عشرة قوله تعالى : ( من الهدي ) الهدي والهدي لغتان وهو ما يهدي إلى بيت الله من بدنة أو غيرها والعرب تقول : كم هدي بني فلان أي كم إبلهم وقال أبو بكر : سميت هديا لأن منها ما يهدى إلى بيت الله فسميت بما يلحق بعضها كما قال تعالى : فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب أراد فإن زنى الإماء فعلى الأمة منهن إذا زنت نصف ما على الحرة البكر إذأ زنت فذكر الله المحصنات وهو يريد الأبكار لأن الإحصان يكون في أكثرهن فسمين بأمر يوجد في بعضهن والمحصنة من الحرائر هي ذات الزوج يجب عليها الرجم إذا زنت والرجم لا يتبعض فيكون على الأمة نصفه فانكشف بهذا أن المحصنات يراد بهن الأبكار لا أولات الأزواج وقال الفراء : أهل الحجاز وبنو أسد يخففون الهدي قال : وتميم وسفلى قيس يثقلون فيقولون : هدي قال الشاعر : حلفت برب مكة والمصلى وأعناق الهدي مقلدات قال : وواحد الهدي هدية ويقال في جمع الهدي : أهداء قوله تعالى : ( ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ) فيه سبع مسائل الأولى قوله تعالى : ( ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ) الخطاب لجميع الأمة : محصر ومخلى : ومن العلماء من يراها للمحصرين خاصة أي لا تتحللوا من الإحرام حتى ينحر الهدي والمحل : الموضع الذي يحل فيه ذبحه فالمحل في حصر العدو عند مالك والشافعي : موضع الحصر اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية قال الله تعالى : والهدي معكوفا أن يبلغ محله الفتح قيل : محبوسا إذا كان محصرا ممنوعا من الوصول إلى البيت العتيق وعند أبي حنيفة محل الهدي في الإحصار : الحرم لقوله تعالى : : ثم محلها إلى البيت العتيق وأجيب عن هذا بأن المخاطب به الآمن الذي يجد الوصول إلى البيت فأما المحصر فخارج من قول الله تعالى : ثم محلها إلى البيت العتيق بدليل نحر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هديهم بالحديبية وليست من الحرم واحتجوا من السنة بحديث ناجية بن جندب صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أبعث معي الهدي فأنحره بالحرم قال : ( فكيف تصنع به ( قال : أخرجه في الأودية لا يقدرون عليه فأنطلق به حتى أنحره في الحرم وأجيب بأن هذا لا يصح وإنما ينحر حيث حل إقتداء بفعله عليه السلام بالحديبية وهو الصحيح الذي رواه الأئمة ولأن الهدي تابع للمهدي والمهدي حل بموضعه فالمهدى أيضا يحل معه الثانية واختلف العلماء على ما قررناه في المحصر هل له أن يحلق أو يحل بشئ من الحل قبل أن ينحر ما استيسر من الهدي فقال مالك : السنة الثابتة التي لا اختلاف فيها عندنا أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ من شعره حتى ينحر هديه قال الله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا حل المحصر قبل أن ينحر هديه فعليه دم ويعود حراما كما كان حتى ينحر هديه وإن أصاب صيدا قبل أن ينحر الهدي فعليه الجزاء وسواء في ذلك الموسر والمعسر لا يحل أبدا حتى ينحر أو ينحر عنه قالوا : وما أقل ما يهديه شاة لا عمياء ولا مقطوعة الأذنين وليس هذا عندهم موضع صيام قال أبو عمر : قول الكوفيين فيه ضعف وتناقض لأنهم لا يجيزون لمحصر بعدو ولا مرض أن يحل حتى ينحر هديه في الحرم وإذا أجازوا للمحصر بمرض أن يبعث بهدي ويواعد حامله يوما ينحره فيه فيحل ويحلق فقد أجازوا له أن يحل على غير يقين من نحر الهدي وبلوغه وحملوه على الإحلال بالظنون والعلماء متفقون على أنه لا يجوز لمن لزمه شيء من فرائضه أن يخرج منه بالظن والدليل على أن ذلك ظن قولهم : لو عطب ذلك الهدي أو ضل أو سرق فحل مرسله وأصاب النساء وصاد أنه يعود حراما وعليه جزاء ما صاد فأباحوا له فساد الحج وألزموه ما يلزم من لم يحل من إحرامه وهذا ما لا خفاء فيه من التناقض وضعف المذاهب وإنما بنوا مذهبهم هذا كله على قول بن مسعود ولم ينظروا في خلاف غيره له وقال الشافعي في المحصر إذا أعسر بالهدي : فيه قولان : لا يحل أبدا إلا بهدي والقول الآخر : أنه مأمور أن يأتي بما قدر عليه فإن لم يقدر على شيء كان عليه أن يأتي به إذا قدر عليه قال الشافعي : ومن قال هذا قال : يحل مكانه ويذبح إذا قدر فإن قدر على أن يكون الذبح بمكة لم يجزه أن يذبح إلا بها وإن لم يقدر ذبح حيث قدر قال ويقال : لا يجزيه إلا هدي ويقال : إذا لم يجد هديا كان عليه الإطعام أو الصيام وإن لم يجد واحدا من هذه الثلاثة أتى بواحد منها إذا قدر وقال في العبد : لا يجزيه إلا الصوم تقوم له الشاة دراهم ثم الدراهم طعاما ثم يصوم عن كل مد يوما الثالثة واختلفوا إذا نحر المحصر هديه هل له أن يحلق أو لا فقالت طائفة : ليس عليه أن يحلق رأسه لأنه قد ذهب عنه النسك واحتجوا بأنه لما سقط عنه بالإحصار جميع المناسك كالطواف والسعي وذلك مما يحل به المحرم من إحرامه سقط عنه سائر ما يحل به المحرم من أجل أنه محصر وممن احتج بهذا وقال به أبو حنيفة ومحمد بن الحسن قالا : ليس على المحصر تقصير ولا حلاق وقال أبو يوسف : يحلق المقصر فإن لم يحلق فلا شيء عليه وقد حكى بن أبي عمران عن بن سماعة عن أبي يوسف في نوادره أن عليه الحلاق والتقصير لا بد له منه واختلف قول الشافعي في هذه المسألة على قولين : أحدهما أن الحلاق للمحصر من النسك وهو قول مالك والآخر ليس من النسك كما قال أبو حنيفة والحجة لمالك أن الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة قد منع من ذلك كله المحصر وقد صد عنه فسقط عنه ما قد حيل بينه وبينه وأما الحلاق فلم يحل بينه وبينه وهو قادر على أن يفعله وما كان قادرا على أن يفعله فهو غير ساقط عنه ومما يدل على أن الحلاق باق على المحصر كما هو باق على من قد وصل إلى البيت سواء قوله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله وما رواه الائمة من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا وللمقصرين واحدة وهو الحجة القاطعة والنظر الصحيح في هذه المسألة وإلى هذا ذهب مالك وأصحابه والحلاق عندهم نسك على الحاج الذي قد أتم حجه وعلى من فاته الحج والمحصر بعدو والمحصر بمرض الرابعة روى الأئمة واللفظ لمالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( اللهم آرحم المحلقين ( قالوا : والمقصرين يا رسول الله قال : ( اللهم ارحم المحلقين ( قالوا : والمقصرين يا رسول الله قال : ( والمقصرين ( قال علماؤنا : ففي دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة دليل على أن الحلق في الحج والعمرة أفضل من التقصير وهو مقتضي قوله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم الآية ولم يقل تقصروا وأجمع أهل العلم على أن التقصير يجزئ عن الرجال إلا شيء ذكر عن الحسن أنه كان يوجب الحلق في أول حجة يحجها الإنسان الخامسة لم تدخل النساء في الحلق وأن سنتهن التقصير لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ليس على النساء حلق إنما عليهن التقصير ( خرجه أبو داؤد عن بن عباس وأجمع أهل العلم على القول به ورأت جماعة أن حلقها رأسها من المثلة واختلفوا في قدر ما تقصر من رأسها فكان بن عمر والشافعي وأحمد وإسحاق يقولون : تقصر من كل قرن مثل الأنملة وقال عطاء : قدر ثلاث أصابع مقبوضة وقال قتادة : تقصر الثلث أو الربع وفرقت حفصة بنت سيرين بين المرأة التي قعدت فتأخذ الربع وفي الشابة أشارت بأنملتها تأخذ وتقلل وقال مالك : تأخذ من جميع قرون رأسها وما أخذت من ذلك فهو يكفيها ولا يجزئ عنده أن تأخذ من بعض القرون وتبقى بعضا قال بن المنذر : يجزئ ما وقع عليه إسم تقصير وأحوط أن تأخذ من جميع القرون قدر أنملة السادسة لا يجوز لأحد أن يحلق رأسه حتى ينحر هديه وذلك أن سنة الذبح قبل الحلاق والأصل في ذلك قوله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ فنحر هديه ثم حلق بعد ذلك فمن خالف هذا فقدم الحلاق قبل النحر فلا يخلو أن يقدمه خطأ وجهلا أو عمدا وقصدا فإن كان الأول فلا شيء عليه رواه بن حبيب عن بن القاسم وهو المشهور من مذهب مالك وقال بن الماجشون : عليه الهدي وبه قال أبو حنيفة وإن كان الثاني فقد روى القاضي أبو الحسن أنه يجوز تقديم الحلق على النحر وبه قال الشافعي والظاهر من المذهب المنع والصحيح الجواز لحديث بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال : ( لا حرج ( رواه مسلم وخرج بن ماجه عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن ذبح قبل أن يحلق أو حلق قبل أن يذبح فقال : ( لا حرج ( السابعة لا خلاف أن حلق الرأس في الحج نسك مندوب إليه وفي غير الحج جائز خلافا لمن قال : إنه مثلة ولو كان مثلة ما جاز في الحج ولا غيره لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة وقد حلق رؤوس بني جعفر بعد أن أتاه قتله بثلاثة أيام ولو لم يجز الحلق ما حلقهم وكان علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) يحلق رأسه قال بن عبد البر : وقد أجمع العلماء على حبس الشعر وعلى إباحة الحلق وكفى بهذا حجة وبالله التوفيق قوله تعالى : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من راسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) فيه تسع مسائل : الاولى قوله تعالى : ( فمن كان منكم مريضا ) إستدل بعض علماء الشافعية بهذه الآية على أن المحصر في أول الآية العدو لا المرض وهذا لا يلزم فإن معنى قوله : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ) فحلق ففدية أي فعليه فدية وإذا كان هذا واردا في المرض بلا خلاف كان الظاهر أن أول الآية ورد فيمن ورد فيه وسطها وآخرها لإتساق الكلام بعضه على بعض وانتظام بعضه ببعض ورجوع الإضمار في آخر الآية إلى من خوطب في أولها فيجب حمل ذلك على ظاهره حتى يدل الدليل على العدول عنه ومما يدل على ما قلناه سبب نزول هذه الآية روى الأئمة واللفظ للدارقطني : عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه وقمله يتساقط على وجهه فقال : ( أيؤذيك هوامك ( قال نعم فأمره أن يحلق وهو بالحديبية ولم يبين لهم أنهم يحلون بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة فأنزل الله الفدية فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطعم فرقا بين ستة مساكين أو يهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام خرجه البخاري بهذا اللفظ أيضا فقوله : ولم يبين لهم أنهم يحلون بها يدل على أنهم ما كانوا على يقين من حصر العدو لهم فإذا الموجب للفدية الحلق للأذى والمرض والله أعلم الثانية قال الأوزاعي في المحرم يصيبه أذى في رأسه : إنه يجزيه أن يكفر بالفدية قبل الحلق قلت : فعلى هذا يكون المعنى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك إن أراد أن يحلق ومن قدر فحلق ففدية فلا يفتدي حتى يحلق والله أعلم الثالثة قال بن عبد البر : كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسرا فإنما ذكره بشاة وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء وأما الصوم والإطعام فاختلفوا فيه فجمهور فقهاء المسلمين على أن الصوم ثلاثة أيام وهو محفوظ صحيح في حديث كعب بن عجرة وجاء عن الحسن وعكرمة ونافع أنهم قالوا : الصوم في فدية الأذى عشرة أيام والإطعام عشرة مساكين ولم يقل أحد بهذا من فقهاء الأمصار ولا أئمة الحديث وقد جاء من رواية أبي الزبير عن مجاهد عن عبد الرحمن عن كعب بن عجرة أنه حدثه أنه كان أهل في ذي القعدة وأنه قمل رأسه فأتى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوقد تحت قدر له فقال له : ( كأنك يؤذيك هوام رأسك ( فقال أجل قال : ( أحلق واهد هديا ( فقال : ما أجد هديا قال : ( فأطعم ستة مساكين ( فقال : ما أجد قال : ( صم ثلاثة أيام ( قال أبو عمر : كان ظاهر هذا الحديث على الترتيب وليس كذلك ولو صح هذا كان معناه الإختيار أولا فأولا وعامة الآثار عن كعب بن عجرة وردت بلفظ التخيير وهو نص القرآن وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار وفتواهم وبالله التوفيق الرابعة اختلف العلماء في الإطعام في فدية الأذى فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم : الإطعام في ذلك مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول أبي ثور وداود وروى عن الثوري أنه قال في الفدية : من البر نصف صاع ومن التمر والشعير والزبيب صاع وروى عن أبي حنيفة أيضا مثله جعل نصف صاع بر عدل صاع تمر قال بن المنذر : وهذا غلط لأن في بعض أخبار كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : : أن تصدق بثلاثة أصوع من تمر على ستة مساكين ( وقال أحمد بن حنبل مرة كما قال مالك والشافعي ومرة قال : إن أطعم برا فمد لكل مسكين وإن أطعم تمرا فنصف صاع الخامسة ولا يجزى أن يغدي المساكين ويعشيهم في كفارة الأذى حتى يعطي كل مسكين مدين بمد النبي صلى الله عليه وسلم وبذلك قال مالك والثوري والشافعي ومحمد بن الحسن وقال أبو يوسف : يجزيه أن يغديهم ويعشيهم السادسة أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من حلق شعره وجزه وإتلافه بحلق أو نورة أو غير ذلك إلا في حالة العلة كما نص على ذلك القرآن وأجمعوا على وجوب الفدية على من حلق وهو محرم بغير علة واختلفوا فيما على من فعل ذلك أو لبس أو تطيب بغير عذر عامدا فقال مالك : بئس ما فعل وعليه الفدية وهو مخير فيها وسواء عنده العمد في ذلك والخطأ لضرورة وغير ضرورة وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما وأبو ثور ليس بمخير إلا في الضرورة لأن الله تعالى قال : فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فإذا حلق رأسه عامدا أو لبس عامدا لغير عذر فليس بمخير وعليه دم لا غير السابعة واختلفوا فيمن فعل ذلك ناسيا فقال مالك رحمه الله : العامد والناسي في ذلك سواء في وجوب الفدية وهو قول أبي حنيفة والثوري والليث وللشافعي في هذه المسألة قولان : أحدهما لا فدية عليه وهو قول داؤد وإسحاق والثاني عليه الفدية وأكثر العلماء يوجبون الفدية على المحرم بلبس المخيط وتغطية الرأس أو بعضه ولبس الخفين وتقليم الأظافر ومس الطيب وإماطة الأذى وكذلك إذا حلق شعر جسده أو أطلى أو حلق مواضع المحاجم والمرأة كالرجل في ذلك وعليها الفدية في الكحل وإن لم يكن فيه طيب وللرجل أن يكتحل بما لا طيب فيه وعلى المرأة الفدية إذا غطت وجهها أو لبست القفازين والعمد والسهو والجهل في ذلك سواء وبعضهم يجعل عليهما دما في كل شيء من ذلك وقال داؤد : لاشئ عليهما في حلق شعر الجسد الثامنة واختلف العلماء في موضع الفدية المذكورة فقال عطاء : ما كان من دم فبمكة وما كان من طعام أو صيام فحيث شاء وبنحو ذلك قال أصحاب الرأي وعن الحسن أن الدم بمكة وقال طاوس والشافعي : الإطعام والدم لا يكونان إلا بمكة والصوم حيث شاء لأن الصيام لا منفعة فيه لأهل الحرم وقد قال الله سبحانه هديا بالغ الكعبة رفقا لمساكين جيران بيته فالإطعام فيه منفعة بخلاف الصيام والله أعلم وقال مالك : يفعل ذلك أين شاء وهو الصحيح من القول وهو قول مجاهد والذبح هنا عند مالك نسك وليس بهدي لنص القرآن والسنة والنسك يكون حيث شاء والهدي لا يكون إلا بمكة ومن حجته أيضا ما رواه عن يحيى بن سعيد في موطئه وفيه : فأمر علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) برأسه يعني رأس حسين فحلق ثم نسك عنه بالسقيا فنحر عنه بعيرا قال مالك قال يحيى بن سعيد : وكان حسين خرج مع عثمان في سفره ذلك إلى مكة ففي هذا أوضح دليل على أن فدية الأذى جائز أن تكون بغير مكة وجائز عند مالك في الهدي إذا نحر في الحرم أن يعطاه غير أهل الحرم لأن البغية فيه إطعام مساكين المسلمين قال مالك : ولما جاز الصوم أن يؤتى به بغير الحرم جاز إطعام غير أهل الحرم ثم أن قوله تعالى : فمن كان منكم مريضا الآية أوضح الدلالة على ما قلناه فإنه تعالى لما قال : ففدية من صيام أو صدقة أو نسك لم يقل في موضع دون موضع فالظاهر أنه حيثما فعل أجزأه وقال : أو نسك فسمي ما يذبح نسكا وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك ولم يسمه هديا فلا يلزمنا أن نرده قياسا على الهدي ولا أن نعتبره بالهدي مع ما جاء في ذلك عن علي وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر كعبا بالفدية ما كان في الحرم فصح أن ذلك كله يكون خارج الحرم وقد روي عن الشافعي مثل هذا في وجه بعيد التاسعة قوله تعالى : ( أو نسك ) النسك : جمع نسيكة وهي الذبيحة ينسكها العبد لله تعالى ويجمع أيضا على نسائك والنسك : العبادة في الأصل ومنه قوله تعالى : وأرنا مناسكنا أي متعبداتنا وقيل : إن أصل النسك في اللغة الغسل ومنه نسك ثوبه إذا غسله فكأن العابد غسل نفسه من أدران الذنوب بالعبادة وقيل : النسك سبائك الفضة كل سبيكة منها نسيكة فكأن العابد خلص نفسه من دنس الآثام وسبكها قوله تعالى : ( فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) فيه ثلاث عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( فإذا أمنتم ) قيل : معناه برأتم من المرض وقيل : من خوفكم من العدو المحصر قاله بن عباس وقتادة وهو أشبه باللفظ إلا أن يتخيل الخوف من المرض فيكون الأمن منه كما تقدم والله أعلم الثانية قوله تعالى : ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ) الآية اختلف العلماء من المخاطب بهذا فقال عبد الله بن الزبير وعلقمة وإبراهيم : الآية في المحصرين دون المخلى سبيلهم وصورة المتمتع عند بن الزبير : أن يحصر الرجل حتى يفوته الحج ثم يصل إلى البيت فيحل بعمرة ثم يقضي الحج من قابل فهذا قد تمتع بما بين العمرة إلى حج القضاء وصورة المتمتع المحصر عند غيره : أن يحصر فيحل دون عمرة ويؤخرها حتى يأتي من قابل فيعتمر في أشهر الحج ويحج من عامه وقال بن عباس وجماعة : الآية في المحصرين وغيرهم ممن خلى سبيله الثالثة لا خلاف بين العلماء في أن التمتع جائز على ما يأتي تفصيله وأن الإفراد جائز وأن القرآن جائز لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي كلا ولم ينكره في حجته على أحد من أصحابه بل أجازه لهم ورضيه منهم صلى الله عليه وسلم وإنما اختلف العلماء فيما كان به رسول الله صلى الله عليه وسلم محرما في حجته وفي الأفضل من ذلك لإختلاف الآثار الواردة في ذلك فقال قائلون منهم مالك : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مفردا والإفراد أفضل من القرآن قال : والقرآن أفضل من التمتع وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل ( قالت عائشة : فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج وأهل به ناس معه وأهل ناس بالعمرة والحج وأهل ناس بعمرة وكنت فيمن أهل بالعمرة رواه جماعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وقال بعضهم فيه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وأما أنا فأهل بالحج ( وهذا نص في موضع الخلاف وهو حجة من قال بالإفراد وفضله وحكى محمد بن الحسن عن مالك أنه قال : إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان مختلفان وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين وتركا الآخر كان في ذلك دلالة على أن الحق فيما عملا به واستحب أبو ثور الإفراد أيضا وفضله على التمتع والقرآن وهو أحد قولي الشافعي في المشهور عنه واستحب آخرون التمتع بالعمرة إلى الحج قالوا : وذلك أفضل وهو مذهب عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وبه قال أحمد بن حنبل وهو أحد قولي الشافعي قال الدارقطني قال الشافعي : اخترت الإفراد والتمتع حسن لا نكرهه احتج من فضل التمتع بما رواه مسلم عن عمران بن حصين قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله يعني متعة الحج وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج ولم ينه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات قال رجل برأيه بعد ما شاء وروى الترمذي حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس عن بن شهاب عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج فقال الضحاك بن قيس : لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله تعالى فقال سعد : بئس ما قلت يا بن أخي فقال الضحاك : فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك فقال سعد : قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه هذا حديث صحيح وروى بن إسحاق عن الزهري عن سالم قال : إني لجالس مع بن عمر في المسجد إذ جاءه رجل من أهل الشام فسأله عن التمتع بالعمرة إلى الحج فقال بن عمر : حسن جميل قال : فإن أباك كان ينهى عنها فقال : ويلك فإن كان أبي نهى عنها وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر به أفبقول أبي آخذ أم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قم عني أخرجه الدارقطني وأخرجه أبو عيسى الترمذي من حديث صالح بن كيسان عن بن شهاب عن سالم وروي عن ليث عن طاوس عن بن عباس قال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وأول من نهى عنها معاوية حديث حسن قال أبو عمر : حديث ليث هذا حديث منكر وهو ليث بن أبي سليم ضعيف والمشهور عن عمر وعثمان أنهما كانا ينهيان عن التمتع وإن كان جماعة من أهل العلم قد زعموا أن المتعة التي نهى عنها عمر وضرب عليها فسخ الحج في العمرة فأما التمتع بالعمرة إلى الحج فلا وزعم من صحح نهى عمر عن التمتع أنه إنما نهى عنه لينتجع البيت مرتين أو أكثر في العام حتى تكثر عمارته بكثرة الزوار له في غير الموسم وأراد إدخال الرفق على أهل الحرم بدخول الناس تحقيقا لدعوة إبراهيم : فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وقال آخرون : إنما نهى عنها لأنه رأى الناس مالوا إلى التمتع ليسارته وخفته فخشي أن يضيع الإفراد والقرآن وهما سنتان للنبي صلى الله عليه وسلم واحتج أحمد في اختياره التمتع بقوله صلى الله عليه وسلم : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ( أخرجه الأئمة وقال آخرون : القرآن أفضل منهم أبو حنيفة والثوري وبه قال المزني قال : لأنه يكون مؤديا للفرضين جميعا وهو قول إسحاق قال إسحاق : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قارنا وهو قول علي بن أبي طالب واحتج من استحب القرآن وفضله بما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول : ( أتاني الليلة آت من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة ( وروى الترمذي عن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لبيك بعمرة وحجة ( وقال : حديث حسن صحيح قال أبو عمر : والإفراد إن شاء الله أفضل لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مفردا فلذلك قلنا إنه أفضل لأن الآثار أصح عنه في إفراده صلى الله عليه وسلم ولأن الإفراد أكثر عملا ثم العمرة عمل آخر وذلك كله طاعة والأكثر منها أفضل وقال أبو جعفر النحاس : المفرد أكثر تعبا من المتمتع لإقامته على الإحرام وذلك أعظم لثوابه والوجه في اتفاق الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمرنا بالتمتع والقرآن جاز أن يقال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرن كما قال جل وعز : ونادى فرعون في قومه وقال عمر بن الخطاب : رجمنا ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أمر بالرجم قلت : الأظهر في حجته عليه السلام القران وأنه كان قارنا لحديث عمر وأنس المذكورين وفي صحيح مسلم عن بكر عن أنس قال : ( سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة معا ( قال بكر : فحدثت بذلك بن عمر فقال : لبي بالحج وحده فلقيت أنسا فحدثته بقول بن عمر فقال أنس : ما تعدوننا إلا صبيانا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لبيك عمرة وحجا ( وفي صحيح مسلم أيضا عن بن عباس قال : أهل النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة وأهل أصحابه بحج فلم يحل النبي صلى الله عليه وسلم ولا من ساق الهدي من أصحابه وحل بقيتهم قال بعض أهل العلم : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قارنا وإذا كان قارنا فقد حج وأعتمر واتفقت الأحاديث وقال النحاس : ومن أحسن ما قيل في هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بعمرة فقال من رآه : تمتع ثم أهل بحجة فقال من رآه : أفرد ثم قال : ( لبيك بحجة وعمرة ( فقال من سمعه : قرن فاتفقت الأحاديث والدليل على هذا أنه لم يرو أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أفردت الحج ولا تمتعت وصح عنه أنه قال : ( قرنت ( كما رواه النسائي عن علي أنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي ( كيف صنعت ( قلت : أهللت بإهلالك قال : فإني سقت الهدي وقرنت ( قال وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه : ( لو استقبلت من أمري كما استدبرت لفعلت كما فعلتم ولكني سقت الهدي وقرنت ( وثبت عن حفصة قالت قلت : يا رسول الله ما بال الناس قد حلوا من عمرتهم ولم تحلل أنت قال : ( إني لبدت رأسي وسقت هديي فلا أحل حتى أنحر ( وهذا يبين أنه كان قارنا لأنه لو كان متمتعا أو مفردا لم يمتنع من نحر الهدي قلت : ما ذكره النحاس أنه لم يرو أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أفردت الحج ( فقد تقدم من رواية عائشة أنه قال : ( وأما أنا فأهل بالحج ( وهذا معناه : فأنا أفرد الحج إلا أنه يحتمل أن يكون قد أحرم بالعمرة ثم قال : فأنا أهل بالحج ومما يبين هذا ما رواه مسلم عن بن عمر وفيه : وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فلم يبق في قوله : ( فأنا أهل بالحج ( دليل على الإفراد وبقى قوله عليه السلام : ( فإني قرنت ( وقول أنس خادمه أنه سمعه يقول : ( لبيك بحجة وعمرة معا ( نص صريح في القران لا يحتمل التأويل وروى الدارقطني عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال : إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة لأنه علم أنه ليس بحاج بعدها الرابعة وإذأ مضى القول في الإفراد والتمتع والقران وأن كل ذلك جائز بإجماع فالتمتع بالعمرة إلى الحج عند العلماء على أربعة أوجه منها وجه واحد مجتمع عليه والثلاثة مختلف فيها فاما الوجه المجتمع عليه فهو التمتع المراد بقول الله جل وعز : فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي وذلك أن يحرم الرجل بعمرة في أشهر الحج على ما يأتي بيانها وأن يكون من أهل الآفاق وقدم مكة ففرغ منها ثم أقام حلالا بمكة إلى أن أنشأ الحج منها في عامه ذلك قبل رجوعه إلى بلده أو قبل خروجه إلى ميقات أهل ناحيته فإذا فعل ذلك كان متمتعا وعليه ما أوجب الله على المتمتع وذلك ما استيسر من الهدي يذبحه ويعطيه للمساكين بمنى أو بمكة فإن لم يجد صام ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى بلده على ما يأتي وليس له صيام يوم النحر بإجماع من المسلمين واختلف في صيام أيام التشريق على ما يأتي فهذا إجماع من أهل العلم قديما وحديثا في المتعة ورابطها ثمانية شروط : الأول أن يجمع بين الحج والعمرة الثاني في سفر واحد الثالث في عام واحد الرابع في أشهر الحج الخامس تقديم العمرة السادس ألا يمزجها بل يكون إحرام الحج بعد الفراغ من العمرة السابع أن تكون العمرة والحج عن شخص واحد الثامن أن يكون من غير أهل مكة وتأمل هذه الشروط فيما وصفنا من حكم التمتع تجدها والوجه الثاني من وجوه التمتع بالعمرة إلى الحج : القران وهو أن يجمع بينهما في إحرام واحد فيهل بهما جميعا في أشهر الحج أو غيرهما يقول : لبيك بحجة وعمرة معا فإذا قدم مكة طاف لحجته وعمرته طوافا واحدا وسعى سعيا واحدا عند من رأى ذلك وهم مالك والشافعي وأصحابهما وإسحاق وأبو ثور وهو مذهب عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وعطاء بن أبي رباح والحسن ومجاهد وطاوس لحديث عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فأهللنا بعمرة الحديث وفيه : وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا أخرجه البخاري وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة يوم النفر ولم تكن طافت بالبيت وحاضت : ( يسعك طوافك لحجك وعمرتك ( في رواية ( يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك ( أخرجه مسلم أو طاف طوافين وسعى سعيين عند من رأى ذلك وهو أبو حنيفة وأصحابه والثوري وألاوزاعي والحسن بن صالح وبن أبي ليلى وروي عن علي وبن مسعود وبه قال الشعبي وجابر بن زيد واحتجوا بأحاديث عن علي عليه السلام أنه جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل أخرجهما الدارقطني في سننه وضعفها كلها وإنما جعل القران من باب التمتع لأن القارن يتمتع بترك النصب في السفر إلى العمرة مرة وإلى الحج أخرى ويتمتع بجمعهما ولم يحرم لكل واحد من ميقاته وضم الحج إلى العمرة فدخل تحت قول الله عز وجل : فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي وهذا وجه من التمتع لا خلاف بين العلماء في جوازه وأهل المدينة لا يجيزون الجمع بين العمرة والحج إلا بسياق الهدي وهو عندهم بدنة لا يجوز دونها ومما يدل على أن القران تمتع قول بن عمر : إنما جعل القرآن لأهل الآفاق وتلا قول الله جل وعز ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام فمن كان من حاضري المسجد الحرام وتمتع أو قرن لم يكن عليه دم قران ولا تمتع قال مالك : وما سمعت أن مكيا قرن فإن فعل لم يكن عليه هدي ولا صيام وعلى قول مالك جمهور الفقهاء في ذلك وقال عبد الملك بن الماجشون : إذا قرن المكي الحج مع العمرة كان عليه دم القران من أجل أن الله إنما أسقط عن أهل مكة الدم والصيام في التمتع والوجه الثالث من التمتع : هو الذي توعد عليه عمر بن الخطاب وقال : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما : متعة النساء ومتعة الحج وقد تنازع العلماء في جواز هذا بعد هلم جرا وذلك أن يحرم الرجل بالحج حتى إذا دخل مكة فسخ حجه في عمرة ثم حل وأقام حلالا حتى يهل بالحج يوم الترويه فهذا هو الوجه الذي تواردت به الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أنه أمر أصحابه في حجته من لم يكن معه هدي ولم يسقه وقد كان أحرم بالحج أن يجعلها عمرة وقد أجمع العلماء على تصحيح الآثار بذلك عنه صلى الله عليه وسلم ولم يدفعوا شيئا منها إلا أنهم أختلفوا في القول بها والعمل لعلل فجمهورهم على ترك العمل بها لأنها عندهم خصوص خص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في حجته تلك قال أبو ذر : كانت المتعة لنا في الحج خاصة أخرجه مسلم وفي رواية عنه أنه قال : لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة يعني متعة النساء ومتعة الحج والعلة في الخصوصية ووجه الفائدة فيها ما قاله بن عباس ( رضي الله عنه ) قال : كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفرا ويقولون : إذا برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم فقالوا : يا رسول الله أي الحل قال : ( الحل كله ( أخرجه مسلم وفي المسند الصحيح لأبي حاتم عن بن عباس قال : والله ما اعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك فإن هذا الحي من قريش ومن دان دينهم كانوا يقولون : إذا عفا الوبر وبرأ الدبر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر فقد كانوا يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة فما أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة إلا لينقض ذلك من قولهم ففي هذا دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما فسخ الحج في العمرة ليريهم أن العمرة في أشهر الحج لا بأس بها وكان ذلك له ولمن معه خاصة لأن الله عز وجل قد أمر بإتمام الحج والعمرة كل من دخل فيها أمرا مطلقا ولا يجب أن يخالف ظاهر كتاب الله إلا إلى ما لا إشكال فيه من كتاب ناسخ أو سنة مبينة واحتجوا بما ذكرناه عن أبي ذر وبحديث الحارث بن بلال عن أبيه قال قلنا : يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة قال : ( بل لنا خاصة ( وعلى هذا جماعة فقهاء الحجاز والعراق والشام إلا شيء يروى عن بن عباس والحسن والسدي وبه قال أحمد بن حنبل قال أحمد : لا أرد تلك الآثار الواردة المتواترة الصحاح في فسخ الحج في العمرة بحديث الحارث بن بلال عن أبيه وبقول أبي ذر قال : ولم يجمعوا على ما قال أبو ذر ولو أجمعوا كان حجة قال : وقد خالف بن عباس أبا ذر ولم يجعله خصوصا واحتج أحمد بالحديث الصحيح حديث جابر الطويل في الحج وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة ( فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال : يا رسول الله ألعامنا هذا أم لابد فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى وقال : ( دخلت العمرة في الحج مرتين لا بل لأبد أبد ( لفظ مسلم وإلى هذا والله أعلم مال البخاري حيث ترجم باب من لبى بالحج وسماه وساق حديث جابر بن عبد الله : قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقول : لبيك بالحج فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلناها عمرة وقال قوم : إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإحلال كان على وجه آخر وذكر مجاهد ذلك الوجه وهو أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا فرضوا الحج أولا بل أمرهم أن يهلوا مطلقا وينتظروا ما يؤمرون به وكذلك أهل علي باليمن وكذلك كان إحرام النبي صلى الله عليه وسلم ويدل عليه قوله عليه السلام : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي وجعلتها عمرة ( فكأنه خرج ينتظر ما يؤمر به ويأمر أصحابه بذلك ويدل على ذلك قوله عليه السلام : ( أتاني آت من ربي في هذا الوادي المبارك وقال قل حجة في عمرة والوجه الرابع من المتعة : متعة المحصر ومن صد عن البيت ذكر يعقوب بن شيبة قال حدثنا أبو سلمة التبوذكي حدثنا وهيب حدثنا إسحاق بن سويد قال سمعت عبد الله بن الزبير وهو يخطب يقول : أيها الناس إنه والله ليس التمتع بالعمرة إلى الحج كما تصنعون ولكن التمتع أن يخرج الرجل حاجا فيحبسه عدو أو أمر يعذر به حتى تذهب أيام الحج فيأتي البيت فيطوف ويسعى بين الصفا والمروة ثم يتمتع بحله إلى العام المستقبل ثم يحج ويهدي وقد مضى القول في حكم المحصر وما للعلماء في ذلك مبينا والحمد لله فكان من مذهبه أن المحصر لا يحل ولكنه يبقى على إحرامه حتى يذبح عنه الهدي يوم النحر ثم يحلق ويبقى على إحرامه حتى يقدم مكة فيتحلل من حجة بعمل عمرة والذي ذكره بن الزبير خلاف عموم قوله تعالى : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي بعد قوله : وأتموا الحج والعمرة لله ولم يفصل في حكم الإحصار بين الحج والعمرة والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين أحصروا بالحديبية حلوا وحل وأمرهم بالإحلال واختلف العلماء أيضا لم سمي المتمتع متمتعا فقال بن القاسم : لانه تمتع بكل ما لا يجوز للمحرم فعله من وقت حله في العمرة إلى وقت إنشائه الحج وقال غيره : سمي متمتعا لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين وذلك أن حق العمرة أن تقصد بسفر وحق الحج كذلك فلما تمتع بإسقاط أحدهما ألزمه الله هديا كالقارن الذي يجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد والوجه الأول أعم فإنه يتمتع بكل ما يجوز للحلال أن يفعله وسقط عنه السفر بحجه من بلده وسقط عنه الإحرام من ميقاته في الحج وهذا هو الوجه الذي كرهه عمر وبن مسعود وقالا أو قال احدهما : يأتي أحدكم منى وذكره يقطر منيا وقد أجمع المسلمون على جواز هذا وقد قال جماعة من العلماء : إنما كرهه عمر لأنه أحب أن يزار البيت في العام مرتين : مرة في الحج ومرة في العمرة ورأى الإفراد أفضل فكان يأمر به ويميل إليه وينهى عن غيره استحبابا ولذلك قال : افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإنه أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج الخامسة اختلف العلماء فيمن إعتمر في أشهر الحج ثم رجع إلى بلده ومنزله ثم حج من عامه فقال الجمهور من العلماء : ليس بمتمتع ولا هدي عليه ولا صيام وقال الحسن البصري : هو متمتع وإن رجع إلى أهله حج أو لم يحج قال لأنه كان يقال : عمرة في أشهر الحج متعة رواه هشيم عن يونس عن الحسن وقد روى عن يونس عن الحسن : ليس عليه هدي والصحيح القول الأول هكذا ذكر أبو عمر حج أو لم يحج ولم يذكره بن المنذر قال بن المنذر : وحجته ظاهر الكتاب قوله عز وجل : فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ولم يستثن : راجعا إلى أهله وغير راجع ولو كان لله جل ثناؤه في ذلك مراد لبينه في كتابه أو على لسان رسوله الله صلى الله عليه وسلم وقد روى عن سعيد بن المسيب مثل قول الحسن قال أبو عمر : وقد روى عن الحسن أيضا في هذا الباب قول لم يتابع عليه أيضا ولا ذهب إليه أحد من أهل العلم وذلك أنه قال : من إعتمر بعد يوم النحر فهي متعة وقد روى عن طاوس قولان هما أشد شذوذا مما ذكرنا عن الحسن أحدهما : أن من اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام حتى دخل وقت الحج ثم حج من عامه أنه متمتع هذا لم يقل به أحد من العلماء غيره ولا ذهب إليه أحد من فقهاء الأمصار وذلك والله أعلم أن شهور الحج أحق بالحج من العمرة لأن العمرة جائزة في السنة كلها والحج إنما موضعه شهور معلومة فإذا جعل أحد العمرة في أشهر الحج فقد جعلها في موضع كان الحج أولى به إلا أن الله تعالى قد رخص في كتابه وعلى لسان رسوله الله صلى الله عليه وسلم في عمل العمرة في أشهر الحج للمتمتع وللقارن ولمن شاء أن يفردها رحمة منه وجعل فيه ما استيسر من الهدي والوجه الآخر قاله في المكي إذا تمتع من مصر من الأمصار فعليه الهدي وهذا لم يعرج عليه لظاهر قوله تعالى : ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام والتمتع الجائز عند جماعة العلماء ما أوضحناه بالشرائط التي ذكرناها وبالله توفيقنا السادسة أجمع العلماء على أن رجلا من غير أهل مكة لو قدم مكة معتمرا في أشهر الحج عازما على الإقامة بها ثم أنشأ الحج من عامه فحج أنه متمتع عليه ما على المتمتع وأجمعوا في المكي يجئ من وراء الميقات محرما بعمرة ثم ينشئ الحج من مكة وأهله بمكة ولم يسكن سواها أنه لا دم عليه وكذلك إذا سكن غيرها وسكنها وكان له فيها أهل وفي غيرها وأجمعوا على أنه إن انتقل من مكة بأهله ثم قدمها في أشهر الحج معتمرا فأقام بها حتى حج من عامه أنه متمتع السابعة واتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والثوري وأبو ثور على أن المتمتع يطوف لعمرته بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة وعليه بعد أيضا طواف آخر لحجه وسعى بين الصفا والمروة وروى عن عطاء وطاوس أنه يكفيه سعي واحد بين الصفا والمروة والأول المشهور وهو الذي عليه الجمهور وأما طواف القارن فقد تقدم الثامنة واختلفوا فيمن أنشأ عمرة في غير أشهر الحج ثم عمل لها في أشهر الحج فقال مالك : عمرته في الشهر الذي حل فيه يريد إن كان حل منها في غير أشهر الحج فليس بمتمتع وإن كان حل منها في أشهر الحج فهو متمتع إن حج من عامه وقال الشافعي : إذا طاف بالبيت في الأشهر الحرم للعمرة فهو متمتع إن حج من عامه وذلك أن العمرة إنما تكمل بالطواف بالبيت وإنما ينظر إلى كمالها وهو قول الحسن البصري والحكم بن عيينة وبن شبرمة وسفيان الثوري وقال قتادة وأحمد وإسحاق : عمرته للشهر الذي أهل فيه وروى معنى ذلك عن جابر بن عبد الله وقال طاوس : عمرته للشهر الذي يدخل فيه الحرم وقال أصحاب الرأي : إن طاف لها ثلاثة أشواط في رمضان وأربعة أشواط في شوال فحج من عامه أنه متمتع وإن طاف في رمضان أربعة أشواط وفي شوال ثلاثة أشواط لم يكن متمتعا وقال أبو ثور : إذا دخل في العمرة في غير أشهر الحج فسواء أطاف لها في رمضان أو في شوال لا يكون بهذه العمرة متمتعا وهو معنى قول أحمد وإسحاق : عمرته للشهر الذي أهل فيه التاسعة أجمع أهل العلم على أن لمن أهل بعمرة في أشهر الحج أن يدخل عليها الحج ما لم يفتتح الطواف بالبيت ويكون قارنا بذلك يلزمه ما يلزم القارن الذي أنشأ الحج والعمرة معا واختلفوا في إدخال الحج على العمرة بعد أن أفتتح الطواف فقال مالك : يلزمه ذلك ويصير قارنا ما لم يتم طوافه وروى مثله عن أبي حنيفة والمشهور عنه أنه لا يجوز إلا قبل الأخذ في الطواف وقد قيل : له أن يدخل الحج على العمرة ما لم يركع ركعتي الطواف وكل ذلك قول مالك وأصحابه فإذا طاف المعتمر شوطا واحدا لعمرته ثم أحرم بالحج صار قارنا وسقط عنه باقي عمرته ولزمه دم القران وكذلك من أحرم بالحج في أضعاف طوافه أو بعد فراغه منه قبل ركوعه وقال بعضهم : له أن يدخل الحج على العمرة ما لم يكمل السعي بين الصفا والمروة قال أبو عمر : وهذا كله شذوذ عند أهل العلم وقال أشهب : إذا طاف لعمرته شوطا واحدا لم يلزمه الإحرام به ولم يكن قارنا ومضى على عمرته حتى يتمها ثم يحرم بالحج وهذا قول الشافعي وعطاء وبه قال أبو ثور العاشرة واختلفوا في إدخال العمرة على الحج فقال مالك وأبو ثور وإسحاق : لا تدخل العمرة على الحج ومن أضاف العمرة إلى الحج فليست العمرة بشئ قاله مالك وهو أحد قولي الشافعي وهو المشهور عنه بمصر وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي في القديم : يصير قارنا ويكون عليه ما على القارن ما لم يطف لحجته شوطا واحدا فإن طاف لم يلزمه لأنه قد عمل في الحج قال بن المنذر : وبقول مالك أقول في هذه المسألة الحادية عشرة قال مالك : من أهدى هديا للعمرة وهو متمتع لم يجزه ذلك وعليه هدي آخر لمتعته لأنه إنما يصير متمتعا إذا أنشأ الحج بعد أن حل من عمرته وحينئذ يجب عليه الهدي وقال أبو حنيفة وأبو ثور وإسحاق : لا ينحر هديه إلا يوم النحر وقال أحمد : إن قدم المتمتع قبل العشر طاف وسعى ونحر هديه وإن قدم في العشر لم ينحر إلا يوم النحر وقاله عطاء وقال الشافعي : يحل من عمرته إذا طاف وسعى ساق هديا أو لم يسقه الثانية عشرة واختلف مالك والشافعي في المتمتع يموت فقال الشافعي : إذا أحرم بالحج وجب عليه دم المتعة إذا كان واجدا لذلك حكاه الزعفراني عنه وروى بن وهب عن مالك أنه سئل عن المتمتع يموت بعد مايحرم بالحج بعرفة أو غيرها أترى عليه هديا قال : من مات من أولئك قبل أن يرمى جمرة العقبة فلا أرى عليه هديا ومن رمى الجمرة ثم مات فعليه الهدي قيل له : من رأس المال أو من الثلث قال : بل من رأس المال الثالثة عشرة قوله تعالى : ( فما استيسر من الهدي ) قد تقدم الكلام فيه قوله تعالى : ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله وأعلموا أن الله شديد العقاب ) فيه عشر مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فمن لم يجد ) يعني الهدي إما لعدم المال أو لعدم الحيوان صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده والثلاثة الأيام في الحج آخرها يوم عرفة هذا قول طاوس وروى عن الشعبي وعطاء ومجاهد والحسن البصري والنخعي وسعيد بن جبير وعلقمة وعمرو بن دينار وأصحاب الرأى حكاه بن المنذر وحكى أبو ثور عن أبي حنيفة يصومها في إحرامه بالعمرة لأنه أحد إحرامي التمتع فجاز صوم الأيام فيه كإحرامه بالحج وقال أبو حنيفة أيضا وأصحابه : يصوم قبل يوم التروية يوما ويوم التروية ويوم عرفة وقال بن عباس ومالك بن أنس : له أن يصومها منذ يحرم بالحج إلى يوم النحر لأن الله تعالى قال : فصيام ثلاثة أيام في الحج فإذا صامها في العمرة فقد أتاه قبل وقته فلم يجزه وقال الشافعي وأحمد بن حنبل : يصومهن ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة وهو قول بن عمر وعائشة وروى هذا عن مالك وهو مقتضى قوله في موطئه ليكون يوم عرفة مفطرا فذلك أتبع للسنة وأقوى على العبادة وسيأتي وعن أحمد أيضا : جائز أن يصوم الثلاثة قبل أن يحرم وقال الثوري والأوزاعي : يصومهن من أول أيام العشر وبه قال عطاء وقال عروة : يصومها ما دام بمكة في أيام منى وقاله أيضا مالك وجماعة من أهل المدينة وأيام منى هي أيام التشريق الثلاثة التي تلي يوم النحر روى مالك في الموطأ عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تقول : الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج لمن لم يجد هديا ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة فإن لم يصم صام أيام منى وهذا اللفظ يقتضي صحة الصوم من وقت يحرم بالحج المتمتع إلى يوم عرفة وأن ذلك مبدأ إما لأنه وقت الأداء وما بعد ذلك من أيام منى وقت القضاء على ما يقوله أصحاب الشافعي وإما لأن في تقديم الصيام قبل يوم النحر إبراء للذمة وذلك مأمور به والأظهر من المذهب أنها على وجه الأداء وإن كان الصوم قبلها أفضل كوقت الصلاة الذي فيه سعة للأداء وإن كان أوله أفضل من آخره وهذا هو الصحيح وأنها أداء لا قضاء فإن قوله : أيام في الحج يحتمل أن يريد موضع الحج ويحتمل أن يريد أيام الحج فإن كان المراد أيام الحج فهذا القول صحيح لأن آخر أيام الحج يوم النحر ويحتمل أن يكون آخر أيام الحج أيام الرمي لأن الرمي عمل من عمل الحج خالصا وإن لم يكن من أركانه وإن كان المراد موضع الحج صامه ما دام بمكة في أيام منى كما قال عروة ويقوى جدا وقد قال قوم : له أن يؤخرها ابتداء إلى أيام التشريق لأنه لا يجب عليه الصيام إلا بألا يجد الهدي يوم النحر فإن قيل وهي : الثانية فقد ذهب جماعة من أهل المدينة والشافعي في الجديد وعليه أكثر أصحابه إلى أنه لا يجوز صوم أيام التشريق لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام أيام منى قيل له : إن ثبت النهي فهو عام يخصص منه المتمتع بما ثبت في البخاري أن عائشة كانت تصومها وعن بن عمر وعائشة قالا : لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي وقال الدارقطني : إسناده صحيح ورواه مرفوعا عن بن عمر وعائشة من طرق ثلاثة ضعفها وإنما رخص في صومها لأنه لم يبق من أيامه إلا بمقدارها وبذلك يتحقق وجوب الصوم لعدم الهدي قال بن المنذر : وقد روينا عن علي بن أبي طالب أنه قال : إذا فاته الصوم صام بعد أيام التشريق وقاله الحسن وعطاء قال بن المنذر : وكذلك نقول وقالت طائفة : إذا فاته الصوم في العشر لم يجزه إلا الهدي روى ذلك عن بن عباس وسعيد بن جبير وطاوس ومجاهد وحكاه أبو عمر عن أبي حنيفة وأصحابه عنه فتأمله الثالثة أجمع العلماء على أن الصوم لا سبيل للمتمتع إليه إذا كان يجد الهدي واختلفوا فيه إذا كان غير واحد للهدي فصام ثم وجد الهدي قبل إكمال صومه فذكر بن وهب عن مالك قال : إذا دخل في الصوم ثم وجد هديا فأحب إلى أن يهدي فإن لم يفعل أجزاه الصيام وقال الشافعي : يمضي في صومه وهو فرضه وكذلك قال أبو ثور وهو قول الحسن وقتادة واختاره بن المنذر وقال أبو حنيفة : إذا أيسر في اليوم الثالث من صومه بطل الصوم ووجب عليه الهدي وإن صام ثلاثة أيام في الحج ثم أيسر كان له أن يصوم السبعة الأيام لا يرجع إلى الهدي وبه قال الثوري وبن أبي نجيح وحماد الرابعة قوله تعالى : ( وسبعة ) قراءة الجمهور بالخفض على العطف وقرأ زيد بن علي وسبعة بالنصب على معنى : وصوموا سبعة الخامسة قوله تعالى : ( إذا رجعتم ) يعني إلى بلادكم قاله بن عمر وقتادة والربيع ومجاهد وعطاء وقاله مالك في كتاب محمد وبه قال الشافعي قال قتادة والربيع : هذه رخصة من الله تعالى فلا يجب على أحد صوم السبعة إلا إذا وصل وطنه إلا أن يتشدد أحد كما يفعل من يصوم في السفر في رمضان وقال أحمد وإسحاق : يجزيه الصوم في الطريق وروى عن مجاهد وعطاء قال مجاهد : إن شاء صامها في الطريق إنما هي رخصة وكذلك قال عكرمة والحسن والتقدير عند بعض أهل اللغة : إذا رجعتم من الحج أي إذا رجعتم إلى ما كنتم عليه قبل الإحرام من الحل وقال مالك في الكتاب : إذا رجع من منى فلا بأس أن يصوم وقال بن العربي : إن كان تخفيفا ورخصة فيجوز تقديم الرخص وترك الرفق فيها إلى العزيمة إجماعا وإن كان ذلك توقيتا فليس فيه نص ولا ظاهر أنه أراد البلاد وأنها المراد في الأغلب قلت : بل فيه ظاهر يقرب إلى النص يبينه ما رواه مسلم عن بن عمر قال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ومنهم من لم يهد فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس : ( من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ( الحديث وهذا كالنص في أنه لا يجوز صوم السبعة الأيام إلا في أهله وبلده والله أعلم وكذا قال البخاري في حديث بن عباس : ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجنا وعلينا الهدي كما قال الله تعالى : فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم الحديث وسيأتي قال النحاس : وكان هذا إجماعا السادسة قوله تعالى : ( تلك عشرة كاملة ) يقال : كمل يكمل مثل نصر ينصر وكمل يكمل مثل عظم يعظم وكمل يكمل مثل حمد يحمد ثلاث لغات واختلفوا في معنى قوله : ( تلك عشرة ) وقد علم أنها عشرة فقال الزجاج : لما جاز أن يتوهم متوهم التخيير بين ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجع بدلا منها لأنه لم يقل وسبعة أخرى أزيل ذلك بالجملة من قوله تلك عشرة ثم قال : كاملة وقال الحسن : كاملة في الثواب كمن أهدى وقيل : كاملة في البدل عن الهدي يعني العشرة كلها بدل عن الهدي وقيل : كاملة في الثواب كمن لم يتمتع وقيل : لفظها لفظ الإخبار ومعناها الأمر أي أكملوها فذلك فرضها وقال المبرد : عشرة دلالة على انقضاء العدد لئلا يتوهم متوهم أنه قد بقى منه شيء بعد ذكر السبعة وقيل : هو توكيد كما تقول : كتبت بيدي ومنه قول الشاعر : ثلاث واثنتان فهن خمس وسادسة تميل إلى شمامي فقوله خمس تأكيد ومثله قول الآخر : ثلاث بالغداة فذاك حسي وست حين يدركني العشاء فذلك تسعة في اليوم ريي وشرب المرء فوق الري داء وقوله : كاملة تأكيد آخر فيه زيادة توصية بصيامها والأ ينقص من عددها كما تقول لمن تأمره بأمر ذي بال : الله الله لا تقصر السابعة قوله تعالى : ( ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ) أي إنما يجب دم التمتع عن الغريب الذي ليس من حاضري المسجد الحرام خرج البخاري عن بن عباس أنه سئل عن متعة الحج فقال : أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي : ( طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب وقال : ( من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله ( ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد تم حجنا وعلينا الهدي كما قال الله تعالى : فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ) إلى أمصاركم الشاة تجزى فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأباحه للناس غير أهل مكة قال الله عز وجل : ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام وأشهر الحج التي ذكر الله عز وجل شوال وذو القعدة وذو الحجة فمن تمتع في هذه الأشهر فعليه دم أو صوم والرفث : الجماع والفسوق : المعاصي والجدال : المراء الثامنة اللام في قوله لمن بمعنى على أي وجوب الدم على من لم يكن من أهل مكة كقوله عليه السلام : ( اشترطي لهم الولاء ( وقوله تعالى : ؤإن أسأتم فلها أي فعليها وذلك إشارة إلى التمتع والقران للغريب عند أبي حنيفة وأصحابه لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام عندهم ومن فعل ذلك كان عليه دم جناية لا يأكل منه لأنه ليس بدم تمتع وقال الشافعي : لهم دم تمتع وقران والإشارة ترجع إلى الهدي والصيام فلا هدي ولا صيام عليهم وفرق عبد الملك بن الماجشون بين التمتع والقران فأوجب الدم في القران وأسقطه في التمتع على ما تقدم عنه التاسعة واختلف الناس في حاضري المسجد الحرام بعد الإجماع على أن أهل مكة وما اتصل بها من حاضريه وقال الطبري : بعد الإجماع على أهل الحرم قال بن عطية : وليس كما قال فقال بعض العلماء : من كان يجب عليه الجمعة فهو حضري ومن كان أبعد من ذلك فهو بدوي فجعل اللفظة من الحضارة والبداوة وقال مالك وأصحابه هم أهل مكة وما اتصل بها خاصة وعند أبي حنيفة وأصحابه : هم أهل المواقيت ومن وراءها من كل ناحية فمن كان من أهل المواقيت أو من أهل ماوراءها فهم من حاضري المسجد الحرام وقال الشافعي وأصحابه : هم من لا يلزمه تقصير الصلاة من موضعه إلى مكة وذلك أقرب المواقيت وعلى هذه الأقوال مذاهب السلف في تأويل الآية العاشرة قوله تعالى : ( واتقوا الله ) اي فيما فرضه عليكم وقيل : هو أمر بالتقوى على العموم وتحذير من شدة عقابه < <

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> قوله تعالى : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) فيه سبع مسائل : الأولى اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة لله فقيل : أداؤهما والإتيان بهما كقوله : فأتمهن وقوله : ثم أتموا الصيام إلى الليل أي ائتوا بالصيام وهذا على مذهب من أوجب العمرة على ما يأتي ومن لم يوجبها قال : المراد تمامها بعد الشروع فيهما فإن من أحرم بنسك وجب عليه المضي فيه ولا يفسخه قال معناه الشعبي وبن زيد وعن علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) : إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك وروى ذلك عن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص وفعله عمران بن حصين وقال سفيان الثوري : إتمامهما أن تخرج قاصدا لهما لا لتجارة ولا لغير ذلك ويقوى هذا قوله لله وقال عمر : إتمامهما أن يفرد كل واحد منهما من غير تمتع وقرآن وقاله بن حبيب وقال مقاتل : إتمامهما ألا تستحلوا فيهما ما لا ينبغي لكم وذلك أنهم كانوا يشركون في إحرامهم فيقولون : لبيك اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك فقال : فأتموهما ولا تخلطوهما بشئ آخر قلت : أما ما روي عن علي وفعله عمران بن حصين في الإحرام قبل المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال به عبد الله بن مسعود وجماعة من السلف وثبت أن عمر أهل من إيلياء وكان الأسود وعلقمة وعبد الرحمن وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم ورخص فيه الشافعي وروى أبو داؤد والدارقطني عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أحرم من بيت المقدس بحج أو عمرة كان من ذنوبه كيوم ولدته أمه ( في رواية ( غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ( وخرجه أبو داؤد وقال : يرحم الله وكيعا أحرم من بيت المقدس يعني إلى مكة ففي هذا إجازة الإحرام قبل الميقات وكره مالك رحمه الله أن يحرم أحد قبل الميقات ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب وأنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة وأنكر عثمان على بن عمر إحرامه قبل الميقات وقال أحمد وإسحاق : وجه العمل المواقيت ومن الحجة لهذا القول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت المواقيت وعينها فصارت بيانا لمجمل الحج ولم يحرم صلى الله عليه وسلم من بيته لحجته بل أحرم من ميقاته الذي وقته لأمته وما فعله صلى الله عليه وسلم فهو الأفضل إن شاء الله وكذلك صنع جمهور الصحابة والتابعين بعدهم واحتج أهل المقالة الأولى بأن ذلك أفضل بقول عائشة : ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا آختار أيسرهما وبحديث أم سلمة مع ما ذكر عن الصحابة في ذلك وقد شهدوا إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته من ميقاته وعرفوا مغزاه ومراده وعلموا أن إحرامه من ميقاته كان تيسيرا على أمته الثانية روى الأئمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن ولأهل اليمن يلملم هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة يهلون منها وأجمع أهل العلم على القول بظاهر هذا 0 الحديث واستعماله لا يخالفون شيئا منه واختلفوا في ميقات أهل العراق وفيمن وقته فروى أبو داؤد والترمذي عن بن عباس أن أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق العقيق قال الترمذي : هذا حديث حسن وروي أن عمر وقت لأهل العراق ذات عرق وفي كتاب أبي داؤد عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق وهذا هو الصحيح ومن روى أن عمر وقته لأن العراق في وقته افتتحت فغفلة منه بل وقته رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وقت لأهل الشام الجحفة والشام كلها يومئذ دار كفر كما كانت العراق وغيرها يومئذ من البلدان ولم تفتح العراق ولا الشام إلا على عهد عمر وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل السير قال أبو عمر : كل عراقي أو مشرقي أحرم من ذات عرق فقد أحرم عند الجميع من ميقاته والعقيق أحوط عندهم وأولى من ذات عرق وذات عرق ميقاتهم أيضا بإجماع الثالثة أجمع أهل العلم على أن من أحرم من قبل أن يأتي الميقات أنه محرم وإنما منع من ذلك من رأى الإحرام عند الميقات أفضل كراهية أن يضيق المرء على نفسه ما قد وسع الله عليه وأن يتعرض بما لا يؤمن أن يحدث في إحرامه وكلهم ألزمه الإحرام إذا فعل ذلك لأنه زاد ولم ينقص الرابعة في هذه الآية دليل على وجوب العمرة لأنه تعالى أمر بإتمامها كما أمر بإتمام الحج قال الصبي بن معبد : أتيت عمر ( رضي الله عنه ) فقلت إني كنت نصرانيا فأسلمت وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبتين علي وإني أهللت بهما جميعا فقال له عمر هديت لسنة نبيك قال بن المنذر : ولم ينكر عليه قوله : وجدت الحج والعمرة مكتوبتين علي وبوجوبهما قال علي بن أبي طالب وبن عمر وبن عباس وروى الدارقطني عن بن جريج قال : أخبرني نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول : ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع إلى ذلك سبيلا فمن زاد بعدها شيئا فهو خير وتطوع قال : ولم أسمعه يقول في أهل مكة شيئا قال بن جريج : وأخبرت عن عكرمة أن بن عباس قال : العمرة واجبة كوجوب الحج من استطاع إليه سبيلا وممن ذهب إلى وجوبها من التابعين عطاء وطاوس ومجاهد والحسن وبن سيرين والشعبي وسعيد بن جبير وأبو بردة ومسروق وعبد الله بن شداد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وبن الجهم من المالكيين وقال الثوري : سمعنا أنها واجبة وسئل زيد بن ثابت عن العمرة قبل الحج فقال : صلاتان لا يضرك بأيهما بدأت ذكره الدارقطني وروى مرفوعا عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت ( وكان مالك يقول : العمرة سنة ولا نعلم أحدا أرخص في تركها وهو قول النخعي وأصحاب الرأي فيما حكي بن المنذر وحكي بعض القزوينيين والبغداديين عن أبي حنيفة أنه كان يوجبها كالحج وبانها سنة ثابتة قاله بن مسعود وجابر بن عبد الله روى الدارقطني حدثنا محمد بن القاسم بن زكريا حدثنا محمد بن العلاء أبو كريب حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن حجاج عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة والزكاة والحج : أواجب هو قال : ( نعم ( فسأله عن العمرة : أواجبة هي قال : ( لا وأن تعتمر خير لك ( رواه يحيى بن أيوب عن حجاج وبن جريج عن بن المنكدر عن جابر موقوفا من قول جابر فهذه حجة من لم يوجبها من السنة قالوا : وأما الآية فلا حجة فيها للوجوب لأن الله سبحانه إنما قرنها في وجوب الإتمام لا في الإبتداء فإنه ابتدأ الصلاة والزكاة فقال وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة المزمل وابتدأ بإيجاب الحج فقال : ولله على الناس حج البيت ولما ذكر العمرة أمر بإتمامها لا بأبتدائها فلو حج عشر حجج أو أعتمر عشر عمر لزم الإتمام في جميعها فإنما جاءت الآية لإلزام الإتمام لا لإلزام الآبتداء والله أعلم واحتج المخالف من جهة 8 النظر على وجوبها بأن قال : عماد الحج الوقوف بعرفة وليس في العمرة وقوف فلو كانت كسنة الحج لوجب أن تساويه في أفعاله كما أن سنة الصلاة تساوي فريضتها في افعالها الخامسة قرأ الشعبي وأبو حيوة برفع التاء في العمرة وهي تدل على عدم الوجوب وقرأ الجماعة العمرة بنصب التاء وهي تدل على الوجوب وفي مصحف بن مسعود وأتموا الحج والعمرة إلى البيت لله وروى عنه وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت وفائدة التخصيص بذكر الله هنا أن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتظاهر والتناضل والتنافر وقضاء الحاجة وحضور الأسواق وكل ذلك ليس لله فيه طاعة ولا حظ بقصد ولا قربة بمعتقد فأمر الله سبحانه بالقصد إليه لأداء فرضه وقضاء حقه ثم سامح في التجارة على ما يأتي السادسة لا خلاف بين العلماء فيمن شهد مناسك الحج وهو لا ينوي حجا ولا عمرة والقلم جار له وعليه أن شهودها بغير نية ولا قصد غير مغن عنه وأن النية تجب فرضا لقوله تعالى : وأتموا ومن تمام العبادة حضور النية وهي فرض كالإحرام عند الإحرام لقوله عليه السلام لما ركب راحلته : ( لبيك بحجة وعمرة معا ( على ما يأتي وذكر الربيع في كتاب البويطي عن الشافعي قال : ولو لبى رجل ولم ينو حجا ولا عمرة لم يكن حاجا ولا معتمرا ولو نوى ولم يلب حتى قضى المناسك كان حجه تاما واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات ( قال : ومن فعل مثل ما فعل على حين أهل على إهلال النبي صلى الله عليه وسلم أجزته تلك النية لأنها وقعت على نية لغيره قد تقدمت بخلاف الصلاة السابعة واختلف العلماء في المراهق والعبد يحرمان بالحج ثم يحتلم هذا ويعتق هذا قبل الوقوف بعرفة فقال مالك : لا سبيل لهما إلى رفض الإحرام ولا لأحد متمسكا بقوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله ومن رفض إحرامه فلا يتم حجة ولا عمرته وقال أبو حنيفة : جائز للصبي إذا بلغ قبل الوقوف بعرفة أن يجدد إحراما فإن تمادي على حجه ذلك لم يجزه من حجة الإسلام واحتج بأنه لما لم يكن الحج يجزئ عنه ولم يكن الفرض لازما له حين أحرم بالحج ثم لزمه حين بلغ استحال أن يشغل عن فرض قد تعين عليه بنافلة ويعطل فرضه كمن دخل في نافلة وأقيمت عليه المكتوبة وخشي فوتها قطع النافلة ودخل في المكتوبة وقال الشافعي : إذا أحرم الصبي ثم بلغ قبل الوقوف بعرفة فوقف بها محرما أجزأه من حجة الإسلام وكذلك العبد قال : ولو عتق بمزدلفة وبلغ الصبي بها فرجعا إلى عرفة بعد العتق والبلوغ فأدركا الوقوف بها قبل طلوع الفجر أجزت عنهما من حجة الإسلام ولم يكن عليهما دم ولو احتاطا فأهراقا دما كان أحب إلي وليس ذلك بالبين عندي واحتج في إسقاط تجديد الإحرام بحديث علي ( رضي الله عنه ) إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين 2 أقبل من اليمن مهلا بالحج : ( بم أهللت ( قال قلت : لبيك اللهم بإهلال كإهلال نبيك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فإني أهللت بالحج وسقت الهدي ( قال الشافعي : ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته ولا أمره بتجديد نية لإفراد أو تمتع أو قران وقال مالك في النصراني يسلم عشية عرفة فيحرم بالحج : أجزأه من حجة الإسلام وكذلك العبد يعتق والصبي يبلغ إذا لم يكونوا محرمين ولا دم على واحد منهم وإنما يلزم الدم من أراد الحج ولم يحرم من الميقات وقال أبو حنيفة : يلزم العبد الدم وهو كالحر عندهم في تجاؤز الميقات بخلاف الصبي والنصراني فإنهما لا يلزمهما الإحرام لدخول مكة لسقوط الفرض عنهما فإذأ أسلم الكافر وبلغ الصبي كان حكمهما حكم المكي ولا شيء عليهما في ترك الميقات قوله تعالى : ( فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) فيه اثنتا عشرة مسألة : الأولى قال بن العربي : هذه آية مشكلة عضلة من العضل قلت : لا إشكال فيها ونحن نبينها غاية البيان فنقول الإحصار هو المنع من الوجه الذي تقصده بالعوائق جملة فجملة أي بأي عذر كان كان حصر عدو أو جور سلطان أو مرض أو ما كان واختلف العلماء في تعيين المانع هنا على قولين : الأول قال علقمة وعروة بن الزبير وغيرهما : هو المرض لا العدو وقيل : العدو خاصة قاله بن عباس وبن عمر وأنس والشافعي قال بن العربي : وهو اختيار علمائنا ورأى أكثر أهل اللغة ومحصليها على أن أحصر عرض للمرض وحصر نزل به العدو قلت : ما حكاه بن العربي من أنه اختيار علمائنا فلم يقل به إلا أشهب وحده وخالفه سائر أصحاب مالك في هذا وقالوا : الإحصار إنما هو المرض وأما العدو فإنما يقال فيه : حصر حصرا فهو محصور قاله الباجي في المنتقي وحكى أبو إسحاق الزجاج أنه كذلك عند جميع أهل اللغة على ما يأتي وقال أبو عبيدة والكسائي : أحصر بالمرض وحصر بالعدو وفي المجمل لابن فارس على العكس فحصر بالمرض وأحصر بالعدو وقالت طائفة : يقال أحصر فيهما جميعا من الرباعي حكاه أبو عمر قلت : وهو يشبه قول مالك حيث ترجم في موطئه أحصر فيهما فتأمله وقال الفراء : هما بمعنى واحد في المرض والعدو قال القشيري أبو نصر : وادعت الشافعية أن الإحصار يستعمل في العدو فأما المرض فيستعمل فيه الحصر والصحيح أنهما يستعملان فيهما قلت : ما آدعته الشافعية قد نص الخليل بن أحمد وغيره على خلافه قال الخليل : حصرت الرجل حصرا منعته وحبسته وأحصر الحاج عن بلوغ المناسك من مرض أو نحوه هكذا قال جعل الأول ثلاثيا من حصرت والثاني في المرض رباعيا وعلى هذا خرج قول بن عباس : لا حصر إلا حصر العدو وقال بن السكيت : أحصره المرض إذا منعه من السفر أو من حاجة يريدها وقد حصره العدو يحصرونه إذأ ضيقوا عليه فأطافوا به وحاصروه محاصرة وحصارا قال الأخفش : حصرت الرجل فهو محصور أي حبسته قال : وأحصرني بولي وأحصرني مرضي أي جعلني أحصر نفسي قال أبو عمرو الشيباني : حصرني الشئ وأحصرني أي حبسني قلت : فالأكثر من أهل اللغة على أن حصر في العدو وأحصر في المرض وقد قيل ذلك في قول الله تعالى : للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله وقال بن ميادة : وما هجر ليلى أن تكون تباعدت عليك ولا أن أحصرتك شغول وقال الزجاج : الإحصار عند جميع أهل اللغة إنما هو من المرض فأما من العدو فلا يقال فيه إلا حصر يقال : حصر حصرا وفي الأول أحصر إحصارا فدل على ما ذكرناه وأصل الكلمة من الحبس ومنه الحصير للذي يحبس نفسه عن البوح بسره والحصير : الملك لأنه كالمحبوس من وراء الحجاب والحصير الذي يجلس عليه لأنضمام بعض طاقات البردي إلى بعض كحبس الشئ مع غيره الثانية ولما كان أصل الحصر الحبس قالت الحنفيه : المحصر من يصير ممنوعا من مكة بعد الإحرام بمرض أو عدو أو غير ذلك واحتجوا بمقتضى الإحصار مطلقا قالوا : وذكر الأمن في آخر الآية لا يدل على أنه لا يكون من المرض قال صلى الله عليه وسلم : ( الزكام أمان من الجذام ( وقال : ( من سبق العاطس بالحمد أمن من الشوص واللوص والعلوص ( الشوص : وجع السن واللوص : وجع الأذن والعلوص : وجع البطن أخرجه بن ماجه في سننه قالوا : وإنما جعلنا حبس العدو حصارا قياسا على المرض إذا كان في حكمه لا بدلالة الظاهر وقال بن عمر وبن الزبير وبن عباس والشافعي وأهل المدينة : المراد بالآية حصر العدو لأن الآية نزلت في سنة ست في عمرة الحديبية حين صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة قال بن عمر : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحال كفار قريش دون البيت فنحر النبي صلى الله عليه وسلم هدية وحلق رأسه ودل على هذا قوله تعالى : فإذا أمنتم ولم يقل : برأتم والله أعلم الثالثة جمهور الناس على أن المحصر بعدو يحل حيث أحصر وينحر هديه إن كان ثم هدي ويحلق رأسه وقال قتادة وإبراهيم : يبعث بهديه إن أمكنه فإذأ بلغ محله صار حلالا وقال أبو حنيفة : دم الإحصار لا يتوقف على يوم النحر بل يجوز ذبحه قبل يوم النحر إذا بلغ محله وخالفه صاحباه فقالا : يتوقف على يوم النحر وإن نحر قبله لم يجزه وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان الرابعة الأكثر من العلماء على أن من أحصر بعدو كافر أو مسلم أو سلطان حبسه في سجن أن عليه الهدي وهو قول الشافعي وبه قال أشهب وكان بن القاسم يقول : ليس على من صد عن البيت في حج أو عمرة هدي إلا أن يكون ساقه معه وهو قول مالك ومن حجتهما أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نحر يوم الحديبية هديا قد كان أشعره وقلده حين أحرم بعمرة فلما لم يبلغ ذلك الهدي محله للصد أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحر لأنه كان هديا وجب بالتقليد والإشعار وخرج لله فلم يجز الرجوع فيه ولم ينحره رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل الصد فلذلك لا يجب على من صد عن البيت هدي واحتج الجمهور بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل يوم الحديبية ولم يحلق رأسه حتى نحر الهدي فدل ذلك على أن من شرط إحلال المحصر ذبح هدى إن كان عنده وإن كان فقيرا فمتى وجده وقدر عليه لا يحل إلا به وهو مقتضى قوله : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي وقد قيل : يحل ويهدي إذا قدر عليه والقولان للشافعي وكذلك من لا يجد هديا يشتريه قولان الخامسة قال عطاء وغيره : المحصر بمرض كالمحصر بعدو وقال مالك والشافعي وأصحابهما : من أحصره المرض فلا يحله إلا الطواف بالبيت وإن أقام سنين حتى يفيق وكذلك من أخطأ العدد أو خفي عليه الهلال قال مالك : وأهل مكة في ذلك كأهل الآفاق قال : وإن أحتاج المريض إلى دواء تداوى به وافتدى وبقي على إحرامه لا يحل من شيء حتى يبرأ من مرضه فإذأ بريء من مرضه مضى إلى البيت فطاف به سبعا وسعى بين الصفا والمروة وحل من حجته أو عمرته وهذا كله قول الشافعي وذهب في ذلك إلى ما روي عن عمر وبن عباس وعائشة وبن عمر وبن الزبير أنهم قالوا في المحصر بمرض أو خطأ العدد : إنه لا يحله إلا الطواف بالبيت وكذلك من أصابه كسر أو بطن منخرق وحكم من كانت هذه حاله عند مالك وأصحابه أن يكون بالخيار إذا خاف فوت الوقوف بعرفة لمرضه إن شاء مضى إذا أفاق إلى البيت فطاف وتحلل بعمرة وإن شاء أقام على إحرامه إلى قابل وإن أقام على إحرامه ولم يواقع شيئا مما نهى عنه الحاج فلا هدي عليه ومن حجته في ذلك الإجماع من الصحابة على أن من أخطأ العدد أن هذا حكمه لا يحله إلا الطواف بالبيت وقال في المكي إذا بقى محصورا حتى فرغ الناس من حجهم : فإنه يخرج إلى الحل فيلبي ويفعل ما يفعله المعتمر ويحل فإذا كان قابل حج وأهدى وقال بن شهاب الزهري في إحصار من أحصر بمكة من أهلها : لا بد له من أن يقف بعرفة وإن نعش نعشا واختار هذا القول أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن بكير المالكي فقال : قول مالك في المحصر المكي أن عليه ما على الآفاق من إعادة الحج والهدي خلاف ظاهر الكتاب لقول الله عز وجل : ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام قال : والقول عندي في هذا قول الزهري في أن الإباحة من الله عز وجل لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام أن يقيم لبعد المسافة يتعالج وإن فاته الحج فأما من كان بينه وبين المسجد الحرام ما لا تقصر في مثله الصلاة فإنه يحضر المشاهد وإن نعش نعشا لقرب المسافة بالبيت وقال أبو حنيفة وأصحابه : كل من منع من الوصول إلى البيت بعدو أو مرض أو ذهاب نفقة أو إضلال راحلة أو لدغ هامة فإنه يقف مكانه على إحرامه ويبعث بهديه أو بثمن هديه فإذا نحر فقد حل من إحرامه كذلك قال عروة وقتادة والحسن وعطاء والنخعي ومجاهد وأهل العراق لقوله تعالى : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي الآية السادسة قال مالك وأصحابه : لا ينفع المحرم الإشتراط في الحج إذا خاف الحصر بمرض أو عدو وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابهم والإشتراط أن يقول إذا أهل : لبيك اللهم لبيك ومحلى حيث حبستني من الأرض وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور : لا بأس أن يشترط وله شرطه وقاله غير واحد من الصحابة والتابعين وحجتهم حديث ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إني أردت الحج أأشترط قال : ( نعم ( قالت : فكيف أقول قال : ( قولي لبيك اللهم لبيك ومحلى من الأرض حيث حبستني ( أخرجه أبو داؤد والدارقطني وغيرهما قال الشافعي : لو ثبت حديث ضباعة لم أعده وكان محله حيث حبسه الله قلت : قد صححه غير واحد منهم أبو حاتم البستي وبن المنذر قال بن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لضباعة بنت الزبير : ( حجي واشترطي ( وبه قال الشافعي إذ هو بالعراق ثم وقف عنه بمصر قال بن المنذر : وبالقول الأول أقول وذكره عبد الرزاق أخبرنا بن جريج قال : أخبرنا أبو الزبير أن طاوسا وعكرمة أخبراه عن بن عباس قال : جاءت ضباعة بنت الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إني امراة ثقيلة وإني أريد الحج فكيف تأمرني أن أهل قال : ( أهلي واشترطي أن محلى حيث حبستني ( قال : فأدركت وهذا إسناد صحيح السابعة واختلفت العلماء أيضا في وجوب القضاء على من أحصر فقال مالك والشافعي : من أحصر بعدو فلا قضاء عليه بحجه ولا عمرته إلا أن يكون ضرورة لم يكن حج فيكون عليه الحج على حسب وجوبه عليه وكذلك العمرة عند من أوجبها فرضا وقال أبو حنيفة : المحصر بمرض أو عدو عليه حجة وعمرة وهو قول الطبري قال أصحاب الرأي : إن كان مهلا بحج قضى حجة وعمرة لأن إحرامه بالحج صار عمرة وإن كان قارنا قضى حجة وعمرتين وإن كان مهلا بعمرة قضى عمرة وسواء عندهم المحصر بمرض أو عدو على ما تقدم واحتجوا بحديث ميمون بن مهران قال : خرجت معتمرا عام حاصر أهل الشام بن الزبير بمكة وبعث معي رجال من قومي بهدي فلما انتهيت إلى أهل الشام منعوني أن أدخل الحرم فنحرت الهدى مكاني ثم حللت ثم رجعت فلما كان من العام المقبل خرجت لأقضي عمرتي فأتيت بن عباس فسألته فقال : أبدل الهدي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء واستدلوا بقوله عليه السلام : ( من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى أو عمرة أخرى ( رواه عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من عرج أو كسر فقد حل وعليه حجة أخرى ( قالوا : فاعتمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في العام المقبل من عام الحديبية إنما كان قضاء لتلك العمرة قالوا : ولذلك قيل لها عمرة القضاء وآحتج مالك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدا من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا ولا أن يعودوا لشئ ولا حفظ ذلك عنه بوجه من الوجوه ولا قال في العام المقبل : إن عمرتي هذه قضاء عن العمرة التي حصرت فيها ولم ينقل ذلك عنه قالوا : وعمرة القضاء وعمرة القضية سواء وإنما قيل لها ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضي قريشا وصالحهم في ذلك العام على الرجوع عن البيت وقصده من قابل فسميت بذلك عمرة القضية الثامنة لم يقل أحد من الفقهاء فيمن كسر أو عرج أنه يحل مكانه بنفس الكسر غير أبي ثور على ظاهر حديث الحجاج بن عمرو وتابعه على ذلك داود بن علي وأصحابه وأجمع العلماء على أنه يحل من كسر ولكن اختلفوا فيما به يحل فقال مالك وغيره : يحل بالطواف بالبيت لا يحله غيره ومن خالفه من الكوفيين يقول : يحل بالنية وفعل ما يتحلل به على ما تقدم من مذهبه التاسعة لا خلاف بين علماء الأمصار أن الإحصار عام في الحج والعمرة وقال بن سيرين : لا إحصار في العمرة لأنها غير مؤقتة وأجيب بأنها وإن كانت غير مؤقتة لكن في الصبر إلى زوال العذر ضرر وفي ذلك نزلت الآية وحكي عن بن الزبير أن من أحصره العدو أو المرض فلا يحله إلا الطواف بالبيت وهذا أيضا مخالف لنص الخبر عام الحديبية العاشرة الحاصر لا يخلو أن يكون كافرا أو مسلما فإن كان كافرا لم يجز قتاله ولو وثق بالظهور عليه ويتحلل بموضعه لقوله تعالى : ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ( كما تقدم ولو سأل الكافر جعلا لم يجز لأن ذلك وهن في الإسلام فإن كان مسلما لم يجز قتاله بحال ووجب التحلل فإن طلب شيئا ويتخلى عن الطريق جاز دفعه ولم يجز القتال لما فيه من إتلاف المهج وذلك لا يلزم في أداء العبادات فإن الدين أسمح وأما بذل الجعل فلما فيه من دفع أعظم الضررين بأهونهما ولأن الحج مما ينفق فيه المال فيعد هذا من النفقة الحادية عشرة والعدو الحاصر لا يخلو أن يتيقن بقاؤه واستيطانه لقوته وكثرته أولا فإن كان الأؤل حل المحصر مكانه من ساعته وإن كان الثاني وهو مما يرجى زواله فهذا لا يكون محصورا حتى يبقى بينه وبين الحج مقدار ما يعلم أنه إن زال العدو لا يدرك فيه الحج فيحل حينئذ عند بن القاسم وبن الماجشون وقال أشهب : لا يحل من حصر عن الحج بعدو حتى يوم النحر ولا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة وجه قول بن القاسم : أن هذا وقت يأس من إكمال حجه لعدو غالب فجاز له أن يحل فيه أصل ذلك يوم عرفة ووجه قول أشهب أن عليه أن يأتي من حكم الإحرام بما يمكنه والتزامه له إلى يوم النحر الوقت الذي يجوز للحاج التحلل بما يمكنه الإتيان به فكان ذلك عليه قوله تعالى : ( فما استيسر من الهدي ) ما في موضع رفع أي فالواجب أو فعليكم ما استيسر ويحتمل أن يكون في موضع نصب أي فأنحروا أو فآهدوا وما استيسر عند جمهور أهل العلم شاة وقال بن عمر وعائشة وبن الزبير : ما استيسر جمل دون جمل وبقرة دون بقرة لا يكون من غيرهما وقال الحسن : أعلى الهدي بدنة وأوسطه بقرة وأخسه شاة وفي هذا دليل على ما ذهب إليه مالك من أن المحصر بعدو لا يجب عليه القضاء لقوله : فما استيسر من الهدي ولم يذكر قضاء والله أعلم الثانية عشرة قوله تعالى : ( من الهدي ) الهدي والهدي لغتان وهو ما يهدي إلى بيت الله من بدنة أو غيرها والعرب تقول : كم هدي بني فلان أي كم إبلهم وقال أبو بكر : سميت هديا لأن منها ما يهدى إلى بيت الله فسميت بما يلحق بعضها كما قال تعالى : فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب أراد فإن زنى الإماء فعلى الأمة منهن إذا زنت نصف ما على الحرة البكر إذأ زنت فذكر الله المحصنات وهو يريد الأبكار لأن الإحصان يكون في أكثرهن فسمين بأمر يوجد في بعضهن والمحصنة من الحرائر هي ذات الزوج يجب عليها الرجم إذا زنت والرجم لا يتبعض فيكون على الأمة نصفه فانكشف بهذا أن المحصنات يراد بهن الأبكار لا أولات الأزواج وقال الفراء : أهل الحجاز وبنو أسد يخففون الهدي قال : وتميم وسفلى قيس يثقلون فيقولون : هدي قال الشاعر : حلفت برب مكة والمصلى وأعناق الهدي مقلدات قال : وواحد الهدي هدية ويقال في جمع الهدي : أهداء قوله تعالى : ( ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ) فيه سبع مسائل الأولى قوله تعالى : ( ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ) الخطاب لجميع الأمة : محصر ومخلى : ومن العلماء من يراها للمحصرين خاصة أي لا تتحللوا من الإحرام حتى ينحر الهدي والمحل : الموضع الذي يحل فيه ذبحه فالمحل في حصر العدو عند مالك والشافعي : موضع الحصر اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية قال الله تعالى : والهدي معكوفا أن يبلغ محله الفتح قيل : محبوسا إذا كان محصرا ممنوعا من الوصول إلى البيت العتيق وعند أبي حنيفة محل الهدي في الإحصار : الحرم لقوله تعالى : : ثم محلها إلى البيت العتيق وأجيب عن هذا بأن المخاطب به الآمن الذي يجد الوصول إلى البيت فأما المحصر فخارج من قول الله تعالى : ثم محلها إلى البيت العتيق بدليل نحر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هديهم بالحديبية وليست من الحرم واحتجوا من السنة بحديث ناجية بن جندب صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أبعث معي الهدي فأنحره بالحرم قال : ( فكيف تصنع به ( قال : أخرجه في الأودية لا يقدرون عليه فأنطلق به حتى أنحره في الحرم وأجيب بأن هذا لا يصح وإنما ينحر حيث حل إقتداء بفعله عليه السلام بالحديبية وهو الصحيح الذي رواه الأئمة ولأن الهدي تابع للمهدي والمهدي حل بموضعه فالمهدى أيضا يحل معه الثانية واختلف العلماء على ما قررناه في المحصر هل له أن يحلق أو يحل بشئ من الحل قبل أن ينحر ما استيسر من الهدي فقال مالك : السنة الثابتة التي لا اختلاف فيها عندنا أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ من شعره حتى ينحر هديه قال الله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا حل المحصر قبل أن ينحر هديه فعليه دم ويعود حراما كما كان حتى ينحر هديه وإن أصاب صيدا قبل أن ينحر الهدي فعليه الجزاء وسواء في ذلك الموسر والمعسر لا يحل أبدا حتى ينحر أو ينحر عنه قالوا : وما أقل ما يهديه شاة لا عمياء ولا مقطوعة الأذنين وليس هذا عندهم موضع صيام قال أبو عمر : قول الكوفيين فيه ضعف وتناقض لأنهم لا يجيزون لمحصر بعدو ولا مرض أن يحل حتى ينحر هديه في الحرم وإذا أجازوا للمحصر بمرض أن يبعث بهدي ويواعد حامله يوما ينحره فيه فيحل ويحلق فقد أجازوا له أن يحل على غير يقين من نحر الهدي وبلوغه وحملوه على الإحلال بالظنون والعلماء متفقون على أنه لا يجوز لمن لزمه شيء من فرائضه أن يخرج منه بالظن والدليل على أن ذلك ظن قولهم : لو عطب ذلك الهدي أو ضل أو سرق فحل مرسله وأصاب النساء وصاد أنه يعود حراما وعليه جزاء ما صاد فأباحوا له فساد الحج وألزموه ما يلزم من لم يحل من إحرامه وهذا ما لا خفاء فيه من التناقض وضعف المذاهب وإنما بنوا مذهبهم هذا كله على قول بن مسعود ولم ينظروا في خلاف غيره له وقال الشافعي في المحصر إذا أعسر بالهدي : فيه قولان : لا يحل أبدا إلا بهدي والقول الآخر : أنه مأمور أن يأتي بما قدر عليه فإن لم يقدر على شيء كان عليه أن يأتي به إذا قدر عليه قال الشافعي : ومن قال هذا قال : يحل مكانه ويذبح إذا قدر فإن قدر على أن يكون الذبح بمكة لم يجزه أن يذبح إلا بها وإن لم يقدر ذبح حيث قدر قال ويقال : لا يجزيه إلا هدي ويقال : إذا لم يجد هديا كان عليه الإطعام أو الصيام وإن لم يجد واحدا من هذه الثلاثة أتى بواحد منها إذا قدر وقال في العبد : لا يجزيه إلا الصوم تقوم له الشاة دراهم ثم الدراهم طعاما ثم يصوم عن كل مد يوما الثالثة واختلفوا إذا نحر المحصر هديه هل له أن يحلق أو لا فقالت طائفة : ليس عليه أن يحلق رأسه لأنه قد ذهب عنه النسك واحتجوا بأنه لما سقط عنه بالإحصار جميع المناسك كالطواف والسعي وذلك مما يحل به المحرم من إحرامه سقط عنه سائر ما يحل به المحرم من أجل أنه محصر وممن احتج بهذا وقال به أبو حنيفة ومحمد بن الحسن قالا : ليس على المحصر تقصير ولا حلاق وقال أبو يوسف : يحلق المقصر فإن لم يحلق فلا شيء عليه وقد حكى بن أبي عمران عن بن سماعة عن أبي يوسف في نوادره أن عليه الحلاق والتقصير لا بد له منه واختلف قول الشافعي في هذه المسألة على قولين : أحدهما أن الحلاق للمحصر من النسك وهو قول مالك والآخر ليس من النسك كما قال أبو حنيفة والحجة لمالك أن الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة قد منع من ذلك كله المحصر وقد صد عنه فسقط عنه ما قد حيل بينه وبينه وأما الحلاق فلم يحل بينه وبينه وهو قادر على أن يفعله وما كان قادرا على أن يفعله فهو غير ساقط عنه ومما يدل على أن الحلاق باق على المحصر كما هو باق على من قد وصل إلى البيت سواء قوله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله وما رواه الائمة من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا وللمقصرين واحدة وهو الحجة القاطعة والنظر الصحيح في هذه المسألة وإلى هذا ذهب مالك وأصحابه والحلاق عندهم نسك على الحاج الذي قد أتم حجه وعلى من فاته الحج والمحصر بعدو والمحصر بمرض الرابعة روى الأئمة واللفظ لمالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( اللهم آرحم المحلقين ( قالوا : والمقصرين يا رسول الله قال : ( اللهم ارحم المحلقين ( قالوا : والمقصرين يا رسول الله قال : ( والمقصرين ( قال علماؤنا : ففي دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة دليل على أن الحلق في الحج والعمرة أفضل من التقصير وهو مقتضي قوله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم الآية ولم يقل تقصروا وأجمع أهل العلم على أن التقصير يجزئ عن الرجال إلا شيء ذكر عن الحسن أنه كان يوجب الحلق في أول حجة يحجها الإنسان الخامسة لم تدخل النساء في الحلق وأن سنتهن التقصير لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ليس على النساء حلق إنما عليهن التقصير ( خرجه أبو داؤد عن بن عباس وأجمع أهل العلم على القول به ورأت جماعة أن حلقها رأسها من المثلة واختلفوا في قدر ما تقصر من رأسها فكان بن عمر والشافعي وأحمد وإسحاق يقولون : تقصر من كل قرن مثل الأنملة وقال عطاء : قدر ثلاث أصابع مقبوضة وقال قتادة : تقصر الثلث أو الربع وفرقت حفصة بنت سيرين بين المرأة التي قعدت فتأخذ الربع وفي الشابة أشارت بأنملتها تأخذ وتقلل وقال مالك : تأخذ من جميع قرون رأسها وما أخذت من ذلك فهو يكفيها ولا يجزئ عنده أن تأخذ من بعض القرون وتبقى بعضا قال بن المنذر : يجزئ ما وقع عليه إسم تقصير وأحوط أن تأخذ من جميع القرون قدر أنملة السادسة لا يجوز لأحد أن يحلق رأسه حتى ينحر هديه وذلك أن سنة الذبح قبل الحلاق والأصل في ذلك قوله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ فنحر هديه ثم حلق بعد ذلك فمن خالف هذا فقدم الحلاق قبل النحر فلا يخلو أن يقدمه خطأ وجهلا أو عمدا وقصدا فإن كان الأول فلا شيء عليه رواه بن حبيب عن بن القاسم وهو المشهور من مذهب مالك وقال بن الماجشون : عليه الهدي وبه قال أبو حنيفة وإن كان الثاني فقد روى القاضي أبو الحسن أنه يجوز تقديم الحلق على النحر وبه قال الشافعي والظاهر من المذهب المنع والصحيح الجواز لحديث بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال : ( لا حرج ( رواه مسلم وخرج بن ماجه عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن ذبح قبل أن يحلق أو حلق قبل أن يذبح فقال : ( لا حرج ( السابعة لا خلاف أن حلق الرأس في الحج نسك مندوب إليه وفي غير الحج جائز خلافا لمن قال : إنه مثلة ولو كان مثلة ما جاز في الحج ولا غيره لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة وقد حلق رؤوس بني جعفر بعد أن أتاه قتله بثلاثة أيام ولو لم يجز الحلق ما حلقهم وكان علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) يحلق رأسه قال بن عبد البر : وقد أجمع العلماء على حبس الشعر وعلى إباحة الحلق وكفى بهذا حجة وبالله التوفيق قوله تعالى : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من راسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) فيه تسع مسائل : الاولى قوله تعالى : ( فمن كان منكم مريضا ) إستدل بعض علماء الشافعية بهذه الآية على أن المحصر في أول الآية العدو لا المرض وهذا لا يلزم فإن معنى قوله : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ) فحلق ففدية أي فعليه فدية وإذا كان هذا واردا في المرض بلا خلاف كان الظاهر أن أول الآية ورد فيمن ورد فيه وسطها وآخرها لإتساق الكلام بعضه على بعض وانتظام بعضه ببعض ورجوع الإضمار في آخر الآية إلى من خوطب في أولها فيجب حمل ذلك على ظاهره حتى يدل الدليل على العدول عنه ومما يدل على ما قلناه سبب نزول هذه الآية روى الأئمة واللفظ للدارقطني : عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه وقمله يتساقط على وجهه فقال : ( أيؤذيك هوامك ( قال نعم فأمره أن يحلق وهو بالحديبية ولم يبين لهم أنهم يحلون بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة فأنزل الله الفدية فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطعم فرقا بين ستة مساكين أو يهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام خرجه البخاري بهذا اللفظ أيضا فقوله : ولم يبين لهم أنهم يحلون بها يدل على أنهم ما كانوا على يقين من حصر العدو لهم فإذا الموجب للفدية الحلق للأذى والمرض والله أعلم الثانية قال الأوزاعي في المحرم يصيبه أذى في رأسه : إنه يجزيه أن يكفر بالفدية قبل الحلق قلت : فعلى هذا يكون المعنى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك إن أراد أن يحلق ومن قدر فحلق ففدية فلا يفتدي حتى يحلق والله أعلم الثالثة قال بن عبد البر : كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسرا فإنما ذكره بشاة وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء وأما الصوم والإطعام فاختلفوا فيه فجمهور فقهاء المسلمين على أن الصوم ثلاثة أيام وهو محفوظ صحيح في حديث كعب بن عجرة وجاء عن الحسن وعكرمة ونافع أنهم قالوا : الصوم في فدية الأذى عشرة أيام والإطعام عشرة مساكين ولم يقل أحد بهذا من فقهاء الأمصار ولا أئمة الحديث وقد جاء من رواية أبي الزبير عن مجاهد عن عبد الرحمن عن كعب بن عجرة أنه حدثه أنه كان أهل في ذي القعدة وأنه قمل رأسه فأتى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوقد تحت قدر له فقال له : ( كأنك يؤذيك هوام رأسك ( فقال أجل قال : ( أحلق واهد هديا ( فقال : ما أجد هديا قال : ( فأطعم ستة مساكين ( فقال : ما أجد قال : ( صم ثلاثة أيام ( قال أبو عمر : كان ظاهر هذا الحديث على الترتيب وليس كذلك ولو صح هذا كان معناه الإختيار أولا فأولا وعامة الآثار عن كعب بن عجرة وردت بلفظ التخيير وهو نص القرآن وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار وفتواهم وبالله التوفيق الرابعة اختلف العلماء في الإطعام في فدية الأذى فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم : الإطعام في ذلك مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول أبي ثور وداود وروى عن الثوري أنه قال في الفدية : من البر نصف صاع ومن التمر والشعير والزبيب صاع وروى عن أبي حنيفة أيضا مثله جعل نصف صاع بر عدل صاع تمر قال بن المنذر : وهذا غلط لأن في بعض أخبار كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : : أن تصدق بثلاثة أصوع من تمر على ستة مساكين ( وقال أحمد بن حنبل مرة كما قال مالك والشافعي ومرة قال : إن أطعم برا فمد لكل مسكين وإن أطعم تمرا فنصف صاع الخامسة ولا يجزى أن يغدي المساكين ويعشيهم في كفارة الأذى حتى يعطي كل مسكين مدين بمد النبي صلى الله عليه وسلم وبذلك قال مالك والثوري والشافعي ومحمد بن الحسن وقال أبو يوسف : يجزيه أن يغديهم ويعشيهم السادسة أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من حلق شعره وجزه وإتلافه بحلق أو نورة أو غير ذلك إلا في حالة العلة كما نص على ذلك القرآن وأجمعوا على وجوب الفدية على من حلق وهو محرم بغير علة واختلفوا فيما على من فعل ذلك أو لبس أو تطيب بغير عذر عامدا فقال مالك : بئس ما فعل وعليه الفدية وهو مخير فيها وسواء عنده العمد في ذلك والخطأ لضرورة وغير ضرورة وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما وأبو ثور ليس بمخير إلا في الضرورة لأن الله تعالى قال : فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فإذا حلق رأسه عامدا أو لبس عامدا لغير عذر فليس بمخير وعليه دم لا غير السابعة واختلفوا فيمن فعل ذلك ناسيا فقال مالك رحمه الله : العامد والناسي في ذلك سواء في وجوب الفدية وهو قول أبي حنيفة والثوري والليث وللشافعي في هذه المسألة قولان : أحدهما لا فدية عليه وهو قول داؤد وإسحاق والثاني عليه الفدية وأكثر العلماء يوجبون الفدية على المحرم بلبس المخيط وتغطية الرأس أو بعضه ولبس الخفين وتقليم الأظافر ومس الطيب وإماطة الأذى وكذلك إذا حلق شعر جسده أو أطلى أو حلق مواضع المحاجم والمرأة كالرجل في ذلك وعليها الفدية في الكحل وإن لم يكن فيه طيب وللرجل أن يكتحل بما لا طيب فيه وعلى المرأة الفدية إذا غطت وجهها أو لبست القفازين والعمد والسهو والجهل في ذلك سواء وبعضهم يجعل عليهما دما في كل شيء من ذلك وقال داؤد : لاشئ عليهما في حلق شعر الجسد الثامنة واختلف العلماء في موضع الفدية المذكورة فقال عطاء : ما كان من دم فبمكة وما كان من طعام أو صيام فحيث شاء وبنحو ذلك قال أصحاب الرأي وعن الحسن أن الدم بمكة وقال طاوس والشافعي : الإطعام والدم لا يكونان إلا بمكة والصوم حيث شاء لأن الصيام لا منفعة فيه لأهل الحرم وقد قال الله سبحانه هديا بالغ الكعبة رفقا لمساكين جيران بيته فالإطعام فيه منفعة بخلاف الصيام والله أعلم وقال مالك : يفعل ذلك أين شاء وهو الصحيح من القول وهو قول مجاهد والذبح هنا عند مالك نسك وليس بهدي لنص القرآن والسنة والنسك يكون حيث شاء والهدي لا يكون إلا بمكة ومن حجته أيضا ما رواه عن يحيى بن سعيد في موطئه وفيه : فأمر علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) برأسه يعني رأس حسين فحلق ثم نسك عنه بالسقيا فنحر عنه بعيرا قال مالك قال يحيى بن سعيد : وكان حسين خرج مع عثمان في سفره ذلك إلى مكة ففي هذا أوضح دليل على أن فدية الأذى جائز أن تكون بغير مكة وجائز عند مالك في الهدي إذا نحر في الحرم أن يعطاه غير أهل الحرم لأن البغية فيه إطعام مساكين المسلمين قال مالك : ولما جاز الصوم أن يؤتى به بغير الحرم جاز إطعام غير أهل الحرم ثم أن قوله تعالى : فمن كان منكم مريضا الآية أوضح الدلالة على ما قلناه فإنه تعالى لما قال : ففدية من صيام أو صدقة أو نسك لم يقل في موضع دون موضع فالظاهر أنه حيثما فعل أجزأه وقال : أو نسك فسمي ما يذبح نسكا وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك ولم يسمه هديا فلا يلزمنا أن نرده قياسا على الهدي ولا أن نعتبره بالهدي مع ما جاء في ذلك عن علي وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر كعبا بالفدية ما كان في الحرم فصح أن ذلك كله يكون خارج الحرم وقد روي عن الشافعي مثل هذا في وجه بعيد التاسعة قوله تعالى : ( أو نسك ) النسك : جمع نسيكة وهي الذبيحة ينسكها العبد لله تعالى ويجمع أيضا على نسائك والنسك : العبادة في الأصل ومنه قوله تعالى : وأرنا مناسكنا أي متعبداتنا وقيل : إن أصل النسك في اللغة الغسل ومنه نسك ثوبه إذا غسله فكأن العابد غسل نفسه من أدران الذنوب بالعبادة وقيل : النسك سبائك الفضة كل سبيكة منها نسيكة فكأن العابد خلص نفسه من دنس الآثام وسبكها قوله تعالى : ( فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) فيه ثلاث عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( فإذا أمنتم ) قيل : معناه برأتم من المرض وقيل : من خوفكم من العدو المحصر قاله بن عباس وقتادة وهو أشبه باللفظ إلا أن يتخيل الخوف من المرض فيكون الأمن منه كما تقدم والله أعلم الثانية قوله تعالى : ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ) الآية اختلف العلماء من المخاطب بهذا فقال عبد الله بن الزبير وعلقمة وإبراهيم : الآية في المحصرين دون المخلى سبيلهم وصورة المتمتع عند بن الزبير : أن يحصر الرجل حتى يفوته الحج ثم يصل إلى البيت فيحل بعمرة ثم يقضي الحج من قابل فهذا قد تمتع بما بين العمرة إلى حج القضاء وصورة المتمتع المحصر عند غيره : أن يحصر فيحل دون عمرة ويؤخرها حتى يأتي من قابل فيعتمر في أشهر الحج ويحج من عامه وقال بن عباس وجماعة : الآية في المحصرين وغيرهم ممن خلى سبيله الثالثة لا خلاف بين العلماء في أن التمتع جائز على ما يأتي تفصيله وأن الإفراد جائز وأن القرآن جائز لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي كلا ولم ينكره في حجته على أحد من أصحابه بل أجازه لهم ورضيه منهم صلى الله عليه وسلم وإنما اختلف العلماء فيما كان به رسول الله صلى الله عليه وسلم محرما في حجته وفي الأفضل من ذلك لإختلاف الآثار الواردة في ذلك فقال قائلون منهم مالك : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مفردا والإفراد أفضل من القرآن قال : والقرآن أفضل من التمتع وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل ( قالت عائشة : فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج وأهل به ناس معه وأهل ناس بالعمرة والحج وأهل ناس بعمرة وكنت فيمن أهل بالعمرة رواه جماعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وقال بعضهم فيه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وأما أنا فأهل بالحج ( وهذا نص في موضع الخلاف وهو حجة من قال بالإفراد وفضله وحكى محمد بن الحسن عن مالك أنه قال : إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان مختلفان وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين وتركا الآخر كان في ذلك دلالة على أن الحق فيما عملا به واستحب أبو ثور الإفراد أيضا وفضله على التمتع والقرآن وهو أحد قولي الشافعي في المشهور عنه واستحب آخرون التمتع بالعمرة إلى الحج قالوا : وذلك أفضل وهو مذهب عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وبه قال أحمد بن حنبل وهو أحد قولي الشافعي قال الدارقطني قال الشافعي : اخترت الإفراد والتمتع حسن لا نكرهه احتج من فضل التمتع بما رواه مسلم عن عمران بن حصين قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله يعني متعة الحج وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج ولم ينه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات قال رجل برأيه بعد ما شاء وروى الترمذي حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس عن بن شهاب عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج فقال الضحاك بن قيس : لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله تعالى فقال سعد : بئس ما قلت يا بن أخي فقال الضحاك : فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك فقال سعد : قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه هذا حديث صحيح وروى بن إسحاق عن الزهري عن سالم قال : إني لجالس مع بن عمر في المسجد إذ جاءه رجل من أهل الشام فسأله عن التمتع بالعمرة إلى الحج فقال بن عمر : حسن جميل قال : فإن أباك كان ينهى عنها فقال : ويلك فإن كان أبي نهى عنها وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر به أفبقول أبي آخذ أم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قم عني أخرجه الدارقطني وأخرجه أبو عيسى الترمذي من حديث صالح بن كيسان عن بن شهاب عن سالم وروي عن ليث عن طاوس عن بن عباس قال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وأول من نهى عنها معاوية حديث حسن قال أبو عمر : حديث ليث هذا حديث منكر وهو ليث بن أبي سليم ضعيف والمشهور عن عمر وعثمان أنهما كانا ينهيان عن التمتع وإن كان جماعة من أهل العلم قد زعموا أن المتعة التي نهى عنها عمر وضرب عليها فسخ الحج في العمرة فأما التمتع بالعمرة إلى الحج فلا وزعم من صحح نهى عمر عن التمتع أنه إنما نهى عنه لينتجع البيت مرتين أو أكثر في العام حتى تكثر عمارته بكثرة الزوار له في غير الموسم وأراد إدخال الرفق على أهل الحرم بدخول الناس تحقيقا لدعوة إبراهيم : فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وقال آخرون : إنما نهى عنها لأنه رأى الناس مالوا إلى التمتع ليسارته وخفته فخشي أن يضيع الإفراد والقرآن وهما سنتان للنبي صلى الله عليه وسلم واحتج أحمد في اختياره التمتع بقوله صلى الله عليه وسلم : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة ( أخرجه الأئمة وقال آخرون : القرآن أفضل منهم أبو حنيفة والثوري وبه قال المزني قال : لأنه يكون مؤديا للفرضين جميعا وهو قول إسحاق قال إسحاق : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قارنا وهو قول علي بن أبي طالب واحتج من استحب القرآن وفضله بما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول : ( أتاني الليلة آت من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة ( وروى الترمذي عن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لبيك بعمرة وحجة ( وقال : حديث حسن صحيح قال أبو عمر : والإفراد إن شاء الله أفضل لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مفردا فلذلك قلنا إنه أفضل لأن الآثار أصح عنه في إفراده صلى الله عليه وسلم ولأن الإفراد أكثر عملا ثم العمرة عمل آخر وذلك كله طاعة والأكثر منها أفضل وقال أبو جعفر النحاس : المفرد أكثر تعبا من المتمتع لإقامته على الإحرام وذلك أعظم لثوابه والوجه في اتفاق الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمرنا بالتمتع والقرآن جاز أن يقال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرن كما قال جل وعز : ونادى فرعون في قومه وقال عمر بن الخطاب : رجمنا ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أمر بالرجم قلت : الأظهر في حجته عليه السلام القران وأنه كان قارنا لحديث عمر وأنس المذكورين وفي صحيح مسلم عن بكر عن أنس قال : ( سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة معا ( قال بكر : فحدثت بذلك بن عمر فقال : لبي بالحج وحده فلقيت أنسا فحدثته بقول بن عمر فقال أنس : ما تعدوننا إلا صبيانا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لبيك عمرة وحجا ( وفي صحيح مسلم أيضا عن بن عباس قال : أهل النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة وأهل أصحابه بحج فلم يحل النبي صلى الله عليه وسلم ولا من ساق الهدي من أصحابه وحل بقيتهم قال بعض أهل العلم : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قارنا وإذا كان قارنا فقد حج وأعتمر واتفقت الأحاديث وقال النحاس : ومن أحسن ما قيل في هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بعمرة فقال من رآه : تمتع ثم أهل بحجة فقال من رآه : أفرد ثم قال : ( لبيك بحجة وعمرة ( فقال من سمعه : قرن فاتفقت الأحاديث والدليل على هذا أنه لم يرو أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أفردت الحج ولا تمتعت وصح عنه أنه قال : ( قرنت ( كما رواه النسائي عن علي أنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي ( كيف صنعت ( قلت : أهللت بإهلالك قال : فإني سقت الهدي وقرنت ( قال وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه : ( لو استقبلت من أمري كما استدبرت لفعلت كما فعلتم ولكني سقت الهدي وقرنت ( وثبت عن حفصة قالت قلت : يا رسول الله ما بال الناس قد حلوا من عمرتهم ولم تحلل أنت قال : ( إني لبدت رأسي وسقت هديي فلا أحل حتى أنحر ( وهذا يبين أنه كان قارنا لأنه لو كان متمتعا أو مفردا لم يمتنع من نحر الهدي قلت : ما ذكره النحاس أنه لم يرو أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أفردت الحج ( فقد تقدم من رواية عائشة أنه قال : ( وأما أنا فأهل بالحج ( وهذا معناه : فأنا أفرد الحج إلا أنه يحتمل أن يكون قد أحرم بالعمرة ثم قال : فأنا أهل بالحج ومما يبين هذا ما رواه مسلم عن بن عمر وفيه : وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فلم يبق في قوله : ( فأنا أهل بالحج ( دليل على الإفراد وبقى قوله عليه السلام : ( فإني قرنت ( وقول أنس خادمه أنه سمعه يقول : ( لبيك بحجة وعمرة معا ( نص صريح في القران لا يحتمل التأويل وروى الدارقطني عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال : إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة لأنه علم أنه ليس بحاج بعدها الرابعة وإذأ مضى القول في الإفراد والتمتع والقران وأن كل ذلك جائز بإجماع فالتمتع بالعمرة إلى الحج عند العلماء على أربعة أوجه منها وجه واحد مجتمع عليه والثلاثة مختلف فيها فاما الوجه المجتمع عليه فهو التمتع المراد بقول الله جل وعز : فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي وذلك أن يحرم الرجل بعمرة في أشهر الحج على ما يأتي بيانها وأن يكون من أهل الآفاق وقدم مكة ففرغ منها ثم أقام حلالا بمكة إلى أن أنشأ الحج منها في عامه ذلك قبل رجوعه إلى بلده أو قبل خروجه إلى ميقات أهل ناحيته فإذا فعل ذلك كان متمتعا وعليه ما أوجب الله على المتمتع وذلك ما استيسر من الهدي يذبحه ويعطيه للمساكين بمنى أو بمكة فإن لم يجد صام ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى بلده على ما يأتي وليس له صيام يوم النحر بإجماع من المسلمين واختلف في صيام أيام التشريق على ما يأتي فهذا إجماع من أهل العلم قديما وحديثا في المتعة ورابطها ثمانية شروط : الأول أن يجمع بين الحج والعمرة الثاني في سفر واحد الثالث في عام واحد الرابع في أشهر الحج الخامس تقديم العمرة السادس ألا يمزجها بل يكون إحرام الحج بعد الفراغ من العمرة السابع أن تكون العمرة والحج عن شخص واحد الثامن أن يكون من غير أهل مكة وتأمل هذه الشروط فيما وصفنا من حكم التمتع تجدها والوجه الثاني من وجوه التمتع بالعمرة إلى الحج : القران وهو أن يجمع بينهما في إحرام واحد فيهل بهما جميعا في أشهر الحج أو غيرهما يقول : لبيك بحجة وعمرة معا فإذا قدم مكة طاف لحجته وعمرته طوافا واحدا وسعى سعيا واحدا عند من رأى ذلك وهم مالك والشافعي وأصحابهما وإسحاق وأبو ثور وهو مذهب عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وعطاء بن أبي رباح والحسن ومجاهد وطاوس لحديث عائشة ( رضي الله عنها ) قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فأهللنا بعمرة الحديث وفيه : وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا أخرجه البخاري وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة يوم النفر ولم تكن طافت بالبيت وحاضت : ( يسعك طوافك لحجك وعمرتك ( في رواية ( يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك ( أخرجه مسلم أو طاف طوافين وسعى سعيين عند من رأى ذلك وهو أبو حنيفة وأصحابه والثوري وألاوزاعي والحسن بن صالح وبن أبي ليلى وروي عن علي وبن مسعود وبه قال الشعبي وجابر بن زيد واحتجوا بأحاديث عن علي عليه السلام أنه جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل أخرجهما الدارقطني في سننه وضعفها كلها وإنما جعل القران من باب التمتع لأن القارن يتمتع بترك النصب في السفر إلى العمرة مرة وإلى الحج أخرى ويتمتع بجمعهما ولم يحرم لكل واحد من ميقاته وضم الحج إلى العمرة فدخل تحت قول الله عز وجل : فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي وهذا وجه من التمتع لا خلاف بين العلماء في جوازه وأهل المدينة لا يجيزون الجمع بين العمرة والحج إلا بسياق الهدي وهو عندهم بدنة لا يجوز دونها ومما يدل على أن القران تمتع قول بن عمر : إنما جعل القرآن لأهل الآفاق وتلا قول الله جل وعز ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام فمن كان من حاضري المسجد الحرام وتمتع أو قرن لم يكن عليه دم قران ولا تمتع قال مالك : وما سمعت أن مكيا قرن فإن فعل لم يكن عليه هدي ولا صيام وعلى قول مالك جمهور الفقهاء في ذلك وقال عبد الملك بن الماجشون : إذا قرن المكي الحج مع العمرة كان عليه دم القران من أجل أن الله إنما أسقط عن أهل مكة الدم والصيام في التمتع والوجه الثالث من التمتع : هو الذي توعد عليه عمر بن الخطاب وقال : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما : متعة النساء ومتعة الحج وقد تنازع العلماء في جواز هذا بعد هلم جرا وذلك أن يحرم الرجل بالحج حتى إذا دخل مكة فسخ حجه في عمرة ثم حل وأقام حلالا حتى يهل بالحج يوم الترويه فهذا هو الوجه الذي تواردت به الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أنه أمر أصحابه في حجته من لم يكن معه هدي ولم يسقه وقد كان أحرم بالحج أن يجعلها عمرة وقد أجمع العلماء على تصحيح الآثار بذلك عنه صلى الله عليه وسلم ولم يدفعوا شيئا منها إلا أنهم أختلفوا في القول بها والعمل لعلل فجمهورهم على ترك العمل بها لأنها عندهم خصوص خص بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في حجته تلك قال أبو ذر : كانت المتعة لنا في الحج خاصة أخرجه مسلم وفي رواية عنه أنه قال : لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة يعني متعة النساء ومتعة الحج والعلة في الخصوصية ووجه الفائدة فيها ما قاله بن عباس ( رضي الله عنه ) قال : كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفرا ويقولون : إذا برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم فقالوا : يا رسول الله أي الحل قال : ( الحل كله ( أخرجه مسلم وفي المسند الصحيح لأبي حاتم عن بن عباس قال : والله ما اعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك فإن هذا الحي من قريش ومن دان دينهم كانوا يقولون : إذا عفا الوبر وبرأ الدبر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر فقد كانوا يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة فما أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة إلا لينقض ذلك من قولهم ففي هذا دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما فسخ الحج في العمرة ليريهم أن العمرة في أشهر الحج لا بأس بها وكان ذلك له ولمن معه خاصة لأن الله عز وجل قد أمر بإتمام الحج والعمرة كل من دخل فيها أمرا مطلقا ولا يجب أن يخالف ظاهر كتاب الله إلا إلى ما لا إشكال فيه من كتاب ناسخ أو سنة مبينة واحتجوا بما ذكرناه عن أبي ذر وبحديث الحارث بن بلال عن أبيه قال قلنا : يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة قال : ( بل لنا خاصة ( وعلى هذا جماعة فقهاء الحجاز والعراق والشام إلا شيء يروى عن بن عباس والحسن والسدي وبه قال أحمد بن حنبل قال أحمد : لا أرد تلك الآثار الواردة المتواترة الصحاح في فسخ الحج في العمرة بحديث الحارث بن بلال عن أبيه وبقول أبي ذر قال : ولم يجمعوا على ما قال أبو ذر ولو أجمعوا كان حجة قال : وقد خالف بن عباس أبا ذر ولم يجعله خصوصا واحتج أحمد بالحديث الصحيح حديث جابر الطويل في الحج وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة ( فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال : يا رسول الله ألعامنا هذا أم لابد فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى وقال : ( دخلت العمرة في الحج مرتين لا بل لأبد أبد ( لفظ مسلم وإلى هذا والله أعلم مال البخاري حيث ترجم باب من لبى بالحج وسماه وساق حديث جابر بن عبد الله : قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقول : لبيك بالحج فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلناها عمرة وقال قوم : إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإحلال كان على وجه آخر وذكر مجاهد ذلك الوجه وهو أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا فرضوا الحج أولا بل أمرهم أن يهلوا مطلقا وينتظروا ما يؤمرون به وكذلك أهل علي باليمن وكذلك كان إحرام النبي صلى الله عليه وسلم ويدل عليه قوله عليه السلام : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي وجعلتها عمرة ( فكأنه خرج ينتظر ما يؤمر به ويأمر أصحابه بذلك ويدل على ذلك قوله عليه السلام : ( أتاني آت من ربي في هذا الوادي المبارك وقال قل حجة في عمرة والوجه الرابع من المتعة : متعة المحصر ومن صد عن البيت ذكر يعقوب بن شيبة قال حدثنا أبو سلمة التبوذكي حدثنا وهيب حدثنا إسحاق بن سويد قال سمعت عبد الله بن الزبير وهو يخطب يقول : أيها الناس إنه والله ليس التمتع بالعمرة إلى الحج كما تصنعون ولكن التمتع أن يخرج الرجل حاجا فيحبسه عدو أو أمر يعذر به حتى تذهب أيام الحج فيأتي البيت فيطوف ويسعى بين الصفا والمروة ثم يتمتع بحله إلى العام المستقبل ثم يحج ويهدي وقد مضى القول في حكم المحصر وما للعلماء في ذلك مبينا والحمد لله فكان من مذهبه أن المحصر لا يحل ولكنه يبقى على إحرامه حتى يذبح عنه الهدي يوم النحر ثم يحلق ويبقى على إحرامه حتى يقدم مكة فيتحلل من حجة بعمل عمرة والذي ذكره بن الزبير خلاف عموم قوله تعالى : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي بعد قوله : وأتموا الحج والعمرة لله ولم يفصل في حكم الإحصار بين الحج والعمرة والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين أحصروا بالحديبية حلوا وحل وأمرهم بالإحلال واختلف العلماء أيضا لم سمي المتمتع متمتعا فقال بن القاسم : لانه تمتع بكل ما لا يجوز للمحرم فعله من وقت حله في العمرة إلى وقت إنشائه الحج وقال غيره : سمي متمتعا لأنه تمتع بإسقاط أحد السفرين وذلك أن حق العمرة أن تقصد بسفر وحق الحج كذلك فلما تمتع بإسقاط أحدهما ألزمه الله هديا كالقارن الذي يجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد والوجه الأول أعم فإنه يتمتع بكل ما يجوز للحلال أن يفعله وسقط عنه السفر بحجه من بلده وسقط عنه الإحرام من ميقاته في الحج وهذا هو الوجه الذي كرهه عمر وبن مسعود وقالا أو قال احدهما : يأتي أحدكم منى وذكره يقطر منيا وقد أجمع المسلمون على جواز هذا وقد قال جماعة من العلماء : إنما كرهه عمر لأنه أحب أن يزار البيت في العام مرتين : مرة في الحج ومرة في العمرة ورأى الإفراد أفضل فكان يأمر به ويميل إليه وينهى عن غيره استحبابا ولذلك قال : افصلوا بين حجكم وعمرتكم فإنه أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج الخامسة اختلف العلماء فيمن إعتمر في أشهر الحج ثم رجع إلى بلده ومنزله ثم حج من عامه فقال الجمهور من العلماء : ليس بمتمتع ولا هدي عليه ولا صيام وقال الحسن البصري : هو متمتع وإن رجع إلى أهله حج أو لم يحج قال لأنه كان يقال : عمرة في أشهر الحج متعة رواه هشيم عن يونس عن الحسن وقد روى عن يونس عن الحسن : ليس عليه هدي والصحيح القول الأول هكذا ذكر أبو عمر حج أو لم يحج ولم يذكره بن المنذر قال بن المنذر : وحجته ظاهر الكتاب قوله عز وجل : فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ولم يستثن : راجعا إلى أهله وغير راجع ولو كان لله جل ثناؤه في ذلك مراد لبينه في كتابه أو على لسان رسوله الله صلى الله عليه وسلم وقد روى عن سعيد بن المسيب مثل قول الحسن قال أبو عمر : وقد روى عن الحسن أيضا في هذا الباب قول لم يتابع عليه أيضا ولا ذهب إليه أحد من أهل العلم وذلك أنه قال : من إعتمر بعد يوم النحر فهي متعة وقد روى عن طاوس قولان هما أشد شذوذا مما ذكرنا عن الحسن أحدهما : أن من اعتمر في غير أشهر الحج ثم أقام حتى دخل وقت الحج ثم حج من عامه أنه متمتع هذا لم يقل به أحد من العلماء غيره ولا ذهب إليه أحد من فقهاء الأمصار وذلك والله أعلم أن شهور الحج أحق بالحج من العمرة لأن العمرة جائزة في السنة كلها والحج إنما موضعه شهور معلومة فإذا جعل أحد العمرة في أشهر الحج فقد جعلها في موضع كان الحج أولى به إلا أن الله تعالى قد رخص في كتابه وعلى لسان رسوله الله صلى الله عليه وسلم في عمل العمرة في أشهر الحج للمتمتع وللقارن ولمن شاء أن يفردها رحمة منه وجعل فيه ما استيسر من الهدي والوجه الآخر قاله في المكي إذا تمتع من مصر من الأمصار فعليه الهدي وهذا لم يعرج عليه لظاهر قوله تعالى : ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام والتمتع الجائز عند جماعة العلماء ما أوضحناه بالشرائط التي ذكرناها وبالله توفيقنا السادسة أجمع العلماء على أن رجلا من غير أهل مكة لو قدم مكة معتمرا في أشهر الحج عازما على الإقامة بها ثم أنشأ الحج من عامه فحج أنه متمتع عليه ما على المتمتع وأجمعوا في المكي يجئ من وراء الميقات محرما بعمرة ثم ينشئ الحج من مكة وأهله بمكة ولم يسكن سواها أنه لا دم عليه وكذلك إذا سكن غيرها وسكنها وكان له فيها أهل وفي غيرها وأجمعوا على أنه إن انتقل من مكة بأهله ثم قدمها في أشهر الحج معتمرا فأقام بها حتى حج من عامه أنه متمتع السابعة واتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والثوري وأبو ثور على أن المتمتع يطوف لعمرته بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة وعليه بعد أيضا طواف آخر لحجه وسعى بين الصفا والمروة وروى عن عطاء وطاوس أنه يكفيه سعي واحد بين الصفا والمروة والأول المشهور وهو الذي عليه الجمهور وأما طواف القارن فقد تقدم الثامنة واختلفوا فيمن أنشأ عمرة في غير أشهر الحج ثم عمل لها في أشهر الحج فقال مالك : عمرته في الشهر الذي حل فيه يريد إن كان حل منها في غير أشهر الحج فليس بمتمتع وإن كان حل منها في أشهر الحج فهو متمتع إن حج من عامه وقال الشافعي : إذا طاف بالبيت في الأشهر الحرم للعمرة فهو متمتع إن حج من عامه وذلك أن العمرة إنما تكمل بالطواف بالبيت وإنما ينظر إلى كمالها وهو قول الحسن البصري والحكم بن عيينة وبن شبرمة وسفيان الثوري وقال قتادة وأحمد وإسحاق : عمرته للشهر الذي أهل فيه وروى معنى ذلك عن جابر بن عبد الله وقال طاوس : عمرته للشهر الذي يدخل فيه الحرم وقال أصحاب الرأي : إن طاف لها ثلاثة أشواط في رمضان وأربعة أشواط في شوال فحج من عامه أنه متمتع وإن طاف في رمضان أربعة أشواط وفي شوال ثلاثة أشواط لم يكن متمتعا وقال أبو ثور : إذا دخل في العمرة في غير أشهر الحج فسواء أطاف لها في رمضان أو في شوال لا يكون بهذه العمرة متمتعا وهو معنى قول أحمد وإسحاق : عمرته للشهر الذي أهل فيه التاسعة أجمع أهل العلم على أن لمن أهل بعمرة في أشهر الحج أن يدخل عليها الحج ما لم يفتتح الطواف بالبيت ويكون قارنا بذلك يلزمه ما يلزم القارن الذي أنشأ الحج والعمرة معا واختلفوا في إدخال الحج على العمرة بعد أن أفتتح الطواف فقال مالك : يلزمه ذلك ويصير قارنا ما لم يتم طوافه وروى مثله عن أبي حنيفة والمشهور عنه أنه لا يجوز إلا قبل الأخذ في الطواف وقد قيل : له أن يدخل الحج على العمرة ما لم يركع ركعتي الطواف وكل ذلك قول مالك وأصحابه فإذا طاف المعتمر شوطا واحدا لعمرته ثم أحرم بالحج صار قارنا وسقط عنه باقي عمرته ولزمه دم القران وكذلك من أحرم بالحج في أضعاف طوافه أو بعد فراغه منه قبل ركوعه وقال بعضهم : له أن يدخل الحج على العمرة ما لم يكمل السعي بين الصفا والمروة قال أبو عمر : وهذا كله شذوذ عند أهل العلم وقال أشهب : إذا طاف لعمرته شوطا واحدا لم يلزمه الإحرام به ولم يكن قارنا ومضى على عمرته حتى يتمها ثم يحرم بالحج وهذا قول الشافعي وعطاء وبه قال أبو ثور العاشرة واختلفوا في إدخال العمرة على الحج فقال مالك وأبو ثور وإسحاق : لا تدخل العمرة على الحج ومن أضاف العمرة إلى الحج فليست العمرة بشئ قاله مالك وهو أحد قولي الشافعي وهو المشهور عنه بمصر وقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي في القديم : يصير قارنا ويكون عليه ما على القارن ما لم يطف لحجته شوطا واحدا فإن طاف لم يلزمه لأنه قد عمل في الحج قال بن المنذر : وبقول مالك أقول في هذه المسألة الحادية عشرة قال مالك : من أهدى هديا للعمرة وهو متمتع لم يجزه ذلك وعليه هدي آخر لمتعته لأنه إنما يصير متمتعا إذا أنشأ الحج بعد أن حل من عمرته وحينئذ يجب عليه الهدي وقال أبو حنيفة وأبو ثور وإسحاق : لا ينحر هديه إلا يوم النحر وقال أحمد : إن قدم المتمتع قبل العشر طاف وسعى ونحر هديه وإن قدم في العشر لم ينحر إلا يوم النحر وقاله عطاء وقال الشافعي : يحل من عمرته إذا طاف وسعى ساق هديا أو لم يسقه الثانية عشرة واختلف مالك والشافعي في المتمتع يموت فقال الشافعي : إذا أحرم بالحج وجب عليه دم المتعة إذا كان واجدا لذلك حكاه الزعفراني عنه وروى بن وهب عن مالك أنه سئل عن المتمتع يموت بعد مايحرم بالحج بعرفة أو غيرها أترى عليه هديا قال : من مات من أولئك قبل أن يرمى جمرة العقبة فلا أرى عليه هديا ومن رمى الجمرة ثم مات فعليه الهدي قيل له : من رأس المال أو من الثلث قال : بل من رأس المال الثالثة عشرة قوله تعالى : ( فما استيسر من الهدي ) قد تقدم الكلام فيه قوله تعالى : ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله وأعلموا أن الله شديد العقاب ) فيه عشر مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فمن لم يجد ) يعني الهدي إما لعدم المال أو لعدم الحيوان صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده والثلاثة الأيام في الحج آخرها يوم عرفة هذا قول طاوس وروى عن الشعبي وعطاء ومجاهد والحسن البصري والنخعي وسعيد بن جبير وعلقمة وعمرو بن دينار وأصحاب الرأى حكاه بن المنذر وحكى أبو ثور عن أبي حنيفة يصومها في إحرامه بالعمرة لأنه أحد إحرامي التمتع فجاز صوم الأيام فيه كإحرامه بالحج وقال أبو حنيفة أيضا وأصحابه : يصوم قبل يوم التروية يوما ويوم التروية ويوم عرفة وقال بن عباس ومالك بن أنس : له أن يصومها منذ يحرم بالحج إلى يوم النحر لأن الله تعالى قال : فصيام ثلاثة أيام في الحج فإذا صامها في العمرة فقد أتاه قبل وقته فلم يجزه وقال الشافعي وأحمد بن حنبل : يصومهن ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة وهو قول بن عمر وعائشة وروى هذا عن مالك وهو مقتضى قوله في موطئه ليكون يوم عرفة مفطرا فذلك أتبع للسنة وأقوى على العبادة وسيأتي وعن أحمد أيضا : جائز أن يصوم الثلاثة قبل أن يحرم وقال الثوري والأوزاعي : يصومهن من أول أيام العشر وبه قال عطاء وقال عروة : يصومها ما دام بمكة في أيام منى وقاله أيضا مالك وجماعة من أهل المدينة وأيام منى هي أيام التشريق الثلاثة التي تلي يوم النحر روى مالك في الموطأ عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تقول : الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج لمن لم يجد هديا ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة فإن لم يصم صام أيام منى وهذا اللفظ يقتضي صحة الصوم من وقت يحرم بالحج المتمتع إلى يوم عرفة وأن ذلك مبدأ إما لأنه وقت الأداء وما بعد ذلك من أيام منى وقت القضاء على ما يقوله أصحاب الشافعي وإما لأن في تقديم الصيام قبل يوم النحر إبراء للذمة وذلك مأمور به والأظهر من المذهب أنها على وجه الأداء وإن كان الصوم قبلها أفضل كوقت الصلاة الذي فيه سعة للأداء وإن كان أوله أفضل من آخره وهذا هو الصحيح وأنها أداء لا قضاء فإن قوله : أيام في الحج يحتمل أن يريد موضع الحج ويحتمل أن يريد أيام الحج فإن كان المراد أيام الحج فهذا القول صحيح لأن آخر أيام الحج يوم النحر ويحتمل أن يكون آخر أيام الحج أيام الرمي لأن الرمي عمل من عمل الحج خالصا وإن لم يكن من أركانه وإن كان المراد موضع الحج صامه ما دام بمكة في أيام منى كما قال عروة ويقوى جدا وقد قال قوم : له أن يؤخرها ابتداء إلى أيام التشريق لأنه لا يجب عليه الصيام إلا بألا يجد الهدي يوم النحر فإن قيل وهي : الثانية فقد ذهب جماعة من أهل المدينة والشافعي في الجديد وعليه أكثر أصحابه إلى أنه لا يجوز صوم أيام التشريق لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام أيام منى قيل له : إن ثبت النهي فهو عام يخصص منه المتمتع بما ثبت في البخاري أن عائشة كانت تصومها وعن بن عمر وعائشة قالا : لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي وقال الدارقطني : إسناده صحيح ورواه مرفوعا عن بن عمر وعائشة من طرق ثلاثة ضعفها وإنما رخص في صومها لأنه لم يبق من أيامه إلا بمقدارها وبذلك يتحقق وجوب الصوم لعدم الهدي قال بن المنذر : وقد روينا عن علي بن أبي طالب أنه قال : إذا فاته الصوم صام بعد أيام التشريق وقاله الحسن وعطاء قال بن المنذر : وكذلك نقول وقالت طائفة : إذا فاته الصوم في العشر لم يجزه إلا الهدي روى ذلك عن بن عباس وسعيد بن جبير وطاوس ومجاهد وحكاه أبو عمر عن أبي حنيفة وأصحابه عنه فتأمله الثالثة أجمع العلماء على أن الصوم لا سبيل للمتمتع إليه إذا كان يجد الهدي واختلفوا فيه إذا كان غير واحد للهدي فصام ثم وجد الهدي قبل إكمال صومه فذكر بن وهب عن مالك قال : إذا دخل في الصوم ثم وجد هديا فأحب إلى أن يهدي فإن لم يفعل أجزاه الصيام وقال الشافعي : يمضي في صومه وهو فرضه وكذلك قال أبو ثور وهو قول الحسن وقتادة واختاره بن المنذر وقال أبو حنيفة : إذا أيسر في اليوم الثالث من صومه بطل الصوم ووجب عليه الهدي وإن صام ثلاثة أيام في الحج ثم أيسر كان له أن يصوم السبعة الأيام لا يرجع إلى الهدي وبه قال الثوري وبن أبي نجيح وحماد الرابعة قوله تعالى : ( وسبعة ) قراءة الجمهور بالخفض على العطف وقرأ زيد بن علي وسبعة بالنصب على معنى : وصوموا سبعة الخامسة قوله تعالى : ( إذا رجعتم ) يعني إلى بلادكم قاله بن عمر وقتادة والربيع ومجاهد وعطاء وقاله مالك في كتاب محمد وبه قال الشافعي قال قتادة والربيع : هذه رخصة من الله تعالى فلا يجب على أحد صوم السبعة إلا إذا وصل وطنه إلا أن يتشدد أحد كما يفعل من يصوم في السفر في رمضان وقال أحمد وإسحاق : يجزيه الصوم في الطريق وروى عن مجاهد وعطاء قال مجاهد : إن شاء صامها في الطريق إنما هي رخصة وكذلك قال عكرمة والحسن والتقدير عند بعض أهل اللغة : إذا رجعتم من الحج أي إذا رجعتم إلى ما كنتم عليه قبل الإحرام من الحل وقال مالك في الكتاب : إذا رجع من منى فلا بأس أن يصوم وقال بن العربي : إن كان تخفيفا ورخصة فيجوز تقديم الرخص وترك الرفق فيها إلى العزيمة إجماعا وإن كان ذلك توقيتا فليس فيه نص ولا ظاهر أنه أراد البلاد وأنها المراد في الأغلب قلت : بل فيه ظاهر يقرب إلى النص يبينه ما رواه مسلم عن بن عمر قال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ومنهم من لم يهد فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس : ( من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ( الحديث وهذا كالنص في أنه لا يجوز صوم السبعة الأيام إلا في أهله وبلده والله أعلم وكذا قال البخاري في حديث بن عباس : ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجنا وعلينا الهدي كما قال الله تعالى : فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم الحديث وسيأتي قال النحاس : وكان هذا إجماعا السادسة قوله تعالى : ( تلك عشرة كاملة ) يقال : كمل يكمل مثل نصر ينصر وكمل يكمل مثل عظم يعظم وكمل يكمل مثل حمد يحمد ثلاث لغات واختلفوا في معنى قوله : ( تلك عشرة ) وقد علم أنها عشرة فقال الزجاج : لما جاز أن يتوهم متوهم التخيير بين ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجع بدلا منها لأنه لم يقل وسبعة أخرى أزيل ذلك بالجملة من قوله تلك عشرة ثم قال : كاملة وقال الحسن : كاملة في الثواب كمن أهدى وقيل : كاملة في البدل عن الهدي يعني العشرة كلها بدل عن الهدي وقيل : كاملة في الثواب كمن لم يتمتع وقيل : لفظها لفظ الإخبار ومعناها الأمر أي أكملوها فذلك فرضها وقال المبرد : عشرة دلالة على انقضاء العدد لئلا يتوهم متوهم أنه قد بقى منه شيء بعد ذكر السبعة وقيل : هو توكيد كما تقول : كتبت بيدي ومنه قول الشاعر : ثلاث واثنتان فهن خمس وسادسة تميل إلى شمامي فقوله خمس تأكيد ومثله قول الآخر : ثلاث بالغداة فذاك حسي وست حين يدركني العشاء فذلك تسعة في اليوم ريي وشرب المرء فوق الري داء وقوله : كاملة تأكيد آخر فيه زيادة توصية بصيامها والأ ينقص من عددها كما تقول لمن تأمره بأمر ذي بال : الله الله لا تقصر السابعة قوله تعالى : ( ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ) أي إنما يجب دم التمتع عن الغريب الذي ليس من حاضري المسجد الحرام خرج البخاري عن بن عباس أنه سئل عن متعة الحج فقال : أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي : ( طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب وقال : ( من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله ( ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقد تم حجنا وعلينا الهدي كما قال الله تعالى : فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ) إلى أمصاركم الشاة تجزى فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأباحه للناس غير أهل مكة قال الله عز وجل : ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام وأشهر الحج التي ذكر الله عز وجل شوال وذو القعدة وذو الحجة فمن تمتع في هذه الأشهر فعليه دم أو صوم والرفث : الجماع والفسوق : المعاصي والجدال : المراء الثامنة اللام في قوله لمن بمعنى على أي وجوب الدم على من لم يكن من أهل مكة كقوله عليه السلام : ( اشترطي لهم الولاء ( وقوله تعالى : ؤإن أسأتم فلها أي فعليها وذلك إشارة إلى التمتع والقران للغريب عند أبي حنيفة وأصحابه لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام عندهم ومن فعل ذلك كان عليه دم جناية لا يأكل منه لأنه ليس بدم تمتع وقال الشافعي : لهم دم تمتع وقران والإشارة ترجع إلى الهدي والصيام فلا هدي ولا صيام عليهم وفرق عبد الملك بن الماجشون بين التمتع والقران فأوجب الدم في القران وأسقطه في التمتع على ما تقدم عنه التاسعة واختلف الناس في حاضري المسجد الحرام بعد الإجماع على أن أهل مكة وما اتصل بها من حاضريه وقال الطبري : بعد الإجماع على أهل الحرم قال بن عطية : وليس كما قال فقال بعض العلماء : من كان يجب عليه الجمعة فهو حضري ومن كان أبعد من ذلك فهو بدوي فجعل اللفظة من الحضارة والبداوة وقال مالك وأصحابه هم أهل مكة وما اتصل بها خاصة وعند أبي حنيفة وأصحابه : هم أهل المواقيت ومن وراءها من كل ناحية فمن كان من أهل المواقيت أو من أهل ماوراءها فهم من حاضري المسجد الحرام وقال الشافعي وأصحابه : هم من لا يلزمه تقصير الصلاة من موضعه إلى مكة وذلك أقرب المواقيت وعلى هذه الأقوال مذاهب السلف في تأويل الآية العاشرة قوله تعالى : ( واتقوا الله ) اي فيما فرضه عليكم وقيل : هو أمر بالتقوى على العموم وتحذير من شدة عقابه < <

Abschnitt V02/P403Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P403)
Orijinal Metin (AR)

البقرة : ( 197 ) الحج أشهر معلومات . . . . . > > < > ( البقره 197 ) <

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البقرة : ( 197 ) الحج أشهر معلومات . . . . . > > < > ( البقره 197 ) <

Abschnitt V02/P403–V02/P412Kurtubî — el-Câmi' li-Ahkâmi'l-Kur'ân (s. V02/P403–V02/P412)
Orijinal Metin (AR)

> فيه أربع عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( الحج أشهر معلومات ) لما ذكر الحج والعمرة سبحانه وتعالى في قوله : وأتموا الحج والعمرة لله بين اختلافهما في الوقت فجميع السنة وقت للإحرام بالعمرة ووقت العمرة وأما الحج فيقع في السنة مرة فلا يكون في غير هذه الأشهر والحج أشهر معلومات ابتداء وخبر وفي الكلام حذف تقديره : أشهر الحج أشهر أو وقت الحج أشهر أو وقت عمل الحج أشهر وقيل التقدير : الحج في أشهر ويلزمه مع سقوط حرف الجر نصب الأشهر ولم يقرأ أحد بنصبها إلا أنه يجوز في الكلام النصب على أنه ظرف قال الفراء : الأشهر رفع لأن معناه وقت الحج أشهر معلومات قال الفراء : وسمعت الكسائي يقول : إنما الصيف شهران وإنما الطيلسان ثلاثة أشهر أراد وقت الصيف ووقت لباس الطيلسان فحذف الثانية واختلف في الأشهر المعلومات فقال بن مسعود وبن عمر وعطاء والربيع ومجاهد والزهري : أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة كله وقال بن عباس والسدي والشعبي والنخعي : هي شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة وروي عن بن مسعود وقاله بن الزبير والقولان مرويان عن مالك حكى الأخير بن حبيب والأول بن المنذر وفائدة الفرق تعلق الدم فمن قال : إن ذا الحجة كله من أشهر الحج لم ير دما فيما يقع من الأعمال بعد يوم النحر لأنها في أشهر الحج وعلى القول الأخير ينقضي الحج بيوم النحر ويلزم الدم فيما عمل بعد ذلك لتأخيره عن وقته الثالثة لم يسم الله تعالى أشهر الحج في كتابه لأنها كانت معلومة عندهم ولفظ الأشهر قد يقع على شهرين وبعض الثالث لأن بعض الشهر يتنزل منزلة كله كما يقال : رأيتك سنة كذا أو على عهد فلان ولعله إنما رآه في ساعة منها فالوقت يذكر بعضه بكله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيام منى ثلاثة ( وإنما هي يومان وبعض الثالث ويقولون : رأيتك اليوم وجئتك العام وقيل : لما كان الإثنان وما فوقهما جمع قال أشهر والله أعلم الرابعة اختلف في الإهلال بالحج في غير أشهر الحج فروي عن بن عباس : من سنة الحج أن يحرم به في أشهر الحج وقال عطاء ومجاهد وطاوس والأوزاعي : من أحرم بالحج قبل أشهر الحج لم يجزه ذلك عن حجه ويكون عمرة كمن دخل في صلاة قبل وقتها فإنه لا تجزيه وتكون نافلة وبه قال الشافعي وأبو ثور وقال الأوزاعي : يحل بعمرة وقال أحمد بن حنبل : هذا مكروه وروى عن مالك والمشهور عنه جواز الإحرام بالحج في جميع السنة كلها وهو قول أبي حنيفة وقال النخعي : لا يحل حتى يقضي حجه لقوله تعالى : يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وقد تقدم القول فيها وما ذهب إليه الشافعي أصح لأن تلك عامة وهذه الآية خاصة ويحتمل أن يكون من باب النص على بعض أشخاص العموم لفضل هذه ألاشهر على غيرها وعليه فيكون قول مالك صحيحا والله أعلم الخامسة قوله تعالى : ( فمن فرض فيهن الحج ) أي ألزمه نفسه بالشروع فيه بالنية قصدا باطنا وبالإحرام فعلا ظاهرا وبالتلبية نطقا مسموعا قاله بن حبيب وأبو حنيفة في التلبية وليست التلبية عند الشافعي من أركان الحج وهو قول الحسن بن حي قال الشافعي : تكفي النية في الإحرام بالحج وأوجب التلبية أهل الظاهر وغيرهم وأصل الفرض في اللغة : الحز والقطع ومنه فرضة القوس والنهر والجبل ففرضية الحج لازمة للعبد الحر كلزوم الحز للقدح وقيل : فرض أي أبان وهذا يرجع إلى القطع لأن من قطع شيئا فقد أبانه عن غيره ومن رفع بالابتداء ومعناها الشرط والخبر قوله : فرض لأن من ليست بموصولة فكأنه قال : رجل فرض وقال : فيهن ولم يقل فيها فقال قوم : هما سواء في الإستعمال وقال المازني أبو عثمان : الجمع الكثير لما لا يعقل يأتي كالواحدة المؤنثة والقليل ليس كذلك تقول : الأجذاع انكسرن والجذوع انكسرت ويؤيد ذلك قول الله تعالى : إن عدة الشهور ثم قال : منها السادسة قوله تعالى : ( فلا رفث ) قال بن عباس وبن جبير والسدي وقتادة والحسن وعكرمة والزهري ومجاهد ومالك : الرفث الجماع اي فلا جماع لأنه يفسده وأجمع العلماء على أن الجماع قبل الوقوف بعرفة مفسد للحج وعليه حج قابل والهدي وقال عبد الله بن عمر وطاوس وعطاء وغيرهم : الرفث الإفحاش للمرأة بالكلام لقوله : إذا أحللنا فعلنا بك كذا من غير كناية وقاله بن عباس أيضا وأنشد وهو محرم : وهن يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير ننك لميسا فقال له صاحبه حصين بن قيس : أترفث وأنت محرم فقال : إن الرفث ما قيل عند النساء وقال قوم : الرفث الإفحاش بذكر النساء كان ذلك بحضرتهن أم لا وقيل : الرفث كلمة جامعة لما يريده الرجل من أهله وقال أبو عبيدة : الرفث اللغا من الكلام وأنشد : ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم يقال : رفث يرفث بضم الفاء وكسرها وقرأ بن مسعود فلا رفوث على الجمع قال بن العربي : المراد بقوله فلا رفث نفيه مشروعا لا موجدا فإنا نجد الرفث فيه ونشاهده وخبر الله سبحانه لا يجوز أن يقع بخلاف مخبره وإنما يرجع النفي إلى وجوده مشروعا لا إلى وجوده محسوسا كقوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء معناه : شرعا لا حسا فإنا نجد المطلقات لا يتربصن فعاد النفي إلى الحكم الشرعي لا إلى الوجود الحسي وهذا كقوله تعالى : لا يمسه إلا المطهرون الواقعة إذا قلنا : إنه وارد في الآدميين وهو الصحيح أن معناه لا يمسه أحد منهم شرعا فإن وجد المس فعلى خلاف حكم الشرع وهذه الدقيقة هي التي فاتت العلماء فقالوا : إن الخبر يكون بمعنى النهى وما وجد ذلك قط ولا يصح أن يوجد فإنهما مختلفان حقيقة ومتضادان وصفا السابعة قوله تعالى : ( ولا فسوق ) يعني جميع المعاصي كلها قاله بن عباس وعطاء والحسن وكذلك قال بن عمر وجماعة : الفسوق إتيان معاصي الله عز وجل في حال إحرامه بالحج كقتل الصيد وقص الظفر وأخذ الشعر وشبه ذلك وقال بن زيد ومالك : الفسوق الذبح للأصنام ومنه قوله تعالى : أو فسقا أهل لغير الله به وقال الضحاك : الفسوق التنابز بالألقاب ومنه قوله : بئس الأسم الفسوق وقال بن عمر أيضا : الفسوق السباب ومنه قوله عليه السلام : ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ( والقول الأول أصح لأنه يتناول جميع الأقوال قال صلى الله عليه وسلم : ( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ( ( والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ( خرجه مسلم وغيره وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( والذي نفسي بيده ما بين السماء والأرض من عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله أو حجة مبرورة لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال ( وقال الفقهاء : الحج المبرور هو الذي لم يعص الله تعالى فيه أثناء أدائه وقال الفراء : هو الذي لم يعص الله سبحانه بعده ذكر القولين بن العربي رحمه الله قلت : الحج المبرور هو الذي لم يعص الله سبحانه فيه لا بعده قال الحسن : الحج المبرور هو أن يرجع صاحبه زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة وقيل غير هذا وسئاتي الثامنة قوله تعالى : ( ولا جدال في الحج ) قرئ فلا رفث ولا فسوق بالرفع والتنوين فيهما وقرئا بالنصب بغير تنوين وأجمعوا على الفتح في ولا جدال وهو بالرفع قراءة النصب فيما قبله ولأن المقصود النفي العام من الرفث والفسوق والجدال وليكون الكلام على نظام واحد في عموم المنفي كله وعلى النصب أكثر القراء والأسماء الثلاثة في موضع رفع كل واحد مع لا وقوله في الحج خبر عن جميعها ووجه قراءة الرفع أن لا بمعنى ليس فأرتفع الأسم بعدها لأنه اسمها والخبر محذوف تقديره : فليس رفث ولا فسوق في الحج دل عليه في الحج الثاني الظاهر وهو خبر لا جدال وقال أبو عمرو بن العلاء : الرفع بمعنى فلا يكونن رفث ولا فسوق أي شيء يخرج من الحج ثم ابتدأ النفي فقال : ولا جدال قلت : فيحتمل أن تكون كان تامة مثل قوله : وإن كان ذو عسرة فلا تحتاج إلى خبر ويحتمل أن تكون ناقصة والخبر محذوف كما تقدم آنفا ويجوز أن يرفع رفث وفسوق بالابتداء ولا للنفي والخبر محذوف أيضا وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بالرفع في الثلاثة ورويت عن عاصم في بعض الطرق وعليه يكون ( في الحج خبر الثلاثة كما قلنا في قراءة النصب وإنما لم يحسن أن يكون في الحج خبر عن الجميع مع اختلاف القراءة لأن خبر ليس منصوب وخبر ولا جدال مرفوع لأن ولا جدال مقطوع من الأول وهو في موضع رفع بالابتداء ولا يعمل عاملان في اسم واحد ويجوز فلا رفث ولا فسوق تعطفه على الموضع وأنشد النحويون : لا نسب اليوم ولا خلة اتسع الخرق على الراقع ويجوز في الكلام فلا رفث ولا فسوقا ولا جدالا في الحج عطفا على اللفظ على ما كان يجب في لا قال الفراء : ومثله : فلا أب وابنا مثل مروان وابنه إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا وقال أبو رجاء العطاردي : فلا رفث ولا فسوق بالنصب فيهما ولا جدال بالرفع والتنوين وأنشد الأخفش : هذا وجدكم الصغار بعينه لا أم لي إن كان ذاك ولا أب وقيل : إن معنى فلا رفث ولا فسوق النهى اي لا ترفثوا ولا تفسقوا ومعنى ولا جدال النفي فلما اختلفا في المعنى خولف بينهما في اللفظ قال القشيري : وفيه نظر إذ قيل : ولا جدال نهى أيضا أي لا تجادلوا فلم فرق بينهما التاسعة قوله تعالى : ( ولا جدال ) الجدال وزنه فعال من المجادلة وهي مشتقة من الجدل وهو القتل ومنه زمام مجدول وقيل : هي مشتقة من الجدالة التي هي الأرض فكأن كل واحد من الخصمين يقاوم صاحبه حتى يغلبه فيكون كمن ضرب به الجدالة قال الشاعر : قد أركب الآلة بعد الآله وأترك العاجز بالجداله منعفرا ليست له محاله العاشرة واختلفت العلماء في المعنى المراد به هنا على أقوال ستة فقال بن مسعود وبن عباس وعطاء : الجدال هنا أن تماري مسلما حتى تغضبه فينتهى إلى السباب فأما مذاكرة العلم فلا نهى عنها وقال قتادة : الجدال السباب وقال بن زيد ومالك بن أنس : الجدال هنا أن يختلف الناس : أيهم صادف موقف إبراهيم عليه السلام كما كانوا يفعلون في الجاهلية حين كانت قريش تقف في غير موقف سائر العرب ثم يتجادلون بعد ذلك فالمعنى على هذا التأويل : لا جدال في مواضعه وقالت طائفة : الجدال هنا أن تقول طائفة : الحج اليوم وتقول طائفة : الحج غدا وقال مجاهد وطائفة معه : الجدال المماراة في الشهور حسب ما كانت عليه العرب من النسئ كانوا ربما جعلوا الحج في غير ذي الحجة ويقف بعضهم بجمع وبعضهم بعرفة ويتمارون في الصواب من ذلك قلت : فعلى هذين التأويلين لا جدال في وقته ولا في موضعه وهذان القولان أصح ما قيل في تأويل قوله ولا جدال لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ( الحديث وسيأتي في براءة يعني رجع أمر الحج كما كان أي عاد إلى يومه ووقته وقال صلى الله عليه وسلم لما حج : ( خذوا عني مناسككم ( فبين بهذا موقف الحج ومواضعه وقال محمد بن كعب القرظي : الجدال أن تقول طائفة : حجنا أبر من حجكم ويقول الآخر مثل ذلك وقيل : الجدال كان في الفخر بالآباء والله أعلم الحادية عشرة قوله تعالى : ( وما تفعلوا من خير يعلمه الله ) شرط وجوابه والمعنى : أن الله يجازيكم على أعمالكم لأن المجازاة إنما تقع من العالم بالشئ وقيل هو تحريض وحث على حسن الكلام مكان الفحش وعلى البر والتقوى في الأخلاق مكان الفسوق والجدال وقيل : جعل فعل الخير عبارة عن ضبط أنفسهم حتى لا يوجد ما نهوا عنه الثانية عشرة قوله تعالى : ( وتزودوا ) أمر باتخاذ الزاد قال بن عمر وعكرمة ومجاهد وقتادة وبن زيد : نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد ويقول بعضهم : كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا فكانوا يبقون عالة على الناس فنهوا عن ذلك وأمروا بالزاد وقال عبد الله بن الزبير : كان الناس يتكل بعضهم على بعض بالزاد فأمروا بالزاد وكان للنبي صلى الله عليه وسلم في مسيره راحلة عليها زاد وقدم عليه ثلاثمائة رجل من مزينة فلما أرادوا أن ينصرفوا قال : ( يا عمر زود القوم ( وقال بعض الناس : تزودوا الرفيق الصالح وقال بن عطية : وهذا تخصيص ضعيف والأولى في معنى الآية : وتزودوا لمعادكم من الأعمال الصالحة قلت : القول الأول أصح فإن المراد الزاد المتخذ في سفر الحج المأكول حقيقة كما ذكرنا كما روى البخاري عن بن عباس قال : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون : نحن المتوكلون فإذا قدموا مكة سألوا الناس فأنزل الله تعالى : وتزودوا فإن خير الزاد التقوى وهذا نص فيما ذكرنا وعليه أكثر المفسرين قال الشعبي : الزاد التمر والسويق بن جبير : الكعك والسويق قال بن العربي : أمر الله تعالى بالتزود لمن كان له مال ومن لم يكن له مال فإن كان ذا حرفة تنفق في الطريق أو سائلا فلا خطاب عليه وإنما خاطب الله أهل الأموال الذين كانوا يتركون أموالهم ويخرجون بغير زاد ويقولون : نحن المتوكلون والتوكل له شروط من قام بها خرج بغير زاد ولا يدخل في الخطاب فإنه خرج على الأغلب من الخلق وهم المقصرون عن درجة التوكل الغافلون عن حقائقه والله عز وجل أعلم قال أبو الفرج الجوزي : وقد لبس إبليس على قوم يدعون التوكل فخرجوا بلا زاد وظنوا أن هذا هو التوكل وهم على غاية الخطأ قال رجل لأحمد بن حنبل : أريد أن أخرج إلى مكة على التوكل بغير زاد فقال له أحمد : اخرج في غير القافلة فقال لا إلا معهم قال : فعلى جرب الناس توكلت الثالثة عشرة قوله تعالى : ( فإن خير الزاد التقوى ) أخبر تعالى أن خير الزاد اتقاء المنهيات فأمرهم أن يضموا إلى التزود التقوى وجاء قوله فإن خير الزاد التقوى محمولا على المعنى لأن معنى وتزودوا : اتقوا الله في اتباع ما أمركم به من الخروج بالزاد وقيل : يحتمل أن يكون المعنى : فإن خير الزاد ما اتقى به المسافر من الهلكة أو الحاجة إلى السؤال والتكفف وقيل : فيه تنبيه على أن هذه الدار ليست بدار قرار قال أهل الإشارات : ذكرهم الله تعالى سفر الآخرة وحثهم على تزود التقوى فإن التقوى زاد الآخرة قال الأعشى : إذ أنت لم ترحل بزاد من التقى ولا قيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على الا تكون كمثله وأنك لم ترصد كما كان أرصدا وقال آخر : الموت بحر طامح موجه تذهب فيه حيلة السابح يا نفس إني قائل فاسمعي مقالة من مشفق ناصح لا يصحب الإنسان في قبره غير التقى والعمل الصالح الرابعة عشرة قوله تعالى : ( واتقون يا أولى الألباب ) خص أولى الألباب بالخطاب وإن كان الأمر يعم الكل لأنهم الذين قامت عليهم حجة الله وهم قابلو أوامره والناهضون بها والالباب جمع لب ولب كل شيء خالصه ولذلك قيل للعقل : لب قال النحاس : سمعت أبا إسحاق يقول قال لي أحمد بن يحيى ثعلب : أتعرف في كلام العرب شيئا من المضاعف جاء على فعل قلت نعم حكى سيبويه عن يونس : لببت تلب فاستحسنه وقال : ما أعرف له نظيرا < <

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> فيه أربع عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( الحج أشهر معلومات ) لما ذكر الحج والعمرة سبحانه وتعالى في قوله : وأتموا الحج والعمرة لله بين اختلافهما في الوقت فجميع السنة وقت للإحرام بالعمرة ووقت العمرة وأما الحج فيقع في السنة مرة فلا يكون في غير هذه الأشهر والحج أشهر معلومات ابتداء وخبر وفي الكلام حذف تقديره : أشهر الحج أشهر أو وقت الحج أشهر أو وقت عمل الحج أشهر وقيل التقدير : الحج في أشهر ويلزمه مع سقوط حرف الجر نصب الأشهر ولم يقرأ أحد بنصبها إلا أنه يجوز في الكلام النصب على أنه ظرف قال الفراء : الأشهر رفع لأن معناه وقت الحج أشهر معلومات قال الفراء : وسمعت الكسائي يقول : إنما الصيف شهران وإنما الطيلسان ثلاثة أشهر أراد وقت الصيف ووقت لباس الطيلسان فحذف الثانية واختلف في الأشهر المعلومات فقال بن مسعود وبن عمر وعطاء والربيع ومجاهد والزهري : أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة كله وقال بن عباس والسدي والشعبي والنخعي : هي شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة وروي عن بن مسعود وقاله بن الزبير والقولان مرويان عن مالك حكى الأخير بن حبيب والأول بن المنذر وفائدة الفرق تعلق الدم فمن قال : إن ذا الحجة كله من أشهر الحج لم ير دما فيما يقع من الأعمال بعد يوم النحر لأنها في أشهر الحج وعلى القول الأخير ينقضي الحج بيوم النحر ويلزم الدم فيما عمل بعد ذلك لتأخيره عن وقته الثالثة لم يسم الله تعالى أشهر الحج في كتابه لأنها كانت معلومة عندهم ولفظ الأشهر قد يقع على شهرين وبعض الثالث لأن بعض الشهر يتنزل منزلة كله كما يقال : رأيتك سنة كذا أو على عهد فلان ولعله إنما رآه في ساعة منها فالوقت يذكر بعضه بكله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيام منى ثلاثة ( وإنما هي يومان وبعض الثالث ويقولون : رأيتك اليوم وجئتك العام وقيل : لما كان الإثنان وما فوقهما جمع قال أشهر والله أعلم الرابعة اختلف في الإهلال بالحج في غير أشهر الحج فروي عن بن عباس : من سنة الحج أن يحرم به في أشهر الحج وقال عطاء ومجاهد وطاوس والأوزاعي : من أحرم بالحج قبل أشهر الحج لم يجزه ذلك عن حجه ويكون عمرة كمن دخل في صلاة قبل وقتها فإنه لا تجزيه وتكون نافلة وبه قال الشافعي وأبو ثور وقال الأوزاعي : يحل بعمرة وقال أحمد بن حنبل : هذا مكروه وروى عن مالك والمشهور عنه جواز الإحرام بالحج في جميع السنة كلها وهو قول أبي حنيفة وقال النخعي : لا يحل حتى يقضي حجه لقوله تعالى : يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وقد تقدم القول فيها وما ذهب إليه الشافعي أصح لأن تلك عامة وهذه الآية خاصة ويحتمل أن يكون من باب النص على بعض أشخاص العموم لفضل هذه ألاشهر على غيرها وعليه فيكون قول مالك صحيحا والله أعلم الخامسة قوله تعالى : ( فمن فرض فيهن الحج ) أي ألزمه نفسه بالشروع فيه بالنية قصدا باطنا وبالإحرام فعلا ظاهرا وبالتلبية نطقا مسموعا قاله بن حبيب وأبو حنيفة في التلبية وليست التلبية عند الشافعي من أركان الحج وهو قول الحسن بن حي قال الشافعي : تكفي النية في الإحرام بالحج وأوجب التلبية أهل الظاهر وغيرهم وأصل الفرض في اللغة : الحز والقطع ومنه فرضة القوس والنهر والجبل ففرضية الحج لازمة للعبد الحر كلزوم الحز للقدح وقيل : فرض أي أبان وهذا يرجع إلى القطع لأن من قطع شيئا فقد أبانه عن غيره ومن رفع بالابتداء ومعناها الشرط والخبر قوله : فرض لأن من ليست بموصولة فكأنه قال : رجل فرض وقال : فيهن ولم يقل فيها فقال قوم : هما سواء في الإستعمال وقال المازني أبو عثمان : الجمع الكثير لما لا يعقل يأتي كالواحدة المؤنثة والقليل ليس كذلك تقول : الأجذاع انكسرن والجذوع انكسرت ويؤيد ذلك قول الله تعالى : إن عدة الشهور ثم قال : منها السادسة قوله تعالى : ( فلا رفث ) قال بن عباس وبن جبير والسدي وقتادة والحسن وعكرمة والزهري ومجاهد ومالك : الرفث الجماع اي فلا جماع لأنه يفسده وأجمع العلماء على أن الجماع قبل الوقوف بعرفة مفسد للحج وعليه حج قابل والهدي وقال عبد الله بن عمر وطاوس وعطاء وغيرهم : الرفث الإفحاش للمرأة بالكلام لقوله : إذا أحللنا فعلنا بك كذا من غير كناية وقاله بن عباس أيضا وأنشد وهو محرم : وهن يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير ننك لميسا فقال له صاحبه حصين بن قيس : أترفث وأنت محرم فقال : إن الرفث ما قيل عند النساء وقال قوم : الرفث الإفحاش بذكر النساء كان ذلك بحضرتهن أم لا وقيل : الرفث كلمة جامعة لما يريده الرجل من أهله وقال أبو عبيدة : الرفث اللغا من الكلام وأنشد : ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم يقال : رفث يرفث بضم الفاء وكسرها وقرأ بن مسعود فلا رفوث على الجمع قال بن العربي : المراد بقوله فلا رفث نفيه مشروعا لا موجدا فإنا نجد الرفث فيه ونشاهده وخبر الله سبحانه لا يجوز أن يقع بخلاف مخبره وإنما يرجع النفي إلى وجوده مشروعا لا إلى وجوده محسوسا كقوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء معناه : شرعا لا حسا فإنا نجد المطلقات لا يتربصن فعاد النفي إلى الحكم الشرعي لا إلى الوجود الحسي وهذا كقوله تعالى : لا يمسه إلا المطهرون الواقعة إذا قلنا : إنه وارد في الآدميين وهو الصحيح أن معناه لا يمسه أحد منهم شرعا فإن وجد المس فعلى خلاف حكم الشرع وهذه الدقيقة هي التي فاتت العلماء فقالوا : إن الخبر يكون بمعنى النهى وما وجد ذلك قط ولا يصح أن يوجد فإنهما مختلفان حقيقة ومتضادان وصفا السابعة قوله تعالى : ( ولا فسوق ) يعني جميع المعاصي كلها قاله بن عباس وعطاء والحسن وكذلك قال بن عمر وجماعة : الفسوق إتيان معاصي الله عز وجل في حال إحرامه بالحج كقتل الصيد وقص الظفر وأخذ الشعر وشبه ذلك وقال بن زيد ومالك : الفسوق الذبح للأصنام ومنه قوله تعالى : أو فسقا أهل لغير الله به وقال الضحاك : الفسوق التنابز بالألقاب ومنه قوله : بئس الأسم الفسوق وقال بن عمر أيضا : الفسوق السباب ومنه قوله عليه السلام : ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ( والقول الأول أصح لأنه يتناول جميع الأقوال قال صلى الله عليه وسلم : ( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ( ( والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ( خرجه مسلم وغيره وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( والذي نفسي بيده ما بين السماء والأرض من عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله أو حجة مبرورة لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال ( وقال الفقهاء : الحج المبرور هو الذي لم يعص الله تعالى فيه أثناء أدائه وقال الفراء : هو الذي لم يعص الله سبحانه بعده ذكر القولين بن العربي رحمه الله قلت : الحج المبرور هو الذي لم يعص الله سبحانه فيه لا بعده قال الحسن : الحج المبرور هو أن يرجع صاحبه زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة وقيل غير هذا وسئاتي الثامنة قوله تعالى : ( ولا جدال في الحج ) قرئ فلا رفث ولا فسوق بالرفع والتنوين فيهما وقرئا بالنصب بغير تنوين وأجمعوا على الفتح في ولا جدال وهو بالرفع قراءة النصب فيما قبله ولأن المقصود النفي العام من الرفث والفسوق والجدال وليكون الكلام على نظام واحد في عموم المنفي كله وعلى النصب أكثر القراء والأسماء الثلاثة في موضع رفع كل واحد مع لا وقوله في الحج خبر عن جميعها ووجه قراءة الرفع أن لا بمعنى ليس فأرتفع الأسم بعدها لأنه اسمها والخبر محذوف تقديره : فليس رفث ولا فسوق في الحج دل عليه في الحج الثاني الظاهر وهو خبر لا جدال وقال أبو عمرو بن العلاء : الرفع بمعنى فلا يكونن رفث ولا فسوق أي شيء يخرج من الحج ثم ابتدأ النفي فقال : ولا جدال قلت : فيحتمل أن تكون كان تامة مثل قوله : وإن كان ذو عسرة فلا تحتاج إلى خبر ويحتمل أن تكون ناقصة والخبر محذوف كما تقدم آنفا ويجوز أن يرفع رفث وفسوق بالابتداء ولا للنفي والخبر محذوف أيضا وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بالرفع في الثلاثة ورويت عن عاصم في بعض الطرق وعليه يكون ( في الحج خبر الثلاثة كما قلنا في قراءة النصب وإنما لم يحسن أن يكون في الحج خبر عن الجميع مع اختلاف القراءة لأن خبر ليس منصوب وخبر ولا جدال مرفوع لأن ولا جدال مقطوع من الأول وهو في موضع رفع بالابتداء ولا يعمل عاملان في اسم واحد ويجوز فلا رفث ولا فسوق تعطفه على الموضع وأنشد النحويون : لا نسب اليوم ولا خلة اتسع الخرق على الراقع ويجوز في الكلام فلا رفث ولا فسوقا ولا جدالا في الحج عطفا على اللفظ على ما كان يجب في لا قال الفراء : ومثله : فلا أب وابنا مثل مروان وابنه إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا وقال أبو رجاء العطاردي : فلا رفث ولا فسوق بالنصب فيهما ولا جدال بالرفع والتنوين وأنشد الأخفش : هذا وجدكم الصغار بعينه لا أم لي إن كان ذاك ولا أب وقيل : إن معنى فلا رفث ولا فسوق النهى اي لا ترفثوا ولا تفسقوا ومعنى ولا جدال النفي فلما اختلفا في المعنى خولف بينهما في اللفظ قال القشيري : وفيه نظر إذ قيل : ولا جدال نهى أيضا أي لا تجادلوا فلم فرق بينهما التاسعة قوله تعالى : ( ولا جدال ) الجدال وزنه فعال من المجادلة وهي مشتقة من الجدل وهو القتل ومنه زمام مجدول وقيل : هي مشتقة من الجدالة التي هي الأرض فكأن كل واحد من الخصمين يقاوم صاحبه حتى يغلبه فيكون كمن ضرب به الجدالة قال الشاعر : قد أركب الآلة بعد الآله وأترك العاجز بالجداله منعفرا ليست له محاله العاشرة واختلفت العلماء في المعنى المراد به هنا على أقوال ستة فقال بن مسعود وبن عباس وعطاء : الجدال هنا أن تماري مسلما حتى تغضبه فينتهى إلى السباب فأما مذاكرة العلم فلا نهى عنها وقال قتادة : الجدال السباب وقال بن زيد ومالك بن أنس : الجدال هنا أن يختلف الناس : أيهم صادف موقف إبراهيم عليه السلام كما كانوا يفعلون في الجاهلية حين كانت قريش تقف في غير موقف سائر العرب ثم يتجادلون بعد ذلك فالمعنى على هذا التأويل : لا جدال في مواضعه وقالت طائفة : الجدال هنا أن تقول طائفة : الحج اليوم وتقول طائفة : الحج غدا وقال مجاهد وطائفة معه : الجدال المماراة في الشهور حسب ما كانت عليه العرب من النسئ كانوا ربما جعلوا الحج في غير ذي الحجة ويقف بعضهم بجمع وبعضهم بعرفة ويتمارون في الصواب من ذلك قلت : فعلى هذين التأويلين لا جدال في وقته ولا في موضعه وهذان القولان أصح ما قيل في تأويل قوله ولا جدال لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ( الحديث وسيأتي في براءة يعني رجع أمر الحج كما كان أي عاد إلى يومه ووقته وقال صلى الله عليه وسلم لما حج : ( خذوا عني مناسككم ( فبين بهذا موقف الحج ومواضعه وقال محمد بن كعب القرظي : الجدال أن تقول طائفة : حجنا أبر من حجكم ويقول الآخر مثل ذلك وقيل : الجدال كان في الفخر بالآباء والله أعلم الحادية عشرة قوله تعالى : ( وما تفعلوا من خير يعلمه الله ) شرط وجوابه والمعنى : أن الله يجازيكم على أعمالكم لأن المجازاة إنما تقع من العالم بالشئ وقيل هو تحريض وحث على حسن الكلام مكان الفحش وعلى البر والتقوى في الأخلاق مكان الفسوق والجدال وقيل : جعل فعل الخير عبارة عن ضبط أنفسهم حتى لا يوجد ما نهوا عنه الثانية عشرة قوله تعالى : ( وتزودوا ) أمر باتخاذ الزاد قال بن عمر وعكرمة ومجاهد وقتادة وبن زيد : نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد ويقول بعضهم : كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا فكانوا يبقون عالة على الناس فنهوا عن ذلك وأمروا بالزاد وقال عبد الله بن الزبير : كان الناس يتكل بعضهم على بعض بالزاد فأمروا بالزاد وكان للنبي صلى الله عليه وسلم في مسيره راحلة عليها زاد وقدم عليه ثلاثمائة رجل من مزينة فلما أرادوا أن ينصرفوا قال : ( يا عمر زود القوم ( وقال بعض الناس : تزودوا الرفيق الصالح وقال بن عطية : وهذا تخصيص ضعيف والأولى في معنى الآية : وتزودوا لمعادكم من الأعمال الصالحة قلت : القول الأول أصح فإن المراد الزاد المتخذ في سفر الحج المأكول حقيقة كما ذكرنا كما روى البخاري عن بن عباس قال : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون : نحن المتوكلون فإذا قدموا مكة سألوا الناس فأنزل الله تعالى : وتزودوا فإن خير الزاد التقوى وهذا نص فيما ذكرنا وعليه أكثر المفسرين قال الشعبي : الزاد التمر والسويق بن جبير : الكعك والسويق قال بن العربي : أمر الله تعالى بالتزود لمن كان له مال ومن لم يكن له مال فإن كان ذا حرفة تنفق في الطريق أو سائلا فلا خطاب عليه وإنما خاطب الله أهل الأموال الذين كانوا يتركون أموالهم ويخرجون بغير زاد ويقولون : نحن المتوكلون والتوكل له شروط من قام بها خرج بغير زاد ولا يدخل في الخطاب فإنه خرج على الأغلب من الخلق وهم المقصرون عن درجة التوكل الغافلون عن حقائقه والله عز وجل أعلم قال أبو الفرج الجوزي : وقد لبس إبليس على قوم يدعون التوكل فخرجوا بلا زاد وظنوا أن هذا هو التوكل وهم على غاية الخطأ قال رجل لأحمد بن حنبل : أريد أن أخرج إلى مكة على التوكل بغير زاد فقال له أحمد : اخرج في غير القافلة فقال لا إلا معهم قال : فعلى جرب الناس توكلت الثالثة عشرة قوله تعالى : ( فإن خير الزاد التقوى ) أخبر تعالى أن خير الزاد اتقاء المنهيات فأمرهم أن يضموا إلى التزود التقوى وجاء قوله فإن خير الزاد التقوى محمولا على المعنى لأن معنى وتزودوا : اتقوا الله في اتباع ما أمركم به من الخروج بالزاد وقيل : يحتمل أن يكون المعنى : فإن خير الزاد ما اتقى به المسافر من الهلكة أو الحاجة إلى السؤال والتكفف وقيل : فيه تنبيه على أن هذه الدار ليست بدار قرار قال أهل الإشارات : ذكرهم الله تعالى سفر الآخرة وحثهم على تزود التقوى فإن التقوى زاد الآخرة قال الأعشى : إذ أنت لم ترحل بزاد من التقى ولا قيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على الا تكون كمثله وأنك لم ترصد كما كان أرصدا وقال آخر : الموت بحر طامح موجه تذهب فيه حيلة السابح يا نفس إني قائل فاسمعي مقالة من مشفق ناصح لا يصحب الإنسان في قبره غير التقى والعمل الصالح الرابعة عشرة قوله تعالى : ( واتقون يا أولى الألباب ) خص أولى الألباب بالخطاب وإن كان الأمر يعم الكل لأنهم الذين قامت عليهم حجة الله وهم قابلو أوامره والناهضون بها والالباب جمع لب ولب كل شيء خالصه ولذلك قيل للعقل : لب قال النحاس : سمعت أبا إسحاق يقول قال لي أحمد بن يحيى ثعلب : أتعرف في كلام العرب شيئا من المضاعف جاء على فعل قلت نعم حكى سيبويه عن يونس : لببت تلب فاستحسنه وقال : ما أعرف له نظيرا < <

%0
10 Bölüm