Qur'an&Sunnahالقرآن

Gazâlî — el-Münkız mine'd-Dalâl

أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي · AR

Orijinal Metin (AR)

بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة والمدخل

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة والمدخل

Section V01/P005Gazâlî — el-Münkız mine'd-Dalâl (s. V01/P005)
Orijinal Metin (AR)

الحمد لله ، الذي يفتتح بحمده كل رسالة ومقالة ، والصلاة على محمد المصطفى ، صاحب النبوة والرسالة ، وعلى آله وأصحابه الهادين من الضلالة . أما بعد : فقد سألتني أيها الأخ في الدين ، أن أبث إليك غاية العلوم وأسرارها ، وغائلة المذاهب وأغوارها ، وأحكي لك ما قاسيته في استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق مع تباين المسالك والطرق ، وما استجرأت عليه من الارتفاع عن حضيض التقليد ، إلى يفاع الاستبصار ، وما استفدته ، أولا من علم الكلام ، وما اجتويته ، ثانيا من طرق أهل التعليم ، القاصرين لدرك الحق على تقليد الإمام وما ازدريته ، ثالثا من طرق التفلسف وما ارتخيته ، آخرا من طريقة التصوف وما انجلى لي في تضاعيف تفتيشي عن أقاويل الخلق ، من لباب الحق ، وما صرفني عن نشر العلم ببغداد مع كثرة الطلبة وما ردني إلى معاودتي بنيسابور بعد طول المدة ، فابتدرت لإجابتك إلى مطلبك ، بعد الوقوف على صدق رغبتك ، وقلت مستعينا بالله ومتوكلا عليه ، ومستوفقا منه ، وملتجئا إليه : اعلموا - أحسن الله تعالى إرشادكم ، وألان للحق قيادكم - أن اختلاف الخلق في الأديان والملل ، ثم اختلاف الأمة في المذاهب على كثرة بالفرق ، وتباين الطرق ، بحر عميق غرق فيه الأكثرون ، وما نجا منه إلا الأقلون ، وكل فريق يزعم أنه الناجي ، ' وكل حزب بما لديهم فرحون ' . وهو الذي وعدنا به سيد المرسلين صلوات الله عليه ، وهوا لصادق المصدوق حيث قال : ' ستفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة ، الناجية منها واحدة ' فقد كان ما وعد أن يكون ولم أزل في عنفوان شبابي - منذ راهقت البلوغ ، قبل بلوغ العشرين إلى الآن ، وقد أناف السن على الخمسين - أقتحم لجة هذا البحر العميق ، وأخوض غمرته خوض الجسور ، لا خوض الجبان الحذور ، وأتوغل في كل مظلمة ، وأتهجم على كل مشكلة ، وأتقحم كل ورطة ، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة ، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة ، لأميز بين محق ومبطل ، ومتسنن ومبتدع ، لا أغادر باطنيا إلا وأحب أن أطلع على باطنيته ، ولا ظاهريا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظاهريته ، ولا فلسفيا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته ، ولا متكلما إلا وأجتهد في الإطلاع على غاية كلامه ومجادلته ولا صوفيا إلا وأحرص على العثور على سر صفوته ، ولا متعبدا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته ، ولا زنديقا معطلا إلا وأتحسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته . وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديني ، من أول أمري ، وريعان عمري ، غريزة وفطرة من الله وضعها في جبلتي لا باختياري وحيلتي ، وحتى انحلت عني رابطة التقليد ، وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا ، إذ رأيت : صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء إلا على التنصر ، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهود ، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الإسلام . وسمعت الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : ' كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ، وينصرانه ، ويمجسانه ' فتحرك باطني إلى طلب حقيقة الفطرة الأصلية ، وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين ، والتمييز بين هذه التقليدات ، وأوائلها تلقينات ، وفي تمييز الحق منها عن الباطل اختلافات فقلت في نفسي : أولا إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور ، فلا بد من طلب حقيقة العلم ما هي ؟

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

الحمد لله ، الذي يفتتح بحمده كل رسالة ومقالة ، والصلاة على محمد المصطفى ، صاحب النبوة والرسالة ، وعلى آله وأصحابه الهادين من الضلالة . أما بعد : فقد سألتني أيها الأخ في الدين ، أن أبث إليك غاية العلوم وأسرارها ، وغائلة المذاهب وأغوارها ، وأحكي لك ما قاسيته في استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق مع تباين المسالك والطرق ، وما استجرأت عليه من الارتفاع عن حضيض التقليد ، إلى يفاع الاستبصار ، وما استفدته ، أولا من علم الكلام ، وما اجتويته ، ثانيا من طرق أهل التعليم ، القاصرين لدرك الحق على تقليد الإمام وما ازدريته ، ثالثا من طرق التفلسف وما ارتخيته ، آخرا من طريقة التصوف وما انجلى لي في تضاعيف تفتيشي عن أقاويل الخلق ، من لباب الحق ، وما صرفني عن نشر العلم ببغداد مع كثرة الطلبة وما ردني إلى معاودتي بنيسابور بعد طول المدة ، فابتدرت لإجابتك إلى مطلبك ، بعد الوقوف على صدق رغبتك ، وقلت مستعينا بالله ومتوكلا عليه ، ومستوفقا منه ، وملتجئا إليه : اعلموا - أحسن الله تعالى إرشادكم ، وألان للحق قيادكم - أن اختلاف الخلق في الأديان والملل ، ثم اختلاف الأمة في المذاهب على كثرة بالفرق ، وتباين الطرق ، بحر عميق غرق فيه الأكثرون ، وما نجا منه إلا الأقلون ، وكل فريق يزعم أنه الناجي ، ' وكل حزب بما لديهم فرحون ' . وهو الذي وعدنا به سيد المرسلين صلوات الله عليه ، وهوا لصادق المصدوق حيث قال : ' ستفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة ، الناجية منها واحدة ' فقد كان ما وعد أن يكون ولم أزل في عنفوان شبابي - منذ راهقت البلوغ ، قبل بلوغ العشرين إلى الآن ، وقد أناف السن على الخمسين - أقتحم لجة هذا البحر العميق ، وأخوض غمرته خوض الجسور ، لا خوض الجبان الحذور ، وأتوغل في كل مظلمة ، وأتهجم على كل مشكلة ، وأتقحم كل ورطة ، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة ، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة ، لأميز بين محق ومبطل ، ومتسنن ومبتدع ، لا أغادر باطنيا إلا وأحب أن أطلع على باطنيته ، ولا ظاهريا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظاهريته ، ولا فلسفيا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته ، ولا متكلما إلا وأجتهد في الإطلاع على غاية كلامه ومجادلته ولا صوفيا إلا وأحرص على العثور على سر صفوته ، ولا متعبدا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته ، ولا زنديقا معطلا إلا وأتحسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته . وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديني ، من أول أمري ، وريعان عمري ، غريزة وفطرة من الله وضعها في جبلتي لا باختياري وحيلتي ، وحتى انحلت عني رابطة التقليد ، وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا ، إذ رأيت : صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء إلا على التنصر ، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهود ، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الإسلام . وسمعت الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : ' كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه ، وينصرانه ، ويمجسانه ' فتحرك باطني إلى طلب حقيقة الفطرة الأصلية ، وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين ، والتمييز بين هذه التقليدات ، وأوائلها تلقينات ، وفي تمييز الحق منها عن الباطل اختلافات فقلت في نفسي : أولا إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور ، فلا بد من طلب حقيقة العلم ما هي ؟

Section V01/P005–V01/P006Gazâlî — el-Münkız mine'd-Dalâl (s. V01/P005–V01/P006)
Orijinal Metin (AR)

فظهر لي : أن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب ، ولا يفارقه إمكان الغلط والوهم ، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك ، بل الأمان من الخطأ ينبغي أنا يكون مقارنا لليقين ، مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه - مثلا - من يقلب الحجر ذهبا والعصا ثعبانا ، لم يروث ذلك شكا وإنكارا ، فإني إذا علمت : أن العشرة أكثر من الثلاثة ، فلو قال لي قائل : لا بل الثلاثة أكثر ، بدليل أني أقلب هذه العصا ثعبانا ، وقلبها ، وشاهدت ذلك منه ، لم أشك بسببه في معرفتي ، ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه ! فأما الشك بسببه فيما علمته فلا ثم علمت أن كل ما لا أعلمه على هذا الوجه ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين ، فهو علم لا ثقة به ولا أمان معه ، وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

فظهر لي : أن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب ، ولا يفارقه إمكان الغلط والوهم ، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك ، بل الأمان من الخطأ ينبغي أنا يكون مقارنا لليقين ، مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه - مثلا - من يقلب الحجر ذهبا والعصا ثعبانا ، لم يروث ذلك شكا وإنكارا ، فإني إذا علمت : أن العشرة أكثر من الثلاثة ، فلو قال لي قائل : لا بل الثلاثة أكثر ، بدليل أني أقلب هذه العصا ثعبانا ، وقلبها ، وشاهدت ذلك منه ، لم أشك بسببه في معرفتي ، ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه ! فأما الشك بسببه فيما علمته فلا ثم علمت أن كل ما لا أعلمه على هذا الوجه ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين ، فهو علم لا ثقة به ولا أمان معه ، وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني .

Section V01/P006Gazâlî — el-Münkız mine'd-Dalâl (s. V01/P006)
Orijinal Metin (AR)

مدخل السفسطة وجحد العلوم

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

مدخل السفسطة وجحد العلوم

Section V01/P006–V01/P009Gazâlî — el-Münkız mine'd-Dalâl (s. V01/P006–V01/P009)
Orijinal Metin (AR)

ثم فتشت عن علومي ، فوجدت نفسي عاطلا من علم موصوف بهذه الصفة ، إلا في الحسيات ، والضروريات ، فقلت الآن بعد حصول اليأس لا مطمع في اقتباس المشكلات إلا من الجليات وهي الحسيات والضروريات فلا بد من إحكامها أولا لأتيقن أن ثقتي بالمحسوسات ، وأماني من الغلط في الضروريات من جنس أماني الذي كان من قبل في التقليدات ، ومن جنس أمان أكثر الخلق في النظريات ، أم هو أمان محقق لا غدر فيه ، ولا غائلة له . فأقبلت بجد بليغ ، أتأمل المحسوسات والضروريات ، وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها ؟ فانتهي بي طول التشكيك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضا ، وأخذ يتسع فيها ويقول : من أين الثقة بالحواس ؟ وأقواها حاسة البصر وهي تنظر إلى الظل فتراه واقفا غير متحرك ، وتحكم بنفي الحركة ، ثم بالتجربة والمشاهدة - بعد ساعة - تعرف أنه متحرك ، وأنه لم يتحرك دفعة واحدة بغتة ، بل بالتدريج ذرة ، ذرة ، حتى لم يكن له حالة وقوف . وتنظر إلى الكوكب ، فتراه صغيرا في مقدار دينار ، ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار . هذا ، وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس ، بأحكامه ويكذبه حاكم العقل ويخونه تكذيبا لا سبيل إلى مدافعته فقلت : قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضا ، فلعله لا ثقة إلا بالعقليات التي هي من الأوليات ، كقولنا : العشرة أكثر من الثلاثة والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد ، والشيء الواحد لا يكون قديما ، موجودا معدوما ، واجبا محالا . فقالت الحواس : بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات وقد كنت واثقا بي ، فجاء حاكم العقل فكذبني ، ولولا حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي ، فلعل وراء إدراك العقل حاكما آخر ، إذا تجلى كذب العقل في حكمه ، كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه ، وعدم تجلي ذلك الإدراك لا يدل على استحالة ! ! فتوقفت النفس في جواب ذلك قليلا وأيدت إشكالها بالمنام ، وقالت : أما تراك تعتقد في النوم أمورا ، وتتخيل أحوالا ، وتعتقد لها ثباتا ، واستقرارا ، ولا تشكل في تلك الحالة فيها ، وثم تستيقظ فتعلم : أنه لم يكن لجميع متخيلاتك ومعتقداتك أصل وطائل . فبم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك ، بحس أو عقل هو حق بالإضافة إلى حالتك التي أنت فيها ، لكن يمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى يقظتك ، كنسبة يقظتك إلى منامك ، وتكون يقظتك نوما بالإضافة إليها ! فإذا وردت تلك الحالة ، تيقنت أن جميع ما توهمت بعقلك خيالات لا الحاصل لها . ولعل تلك الحالة ، ما تدعيه الصوفية أنها حالتهم ، إذ يزعمون أنهم يشاهدون في أحوالهم التي لهم إذا غاصوا في أنفسهم ، وغابوا عن حواسهم أحوالا لا توافق هذه المعقولات ، ولعل تلك الحالة هي الموت ، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ' . فلعل الحياة الدنيا نوم بالإضافة إلى الآخرة ، فإذا مات ظهرت له الأشياء على خلاف ما يشاهده الآن ويقال له عند ذلك : ' فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ' . فلما خطر لي هذه الخواطر ، وانقدحت في النفس حاولت لذلك علاجا فلم يتيسر ، إذ لم يكن دفعه إلا بالدليل ، ولم يمكن نصب دليل إلا من تركيب العلوم الأولية . فإذا لم تكن مسلمة لم يمكن تركيب الدليل . فأعضل الداء ، ودام قريبا من شهرين ، أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال ، لا بحكم النطق والمقال .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ثم فتشت عن علومي ، فوجدت نفسي عاطلا من علم موصوف بهذه الصفة ، إلا في الحسيات ، والضروريات ، فقلت الآن بعد حصول اليأس لا مطمع في اقتباس المشكلات إلا من الجليات وهي الحسيات والضروريات فلا بد من إحكامها أولا لأتيقن أن ثقتي بالمحسوسات ، وأماني من الغلط في الضروريات من جنس أماني الذي كان من قبل في التقليدات ، ومن جنس أمان أكثر الخلق في النظريات ، أم هو أمان محقق لا غدر فيه ، ولا غائلة له . فأقبلت بجد بليغ ، أتأمل المحسوسات والضروريات ، وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها ؟ فانتهي بي طول التشكيك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضا ، وأخذ يتسع فيها ويقول : من أين الثقة بالحواس ؟ وأقواها حاسة البصر وهي تنظر إلى الظل فتراه واقفا غير متحرك ، وتحكم بنفي الحركة ، ثم بالتجربة والمشاهدة - بعد ساعة - تعرف أنه متحرك ، وأنه لم يتحرك دفعة واحدة بغتة ، بل بالتدريج ذرة ، ذرة ، حتى لم يكن له حالة وقوف . وتنظر إلى الكوكب ، فتراه صغيرا في مقدار دينار ، ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار . هذا ، وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس ، بأحكامه ويكذبه حاكم العقل ويخونه تكذيبا لا سبيل إلى مدافعته فقلت : قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضا ، فلعله لا ثقة إلا بالعقليات التي هي من الأوليات ، كقولنا : العشرة أكثر من الثلاثة والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد ، والشيء الواحد لا يكون قديما ، موجودا معدوما ، واجبا محالا . فقالت الحواس : بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات وقد كنت واثقا بي ، فجاء حاكم العقل فكذبني ، ولولا حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي ، فلعل وراء إدراك العقل حاكما آخر ، إذا تجلى كذب العقل في حكمه ، كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه ، وعدم تجلي ذلك الإدراك لا يدل على استحالة ! ! فتوقفت النفس في جواب ذلك قليلا وأيدت إشكالها بالمنام ، وقالت : أما تراك تعتقد في النوم أمورا ، وتتخيل أحوالا ، وتعتقد لها ثباتا ، واستقرارا ، ولا تشكل في تلك الحالة فيها ، وثم تستيقظ فتعلم : أنه لم يكن لجميع متخيلاتك ومعتقداتك أصل وطائل . فبم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك ، بحس أو عقل هو حق بالإضافة إلى حالتك التي أنت فيها ، لكن يمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى يقظتك ، كنسبة يقظتك إلى منامك ، وتكون يقظتك نوما بالإضافة إليها ! فإذا وردت تلك الحالة ، تيقنت أن جميع ما توهمت بعقلك خيالات لا الحاصل لها . ولعل تلك الحالة ، ما تدعيه الصوفية أنها حالتهم ، إذ يزعمون أنهم يشاهدون في أحوالهم التي لهم إذا غاصوا في أنفسهم ، وغابوا عن حواسهم أحوالا لا توافق هذه المعقولات ، ولعل تلك الحالة هي الموت ، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ' . فلعل الحياة الدنيا نوم بالإضافة إلى الآخرة ، فإذا مات ظهرت له الأشياء على خلاف ما يشاهده الآن ويقال له عند ذلك : ' فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ' . فلما خطر لي هذه الخواطر ، وانقدحت في النفس حاولت لذلك علاجا فلم يتيسر ، إذ لم يكن دفعه إلا بالدليل ، ولم يمكن نصب دليل إلا من تركيب العلوم الأولية . فإذا لم تكن مسلمة لم يمكن تركيب الدليل . فأعضل الداء ، ودام قريبا من شهرين ، أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال ، لا بحكم النطق والمقال .

Section V01/P009–V01/P011Gazâlî — el-Münkız mine'd-Dalâl (s. V01/P009–V01/P011)
Orijinal Metin (AR)

حتى شفى الله تعالى من ذلك المرض ، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال ، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن ويقين ، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام ، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف ، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة . ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على ' الشرح ' ومعناه في قوله تعالى : ' فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ' قال : ' هو نور يقذفه الله تعالى في القلب ' . فقيل : وما علامته ؟ قال : ' التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ' . وهو الذي قال صلى الله عليه وسلم فيه : ' إن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ، ثم رش عليهم من نوره ' فمن ذلك النور ينبغي أن يطلب الكشف ، وذلك النور ينبجس من الجود الإلهي في بعض الأحاديين ، ويجب الترصد له كما قال صلى الله عليه وسلم : ' إن لربكم في أيام دهركم نفحات ، ألا فتعرضوا لها ' والمقصود من هذه الحكايات أن يعمل كمال الجد في الطلب ، حتى ينتهي إلى طلب ما لا يطلب . فإن الأوليات ليست مطلوبة ، فإنها حاضرة ، والحاضر إذا طلب نفر واختفى ، ومن طلب ما لا يطلب فلا يتهم بالتقصير في طلب ما يطلب .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

حتى شفى الله تعالى من ذلك المرض ، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال ، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن ويقين ، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام ، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف ، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة . ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على ' الشرح ' ومعناه في قوله تعالى : ' فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ' قال : ' هو نور يقذفه الله تعالى في القلب ' . فقيل : وما علامته ؟ قال : ' التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ' . وهو الذي قال صلى الله عليه وسلم فيه : ' إن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ، ثم رش عليهم من نوره ' فمن ذلك النور ينبغي أن يطلب الكشف ، وذلك النور ينبجس من الجود الإلهي في بعض الأحاديين ، ويجب الترصد له كما قال صلى الله عليه وسلم : ' إن لربكم في أيام دهركم نفحات ، ألا فتعرضوا لها ' والمقصود من هذه الحكايات أن يعمل كمال الجد في الطلب ، حتى ينتهي إلى طلب ما لا يطلب . فإن الأوليات ليست مطلوبة ، فإنها حاضرة ، والحاضر إذا طلب نفر واختفى ، ومن طلب ما لا يطلب فلا يتهم بالتقصير في طلب ما يطلب .

Section V01/P011–V01/P015Gazâlî — el-Münkız mine'd-Dalâl (s. V01/P011–V01/P015)
Orijinal Metin (AR)

القول في أصناف الطالبين ولما شفاني الله من هذا المرض بفضله وسعة جوده ، أحضرت أصناف الطالبين عندي في أربع فرق : 1 - المتكلمون : وهم يدعون أنهم أهل الرأي والنظر . 2 - الباطنية : وهم يزعمون أنهم أصحاب التعليم ، والمخصوصون بالاقتباس من الإمام المعصوم . 3 - الفلاسفة : وهم يزعمون أنهم أهل المنطق والبرهان . 4 - الصوفية : وهم يدعون أنهم خواص الحضرة ، وأهل المشاهدة والمكاشفة فقلت في نفسي : الحق لا يعدو هذه الأصناف الأربعة ، فهؤلاء هم السالكون سبل طلب الحق ، فإن شذ الحق عنهم ، فلا يبقى في درك الحق مطمع ، إذ لا مطمع في الرجوع إلى التقليد بعد مفارقته ، إذ من شرط بالمقلد أن لا يعلم أنه مقلد ، فإذا علم ذلك انكسرت زجاجة تقليده ، وهو شعب لا يرأب وشعث لا يلم بالتلفيق والتأليف ، إلا أن يذاب بالنار ، ويستأنف له صنعة أخرى مستجدة . فابتدرت لسلوك هذه الطرق ، واستقصاء ما عند هذه الفرق . مبتدئا بعلم الكلام . ومثنيا بطريق الفلسفة ، ومثلثا بتعلم الباطنية ، ومربعا بطريق الصوفية . علم الكلام مقصوده وحاصله ثم إني ابتدأت بعلم الكلام ، فحصلته ، وعقلته ، وطالعت كتب المحققين منهم ، وصنفت فيه ما أردت أن أصنف فصادفته علما وافيا بمقصوده ، غير واف بمقصودي ، وإنما مقصوده حفظ عقيدة أهل السنة ، وحراستها عن تشويش أهل البدعة ، فقد ألقى الله تعالى ، إلى عباده على لسان رسوله عقيدة هي الحق . على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم ، كما نطق بمعرفته القرآن والأخبار . ثم ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أمورا مخالفة للسنة ، فلهجوا بها وكادوا يشوشون عقيدة الحق على أهلها . فأنشأ الله تعالى ، طائفة المتكلمين ، وحرك دواعيهم لنصرة السنة بكلام مرتب ، يكشف عن تلبيسات أهل البدع المحدثة ، على خلاف السنة المأثورة ، فمنه نشأ علم الكلام وأهله ، فلقد قام طائفة منهم بما ندبهم الله تعالى إليه ، فأحسنوا الذب عن السنة ، والنضال عن العقيدة المتلقاة بالقبول من النبوة ، والتغيير في وجه ما أحدث من البدعة ، ولكنهم اعتمدوا في ذلك على مقدمات تسلموها من خصومهم ، واضطرهم إلى تسليمها ، إما التقليد ، أو إجماع الأمة ، أو مجرد القبول من القرآن والأخبار وكان أكثر خوضهم في استخراج تناقضات الخصوم ، ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم ، وهذا قليل النفع في حق من لا يسلم سوى الضروريات شيئا أصلا ، فلم يكن الكلام في حقي كافيا ، ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافيا . نعم لما نشأت صنعة الكلام ، وكثر الخوض فيه ، وطالت المدة ، تشوق المتكلمون إلى محاولة الذب عن السنة بالبحث عن حقائق الأمور وخاضوا في البحث عن الجواهر والأعراض وأحكامها . ولكن لم يكن ذلك مقصود علمهم ، لم يبلغ كلامهم فيه الغاية القصوى ، فلم يحصل منه ما يمحو بالكلية ظلمات الحيرة في اختلافات الخلق . ولا أبعد أن يكون قد حصل ذلك لغيري ، بل لست أشك في حصول ذلك لطائفة ، ولكن حصولا مشوبا بالتقليد في بعض الأمور التي ليست من الأوليات ، والغرض الآن : حكاية حالي ، لا الإنكار على من استشفى به ، فإن أدوية الشفاء تختلف باختلاف الداء ، وكم من دواء ينتفع به مريض ويستضر به آخر . الفلسفة أحاصيلها

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

القول في أصناف الطالبين ولما شفاني الله من هذا المرض بفضله وسعة جوده ، أحضرت أصناف الطالبين عندي في أربع فرق : 1 - المتكلمون : وهم يدعون أنهم أهل الرأي والنظر . 2 - الباطنية : وهم يزعمون أنهم أصحاب التعليم ، والمخصوصون بالاقتباس من الإمام المعصوم . 3 - الفلاسفة : وهم يزعمون أنهم أهل المنطق والبرهان . 4 - الصوفية : وهم يدعون أنهم خواص الحضرة ، وأهل المشاهدة والمكاشفة فقلت في نفسي : الحق لا يعدو هذه الأصناف الأربعة ، فهؤلاء هم السالكون سبل طلب الحق ، فإن شذ الحق عنهم ، فلا يبقى في درك الحق مطمع ، إذ لا مطمع في الرجوع إلى التقليد بعد مفارقته ، إذ من شرط بالمقلد أن لا يعلم أنه مقلد ، فإذا علم ذلك انكسرت زجاجة تقليده ، وهو شعب لا يرأب وشعث لا يلم بالتلفيق والتأليف ، إلا أن يذاب بالنار ، ويستأنف له صنعة أخرى مستجدة . فابتدرت لسلوك هذه الطرق ، واستقصاء ما عند هذه الفرق . مبتدئا بعلم الكلام . ومثنيا بطريق الفلسفة ، ومثلثا بتعلم الباطنية ، ومربعا بطريق الصوفية . علم الكلام مقصوده وحاصله ثم إني ابتدأت بعلم الكلام ، فحصلته ، وعقلته ، وطالعت كتب المحققين منهم ، وصنفت فيه ما أردت أن أصنف فصادفته علما وافيا بمقصوده ، غير واف بمقصودي ، وإنما مقصوده حفظ عقيدة أهل السنة ، وحراستها عن تشويش أهل البدعة ، فقد ألقى الله تعالى ، إلى عباده على لسان رسوله عقيدة هي الحق . على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم ، كما نطق بمعرفته القرآن والأخبار . ثم ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أمورا مخالفة للسنة ، فلهجوا بها وكادوا يشوشون عقيدة الحق على أهلها . فأنشأ الله تعالى ، طائفة المتكلمين ، وحرك دواعيهم لنصرة السنة بكلام مرتب ، يكشف عن تلبيسات أهل البدع المحدثة ، على خلاف السنة المأثورة ، فمنه نشأ علم الكلام وأهله ، فلقد قام طائفة منهم بما ندبهم الله تعالى إليه ، فأحسنوا الذب عن السنة ، والنضال عن العقيدة المتلقاة بالقبول من النبوة ، والتغيير في وجه ما أحدث من البدعة ، ولكنهم اعتمدوا في ذلك على مقدمات تسلموها من خصومهم ، واضطرهم إلى تسليمها ، إما التقليد ، أو إجماع الأمة ، أو مجرد القبول من القرآن والأخبار وكان أكثر خوضهم في استخراج تناقضات الخصوم ، ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم ، وهذا قليل النفع في حق من لا يسلم سوى الضروريات شيئا أصلا ، فلم يكن الكلام في حقي كافيا ، ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافيا . نعم لما نشأت صنعة الكلام ، وكثر الخوض فيه ، وطالت المدة ، تشوق المتكلمون إلى محاولة الذب عن السنة بالبحث عن حقائق الأمور وخاضوا في البحث عن الجواهر والأعراض وأحكامها . ولكن لم يكن ذلك مقصود علمهم ، لم يبلغ كلامهم فيه الغاية القصوى ، فلم يحصل منه ما يمحو بالكلية ظلمات الحيرة في اختلافات الخلق . ولا أبعد أن يكون قد حصل ذلك لغيري ، بل لست أشك في حصول ذلك لطائفة ، ولكن حصولا مشوبا بالتقليد في بعض الأمور التي ليست من الأوليات ، والغرض الآن : حكاية حالي ، لا الإنكار على من استشفى به ، فإن أدوية الشفاء تختلف باختلاف الداء ، وكم من دواء ينتفع به مريض ويستضر به آخر . الفلسفة أحاصيلها

Section V01/P015–V01/P022Gazâlî — el-Münkız mine'd-Dalâl (s. V01/P015–V01/P022)
Orijinal Metin (AR)

، ما يذم منها وما لا يذم ، وما يكفر فيه قائلة ، وما لا يكفر ، وما يبدع فيه وما لا يبدع ، وبيان ما سرقوه من كلام أهل الحق ، وما مزجوه بكلامهم لترويج باطلهم في درج ذلك ، وكيفية حصول نفرة النفوس من ذلك الحق - وكيفية استخلاص صراف الحقائق الحق الخالص من الزيف والبهرج من جملة كلامهم . ثم إني ابتدأت - بعد الفراغ من علم الكلام - بعلم الفلسفة ، وعلمت يقينا : أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم ، من لا يقف على منتهى ذلك العلم ، حتى يساوي أعلمهم في أصل ذلك العلم ، ثم يزيد عليه ، ويجاوز درجته فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم ، من غوره وغائله ، وإذا ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه من فساده حقا . ولم أر أحدا من علماء الإسلام صرف عنايته وهمته إلى ذلك ، ولم يكن في كتب المتكلمين من كلامهم - حيث اشتغلوا بالرد عليهم - إلا كلمات معقدة مبددة ظاهرة التناقض والفساد ، لا يظن الاغترار بها بعاقل عامي ، فضلا عمن يدعي دقائق العلم ، فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه والإطلاع على كنه رمى في عماية . فشمرت عن ساق الجد في تحصيل ذلك العلم من الكتب ، بمجرد المطالعة من غير استعانة بأستاذ ، وأقبلت على ذلك في أوقات فراغي من التصنيف والتدريس في العلوم الشرعية ، وأنا ممنو بالتدريس والإفادة لثلاثمائة نفس من الطلبة ببغداد . فأطلعني الله سبحانه وتعالى بمجرد المطالعة في هذه الأوقات المختلسة ، على منتهى علومهم في أقل من سنتين ، ثم لم أزل أواظب على التفكر فيه بعد فهمه قريبا من سنة أعاوده وأردده وأتفقد غوائله وأغواره ، حتى اطلعت على ما فيه من خداع ، وتلبيس وتحقيق وتخييل ، واطلاعا لم أشك فيه . فاسمع الآن حكايته ، وحكاية حاصل علومهم ، فإني رأيتهم أصنافا ، ورأيت علومهم أقساما وهم - على كثرة أصنافهم - يلزمهم وصمة الكفر والإلحاد ، وإن كان بين القدماء منهم والأقدمين ، وبين الأواخر منهم والأوائل ، تفاوت عظيم ، في البعد عن الحق والقرب منه . أصناف الفلاسفة واتصاف كافتهم بالكفر اعلم أنهم - على كثرة فرقهم ، واختلاف مذاهبهم - ينقسمون إلى ثلاثة أقسام : الدهريون ، والطبيعيون ، والإلهيون . الصنف الأول الدهريون وهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر ، العالم القادر ، وزعموا : أن العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه ، وبلا صانع ، ولم يزل الحيوان من النطفة ، والنطفة من الحيوان ، كذلك كان ، وكذلك يكون أبدا وهؤلاء هم الزنادقة . والصنف الثاني الطبيعيون وهم قوم أكثروا بحثهم عن عالم الطبيعة وعن عجائب الحيوان والنبات ، وأكثروا الخوض في علم تشريح أعضاء الحيوانات . فرأوا فيها من عجائب صنع الله تعالى ، وبدائع حكمته ، مما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم ، مطلع على غايات الأمور ومقاصدها ، ولا يطالع التشريح ، وعجائب منافع الأعضاء مطالع إلا ويحصل له هذا العلم الضروري بكمال تدبير الباني لبنية الحيوان ، لا سيما بنية الإنسان . . ! إلا أن هؤلاء لكثرة بحثهم عن الطبيعة ظهر عندهم - لاعتدال المزاج - تأثير عظيم في قوام قوى الحيوان به ، فظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه أيضا ، وأنها تبطل ببطلان مزاجه فينعدم ، ثم إذا انعدم فلا يعقل إعادة المعدوم ، كما زعموا ، فذهبوا إلى أن النفس تموت ولا تعود فجحدوا الآخرة ، وأنكروا الجنة والنار ، والحشر والنشر ، والقيامة ، والحساب ، فلم يبق عندهم للطاعة ثواب ، ولا للمعصية عقاب ، فانحل عنهم اللجام ، وانهمكوا إنهماك الأنعام . وهؤلاء أيضا زنادقة ، لأن أصل الإيمان هو : الإيمان بالله واليوم الآخر ، وهؤلاء جحدوا اليوم الآخر ، وإن آمنوا بالله وصفاته ، . والصنف الثالث الإلهيون وهم المتأخرون منهم مثل سقراط وهو أستاذ أفلاطون وأفلاطون أستاذ أرسطاطاليس وأرسطاطاليس هو الذي رتب لهم المنطق ، وهذب لهم العلوم ، وحرر لهم ما لم يكن محررا من قبل ، وأنضج لهم ما كان فجا من علومهم ، وهم بجملتهم ، ردوا على الصنفين الأولين من الدهرية ، والطبيعية ، وأوردوا في الكشف عن فضائحهم ما أغنوا به غيرهم ' وكفى الله المؤمنين القتال ' بتقاتلهم . ثم رد أرسطاطاليس على أفلاطون وسقراط ومن كان قبلهم من الإلهيين ، ردا لم يقصر فيه حتى تبرأ عن جميعهم ، إلا أنه استبقى من رذاذ كفرهم ، وبدعتهم ، بقايا لم يوفق للنزوع عنها ، فوجب تكفيرهم وتكفير شيعتهم من المتفلسفة الإسلاميين . كابن سينا والفارابي وأمثالهما . على أنه لم يقم بنقل علم أرسطاطاليس أحد من متلفسفة الإسلاميين كقيام هذين الرجلين ، وما نقله غيرهما ليس يخلو من تخبيط وتخليط ، يتشوش فيه قلب المطالع ، حتى لا يفهم ، وما لا يفهم كيف يرد أو يقبل ؟ ومجموع ما صح عندنا من فلسفة أرسطاطاليس ، بحسب نقل هذين الرجلين ينحصر في ثلاثة أقسام : 1 - قسم يجب التفكير به . 2 - وقسم يجب التبديع به . 3 - وقسم لا يجب إنكاره أصلا ، فلنفصله .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

، ما يذم منها وما لا يذم ، وما يكفر فيه قائلة ، وما لا يكفر ، وما يبدع فيه وما لا يبدع ، وبيان ما سرقوه من كلام أهل الحق ، وما مزجوه بكلامهم لترويج باطلهم في درج ذلك ، وكيفية حصول نفرة النفوس من ذلك الحق - وكيفية استخلاص صراف الحقائق الحق الخالص من الزيف والبهرج من جملة كلامهم . ثم إني ابتدأت - بعد الفراغ من علم الكلام - بعلم الفلسفة ، وعلمت يقينا : أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم ، من لا يقف على منتهى ذلك العلم ، حتى يساوي أعلمهم في أصل ذلك العلم ، ثم يزيد عليه ، ويجاوز درجته فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم ، من غوره وغائله ، وإذا ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه من فساده حقا . ولم أر أحدا من علماء الإسلام صرف عنايته وهمته إلى ذلك ، ولم يكن في كتب المتكلمين من كلامهم - حيث اشتغلوا بالرد عليهم - إلا كلمات معقدة مبددة ظاهرة التناقض والفساد ، لا يظن الاغترار بها بعاقل عامي ، فضلا عمن يدعي دقائق العلم ، فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه والإطلاع على كنه رمى في عماية . فشمرت عن ساق الجد في تحصيل ذلك العلم من الكتب ، بمجرد المطالعة من غير استعانة بأستاذ ، وأقبلت على ذلك في أوقات فراغي من التصنيف والتدريس في العلوم الشرعية ، وأنا ممنو بالتدريس والإفادة لثلاثمائة نفس من الطلبة ببغداد . فأطلعني الله سبحانه وتعالى بمجرد المطالعة في هذه الأوقات المختلسة ، على منتهى علومهم في أقل من سنتين ، ثم لم أزل أواظب على التفكر فيه بعد فهمه قريبا من سنة أعاوده وأردده وأتفقد غوائله وأغواره ، حتى اطلعت على ما فيه من خداع ، وتلبيس وتحقيق وتخييل ، واطلاعا لم أشك فيه . فاسمع الآن حكايته ، وحكاية حاصل علومهم ، فإني رأيتهم أصنافا ، ورأيت علومهم أقساما وهم - على كثرة أصنافهم - يلزمهم وصمة الكفر والإلحاد ، وإن كان بين القدماء منهم والأقدمين ، وبين الأواخر منهم والأوائل ، تفاوت عظيم ، في البعد عن الحق والقرب منه . أصناف الفلاسفة واتصاف كافتهم بالكفر اعلم أنهم - على كثرة فرقهم ، واختلاف مذاهبهم - ينقسمون إلى ثلاثة أقسام : الدهريون ، والطبيعيون ، والإلهيون . الصنف الأول الدهريون وهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر ، العالم القادر ، وزعموا : أن العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه ، وبلا صانع ، ولم يزل الحيوان من النطفة ، والنطفة من الحيوان ، كذلك كان ، وكذلك يكون أبدا وهؤلاء هم الزنادقة . والصنف الثاني الطبيعيون وهم قوم أكثروا بحثهم عن عالم الطبيعة وعن عجائب الحيوان والنبات ، وأكثروا الخوض في علم تشريح أعضاء الحيوانات . فرأوا فيها من عجائب صنع الله تعالى ، وبدائع حكمته ، مما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم ، مطلع على غايات الأمور ومقاصدها ، ولا يطالع التشريح ، وعجائب منافع الأعضاء مطالع إلا ويحصل له هذا العلم الضروري بكمال تدبير الباني لبنية الحيوان ، لا سيما بنية الإنسان . . ! إلا أن هؤلاء لكثرة بحثهم عن الطبيعة ظهر عندهم - لاعتدال المزاج - تأثير عظيم في قوام قوى الحيوان به ، فظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه أيضا ، وأنها تبطل ببطلان مزاجه فينعدم ، ثم إذا انعدم فلا يعقل إعادة المعدوم ، كما زعموا ، فذهبوا إلى أن النفس تموت ولا تعود فجحدوا الآخرة ، وأنكروا الجنة والنار ، والحشر والنشر ، والقيامة ، والحساب ، فلم يبق عندهم للطاعة ثواب ، ولا للمعصية عقاب ، فانحل عنهم اللجام ، وانهمكوا إنهماك الأنعام . وهؤلاء أيضا زنادقة ، لأن أصل الإيمان هو : الإيمان بالله واليوم الآخر ، وهؤلاء جحدوا اليوم الآخر ، وإن آمنوا بالله وصفاته ، . والصنف الثالث الإلهيون وهم المتأخرون منهم مثل سقراط وهو أستاذ أفلاطون وأفلاطون أستاذ أرسطاطاليس وأرسطاطاليس هو الذي رتب لهم المنطق ، وهذب لهم العلوم ، وحرر لهم ما لم يكن محررا من قبل ، وأنضج لهم ما كان فجا من علومهم ، وهم بجملتهم ، ردوا على الصنفين الأولين من الدهرية ، والطبيعية ، وأوردوا في الكشف عن فضائحهم ما أغنوا به غيرهم ' وكفى الله المؤمنين القتال ' بتقاتلهم . ثم رد أرسطاطاليس على أفلاطون وسقراط ومن كان قبلهم من الإلهيين ، ردا لم يقصر فيه حتى تبرأ عن جميعهم ، إلا أنه استبقى من رذاذ كفرهم ، وبدعتهم ، بقايا لم يوفق للنزوع عنها ، فوجب تكفيرهم وتكفير شيعتهم من المتفلسفة الإسلاميين . كابن سينا والفارابي وأمثالهما . على أنه لم يقم بنقل علم أرسطاطاليس أحد من متلفسفة الإسلاميين كقيام هذين الرجلين ، وما نقله غيرهما ليس يخلو من تخبيط وتخليط ، يتشوش فيه قلب المطالع ، حتى لا يفهم ، وما لا يفهم كيف يرد أو يقبل ؟ ومجموع ما صح عندنا من فلسفة أرسطاطاليس ، بحسب نقل هذين الرجلين ينحصر في ثلاثة أقسام : 1 - قسم يجب التفكير به . 2 - وقسم يجب التبديع به . 3 - وقسم لا يجب إنكاره أصلا ، فلنفصله .

Section V01/P022Gazâlî — el-Münkız mine'd-Dalâl (s. V01/P022)
Orijinal Metin (AR)

أقسام علومهم

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

أقسام علومهم

Section V01/P022–V01/P025Gazâlî — el-Münkız mine'd-Dalâl (s. V01/P022–V01/P025)
Orijinal Metin (AR)

أعلم : أن علومهم - بالنسبة إلى الغرض الذي نطلبه - ستة أقسام رياضية ، ومنطقية ، وطبيعية ، وإلهية ، وسياسية ، وخلقية . أما الرياضية : فتتعلق بعلم الحساب والهندسة وعلم هيئة العالم ، وليس يتعلق منه شيء بالأمور الدينية نفيا وإثباتا ، بل هي أمور برهانية لا سبيل إلى مجاحدتهم بعد فهمها ومعرفتها . وقد تولدت منها آفتان : الأولى : من ينظر فيها يتعجب من دقائقها ومن ظهور براهينها ، فيحسن بسبب ذلك اعتقاده في الفلاسفة ، فيحسب أن جميع علومهم في الوضوح وفي وثاقة البرهان كهذا العلم . ثم يكون قد سمع من كفرهم وتعطيلهم وتهاونهم بالشرع ما تناولته الألسنة فيكفر بالتقليد المحض ويقول : لو كان الدين حقا لما اختفى على هؤلاء مع تدقيقهم في هذا العلم ! فإذا عرف بالتسامع كفرهم وجورهم استدل على أن الحق هو الجحد والإنكار للدين ، وكم رأيت من يضل عن الحق بهذا العذر ولا مستند له سواه . وإذا قيل له : الحاذق في صناعة واحدة ليس يلزم أن يكون حاذقا في كل صناعة ، فلا يلزم أن يكون الحاذق في الفقه والكلام حاذقا في الطب ، ولا أن يكون الجاهل بالعقليات جاهلا بالنحو ، بل لكل صناعة أهل بلغوا فيها رتبة البراعة والسبق ، وإن كان الحمق والجهل يلزمهم في غيرها ، فكلام الأوائل في الرياضيات برهاني وفي الإلهيات تخميني ، لا يعرف ذلك من جربه وخاض فيه . فهذا إذا قرر على هذا الذي ألحد بالتقليد ، ولم يقع منه موقع القبول ، بل تحمله غلبة الهوى ، والشهوة الباطلة ، وحب التكايس على أن يصر على تحسين الظن بهم في العلوم كلها . فهذه آفة عظيمة لأجلها يجب زجر كل من يخوض في تلك العلوم ، فإنها وإن لم تتعلق بأمر الدين ، ولكن لما كانت من مبادئ علومهم سرى إليه شرهم وشؤمهم ، فقل من يخوض فيها إلا وينخلع من الدين وينحل عن رأسه لجام التقوى . الآفة الثانية : نشأت من صديق للإسلام جاهل ، ظن أن الدين ينبغي أن ينصر بإنكار كل علم منسوب إليهم . فأنكر جميع علومهم وادعى جهلهم فيها حتى أنكر قولهم في الكسوف والخسوف ، وزعم أن ما قالوه على خلاف الشرع فلما قرع ذلك سمع من عرف ذلك بالبرهان القاطع ، لم يشك في برهانه ولكن اعتقد أن الإسلام مبني على الجهل وإنكار البرهان القاطع ، فازداد للفلسفة حبا وللإسلام بغضا ، ولقد عظم على الدين جناية من ظن أن الإسلام ينصر بإنكار هذه العلوم ، وليس في الشرع تعرض لهذه العلوم بالنفي والإثبات ، ولا في هذه العلوم تعرض للأمور الدينية . وقوله صلى الله عليه وسلم : ' إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم فافزعوا إلى ذكر الله تعالى وإلى الصلاة ' . وليس في هذا ما يوجب إنكار علم الحساب المعروف بمسير الشمس والقمر ، واجتماعهما أو مقابلهما على وجه مخصوص ، أما قوله عليه السلام : ' لكن الله إذا تجلى لشيء خضع له ' فليس توجد هذه الزيادة في الصحيح أصلا . فهذا حكم الرياضيات وآفتها . وأما المنطقيات : فلا يتعلق شيء منها بالدين نفيا وإثباتا ، بل هي النظر في طرق الأدلة والمقاييس ، وشروط مقدمات البرهان ، وكيفية تركيبها ، وشروط الحد الصحيح وكيفية ترتيبه .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

أعلم : أن علومهم - بالنسبة إلى الغرض الذي نطلبه - ستة أقسام رياضية ، ومنطقية ، وطبيعية ، وإلهية ، وسياسية ، وخلقية . أما الرياضية : فتتعلق بعلم الحساب والهندسة وعلم هيئة العالم ، وليس يتعلق منه شيء بالأمور الدينية نفيا وإثباتا ، بل هي أمور برهانية لا سبيل إلى مجاحدتهم بعد فهمها ومعرفتها . وقد تولدت منها آفتان : الأولى : من ينظر فيها يتعجب من دقائقها ومن ظهور براهينها ، فيحسن بسبب ذلك اعتقاده في الفلاسفة ، فيحسب أن جميع علومهم في الوضوح وفي وثاقة البرهان كهذا العلم . ثم يكون قد سمع من كفرهم وتعطيلهم وتهاونهم بالشرع ما تناولته الألسنة فيكفر بالتقليد المحض ويقول : لو كان الدين حقا لما اختفى على هؤلاء مع تدقيقهم في هذا العلم ! فإذا عرف بالتسامع كفرهم وجورهم استدل على أن الحق هو الجحد والإنكار للدين ، وكم رأيت من يضل عن الحق بهذا العذر ولا مستند له سواه . وإذا قيل له : الحاذق في صناعة واحدة ليس يلزم أن يكون حاذقا في كل صناعة ، فلا يلزم أن يكون الحاذق في الفقه والكلام حاذقا في الطب ، ولا أن يكون الجاهل بالعقليات جاهلا بالنحو ، بل لكل صناعة أهل بلغوا فيها رتبة البراعة والسبق ، وإن كان الحمق والجهل يلزمهم في غيرها ، فكلام الأوائل في الرياضيات برهاني وفي الإلهيات تخميني ، لا يعرف ذلك من جربه وخاض فيه . فهذا إذا قرر على هذا الذي ألحد بالتقليد ، ولم يقع منه موقع القبول ، بل تحمله غلبة الهوى ، والشهوة الباطلة ، وحب التكايس على أن يصر على تحسين الظن بهم في العلوم كلها . فهذه آفة عظيمة لأجلها يجب زجر كل من يخوض في تلك العلوم ، فإنها وإن لم تتعلق بأمر الدين ، ولكن لما كانت من مبادئ علومهم سرى إليه شرهم وشؤمهم ، فقل من يخوض فيها إلا وينخلع من الدين وينحل عن رأسه لجام التقوى . الآفة الثانية : نشأت من صديق للإسلام جاهل ، ظن أن الدين ينبغي أن ينصر بإنكار كل علم منسوب إليهم . فأنكر جميع علومهم وادعى جهلهم فيها حتى أنكر قولهم في الكسوف والخسوف ، وزعم أن ما قالوه على خلاف الشرع فلما قرع ذلك سمع من عرف ذلك بالبرهان القاطع ، لم يشك في برهانه ولكن اعتقد أن الإسلام مبني على الجهل وإنكار البرهان القاطع ، فازداد للفلسفة حبا وللإسلام بغضا ، ولقد عظم على الدين جناية من ظن أن الإسلام ينصر بإنكار هذه العلوم ، وليس في الشرع تعرض لهذه العلوم بالنفي والإثبات ، ولا في هذه العلوم تعرض للأمور الدينية . وقوله صلى الله عليه وسلم : ' إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم فافزعوا إلى ذكر الله تعالى وإلى الصلاة ' . وليس في هذا ما يوجب إنكار علم الحساب المعروف بمسير الشمس والقمر ، واجتماعهما أو مقابلهما على وجه مخصوص ، أما قوله عليه السلام : ' لكن الله إذا تجلى لشيء خضع له ' فليس توجد هذه الزيادة في الصحيح أصلا . فهذا حكم الرياضيات وآفتها . وأما المنطقيات : فلا يتعلق شيء منها بالدين نفيا وإثباتا ، بل هي النظر في طرق الأدلة والمقاييس ، وشروط مقدمات البرهان ، وكيفية تركيبها ، وشروط الحد الصحيح وكيفية ترتيبه .

%0
10 Bölüm