Abschnitt V06/P494–V06/P496İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P494–V06/P496)
Orijinal Metin (AR)وقوله: {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق} . هذه حكمة أخرى معطوفة على التي قبلها، وهي أن المؤمنين بما أنزل على الرسل إذا شاهدوا قيام الساعة ومجازاة الأبرار والفجار بالذي كانوا قد علموه من كتب الله في الدنيا رأوه حينئذ عين اليقين، ويقولون يومئذ أيضا: {لقد جاءت رسل ربنا بالحق} [الأعراف: 43] ، ويقال أيضا: {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} [يس:52] ، {لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث} [الروم:56] ، {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} . العزيز هو: المنيع الجناب ، الذي لا يغالب ولا يمانع، بل قد قهر كل شيء، الحميد في جميع أقواله وأفعاله وشرعه، وقدره، وهو المحمود في ذلك كله. {وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد } {أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب } . هذا إخبار من الله عن استبعاد الكفرة الملحدين قيام الساعة واستهزائهم بالرسول صلى الله عليه وسلم في إخباره بذلك: {وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق} أي: تفرقت أجسادكم في الأرض وذهبت فيها كل مذهب وتمزقت كل ممزق: {إنكم} أي: بعد هذا الحال {لفي خلق جديد} أي: تعودون أحياء ترزقون بعد ذلك، وهو في هذا الإخبار لا يخلو أمره من قسمين: إما أن يكون قد تعمد الافتراء على الله أنه قد أوحى إليه ذلك، أو أنه لم يتعمد لكن لبس عليه كما يلبس على المعتوه والمجنون؛ ولهذا قالوا: {أفترى على الله كذبا أم به جنة} ؟ قال الله تعالى رادا عليهم: {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد} أي: ليس الأمر كما زعموا ولا كما ذهبوا إليه، بل محمد صلى الله عليه وسلم هو الصادق البار الراشد الذي جاء بالحق، وهم الكذبة الجهلة الأغبياء، {في العذاب} أي: [في] الكفر المفضي بهم إلى عذاب الله، {والضلال البعيد} من الحق في الدنيا. ثم قال منبها لهم على قدرته في خلق السموات والأرض، فقال: {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض} أي: حيثما توجهوا وذهبوا فالسماء مظلة مظللة عليهم، والأرض تحتهم، كما قال: {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون. والأرض فرشناها فنعم الماهدون} [الذاريات:47، 48] . قال عبد بن حميد: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض} ؟ قال: إنك إن نظرت عن يمينك أو عن شمالك، أو من بين يديك أو من خلفك، رأيت السماء والأرض. وقوله: {إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء} أي: لو شئنا لفعلنا بهم ذلك لظلمهم وقدرتنا عليهم، ولكن نؤخر ذلك لحلمنا وعفونا. ثم قال: {إن في ذلك لآية لكل عبد منيب} قال معمر، عن قتادة: {منيب} : تائب. وقال سفيان عن قتادة: المنيب: المقبل إلى الله عز وجل. أي: إن في النظر إلى خلق السماء والأرض لدلالة لكل عبد فطن لبيب رجاع إلى الله، على قدرة الله على بعث الأجساد ووقوع المعاد؛ لأن من قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها واتساعها، وهذه الأرضين في انخفاضها وأطوالها وأعراضها، إنه لقادر على إعادة الأجسام ونشر الرميم من العظام، كما قال تعالى: {أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى} [يس: 81] ، وقال: {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [غافر: 57] . {ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير } .
Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وقوله: {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق} . هذه حكمة أخرى معطوفة على التي قبلها، وهي أن المؤمنين بما أنزل على الرسل إذا شاهدوا قيام الساعة ومجازاة الأبرار والفجار بالذي كانوا قد علموه من كتب الله في الدنيا رأوه حينئذ عين اليقين، ويقولون يومئذ أيضا: {لقد جاءت رسل ربنا بالحق} [الأعراف: 43] ، ويقال أيضا: {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} [يس:52] ، {لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث} [الروم:56] ، {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} . العزيز هو: المنيع الجناب ، الذي لا يغالب ولا يمانع، بل قد قهر كل شيء، الحميد في جميع أقواله وأفعاله وشرعه، وقدره، وهو المحمود في ذلك كله. {وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد } {أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب } . هذا إخبار من الله عن استبعاد الكفرة الملحدين قيام الساعة واستهزائهم بالرسول صلى الله عليه وسلم في إخباره بذلك: {وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق} أي: تفرقت أجسادكم في الأرض وذهبت فيها كل مذهب وتمزقت كل ممزق: {إنكم} أي: بعد هذا الحال {لفي خلق جديد} أي: تعودون أحياء ترزقون بعد ذلك، وهو في هذا الإخبار لا يخلو أمره من قسمين: إما أن يكون قد تعمد الافتراء على الله أنه قد أوحى إليه ذلك، أو أنه لم يتعمد لكن لبس عليه كما يلبس على المعتوه والمجنون؛ ولهذا قالوا: {أفترى على الله كذبا أم به جنة} ؟ قال الله تعالى رادا عليهم: {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد} أي: ليس الأمر كما زعموا ولا كما ذهبوا إليه، بل محمد صلى الله عليه وسلم هو الصادق البار الراشد الذي جاء بالحق، وهم الكذبة الجهلة الأغبياء، {في العذاب} أي: [في] الكفر المفضي بهم إلى عذاب الله، {والضلال البعيد} من الحق في الدنيا. ثم قال منبها لهم على قدرته في خلق السموات والأرض، فقال: {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض} أي: حيثما توجهوا وذهبوا فالسماء مظلة مظللة عليهم، والأرض تحتهم، كما قال: {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون. والأرض فرشناها فنعم الماهدون} [الذاريات:47، 48] . قال عبد بن حميد: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض} ؟ قال: إنك إن نظرت عن يمينك أو عن شمالك، أو من بين يديك أو من خلفك، رأيت السماء والأرض. وقوله: {إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء} أي: لو شئنا لفعلنا بهم ذلك لظلمهم وقدرتنا عليهم، ولكن نؤخر ذلك لحلمنا وعفونا. ثم قال: {إن في ذلك لآية لكل عبد منيب} قال معمر، عن قتادة: {منيب} : تائب. وقال سفيان عن قتادة: المنيب: المقبل إلى الله عز وجل. أي: إن في النظر إلى خلق السماء والأرض لدلالة لكل عبد فطن لبيب رجاع إلى الله، على قدرة الله على بعث الأجساد ووقوع المعاد؛ لأن من قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها واتساعها، وهذه الأرضين في انخفاضها وأطوالها وأعراضها، إنه لقادر على إعادة الأجسام ونشر الرميم من العظام، كما قال تعالى: {أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى} [يس: 81] ، وقال: {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [غافر: 57] . {ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير } .
Abschnitt V06/P496–V06/P497İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P496–V06/P497)
Orijinal Metin (AR)يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله داود، صلوات الله وسلامه عليه، مما آتاه من الفضل المبين، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوي العدد والعدد، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم، الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات، الصم الشامخات، وتقف له الطيور السارحات، والغاديات والرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات. وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبي موسى الأشعري يقرأ من الليل، فوقف فاستمع لقراءته ، ثم قال " لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود". وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا وتر أحسن من صوت أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه. ومعنى قوله: {أوبي} أي: سبحي. قاله ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد. وزعم أبو ميسرة أنه بمعنى سبحي بلسان الحبشة. وفي هذا نظر، فإن التأويب في اللغة هو الترجيع، فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها. وقال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي في كتابه "الجمل" في باب النداء منه: {يا جبال أوبي معه} أي: سيري معه بالنهار كله، والتأويب: سير النهار كله، والإسآد : سير الليل كله. وهذا لفظه، وهو غريب جدا لم أجده لغيره، وإن كان له مساعدة من حيث اللفظ في اللغة، لكنه بعيد في معنى الآية هاهنا. والصواب أن المعنى في قوله تعالى: {أوبي معه} أي: رجعي معه مسبحة معه، كما تقدم، والله أعلم. وقوله: {وألنا له الحديد} : قال الحسن البصري، وقتادة، والأعمش وغيرهم: كان لا يحتاج أن يدخله نارا ولا يضربه بمطرقة، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط؛ ولهذا قال: {أن اعمل سابغات} وهي: الدروع. قال قتادة: وهو أول من عملها من الخلق، وإنما كانت قبل ذلك صفائح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا ابن سماعة، حدثنا ابن ضمرة ، عن ابن شوذب قال: كان داود، عليه السلام، يرفع في كل يوم درعا فيبيعها بستة آلاف درهم: ألفين له ولأهله، وأربعة آلاف درهم يطعم بها بني إسرائيل خبز الحواري. {وقدر في السرد} : هذا إرشاد من الله لنبيه داود، عليه السلام، في تعليمه صنعة الدروع. قال مجاهد في قوله: {وقدر في السرد} : لا تدق المسمار فيقلق في الحلقة، ولا تغلظه فيفصمها، واجعله بقدر. وقال الحكم بن عتيبة : لا تغلظه فيفصم، ولا تدقه فيقلق . وهكذا روي عن قتادة، وغير واحد. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: السرد: حلق الحديد. وقال بعضهم: يقال: درع مسرودة: إذا كانت مسمورة الحلق، واستشهد بقول الشاعر: وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع
Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله داود، صلوات الله وسلامه عليه، مما آتاه من الفضل المبين، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوي العدد والعدد، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم، الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات، الصم الشامخات، وتقف له الطيور السارحات، والغاديات والرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات. وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبي موسى الأشعري يقرأ من الليل، فوقف فاستمع لقراءته ، ثم قال " لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود". وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا وتر أحسن من صوت أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه. ومعنى قوله: {أوبي} أي: سبحي. قاله ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد. وزعم أبو ميسرة أنه بمعنى سبحي بلسان الحبشة. وفي هذا نظر، فإن التأويب في اللغة هو الترجيع، فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها. وقال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي في كتابه "الجمل" في باب النداء منه: {يا جبال أوبي معه} أي: سيري معه بالنهار كله، والتأويب: سير النهار كله، والإسآد : سير الليل كله. وهذا لفظه، وهو غريب جدا لم أجده لغيره، وإن كان له مساعدة من حيث اللفظ في اللغة، لكنه بعيد في معنى الآية هاهنا. والصواب أن المعنى في قوله تعالى: {أوبي معه} أي: رجعي معه مسبحة معه، كما تقدم، والله أعلم. وقوله: {وألنا له الحديد} : قال الحسن البصري، وقتادة، والأعمش وغيرهم: كان لا يحتاج أن يدخله نارا ولا يضربه بمطرقة، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط؛ ولهذا قال: {أن اعمل سابغات} وهي: الدروع. قال قتادة: وهو أول من عملها من الخلق، وإنما كانت قبل ذلك صفائح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا ابن سماعة، حدثنا ابن ضمرة ، عن ابن شوذب قال: كان داود، عليه السلام، يرفع في كل يوم درعا فيبيعها بستة آلاف درهم: ألفين له ولأهله، وأربعة آلاف درهم يطعم بها بني إسرائيل خبز الحواري. {وقدر في السرد} : هذا إرشاد من الله لنبيه داود، عليه السلام، في تعليمه صنعة الدروع. قال مجاهد في قوله: {وقدر في السرد} : لا تدق المسمار فيقلق في الحلقة، ولا تغلظه فيفصمها، واجعله بقدر. وقال الحكم بن عتيبة : لا تغلظه فيفصم، ولا تدقه فيقلق . وهكذا روي عن قتادة، وغير واحد. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: السرد: حلق الحديد. وقال بعضهم: يقال: درع مسرودة: إذا كانت مسمورة الحلق، واستشهد بقول الشاعر: وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع
Abschnitt V06/P497–V06/P498İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P497–V06/P498)
Orijinal Metin (AR)وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود، عليه والسلام، من طريق إسحاق بن بشر -وفيه كلام-عن أبي إلياس، عن وهب بن منبه ما مضمونه: أن داود، عليه السلام، كان يخرج متنكرا، فيسأل الركبان عنه وعن سيرته، فلا يسأل أحدا إلا أثنى عليه خيرا في عبادته وسيرته ومعدلته، صلوات الله وسلامه عليه. قال وهب: حتى بعث الله ملكا في صورة رجل، فلقيه داود فسأله كما كان يسأل غيره، فقال: هو خير الناس لنفسه ولأمته، إلا أن فيه خصلة لو لم تكن فيه كان كاملا قال: ما هي؟ قال: يأكل ويطعم عياله من مال المسلمين، يعني: بيت المال، فعند ذلك نصب داود، عليه السلام، إلى ربه في الدعاء أن يعلمه عملا بيده يستغني به ويغني به عياله، فألان له الحديد، وعلمه صنعة الدروع، فعمل الدرع ، وهو أول من عملها، فقال الله: {أن اعمل سابغات وقدر في السرد} يعني: مسامير الحلق، قال: وكان يعمل الدرع ، فإذا ارتفع من عمله درع باعها، فتصدق بثلثها، واشترى بثلثها ما يكفيه وعياله، وأمسك الثلث يتصدق به يوما بيوم إلى أن يعمل غيرها. وقال: إن الله أعطى داود شيئا لم يعطه غيره من حسن الصوت، إنه كان إذا قرأ الزبور تسمع الوحش حتى يؤخذ بأعناقها وما تنفر، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج إلا على أصناف صوته. وكان شديد الاجتهاد، وكان إذا افتتح الزبور بالقراءة كأنما ينفخ في المزامير، وكأن قد أعطي سبعين مزمارا في حلقه. وقوله: {واعملوا صالحا} أي: في الذي أعطاكم الله من النعم، {إني بما تعملون بصير} أي: مراقب لكم، بصير بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى علي من ذلك شيء. {ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور } لما ذكر تعالى ما أنعم به على داود، عطف بذكر ما أعطى ابنه سليمان ، من تسخير الريح له تحمل بساطه، غدوها شهر ورواحها شهر. قال الحسن البصري: كان يغدو على بساطه من دمشق فينزل بإصطخر يتغذى بها، ويذهب رائحا من إصطخر فيبيت بكابل، وبين دمشق وإصطخر شهر كامل للمسرع، وبين إصطخر وكابل شهر كامل للمسرع. وقوله: {وأسلنا له عين القطر} قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء الخراساني، وقتادة، والسدي، ومالك عن زيد بن أسلم، و عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد: القطر: النحاس. قال قتادة: وكانت باليمن، فكل ما يصنع الناس مما أخرج الله تعالى لسليمان، عليه السلام. قال السدي: وإنما أسيلت له ثلاثة أيام. وقوله: {ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه} أي: وسخرنا له الجن يعملون بين يديه بإذن الله، أي: بقدره ، وتسخيره لهم بمشيئته ما يشاء من البنايات وغير ذلك. {ومن يزغ منهم عن أمرنا} أي: ومن يعدل ويخرج منهم عن الطاعة {نذقه من عذاب السعير} وهو الحريق. وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثا غريبا فقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير ، عن أبي ثعلبة الخشني؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون". رفعه غريب جدا. وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا حرملة، حدثنا ابن وهب، أخبرني بكر بن مضر، عن محمد، عن ابن أنعم أنه قال: الجن ثلاثة: صنف لهم الثواب وعليهم العقاب، وصنف طيارون فيما بين السماء والأرض، وصنف حيات وكلاب. قال بكر بن مضر: ولا أعلم إلا أنه قال: حدثني أن الإنس ثلاثة : صنف يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة. وصنف كالأنعام بل هم أضل سبيلا. وصنف في صور الناس على قلوب الشياطين.
Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود، عليه والسلام، من طريق إسحاق بن بشر -وفيه كلام-عن أبي إلياس، عن وهب بن منبه ما مضمونه: أن داود، عليه السلام، كان يخرج متنكرا، فيسأل الركبان عنه وعن سيرته، فلا يسأل أحدا إلا أثنى عليه خيرا في عبادته وسيرته ومعدلته، صلوات الله وسلامه عليه. قال وهب: حتى بعث الله ملكا في صورة رجل، فلقيه داود فسأله كما كان يسأل غيره، فقال: هو خير الناس لنفسه ولأمته، إلا أن فيه خصلة لو لم تكن فيه كان كاملا قال: ما هي؟ قال: يأكل ويطعم عياله من مال المسلمين، يعني: بيت المال، فعند ذلك نصب داود، عليه السلام، إلى ربه في الدعاء أن يعلمه عملا بيده يستغني به ويغني به عياله، فألان له الحديد، وعلمه صنعة الدروع، فعمل الدرع ، وهو أول من عملها، فقال الله: {أن اعمل سابغات وقدر في السرد} يعني: مسامير الحلق، قال: وكان يعمل الدرع ، فإذا ارتفع من عمله درع باعها، فتصدق بثلثها، واشترى بثلثها ما يكفيه وعياله، وأمسك الثلث يتصدق به يوما بيوم إلى أن يعمل غيرها. وقال: إن الله أعطى داود شيئا لم يعطه غيره من حسن الصوت، إنه كان إذا قرأ الزبور تسمع الوحش حتى يؤخذ بأعناقها وما تنفر، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج إلا على أصناف صوته. وكان شديد الاجتهاد، وكان إذا افتتح الزبور بالقراءة كأنما ينفخ في المزامير، وكأن قد أعطي سبعين مزمارا في حلقه. وقوله: {واعملوا صالحا} أي: في الذي أعطاكم الله من النعم، {إني بما تعملون بصير} أي: مراقب لكم، بصير بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى علي من ذلك شيء. {ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور } لما ذكر تعالى ما أنعم به على داود، عطف بذكر ما أعطى ابنه سليمان ، من تسخير الريح له تحمل بساطه، غدوها شهر ورواحها شهر. قال الحسن البصري: كان يغدو على بساطه من دمشق فينزل بإصطخر يتغذى بها، ويذهب رائحا من إصطخر فيبيت بكابل، وبين دمشق وإصطخر شهر كامل للمسرع، وبين إصطخر وكابل شهر كامل للمسرع. وقوله: {وأسلنا له عين القطر} قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء الخراساني، وقتادة، والسدي، ومالك عن زيد بن أسلم، و عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد: القطر: النحاس. قال قتادة: وكانت باليمن، فكل ما يصنع الناس مما أخرج الله تعالى لسليمان، عليه السلام. قال السدي: وإنما أسيلت له ثلاثة أيام. وقوله: {ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه} أي: وسخرنا له الجن يعملون بين يديه بإذن الله، أي: بقدره ، وتسخيره لهم بمشيئته ما يشاء من البنايات وغير ذلك. {ومن يزغ منهم عن أمرنا} أي: ومن يعدل ويخرج منهم عن الطاعة {نذقه من عذاب السعير} وهو الحريق. وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثا غريبا فقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير ، عن أبي ثعلبة الخشني؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون". رفعه غريب جدا. وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا حرملة، حدثنا ابن وهب، أخبرني بكر بن مضر، عن محمد، عن ابن أنعم أنه قال: الجن ثلاثة: صنف لهم الثواب وعليهم العقاب، وصنف طيارون فيما بين السماء والأرض، وصنف حيات وكلاب. قال بكر بن مضر: ولا أعلم إلا أنه قال: حدثني أن الإنس ثلاثة : صنف يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة. وصنف كالأنعام بل هم أضل سبيلا. وصنف في صور الناس على قلوب الشياطين.
Abschnitt V06/P498–V06/P500İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P498–V06/P500)
Orijinal Metin (AR)وقال أيضا : حدثنا أبي: حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق حدثنا سلمة -يعني ابن الفضل-عن إسماعيل، عن الحسن قال: الجن ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء مؤمنون ومن هؤلاء مؤمنون، وهم شركاؤهم في الثواب والعقاب، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنا فهو ولي الله، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان. وقوله: {يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل} : أما المحاريب فهي البناء الحسن، وهو أشرف شيء في المسكن وصدره. وقال مجاهد: المحاريب بنيان دون القصور. وقال الضحاك: هي المساجد. وقال قتادة: هي المساجد والقصور، وقال ابن زيد: هي المساكن. وأما التماثيل فقال عطية العوفي، والضحاك والسدي: التماثيل: الصور. قال مجاهد: وكانت من نحاس. وقال قتادة: من طين وزجاج. وقوله: {وجفان كالجواب وقدور راسيات} الجواب: جمع جابية، وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء، كما قال الأعشى ميمون بن قيس: تروح على آل المحلق جفنة كجابية الشيخ العراقي تفهق وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {كالجواب} أي: كالجوبة من الأرض. وقال العوفي، عنه: كالحياض. وكذا قال مجاهد، والحسن، وقتادة، والضحاك وغيرهم. والقدور الراسيات: أي الثابتات، في أماكنها لا تتحول ولا تتحرك عن أماكنها لعظمها. كذا قال مجاهد، والضحاك، وغيرهما. وقال عكرمة: أثافيها منها. وقوله: {اعملوا آل داود شكرا} أي: وقلنا لهم اعملوا شكرا على ما أنعم به عليكم في الدنيا والدين. وشكرا: مصدر من غير الفعل، أو أنه مفعول له، وعلى التقديرين فيه دلالة على أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول وبالنية، كما قال: أفادتكم النعماء مني ثلاثة: يدي، ولساني، والضمير المحجبا قال أبو عبد الرحمن الحبلي : الصلاة شكر، والصيام شكر، وكل خير تعمله لله شكر. وأفضل الشكر الحمد. رواه ابن جرير. وروى هو وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي قال: الشكر تقوى الله والعمل الصالح. وهذا يقال لمن هو متلبس بالفعل، وقد كان آل داود، عليه السلام، كذلك قائمين بشكر الله قولا وعملا. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، حدثنا جعفر -يعني: ابن سليمان-عن ثابت البناني قال: كان داود، عليه السلام، قد جزأ على أهله وولده ونسائه الصلاة، فكان لا تأتي عليهم ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي، فغمرتهم هذه الآية: {اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور} . وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما. ولا يفر إذا لاقى". وقد روى أبو عبد الله بن ماجه من حديث سنيد بن داود، حدثنا يوسف بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قالت أم سليمان بن داود لسليمان: يا بني، لا تكثر النوم بالليل، فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيرا يوم القيامة". وروى ابن أبي حاتم عن داود، عليه السلام، هاهنا أثرا غريبا مطولا جدا، وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا عمران بن موسى، حدثنا أبو يزيد فيض بن إسحاق الرقي قال: قال فضيل في قوله تعالى: {اعملوا آل داود شكرا} . فقال داود: يا رب، كيف أشكرك، والشكر نعمة منك؟ قال: "الآن شكرتني حين علمت أن النعمة مني". وقوله: {وقليل من عبادي الشكور} إخبار عن الواقع. {فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين } .
Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وقال أيضا : حدثنا أبي: حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق حدثنا سلمة -يعني ابن الفضل-عن إسماعيل، عن الحسن قال: الجن ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء مؤمنون ومن هؤلاء مؤمنون، وهم شركاؤهم في الثواب والعقاب، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنا فهو ولي الله، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان. وقوله: {يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل} : أما المحاريب فهي البناء الحسن، وهو أشرف شيء في المسكن وصدره. وقال مجاهد: المحاريب بنيان دون القصور. وقال الضحاك: هي المساجد. وقال قتادة: هي المساجد والقصور، وقال ابن زيد: هي المساكن. وأما التماثيل فقال عطية العوفي، والضحاك والسدي: التماثيل: الصور. قال مجاهد: وكانت من نحاس. وقال قتادة: من طين وزجاج. وقوله: {وجفان كالجواب وقدور راسيات} الجواب: جمع جابية، وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء، كما قال الأعشى ميمون بن قيس: تروح على آل المحلق جفنة كجابية الشيخ العراقي تفهق وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {كالجواب} أي: كالجوبة من الأرض. وقال العوفي، عنه: كالحياض. وكذا قال مجاهد، والحسن، وقتادة، والضحاك وغيرهم. والقدور الراسيات: أي الثابتات، في أماكنها لا تتحول ولا تتحرك عن أماكنها لعظمها. كذا قال مجاهد، والضحاك، وغيرهما. وقال عكرمة: أثافيها منها. وقوله: {اعملوا آل داود شكرا} أي: وقلنا لهم اعملوا شكرا على ما أنعم به عليكم في الدنيا والدين. وشكرا: مصدر من غير الفعل، أو أنه مفعول له، وعلى التقديرين فيه دلالة على أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول وبالنية، كما قال: أفادتكم النعماء مني ثلاثة: يدي، ولساني، والضمير المحجبا قال أبو عبد الرحمن الحبلي : الصلاة شكر، والصيام شكر، وكل خير تعمله لله شكر. وأفضل الشكر الحمد. رواه ابن جرير. وروى هو وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي قال: الشكر تقوى الله والعمل الصالح. وهذا يقال لمن هو متلبس بالفعل، وقد كان آل داود، عليه السلام، كذلك قائمين بشكر الله قولا وعملا. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، حدثنا جعفر -يعني: ابن سليمان-عن ثابت البناني قال: كان داود، عليه السلام، قد جزأ على أهله وولده ونسائه الصلاة، فكان لا تأتي عليهم ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي، فغمرتهم هذه الآية: {اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور} . وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما. ولا يفر إذا لاقى". وقد روى أبو عبد الله بن ماجه من حديث سنيد بن داود، حدثنا يوسف بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قالت أم سليمان بن داود لسليمان: يا بني، لا تكثر النوم بالليل، فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيرا يوم القيامة". وروى ابن أبي حاتم عن داود، عليه السلام، هاهنا أثرا غريبا مطولا جدا، وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا عمران بن موسى، حدثنا أبو يزيد فيض بن إسحاق الرقي قال: قال فضيل في قوله تعالى: {اعملوا آل داود شكرا} . فقال داود: يا رب، كيف أشكرك، والشكر نعمة منك؟ قال: "الآن شكرتني حين علمت أن النعمة مني". وقوله: {وقليل من عبادي الشكور} إخبار عن الواقع. {فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين } .
Abschnitt V06/P500–V06/P502İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P500–V06/P502)
Orijinal Metin (AR)يذكر تعالى كيفية موت سليمان، عليه السلام، وكيف عمى الله موته على الجان المسخرين له في الأعمال الشاقة، فإنه مكث متوكئا على عصاه -وهي منسأته-كما قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة وغير واحد -مدة طويلة نحوا من سنة، فلما أكلتها دابة الأرض، وهي الأرضة، ضعفت وسقط إلى الأرض، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة-تبينت الجن والإنس أيضا أن الجن لا يعلمون الغيب، كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك. قد ورد في ذلك حديث مرفوع غريب، وفي صحته نظر، قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا موسى بن مسعود أبو حذيفة، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عطاء، عن السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان سليمان نبي الله، عليه السلام، إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول: كذا. فيقول: لأي شيء أنت؟ فإن كانت لغرس غرست، وإن كانت لدواء كتبت. فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروب. قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت. فقال سليمان: اللهم، عم على الجن موتتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب. فنحتها عصا، فتوكأ عليها حولا ميتا، والجن تعمل. فأكلتها الأرضة، فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا [حولا] في العذاب المهين". قال: وكان ابن عباس يقرؤها كذلك قال: "فشكرت الجن الأرضة ، فكانت تأتيها بالماء" . وهكذا رواه ابن أبي حاتم، من حديث إبراهيم بن طهمان، به. وفي رفعه غرابة ونكارة، والأقرب أن يكون موقوفا، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني له غرابات، وفي بعض حديثه نكارة. وقال السدي، في حديث ذكره عن أبي مالك عن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: كان سليمان يتحرر في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر، يدخل طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي توفي فيها، وكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا نبتت في بيت المقدس شجرة، فيأتيها فيسألها، فيقول: ما اسمك؟ فتقول: اسمي كذا وكذا. فإن كانت لغرس غرسها، وإن كانت نبت دواء قالت: نبت دواء لكذا وكذا. فيجعلها كذلك، حتى نبتت شجرة يقال لها: الخروبة، فسألها: ما اسمك؟ فقالت: أنا الخروبة. قال: ولأي شيء نبت؟ قالت: نبت لخراب هذا المسجد. قال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حي؟ أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس. فنزعها وغرسها في حائط له، ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئا على عصاه، فمات ولم تعلم به الشياطين، وهم في ذلك يعملون له، يخافون أن يخرج فيعاقبهم. وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب، وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول: ألست جلدا إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب؟ فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك فمر، ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان في المحراب إلا احترق. فمر ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع، ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق. ونظر إلى سليمان، عليه السلام، قد سقط ميتا. فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات. ففتحوا عنه فأخرجوه. ووجدوا منسأته -وهي: العصا بلسان الحبشة-قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا منذ كم مات؟ فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت منها يوما وليلة، ثم حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة. وهي في قراءة ابن مسعود: فمكثوا يدأبون له من بعد موته حولا ، فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبونهم ولو أنهم علموا الغيب، لعلموا بموت سليمان ولم يلبثوا في العذاب يعملون له سنة، وذلك قول الله عز وجل: {ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين} . يقول: تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين -قال: فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت-قال: ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب؟ فهو ما تأتيها به الشياطين، شكرا لها.
Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)يذكر تعالى كيفية موت سليمان، عليه السلام، وكيف عمى الله موته على الجان المسخرين له في الأعمال الشاقة، فإنه مكث متوكئا على عصاه -وهي منسأته-كما قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة وغير واحد -مدة طويلة نحوا من سنة، فلما أكلتها دابة الأرض، وهي الأرضة، ضعفت وسقط إلى الأرض، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة-تبينت الجن والإنس أيضا أن الجن لا يعلمون الغيب، كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك. قد ورد في ذلك حديث مرفوع غريب، وفي صحته نظر، قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا موسى بن مسعود أبو حذيفة، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عطاء، عن السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان سليمان نبي الله، عليه السلام، إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول: كذا. فيقول: لأي شيء أنت؟ فإن كانت لغرس غرست، وإن كانت لدواء كتبت. فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروب. قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت. فقال سليمان: اللهم، عم على الجن موتتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب. فنحتها عصا، فتوكأ عليها حولا ميتا، والجن تعمل. فأكلتها الأرضة، فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا [حولا] في العذاب المهين". قال: وكان ابن عباس يقرؤها كذلك قال: "فشكرت الجن الأرضة ، فكانت تأتيها بالماء" . وهكذا رواه ابن أبي حاتم، من حديث إبراهيم بن طهمان، به. وفي رفعه غرابة ونكارة، والأقرب أن يكون موقوفا، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني له غرابات، وفي بعض حديثه نكارة. وقال السدي، في حديث ذكره عن أبي مالك عن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: كان سليمان يتحرر في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر، يدخل طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي توفي فيها، وكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا نبتت في بيت المقدس شجرة، فيأتيها فيسألها، فيقول: ما اسمك؟ فتقول: اسمي كذا وكذا. فإن كانت لغرس غرسها، وإن كانت نبت دواء قالت: نبت دواء لكذا وكذا. فيجعلها كذلك، حتى نبتت شجرة يقال لها: الخروبة، فسألها: ما اسمك؟ فقالت: أنا الخروبة. قال: ولأي شيء نبت؟ قالت: نبت لخراب هذا المسجد. قال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حي؟ أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس. فنزعها وغرسها في حائط له، ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئا على عصاه، فمات ولم تعلم به الشياطين، وهم في ذلك يعملون له، يخافون أن يخرج فيعاقبهم. وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب، وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول: ألست جلدا إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب؟ فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك فمر، ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان في المحراب إلا احترق. فمر ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع، ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق. ونظر إلى سليمان، عليه السلام، قد سقط ميتا. فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات. ففتحوا عنه فأخرجوه. ووجدوا منسأته -وهي: العصا بلسان الحبشة-قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا منذ كم مات؟ فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت منها يوما وليلة، ثم حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة. وهي في قراءة ابن مسعود: فمكثوا يدأبون له من بعد موته حولا ، فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبونهم ولو أنهم علموا الغيب، لعلموا بموت سليمان ولم يلبثوا في العذاب يعملون له سنة، وذلك قول الله عز وجل: {ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين} . يقول: تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين -قال: فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت-قال: ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب؟ فهو ما تأتيها به الشياطين، شكرا لها.
Abschnitt V06/P502–V06/P503İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P502–V06/P503)
Orijinal Metin (AR)وهذا الأثر -والله أعلم-إنما هو مما تلقي من علماء أهل الكتاب، وهي وقف، لا يصدق منها إلا ما وافق الحق، ولا يكذب منها إلا ما خالف الحق، والباقي لا يصدق ولا يكذب . وقال ابن وهب وأصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته} قال: قال سليمان عليه السلام لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني. فأتاه فقال: يا سليمان، قد أمرت بك، قد بقيت لك سويعة. فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير، وليس له باب، فقام يصلي فاتكأ على عصاه، قال: فدخل عليه ملك الموت، فقبض روحه وهو متكئ على عصاه، ولم يصنع ذلك فرارا من ملك الموت. قال: والجن يعملون بين يديه وينظرون إليه، يحسبون أنه حي. قال: فبعث الله، عز وجل، دابة الأرض. قال: والدابة تأكل العيدان -يقال لها: القادح-فدخلت فيها فأكلتها، حتى إذا أكلت جوف العصا ضعفت، وثقل عليها فخر ميتا، فلما رأت ذلك الجن انفضوا وذهبوا. قال: فذلك قوله: {ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته} . قال أصبغ: بلغني عن غيره أنها قامت سنة تأكل منها قبل أن يخر . وقد ذكر غير واحد من السلف نحوا من هذا، والله أعلم. {لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور } . كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها، وكانت التبابعة منهم، وبلقيس -صاحبة سليمان- منهم ، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم، وعيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم. وبعث الله إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه، ويشكروه بتوحيده وعبادته، فكانوا كذلك ما شاء الله ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في البلاد أيدي سبأ، شذر مذر، كما يأتي تفصيله وبيانه قريبا إن شاء الله تعالى وبه الثقة. قال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن عبد الرحمن بن وعلة قال: سمعت ابن عباس يقول : أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبأ: ما هو؟ رجل أم امرأة أم أرض؟ قال: "بل هو رجل، ولد عشرة ، فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام منهم أربعة، فأما اليمانيون: فمذحج، وكندة، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحمير. وأما الشامية فلخم، وجذام، وعاملة، وغسان. ورواه عبد، عن الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة، به . وهذا إسناد حسن، ولم يخرجوه، [وقد روي من طرق متعددة] . وقد رواه الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتاب "القصد والأمم، بمعرفة أصول أنساب العرب والعجم"، من حديث ابن لهيعة، عن علقمة بن وعلة، عن ابن عباس فذكر نحوه. وقد روي نحوه من وجه آخر. وقال [الإمام] أحمد أيضا وعبد بن حميد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أبو جناب يحيى بن أبي حية الكلبي، عن يحيى بن هانئ بن عروة، عن فروة بن مسيك قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أقاتل بمقبل قومي مدبرهم؟ قال: "نعم، فقاتل بمقبل قومك مدبرهم". فلما وليت دعاني فقال: "لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام". فقلت: يا رسول الله، أرأيت سبأ؛ أواد هو، أو رجل ، أو ما هو؟ قال: " [لا] ، بل رجل من العرب، ولد له عشرة فتيامن ستة وتشاءم أربعة، تيامن الأزد، والأشعريون، وحمير، وكندة، ومذحج، وأنمار الذين يقال لهم: بجيلة وخثعم. وتشاءم لخم، وجذام، وعاملة، وغسان". وهذا أيضا إسناد جيد وإن كان فيه أبو جناب الكلبي، وقد تكلموا فيه . لكن رواه ابن جرير عن أبي كريب، عن العنقزي ، عن أسباط بن نصر، عن يحيى بن هانئ المرادي، عن عمه أو عن أبيه -يشك أسباط-قال: قدم فروة بن مسيك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره.
Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وهذا الأثر -والله أعلم-إنما هو مما تلقي من علماء أهل الكتاب، وهي وقف، لا يصدق منها إلا ما وافق الحق، ولا يكذب منها إلا ما خالف الحق، والباقي لا يصدق ولا يكذب . وقال ابن وهب وأصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته} قال: قال سليمان عليه السلام لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني. فأتاه فقال: يا سليمان، قد أمرت بك، قد بقيت لك سويعة. فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير، وليس له باب، فقام يصلي فاتكأ على عصاه، قال: فدخل عليه ملك الموت، فقبض روحه وهو متكئ على عصاه، ولم يصنع ذلك فرارا من ملك الموت. قال: والجن يعملون بين يديه وينظرون إليه، يحسبون أنه حي. قال: فبعث الله، عز وجل، دابة الأرض. قال: والدابة تأكل العيدان -يقال لها: القادح-فدخلت فيها فأكلتها، حتى إذا أكلت جوف العصا ضعفت، وثقل عليها فخر ميتا، فلما رأت ذلك الجن انفضوا وذهبوا. قال: فذلك قوله: {ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته} . قال أصبغ: بلغني عن غيره أنها قامت سنة تأكل منها قبل أن يخر . وقد ذكر غير واحد من السلف نحوا من هذا، والله أعلم. {لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور } . كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها، وكانت التبابعة منهم، وبلقيس -صاحبة سليمان- منهم ، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم، وعيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم. وبعث الله إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه، ويشكروه بتوحيده وعبادته، فكانوا كذلك ما شاء الله ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في البلاد أيدي سبأ، شذر مذر، كما يأتي تفصيله وبيانه قريبا إن شاء الله تعالى وبه الثقة. قال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن عبد الرحمن بن وعلة قال: سمعت ابن عباس يقول : أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبأ: ما هو؟ رجل أم امرأة أم أرض؟ قال: "بل هو رجل، ولد عشرة ، فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام منهم أربعة، فأما اليمانيون: فمذحج، وكندة، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحمير. وأما الشامية فلخم، وجذام، وعاملة، وغسان. ورواه عبد، عن الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة، به . وهذا إسناد حسن، ولم يخرجوه، [وقد روي من طرق متعددة] . وقد رواه الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتاب "القصد والأمم، بمعرفة أصول أنساب العرب والعجم"، من حديث ابن لهيعة، عن علقمة بن وعلة، عن ابن عباس فذكر نحوه. وقد روي نحوه من وجه آخر. وقال [الإمام] أحمد أيضا وعبد بن حميد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أبو جناب يحيى بن أبي حية الكلبي، عن يحيى بن هانئ بن عروة، عن فروة بن مسيك قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أقاتل بمقبل قومي مدبرهم؟ قال: "نعم، فقاتل بمقبل قومك مدبرهم". فلما وليت دعاني فقال: "لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام". فقلت: يا رسول الله، أرأيت سبأ؛ أواد هو، أو رجل ، أو ما هو؟ قال: " [لا] ، بل رجل من العرب، ولد له عشرة فتيامن ستة وتشاءم أربعة، تيامن الأزد، والأشعريون، وحمير، وكندة، ومذحج، وأنمار الذين يقال لهم: بجيلة وخثعم. وتشاءم لخم، وجذام، وعاملة، وغسان". وهذا أيضا إسناد جيد وإن كان فيه أبو جناب الكلبي، وقد تكلموا فيه . لكن رواه ابن جرير عن أبي كريب، عن العنقزي ، عن أسباط بن نصر، عن يحيى بن هانئ المرادي، عن عمه أو عن أبيه -يشك أسباط-قال: قدم فروة بن مسيك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره.
Abschnitt V06/P503–V06/P505İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P503–V06/P505)
Orijinal Metin (AR)طريق أخرى لهذا الحديث: قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثني ابن لهيعة، عن توبة بن نمر ، عن عبد العزيز بن يحيى أنه أخبره قال: كنا عند عبيدة بن عبد الرحمن بأفريقية فقال يوما: ما أظن قوما بأرض إلا وهم من أهلها. فقال علي بن رباح: كلا قد حدثني فلان أن فروة بن مسيك الغطيفي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن سبأ قوم كان لهم عز في الجاهلية، وإني أخشى أن يرتدوا عن الإسلام، أفأقاتلهم؟ فقال: "ما أمرت فيهم بشيء بعد". فأنزلت هذه الآية: {لقد كان لسبإ في مسكنهم آية} الآيات، فقال له رجل: يا رسول الله، ما سبأ؟ فذكر مثل هذا الحديث الذي قبله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن سبأ: ما هو؟ أبلد، أم رجل، أم امرأة؟ قال: "بل رجل، ولد له عشرة فسكن اليمن منهم ستة، والشام أربعة، أما اليمانيون: فمذحج، وكندة، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحمير غير ما حلها. وأما الشام: فلخم، وجذام، وغسان، وعاملة". فيه غرابة من حيث ذكر [نزول] الآية بالمدينة، والسورة مكية كلها، والله أعلم. طريق أخرى: قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أسامة، حدثني الحسن بن الحكم، حدثنا أبو سبرة النخعي، عن فروة بن مسيك الغطيفي قال: قال رجل: يا رسول الله، أخبرني عن سبأ: ما هو؟ أرض، أم امرأة؟ قال: "ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد له عشرة من الولد، فتيامن ستة وتشاءم أربعة، فأما الذين تشاءموا: فلخم وجذام وعاملة وغسان، وأما الذين تيامنوا: فكندة، والأشعريون، والأزد، ومذحج، وحمير، وأنمار". فقال رجل: ما أنمار؟ قال: "الذين منهم خثعم وبجيلة". ورواه الترمذي في جامعه، عن أبي كريب وعبد بن حميد قالا حدثنا أبو أسامة، فذكره أبسط من هذا، ثم قال: هذا حديث حسن غريب. وقال أبو عمر بن عبد البر: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا ابن كثير -هو عثمان بن كثير-عن الليث بن سعد، عن موسى بن علي، عن يزيد بن حصين، عن تميم الداري؛ أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن سبأ، فذكر مثله، فقوي هذا الحديث وحسن. قال علماء النسب، منهم محمد بن إسحاق: اسم سبأ: عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وإنما سمي سبأ لأنه أول من سبأ في العرب، وكان يقال له: الرائش؛ لأنه أول من غنم في الغزو فأعطى قومه، فسمي الرائش، والعرب تسمي المال: ريشا ورياشا. وذكروا أنه بشر برسول الله صلى الله عليه وسلم في زمانه المتقدم، وقال في ذلك شعرا: سيملك بعدنا ملكا عظيما نبي لا يرخص في الحرام ويملك بعده منهم ملوك يدينوه العباد بغير ذام ويملك بعدهم منا ملوك يصير الملك فينا باقتسام ويملك بعد قحطان نبي تقي خبتة خير الأنام وسمي أحمدا يا ليت أني أعمر بعد مبعثه بعام فأعضده وأحبوه بنصري بكل مدجج وبكل رام متى يظهر فكونوا ناصريه ومن يلقاه يبلغه سلامي ذكر ذلك الهمداني في كتاب "الإكليل". واختلفوا في قحطان على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه من سلالة إرم بن سام بن نوح، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث طرائق. والثاني: أنه من سلالة عابر، وهو هود، عليه الصلاة والسلام، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث طرائق أيضا. والثالث: أنه من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل، عليهما السلام، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث طرائق أيضا. وقد ذكر ذلك مستقصى الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر النمري، رحمه الله، في كتابه [المسمى] : "الإنباه على ذكر أصول القبائل الرواة" .
Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)طريق أخرى لهذا الحديث: قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثني ابن لهيعة، عن توبة بن نمر ، عن عبد العزيز بن يحيى أنه أخبره قال: كنا عند عبيدة بن عبد الرحمن بأفريقية فقال يوما: ما أظن قوما بأرض إلا وهم من أهلها. فقال علي بن رباح: كلا قد حدثني فلان أن فروة بن مسيك الغطيفي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن سبأ قوم كان لهم عز في الجاهلية، وإني أخشى أن يرتدوا عن الإسلام، أفأقاتلهم؟ فقال: "ما أمرت فيهم بشيء بعد". فأنزلت هذه الآية: {لقد كان لسبإ في مسكنهم آية} الآيات، فقال له رجل: يا رسول الله، ما سبأ؟ فذكر مثل هذا الحديث الذي قبله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن سبأ: ما هو؟ أبلد، أم رجل، أم امرأة؟ قال: "بل رجل، ولد له عشرة فسكن اليمن منهم ستة، والشام أربعة، أما اليمانيون: فمذحج، وكندة، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحمير غير ما حلها. وأما الشام: فلخم، وجذام، وغسان، وعاملة". فيه غرابة من حيث ذكر [نزول] الآية بالمدينة، والسورة مكية كلها، والله أعلم. طريق أخرى: قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أسامة، حدثني الحسن بن الحكم، حدثنا أبو سبرة النخعي، عن فروة بن مسيك الغطيفي قال: قال رجل: يا رسول الله، أخبرني عن سبأ: ما هو؟ أرض، أم امرأة؟ قال: "ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد له عشرة من الولد، فتيامن ستة وتشاءم أربعة، فأما الذين تشاءموا: فلخم وجذام وعاملة وغسان، وأما الذين تيامنوا: فكندة، والأشعريون، والأزد، ومذحج، وحمير، وأنمار". فقال رجل: ما أنمار؟ قال: "الذين منهم خثعم وبجيلة". ورواه الترمذي في جامعه، عن أبي كريب وعبد بن حميد قالا حدثنا أبو أسامة، فذكره أبسط من هذا، ثم قال: هذا حديث حسن غريب. وقال أبو عمر بن عبد البر: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا ابن كثير -هو عثمان بن كثير-عن الليث بن سعد، عن موسى بن علي، عن يزيد بن حصين، عن تميم الداري؛ أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن سبأ، فذكر مثله، فقوي هذا الحديث وحسن. قال علماء النسب، منهم محمد بن إسحاق: اسم سبأ: عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وإنما سمي سبأ لأنه أول من سبأ في العرب، وكان يقال له: الرائش؛ لأنه أول من غنم في الغزو فأعطى قومه، فسمي الرائش، والعرب تسمي المال: ريشا ورياشا. وذكروا أنه بشر برسول الله صلى الله عليه وسلم في زمانه المتقدم، وقال في ذلك شعرا: سيملك بعدنا ملكا عظيما نبي لا يرخص في الحرام ويملك بعده منهم ملوك يدينوه العباد بغير ذام ويملك بعدهم منا ملوك يصير الملك فينا باقتسام ويملك بعد قحطان نبي تقي خبتة خير الأنام وسمي أحمدا يا ليت أني أعمر بعد مبعثه بعام فأعضده وأحبوه بنصري بكل مدجج وبكل رام متى يظهر فكونوا ناصريه ومن يلقاه يبلغه سلامي ذكر ذلك الهمداني في كتاب "الإكليل". واختلفوا في قحطان على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه من سلالة إرم بن سام بن نوح، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث طرائق. والثاني: أنه من سلالة عابر، وهو هود، عليه الصلاة والسلام، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث طرائق أيضا. والثالث: أنه من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل، عليهما السلام، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث طرائق أيضا. وقد ذكر ذلك مستقصى الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر النمري، رحمه الله، في كتابه [المسمى] : "الإنباه على ذكر أصول القبائل الرواة" .
Abschnitt V06/P505–V06/P506İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P505–V06/P506)
Orijinal Metin (AR)ومعنى قوله عليه السلام: "كان رجلا من العرب" يعني: العرب العاربة الذين كانوا قبل الخليل، عليه السلام، من سلالة سام بن نوح. وعلى القول الثالث: كان من سلالة الخليل، عليه السلام، وليس هذا بالمشهور عندهم، والله أعلم. ولكن في صحيح البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بنفر من "أسلم" ينتضلون، فقال: "ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا" . فأسلم قبيلة من الأنصار، والأنصار أوسها وخزرجها من غسان من عرب اليمن من سبأ، نزلوا بيثرب لما تفرقت سبأ في البلاد، حين بعث الله عليهم سيل العرم، ونزلت طائفة منهم بالشام، وإنما قيل لهم: غسان بماء نزلوا عليه قيل: باليمن. وقيل: إنه قريب من المشلل ، كما قال حسان بن ثابت: إما سألت فإنا معشر نجب الأزد نسبتنا، والماء غسان ومعنى قوله: "ولد له عشرة من العرب" أي: كان من نسله هؤلاء العشرة الذين يرجع إليهم أصول القبائل من عرب اليمن، لا أنهم ولدوا من صلبه، بل منهم من بينه وبينه الأبوان والثلاثة والأقل والأكثر، كما هو مقرر مبين في مواضعه من كتب النسب. ومعنى قوله: "فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة" أي: بعد ما أرسل الله عليهم سيل العرم، منهم من أقام ببلادهم، ومنهم من نزح عنها إلى غيرها، وكان من أمر السد أنه كان الماء يأتيهم من بين جبلين وتجتمع إليه أيضا سيول أمطارهم وأوديتهم، فعمد ملوكهم الأقادم، فبنوا بينهما سدا عظيما محكما حتى ارتفع الماء، وحكم على حافات ذينك الجبلين، فغرسوا الأشجار واستغلوا الثمار في غاية ما يكون من الكثرة والحسن، كما ذكر غير واحد من السلف، منهم قتادة: أن المرأة كانت تمشي تحت الأشجار وعلى رأسها مكتل أو زنبيل، وهو الذي تخترف فيه الثمار، فيتساقط من الأشجار في ذلك ما يملؤه من غير أن يحتاج إلى كلفة ولا قطاف، لكثرته ونضجه واستوائه، وكان هذا السد بمأرب: بلدة بينها وبين صنعاء ثلاث مراحل، ويعرف بسد مأرب. وذكر آخرون أنه لم يكن ببلدهم شيء من الذباب ولا البعوض ولا البراغيث، ولا شيء من الهوام، وذلك لاعتدال الهواء وصحة المزاج وعناية الله بهم، ليوحدوه ويعبدوه، كما قال تعالى: {لقد كان لسبإ في مسكنهم آية} ، ثم فسرها بقوله: {جنتان عن يمين وشمال} أي: من ناحيتي الجبلين والبلدة بين ذلك، {كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور} أي: غفور لكم إن استمررتم على التوحيد. وقوله: {فأعرضوا} أي: عن توحيد الله وعبادته وشكره على ما أنعم به عليهم، وعدلوا إلى عبادة الشمس، كما قال هدهد سليمان: {وجئتك من سبإ بنبإ يقين. إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم. وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون} [النمل: 22، 24] . وقال محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: بعث الله إليهم ثلاثة عشر نبيا. وقال السدي: أرسل الله إليهم اثني عشر ألف نبي، والله أعلم. وقوله: {فأرسلنا عليهم سيل العرم} : قيل: المراد بالعرم المياه. وقيل: الوادي. وقيل: الجرذ. وقيل: الماء الغزير. فيكون من باب إضافة الاسم إلى صفته، مثل: "مسجد الجامع". و"سعيد كرز" حكى ذلك السهيلي. وذكر غير واحد منهم ابن عباس، ووهب بن منبه، وقتادة، والضحاك؛ أن الله، عز وجل، لما أراد عقوبتهم بإرسال العرم عليهم، بعث على السد دابة من الأرض، يقال لها: "الجرذ" نقبته -قال وهب بن منبه: وقد كانوا يجدون في كتبهم أن سبب خراب هذا السد هو الجرذ فكانوا يرصدون عنده السنانير برهة من الزمان، فلما جاء القدر غلبت الفأر السنانير، وولجت إلى السد فنقبته، فانهار عليهم.
Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)ومعنى قوله عليه السلام: "كان رجلا من العرب" يعني: العرب العاربة الذين كانوا قبل الخليل، عليه السلام، من سلالة سام بن نوح. وعلى القول الثالث: كان من سلالة الخليل، عليه السلام، وليس هذا بالمشهور عندهم، والله أعلم. ولكن في صحيح البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بنفر من "أسلم" ينتضلون، فقال: "ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا" . فأسلم قبيلة من الأنصار، والأنصار أوسها وخزرجها من غسان من عرب اليمن من سبأ، نزلوا بيثرب لما تفرقت سبأ في البلاد، حين بعث الله عليهم سيل العرم، ونزلت طائفة منهم بالشام، وإنما قيل لهم: غسان بماء نزلوا عليه قيل: باليمن. وقيل: إنه قريب من المشلل ، كما قال حسان بن ثابت: إما سألت فإنا معشر نجب الأزد نسبتنا، والماء غسان ومعنى قوله: "ولد له عشرة من العرب" أي: كان من نسله هؤلاء العشرة الذين يرجع إليهم أصول القبائل من عرب اليمن، لا أنهم ولدوا من صلبه، بل منهم من بينه وبينه الأبوان والثلاثة والأقل والأكثر، كما هو مقرر مبين في مواضعه من كتب النسب. ومعنى قوله: "فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة" أي: بعد ما أرسل الله عليهم سيل العرم، منهم من أقام ببلادهم، ومنهم من نزح عنها إلى غيرها، وكان من أمر السد أنه كان الماء يأتيهم من بين جبلين وتجتمع إليه أيضا سيول أمطارهم وأوديتهم، فعمد ملوكهم الأقادم، فبنوا بينهما سدا عظيما محكما حتى ارتفع الماء، وحكم على حافات ذينك الجبلين، فغرسوا الأشجار واستغلوا الثمار في غاية ما يكون من الكثرة والحسن، كما ذكر غير واحد من السلف، منهم قتادة: أن المرأة كانت تمشي تحت الأشجار وعلى رأسها مكتل أو زنبيل، وهو الذي تخترف فيه الثمار، فيتساقط من الأشجار في ذلك ما يملؤه من غير أن يحتاج إلى كلفة ولا قطاف، لكثرته ونضجه واستوائه، وكان هذا السد بمأرب: بلدة بينها وبين صنعاء ثلاث مراحل، ويعرف بسد مأرب. وذكر آخرون أنه لم يكن ببلدهم شيء من الذباب ولا البعوض ولا البراغيث، ولا شيء من الهوام، وذلك لاعتدال الهواء وصحة المزاج وعناية الله بهم، ليوحدوه ويعبدوه، كما قال تعالى: {لقد كان لسبإ في مسكنهم آية} ، ثم فسرها بقوله: {جنتان عن يمين وشمال} أي: من ناحيتي الجبلين والبلدة بين ذلك، {كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور} أي: غفور لكم إن استمررتم على التوحيد. وقوله: {فأعرضوا} أي: عن توحيد الله وعبادته وشكره على ما أنعم به عليهم، وعدلوا إلى عبادة الشمس، كما قال هدهد سليمان: {وجئتك من سبإ بنبإ يقين. إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم. وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون} [النمل: 22، 24] . وقال محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: بعث الله إليهم ثلاثة عشر نبيا. وقال السدي: أرسل الله إليهم اثني عشر ألف نبي، والله أعلم. وقوله: {فأرسلنا عليهم سيل العرم} : قيل: المراد بالعرم المياه. وقيل: الوادي. وقيل: الجرذ. وقيل: الماء الغزير. فيكون من باب إضافة الاسم إلى صفته، مثل: "مسجد الجامع". و"سعيد كرز" حكى ذلك السهيلي. وذكر غير واحد منهم ابن عباس، ووهب بن منبه، وقتادة، والضحاك؛ أن الله، عز وجل، لما أراد عقوبتهم بإرسال العرم عليهم، بعث على السد دابة من الأرض، يقال لها: "الجرذ" نقبته -قال وهب بن منبه: وقد كانوا يجدون في كتبهم أن سبب خراب هذا السد هو الجرذ فكانوا يرصدون عنده السنانير برهة من الزمان، فلما جاء القدر غلبت الفأر السنانير، وولجت إلى السد فنقبته، فانهار عليهم.
Abschnitt V06/P506–V06/P508İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P506–V06/P508)
Orijinal Metin (AR)وقال قتادة وغيره: الجرذ: هو الخلد، نقبت أسافله حتى إذا ضعف ووهى، وجاءت أيام السيول، صدم الماء البناء فسقط، فانساب الماء في أسفل الوادي، وخرب ما بين يديه من الأبنية والأشجار وغير ذلك، ونضب الماء عن الأشجار التي في الجبلين عن يمين وشمال، فيبست وتحطمت، وتبدلت تلك الأشجار المثمرة الأنيقة النضرة، كما قال الله وتعالى: {وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط} . قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء الخراساني، والحسن، وقتادة، والسدي: وهو الأراك، وأكلة البرير. {وأثل} : قال العوفي، عن ابن عباس: هو الطرفاء. وقال غيره: هو شجر يشبه الطرفاء. وقيل: هو السمر. فالله أعلم. وقوله: {وشيء من سدر قليل} : لما كان أجود هذه الأشجار المبدل بها هو السدر قال: {وشيء من سدر قليل} ، فهذا الذي صار أمر تينك الجنتين إليه، بعد الثمار النضيجة والمناظر الحسنة، والظلال العميقة والأنهار الجارية، تبدلت إلى شجر الأراك والطرفاء والسدر ذي الشوك الكثير والثمر القليل. وذلك بسبب كفرهم وشركهم بالله، وتكذيبهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل؛ ولهذا قال: {ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور} أي: عاقبناهم بكفرهم. قال مجاهد: ولا يعاقب إلا الكفور. وقال الحسن البصري: صدق الله العظيم. لا يعاقب بمثل فعله إلا الكفور. وقال طاوس: لا يناقش إلا الكفور. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عمر بن النحاس الرملي، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو البيداء، عن هشام بن صالح التغلبي ، عن ابن خيرة -وكان من أصحاب علي، رضي الله عنه-قال: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والتعسر في اللذة. قيل: وما التعسر في اللذة؟ قال: لا يصادف لذة حلالا إلا جاءه من ينغصه إياها. {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } . يذكر تعالى ما كانوا فيه من الغبطة والنعمة، والعيش الهني الرغيد، والبلاد الرخية، والأماكن الآمنة، والقرى المتواصلة المتقاربة، بعضها من بعض، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها، بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء، بل حيث نزل وجد ماء وثمرا، ويقيل في قرية ويبيت في أخرى، بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم؛ ولهذا قال تعالى: {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها} ، قال وهب بن منبه: هي قرى بصنعاء. وكذا قال أبو مالك. وقال مجاهد، والحسن، وسعيد بن جبير، ومالك عن زيد بن أسلم، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن زيد وغيرهم : يعني: قرى الشام. يعنون أنهم كانوا يسيرون من اليمن إلى الشام في قرى ظاهرة متواصلة. وقال العوفي، عن ابن عباس: القرى التي باركنا فيها : بيت المقدس. وقال العوفي، عنه أيضا: هي قرى عربية بين المدينة والشام. {قرى ظاهرة} أي: بينة واضحة، يعرفها المسافرون، يقيلون في واحدة، ويبيتون في أخرى؛ ولهذا قال: {وقدرنا فيها السير} أي: جعلناها بحسب ما يحتاج المسافرون إليه، {سيروا فيها ليالي وأياما آمنين} أي: الأمن حاصل لهم في سيرهم ليلا ونهارا.
Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وقال قتادة وغيره: الجرذ: هو الخلد، نقبت أسافله حتى إذا ضعف ووهى، وجاءت أيام السيول، صدم الماء البناء فسقط، فانساب الماء في أسفل الوادي، وخرب ما بين يديه من الأبنية والأشجار وغير ذلك، ونضب الماء عن الأشجار التي في الجبلين عن يمين وشمال، فيبست وتحطمت، وتبدلت تلك الأشجار المثمرة الأنيقة النضرة، كما قال الله وتعالى: {وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط} . قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء الخراساني، والحسن، وقتادة، والسدي: وهو الأراك، وأكلة البرير. {وأثل} : قال العوفي، عن ابن عباس: هو الطرفاء. وقال غيره: هو شجر يشبه الطرفاء. وقيل: هو السمر. فالله أعلم. وقوله: {وشيء من سدر قليل} : لما كان أجود هذه الأشجار المبدل بها هو السدر قال: {وشيء من سدر قليل} ، فهذا الذي صار أمر تينك الجنتين إليه، بعد الثمار النضيجة والمناظر الحسنة، والظلال العميقة والأنهار الجارية، تبدلت إلى شجر الأراك والطرفاء والسدر ذي الشوك الكثير والثمر القليل. وذلك بسبب كفرهم وشركهم بالله، وتكذيبهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل؛ ولهذا قال: {ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور} أي: عاقبناهم بكفرهم. قال مجاهد: ولا يعاقب إلا الكفور. وقال الحسن البصري: صدق الله العظيم. لا يعاقب بمثل فعله إلا الكفور. وقال طاوس: لا يناقش إلا الكفور. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عمر بن النحاس الرملي، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو البيداء، عن هشام بن صالح التغلبي ، عن ابن خيرة -وكان من أصحاب علي، رضي الله عنه-قال: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والتعسر في اللذة. قيل: وما التعسر في اللذة؟ قال: لا يصادف لذة حلالا إلا جاءه من ينغصه إياها. {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } . يذكر تعالى ما كانوا فيه من الغبطة والنعمة، والعيش الهني الرغيد، والبلاد الرخية، والأماكن الآمنة، والقرى المتواصلة المتقاربة، بعضها من بعض، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها، بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء، بل حيث نزل وجد ماء وثمرا، ويقيل في قرية ويبيت في أخرى، بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم؛ ولهذا قال تعالى: {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها} ، قال وهب بن منبه: هي قرى بصنعاء. وكذا قال أبو مالك. وقال مجاهد، والحسن، وسعيد بن جبير، ومالك عن زيد بن أسلم، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن زيد وغيرهم : يعني: قرى الشام. يعنون أنهم كانوا يسيرون من اليمن إلى الشام في قرى ظاهرة متواصلة. وقال العوفي، عن ابن عباس: القرى التي باركنا فيها : بيت المقدس. وقال العوفي، عنه أيضا: هي قرى عربية بين المدينة والشام. {قرى ظاهرة} أي: بينة واضحة، يعرفها المسافرون، يقيلون في واحدة، ويبيتون في أخرى؛ ولهذا قال: {وقدرنا فيها السير} أي: جعلناها بحسب ما يحتاج المسافرون إليه، {سيروا فيها ليالي وأياما آمنين} أي: الأمن حاصل لهم في سيرهم ليلا ونهارا.
Abschnitt V06/P508–V06/P509İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V06/P508–V06/P509)
Orijinal Metin (AR){فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم} ، وقرأ آخرون: "بعد بين أسفارنا "، وذلك أنهم بطروا هذه النعمة -كما قاله ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغير واحد-وأحبوا مفاوز ومهامه يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير في الحرور والمخاوف، كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يخرج الله لهم مما تنبت الأرض، من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، مع أنهم كانوا في عيش رغيد في من وسلوى وما يشتهون من مآكل ومشارب وملابس مرتفعة؛ ولهذا قال لهم: {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله} [البقرة: 61] ، وقال تعالى: {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها} [القصص: 58] ، وقال تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} [النحل: 112] . وقال في حق هؤلاء: {وظلموا أنفسهم} أي: بكفرهم، {فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق} أي: جعلناهم حديثا للناس، وسمرا يتحدثون به من خبرهم، وكيف مكر الله بهم، وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء تفرقوا في البلاد هاهنا وهاهنا؛ ولهذا تقول العرب في القوم إذا تفرقوا: "تفرقوا أيدي سبأ" "وأيادي سبأ" و "تفرقوا شذر مذر". وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، سمعت أبي يقول: سمعت عكرمة يحدث بحديث أهل سبأ، قال: {لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان [عن يمين وشمال] } إلى قوله: {فأرسلنا عليهم سيل العرم} وكانت فيهم كهنة، وكانت الشياطين يسترقون السمع، فأخبروا الكهنة بشيء من أخبار السماء، فكان فيهم رجل كاهن شريف كثير المال، وإنه خبر أن زوال أمرهم قد دنا، وأن العذاب قد أظلهم . فلم يدر كيف يصنع؛ لأنه كان له مال كثير من عقار، فقال لرجل من بنيه -وهو أعزهم أخوالا-: إذا كان غدا وأمرتك بأمر فلا تفعل، فإذا انتهرتك فانتهرني، فإذا تناولتك فالطمني. فقال: يا أبت، لا تفعل، إن هذا أمر عظيم، وأمر شديد، قال: يا بني، قد حدث أمر لا بد منه. فلم يزل به حتى وافاه على ذلك. فلما أصبحوا واجتمع الناس، قال: يا بني، افعل كذا وكذا. فأبى، فانتهره أبوه، فأجابه، فلم يزل ذلك بينهما حتى تناوله أبوه، فوثب على أبيه فلطمه، فقال: ابني يلطمني؟ علي بالشفرة. قالوا: وما تصنع بالشفرة؟ قال: أذبحه. قالوا: تذبح ابنك. الطمه أو اصنع ما بدا لك. قال: فأبى، قال: فأرسلوا إلى أخواله فأعلموهم ذلك، فجاء أخواله فقالوا: خذ منا ما بدا لك. فأبى إلا أن يذبحه. قالوا: فلتموتن قبل أن تذبحه. قال: فإذا كان الحديث هكذا فإني لا أرى أن أقيم ببلد يحال بيني وبين ولدي فيه، اشتروا مني دوري، اشتروا مني أرضي، فلم يزل حتى باع دوره وأرضيه وعقاره، فلما صار الثمن في يده وأحرزه، قال: أي قوم، إن العذاب قد أظلكم، وزوال أمركم قد دنا، فمن أراد منكم دارا جديدا، وجملا شديدا، وسفرا بعيدا، فليلحق بعمان. ومن أراد منكم الخمر والخمير والعصير -وكلمة، قال إبراهيم: لم أحفظها-فليلحق ببصرى، ومن أراد الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، المقيمات في الضحل، فليلحق بيثرب ذات نخل. فأطاعه قومه فخرج أهل عمان إلى عمان. وخرجت غسان إلى بصرى. وخرجت الأوس والخزرج وبنو عثمان إلى يثرب ذات النخل. قال: فأتوا على بطن مر فقال بنو عثمان: هذا مكان صالح، لا نبغي به بدلا. فأقاموا به، فسموا لذلك خزاعة، لأنهم انخزعوا من أصحابهم، واستقامت الأوس والخزرج حتى نزلوا المدينة، وتوجه أهل عمان إلى عمان، وتوجهت غسان إلى بصرى. هذا أثر غريب عجيب، وهذا الكاهن هو عمرو بن عامر أحد رؤساء اليمن وكبراء سبأ وكهانهم.
Deutsch Tercümesi (Ehl-i Sünnet){فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم} ، وقرأ آخرون: "بعد بين أسفارنا "، وذلك أنهم بطروا هذه النعمة -كما قاله ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغير واحد-وأحبوا مفاوز ومهامه يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير في الحرور والمخاوف، كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يخرج الله لهم مما تنبت الأرض، من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، مع أنهم كانوا في عيش رغيد في من وسلوى وما يشتهون من مآكل ومشارب وملابس مرتفعة؛ ولهذا قال لهم: {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله} [البقرة: 61] ، وقال تعالى: {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها} [القصص: 58] ، وقال تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} [النحل: 112] . وقال في حق هؤلاء: {وظلموا أنفسهم} أي: بكفرهم، {فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق} أي: جعلناهم حديثا للناس، وسمرا يتحدثون به من خبرهم، وكيف مكر الله بهم، وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء تفرقوا في البلاد هاهنا وهاهنا؛ ولهذا تقول العرب في القوم إذا تفرقوا: "تفرقوا أيدي سبأ" "وأيادي سبأ" و "تفرقوا شذر مذر". وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، سمعت أبي يقول: سمعت عكرمة يحدث بحديث أهل سبأ، قال: {لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان [عن يمين وشمال] } إلى قوله: {فأرسلنا عليهم سيل العرم} وكانت فيهم كهنة، وكانت الشياطين يسترقون السمع، فأخبروا الكهنة بشيء من أخبار السماء، فكان فيهم رجل كاهن شريف كثير المال، وإنه خبر أن زوال أمرهم قد دنا، وأن العذاب قد أظلهم . فلم يدر كيف يصنع؛ لأنه كان له مال كثير من عقار، فقال لرجل من بنيه -وهو أعزهم أخوالا-: إذا كان غدا وأمرتك بأمر فلا تفعل، فإذا انتهرتك فانتهرني، فإذا تناولتك فالطمني. فقال: يا أبت، لا تفعل، إن هذا أمر عظيم، وأمر شديد، قال: يا بني، قد حدث أمر لا بد منه. فلم يزل به حتى وافاه على ذلك. فلما أصبحوا واجتمع الناس، قال: يا بني، افعل كذا وكذا. فأبى، فانتهره أبوه، فأجابه، فلم يزل ذلك بينهما حتى تناوله أبوه، فوثب على أبيه فلطمه، فقال: ابني يلطمني؟ علي بالشفرة. قالوا: وما تصنع بالشفرة؟ قال: أذبحه. قالوا: تذبح ابنك. الطمه أو اصنع ما بدا لك. قال: فأبى، قال: فأرسلوا إلى أخواله فأعلموهم ذلك، فجاء أخواله فقالوا: خذ منا ما بدا لك. فأبى إلا أن يذبحه. قالوا: فلتموتن قبل أن تذبحه. قال: فإذا كان الحديث هكذا فإني لا أرى أن أقيم ببلد يحال بيني وبين ولدي فيه، اشتروا مني دوري، اشتروا مني أرضي، فلم يزل حتى باع دوره وأرضيه وعقاره، فلما صار الثمن في يده وأحرزه، قال: أي قوم، إن العذاب قد أظلكم، وزوال أمركم قد دنا، فمن أراد منكم دارا جديدا، وجملا شديدا، وسفرا بعيدا، فليلحق بعمان. ومن أراد منكم الخمر والخمير والعصير -وكلمة، قال إبراهيم: لم أحفظها-فليلحق ببصرى، ومن أراد الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، المقيمات في الضحل، فليلحق بيثرب ذات نخل. فأطاعه قومه فخرج أهل عمان إلى عمان. وخرجت غسان إلى بصرى. وخرجت الأوس والخزرج وبنو عثمان إلى يثرب ذات النخل. قال: فأتوا على بطن مر فقال بنو عثمان: هذا مكان صالح، لا نبغي به بدلا. فأقاموا به، فسموا لذلك خزاعة، لأنهم انخزعوا من أصحابهم، واستقامت الأوس والخزرج حتى نزلوا المدينة، وتوجه أهل عمان إلى عمان، وتوجهت غسان إلى بصرى. هذا أثر غريب عجيب، وهذا الكاهن هو عمرو بن عامر أحد رؤساء اليمن وكبراء سبأ وكهانهم.