Qur'an&Sunnahالقرآن

İbn Kesîr - Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm

İbn Kesîr · AR

Abschnitt V06/P135–V06/P137İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P135–V06/P137)
Orijinal Metin (AR)

وقال سعيد بن جبير: الرحيم بمن تاب إليه وأناب. {وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن أرسل معنا بني إسرائيل قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين } {قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } يقول تعالى مخبرا عما أمر به عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران، صلوات الله وسلامه عليه، حين ناداه من جانب الطور الأيمن، وكلمه وناجاه، وأرسله واصطفاه، وأمره بالذهاب إلى فرعون وملئه؛ ولهذا قال: {أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون} هذه أعذار سأل من الله إزاحتها عنه، كما قال في سورة طه: {قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا قال قد أوتيت سؤلك يا موسى} [طه:25-36] . وقوله: {ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون} أي: بسبب ما كان [من] قتل ذلك القبطي الذي كان سبب خروجه من بلاد مصر. {قال كلا} أي: قال الله له: لا تخف من شيء من ذلك كما قال: {قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا} أي: برهانا {فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون} [القصص:35] . {فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون} كما قال تعالى: {إنني معكما أسمع وأرى} [طه:46] أي: إنني معكما بحفظي وكلاءتي ونصري وتأييدي. {فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين} ، وقال في الآية الأخرى: {إنا رسولا ربك} [طه:47] أي: كل منا رسول الله إليك، {أن أرسل معنا بني إسرائيل} أي: أطلقهم من إسارك وقبضتك وقهرك وتعذيبك، فإنهم عباد الله المؤمنون، وحزبه المخلصون، وهم معك في العذاب المهين. فلما قال له موسى ذلك أعرض فرعون عما هنالك بالكلية، ونظر بعين الازدراء والغمص فقال: {ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين. [وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين] } [أي: أما أنت الذي ربيناه فينا ] ، وفي بيتنا وعلى فراشنا [وغذيناه ] ، وأنعمنا عليه مدة من السنين، ثم بعد هذا قابلت ذلك الإحسان بتلك الفعلة، أن قتلت منا رجلا وجحدت نعمتنا عليك؛ ولهذا قال: {وأنت من الكافرين} أي: الجاحدين. قاله ابن عباس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير. {قال فعلتها إذا} أي: في تلك الحال، {وأنا من الضالين} أي: قبل أن يوحى إلي وينعم الله علي بالرسالة والنبوة . قال ابن عباس، رضي الله عنهما، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وغيرهم: {وأنا من الضالين} أي: الجاهلين. قال ابن جريج: وهي كذلك في قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. {ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين} أي: الحال الأول انفصل وجاء أمر آخر، فقد أرسلني الله إليك، فإن أطعته سلمت، وإن خالفته عطبت. ثم قال موسى: {وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل} أي: وما أحسنت إلي وربيتني مقابل ما أسأت إلى بني إسرائيل، فجعلتهم عبيدا وخدما، تصرفهم في أعمالك ومشاق رعيتك، أفيفي إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأت إلى مجموعهم؟ أي: ليس ما ذكرته شيئا بالنسبة إلى ما فعلت بهم. {قال فرعون وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون }

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقال سعيد بن جبير: الرحيم بمن تاب إليه وأناب. {وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن أرسل معنا بني إسرائيل قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين } {قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل } يقول تعالى مخبرا عما أمر به عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران، صلوات الله وسلامه عليه، حين ناداه من جانب الطور الأيمن، وكلمه وناجاه، وأرسله واصطفاه، وأمره بالذهاب إلى فرعون وملئه؛ ولهذا قال: {أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون} هذه أعذار سأل من الله إزاحتها عنه، كما قال في سورة طه: {قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا قال قد أوتيت سؤلك يا موسى} [طه:25-36] . وقوله: {ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون} أي: بسبب ما كان [من] قتل ذلك القبطي الذي كان سبب خروجه من بلاد مصر. {قال كلا} أي: قال الله له: لا تخف من شيء من ذلك كما قال: {قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا} أي: برهانا {فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون} [القصص:35] . {فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون} كما قال تعالى: {إنني معكما أسمع وأرى} [طه:46] أي: إنني معكما بحفظي وكلاءتي ونصري وتأييدي. {فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين} ، وقال في الآية الأخرى: {إنا رسولا ربك} [طه:47] أي: كل منا رسول الله إليك، {أن أرسل معنا بني إسرائيل} أي: أطلقهم من إسارك وقبضتك وقهرك وتعذيبك، فإنهم عباد الله المؤمنون، وحزبه المخلصون، وهم معك في العذاب المهين. فلما قال له موسى ذلك أعرض فرعون عما هنالك بالكلية، ونظر بعين الازدراء والغمص فقال: {ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين. [وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين] } [أي: أما أنت الذي ربيناه فينا ] ، وفي بيتنا وعلى فراشنا [وغذيناه ] ، وأنعمنا عليه مدة من السنين، ثم بعد هذا قابلت ذلك الإحسان بتلك الفعلة، أن قتلت منا رجلا وجحدت نعمتنا عليك؛ ولهذا قال: {وأنت من الكافرين} أي: الجاحدين. قاله ابن عباس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير. {قال فعلتها إذا} أي: في تلك الحال، {وأنا من الضالين} أي: قبل أن يوحى إلي وينعم الله علي بالرسالة والنبوة . قال ابن عباس، رضي الله عنهما، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وغيرهم: {وأنا من الضالين} أي: الجاهلين. قال ابن جريج: وهي كذلك في قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. {ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين} أي: الحال الأول انفصل وجاء أمر آخر، فقد أرسلني الله إليك، فإن أطعته سلمت، وإن خالفته عطبت. ثم قال موسى: {وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل} أي: وما أحسنت إلي وربيتني مقابل ما أسأت إلى بني إسرائيل، فجعلتهم عبيدا وخدما، تصرفهم في أعمالك ومشاق رعيتك، أفيفي إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأت إلى مجموعهم؟ أي: ليس ما ذكرته شيئا بالنسبة إلى ما فعلت بهم. {قال فرعون وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون }

Abschnitt V06/P137–V06/P138İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P137–V06/P138)
Orijinal Metin (AR)

يقول تعالى مخبرا عن كفر فرعون، وتمرده وطغيانه وجحوده، في قوله: {وما رب العالمين} ؟ وذلك أنه كان يقول لقومه: {ما علمت لكم من إله غيري} [القصص:38] ، {فاستخف قومه فأطاعوه} [الزخرف:54] ، وكانوا يجحدون الصانع -تعالى -ويعتقدون أنه لا رب لهم سوى فرعون، فلما قال له موسى: {إني رسول رب العالمين} [الزخرف:46] ، قال له: ومن هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟ هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف، حتى قال السدي: هذه الآية كقوله تعالى: {قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} [طه:49، 50] . ومن زعم من أهل المنطق وغيرهم؛ أن هذا سؤال عن الماهية، فقد غلط؛ فإنه لم يكن مقرا بالصانع حتى يسأل عن الماهية ، بل كان جاحدا له بالكلية فيما يظهر، وإن كانت الحجج والبراهين قد قامت عليه، فعند ذلك قال موسى لما سأله عن رب العالمين: {قال رب السموات والأرض وما بينهما} أي: خالق جميع ذلك ومالكه، والمتصرف فيه وإلهه، لا شريك له، هو الله الذي خلق الأشياء كلها، العالم العلوي وما فيه من الكواكب الثوابت والسيارات النيرات، والعالم السفلي وما فيه من بحار وقفار، وجبال وأشجار، وحيوان ونبات وثمار، وما بين ذلك من الهواء والطيور، وما يحتوي عليه الجو، الجميع عبيد له خاضعون ذليلون. {إن كنتم موقنين} أي: إن كانت لكم قلوب موقنة، وأبصار نافذة. فعند ذلك التفت فرعون إلى من حوله من ملئه ورؤساء دولته قائلا لهم، على سبيل التهكم والاستهزاء والتكذيب لموسى فيما قاله: {ألا تستمعون} أي: ألا تعجبون مما يقول هذا في زعمه: أن لكم إلها غيري؟ فقال لهم موسى: {ربكم ورب آبائكم الأولين} أي: خالقكم وخالق آبائكم الأولين ، الذي كانوا قبل فرعون وزمانه. {قال} أي: فرعون لقومه: {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} أي: ليس له عقل في دعواه أن ثم ربا غيري. {قال} أي: موسى لأولئك الذين أوعز إليهم فرعون ما أوعز من الشبهة، فأجاب موسى بقوله: {رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون} أي: هو الذي جعل المشرق مشرقا تطلع منه الكواكب، والمغرب مغربا تغرب فيه الكواكب، ثوابتها وسياراتها، مع هذا النظام الذي سخرها فيه وقدرها، فإن كان هذا الذي يزعم أنه ربكم وإلهكم صادقا فليعكس الأمر، وليجعل المشرق مغربا، والمغرب مشرقا، كما أخبر تعالى عن {الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} [البقرة:258] ؛ ولهذا لما غلب فرعون وانقطعت حجته، عدل إلى استعمال جاهه وقوته وسلطانه، واعتقد أن ذلك نافع له ونافذ في موسى، عليه السلام، فقال ما أخبر الله تعالى عنه: {قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال أولو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم } لما قامت على فرعون الحجة بالبيان والعقل، عدل إلى أن يقهر موسى بيده وسلطانه، وظن أنه ليس وراء هذا المقام مقال فقال: {لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} . فعند ذلك قال موسى: {أولو جئتك بشيء مبين} ؟ أي: ببرهان قاطع واضح. {قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين} أي: ظاهر واضح في غاية الجلاء والوضوح والعظمة، ذات قوائم وفم كبير، وشكل هائل مزعج.

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

يقول تعالى مخبرا عن كفر فرعون، وتمرده وطغيانه وجحوده، في قوله: {وما رب العالمين} ؟ وذلك أنه كان يقول لقومه: {ما علمت لكم من إله غيري} [القصص:38] ، {فاستخف قومه فأطاعوه} [الزخرف:54] ، وكانوا يجحدون الصانع -تعالى -ويعتقدون أنه لا رب لهم سوى فرعون، فلما قال له موسى: {إني رسول رب العالمين} [الزخرف:46] ، قال له: ومن هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟ هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف، حتى قال السدي: هذه الآية كقوله تعالى: {قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} [طه:49، 50] . ومن زعم من أهل المنطق وغيرهم؛ أن هذا سؤال عن الماهية، فقد غلط؛ فإنه لم يكن مقرا بالصانع حتى يسأل عن الماهية ، بل كان جاحدا له بالكلية فيما يظهر، وإن كانت الحجج والبراهين قد قامت عليه، فعند ذلك قال موسى لما سأله عن رب العالمين: {قال رب السموات والأرض وما بينهما} أي: خالق جميع ذلك ومالكه، والمتصرف فيه وإلهه، لا شريك له، هو الله الذي خلق الأشياء كلها، العالم العلوي وما فيه من الكواكب الثوابت والسيارات النيرات، والعالم السفلي وما فيه من بحار وقفار، وجبال وأشجار، وحيوان ونبات وثمار، وما بين ذلك من الهواء والطيور، وما يحتوي عليه الجو، الجميع عبيد له خاضعون ذليلون. {إن كنتم موقنين} أي: إن كانت لكم قلوب موقنة، وأبصار نافذة. فعند ذلك التفت فرعون إلى من حوله من ملئه ورؤساء دولته قائلا لهم، على سبيل التهكم والاستهزاء والتكذيب لموسى فيما قاله: {ألا تستمعون} أي: ألا تعجبون مما يقول هذا في زعمه: أن لكم إلها غيري؟ فقال لهم موسى: {ربكم ورب آبائكم الأولين} أي: خالقكم وخالق آبائكم الأولين ، الذي كانوا قبل فرعون وزمانه. {قال} أي: فرعون لقومه: {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} أي: ليس له عقل في دعواه أن ثم ربا غيري. {قال} أي: موسى لأولئك الذين أوعز إليهم فرعون ما أوعز من الشبهة، فأجاب موسى بقوله: {رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون} أي: هو الذي جعل المشرق مشرقا تطلع منه الكواكب، والمغرب مغربا تغرب فيه الكواكب، ثوابتها وسياراتها، مع هذا النظام الذي سخرها فيه وقدرها، فإن كان هذا الذي يزعم أنه ربكم وإلهكم صادقا فليعكس الأمر، وليجعل المشرق مغربا، والمغرب مشرقا، كما أخبر تعالى عن {الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} [البقرة:258] ؛ ولهذا لما غلب فرعون وانقطعت حجته، عدل إلى استعمال جاهه وقوته وسلطانه، واعتقد أن ذلك نافع له ونافذ في موسى، عليه السلام، فقال ما أخبر الله تعالى عنه: {قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال أولو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم } لما قامت على فرعون الحجة بالبيان والعقل، عدل إلى أن يقهر موسى بيده وسلطانه، وظن أنه ليس وراء هذا المقام مقال فقال: {لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين} . فعند ذلك قال موسى: {أولو جئتك بشيء مبين} ؟ أي: ببرهان قاطع واضح. {قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين} أي: ظاهر واضح في غاية الجلاء والوضوح والعظمة، ذات قوائم وفم كبير، وشكل هائل مزعج.

Abschnitt V06/P138–V06/P140İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P138–V06/P140)
Orijinal Metin (AR)

{ونزع يده} أي: من جيبه {فإذا هي بيضاء للناظرين} أي: تتلألأ كقطعة من القمر. فبادر فرعون -بشقائه -إلى التكذيب والعناد، فقال للملأ حوله: {إن هذا لساحر عليم} أي: فاضل بارع في السحر. فروج عليهم فرعون أن هذا من قبيل السحر لا من قبيل المعجزة، ثم هيجهم وحرضهم على مخالفته، والكفر به. فقال {يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون} ؟ أي: أراد أن يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا، فيكثر أعوانه وأنصاره وأتباعه ويغلبكم على دولتكم، فيأخذ البلاد منكم، فأشيروا علي فيه ماذا أصنع به؟ {قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم} [أي: أخره وأخاه حتى تجمع له من مدائن مملكتك وأقاليم دولتك كل سحار عليم] يقابلونه، ويأتون بنظير ما جاء به، فتغلبه أنت وتكون لك النصرة والتأييد. فأجابهم إلى ذلك. وكان هذا من تسخير الله تعالى لهم في ذلك؛ ليجتمع الناس في صعيد واحد، ولتظهر آيات الله وحججه وبراهينه على الناس في النهار جهرة. {فجمع السحرة لميقات يوم معلوم وقيل للناس هل أنتم مجتمعون } {لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون فألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون } . ذكر [الله] تعالى هذه المناظرة الفعلية بين موسى والقبط في "سورة الأعراف" وفي "سورة طه" وفي هذه السورة: وذلك أن القبط أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم، فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. وهذا شأن الكفر والإيمان، ما تواجها وتقابلا إلا غلبه الإيمان، {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون} [الأنبياء:18] ، {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} [الإسراء:81] ، ولهذا لما جاء السحرة، وقد جمعوهم من أقاليم بلاد مصر، وكانوا إذ ذاك أسحر الناس وأصنعهم وأشدهم تخييلا في ذلك، وكان السحرة جمعا كثيرا، وجما غفيرا، قيل: كانوا اثني عشر ألفا. وقيل: خمسة عشر ألفا. وقيل: سبعة عشر ألفا وقيل: تسعة عشر ألفا. وقيل: بضعة وثلاثين ألفا. وقيل: ثمانين ألفا. وقيل غير ذلك، والله أعلم بعدتهم. قال ابن إسحاق: وكان أمرهم راجعا إلى أربعة منهم وهم رؤساؤهم: وهم: ساتور وعازور وحطحط ويصقى. واجتهد الناس في الاجتماع ذلك اليوم، وقال قائلهم: {لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين [قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين] } ، ولم يقولوا: نتبع الحق سواء كان من السحرة أو من موسى، بل الرعية على دين ملكهم. {فلما جاء السحرة} أي: إلى مجلس فرعون وقد ضرب له وطاقا، وجمع حشمه وخدمه [وأمراءه] ووزراءه ورؤساء دولته وجنود مملكته، فقام السحرة بين يدي فرعون يطلبون منه الإحسان إليهم والتقرب إليه إن غلبوا، أي: هذا الذي جمعتنا من أجله، فقالوا: {أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين} أي: وأخص مما تطلبون أجعلكم من المقربين عندي وجلسائي. فعادوا إلى مقام المناظرة {قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا} [طه: 65، 66] ، وقد اختصر هذا هاهنا فقال لهم موسى: {ألقوا ما أنتم ملقون فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون} ، وهذا كما يقوله الجهلة من العوام إذا فعلوا شيئا: هذا بثواب فلان. وقد ذكر الله في سورة الأعراف: أنهم {سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم} [الأعراف:116] ، وقال في "سورة طه": {فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى} [طه:66، 69] .

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

{ونزع يده} أي: من جيبه {فإذا هي بيضاء للناظرين} أي: تتلألأ كقطعة من القمر. فبادر فرعون -بشقائه -إلى التكذيب والعناد، فقال للملأ حوله: {إن هذا لساحر عليم} أي: فاضل بارع في السحر. فروج عليهم فرعون أن هذا من قبيل السحر لا من قبيل المعجزة، ثم هيجهم وحرضهم على مخالفته، والكفر به. فقال {يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون} ؟ أي: أراد أن يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا، فيكثر أعوانه وأنصاره وأتباعه ويغلبكم على دولتكم، فيأخذ البلاد منكم، فأشيروا علي فيه ماذا أصنع به؟ {قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم} [أي: أخره وأخاه حتى تجمع له من مدائن مملكتك وأقاليم دولتك كل سحار عليم] يقابلونه، ويأتون بنظير ما جاء به، فتغلبه أنت وتكون لك النصرة والتأييد. فأجابهم إلى ذلك. وكان هذا من تسخير الله تعالى لهم في ذلك؛ ليجتمع الناس في صعيد واحد، ولتظهر آيات الله وحججه وبراهينه على الناس في النهار جهرة. {فجمع السحرة لميقات يوم معلوم وقيل للناس هل أنتم مجتمعون } {لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون فألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون } . ذكر [الله] تعالى هذه المناظرة الفعلية بين موسى والقبط في "سورة الأعراف" وفي "سورة طه" وفي هذه السورة: وذلك أن القبط أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم، فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. وهذا شأن الكفر والإيمان، ما تواجها وتقابلا إلا غلبه الإيمان، {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون} [الأنبياء:18] ، {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} [الإسراء:81] ، ولهذا لما جاء السحرة، وقد جمعوهم من أقاليم بلاد مصر، وكانوا إذ ذاك أسحر الناس وأصنعهم وأشدهم تخييلا في ذلك، وكان السحرة جمعا كثيرا، وجما غفيرا، قيل: كانوا اثني عشر ألفا. وقيل: خمسة عشر ألفا. وقيل: سبعة عشر ألفا وقيل: تسعة عشر ألفا. وقيل: بضعة وثلاثين ألفا. وقيل: ثمانين ألفا. وقيل غير ذلك، والله أعلم بعدتهم. قال ابن إسحاق: وكان أمرهم راجعا إلى أربعة منهم وهم رؤساؤهم: وهم: ساتور وعازور وحطحط ويصقى. واجتهد الناس في الاجتماع ذلك اليوم، وقال قائلهم: {لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين [قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين] } ، ولم يقولوا: نتبع الحق سواء كان من السحرة أو من موسى، بل الرعية على دين ملكهم. {فلما جاء السحرة} أي: إلى مجلس فرعون وقد ضرب له وطاقا، وجمع حشمه وخدمه [وأمراءه] ووزراءه ورؤساء دولته وجنود مملكته، فقام السحرة بين يدي فرعون يطلبون منه الإحسان إليهم والتقرب إليه إن غلبوا، أي: هذا الذي جمعتنا من أجله، فقالوا: {أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين} أي: وأخص مما تطلبون أجعلكم من المقربين عندي وجلسائي. فعادوا إلى مقام المناظرة {قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا} [طه: 65، 66] ، وقد اختصر هذا هاهنا فقال لهم موسى: {ألقوا ما أنتم ملقون فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون} ، وهذا كما يقوله الجهلة من العوام إذا فعلوا شيئا: هذا بثواب فلان. وقد ذكر الله في سورة الأعراف: أنهم {سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم} [الأعراف:116] ، وقال في "سورة طه": {فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى} [طه:66، 69] .

Abschnitt V06/P140–V06/P141İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P140–V06/P141)
Orijinal Metin (AR)

وقال هاهنا: {فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون} أي: تختطفه وتجمعه من كل بقعة وتبتلعه فلم تدع منه شيئا. قال تعالى: {فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين. وألقي السحرة ساجدين. قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون} [الأعراف:118-122] وكان هذا أمرا عظيما جدا، وبرهانا قاطعا للعذر وحجة دامغة، وذلك أن الذين استنصر بهم وطلب منهم أن يغلبوا، قد غلبوا وخضعوا وآمنوا بموسى في الساعة الراهنة، وسجدوا لله رب العالمين، الذي أرسل موسى وهارون بالحق وبالمعجزة الباهرة، فغلب فرعون غلبا لم يشاهد العالم مثله، وكان وقحا جريئا عليه لعنة الله، فعدل إلى المكابرة والعناد ودعوى الباطل، فشرع يتهددهم ويتوعدهم، ويقول: {إنه لكبيركم الذي علمكم السحر} [طه:71] ، وقال: {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون} [الأعراف:123] . {قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين } . تهددهم فلم يقطع ذلك فيهم، وتوعدهم فما زادهم إلا إيمانا وتسليما. وذلك أنه قد كشف عن قلوبهم حجاب الكفر، وظهر لهم الحق بعلمهم ما جهل قومهم، من أن هذا الذي جاء به موسى لا يصدر عن بشر، إلا أن يكون الله قد أيده به، وجعله له حجة ودلالة على صدق ما جاء به من ربه؛ ولهذا لما قال لهم فرعون: {آمنتم له قبل أن آذن لكم} ؟ أي: كان ينبغي أن تستأذنوني فيما فعلتم، ولا تفتاتوا علي في ذلك، فإن أذنت لكم فعلتم، وإن منعتكم امتنعتم، فإني أنا الحاكم المطاع؛ {إنه لكبيركم الذي علمكم السحر} . وهذه مكابرة يعلم كل أحد بطلانها، فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون كبيرهم الذي أفادهم صناعة السحر؟ هذا لا يقوله عاقل. ثم توعدهم فرعون بقطع الأيدي والأرجل والصلب، فقالوا: {لا ضير} أي: لا حرج ولا يضرنا ذلك ولا نبالي به {إنا إلى ربنا منقلبون} أي: المرجع إلى الله، وهو لا يضيع أجر من أحسن عملا ولا يخفى عليه ما فعلت بنا، وسيجزينا على ذلك أتم الجزاء؛ ولهذا قالوا: {إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا} أي: ما قارفناه من الذنوب، وما أكرهتنا عليه من السحر، {أن كنا أول المؤمنين} أي: بسبب أنا بادرنا قومنا من القبط إلى الإيمان. فقتلهم كلهم. {وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حاذرون فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل } . لما طال مقام موسى، عليه السلام، ببلاد مصر، وأقام بها حجج الله وبراهينه على فرعون وملئه، وهم مع ذلك يكابرون ويعاندون، لم يبق لهم إلا العذاب والنكال، فأمر الله موسى، عليه السلام، أن يخرج ببني إسرائيل ليلا من مصر، وأن يمضي بهم حيث يؤمر، ففعل موسى، عليه السلام، ما أمره به ربه عز وجل. خرج بهم بعدما استعاروا من قوم فرعون حليا كثيرا، وكان خروجه بهم، فيما ذكر غير واحد من المفسرين، وقت طلوع القمر. وذكر مجاهد، رحمه الله، أنه كسف القمر تلك الليلة، فالله أعلم، وأن موسى، عليه السلام، سأل عن قبر يوسف، عليه السلام، فدلته امرأة عجوز من بني إسرائيل عليه، فاحتمل تابوته معهم، ويقال: إنه هو الذي حمله بنفسه، عليهما السلام، وكان يوسف قد أوصى بذلك إذا خرج بنو إسرائيل أن يحملوه معهم، وقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم، رحمه الله، فقال:

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقال هاهنا: {فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون} أي: تختطفه وتجمعه من كل بقعة وتبتلعه فلم تدع منه شيئا. قال تعالى: {فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين. وألقي السحرة ساجدين. قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون} [الأعراف:118-122] وكان هذا أمرا عظيما جدا، وبرهانا قاطعا للعذر وحجة دامغة، وذلك أن الذين استنصر بهم وطلب منهم أن يغلبوا، قد غلبوا وخضعوا وآمنوا بموسى في الساعة الراهنة، وسجدوا لله رب العالمين، الذي أرسل موسى وهارون بالحق وبالمعجزة الباهرة، فغلب فرعون غلبا لم يشاهد العالم مثله، وكان وقحا جريئا عليه لعنة الله، فعدل إلى المكابرة والعناد ودعوى الباطل، فشرع يتهددهم ويتوعدهم، ويقول: {إنه لكبيركم الذي علمكم السحر} [طه:71] ، وقال: {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون} [الأعراف:123] . {قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين } . تهددهم فلم يقطع ذلك فيهم، وتوعدهم فما زادهم إلا إيمانا وتسليما. وذلك أنه قد كشف عن قلوبهم حجاب الكفر، وظهر لهم الحق بعلمهم ما جهل قومهم، من أن هذا الذي جاء به موسى لا يصدر عن بشر، إلا أن يكون الله قد أيده به، وجعله له حجة ودلالة على صدق ما جاء به من ربه؛ ولهذا لما قال لهم فرعون: {آمنتم له قبل أن آذن لكم} ؟ أي: كان ينبغي أن تستأذنوني فيما فعلتم، ولا تفتاتوا علي في ذلك، فإن أذنت لكم فعلتم، وإن منعتكم امتنعتم، فإني أنا الحاكم المطاع؛ {إنه لكبيركم الذي علمكم السحر} . وهذه مكابرة يعلم كل أحد بطلانها، فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون كبيرهم الذي أفادهم صناعة السحر؟ هذا لا يقوله عاقل. ثم توعدهم فرعون بقطع الأيدي والأرجل والصلب، فقالوا: {لا ضير} أي: لا حرج ولا يضرنا ذلك ولا نبالي به {إنا إلى ربنا منقلبون} أي: المرجع إلى الله، وهو لا يضيع أجر من أحسن عملا ولا يخفى عليه ما فعلت بنا، وسيجزينا على ذلك أتم الجزاء؛ ولهذا قالوا: {إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا} أي: ما قارفناه من الذنوب، وما أكرهتنا عليه من السحر، {أن كنا أول المؤمنين} أي: بسبب أنا بادرنا قومنا من القبط إلى الإيمان. فقتلهم كلهم. {وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حاذرون فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل } . لما طال مقام موسى، عليه السلام، ببلاد مصر، وأقام بها حجج الله وبراهينه على فرعون وملئه، وهم مع ذلك يكابرون ويعاندون، لم يبق لهم إلا العذاب والنكال، فأمر الله موسى، عليه السلام، أن يخرج ببني إسرائيل ليلا من مصر، وأن يمضي بهم حيث يؤمر، ففعل موسى، عليه السلام، ما أمره به ربه عز وجل. خرج بهم بعدما استعاروا من قوم فرعون حليا كثيرا، وكان خروجه بهم، فيما ذكر غير واحد من المفسرين، وقت طلوع القمر. وذكر مجاهد، رحمه الله، أنه كسف القمر تلك الليلة، فالله أعلم، وأن موسى، عليه السلام، سأل عن قبر يوسف، عليه السلام، فدلته امرأة عجوز من بني إسرائيل عليه، فاحتمل تابوته معهم، ويقال: إنه هو الذي حمله بنفسه، عليهما السلام، وكان يوسف قد أوصى بذلك إذا خرج بنو إسرائيل أن يحملوه معهم، وقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم، رحمه الله، فقال:

Abschnitt V06/P141–V06/P142İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P141–V06/P142)
Orijinal Metin (AR)

حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح، حدثنا ابن فضيل عن عبد الله بن أبي إسحاق، عن ابن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعرابي فأكرمه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعاهدنا. فأتاه الأعرابي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما حاجتك؟ " قال ناقة برحلها وأعنز يحتلبها أهلي، فقال: "أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟ " فقال له أصحابه: وما عجوز بني إسرائيل يا رسول الله؟ قال: "إن موسى لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضل الطريق، فقال لبني إسرائيل: ما هذا؟ فقال له علماء بني إسرائيل: نحن نحدثك أن يوسف عليه السلام لما حضره الموت أخذ علينا موثقا من الله ألا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا، فقال لهم موسى: فأيكم يدري أين قبر يوسف؟ قالوا: ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل. فأرسل إليها فقال لها: دليني على قبر يوسف. فقالت: والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي. قال لها: وما حكمك؟ قالت : حكمي أن أكون معك في الجنة. فكأنه ثقل عليه ذلك، فقيل له: أعطها حكمها. قال: فانطلقت معهم إلى بحيرة -مستنقع ماء -فقالت لهم: أنضبوا هذا الماء. فلما أنضبوه قالت: احتفروا، فلما احتفروا استخرجوا قبر يوسف، فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار ". هذا حديث غريب جدا، والأقرب أنه موقوف، والله أعلم. فلما أصبحوا وليس في ناديهم داع ولا مجيب، غاظ ذلك فرعون واشتد غضبه على بني إسرائيل؛ لما يريد الله به من الدمار، فأرسل سريعا في بلاده حاشرين، أي: من يحشر الجند ويجمعه، كالنقباء والحجاب، ونادى فيهم: {إن هؤلاء} -يعني: بني إسرائيل - {لشرذمة قليلون} أي: لطائفة قليلة. {وإنهم لنا لغائظون} أي: كل وقت يصل لنا منهم ما يغيظنا. {وإنا لجميع حاذرون} أي: نحن كل وقت نحذر من غائلتهم، وإني أريد أن أستأصل شأفتهم، وأبيد خضراءهم. فجوزي في نفسه وجنده بما أراد لهم. قال الله تعالى: {فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم} أي: فخرجوا من هذا النعيم إلى الجحيم، وتركوا تلك المنازل العالية والبساتين والأنهار والأموال والأرزاق والملك والجاه الوافر في الدنيا. {كذلك وأورثناها بني إسرائيل} ، كما قال تعالى: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون} [الأعراف:137] ، وقال تعالى: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} [القصص:5، 6] . {فأتبعوهم مشرقين } {فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } . ذكر غير واحد من المفسرين: أن فرعون خرج في جحفل عظيم وجمع كبير ، وهو عبارة عن مملكة الديار المصرية في زمانه، أولي الحل والعقد والدول، من الأمراء والوزراء والكبراء والرؤساء والجنود، فأما ما ذكره غير واحد من الإسرائيليات، من أنه خرج في ألف ألف وستمائة ألف فارس، منها مائة ألف على خيل دهم، وقال كعب الأحبار: فيهم ثمانمائة ألف حصان أدهم، ففي ذلك نظر. والظاهر أنه من مجازفات بني إسرائيل، والله، سبحانه وتعالى، أعلم. والذي أخبر به هو النافع، ولم يعين عدتهم؛ إذ لا فائدة تحته، إلا أنهم خرجوا بأجمعهم. {فأتبعوهم مشرقين} أي: وصلوا إليهم عند شروق الشمس، وهو طلوعها.

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح، حدثنا ابن فضيل عن عبد الله بن أبي إسحاق، عن ابن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعرابي فأكرمه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعاهدنا. فأتاه الأعرابي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما حاجتك؟ " قال ناقة برحلها وأعنز يحتلبها أهلي، فقال: "أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟ " فقال له أصحابه: وما عجوز بني إسرائيل يا رسول الله؟ قال: "إن موسى لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضل الطريق، فقال لبني إسرائيل: ما هذا؟ فقال له علماء بني إسرائيل: نحن نحدثك أن يوسف عليه السلام لما حضره الموت أخذ علينا موثقا من الله ألا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا، فقال لهم موسى: فأيكم يدري أين قبر يوسف؟ قالوا: ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل. فأرسل إليها فقال لها: دليني على قبر يوسف. فقالت: والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي. قال لها: وما حكمك؟ قالت : حكمي أن أكون معك في الجنة. فكأنه ثقل عليه ذلك، فقيل له: أعطها حكمها. قال: فانطلقت معهم إلى بحيرة -مستنقع ماء -فقالت لهم: أنضبوا هذا الماء. فلما أنضبوه قالت: احتفروا، فلما احتفروا استخرجوا قبر يوسف، فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار ". هذا حديث غريب جدا، والأقرب أنه موقوف، والله أعلم. فلما أصبحوا وليس في ناديهم داع ولا مجيب، غاظ ذلك فرعون واشتد غضبه على بني إسرائيل؛ لما يريد الله به من الدمار، فأرسل سريعا في بلاده حاشرين، أي: من يحشر الجند ويجمعه، كالنقباء والحجاب، ونادى فيهم: {إن هؤلاء} -يعني: بني إسرائيل - {لشرذمة قليلون} أي: لطائفة قليلة. {وإنهم لنا لغائظون} أي: كل وقت يصل لنا منهم ما يغيظنا. {وإنا لجميع حاذرون} أي: نحن كل وقت نحذر من غائلتهم، وإني أريد أن أستأصل شأفتهم، وأبيد خضراءهم. فجوزي في نفسه وجنده بما أراد لهم. قال الله تعالى: {فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم} أي: فخرجوا من هذا النعيم إلى الجحيم، وتركوا تلك المنازل العالية والبساتين والأنهار والأموال والأرزاق والملك والجاه الوافر في الدنيا. {كذلك وأورثناها بني إسرائيل} ، كما قال تعالى: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون} [الأعراف:137] ، وقال تعالى: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} [القصص:5، 6] . {فأتبعوهم مشرقين } {فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } . ذكر غير واحد من المفسرين: أن فرعون خرج في جحفل عظيم وجمع كبير ، وهو عبارة عن مملكة الديار المصرية في زمانه، أولي الحل والعقد والدول، من الأمراء والوزراء والكبراء والرؤساء والجنود، فأما ما ذكره غير واحد من الإسرائيليات، من أنه خرج في ألف ألف وستمائة ألف فارس، منها مائة ألف على خيل دهم، وقال كعب الأحبار: فيهم ثمانمائة ألف حصان أدهم، ففي ذلك نظر. والظاهر أنه من مجازفات بني إسرائيل، والله، سبحانه وتعالى، أعلم. والذي أخبر به هو النافع، ولم يعين عدتهم؛ إذ لا فائدة تحته، إلا أنهم خرجوا بأجمعهم. {فأتبعوهم مشرقين} أي: وصلوا إليهم عند شروق الشمس، وهو طلوعها.

Abschnitt V06/P142–V06/P144İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P142–V06/P144)
Orijinal Metin (AR)

{فلما تراءى الجمعان} أي: رأى كل من الفريقين صاحبه، فعند ذلك {قال أصحاب موسى إنا لمدركون} ، وذلك أنه انتهى بهم السير إلى سيف البحر، وهو بحر القلزم، فصار أمامهم البحر، وفرعون قد أدركهم بجنوده، فلهذا قالوا: {إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين} أي: لا يصل إليكم شيء مما تحذرون، فإن الله، سبحانه، هو الذي أمرني أن أسير هاهنا بكم، وهو لا يخلف الميعاد. وكان هارون، عليه السلام، في المقدمة، ومعه يوشع بن نون، [ومؤمن آل فرعون وموسى، عليه السلام، في الساقة، وقد ذكر غير واحد من المفسرين: أنهم وقفوا لا يدرون ما يصنعون، وجعل يوشع بن نون] ، أو مؤمن آل فرعون يقول لموسى، عليه السلام: يا نبي الله، هاهنا أمرك الله أن تسير؟ فيقول: نعم، واقترب فرعون وجنوده، ولم يبق إلا القليل، فعند ذلك أمر الله نبيه موسى أن يضرب بعصاه البحر، فضربه، وقال: انفلق بإذن الله. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد، حدثنا محمد بن حمزة [بن محمد] بن يوسف بن عبد الله بن سلام: أن موسى، عليه السلام، لما انتهى إلى البحر قال: يا من كان قبل كل شيء والمكون لكل شيء، والكائن قبل كل شيء، اجعل لنا مخرجا. فأوحى الله إليه: {أن اضرب بعصاك البحر} . وقال قتادة: أوحى الله تلك الليلة إلى البحر: أن إذا ضربك موسى بعصاه فاسمع له وأطع، فبات البحر تلك الليلة، وله اضطراب ، ولا يدري من أي جانب يضربه موسى، فلما انتهى إليه موسى قال له فتاه يوشع بن نون: يا نبي الله، أين أمرك ربك؟ قال: أمرني أن أضرب البحر. قال: فاضربه. وقال محمد بن إسحاق: أوحى الله -فيما ذكر لي -إلى البحر: أن إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له. قال: فبات البحر يضرب بعضه بعضا، فرقا من الله تعالى، وانتظارا لما أمره الله، وأوحى الله إلى موسى: {أن اضرب بعصاك البحر} ، فضربه بها وفيها، سلطان الله الذي أعطاه، فانفلق. وذكر غير واحد أنه كناه فقال: انفلق علي أبا خالد بحول الله . قال الله تعالى: {فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم} أي: كالجبل الكبير. قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومحمد بن كعب، والضحاك، وقتادة، وغيرهم. وقال عطاء الخراساني: هو الفج بين الجبلين. وقال ابن عباس: صار البحر اثني عشر طريقا، لكل سبط طريق -وزاد السدي: وصار فيه طاقات ينظر بعضهم إلى بعض، وقام الماء على حيله كالحيطان، وبعث الله الريح إلى قعر البحر فلفحته، فصار يبسا كوجه الأرض، قال الله تعالى: {فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى} [طه:77] . وقال في هذه القصة: {وأزلفنا} أي: هنالك {الآخرين} . قال ابن عباس، وعطاء الخراساني، وقتادة، والسدي: {وأزلفنا} أي: قربنا فرعون وجنوده من البحر وأدنيناهم إليه. {وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين} أي: أنجينا موسى وبني إسرائيل ومن معهم على دينهم فلم يهلك منهم أحد، وأغرق فرعون وجنوده، فلم يبق منهم رجل إلا هلك.

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

{فلما تراءى الجمعان} أي: رأى كل من الفريقين صاحبه، فعند ذلك {قال أصحاب موسى إنا لمدركون} ، وذلك أنه انتهى بهم السير إلى سيف البحر، وهو بحر القلزم، فصار أمامهم البحر، وفرعون قد أدركهم بجنوده، فلهذا قالوا: {إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين} أي: لا يصل إليكم شيء مما تحذرون، فإن الله، سبحانه، هو الذي أمرني أن أسير هاهنا بكم، وهو لا يخلف الميعاد. وكان هارون، عليه السلام، في المقدمة، ومعه يوشع بن نون، [ومؤمن آل فرعون وموسى، عليه السلام، في الساقة، وقد ذكر غير واحد من المفسرين: أنهم وقفوا لا يدرون ما يصنعون، وجعل يوشع بن نون] ، أو مؤمن آل فرعون يقول لموسى، عليه السلام: يا نبي الله، هاهنا أمرك الله أن تسير؟ فيقول: نعم، واقترب فرعون وجنوده، ولم يبق إلا القليل، فعند ذلك أمر الله نبيه موسى أن يضرب بعصاه البحر، فضربه، وقال: انفلق بإذن الله. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد، حدثنا محمد بن حمزة [بن محمد] بن يوسف بن عبد الله بن سلام: أن موسى، عليه السلام، لما انتهى إلى البحر قال: يا من كان قبل كل شيء والمكون لكل شيء، والكائن قبل كل شيء، اجعل لنا مخرجا. فأوحى الله إليه: {أن اضرب بعصاك البحر} . وقال قتادة: أوحى الله تلك الليلة إلى البحر: أن إذا ضربك موسى بعصاه فاسمع له وأطع، فبات البحر تلك الليلة، وله اضطراب ، ولا يدري من أي جانب يضربه موسى، فلما انتهى إليه موسى قال له فتاه يوشع بن نون: يا نبي الله، أين أمرك ربك؟ قال: أمرني أن أضرب البحر. قال: فاضربه. وقال محمد بن إسحاق: أوحى الله -فيما ذكر لي -إلى البحر: أن إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له. قال: فبات البحر يضرب بعضه بعضا، فرقا من الله تعالى، وانتظارا لما أمره الله، وأوحى الله إلى موسى: {أن اضرب بعصاك البحر} ، فضربه بها وفيها، سلطان الله الذي أعطاه، فانفلق. وذكر غير واحد أنه كناه فقال: انفلق علي أبا خالد بحول الله . قال الله تعالى: {فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم} أي: كالجبل الكبير. قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومحمد بن كعب، والضحاك، وقتادة، وغيرهم. وقال عطاء الخراساني: هو الفج بين الجبلين. وقال ابن عباس: صار البحر اثني عشر طريقا، لكل سبط طريق -وزاد السدي: وصار فيه طاقات ينظر بعضهم إلى بعض، وقام الماء على حيله كالحيطان، وبعث الله الريح إلى قعر البحر فلفحته، فصار يبسا كوجه الأرض، قال الله تعالى: {فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى} [طه:77] . وقال في هذه القصة: {وأزلفنا} أي: هنالك {الآخرين} . قال ابن عباس، وعطاء الخراساني، وقتادة، والسدي: {وأزلفنا} أي: قربنا فرعون وجنوده من البحر وأدنيناهم إليه. {وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين} أي: أنجينا موسى وبني إسرائيل ومن معهم على دينهم فلم يهلك منهم أحد، وأغرق فرعون وجنوده، فلم يبق منهم رجل إلا هلك.

Abschnitt V06/P144–V06/P145İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P144–V06/P145)
Orijinal Metin (AR)

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو بكر ابن أبى شيبة، حدثنا شبابة، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله -هو ابن مسعود -أن موسى، عليه السلام، حين أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون ذلك، فأمر بشاة فذبحت، ثم قال: لا والله لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط. فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر، فقال له: انفرق. فقال البحر: لقد استكبرت يا موسى، وهل انفرقت لأحد من ولد آدم فأنفرق لك؟ قال: ومع موسى رجل على حصان له، فقال له ذلك الرجل: أين أمرت يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه [يعني: البحر، فأقحم فرسه، فسبح به فخرج، فقال: أين أمرت يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه] . قال: والله ما كذبت ولا كذبت. ثم اقتحم الثانية فسبح، ثم خرج فقال: أين أمرت يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه؟ قال: والله ما كذبت ولا كذبت. قال: فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضربه موسى بعصاه، فانفلق، فكان فيه اثنا عشر طريقا، لكل سبط طريق يتراءون، فلما خرج أصحاب موسى وتتام أصحاب فرعون، التقى البحر عليهم فأغرقهم. وفي رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله قال: فلما خرج آخر أصحاب موسى، وتكامل أصحاب فرعون، اضطم عليهم البحر، فما رئي سواد أكثر من يومئذ، وغرق فرعون لعنه الله. ثم قال تعالى: {إن في ذلك لآية} أي: في هذه القصة وما فيها من العجائب والنصر والتأييد لعباد الله المؤمنين؛ لدلالة وحجة قاطعة وحكمة بالغة، {وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم} تقدم تفسيره. {واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين } . هذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء، أمر الله رسوله محمدا، صلوات الله وسلامه عليه، أن يتلوه على أمته، ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل، وعبادة الله وحده لا شريك له، والتبرؤ من الشرك وأهله؛ فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من قبل، أي: من صغره إلى كبره، فإنه من وقت نشأ وشب، أنكر على قومه عبادة الأصنام مع الله، عز وجل، فقال: {لأبيه وقومه ما تعبدون} ؟ أي: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ {قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين} أي: مقيمين على عبادتها ودعائها.

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو بكر ابن أبى شيبة، حدثنا شبابة، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله -هو ابن مسعود -أن موسى، عليه السلام، حين أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون ذلك، فأمر بشاة فذبحت، ثم قال: لا والله لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط. فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر، فقال له: انفرق. فقال البحر: لقد استكبرت يا موسى، وهل انفرقت لأحد من ولد آدم فأنفرق لك؟ قال: ومع موسى رجل على حصان له، فقال له ذلك الرجل: أين أمرت يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه [يعني: البحر، فأقحم فرسه، فسبح به فخرج، فقال: أين أمرت يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه] . قال: والله ما كذبت ولا كذبت. ثم اقتحم الثانية فسبح، ثم خرج فقال: أين أمرت يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه؟ قال: والله ما كذبت ولا كذبت. قال: فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضربه موسى بعصاه، فانفلق، فكان فيه اثنا عشر طريقا، لكل سبط طريق يتراءون، فلما خرج أصحاب موسى وتتام أصحاب فرعون، التقى البحر عليهم فأغرقهم. وفي رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله قال: فلما خرج آخر أصحاب موسى، وتكامل أصحاب فرعون، اضطم عليهم البحر، فما رئي سواد أكثر من يومئذ، وغرق فرعون لعنه الله. ثم قال تعالى: {إن في ذلك لآية} أي: في هذه القصة وما فيها من العجائب والنصر والتأييد لعباد الله المؤمنين؛ لدلالة وحجة قاطعة وحكمة بالغة، {وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم} تقدم تفسيره. {واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين } . هذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء، أمر الله رسوله محمدا، صلوات الله وسلامه عليه، أن يتلوه على أمته، ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل، وعبادة الله وحده لا شريك له، والتبرؤ من الشرك وأهله؛ فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من قبل، أي: من صغره إلى كبره، فإنه من وقت نشأ وشب، أنكر على قومه عبادة الأصنام مع الله، عز وجل، فقال: {لأبيه وقومه ما تعبدون} ؟ أي: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ {قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين} أي: مقيمين على عبادتها ودعائها.

Abschnitt V06/P145–V06/P146İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P145–V06/P146)
Orijinal Metin (AR)

{قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} يعني: اعترفوا بأن أصنامهم لا تفعل شيئا من ذلك، وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون، فهم على آثارهم يهرعون. فعند ذلك قال لهم إبراهيم: {قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} أي: إن كانت هذه الأصنام شيئا ولها تأثير، فلتخلص إلي بالمساءة، فإني عدو لها لا أباليها ولا أفكر فيها. وهذا كما قال تعالى مخبرا عن نوح، عليه السلام: {فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون} [يونس:71] وقال هود، عليه السلام: {إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} [هود:54-56] وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم وقال: {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا} [الأنعام:81] وقال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة:4] وقال تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون} [الزخرف:26-28] يعني: لا إله إلا الله. {الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } يعني: لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء، {الذي خلقني فهو يهدين} أي: هو الخالق الذي قدر قدرا، وهدى الخلائق إليه، فكل يجري على [ما] قدر، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء. {والذي هو يطعمني ويسقين} أي: هو خالقي ورازقي، بما سخر ويسر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق المزن، وأنزل الماء، وأحيا به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقا للعباد، وأنزل الماء عذبا زلالا ل {نسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا} [الفرقان:49] . وقوله: {وإذا مرضت فهو يشفين} أسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلقه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبا، كما قال تعالى آمرا للمصلي أن يقول: {اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة:6، 7] فأسند الإنعام إلى الله، سبحانه وتعالى، والغضب حذف فاعله أدبا، وأسند الضلال إلى العبيد، كما قالت الجن: {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} [الجن:10] ؛ ولهذا قال إبراهيم: {وإذا مرضت فهو يشفين} أي: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره، بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه. {والذي يميتني ثم يحيين} أي: هو الذي يحيي ويميت، لا يقدر على ذلك أحد سواه، فإنه هو الذي يبدئ ويعيد. {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} أي: هو الذي لا يقدر على غفر الذنوب في الدنيا والآخرة، إلا هو، ومن يغفر الذنوب إلا الله، وهو الفعال لما يشاء. {رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين } {واجعل لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لأبي إنه كان من الضالين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم } . وهذا سؤال من إبراهيم، عليه السلام، أن يؤتيه ربه حكما. قال ابن عباس: وهو العلم. وقال عكرمة: هو اللب. وقال مجاهد: هو القرآن. وقال السدي: هو النبوة. وقوله: {وألحقني بالصالحين} أي: اجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند الاحتضار: " [اللهم الرفيق الأعلى" قالها ثلاثا . وفي الحديث في الدعاء] : اللهم أحينا مسلمين وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مبدلين" .

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

{قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} يعني: اعترفوا بأن أصنامهم لا تفعل شيئا من ذلك، وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون، فهم على آثارهم يهرعون. فعند ذلك قال لهم إبراهيم: {قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} أي: إن كانت هذه الأصنام شيئا ولها تأثير، فلتخلص إلي بالمساءة، فإني عدو لها لا أباليها ولا أفكر فيها. وهذا كما قال تعالى مخبرا عن نوح، عليه السلام: {فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون} [يونس:71] وقال هود، عليه السلام: {إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} [هود:54-56] وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم وقال: {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا} [الأنعام:81] وقال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة:4] وقال تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون} [الزخرف:26-28] يعني: لا إله إلا الله. {الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } يعني: لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء، {الذي خلقني فهو يهدين} أي: هو الخالق الذي قدر قدرا، وهدى الخلائق إليه، فكل يجري على [ما] قدر، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء. {والذي هو يطعمني ويسقين} أي: هو خالقي ورازقي، بما سخر ويسر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق المزن، وأنزل الماء، وأحيا به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقا للعباد، وأنزل الماء عذبا زلالا ل {نسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا} [الفرقان:49] . وقوله: {وإذا مرضت فهو يشفين} أسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلقه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبا، كما قال تعالى آمرا للمصلي أن يقول: {اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة:6، 7] فأسند الإنعام إلى الله، سبحانه وتعالى، والغضب حذف فاعله أدبا، وأسند الضلال إلى العبيد، كما قالت الجن: {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} [الجن:10] ؛ ولهذا قال إبراهيم: {وإذا مرضت فهو يشفين} أي: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره، بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه. {والذي يميتني ثم يحيين} أي: هو الذي يحيي ويميت، لا يقدر على ذلك أحد سواه، فإنه هو الذي يبدئ ويعيد. {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} أي: هو الذي لا يقدر على غفر الذنوب في الدنيا والآخرة، إلا هو، ومن يغفر الذنوب إلا الله، وهو الفعال لما يشاء. {رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين } {واجعل لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لأبي إنه كان من الضالين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم } . وهذا سؤال من إبراهيم، عليه السلام، أن يؤتيه ربه حكما. قال ابن عباس: وهو العلم. وقال عكرمة: هو اللب. وقال مجاهد: هو القرآن. وقال السدي: هو النبوة. وقوله: {وألحقني بالصالحين} أي: اجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند الاحتضار: " [اللهم الرفيق الأعلى" قالها ثلاثا . وفي الحديث في الدعاء] : اللهم أحينا مسلمين وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مبدلين" .

Abschnitt V06/P146–V06/P148İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P146–V06/P148)
Orijinal Metin (AR)

وقوله: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} أي: واجعل لي ذكرا جميلا بعدي أذكر به، ويقتدى بي في الخير، كما قال تعالى: {وتركنا عليه في الآخرين. سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين} [الصافات:108-110] . قال مجاهد، وقتادة: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} يعني: الثناء الحسن. قال مجاهد: وهو كقوله تعالى: {وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} [العنكبوت:27] ، وكقوله: {وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين} [النحل:122] . قال ليث بن أبي سليم: كل ملة تحبه وتتولاه. وكذا قال عكرمة. وقوله: {واجعلني من ورثة جنة النعيم} أي: أنعم علي في الدنيا ببقاء الذكر الجميل بعدي، وفي الآخرة بأن تجعلني من ورثة جنة النعيم. وقوله: {واغفر لأبي إنه كان من الضالين} كقوله: {ربنا اغفر لي ولوالدي} [إبراهيم:41] ، وهذا مما رجع عنه إبراهيم، عليه السلام، كما قال تعالى: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم} [التوبة:114] . وقد قطع [الله] تعالى الإلحاق في استغفاره لأبيه، فقال: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء} [الممتحنة:4] . وقوله: {ولا تخزني يوم يبعثون} أي: أجرني من الخزي يوم القيامة و [يوم] يبعث الخلائق أولهم وآخرهم. قال البخاري في قوله: {ولا تخزني يوم يبعثون} وقال إبراهيم بن طهمان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة" . حدثنا إسماعيل، حدثنا أخي، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يلقى إبراهيم أباه، فيقول: يا رب، إنك وعدتني أنك لا تخزيني يوم يبعثون. فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين". هكذا رواه عند هذه الآية . وفي أحاديث الأنبياء بهذا الإسناد بعينه منفردا به، ولفظه: يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني فيقول أبوه : فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب، إنك وعدتني ألا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال: يا إبراهيم، ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذبح متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار . وقال أبو عبد الرحمن النسائي في التفسير من سننه الكبير قوله: {ولا تخزني يوم يبعثون} : أخبرنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن محمد بن عبد الرحمن، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة، وقال له: قد نهيتك عن هذا فعصيتني. قال: لكني اليوم لا أعصيك واحدة. قال: يا رب، وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فإن أخزيت أباه فقد أخزيت الأبعد. قال: يا إبراهيم، إني حرمتها على الكافرين. فأخذ منه، قال: يا إبراهيم، أين أبوك؟ قال: أنت أخذته مني. قال: انظر أسفل منك. فنظر فإذا ذيخ يتمرغ في نتنه، فأخذ بقوائمه فألقي في النار . هذا إسناد غريب، وفيه نكارة. والذيخ : هو الذكر من الضباع، كأنه حول آزر إلى صورة ذيخ متلطخ بعذرته ، فيلقى في النار كذلك. وقد رواه البزار من حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه غرابة. ورواه أيضا من حديث قتادة، عن جعفر بن عبد الغافر، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقوله: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} أي: واجعل لي ذكرا جميلا بعدي أذكر به، ويقتدى بي في الخير، كما قال تعالى: {وتركنا عليه في الآخرين. سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين} [الصافات:108-110] . قال مجاهد، وقتادة: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} يعني: الثناء الحسن. قال مجاهد: وهو كقوله تعالى: {وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} [العنكبوت:27] ، وكقوله: {وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين} [النحل:122] . قال ليث بن أبي سليم: كل ملة تحبه وتتولاه. وكذا قال عكرمة. وقوله: {واجعلني من ورثة جنة النعيم} أي: أنعم علي في الدنيا ببقاء الذكر الجميل بعدي، وفي الآخرة بأن تجعلني من ورثة جنة النعيم. وقوله: {واغفر لأبي إنه كان من الضالين} كقوله: {ربنا اغفر لي ولوالدي} [إبراهيم:41] ، وهذا مما رجع عنه إبراهيم، عليه السلام، كما قال تعالى: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم} [التوبة:114] . وقد قطع [الله] تعالى الإلحاق في استغفاره لأبيه، فقال: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء} [الممتحنة:4] . وقوله: {ولا تخزني يوم يبعثون} أي: أجرني من الخزي يوم القيامة و [يوم] يبعث الخلائق أولهم وآخرهم. قال البخاري في قوله: {ولا تخزني يوم يبعثون} وقال إبراهيم بن طهمان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة" . حدثنا إسماعيل، حدثنا أخي، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يلقى إبراهيم أباه، فيقول: يا رب، إنك وعدتني أنك لا تخزيني يوم يبعثون. فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين". هكذا رواه عند هذه الآية . وفي أحاديث الأنبياء بهذا الإسناد بعينه منفردا به، ولفظه: يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني فيقول أبوه : فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب، إنك وعدتني ألا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال: يا إبراهيم، ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذبح متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار . وقال أبو عبد الرحمن النسائي في التفسير من سننه الكبير قوله: {ولا تخزني يوم يبعثون} : أخبرنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن محمد بن عبد الرحمن، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة، وقال له: قد نهيتك عن هذا فعصيتني. قال: لكني اليوم لا أعصيك واحدة. قال: يا رب، وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فإن أخزيت أباه فقد أخزيت الأبعد. قال: يا إبراهيم، إني حرمتها على الكافرين. فأخذ منه، قال: يا إبراهيم، أين أبوك؟ قال: أنت أخذته مني. قال: انظر أسفل منك. فنظر فإذا ذيخ يتمرغ في نتنه، فأخذ بقوائمه فألقي في النار . هذا إسناد غريب، وفيه نكارة. والذيخ : هو الذكر من الضباع، كأنه حول آزر إلى صورة ذيخ متلطخ بعذرته ، فيلقى في النار كذلك. وقد رواه البزار من حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه غرابة. ورواه أيضا من حديث قتادة، عن جعفر بن عبد الغافر، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.

Abschnitt V06/P148–V06/P149İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P148–V06/P149)
Orijinal Metin (AR)

وقوله: {يوم لا ينفع مال ولا بنون} أي: لا يقي المرء من عذاب الله ماله، ولو افتدى بملء الأرض ذهبا: {ولا بنون} ولو افتدى بمن في الأرض جميعا، ولا ينفع يومئذ إلا الإيمان بالله، وإخلاص الدين له، والتبري من الشرك؛ ولهذا قال: {إلا من أتى الله بقلب سليم} أي: سالم من الدنس والشرك. قال محمد بن سيرين: القلب السليم أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وقال ابن عباس: {إلا من أتى الله بقلب سليم} حيي يشهد أن لا إله إلا الله. وقال مجاهد، والحسن، وغيرهما: {بقلب سليم} يعني: من الشرك. وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم: هو القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن؛ لأن قلب [الكافر و] المنافق مريض، قال الله: {في قلوبهم مرض} [البقرة:10] . وقال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن إلى السنة. {وأزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين وما أضلنا إلا المجرمون فما لنا من شافعين ولا صديق حميم فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } . {وأزلفت الجنة} أي: قربت الجنة وأدنيت من أهلها يوم القيامة مزخرفة مزينة لناظريها، وهم المتقون الذين رغبوا فيها، وعملوا لها [عملها] في الدنيا. {وبرزت الجحيم للغاوين} أي: أظهرت وكشف عنها، وبدت منها عنق، فزفرت زفرة بلغت منها القلوب [إلى] الحناجر، وقيل لأهلها تقريعا وتوبيخا: {أين ما كنتم تعبدون. من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون} أي: ليست الآلهة التي عبدتموها من دون الله، من تلك الأصنام والأنداد تغني عنكم اليوم شيئا، ولا تدفع عن أنفسها؛ فإنكم وإياها اليوم حصب جهنم أنتم لها واردون. وقوله: {فكبكبوا فيها هم والغاوون} قال مجاهد: يعني: فدهوروا فيها. وقال غيره: كببوا فيها. والكاف مكررة، كما يقال: صرصر. والمراد: أنه ألقي بعضهم على بعض، من الكفار وقادتهم الذين دعوهم إلى الشرك. {وجنود إبليس أجمعون} أي: ألقوا فيها عن آخرهم. {قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين} أي: يقول الضعفاء الذين استكبروا: {إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار} [غافر:47] . ويقولون وقد عادوا على أنفسهم بالملامة: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين} أي: نجعل أمركم مطاعا كما يطاع أمر رب العالمين، وعبدناكم مع رب العالمين. {وما أضلنا إلا المجرمون} أي: ما دعانا إلى ذلك إلا المجرمون. {فما لنا من شافعين} قال بعضهم: يعني من الملائكة، كما يقولون: {فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل} [الأعراف:53] . وكذا قالوا: {فما لنا من شافعين. ولا صديق حميم} أي: قريب. قال قتادة: يعلمون -والله -أن الصديق إذا كان صالحا نفع، وأن الحميم إذا كان صالحا شفع. {فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين} وذلك أنهم يتمنون أنهم يردون إلى الدار الدنيا، ليعملوا بطاعة ربهم -فيما يزعمون -وهو، سبحانه وتعالى، يعلم أنه لو ردهم إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون. وقد أخبر تعالى عن تخاصم أهل النار في سورة "ص"، ثم قال: {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} ثم قال تعالى: {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين} أي: إن في محاجة إبراهيم لقومه وإقامته الحجج عليهم في التوحيد لآية ودلالة واضحة جلية على أنه لا إله إلا الله {وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم} . {كذبت قوم نوح المرسلين إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين فاتقوا الله وأطيعون } .

Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقوله: {يوم لا ينفع مال ولا بنون} أي: لا يقي المرء من عذاب الله ماله، ولو افتدى بملء الأرض ذهبا: {ولا بنون} ولو افتدى بمن في الأرض جميعا، ولا ينفع يومئذ إلا الإيمان بالله، وإخلاص الدين له، والتبري من الشرك؛ ولهذا قال: {إلا من أتى الله بقلب سليم} أي: سالم من الدنس والشرك. قال محمد بن سيرين: القلب السليم أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وقال ابن عباس: {إلا من أتى الله بقلب سليم} حيي يشهد أن لا إله إلا الله. وقال مجاهد، والحسن، وغيرهما: {بقلب سليم} يعني: من الشرك. وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم: هو القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن؛ لأن قلب [الكافر و] المنافق مريض، قال الله: {في قلوبهم مرض} [البقرة:10] . وقال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن إلى السنة. {وأزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين وما أضلنا إلا المجرمون فما لنا من شافعين ولا صديق حميم فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم } . {وأزلفت الجنة} أي: قربت الجنة وأدنيت من أهلها يوم القيامة مزخرفة مزينة لناظريها، وهم المتقون الذين رغبوا فيها، وعملوا لها [عملها] في الدنيا. {وبرزت الجحيم للغاوين} أي: أظهرت وكشف عنها، وبدت منها عنق، فزفرت زفرة بلغت منها القلوب [إلى] الحناجر، وقيل لأهلها تقريعا وتوبيخا: {أين ما كنتم تعبدون. من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون} أي: ليست الآلهة التي عبدتموها من دون الله، من تلك الأصنام والأنداد تغني عنكم اليوم شيئا، ولا تدفع عن أنفسها؛ فإنكم وإياها اليوم حصب جهنم أنتم لها واردون. وقوله: {فكبكبوا فيها هم والغاوون} قال مجاهد: يعني: فدهوروا فيها. وقال غيره: كببوا فيها. والكاف مكررة، كما يقال: صرصر. والمراد: أنه ألقي بعضهم على بعض، من الكفار وقادتهم الذين دعوهم إلى الشرك. {وجنود إبليس أجمعون} أي: ألقوا فيها عن آخرهم. {قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين} أي: يقول الضعفاء الذين استكبروا: {إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار} [غافر:47] . ويقولون وقد عادوا على أنفسهم بالملامة: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين} أي: نجعل أمركم مطاعا كما يطاع أمر رب العالمين، وعبدناكم مع رب العالمين. {وما أضلنا إلا المجرمون} أي: ما دعانا إلى ذلك إلا المجرمون. {فما لنا من شافعين} قال بعضهم: يعني من الملائكة، كما يقولون: {فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل} [الأعراف:53] . وكذا قالوا: {فما لنا من شافعين. ولا صديق حميم} أي: قريب. قال قتادة: يعلمون -والله -أن الصديق إذا كان صالحا نفع، وأن الحميم إذا كان صالحا شفع. {فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين} وذلك أنهم يتمنون أنهم يردون إلى الدار الدنيا، ليعملوا بطاعة ربهم -فيما يزعمون -وهو، سبحانه وتعالى، يعلم أنه لو ردهم إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون. وقد أخبر تعالى عن تخاصم أهل النار في سورة "ص"، ثم قال: {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} ثم قال تعالى: {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين} أي: إن في محاجة إبراهيم لقومه وإقامته الحجج عليهم في التوحيد لآية ودلالة واضحة جلية على أنه لا إله إلا الله {وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم} . {كذبت قوم نوح المرسلين إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين فاتقوا الله وأطيعون } .

%0
10 Bölüm