Abschnitt V04/P565–V04/P566İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V04/P565–V04/P566)
Orijinal Metin (AR)وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم: أول جبار كان في الأرض نمرود، فبعث الله عليه بعوضة، فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه فضرب بهما رأسه، وكان جبارا أربعمائة سنة، فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه، ثم أماته الله. وهو الذي كان بنى صرحا إلى السماء، وهو الذي قال الله: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} وقال آخرون: بل هو بختنصر. وذكروا من المكر الذي حكى الله هاهنا، كما قال في سورة إبراهيم: {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} [إبراهيم: 46] . وقال آخرون: هذا من باب المثل، لإبطال ما صنعه هؤلاء الذين كفروا بالله وأشركوا في عبادته غيره، كما قال نوح، عليه السلام: {ومكروا مكرا كبارا} [نوح: 22] أي: احتالوا في إضلال الناس بكل حيلة وأمالوهم إلى شركهم بكل وسيلة، كما يقول لهم أتباعهم يوم القيامة: {بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا} [الآية] [سبأ: 33] . وقوله: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} أي: اجتثه من أصله، وأبطل عملهم، وأصلها كما قال تعالى: {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} [المائدة: 64] . وقوله: {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] . وقال هاهنا: {فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ثم يوم القيامة يخزيهم} أي: يظهر فضائحهم، وما كانت تجنه ضمائرهم، فيجعله علانية، كما قال تعالى: {يوم تبلى السرائر} [الطارق: 9] أي: تظهر وتشتهر ، كما في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان" . وهكذا هؤلاء، يظهر للناس ما كانوا يسرونه من المكر، ويخزيهم الله على رءوس الخلائق، ويقول لهم الرب تبارك وتعالى مقرعا لهم وموبخا: {أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم} تحاربون وتعادون في سبيلهم، [أي] : أين هم عن نصركم وخلاصكم هاهنا؟ {هل ينصرونكم أو ينتصرون} [الشعراء: 93] ، {فما له من قوة ولا ناصر} [الطارق: 10] . فإذا توجهت عليهم الحجة، وقامت عليهم الدلالة، وحقت عليهم الكلمة، وأسكتوا عن الاعتذار حين لا فرار {قال الذين أوتوا العلم} -وهم السادة في الدنيا والآخرة، والمخبرون عن الحق في الدنيا والآخرة، فيقولون حينئذ: {إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين} أي: الفضيحة والعذاب اليوم [محيط] بمن كفر بالله، وأشرك به ما لا يضره ولا ينفعه. {الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين } يخبر تعالى عن حال المشركين الظالمي أنفسهم عند احتضارهم ومجيء الملائكة إليهم لقبض أرواحهم: {فألقوا السلم} أي: أظهروا السمع والطاعة والانقياد قائلين: {ما كنا نعمل من سوء} كما يقولون يوم المعاد: {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] {يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم} [المجادلة: 18] . قال الله مكذبا لهم في قيلهم ذلك: {بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين} أي: بئس المقيل والمقام والمكان من دار هوان، لمن كان متكبرا عن آيات الله واتباع رسله. وهم يدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم، ويأتي أجسادهم في قبورها من حرها وسمومها، فإذا كان يوم القيامة سلكت أرواحهم في أجسادهم، وخلدت في نار جهنم، {لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها} [فاطر: 36] ، كما قال الله تعالى: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر: 46] .
Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم: أول جبار كان في الأرض نمرود، فبعث الله عليه بعوضة، فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه فضرب بهما رأسه، وكان جبارا أربعمائة سنة، فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه، ثم أماته الله. وهو الذي كان بنى صرحا إلى السماء، وهو الذي قال الله: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} وقال آخرون: بل هو بختنصر. وذكروا من المكر الذي حكى الله هاهنا، كما قال في سورة إبراهيم: {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} [إبراهيم: 46] . وقال آخرون: هذا من باب المثل، لإبطال ما صنعه هؤلاء الذين كفروا بالله وأشركوا في عبادته غيره، كما قال نوح، عليه السلام: {ومكروا مكرا كبارا} [نوح: 22] أي: احتالوا في إضلال الناس بكل حيلة وأمالوهم إلى شركهم بكل وسيلة، كما يقول لهم أتباعهم يوم القيامة: {بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا} [الآية] [سبأ: 33] . وقوله: {فأتى الله بنيانهم من القواعد} أي: اجتثه من أصله، وأبطل عملهم، وأصلها كما قال تعالى: {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} [المائدة: 64] . وقوله: {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2] . وقال هاهنا: {فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ثم يوم القيامة يخزيهم} أي: يظهر فضائحهم، وما كانت تجنه ضمائرهم، فيجعله علانية، كما قال تعالى: {يوم تبلى السرائر} [الطارق: 9] أي: تظهر وتشتهر ، كما في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان" . وهكذا هؤلاء، يظهر للناس ما كانوا يسرونه من المكر، ويخزيهم الله على رءوس الخلائق، ويقول لهم الرب تبارك وتعالى مقرعا لهم وموبخا: {أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم} تحاربون وتعادون في سبيلهم، [أي] : أين هم عن نصركم وخلاصكم هاهنا؟ {هل ينصرونكم أو ينتصرون} [الشعراء: 93] ، {فما له من قوة ولا ناصر} [الطارق: 10] . فإذا توجهت عليهم الحجة، وقامت عليهم الدلالة، وحقت عليهم الكلمة، وأسكتوا عن الاعتذار حين لا فرار {قال الذين أوتوا العلم} -وهم السادة في الدنيا والآخرة، والمخبرون عن الحق في الدنيا والآخرة، فيقولون حينئذ: {إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين} أي: الفضيحة والعذاب اليوم [محيط] بمن كفر بالله، وأشرك به ما لا يضره ولا ينفعه. {الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين } يخبر تعالى عن حال المشركين الظالمي أنفسهم عند احتضارهم ومجيء الملائكة إليهم لقبض أرواحهم: {فألقوا السلم} أي: أظهروا السمع والطاعة والانقياد قائلين: {ما كنا نعمل من سوء} كما يقولون يوم المعاد: {والله ربنا ما كنا مشركين} [الأنعام: 23] {يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم} [المجادلة: 18] . قال الله مكذبا لهم في قيلهم ذلك: {بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين} أي: بئس المقيل والمقام والمكان من دار هوان، لمن كان متكبرا عن آيات الله واتباع رسله. وهم يدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم، ويأتي أجسادهم في قبورها من حرها وسمومها، فإذا كان يوم القيامة سلكت أرواحهم في أجسادهم، وخلدت في نار جهنم، {لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها} [فاطر: 36] ، كما قال الله تعالى: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر: 46] .
Abschnitt V04/P566–V04/P568İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V04/P566–V04/P568)
Orijinal Metin (AR){وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } هذا خبر عن السعداء، بخلاف ما أخبر به عن الأشقياء، فإن أولئك قيل لهم: {ماذا أنزل ربكم} فقالوا معرضين عن الجواب: لم ينزل شيئا، إنما هذا أساطير الأولين. وهؤلاء {قالوا خيرا} أي: أنزل خيرا، أي: رحمة وبركة وحسنا لمن اتبعه وآمن به. ثم أخبروا عما وعد الله [به] عباده فيما أنزله على رسله فقالوا: {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير} كما قال تعالى: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل: 97] ، أي: من أحسن عمله في الدنيا أحسن الله إليه في الدنيا والآخرة. ثم أخبر بأن دار الآخرة خير، أي: من الحياة الدنيا، والجزاء فيها أتم من الجزاء في الدنيا، كما قال تعالى: {وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير} [القصص: 80] وقال تعالى: {وما عند الله خير للأبرار} [آل عمران: 198] وقال تعالى {والآخرة خير وأبقى} [الأعلى: 17] ، وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم : {وللآخرة خير لك من الأولى} [الضحى: 4] . ثم وصفوا الدار الآخرة فقالوا : {ولنعم دار المتقين} وقوله: {جنات عدن} بدل من [قوله] : {دار المتقين} أي: لهم في [الدار] الآخرة {جنات عدن} أي: إقامة يدخلونها {تجري من تحتها الأنهار} أي: بين أشجارها وقصورها، {لهم فيها ما يشاءون} كما قال تعالى: {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون} [الزخرف: 71] ، وفي الحديث: "إن السحابة لتمر بالملأ من أهل الجنة وهم جلوس على شرابهم ، فلا يشتهي أحد منهم شيئا إلا أمطرته عليهم، حتى إن منهم لمن يقول: أمطرينا كواعب أترابا، فيكون ذلك " . { كذلك يجزي الله المتقين} أي: كذلك يجزي الله كل من آمن به واتقاه وأحسن عمله. ثم أخبر تعالى عن حالهم عند الاحتضار، أنهم طيبون، أي: مخلصون من الشرك والدنس وكل سوء، وأن الملائكة تسلم عليهم وتبشرهم بالجنة، كما قال تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم} [فصلت: 30 -32] . وقد قدمنا الأحاديث الواردة في قبض روح المؤمن وروح الكافر عند قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} [إبراهيم: 27] . {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } يقول تعالى متهددا للمشركين على تماديهم في الباطل واغترارهم بالدنيا: هل ينتظر هؤلاء إلا الملائكة أن تأتيهم بقبض أرواحهم، قاله قتادة. {أو يأتي أمر ربك} أي: يوم القيامة وما يعاينونه من الأهوال. وقوله: {كذلك فعل الذين من قبلهم} أي: هكذا تمادى في شركهم أسلافهم ونظراؤهم وأشباههم من المشركين حتى ذاقوا بأس الله، وحلوا فيما هم فيه من العذاب والنكال. {وما ظلمهم الله} ؛ لأنه تعالى أعذر إليهم، وأقام حججه عليهم بإرسال رسله وإنزال كتبه، {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} أي: بمخالفة الرسل والتكذيب بما جاءوا به، فلهذا أصابتهم عقوبة الله على ذلك، {وحاق بهم} أي: أحاط بهم من العذاب الأليم {ما كانوا به يستهزئون} أي: يسخرون من الرسل إذا توعدوهم بعقاب الله؛ فلهذا يقال يوم القيامة: {هذه النار التي كنتم بها تكذبون} [الطور: 14] .
Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet){وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } هذا خبر عن السعداء، بخلاف ما أخبر به عن الأشقياء، فإن أولئك قيل لهم: {ماذا أنزل ربكم} فقالوا معرضين عن الجواب: لم ينزل شيئا، إنما هذا أساطير الأولين. وهؤلاء {قالوا خيرا} أي: أنزل خيرا، أي: رحمة وبركة وحسنا لمن اتبعه وآمن به. ثم أخبروا عما وعد الله [به] عباده فيما أنزله على رسله فقالوا: {للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير} كما قال تعالى: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل: 97] ، أي: من أحسن عمله في الدنيا أحسن الله إليه في الدنيا والآخرة. ثم أخبر بأن دار الآخرة خير، أي: من الحياة الدنيا، والجزاء فيها أتم من الجزاء في الدنيا، كما قال تعالى: {وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير} [القصص: 80] وقال تعالى: {وما عند الله خير للأبرار} [آل عمران: 198] وقال تعالى {والآخرة خير وأبقى} [الأعلى: 17] ، وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم : {وللآخرة خير لك من الأولى} [الضحى: 4] . ثم وصفوا الدار الآخرة فقالوا : {ولنعم دار المتقين} وقوله: {جنات عدن} بدل من [قوله] : {دار المتقين} أي: لهم في [الدار] الآخرة {جنات عدن} أي: إقامة يدخلونها {تجري من تحتها الأنهار} أي: بين أشجارها وقصورها، {لهم فيها ما يشاءون} كما قال تعالى: {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون} [الزخرف: 71] ، وفي الحديث: "إن السحابة لتمر بالملأ من أهل الجنة وهم جلوس على شرابهم ، فلا يشتهي أحد منهم شيئا إلا أمطرته عليهم، حتى إن منهم لمن يقول: أمطرينا كواعب أترابا، فيكون ذلك " . { كذلك يجزي الله المتقين} أي: كذلك يجزي الله كل من آمن به واتقاه وأحسن عمله. ثم أخبر تعالى عن حالهم عند الاحتضار، أنهم طيبون، أي: مخلصون من الشرك والدنس وكل سوء، وأن الملائكة تسلم عليهم وتبشرهم بالجنة، كما قال تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم} [فصلت: 30 -32] . وقد قدمنا الأحاديث الواردة في قبض روح المؤمن وروح الكافر عند قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} [إبراهيم: 27] . {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } يقول تعالى متهددا للمشركين على تماديهم في الباطل واغترارهم بالدنيا: هل ينتظر هؤلاء إلا الملائكة أن تأتيهم بقبض أرواحهم، قاله قتادة. {أو يأتي أمر ربك} أي: يوم القيامة وما يعاينونه من الأهوال. وقوله: {كذلك فعل الذين من قبلهم} أي: هكذا تمادى في شركهم أسلافهم ونظراؤهم وأشباههم من المشركين حتى ذاقوا بأس الله، وحلوا فيما هم فيه من العذاب والنكال. {وما ظلمهم الله} ؛ لأنه تعالى أعذر إليهم، وأقام حججه عليهم بإرسال رسله وإنزال كتبه، {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} أي: بمخالفة الرسل والتكذيب بما جاءوا به، فلهذا أصابتهم عقوبة الله على ذلك، {وحاق بهم} أي: أحاط بهم من العذاب الأليم {ما كانوا به يستهزئون} أي: يسخرون من الرسل إذا توعدوهم بعقاب الله؛ فلهذا يقال يوم القيامة: {هذه النار التي كنتم بها تكذبون} [الطور: 14] .
Abschnitt V04/P568–V04/P570İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V04/P568–V04/P570)
Orijinal Metin (AR){وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين } يخبر تعالى عن اغترار المشركين بما هم فيه من الشرك واعتذارهم محتجين بالقدر، في قولهم: {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء} أي: من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك، مما كانوا ابتدعوه واخترعوه من تلقاء أنفسهم، ما لم ينزل الله به سلطانا. ومضمون كلامهم: أنه لو كان تعالى كارها لما فعلنا، لأنكره علينا بالعقوبة ولما مكنا منه. قال الله رادا عليهم شبهتهم: {فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} أي: ليس الأمر كما تزعمون أنه لم يعيره عليكم ولم ينكره، بل قد أنكره عليكم أشد الإنكار، ونهاكم عنه آكد النهي، وبعث في كل أمة رسولا أي: في كل قرن من الناس وطائفة رسولا وكلهم يدعو إلى عبادة الله، وينهى عن عبادة ما سواه: {أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} فلم يزل تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك، منذ حدث الشرك في بني آدم، في قوم نوح الذين أرسل إليهم نوح، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض إلى أن ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب، وكلهم كما قال الله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25] ، وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} [الزخرف: 45] ، وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء} فمشيئته تعالى الشرعية منتفية ؛ لأنه نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله، وأما مشيئته الكونية، وهي تمكينهم من ذلك قدرا، فلا حجة لهم فيها لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة، وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله في ذلك حجة بالغة وحكمة قاطعة. ثم إنه تعالى قد أخبر أنه عير عليهم، وأنكر عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل؛ فلهذا قال: {فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} أي: اسألوا عما كان من أمر من خالف الرسل وكذب الحق كيف {دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها} [محمد: 10] ، {ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير} [الملك: 18] . ثم أخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن حرصه على هدايتهم لا ينفعهم، إذا كان الله قد أراد إضلالهم، كما قال تعالى: {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا} [المائدة: 41] ، وقال نوح لقومه: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} [هود: 34] ، وقال في هذه الآية الكريمة: {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل} كما قال تعالى: {من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأعراف: 186] ، وقال تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97] . فقوله: {فإن الله} أي: شأنه وأمره أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن؛ فلهذا قال: {لا يهدي من يضل} أي: من أضله فمن الذي يهديه من بعد الله؟ أي: لا أحد {وما لهم من ناصرين} أي: ينقذونهم من عذابه ووثاقه، {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} [الأعراف: 54] .
Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet){وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين } يخبر تعالى عن اغترار المشركين بما هم فيه من الشرك واعتذارهم محتجين بالقدر، في قولهم: {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء} أي: من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك، مما كانوا ابتدعوه واخترعوه من تلقاء أنفسهم، ما لم ينزل الله به سلطانا. ومضمون كلامهم: أنه لو كان تعالى كارها لما فعلنا، لأنكره علينا بالعقوبة ولما مكنا منه. قال الله رادا عليهم شبهتهم: {فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} أي: ليس الأمر كما تزعمون أنه لم يعيره عليكم ولم ينكره، بل قد أنكره عليكم أشد الإنكار، ونهاكم عنه آكد النهي، وبعث في كل أمة رسولا أي: في كل قرن من الناس وطائفة رسولا وكلهم يدعو إلى عبادة الله، وينهى عن عبادة ما سواه: {أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} فلم يزل تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك، منذ حدث الشرك في بني آدم، في قوم نوح الذين أرسل إليهم نوح، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض إلى أن ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب، وكلهم كما قال الله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25] ، وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} [الزخرف: 45] ، وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء} فمشيئته تعالى الشرعية منتفية ؛ لأنه نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله، وأما مشيئته الكونية، وهي تمكينهم من ذلك قدرا، فلا حجة لهم فيها لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة، وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله في ذلك حجة بالغة وحكمة قاطعة. ثم إنه تعالى قد أخبر أنه عير عليهم، وأنكر عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل؛ فلهذا قال: {فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} أي: اسألوا عما كان من أمر من خالف الرسل وكذب الحق كيف {دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها} [محمد: 10] ، {ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير} [الملك: 18] . ثم أخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن حرصه على هدايتهم لا ينفعهم، إذا كان الله قد أراد إضلالهم، كما قال تعالى: {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا} [المائدة: 41] ، وقال نوح لقومه: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} [هود: 34] ، وقال في هذه الآية الكريمة: {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل} كما قال تعالى: {من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأعراف: 186] ، وقال تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس: 96، 97] . فقوله: {فإن الله} أي: شأنه وأمره أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن؛ فلهذا قال: {لا يهدي من يضل} أي: من أضله فمن الذي يهديه من بعد الله؟ أي: لا أحد {وما لهم من ناصرين} أي: ينقذونهم من عذابه ووثاقه، {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} [الأعراف: 54] .
Abschnitt V04/P570–V04/P571İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V04/P570–V04/P571)
Orijinal Metin (AR){وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } يقول تعالى مخبرا عن المشركين: أنهم حلفوا فأقسموا {بالله جهد أيمانهم} أي: اجتهدوا في الحلف وغلظوا الأيمان على أنه {لا يبعث الله من يموت} أي: استبعدوا ذلك، فكذبوا الرسل في إخبارهم لهم بذلك، وحلفوا على نقيضه. فقال تعالى مكذبا لهم وردا عليهم: {بلى} أي: بلى سيكون ذلك، {وعدا عليه حقا} أي: لا بد منه، {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي: فلجهلهم يخالفون الرسل ويقعون في الكفر. ثم ذكر تعالى حكمته في المعاد وقيام الأجساد يوم التناد، فقال: {ليبين لهم} أي: للناس {الذي يختلفون فيه} أي: من كل شيء، و {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} [النجم: 31] ، {وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} أي: في أيمانهم وأقسامهم: لا يبعث الله من يموت؛ ولهذا يدعون يوم القيامة إلى نار جهنم دعا، وتقول لهم الزبانية: {هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون} [الطور: 14 -16] . ثم أخبر تعالى عن قدرته على ما يشاء، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: "كن"، فيكون، والمعاد من ذلك إذا أراد كونه فإنما يأمر به مرة واحدة، فيكون كما يشاء، كما قال {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} [القمر: 50] وقال: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} [لقمان: 28] ، وقال في هذه الآية الكريمة: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} [النحل: 40] ، أي: أن يأمر به دفعة واحدة فإذا هو كائن، كما قال الشاعر : إذا ما أراد الله أمرا فإنما يقول له: "كن"، قولة فيكون أي: أنه تعالى لا يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به، فإنه تعالى لا يمانع ولا يخالف، لأنه [هو] الواحد القهار العظيم، الذي قهر سلطانه وجبروته وعزته كل شيء، فلا إله إلا هو ولا رب سواه. وقال ابن أبي حاتم: ذكر الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني عطاء: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال الله تعالى: سبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يسبني، وكذبني ولم يكن ينبغي له أن يكذبني، فأما تكذيبه إياي فقال: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت} قال: وقلت: {بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون} وأما سبه إياي فقال: {إن الله ثالث ثلاثة} [المائدة: 73] ، وقلت: {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد} [سورة الإخلاص] . هكذا ذكره موقوفا، وهو في الصحيحين مرفوعا، بلفظ آخر . {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون } يخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين في سبيله ابتغاء مرضاته، الذين فارقوا الدار والإخوان والخلان، رجاء ثواب الله وجزائه. ويحتمل أن يكون سبب نزول هذه الآية الكريمة في مهاجرة الحبشة الذي اشتد أذى قومهم لهم بمكة، حتى خرجوا من بين أظهرهم إلى بلاد الحبشة، ليتمكنوا من عبادة ربهم، ومن أشرافهم: عثمان بن عفان، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعفر بن أبي طالب، ابن عم الرسول وأبو سلمة بن عبد الأسد في جماعة قريب من ثمانين، ما بين رجل وامرأة، صديق وصديقة، رضي الله عنهم وأرضاهم. وقد فعل فوعدهم تعالى بالمجازاة الحسنة في الدنيا والآخرة فقال: {لنبوئنهم في الدنيا حسنة} قال ابن عباس والشعبي، وقتادة: المدينة. وقيل: الرزق الطيب، قاله مجاهد.
Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet){وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } يقول تعالى مخبرا عن المشركين: أنهم حلفوا فأقسموا {بالله جهد أيمانهم} أي: اجتهدوا في الحلف وغلظوا الأيمان على أنه {لا يبعث الله من يموت} أي: استبعدوا ذلك، فكذبوا الرسل في إخبارهم لهم بذلك، وحلفوا على نقيضه. فقال تعالى مكذبا لهم وردا عليهم: {بلى} أي: بلى سيكون ذلك، {وعدا عليه حقا} أي: لا بد منه، {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي: فلجهلهم يخالفون الرسل ويقعون في الكفر. ثم ذكر تعالى حكمته في المعاد وقيام الأجساد يوم التناد، فقال: {ليبين لهم} أي: للناس {الذي يختلفون فيه} أي: من كل شيء، و {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} [النجم: 31] ، {وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} أي: في أيمانهم وأقسامهم: لا يبعث الله من يموت؛ ولهذا يدعون يوم القيامة إلى نار جهنم دعا، وتقول لهم الزبانية: {هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون} [الطور: 14 -16] . ثم أخبر تعالى عن قدرته على ما يشاء، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: "كن"، فيكون، والمعاد من ذلك إذا أراد كونه فإنما يأمر به مرة واحدة، فيكون كما يشاء، كما قال {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} [القمر: 50] وقال: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} [لقمان: 28] ، وقال في هذه الآية الكريمة: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} [النحل: 40] ، أي: أن يأمر به دفعة واحدة فإذا هو كائن، كما قال الشاعر : إذا ما أراد الله أمرا فإنما يقول له: "كن"، قولة فيكون أي: أنه تعالى لا يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به، فإنه تعالى لا يمانع ولا يخالف، لأنه [هو] الواحد القهار العظيم، الذي قهر سلطانه وجبروته وعزته كل شيء، فلا إله إلا هو ولا رب سواه. وقال ابن أبي حاتم: ذكر الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني عطاء: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال الله تعالى: سبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يسبني، وكذبني ولم يكن ينبغي له أن يكذبني، فأما تكذيبه إياي فقال: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت} قال: وقلت: {بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون} وأما سبه إياي فقال: {إن الله ثالث ثلاثة} [المائدة: 73] ، وقلت: {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد} [سورة الإخلاص] . هكذا ذكره موقوفا، وهو في الصحيحين مرفوعا، بلفظ آخر . {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون } يخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين في سبيله ابتغاء مرضاته، الذين فارقوا الدار والإخوان والخلان، رجاء ثواب الله وجزائه. ويحتمل أن يكون سبب نزول هذه الآية الكريمة في مهاجرة الحبشة الذي اشتد أذى قومهم لهم بمكة، حتى خرجوا من بين أظهرهم إلى بلاد الحبشة، ليتمكنوا من عبادة ربهم، ومن أشرافهم: عثمان بن عفان، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعفر بن أبي طالب، ابن عم الرسول وأبو سلمة بن عبد الأسد في جماعة قريب من ثمانين، ما بين رجل وامرأة، صديق وصديقة، رضي الله عنهم وأرضاهم. وقد فعل فوعدهم تعالى بالمجازاة الحسنة في الدنيا والآخرة فقال: {لنبوئنهم في الدنيا حسنة} قال ابن عباس والشعبي، وقتادة: المدينة. وقيل: الرزق الطيب، قاله مجاهد.
Abschnitt V04/P571–V04/P573İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V04/P571–V04/P573)
Orijinal Metin (AR)ولا منافاة بين القولين، فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم فعوضهم الله خيرا منها في الدنيا، فإن من ترك شيئا لله عوضه الله بما هو خير له منه وكذلك وقع فإنهم مكن الله لهم في البلاد وحكمهم على رقاب العباد، فصاروا أمراء حكاما، وكل منهم للمتقين إماما، وأخبر أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا، فقال: {ولأجر الآخرة أكبر} أي: مما أعطيناهم في الدنيا {لو كانوا يعلمون} أي: لو كان المتخلفون عن الهجرة معهم يعلمون ما ادخر الله لمن أطاعه واتبع رسوله؛ ولهذا قال هشيم، عن العوام، عمن حدثه؛ أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه يقول: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أفضل، ثم قرأ هذه الآية: {لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} . ثم وصفهم تعالى فقال: {الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} أي: صبروا على أقل من آذاهم من قومهم، متوكلين على الله الذي أحسن لهم العاقبة في الدنيا والآخرة. {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } قال الضحاك، عن ابن عباس: لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا. فأنزل الله: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم} [يونس: 2] ، وقال {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} يعني: أهل الكتب الماضية: أبشر كانت الرسل التي أتتكم أم ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة أنكرتم، وإن كانوا بشرا فلا تنكروا أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم رسولا؟ [و] قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} ليسوا من أهل السماء كما قلتم. وهكذا روي عن مجاهد، عن ابن عباس، أن المراد بأهل الذكر: أهل الكتاب. وقاله مجاهد، والأعمش. وقول عبد الرحمن بن زيد -الذكر: القرآن واستشهد بقوله: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9]-صحيح، [و] لكن ليس هو المراد هاهنا؛ لأن المخالف لا يرجع في إثباته بعد إنكاره إليه. وكذا قول أبي جعفر الباقر: "نحن أهل الذكر" -ومراده أن هذه الأمة أهل الذكر-صحيح، فإن هذه الأمة أعلم من جميع الأمم السالفة، وعلماء أهل بيت الرسول، عليهم السلام والرحمة، من خير العلماء إذا كانوا على السنة المستقيمة، كعلي، وابن عباس، وبني علي: الحسن والحسين، ومحمد بن الحنفية، وعلي بن الحسين زين العابدين، وعلي بن عبد الله بن عباس، وأبي جعفر الباقر -وهو محمد بن علي بن الحسين-وجعفر ابنه، وأمثالهم وأضرابهم وأشكالهم، ممن هو متمسك بحبل الله المتين وصراطه المستقيم، وعرف لكل ذي حق حقه، ونزل كل المنزل الذي أعطاه الله ورسوله واجتمع إليه قلوب عباده المؤمنين. والغرض أن هذه الآية الكريمة أخبرت أن الرسل الماضين قبل محمد صلى الله عليه وسلم كانوا بشرا كما هو بشر، كما قال تعالى: {قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا} [الإسراء: 93، 94] وقال تعالى: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق} [الفرقان: 20] وقال {وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين [ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين] } [الأنبياء: 8، 9] ، وقال: {قل ما كنت بدعا من الرسل} [الأحقاف: 9] ، وقال تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي} [الكهف: 110] . ثم أرشد الله تعالى من شك في كون الرسل كانوا بشرا، إلى سؤال أصحاب الكتب المتقدمة عن الأنبياء الذين سلفوا: هل كان أنبياؤهم بشرا أو ملائكة؟ ثم ذكر تعالى أنه أرسلهم {بالبينات} أي: بالدلالات والحجج، {والزبر} وهي الكتب. قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وغيرهم.
Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)ولا منافاة بين القولين، فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم فعوضهم الله خيرا منها في الدنيا، فإن من ترك شيئا لله عوضه الله بما هو خير له منه وكذلك وقع فإنهم مكن الله لهم في البلاد وحكمهم على رقاب العباد، فصاروا أمراء حكاما، وكل منهم للمتقين إماما، وأخبر أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا، فقال: {ولأجر الآخرة أكبر} أي: مما أعطيناهم في الدنيا {لو كانوا يعلمون} أي: لو كان المتخلفون عن الهجرة معهم يعلمون ما ادخر الله لمن أطاعه واتبع رسوله؛ ولهذا قال هشيم، عن العوام، عمن حدثه؛ أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه يقول: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أفضل، ثم قرأ هذه الآية: {لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} . ثم وصفهم تعالى فقال: {الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} أي: صبروا على أقل من آذاهم من قومهم، متوكلين على الله الذي أحسن لهم العاقبة في الدنيا والآخرة. {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } قال الضحاك، عن ابن عباس: لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا. فأنزل الله: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم} [يونس: 2] ، وقال {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} يعني: أهل الكتب الماضية: أبشر كانت الرسل التي أتتكم أم ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة أنكرتم، وإن كانوا بشرا فلا تنكروا أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم رسولا؟ [و] قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} ليسوا من أهل السماء كما قلتم. وهكذا روي عن مجاهد، عن ابن عباس، أن المراد بأهل الذكر: أهل الكتاب. وقاله مجاهد، والأعمش. وقول عبد الرحمن بن زيد -الذكر: القرآن واستشهد بقوله: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9]-صحيح، [و] لكن ليس هو المراد هاهنا؛ لأن المخالف لا يرجع في إثباته بعد إنكاره إليه. وكذا قول أبي جعفر الباقر: "نحن أهل الذكر" -ومراده أن هذه الأمة أهل الذكر-صحيح، فإن هذه الأمة أعلم من جميع الأمم السالفة، وعلماء أهل بيت الرسول، عليهم السلام والرحمة، من خير العلماء إذا كانوا على السنة المستقيمة، كعلي، وابن عباس، وبني علي: الحسن والحسين، ومحمد بن الحنفية، وعلي بن الحسين زين العابدين، وعلي بن عبد الله بن عباس، وأبي جعفر الباقر -وهو محمد بن علي بن الحسين-وجعفر ابنه، وأمثالهم وأضرابهم وأشكالهم، ممن هو متمسك بحبل الله المتين وصراطه المستقيم، وعرف لكل ذي حق حقه، ونزل كل المنزل الذي أعطاه الله ورسوله واجتمع إليه قلوب عباده المؤمنين. والغرض أن هذه الآية الكريمة أخبرت أن الرسل الماضين قبل محمد صلى الله عليه وسلم كانوا بشرا كما هو بشر، كما قال تعالى: {قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا} [الإسراء: 93، 94] وقال تعالى: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق} [الفرقان: 20] وقال {وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين [ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين] } [الأنبياء: 8، 9] ، وقال: {قل ما كنت بدعا من الرسل} [الأحقاف: 9] ، وقال تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي} [الكهف: 110] . ثم أرشد الله تعالى من شك في كون الرسل كانوا بشرا، إلى سؤال أصحاب الكتب المتقدمة عن الأنبياء الذين سلفوا: هل كان أنبياؤهم بشرا أو ملائكة؟ ثم ذكر تعالى أنه أرسلهم {بالبينات} أي: بالدلالات والحجج، {والزبر} وهي الكتب. قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وغيرهم.
Abschnitt V04/P573–V04/P575İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V04/P573–V04/P575)
Orijinal Metin (AR)والزبر: جمع زبور، تقول العرب: زبرت الكتاب إذا كتبته، وقال تعالى: {وكل شيء فعلوه في الزبر} [القمر: 52] وقال: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105] . ثم قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر} يعني: القرآن، {لتبين للناس ما نزل إليهم} من ربهم، أي: لعلمك بمعنى ما أنزل عليك، وحرصك عليه، واتباعك له، ولعلمنا بأنك أفضل الخلائق وسيد ولد آدم، فتفصل لهم ما أجمل، وتبين لهم ما أشكل: {ولعلهم يتفكرون} أي: ينظرون لأنفسهم فيهتدون، فيفوزون بالنجاة في الدارين. {أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم } يخبر تعالى عن حلمه [وإمهاله] وإنظاره العصاة الذين يعملون السيئات ويدعون إليها، ويمكرون بالناس في دعائهم إياهم وحملهم عليها، مع قدرته على {أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون} أي: من حيث لا يعلمون مجيئه إليهم، كما قال تعالى: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير} [الملك: 16، 17] ، وقوله {أو يأخذهم في تقلبهم} أي: في تقلبهم في المعايش واشتغالهم بها، من أسفار ونحوها من الأشغال الملهية. قال قتادة والسدي: {تقلبهم} أي: أسفارهم. وقال مجاهد، والضحاك: {في تقلبهم} في الليل والنهار، كما قال تعالى: {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون} [الأعراف: 97، 98] . وقوله {فما هم بمعجزين} أي: لا يعجزون الله على أي حال كانوا عليه. وقوله: {أو يأخذهم على تخوف} أي: أو يأخذهم الله في حال خوفهم من أخذه لهم، فإنه يكون أبلغ وأشد حالة الأخذ؛ فإن حصول ما يتوقع مع الخوف شديد؛ ولهذا قال العوفي، عن ابن عباس: {أو يأخذهم على تخوف} يقول: إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه وتخوفه بذلك. وكذا روي عن مجاهد، والضحاك، وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى: {فإن ربكم لرءوف رحيم} أي: حيث لم يعاجلكم بالعقوبة، كما ثبت في الصحيحين " [لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم " ، وفي الصحيحين] إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} [هود: 102] وقال تعالى: {وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير} [الحج: 48] . {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون } يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه الذي خضع له كل شيء، ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها: جمادها وحيواناتها، ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة، فأخبر أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال، أي: بكرة وعشيا، فإنه ساجد بظله لله تعالى. قال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله عز وجل. وكذا قال قتادة، والضحاك، وغيرهم. وقوله: {وهم داخرون} أي: صاغرون. وقال مجاهد أيضا: سجود كل شيء فيه. وذكر الجبال قال: سجودها فيها. وقال أبو غالب الشيباني: أمواج البحر صلاته. ونزلهم منزلة من يعقل إذ أسند السجود إليهم. ثم قال: {ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة} كما قال: {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال} [الرعد: 15] ، وقوله: {والملائكة وهم لا يستكبرون} أي: تسجد لله أي غير مستكبرين عن عبادته، {يخافون ربهم من فوقهم} أي: يسجدون خائفين وجلين من الرب جل جلاله، {ويفعلون ما يؤمرون} أي: مثابرين على طاعته تعالى، وامتثال أوامره، وترك زواجره.
Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)والزبر: جمع زبور، تقول العرب: زبرت الكتاب إذا كتبته، وقال تعالى: {وكل شيء فعلوه في الزبر} [القمر: 52] وقال: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105] . ثم قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر} يعني: القرآن، {لتبين للناس ما نزل إليهم} من ربهم، أي: لعلمك بمعنى ما أنزل عليك، وحرصك عليه، واتباعك له، ولعلمنا بأنك أفضل الخلائق وسيد ولد آدم، فتفصل لهم ما أجمل، وتبين لهم ما أشكل: {ولعلهم يتفكرون} أي: ينظرون لأنفسهم فيهتدون، فيفوزون بالنجاة في الدارين. {أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم } يخبر تعالى عن حلمه [وإمهاله] وإنظاره العصاة الذين يعملون السيئات ويدعون إليها، ويمكرون بالناس في دعائهم إياهم وحملهم عليها، مع قدرته على {أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون} أي: من حيث لا يعلمون مجيئه إليهم، كما قال تعالى: {أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير} [الملك: 16، 17] ، وقوله {أو يأخذهم في تقلبهم} أي: في تقلبهم في المعايش واشتغالهم بها، من أسفار ونحوها من الأشغال الملهية. قال قتادة والسدي: {تقلبهم} أي: أسفارهم. وقال مجاهد، والضحاك: {في تقلبهم} في الليل والنهار، كما قال تعالى: {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون} [الأعراف: 97، 98] . وقوله {فما هم بمعجزين} أي: لا يعجزون الله على أي حال كانوا عليه. وقوله: {أو يأخذهم على تخوف} أي: أو يأخذهم الله في حال خوفهم من أخذه لهم، فإنه يكون أبلغ وأشد حالة الأخذ؛ فإن حصول ما يتوقع مع الخوف شديد؛ ولهذا قال العوفي، عن ابن عباس: {أو يأخذهم على تخوف} يقول: إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه وتخوفه بذلك. وكذا روي عن مجاهد، والضحاك، وقتادة وغيرهم. ثم قال تعالى: {فإن ربكم لرءوف رحيم} أي: حيث لم يعاجلكم بالعقوبة، كما ثبت في الصحيحين " [لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم " ، وفي الصحيحين] إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} [هود: 102] وقال تعالى: {وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير} [الحج: 48] . {أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون } يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه الذي خضع له كل شيء، ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها: جمادها وحيواناتها، ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة، فأخبر أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال، أي: بكرة وعشيا، فإنه ساجد بظله لله تعالى. قال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله عز وجل. وكذا قال قتادة، والضحاك، وغيرهم. وقوله: {وهم داخرون} أي: صاغرون. وقال مجاهد أيضا: سجود كل شيء فيه. وذكر الجبال قال: سجودها فيها. وقال أبو غالب الشيباني: أمواج البحر صلاته. ونزلهم منزلة من يعقل إذ أسند السجود إليهم. ثم قال: {ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة} كما قال: {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال} [الرعد: 15] ، وقوله: {والملائكة وهم لا يستكبرون} أي: تسجد لله أي غير مستكبرين عن عبادته، {يخافون ربهم من فوقهم} أي: يسجدون خائفين وجلين من الرب جل جلاله، {ويفعلون ما يؤمرون} أي: مثابرين على طاعته تعالى، وامتثال أوامره، وترك زواجره.
Abschnitt V04/P575–V04/P577İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V04/P575–V04/P577)
Orijinal Metin (AR){وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون } {ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون } يقرر تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه لا ينبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، فإنه مالك كل شيء وخالقه وربه. {وله الدين واصبا} قال ابن عباس، ومجاهد وعكرمة وميمون بن مهران، والسدي، وقتادة، وغير واحد: أي دائما. وعن ابن عباس أيضا: واجبا. وقال مجاهد: خالصا. أي: له العبادة وحده ممن في السماوات والأرض، كقوله: {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها} [آل عمران: 83] . هذا على قول ابن عباس وعكرمة، فيكون من باب الخبر، وأما على قول مجاهد فإنه يكون من باب الطلب، أي: ارهبوا أن تشركوا به شيئا، وأخلصوا له الطلب ، كما في قوله تعالى: {ألا لله الدين الخالص} [الزمر: 3] . ثم أخبر أنه مالك النفع والضر، وأن ما بالعبد من رزق ونعمة وعافية ونصر فمن فضله عليه وإحسانه إليه. {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} أي: لعلمكم أنه لا يقدر على إزالته إلا هو، فإنكم عند الضرورات تلجئون إليه، وتسألونه وتلحون في الرغبة مستغيثين به كما قال تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا} [الإسراء: 67] ، وقال هاهنا: {ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم} قيل: "اللام" هاهنا لام العاقبة. وقيل: لام التعليل، بمعنى: قيضنا لهم ذلك ليكفروا، أي: يستروا ويجحدوا نعم الله عليهم، وأنه المسدي إليهم النعم، الكاشف عنهم النقم. ثم توعدهم قائلا {فتمتعوا} أي: اعملوا ما شئتم وتمتعوا بما أنتم فيه قليلا {فسوف تعلمون} أي: عاقبة ذلك. {ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم } يخبر تعالى عن قبائح المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأصنام والأوثان والأنداد، وجعلوا لها نصيبا مما رزقهم الله فقالوا: {هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله [بغير علم] وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم} [الأنعام: 136] أي: جعلوا لآلهتهم نصيبا مع الله وفضلوهم أيضا على جانبه، فأقسم الله تعالى بنفسه الكريمة ليسألنهم عن ذلك الذي افتروه، وائتفكوه، وليقابلنهم عليه وليجازينهم أوفر الجزاء في نار جهنم، فقال: {تالله لتسألن عما كنتم تفترون} ثم أخبر تعالى عنهم أنهم جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا، وجعلوها بنات الله، وعبدوها معه، فأخطؤوا خطأ كبيرا في كل مقام من هذه المقامات الثلاث، فنسبوا إليه تعالى أن له ولدا، ولا ولد له! ثم أعطوه أخس القسمين من الأولاد وهو البنات، وهم لا يرضونها لأنفسهم، كما قال: {ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى} [النجم: 21، 22] وقال هاهنا: {ويجعلون لله البنات سبحانه} أي: عن قولهم وإفكهم {ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون أصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون} [الصافات: 151 -154] .
Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet){وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون } {ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون } يقرر تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه لا ينبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، فإنه مالك كل شيء وخالقه وربه. {وله الدين واصبا} قال ابن عباس، ومجاهد وعكرمة وميمون بن مهران، والسدي، وقتادة، وغير واحد: أي دائما. وعن ابن عباس أيضا: واجبا. وقال مجاهد: خالصا. أي: له العبادة وحده ممن في السماوات والأرض، كقوله: {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها} [آل عمران: 83] . هذا على قول ابن عباس وعكرمة، فيكون من باب الخبر، وأما على قول مجاهد فإنه يكون من باب الطلب، أي: ارهبوا أن تشركوا به شيئا، وأخلصوا له الطلب ، كما في قوله تعالى: {ألا لله الدين الخالص} [الزمر: 3] . ثم أخبر أنه مالك النفع والضر، وأن ما بالعبد من رزق ونعمة وعافية ونصر فمن فضله عليه وإحسانه إليه. {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} أي: لعلمكم أنه لا يقدر على إزالته إلا هو، فإنكم عند الضرورات تلجئون إليه، وتسألونه وتلحون في الرغبة مستغيثين به كما قال تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا} [الإسراء: 67] ، وقال هاهنا: {ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم} قيل: "اللام" هاهنا لام العاقبة. وقيل: لام التعليل، بمعنى: قيضنا لهم ذلك ليكفروا، أي: يستروا ويجحدوا نعم الله عليهم، وأنه المسدي إليهم النعم، الكاشف عنهم النقم. ثم توعدهم قائلا {فتمتعوا} أي: اعملوا ما شئتم وتمتعوا بما أنتم فيه قليلا {فسوف تعلمون} أي: عاقبة ذلك. {ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم } يخبر تعالى عن قبائح المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأصنام والأوثان والأنداد، وجعلوا لها نصيبا مما رزقهم الله فقالوا: {هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله [بغير علم] وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم} [الأنعام: 136] أي: جعلوا لآلهتهم نصيبا مع الله وفضلوهم أيضا على جانبه، فأقسم الله تعالى بنفسه الكريمة ليسألنهم عن ذلك الذي افتروه، وائتفكوه، وليقابلنهم عليه وليجازينهم أوفر الجزاء في نار جهنم، فقال: {تالله لتسألن عما كنتم تفترون} ثم أخبر تعالى عنهم أنهم جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا، وجعلوها بنات الله، وعبدوها معه، فأخطؤوا خطأ كبيرا في كل مقام من هذه المقامات الثلاث، فنسبوا إليه تعالى أن له ولدا، ولا ولد له! ثم أعطوه أخس القسمين من الأولاد وهو البنات، وهم لا يرضونها لأنفسهم، كما قال: {ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى} [النجم: 21، 22] وقال هاهنا: {ويجعلون لله البنات سبحانه} أي: عن قولهم وإفكهم {ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون أصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون} [الصافات: 151 -154] .
Abschnitt V04/P577–V04/P578İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V04/P577–V04/P578)
Orijinal Metin (AR)وقوله: {ولهم ما يشتهون} أي: يختارون لأنفسهم الذكور ويأنفون لأنفسهم من البنات التي نسبوها إلى الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، فإنه {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا} أي: كئيبا من الهم، {وهو كظيم} ساكت من شدة ما هو فيه من الحزن، {يتوارى من القوم} أي: يكره أن يراه الناس {من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب} أي: إن أبقاها أبقاها مهانة لا يورثها، ولا يعتني بها، ويفضل أولاده الذكور عليها، {أم يدسه في التراب} أي: يئدها: وهو: أن يدفنها فيه حية، كما كانوا يصنعون في الجاهلية، أفمن يكرهونه هذه الكراهة ويأنفون لأنفسهم عنه يجعلونه لله؟ {ألا ساء ما يحكمون} أي: بئس ما قالوا، وبئس ما قسموا، وبئس ما نسبوا إليه، كما قال تعالى: {وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم} [الزخرف: 17] ، وقال هاهنا: {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء} أي: النقص إنما ينسب إليهم، {ولله المثل الأعلى} أي: الكمال المطلق من كل وجه، وهو منسوب إليه، {وهو العزيز الحكيم} {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون } يخبر تعالى عن حلمه بخلقه مع ظلمهم، وأنه لو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك على ظهر الأرض من دابة، أي: لأهلك جميع دواب الأرض تبعا لإهلاك بني آدم، ولكن الرب، جل جلاله، يحلم ويستر، وينظر {إلى أجل مسمى} أي: لا يعاجلهم بالعقوبة؛ إذ لو فعل ذلك بهم لما أبقى أحدا. قال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص أنه قال: كاد الجعل أن يعذب بذنب بني آدم، وقرأ: {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة} . وكذا روى الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: كاد الجعل أن يهلك في جحره بخطيئة بني آدم. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا إسماعيل بن حكيم الخزاعي، حدثنا محمد بن جابر الحنفي ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: سمع أبو هريرة رجلا وهو يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه . قال: فالتفت إليه فقال: بلى والله، حتى إن الحبارى لتموت في وكرها [هزالا] بظلم الظالم . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، أنبأنا الوليد بن عبد الملك بن عبيد الله بن مسرح، حدثنا سليمان بن عطاء، عن مسلمة بن عبد الله، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي، عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، قال: ذكرنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله لا يؤخر شيئا إذا جاء أجله، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة، يرزقها الله العبد فيدعون له من بعده، فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر" . وقوله: {ويجعلون لله ما يكرهون} أي: من البنات ومن الشركاء الذين هم [من] عبيده، وهم يأنفون أن يكون عند أحدهم شريك له في ماله.
Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وقوله: {ولهم ما يشتهون} أي: يختارون لأنفسهم الذكور ويأنفون لأنفسهم من البنات التي نسبوها إلى الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، فإنه {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا} أي: كئيبا من الهم، {وهو كظيم} ساكت من شدة ما هو فيه من الحزن، {يتوارى من القوم} أي: يكره أن يراه الناس {من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب} أي: إن أبقاها أبقاها مهانة لا يورثها، ولا يعتني بها، ويفضل أولاده الذكور عليها، {أم يدسه في التراب} أي: يئدها: وهو: أن يدفنها فيه حية، كما كانوا يصنعون في الجاهلية، أفمن يكرهونه هذه الكراهة ويأنفون لأنفسهم عنه يجعلونه لله؟ {ألا ساء ما يحكمون} أي: بئس ما قالوا، وبئس ما قسموا، وبئس ما نسبوا إليه، كما قال تعالى: {وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم} [الزخرف: 17] ، وقال هاهنا: {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء} أي: النقص إنما ينسب إليهم، {ولله المثل الأعلى} أي: الكمال المطلق من كل وجه، وهو منسوب إليه، {وهو العزيز الحكيم} {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون } يخبر تعالى عن حلمه بخلقه مع ظلمهم، وأنه لو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك على ظهر الأرض من دابة، أي: لأهلك جميع دواب الأرض تبعا لإهلاك بني آدم، ولكن الرب، جل جلاله، يحلم ويستر، وينظر {إلى أجل مسمى} أي: لا يعاجلهم بالعقوبة؛ إذ لو فعل ذلك بهم لما أبقى أحدا. قال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص أنه قال: كاد الجعل أن يعذب بذنب بني آدم، وقرأ: {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة} . وكذا روى الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: كاد الجعل أن يهلك في جحره بخطيئة بني آدم. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا إسماعيل بن حكيم الخزاعي، حدثنا محمد بن جابر الحنفي ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: سمع أبو هريرة رجلا وهو يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه . قال: فالتفت إليه فقال: بلى والله، حتى إن الحبارى لتموت في وكرها [هزالا] بظلم الظالم . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، أنبأنا الوليد بن عبد الملك بن عبيد الله بن مسرح، حدثنا سليمان بن عطاء، عن مسلمة بن عبد الله، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي، عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، قال: ذكرنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله لا يؤخر شيئا إذا جاء أجله، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة، يرزقها الله العبد فيدعون له من بعده، فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر" . وقوله: {ويجعلون لله ما يكرهون} أي: من البنات ومن الشركاء الذين هم [من] عبيده، وهم يأنفون أن يكون عند أحدهم شريك له في ماله.
Abschnitt V04/P578–V04/P580İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V04/P578–V04/P580)
Orijinal Metin (AR)وقوله: {وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى} إنكار عليهم في دعواهم مع ذلك أن لهم الحسنى في الدنيا، وإن كان ثم معاد ففيه أيضا لهم الحسنى، وإخبار عن قيل من قال منهم، كقوله: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور} [هود: 9، 10] ، وكقوله : {ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ} [فصلت: 50] ، وقوله: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا [أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا] } [مريم: 77، 78] وقال إخبارا عن أحد الرجلين: أنه {ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا} [الكهف: 35، 36]-فجمع هؤلاء بين عمل السوء وتمني الباطل، بأن يجازوا على ذلك حسنا وهذا مستحيل، كما ذكر ابن إسحاق: أنه وجد حجر في أساس الكعبة حين نقضوها ليجددوها مكتوب عليه حكم ومواعظ، فمن ذلك: تعملون السيئات ويجزون الحسنات؟ أجل كما يجتنى من الشوك العنب . وقال مجاهد، وقتادة: {وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى} أي الغلمان. وقال ابن جرير: {أن لهم الحسنى} أي: يوم القيامة، كما قدمنا بيانه، وهو الصواب، ولله الحمد. ولهذا قال الله تعالى رادا عليهم في تمنيهم [ذلك] {لا جرم} أي: حقا لا بد منه {أن لهم النار} أي: يوم القيامة، {وأنهم مفرطون} قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة وغيرهم: منسيون فيها مضيعون. وهذا كقوله تعالى: {فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا} [الأعراف: 51] . وعن قتادة أيضا: {مفرطون} أي: معجلون إلى النار، من الفرط وهو السابق إلى الورد ولا منافاة لأنهم يعجل بهم يوم القيامة إلى النار، وينسون فيها، أي: يخلدون. {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } {والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون } يذكر تعالى أنه أرسل إلى الأمم الخالية رسلا فكذبت الرسل، فلك يا محمد في إخوانك من المرسلين أسوة، فلا يهيدنك تكذيب قومك لك، وأما المشركون الذين كذبوا الرسل، فإنما حملهم على ذلك تزيين الشيطان لهم ما فعلوه، {فهو وليهم اليوم} أي: هم تحت العقوبة والنكال، والشيطان وليهم، ولا يملك لهم خلاصا؛ ولا صريخ لهم ولهم عذاب أليم. ثم قال تعالى لرسوله: أنه إنما أنزل عليه الكتاب ليبين للناس الذي يختلفون فيه، فالقرآن فاصل بين الناس في كل ما يتنازعون فيه {وهدى} أي: للقلوب، {ورحمة} أي: لمن تمسك به، {لقوم يؤمنون} وكما جعل تعالى القرآن حياة للقلوب الميتة بكفرها، كذلك يحيي [الله] الأرض بعد موتها بما ينزله عليها من السماء من ماء، {إن في ذلك لآية لقوم يسمعون} أي: يفهمون الكلام ومعناه. {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون } يقول تعالى: {وإن لكم} أيها الناس {في الأنعام} وهي: الإبل والبقر والغنم، {لعبرة} أي: لآية ودلالة على قدرة خالقها وحكمته ولطفه ورحمته، {نسقيكم مما في بطونه} وأفرد هاهنا [الضمير] عودا على معنى النعم، أو الضمير عائد على الحيوان؛ فإن الأنعام حيوانات، أي نسقيكم مما في بطن هذا الحيوان. وفي الآية الأخرى: {مما في بطونها} [المؤمنون: 21] ، ويجوز هذا وهذا، كما في قوله تعالى: {كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره} [المدثر: 54، 55] ، وفي قوله تعالى: {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون فلما جاء سليمان} [النمل: 35، 36] أي: المال.
Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وقوله: {وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى} إنكار عليهم في دعواهم مع ذلك أن لهم الحسنى في الدنيا، وإن كان ثم معاد ففيه أيضا لهم الحسنى، وإخبار عن قيل من قال منهم، كقوله: {ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور} [هود: 9، 10] ، وكقوله : {ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ} [فصلت: 50] ، وقوله: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا [أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا] } [مريم: 77، 78] وقال إخبارا عن أحد الرجلين: أنه {ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا} [الكهف: 35، 36]-فجمع هؤلاء بين عمل السوء وتمني الباطل، بأن يجازوا على ذلك حسنا وهذا مستحيل، كما ذكر ابن إسحاق: أنه وجد حجر في أساس الكعبة حين نقضوها ليجددوها مكتوب عليه حكم ومواعظ، فمن ذلك: تعملون السيئات ويجزون الحسنات؟ أجل كما يجتنى من الشوك العنب . وقال مجاهد، وقتادة: {وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى} أي الغلمان. وقال ابن جرير: {أن لهم الحسنى} أي: يوم القيامة، كما قدمنا بيانه، وهو الصواب، ولله الحمد. ولهذا قال الله تعالى رادا عليهم في تمنيهم [ذلك] {لا جرم} أي: حقا لا بد منه {أن لهم النار} أي: يوم القيامة، {وأنهم مفرطون} قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة وغيرهم: منسيون فيها مضيعون. وهذا كقوله تعالى: {فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا} [الأعراف: 51] . وعن قتادة أيضا: {مفرطون} أي: معجلون إلى النار، من الفرط وهو السابق إلى الورد ولا منافاة لأنهم يعجل بهم يوم القيامة إلى النار، وينسون فيها، أي: يخلدون. {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } {والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون } يذكر تعالى أنه أرسل إلى الأمم الخالية رسلا فكذبت الرسل، فلك يا محمد في إخوانك من المرسلين أسوة، فلا يهيدنك تكذيب قومك لك، وأما المشركون الذين كذبوا الرسل، فإنما حملهم على ذلك تزيين الشيطان لهم ما فعلوه، {فهو وليهم اليوم} أي: هم تحت العقوبة والنكال، والشيطان وليهم، ولا يملك لهم خلاصا؛ ولا صريخ لهم ولهم عذاب أليم. ثم قال تعالى لرسوله: أنه إنما أنزل عليه الكتاب ليبين للناس الذي يختلفون فيه، فالقرآن فاصل بين الناس في كل ما يتنازعون فيه {وهدى} أي: للقلوب، {ورحمة} أي: لمن تمسك به، {لقوم يؤمنون} وكما جعل تعالى القرآن حياة للقلوب الميتة بكفرها، كذلك يحيي [الله] الأرض بعد موتها بما ينزله عليها من السماء من ماء، {إن في ذلك لآية لقوم يسمعون} أي: يفهمون الكلام ومعناه. {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون } يقول تعالى: {وإن لكم} أيها الناس {في الأنعام} وهي: الإبل والبقر والغنم، {لعبرة} أي: لآية ودلالة على قدرة خالقها وحكمته ولطفه ورحمته، {نسقيكم مما في بطونه} وأفرد هاهنا [الضمير] عودا على معنى النعم، أو الضمير عائد على الحيوان؛ فإن الأنعام حيوانات، أي نسقيكم مما في بطن هذا الحيوان. وفي الآية الأخرى: {مما في بطونها} [المؤمنون: 21] ، ويجوز هذا وهذا، كما في قوله تعالى: {كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره} [المدثر: 54، 55] ، وفي قوله تعالى: {وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون فلما جاء سليمان} [النمل: 35، 36] أي: المال.
Abschnitt V04/P580–V04/P581İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V04/P580–V04/P581)
Orijinal Metin (AR)وقوله: {من بين فرث ودم لبنا خالصا} أي: يتخلص الدم بياضه وطعمه وحلاوته من بين فرث ودم في باطن الحيوان، فيسري كل إلى موطنه، إذا نضج الغذاء في معدته تصرف منه دم إلى العروق، ولبن إلى الضرع وبول إلى المثانة، وروث إلى المخرج، وكل منها لا يشوب الآخر ولا يمازجه بعد انفصاله عنه، ولا يتغير به. وقوله: {لبنا خالصا سائغا للشاربين} أي: لا يغص به أحد . ولما ذكر اللبن وأنه تعالى جعله شرابا للناس سائغا ، ثنى بذكر ما يتخذه الناس من الأشربة، من ثمرات النخيل والأعناب، وما كانوا يصنعون من النبيذ المسكر قبل تحريمه؛ ولهذا امتن به عليهم فقال: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا} دل على إباحته شرعا قبل تحريمه، ودل على التسوية بين السكر المتخذ من العنب، والمتخذ من النخل كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء، وكذا حكم سائر الأشربة المتخذة من الحنطة والشعير والذرة والعسل، كما جاءت السنة بتفصيل ذلك، وليس هذا موضع بسط ذلك، كما قال ابن عباس في قوله: {سكرا ورزقا حسنا} قال: السكر: ما حرم من ثمرتيهما، والرزق الحسن ما أحل من ثمرتيهما. وفي رواية: السكر حرامه، والرزق الحسن حلاله. يعني: ما يبس منهما من تمر وزبيب، وما عمل منهما من طلاء -وهو الدبس -وخل ونبيذ، حلال يشرب قبل أن يشتد، كما وردت السنة بذلك. {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون} ناسب ذكر العقل هاهنا، فإنه أشرف ما في الإنسان؛ ولهذا حرم الله على هذه الأمة الأشربة المسكرة صيانة لعقولها؛ قال الله تعالى: {وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون} [يس: 34 -36] . {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } المراد بالوحي هاهنا: الإلهام والهداية والإرشاد إلى النحل أن تتخذ من الجبال بيوتا تأوي إليها، ومن الشجر، ومما يعرشون. ثم هي محكمة في غاية الإتقان في تسديسها ورصها، بحيث لا يكون بينها خلل. ثم أذن لها تعالى إذنا قدريا تسخيريا أن تأكل من كل الثمرات، وأن تسلك الطرق التي جعلها الله تعالى لها مذللة، أي: سهلة عليها حيث شاءت في هذا الجو العظيم والبراري الشاسعة، والأودية والجبال الشاهقة، ثم تعود كل واحدة منها إلى موضعها وبيتها، لا تحيد عنه يمنة ولا يسرة، بل إلى بيتها وما لها فيه من فراخ وعسل، فتبني الشمع من أجنحتها، وتقيء العسل من فيها وتبيض الفراخ من دبرها، ثم تصبح إلى مراعيها. وقال قتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {فاسلكي سبل ربك ذللا} أي: مطيعة. فجعلاه حالا من السالكة. قال ابن زيد: وهو كقول الله تعالى: {وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون} [يس: 72] قال: ألا ترى أنهم ينقلون النحل من بيوته من بلد إلى بلد وهو يصحبهم. والقول الأول أظهر، وهو أنه حال من الطريق، أي: فاسلكيها مذللة لك، نص عليه مجاهد. وقال ابن جرير: كلا القولين صحيح . وقد قال أبو يعلى الموصلي: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا سكين بن عبد العزيز، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عمر الذباب أربعون يوما، والذباب كله في النار إلا النحل" . وقوله تعالى {يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه} أي: ما بين أبيض وأصفر وأحمر وغير ذلك من الألوان الحسنة، على اختلاف مراعيها ومأكلها منها . وقوله: {فيه شفاء للناس} أي: في العسل شفاء للناس من أدواء تعرض لهم. قال بعض من تكلم على الطب النبوي: لو قال فيه: "الشفاء للناس" لكان دواء لكل داء، ولكن قال {فيه شفاء للناس} أي: يصلح لكل أحد من أدواء باردة، فإنه حار، والشيء يداوى بضده. وقال مجاهد بن جبر في قوله: {فيه شفاء للناس} يعني: القرآن.
Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وقوله: {من بين فرث ودم لبنا خالصا} أي: يتخلص الدم بياضه وطعمه وحلاوته من بين فرث ودم في باطن الحيوان، فيسري كل إلى موطنه، إذا نضج الغذاء في معدته تصرف منه دم إلى العروق، ولبن إلى الضرع وبول إلى المثانة، وروث إلى المخرج، وكل منها لا يشوب الآخر ولا يمازجه بعد انفصاله عنه، ولا يتغير به. وقوله: {لبنا خالصا سائغا للشاربين} أي: لا يغص به أحد . ولما ذكر اللبن وأنه تعالى جعله شرابا للناس سائغا ، ثنى بذكر ما يتخذه الناس من الأشربة، من ثمرات النخيل والأعناب، وما كانوا يصنعون من النبيذ المسكر قبل تحريمه؛ ولهذا امتن به عليهم فقال: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا} دل على إباحته شرعا قبل تحريمه، ودل على التسوية بين السكر المتخذ من العنب، والمتخذ من النخل كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء، وكذا حكم سائر الأشربة المتخذة من الحنطة والشعير والذرة والعسل، كما جاءت السنة بتفصيل ذلك، وليس هذا موضع بسط ذلك، كما قال ابن عباس في قوله: {سكرا ورزقا حسنا} قال: السكر: ما حرم من ثمرتيهما، والرزق الحسن ما أحل من ثمرتيهما. وفي رواية: السكر حرامه، والرزق الحسن حلاله. يعني: ما يبس منهما من تمر وزبيب، وما عمل منهما من طلاء -وهو الدبس -وخل ونبيذ، حلال يشرب قبل أن يشتد، كما وردت السنة بذلك. {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون} ناسب ذكر العقل هاهنا، فإنه أشرف ما في الإنسان؛ ولهذا حرم الله على هذه الأمة الأشربة المسكرة صيانة لعقولها؛ قال الله تعالى: {وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون} [يس: 34 -36] . {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } المراد بالوحي هاهنا: الإلهام والهداية والإرشاد إلى النحل أن تتخذ من الجبال بيوتا تأوي إليها، ومن الشجر، ومما يعرشون. ثم هي محكمة في غاية الإتقان في تسديسها ورصها، بحيث لا يكون بينها خلل. ثم أذن لها تعالى إذنا قدريا تسخيريا أن تأكل من كل الثمرات، وأن تسلك الطرق التي جعلها الله تعالى لها مذللة، أي: سهلة عليها حيث شاءت في هذا الجو العظيم والبراري الشاسعة، والأودية والجبال الشاهقة، ثم تعود كل واحدة منها إلى موضعها وبيتها، لا تحيد عنه يمنة ولا يسرة، بل إلى بيتها وما لها فيه من فراخ وعسل، فتبني الشمع من أجنحتها، وتقيء العسل من فيها وتبيض الفراخ من دبرها، ثم تصبح إلى مراعيها. وقال قتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {فاسلكي سبل ربك ذللا} أي: مطيعة. فجعلاه حالا من السالكة. قال ابن زيد: وهو كقول الله تعالى: {وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون} [يس: 72] قال: ألا ترى أنهم ينقلون النحل من بيوته من بلد إلى بلد وهو يصحبهم. والقول الأول أظهر، وهو أنه حال من الطريق، أي: فاسلكيها مذللة لك، نص عليه مجاهد. وقال ابن جرير: كلا القولين صحيح . وقد قال أبو يعلى الموصلي: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا سكين بن عبد العزيز، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عمر الذباب أربعون يوما، والذباب كله في النار إلا النحل" . وقوله تعالى {يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه} أي: ما بين أبيض وأصفر وأحمر وغير ذلك من الألوان الحسنة، على اختلاف مراعيها ومأكلها منها . وقوله: {فيه شفاء للناس} أي: في العسل شفاء للناس من أدواء تعرض لهم. قال بعض من تكلم على الطب النبوي: لو قال فيه: "الشفاء للناس" لكان دواء لكل داء، ولكن قال {فيه شفاء للناس} أي: يصلح لكل أحد من أدواء باردة، فإنه حار، والشيء يداوى بضده. وقال مجاهد بن جبر في قوله: {فيه شفاء للناس} يعني: القرآن.