Section V01/P452–V01/P455İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V01/P452–V01/P455)
Orijinal Metin (AR)الخلطة والتمني والتعلق بغير الله والشبع والمنام فهذه الخمسة من أكبر مفسدات القلب فنذكر آثارها التي اشتركت فيها وما تميز به كل واحد منها اعلم أن القلب يسير إلى الله عز وجل والدار الآخرة ويكشف عن طريق الحق ونهجه وآفات النفس والعمل وقطاع الطريق بنوره وحياته وقوته وصحته وعزمه وسلامة سمعه وبصره وغيبه الشواغل والقوطع عنه وهذه الخمسة تطفىء نوره وتعور عين بصيرته وتثقل سمعه إن لم تصمه وتبكمه وتضعف قواه كلها وتوهن صحته وتفتر عزيمته وتوقف همته وتنكسه إلى وراءه ومن لا شعور له بهذا فميت القلب وما لجرح بميت إيلام فهي عائقة له عن نبل كماله قاطعه له عن الوصول إلى ما خلق له وجعل نعيمه وسعادته وابتهاجه ولذته في الوصول إليه فإنه لا نعيم له ولا لذة ولا ابتهاج ولا كمال إلا بمعرفة الله ومحبته والطمأنينة بذكره والفرح والابتهاج بقربه والشوق إلى لقائه فهذه جنته العاجلة كما أنه لا نعيم له في الآخرة ولا فوز إلا بجواره في دار النعيم في الجنه الآجلة فله جنتان لا يدخل الثانية منهما إن لم يدخل الأولى وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة وقال بعض العارفين : إنه ليمر بالقلب أوقات أقول : إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب وقال بعض المحبين : مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها قالوا : وما أطيب ما فيها قال : محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه والإقبال عليه والإعراض عما سواه أو نحو هذا من الكلام وكل من له قلب حى يشهد هذا ويعرفه ذوقا وهذه الأشياء الخمسة : قاطعة عن هذا حائلة بين القلب وبينه عائقة له عن سيره ومحدثة له أمراضا وعللا إن لم يتداركها المريض خيف عليه منها فأما ما تؤثره كثرة الخلطة : فامتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يسود ويوجب له تشتتا وتفرقا وهما وغما وضعفا وحملا لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء السوء وإضاعة مصاحله والاشتغال عنها بهم وبأمورهم وتقسم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم فماذا يبقى منه لله والدار الآخرة هذا وكم جلبت خلطة الناس من نقمة ودفعت من نعمة وأنزلت من منحة وعطلت من منحة وأحلت من رزية وأوقعت في بلية وهل آفة الناس إلا الناس وهل كان على أبي طالب عند الوفاة أضر من قرناء السوء لم يزالوا به حتى حالوا بينه وبين كلمة واحدة توجب له سعادة الأبد وهذه الخلطة التي تكون على نوع مودة في الدنيا وقضاء وطر بعضهم من بعض تنقلب إذا حقت الحقائق عداوة ويعض المخلط عليها يديه ندما كما قال تعالى : ويوم يعض الظالم على يديه يقول : يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني الفرقان : 2729 ] وقال تعالى : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين الزخرف : 67 ] وقال خليله إبراهيم لقومه إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار ومالكم من ناصرين العنكبوت : 25 ] وهذا شأن كل مشتركين في غرض يتوادون ما داموا متساعدين على حصوله فإذا انقطع ذلك الغرض أعقب ندامة وحزنا وألما وانقلبت تلك المودة بغضا ولعنة وذما من بعضهم لبعض لما انقلب ذلك الغرض حزنا وعذابا كما يشاهد في هذه الدار من أحوال المشتركين في خزيه إذا أخذوا وعوقبوا فكل متساعدين على باطل متوادين عليه : لا بد أن تنقلب مودتهما بغضا وعداوة والضابط النافع في أمر الخلطة : أن يخالط الناس في الخير كالجمعة والجماعة والأعياد والحج وتعلم العلم والجهاد والنصيحة ويعتزلهم في الشر وفضول المباحات فإذا دعت الحاجة إلى خلطتهم في الشر ولم يمكنه اعتزالهم : فالحذر الحذر أن يوافقهم وليصبر على أذاهم فإنهم لا بد أن يؤذوه إن لم يكن له قوة ولا ناصر ولكن أذى يعقبه عز ومحبة له وتعظيم وثناء عليه منهم ومن المؤمنين ومن رب العالمين وموافقتهم يعقبها ذل وبغض له ومقت وذم منهم ومن المؤمنين ومن رب العالمين فالصبر على أذاهم خير وأحسن عاقبة وأحمد مآلا وإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعة لله إن أمكنه ويشجع نفسه ويقوي قلبه ولا يلتفت إلى الوارد الشيطاني القاطع له عن ذلك بأن هذا رياء ومحبة لإظهار علمك وحالك ونحو ذلك فليحاربه وليستغن بالله ويؤثر فيهم من الخير ما أمكنه فإن أعجزته المقادير عن ذلك فليسل قلبه من بينهم كسل الشعرة من العجين وليكن فيهم حاضرا غائبا قريبا بعيدا نائما يقظانا ينظر إليهم ولا يبصرهم ويسمع كلامهم ولا يعيه لأنه قد أخذ قلبه من بينهم ورقى به إلى الملأ الأعلى يسبح حول العرش مع الأرواح العلوية الزكية وما أصعب هذا وأشقه على النفوس وإنه ليسير على من يسره الله عليه فبين العبد وبينه أن يصدق الله تبارك وتعالى ويديم اللجأ إليه ويلقي نفسه على بابه طريحا ذليلا ولا يعين على هذا إلا محبة صادقة والذكر الدائم بالقلب واللسان وتجنب المفسدات الأربع الباقية الآتي ذكرها ولا ينال هذا إلا بعدة صالحة ومادة قوة من الله عز وجل وعزيمة صادقة وفراغ من التعلق بغير الله تعالى والله تعالى أعلم
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)الخلطة والتمني والتعلق بغير الله والشبع والمنام فهذه الخمسة من أكبر مفسدات القلب فنذكر آثارها التي اشتركت فيها وما تميز به كل واحد منها اعلم أن القلب يسير إلى الله عز وجل والدار الآخرة ويكشف عن طريق الحق ونهجه وآفات النفس والعمل وقطاع الطريق بنوره وحياته وقوته وصحته وعزمه وسلامة سمعه وبصره وغيبه الشواغل والقوطع عنه وهذه الخمسة تطفىء نوره وتعور عين بصيرته وتثقل سمعه إن لم تصمه وتبكمه وتضعف قواه كلها وتوهن صحته وتفتر عزيمته وتوقف همته وتنكسه إلى وراءه ومن لا شعور له بهذا فميت القلب وما لجرح بميت إيلام فهي عائقة له عن نبل كماله قاطعه له عن الوصول إلى ما خلق له وجعل نعيمه وسعادته وابتهاجه ولذته في الوصول إليه فإنه لا نعيم له ولا لذة ولا ابتهاج ولا كمال إلا بمعرفة الله ومحبته والطمأنينة بذكره والفرح والابتهاج بقربه والشوق إلى لقائه فهذه جنته العاجلة كما أنه لا نعيم له في الآخرة ولا فوز إلا بجواره في دار النعيم في الجنه الآجلة فله جنتان لا يدخل الثانية منهما إن لم يدخل الأولى وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة وقال بعض العارفين : إنه ليمر بالقلب أوقات أقول : إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب وقال بعض المحبين : مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها قالوا : وما أطيب ما فيها قال : محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه والإقبال عليه والإعراض عما سواه أو نحو هذا من الكلام وكل من له قلب حى يشهد هذا ويعرفه ذوقا وهذه الأشياء الخمسة : قاطعة عن هذا حائلة بين القلب وبينه عائقة له عن سيره ومحدثة له أمراضا وعللا إن لم يتداركها المريض خيف عليه منها فأما ما تؤثره كثرة الخلطة : فامتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يسود ويوجب له تشتتا وتفرقا وهما وغما وضعفا وحملا لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء السوء وإضاعة مصاحله والاشتغال عنها بهم وبأمورهم وتقسم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم فماذا يبقى منه لله والدار الآخرة هذا وكم جلبت خلطة الناس من نقمة ودفعت من نعمة وأنزلت من منحة وعطلت من منحة وأحلت من رزية وأوقعت في بلية وهل آفة الناس إلا الناس وهل كان على أبي طالب عند الوفاة أضر من قرناء السوء لم يزالوا به حتى حالوا بينه وبين كلمة واحدة توجب له سعادة الأبد وهذه الخلطة التي تكون على نوع مودة في الدنيا وقضاء وطر بعضهم من بعض تنقلب إذا حقت الحقائق عداوة ويعض المخلط عليها يديه ندما كما قال تعالى : ويوم يعض الظالم على يديه يقول : يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني الفرقان : 2729 ] وقال تعالى : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين الزخرف : 67 ] وقال خليله إبراهيم لقومه إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار ومالكم من ناصرين العنكبوت : 25 ] وهذا شأن كل مشتركين في غرض يتوادون ما داموا متساعدين على حصوله فإذا انقطع ذلك الغرض أعقب ندامة وحزنا وألما وانقلبت تلك المودة بغضا ولعنة وذما من بعضهم لبعض لما انقلب ذلك الغرض حزنا وعذابا كما يشاهد في هذه الدار من أحوال المشتركين في خزيه إذا أخذوا وعوقبوا فكل متساعدين على باطل متوادين عليه : لا بد أن تنقلب مودتهما بغضا وعداوة والضابط النافع في أمر الخلطة : أن يخالط الناس في الخير كالجمعة والجماعة والأعياد والحج وتعلم العلم والجهاد والنصيحة ويعتزلهم في الشر وفضول المباحات فإذا دعت الحاجة إلى خلطتهم في الشر ولم يمكنه اعتزالهم : فالحذر الحذر أن يوافقهم وليصبر على أذاهم فإنهم لا بد أن يؤذوه إن لم يكن له قوة ولا ناصر ولكن أذى يعقبه عز ومحبة له وتعظيم وثناء عليه منهم ومن المؤمنين ومن رب العالمين وموافقتهم يعقبها ذل وبغض له ومقت وذم منهم ومن المؤمنين ومن رب العالمين فالصبر على أذاهم خير وأحسن عاقبة وأحمد مآلا وإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعة لله إن أمكنه ويشجع نفسه ويقوي قلبه ولا يلتفت إلى الوارد الشيطاني القاطع له عن ذلك بأن هذا رياء ومحبة لإظهار علمك وحالك ونحو ذلك فليحاربه وليستغن بالله ويؤثر فيهم من الخير ما أمكنه فإن أعجزته المقادير عن ذلك فليسل قلبه من بينهم كسل الشعرة من العجين وليكن فيهم حاضرا غائبا قريبا بعيدا نائما يقظانا ينظر إليهم ولا يبصرهم ويسمع كلامهم ولا يعيه لأنه قد أخذ قلبه من بينهم ورقى به إلى الملأ الأعلى يسبح حول العرش مع الأرواح العلوية الزكية وما أصعب هذا وأشقه على النفوس وإنه ليسير على من يسره الله عليه فبين العبد وبينه أن يصدق الله تبارك وتعالى ويديم اللجأ إليه ويلقي نفسه على بابه طريحا ذليلا ولا يعين على هذا إلا محبة صادقة والذكر الدائم بالقلب واللسان وتجنب المفسدات الأربع الباقية الآتي ذكرها ولا ينال هذا إلا بعدة صالحة ومادة قوة من الله عز وجل وعزيمة صادقة وفراغ من التعلق بغير الله تعالى والله تعالى أعلم
Section V01/P455–V01/P457İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V01/P455–V01/P457)
Orijinal Metin (AR)فصل المفسد الثاني : من مفسدات القلب ركوبه بحر التمنى وهو بحر لا ساحل له وهو البحر الذي يركبه مفاليس العالم كما قيل إن المنى رأس أموال المفاليس وبضاعة ركابه مواعيد الشيطان وخيالات المحال والبهتان فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة والخيالات الباطلة تتلاعب براكبه كما تتلاعب الكلاب بالجيفة وهي بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية ليست لها همة تنال بها الحقائق الخارجية بل أعتاضت عنها بالأماني الذهبية وكل بحسب حاله : من متمن للقدرة والسلطان وللضرب فى الأرض والتطراف في البلدان أو للأموال والأثمان أو للنسوان والمردان فيمثل المتمني صورة مطلوبه في نفسه وقد فاز بوصولها والتذ بالظفر بها مبيننا هو على هذه الحال إذ استيقظ فإذا يده والحصير وصاحب الهمة العلية أمانيه حائمة حول العلم والإيمان والعمل الذى يقربه إلى الله ويدنيه من جواره فأماني هذا إيمان ونور وحكمة وأماني أولئك خدع وغرور وقد مدح النبيمتمني الخير وربما جعل أجره في بعض الأشياء كأجر فاعله كالقائل : لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان الذي يتقي في ماله ربه ويصل فيه رحمه ويخرج منه حقه وقال : هما في الأجر سواء وتمنى في حجة الوداع : أنه لو كان تمتع وحل ولم يسق الهدي وكان قد قرن فأعطاه الله ثواب القران بفعله وثواب التمتع الذي تمناه بأمنيته فجمع له بين الأجرين فصل المفسد الثالث من مفسدات القلب التعلق بغير الله تبارك وتعالى وهذا أعظم مفسداته على الإطلاق فليس عليه أضر من ذلك ولا أقطع له عن مصالحه وسعادته منه فإنه إذا تعلق بغير الله وكله الله إلى ما تعلق به وخذله من جهة ما تعلق به وفاته تحصيل مقصوده من الله عز وجل بتعلقه بغيره والتفاته إلى سواه فلا على نصيبه من الله حصل ولا إلى ما أمله ممن تعلق به وصل قال الله تعالى : واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا مريم : 8182 ] وقال تعالى : واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرونلا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون يس : 7475 ] فأعظم الناس خذلانا من تعلق بغير الله فإن مافاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به وهو معرض للزوال والفوات ومثل المتعلق بغير الله : كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت وبالجملة : فأساس الشرك وقاعدته التي بنى عليها : التعلق بغير الله ولصاحبه الذم والخذلان كما قال تعالى : لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا الإسراء : 22 ] مذموما لا حامد لك مخذولا لا ناصر لك إذ قد يكون بعض الناس مقهورا محمودا كالذي قهر بباطل وقد يكون مذموما منصورا كالذي قهر وتسلط عليه بباطل وقد يكون محمودا منصورا كالذي تمكن وملك بحق والمشرك المتعلق بغير الله قسمه أردأ الأقسام الأربعة لا محمود ولا منصور فصل المفسد الرابع من مفسدات القلب : الطعام والمفسد له من ذلك نوعان :
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)فصل المفسد الثاني : من مفسدات القلب ركوبه بحر التمنى وهو بحر لا ساحل له وهو البحر الذي يركبه مفاليس العالم كما قيل إن المنى رأس أموال المفاليس وبضاعة ركابه مواعيد الشيطان وخيالات المحال والبهتان فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة والخيالات الباطلة تتلاعب براكبه كما تتلاعب الكلاب بالجيفة وهي بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية ليست لها همة تنال بها الحقائق الخارجية بل أعتاضت عنها بالأماني الذهبية وكل بحسب حاله : من متمن للقدرة والسلطان وللضرب فى الأرض والتطراف في البلدان أو للأموال والأثمان أو للنسوان والمردان فيمثل المتمني صورة مطلوبه في نفسه وقد فاز بوصولها والتذ بالظفر بها مبيننا هو على هذه الحال إذ استيقظ فإذا يده والحصير وصاحب الهمة العلية أمانيه حائمة حول العلم والإيمان والعمل الذى يقربه إلى الله ويدنيه من جواره فأماني هذا إيمان ونور وحكمة وأماني أولئك خدع وغرور وقد مدح النبيمتمني الخير وربما جعل أجره في بعض الأشياء كأجر فاعله كالقائل : لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان الذي يتقي في ماله ربه ويصل فيه رحمه ويخرج منه حقه وقال : هما في الأجر سواء وتمنى في حجة الوداع : أنه لو كان تمتع وحل ولم يسق الهدي وكان قد قرن فأعطاه الله ثواب القران بفعله وثواب التمتع الذي تمناه بأمنيته فجمع له بين الأجرين فصل المفسد الثالث من مفسدات القلب التعلق بغير الله تبارك وتعالى وهذا أعظم مفسداته على الإطلاق فليس عليه أضر من ذلك ولا أقطع له عن مصالحه وسعادته منه فإنه إذا تعلق بغير الله وكله الله إلى ما تعلق به وخذله من جهة ما تعلق به وفاته تحصيل مقصوده من الله عز وجل بتعلقه بغيره والتفاته إلى سواه فلا على نصيبه من الله حصل ولا إلى ما أمله ممن تعلق به وصل قال الله تعالى : واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا مريم : 8182 ] وقال تعالى : واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرونلا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون يس : 7475 ] فأعظم الناس خذلانا من تعلق بغير الله فإن مافاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به وهو معرض للزوال والفوات ومثل المتعلق بغير الله : كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت وبالجملة : فأساس الشرك وقاعدته التي بنى عليها : التعلق بغير الله ولصاحبه الذم والخذلان كما قال تعالى : لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا الإسراء : 22 ] مذموما لا حامد لك مخذولا لا ناصر لك إذ قد يكون بعض الناس مقهورا محمودا كالذي قهر بباطل وقد يكون مذموما منصورا كالذي قهر وتسلط عليه بباطل وقد يكون محمودا منصورا كالذي تمكن وملك بحق والمشرك المتعلق بغير الله قسمه أردأ الأقسام الأربعة لا محمود ولا منصور فصل المفسد الرابع من مفسدات القلب : الطعام والمفسد له من ذلك نوعان :
Section V01/P457–V01/P459İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V01/P457–V01/P459)
Orijinal Metin (AR)أحدهما ما يفسده لعينه وذاته كالمحرمات وهي نوعان : محرمات لحق الله كالميتة والدم ولحم الخنزير وذي الناب من السباع والمخلب من الطير ومحرمات لحق العباد كالمسروق والمغصوب والمنهوب وما أخذ بغير رضى صاحبه إما قهرا وإما حياء وتذمما والثاني : ما يفسده بقدره : وتعدي حده كالإسراف في الحلال والشبع المفرط فإنه يثقله عن الطاعات ويشغله بمزاولة مؤنة البطنة ومحاولتها حتى يظفر بها فإذا ظفر بها شغله بمزاولة تصرفها ووقاية ضررها والتأذى بثقلها وقوى عليه مواد الشهوة وطرق مجاري الشيطان ووسعها فإنه يجرى من ابن آدم مجرى الدم فالصوم يضيق مجاريه ويسد عليه طرقها والشبع يطرقها ويوسعها ومن أكل كثيرا شرب كثيرا فنام كثيرا فخسر كثيرا وفي الحديث المشهور : ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا بد فاعلا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ويحكى أن إبليس لعنه الله عرض ليحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام فقال له يحيى : هل نلت مني شيئا قط قال : لا إلا أنه قدم إليك الطعام ليلة فشهيته إليك حتى شبعت منه فنمت عن وردك فقال يحيى : الله علي أن لا أشبع من طعام أبدا فقال إبليس : وأنا لله علي أن لا أنصح آدمي أبدا فصل المفسد الخامس كثرة النوم فإنه يميت القلب ويثقل البدن ويضيع الوقت ويورث كثرة الغفلة والكسل ومنه المكروه جدا ومنه الضار غير النافع للبدن وأنفع النوم : ما كان عند شدة الحاجة إليه ونوم أول الليل أحمد وأنفع من آخره ونوم وسط النهار أنفع من طرفيه وكلما قرب النوم من الطرفين قل نفعه وكثر ضرره ولا سيما نوم العصر والنوم أول النهار إلا لسهران ومن المكروه عندهم : النوم بين صلاة الصبح وطلوع الشمس فإنه وقت غنيمة وللسير ذلك الوقت عند السالكين مزية عظيمة حتى لو ساروا طول ليلهم لم يسمحوا بالقعود عن السير ذلك الوقت حتى تطلع الشمس فإنه أول النهار ومفتاحه ووقت نزول الأرزاق وحصول القسم وحلول البركة ومنه ينشأ النهار وينسحب حكم جميعه على حكم تلك الحصة فينبغى أن يكون نومها كنوم المضطر وبالجملة فأعدل النوم وأنفعه : نوم نصف الليل الأول وسدسه الأخير وهو مقدار ثمان ساعات وهذا أعدل النوم عند الأطباء وما زاد عليه أو نقص منه أثر عندهم في الطبيعة انحرافا بحسبه ومن النوم الذي لا ينفع أيضا : النوم أول الليل عقيب غروب الشمس حتى تذهب فحمة العشاء وكان رسول اللهيكرهه فهو مكروه شرعا وطبعا وكما أن كثرة النوم مورثة لهذه الآفات فمدافعته وهجره مورث لآفات أخرى عظام : من سوء المزاج ويبسه وانحراف النفس وجفاف الرطوبات المعينة على الفهم والعمل ويورث أمراضا متلفة لا ينتفع صاحبها بقلبه ولا بدنه معها وما قام الوجود إلا بالعدل فمن اعتصم به فقد أخذ بحظه من مجامع الخير وبالله المستعان فصل ثم ينزل القلب منزل الاعتصام وهو نوعان : اعتصام بالله واعتصام
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)أحدهما ما يفسده لعينه وذاته كالمحرمات وهي نوعان : محرمات لحق الله كالميتة والدم ولحم الخنزير وذي الناب من السباع والمخلب من الطير ومحرمات لحق العباد كالمسروق والمغصوب والمنهوب وما أخذ بغير رضى صاحبه إما قهرا وإما حياء وتذمما والثاني : ما يفسده بقدره : وتعدي حده كالإسراف في الحلال والشبع المفرط فإنه يثقله عن الطاعات ويشغله بمزاولة مؤنة البطنة ومحاولتها حتى يظفر بها فإذا ظفر بها شغله بمزاولة تصرفها ووقاية ضررها والتأذى بثقلها وقوى عليه مواد الشهوة وطرق مجاري الشيطان ووسعها فإنه يجرى من ابن آدم مجرى الدم فالصوم يضيق مجاريه ويسد عليه طرقها والشبع يطرقها ويوسعها ومن أكل كثيرا شرب كثيرا فنام كثيرا فخسر كثيرا وفي الحديث المشهور : ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا بد فاعلا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ويحكى أن إبليس لعنه الله عرض ليحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام فقال له يحيى : هل نلت مني شيئا قط قال : لا إلا أنه قدم إليك الطعام ليلة فشهيته إليك حتى شبعت منه فنمت عن وردك فقال يحيى : الله علي أن لا أشبع من طعام أبدا فقال إبليس : وأنا لله علي أن لا أنصح آدمي أبدا فصل المفسد الخامس كثرة النوم فإنه يميت القلب ويثقل البدن ويضيع الوقت ويورث كثرة الغفلة والكسل ومنه المكروه جدا ومنه الضار غير النافع للبدن وأنفع النوم : ما كان عند شدة الحاجة إليه ونوم أول الليل أحمد وأنفع من آخره ونوم وسط النهار أنفع من طرفيه وكلما قرب النوم من الطرفين قل نفعه وكثر ضرره ولا سيما نوم العصر والنوم أول النهار إلا لسهران ومن المكروه عندهم : النوم بين صلاة الصبح وطلوع الشمس فإنه وقت غنيمة وللسير ذلك الوقت عند السالكين مزية عظيمة حتى لو ساروا طول ليلهم لم يسمحوا بالقعود عن السير ذلك الوقت حتى تطلع الشمس فإنه أول النهار ومفتاحه ووقت نزول الأرزاق وحصول القسم وحلول البركة ومنه ينشأ النهار وينسحب حكم جميعه على حكم تلك الحصة فينبغى أن يكون نومها كنوم المضطر وبالجملة فأعدل النوم وأنفعه : نوم نصف الليل الأول وسدسه الأخير وهو مقدار ثمان ساعات وهذا أعدل النوم عند الأطباء وما زاد عليه أو نقص منه أثر عندهم في الطبيعة انحرافا بحسبه ومن النوم الذي لا ينفع أيضا : النوم أول الليل عقيب غروب الشمس حتى تذهب فحمة العشاء وكان رسول اللهيكرهه فهو مكروه شرعا وطبعا وكما أن كثرة النوم مورثة لهذه الآفات فمدافعته وهجره مورث لآفات أخرى عظام : من سوء المزاج ويبسه وانحراف النفس وجفاف الرطوبات المعينة على الفهم والعمل ويورث أمراضا متلفة لا ينتفع صاحبها بقلبه ولا بدنه معها وما قام الوجود إلا بالعدل فمن اعتصم به فقد أخذ بحظه من مجامع الخير وبالله المستعان فصل ثم ينزل القلب منزل الاعتصام وهو نوعان : اعتصام بالله واعتصام
Section V01/P459–V01/P461İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V01/P459–V01/P461)
Orijinal Metin (AR)بحبل الله قال الله تعالى : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا آل عمران : 103 ] وقال : واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير الحج : 78 و الاعتصام افتعال من العصمة وهو التمسك بما يعصمك ويمنعك من المحذور والمخوف فالعصمة : الحمية والاعتصام : الاحتماء ومنه سميت القلاع : العواصم لمنعها وحمايتها ومدار السعادة الدنيوية والأخروية : على الاعتصام بالله والاعتصام بحبله ولا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين فأما الاعتصام بحبله : فإنه يعصم من الضلالة والاعتصام به : يعصم من الهلكة فإن السائر إلى الله كالسائر على طريق نحو مقصده فهو محتاج إلى هداية الطريق والسلامة فيها فلا يصل إلى مقصده إلا بعد حصول هذين الأمرين له فالدليل كفيل بعصمته من الضلالة وأن يهديه إلى الطريق والعدة والقوة والسلاح التى بها تحصل له السلامة من قطاع الطريق وآفاتها نالاعتصام بحبل الله : يوجب له الهداية واتباع الدليل والاعتصام بالله يوجب له القوة والعدة والسلاح والمادة التي يستلئم بها فى طريقه ولهذا اختلفت عبارات السلف في الاعتصام بحبل الله بعد إشارتهم كلهم إلى هذا المعنى فقال ابن عباس : تمسكوا بدين الله وقال ابن مسعود : هو الجماعة وقال : عليكم بالجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة وقال مجاهد وعطاء : بعهد الله وقال قتادة والسدي وكثير من أهل التفسير هو القرآن قال ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي : إن هذا القرآن هو حبل الله وهو النور المبين والشفاء النافع وعصمة من تمسك به ونجاة من تبعه وقال علي بن أبي طالب رضى الله عنه عن النبيفي القرآن : هو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تختلف به الألسن ولا يخلق على كثرة الرد ولا يشبع منه العلماء وقال مقاتل : بأمر الله وطاعته ولا تفرقوا كما تفرقت اليهود والنصارى وفي الموطأ من حديث مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول اللهقال : إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ويسخط لكم : قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال رواه مسلم في الصحيح قال صاحب المنازل : الاعتصام بحبل الله : هو المحافظة على طاعته مراقبا لأمره ويريد بمراقبة الأمر : القيام بالطاعة لأجل أن الله أمر بها وأحبها لا لمجرد العادة أو لعلة باعثة سوى امتثال الأمر كما قال طلق بن حبيب رضي الله عنه في التقوى : هى العمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله وهذا هو الإيمان والاحتساب المشار إليه فى كلام النبيكقوله من صام رمضان إيمانا واحتسابا ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له فالصيام والقيام : هو الطاعة و الإيمان مراقبة الأمر وإخلاص الباعث : هو أن يكون الإيمان الآمر لا شيء سواه و الاحتساب رجاء ثواب الله فالاعتصام بحبل الله يحمي من البدعة وآفات العمل والله أعلم فصل وأما الاعتصام به : فهو التوكل عليه والامتناع به والاحتماء به وسؤاله أن يحمي العبد ويمنعه ويعصمه ويدفع عنه فإن ثمرة الاعتصام به : هو الدفع عن العبد والله يدافع عن الذين آمنوا فيدفع عن عبده المؤمن إذا اعتصم به كل سبب يفضي به إلى العطب ويحميه منه فيدفع عنه الشبهات والشهوات وكيد عدوه الظاهر والباطن وشر نفسه ويدفع عنه موجب أسباب الشر بعد انعقادها بحسب قوة الاعتصام به وتمكنه فتفقد في حقه أسباب العطب فيدفع عنه موجباتها ومسبباتها ويدفع عنه قدره بقدره وإرادته بإرادته ويعيذه به منه فصل وأما صاحب المنازل فقال : الاعتصام بالله الترقي عن كل موهوم الموهوم
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)بحبل الله قال الله تعالى : واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا آل عمران : 103 ] وقال : واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير الحج : 78 و الاعتصام افتعال من العصمة وهو التمسك بما يعصمك ويمنعك من المحذور والمخوف فالعصمة : الحمية والاعتصام : الاحتماء ومنه سميت القلاع : العواصم لمنعها وحمايتها ومدار السعادة الدنيوية والأخروية : على الاعتصام بالله والاعتصام بحبله ولا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين فأما الاعتصام بحبله : فإنه يعصم من الضلالة والاعتصام به : يعصم من الهلكة فإن السائر إلى الله كالسائر على طريق نحو مقصده فهو محتاج إلى هداية الطريق والسلامة فيها فلا يصل إلى مقصده إلا بعد حصول هذين الأمرين له فالدليل كفيل بعصمته من الضلالة وأن يهديه إلى الطريق والعدة والقوة والسلاح التى بها تحصل له السلامة من قطاع الطريق وآفاتها نالاعتصام بحبل الله : يوجب له الهداية واتباع الدليل والاعتصام بالله يوجب له القوة والعدة والسلاح والمادة التي يستلئم بها فى طريقه ولهذا اختلفت عبارات السلف في الاعتصام بحبل الله بعد إشارتهم كلهم إلى هذا المعنى فقال ابن عباس : تمسكوا بدين الله وقال ابن مسعود : هو الجماعة وقال : عليكم بالجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة وقال مجاهد وعطاء : بعهد الله وقال قتادة والسدي وكثير من أهل التفسير هو القرآن قال ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي : إن هذا القرآن هو حبل الله وهو النور المبين والشفاء النافع وعصمة من تمسك به ونجاة من تبعه وقال علي بن أبي طالب رضى الله عنه عن النبيفي القرآن : هو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تختلف به الألسن ولا يخلق على كثرة الرد ولا يشبع منه العلماء وقال مقاتل : بأمر الله وطاعته ولا تفرقوا كما تفرقت اليهود والنصارى وفي الموطأ من حديث مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول اللهقال : إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ويسخط لكم : قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال رواه مسلم في الصحيح قال صاحب المنازل : الاعتصام بحبل الله : هو المحافظة على طاعته مراقبا لأمره ويريد بمراقبة الأمر : القيام بالطاعة لأجل أن الله أمر بها وأحبها لا لمجرد العادة أو لعلة باعثة سوى امتثال الأمر كما قال طلق بن حبيب رضي الله عنه في التقوى : هى العمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله وهذا هو الإيمان والاحتساب المشار إليه فى كلام النبيكقوله من صام رمضان إيمانا واحتسابا ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له فالصيام والقيام : هو الطاعة و الإيمان مراقبة الأمر وإخلاص الباعث : هو أن يكون الإيمان الآمر لا شيء سواه و الاحتساب رجاء ثواب الله فالاعتصام بحبل الله يحمي من البدعة وآفات العمل والله أعلم فصل وأما الاعتصام به : فهو التوكل عليه والامتناع به والاحتماء به وسؤاله أن يحمي العبد ويمنعه ويعصمه ويدفع عنه فإن ثمرة الاعتصام به : هو الدفع عن العبد والله يدافع عن الذين آمنوا فيدفع عن عبده المؤمن إذا اعتصم به كل سبب يفضي به إلى العطب ويحميه منه فيدفع عنه الشبهات والشهوات وكيد عدوه الظاهر والباطن وشر نفسه ويدفع عنه موجب أسباب الشر بعد انعقادها بحسب قوة الاعتصام به وتمكنه فتفقد في حقه أسباب العطب فيدفع عنه موجباتها ومسبباتها ويدفع عنه قدره بقدره وإرادته بإرادته ويعيذه به منه فصل وأما صاحب المنازل فقال : الاعتصام بالله الترقي عن كل موهوم الموهوم
Section V01/P461–V01/P463İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V01/P461–V01/P463)
Orijinal Metin (AR)عنده ما سوى الله تعالى و الترقي عنه الصعود من شهود نفعه وضره وعطائه ومنعه وتأثيره إلى الله تعالى وهذه إشارة إلى الفناء ومراده : الصعود عن شهود ما سوى الله إلى الله والكمال في ذلك : الصعود عن إرادة ما سوى الله إلى إرادته والاتحادي يفسره بالصعود عن وجود ما سواه إلى وجوده بحيث لا يرى لغيره وجودا ألبتة ويرى وجود كل موجود هو وجوده فلا وجود لغيره إلا في الوهم الكاذب عنده قال : وهو على ثلاث درجات : اعتصام العامة بالخبر استسلاما وإذعانا بتصديق الوعد والوعيد وتعظيم الأمر والنهي وتأسيس المعاملة على اليقين والانصاف يعني أن العامة اعتصموا بالخبر الوارد عن الله استسلاما من غير منازعة بل إيمانا واستسلاما وانقادوا إلى تعظيم الأمر والنهي والإذعان لهما والتصديق بالوعد والوعيد وأسسوا معاملتهم على اليقين لا على الشك والتردد وسلوك طريقة الاحتياط كما قال القائل : زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأجساد قلت : إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما هذه طريق أهل الريب والشك يقومون بالأمر والنهي احتياطا وهذه الطريق لا تنجي من عذاب الله ولا تحصل لصاحبها السعادة ولا توصله إلى المأمن وأما الإنصاف الذي أسسوا معاملتهم عليه : فهو الإنصاف في معاملتهم لله ولخلقه فأما الإنصاف في معاملة الله : فأن يعطى العبودية حقها وأن لا ينازع ربه صفات إلهيته التي لا تليق بالعبد ولا تنبغي له : من العظمة والكبرياء والجبروت ومن إنصافه لربه : أن لا يشكر سواه على نعمه وينساه ولا يستعين بها على معاصيه ولا يحمد على رزقه غيره ولا يعبد سواه كما في الأثر الإلهي إني والجن والإنس في نبإ عظيم : أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر سواي وفي أثر آخر : ابن آدم : ما أنصفتني خيري إليك نازل وشرك إلي صاعد أتحبب إليك بالنعم وأنا عنك غني وتتبغض إلي بالمعاصي وأنت فقير إلي ولا يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيح وفي أثر آخر : يا ابن آدم ما من يوم جديد إلا يأتيك من عندي رزق جديد وتأتي عنك الملائكة بعمل قبيح تأكل رزقي وتعصيني وتدعوني فأستجيب لك وتسألني فأعطيك وأنا أدعوك إلى جنتي فتأبى ذلك وما هذا من الإنصاف وأما الإنصاف في حق العبيد : فأن يعاملهم مثل ما يحب أن يعاملوه به ولعمر الله هذا الذي ذكر أنه اعتصام العامة : هو اعتصام خاصة الخاصة في الحقيقة ولكن الشيخ ممن رفع له علم الفناء فشمر إليه فلا تأخذه فيه لومة لائم ولا يرى مقاما أجل منه فصل قال : واعتصام الخاصة : بالانقطاع وهو صون الإرادة قبضا وإسبال الخلق
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)عنده ما سوى الله تعالى و الترقي عنه الصعود من شهود نفعه وضره وعطائه ومنعه وتأثيره إلى الله تعالى وهذه إشارة إلى الفناء ومراده : الصعود عن شهود ما سوى الله إلى الله والكمال في ذلك : الصعود عن إرادة ما سوى الله إلى إرادته والاتحادي يفسره بالصعود عن وجود ما سواه إلى وجوده بحيث لا يرى لغيره وجودا ألبتة ويرى وجود كل موجود هو وجوده فلا وجود لغيره إلا في الوهم الكاذب عنده قال : وهو على ثلاث درجات : اعتصام العامة بالخبر استسلاما وإذعانا بتصديق الوعد والوعيد وتعظيم الأمر والنهي وتأسيس المعاملة على اليقين والانصاف يعني أن العامة اعتصموا بالخبر الوارد عن الله استسلاما من غير منازعة بل إيمانا واستسلاما وانقادوا إلى تعظيم الأمر والنهي والإذعان لهما والتصديق بالوعد والوعيد وأسسوا معاملتهم على اليقين لا على الشك والتردد وسلوك طريقة الاحتياط كما قال القائل : زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأجساد قلت : إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما هذه طريق أهل الريب والشك يقومون بالأمر والنهي احتياطا وهذه الطريق لا تنجي من عذاب الله ولا تحصل لصاحبها السعادة ولا توصله إلى المأمن وأما الإنصاف الذي أسسوا معاملتهم عليه : فهو الإنصاف في معاملتهم لله ولخلقه فأما الإنصاف في معاملة الله : فأن يعطى العبودية حقها وأن لا ينازع ربه صفات إلهيته التي لا تليق بالعبد ولا تنبغي له : من العظمة والكبرياء والجبروت ومن إنصافه لربه : أن لا يشكر سواه على نعمه وينساه ولا يستعين بها على معاصيه ولا يحمد على رزقه غيره ولا يعبد سواه كما في الأثر الإلهي إني والجن والإنس في نبإ عظيم : أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر سواي وفي أثر آخر : ابن آدم : ما أنصفتني خيري إليك نازل وشرك إلي صاعد أتحبب إليك بالنعم وأنا عنك غني وتتبغض إلي بالمعاصي وأنت فقير إلي ولا يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيح وفي أثر آخر : يا ابن آدم ما من يوم جديد إلا يأتيك من عندي رزق جديد وتأتي عنك الملائكة بعمل قبيح تأكل رزقي وتعصيني وتدعوني فأستجيب لك وتسألني فأعطيك وأنا أدعوك إلى جنتي فتأبى ذلك وما هذا من الإنصاف وأما الإنصاف في حق العبيد : فأن يعاملهم مثل ما يحب أن يعاملوه به ولعمر الله هذا الذي ذكر أنه اعتصام العامة : هو اعتصام خاصة الخاصة في الحقيقة ولكن الشيخ ممن رفع له علم الفناء فشمر إليه فلا تأخذه فيه لومة لائم ولا يرى مقاما أجل منه فصل قال : واعتصام الخاصة : بالانقطاع وهو صون الإرادة قبضا وإسبال الخلق
Section V01/P463–V01/P465İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V01/P463–V01/P465)
Orijinal Metin (AR)عن الخلق بسطا ورفض العلائق عزما وهو التمسك بالعروة الوثقى يريد انقطاع النفس عن أغراضها من هذه الوجوه الثلاثة فيصون إرادته ويقبضها عما سوى الله سبحانه وهذا شبيه بحال أبي يزيد رحمه الله فيما أخبر به عن نفسه لما قيل له : ما تريد فقال : أريد أن لا أريد الثاني : إسبال الخلق على الخلق بسطا وهذا حقيقة التصوف فإنه كما قال أبو بكر الكتانى : التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف فإن حسن الخلق وتزكية النفس بمكارم الأخلاق : يدل على سعة قلب صاحبه وكرم نفسه وسجيته وفي هذا الوصف : يكف الأذى ويحمل الأذى ويوجد الراحة ويدير خده الأيسر لمن لطم الأيمن ويعطي رداءه لمن سلبه قميصه ويمشى ميلين مع من سخره ميلا وهذا علامة انقطاعه عن حظوظ نفسه وأغراضها وأما رفض العلائق عزما : فهو العزم التام على رفض العلائق وتركها في ظاهره وباطنه والأصل هو قطع علائق الباطن فمتى قطعها لم تضره علائق الظاهر فمتى كان المال في يدك وليس في قلبك لم يضرك ولو كثر ومتى كان في قلبك ضرك ولو لم يكن في يدك منه شيء قيل للإمام أحمد : الرجل زاهدا ومعه ألف دينار قال : نعم على شريطة ألالا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت ولهذا كان الصحابة أزهد الأمة مع ما بأيديهم من الأموال وقيل لسفيان الثورى : أيكون ذو المال زاهدا قال : نعم إن كان إذا زيد فى ماله شكر وإن نقص شكر وصبر وإنما يحمد قطع العلائق الظاهرة في موضعين : حيث يخاف منها ضررا في دينه أو حيث لا يكون فيها مصلحة راجحة والكمال من ذلك : قطع العلائق التى تصير كلاليب على الصراط تمنعه من العبور وهي كلاليب الشهوات والشبهات ولا يضره ما تعلق به بعدها فصل قال : واعتصام خاصة الخاصة : بالاتصال وهو شهود الحق تفريدا بعد
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)عن الخلق بسطا ورفض العلائق عزما وهو التمسك بالعروة الوثقى يريد انقطاع النفس عن أغراضها من هذه الوجوه الثلاثة فيصون إرادته ويقبضها عما سوى الله سبحانه وهذا شبيه بحال أبي يزيد رحمه الله فيما أخبر به عن نفسه لما قيل له : ما تريد فقال : أريد أن لا أريد الثاني : إسبال الخلق على الخلق بسطا وهذا حقيقة التصوف فإنه كما قال أبو بكر الكتانى : التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف فإن حسن الخلق وتزكية النفس بمكارم الأخلاق : يدل على سعة قلب صاحبه وكرم نفسه وسجيته وفي هذا الوصف : يكف الأذى ويحمل الأذى ويوجد الراحة ويدير خده الأيسر لمن لطم الأيمن ويعطي رداءه لمن سلبه قميصه ويمشى ميلين مع من سخره ميلا وهذا علامة انقطاعه عن حظوظ نفسه وأغراضها وأما رفض العلائق عزما : فهو العزم التام على رفض العلائق وتركها في ظاهره وباطنه والأصل هو قطع علائق الباطن فمتى قطعها لم تضره علائق الظاهر فمتى كان المال في يدك وليس في قلبك لم يضرك ولو كثر ومتى كان في قلبك ضرك ولو لم يكن في يدك منه شيء قيل للإمام أحمد : الرجل زاهدا ومعه ألف دينار قال : نعم على شريطة ألالا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت ولهذا كان الصحابة أزهد الأمة مع ما بأيديهم من الأموال وقيل لسفيان الثورى : أيكون ذو المال زاهدا قال : نعم إن كان إذا زيد فى ماله شكر وإن نقص شكر وصبر وإنما يحمد قطع العلائق الظاهرة في موضعين : حيث يخاف منها ضررا في دينه أو حيث لا يكون فيها مصلحة راجحة والكمال من ذلك : قطع العلائق التى تصير كلاليب على الصراط تمنعه من العبور وهي كلاليب الشهوات والشبهات ولا يضره ما تعلق به بعدها فصل قال : واعتصام خاصة الخاصة : بالاتصال وهو شهود الحق تفريدا بعد
Section V01/P465–V01/P468İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V01/P465–V01/P468)
Orijinal Metin (AR)الاستحذاء له تعظيما والاشتغال به قربا لما كان ذلك الانقطاع موصلا إلى هذا الاتصال : كان ذلك للمتوسطين وهذا عنده لأهل الوصول ويعني بشهود الحق تفريدا : أن يشهد الحق سبحانه وحده منفردا ولا شيء معه وذلك لفناء الشاهد في الشهود والحوالة في ذلك عند القوم : على الكشف وقد تقدم أن هذا ليس بكمال وأن الكمال : أن يفنى بمراده عن مراد نفسه وأما فناؤه بشهوده عن شهود ما سواه : فدون هذا الفناء في الرتبة كما تقدم وأما قوله : بعد الاستحذاء له تعظيما فالشيخ لكثرة لهجه بالاستعارات عبر عن معنى لطيف عظيم بلفظة الاستحذاء التي هي استفعال من المحاذاة وهي المقابلة التي لا يبقى فيها جزء من المحاذي خارجا عما حاذاه بل قد واجهه وقابله بكليته وجميع أجزائه ومراده بذلك : القرب وارتفاع الوسائط المانعة منه ولا ريب أن العبد يقرب من ربه والرب يقرب من عبده فأما قرب العبد : فكقوله تعالى : واسجد واقترب [ العلق : 19 ] وقوله فى الأثر الإلهي من تقرب منى شبرا تقربت منه ذراعا وكقوله : وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي وفي الحديث الصحيح : أقرب ما يكون الرب من عبده : فى جوف الليل الأخير وفي الحديث أيضا أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وفي الحديث الصحيح لما ارتفعت أصواتهم بالتكبير مع النبيفي السفر فقال : يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته فعبر الشيخ رحمه الله عن طلب القرب منه ورفض الوسائط الحائلة بينه وبين القرب المطلوب الذي لا تقر عيون عابديه وأوليائه إلا به : بالاستحذاء وحقيقته : موافاة العبد إلى حضرته وقدامه وبين يديه عكس حال من نبذه وراءه ظهريا وأعرض عنه ونأى بجانبه بمنزلة من ولى المطاع ظهره ومال بشقه عنه وهذا الأمر لا يدرك معناه إلا بوجوده وذوقه وأحسن ما يعبر عنه : بالعبارة النبوية المحمدية وأقرب عبارات القوم : أنه التقريب برفع الوسائط التى بارتفاعها يحصل للعبد حقيقة التعظيم فلذلك قال الاستحذاء له تعظيما ومن أراد فهم هذا كما ينبغي فعليه بفهم اسمه تعالى الباطن وفهم اسمه القريب مع امتلاء القلب بحبه ولهج اللسان بذكره ومن ههنا يؤخذ العبد إلى الفناء الذى كان مشمرا إليه عاملا عليه فإن كان مشمرا إلى الفناء المتوسط وهو الفناء عن شهود السوى لم يبق فى قلبه شهود لغيره ألبتة بل تضمحل الرسوم وتفنى الإشارات ويفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل وفى هذا المقام يجيب داعي الفناء طوعا ورغبة لا كرها لأن هذا المقام امتزج فيه الحب بالتعظيم مع القرب وهو منتهى سفر الطالبين لمقام الفناء وإن كان العبد مشمرا للفناء العالي وهو الفناء عن إرادة السوى : لم يبق في قلبه مراد يزاحم مراده الديني الشرعي النبوي القرآني بل يتحد المرادان فيصير عين مراد الرب هو مراد العبد وهذا حقيقة المحبة الخالصة وفيها يكون الاتحاد الصحيح وهو الاتحاد في المراد لا في المريد ولا في الإرادة فتدبر هذا الفرقان في هذا الموضع الذى طالما زلت فيه أقدام السالكين وضلت فيه أفهام الواجدين وفي هذا المقام حقيقة يفنى من لم يكن إرادة وإيثارا ومحبة وتعظيما وخوفا ورجاء وتوكلا ويبقى من لم يزل وفيه ترتفع الوسائط بين الرب والعبد حقيقة ويحصل له الاستحذاء المذكور مقرونا بغاية الحب وغاية التعظيم وفي هذا المقام : يجيب داعي الفناء في المحبة طوعا واختيارا لا كرها بل ينجذب إليه انجذاب قلب المحب وروحه الذي قد ملأت المحبة قلبه بحيث لم يبق فيه جزء فارغ منها إلى محبوبه الذي هو أكمل محبوب وأجله وأحقه بالحب وهذا الفناء أوجبه الحب الكامل الممتزج بالتعظيم والإجلال والقرب ومحو ما سوى مراد المحبوب من القلب بحيث لم يبق في القلب إلا المحبوب ومراده وهذا حقيقة الاعتصام به وبحبله والله المستعان وأما قوله : والاشتغال به قربا أي يشغله قرب الحق عن كل ما سواه وهذا حقيقة القرب ألا ترى أن القريب من السلطان جداالمقبل عليه المكلم له : لا يشتغل بشيء سواه ألبتة فعلى قدر القرب من الله يكون اشتغال العبد به والله أعلم
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)الاستحذاء له تعظيما والاشتغال به قربا لما كان ذلك الانقطاع موصلا إلى هذا الاتصال : كان ذلك للمتوسطين وهذا عنده لأهل الوصول ويعني بشهود الحق تفريدا : أن يشهد الحق سبحانه وحده منفردا ولا شيء معه وذلك لفناء الشاهد في الشهود والحوالة في ذلك عند القوم : على الكشف وقد تقدم أن هذا ليس بكمال وأن الكمال : أن يفنى بمراده عن مراد نفسه وأما فناؤه بشهوده عن شهود ما سواه : فدون هذا الفناء في الرتبة كما تقدم وأما قوله : بعد الاستحذاء له تعظيما فالشيخ لكثرة لهجه بالاستعارات عبر عن معنى لطيف عظيم بلفظة الاستحذاء التي هي استفعال من المحاذاة وهي المقابلة التي لا يبقى فيها جزء من المحاذي خارجا عما حاذاه بل قد واجهه وقابله بكليته وجميع أجزائه ومراده بذلك : القرب وارتفاع الوسائط المانعة منه ولا ريب أن العبد يقرب من ربه والرب يقرب من عبده فأما قرب العبد : فكقوله تعالى : واسجد واقترب [ العلق : 19 ] وقوله فى الأثر الإلهي من تقرب منى شبرا تقربت منه ذراعا وكقوله : وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي وفي الحديث الصحيح : أقرب ما يكون الرب من عبده : فى جوف الليل الأخير وفي الحديث أيضا أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وفي الحديث الصحيح لما ارتفعت أصواتهم بالتكبير مع النبيفي السفر فقال : يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته فعبر الشيخ رحمه الله عن طلب القرب منه ورفض الوسائط الحائلة بينه وبين القرب المطلوب الذي لا تقر عيون عابديه وأوليائه إلا به : بالاستحذاء وحقيقته : موافاة العبد إلى حضرته وقدامه وبين يديه عكس حال من نبذه وراءه ظهريا وأعرض عنه ونأى بجانبه بمنزلة من ولى المطاع ظهره ومال بشقه عنه وهذا الأمر لا يدرك معناه إلا بوجوده وذوقه وأحسن ما يعبر عنه : بالعبارة النبوية المحمدية وأقرب عبارات القوم : أنه التقريب برفع الوسائط التى بارتفاعها يحصل للعبد حقيقة التعظيم فلذلك قال الاستحذاء له تعظيما ومن أراد فهم هذا كما ينبغي فعليه بفهم اسمه تعالى الباطن وفهم اسمه القريب مع امتلاء القلب بحبه ولهج اللسان بذكره ومن ههنا يؤخذ العبد إلى الفناء الذى كان مشمرا إليه عاملا عليه فإن كان مشمرا إلى الفناء المتوسط وهو الفناء عن شهود السوى لم يبق فى قلبه شهود لغيره ألبتة بل تضمحل الرسوم وتفنى الإشارات ويفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل وفى هذا المقام يجيب داعي الفناء طوعا ورغبة لا كرها لأن هذا المقام امتزج فيه الحب بالتعظيم مع القرب وهو منتهى سفر الطالبين لمقام الفناء وإن كان العبد مشمرا للفناء العالي وهو الفناء عن إرادة السوى : لم يبق في قلبه مراد يزاحم مراده الديني الشرعي النبوي القرآني بل يتحد المرادان فيصير عين مراد الرب هو مراد العبد وهذا حقيقة المحبة الخالصة وفيها يكون الاتحاد الصحيح وهو الاتحاد في المراد لا في المريد ولا في الإرادة فتدبر هذا الفرقان في هذا الموضع الذى طالما زلت فيه أقدام السالكين وضلت فيه أفهام الواجدين وفي هذا المقام حقيقة يفنى من لم يكن إرادة وإيثارا ومحبة وتعظيما وخوفا ورجاء وتوكلا ويبقى من لم يزل وفيه ترتفع الوسائط بين الرب والعبد حقيقة ويحصل له الاستحذاء المذكور مقرونا بغاية الحب وغاية التعظيم وفي هذا المقام : يجيب داعي الفناء في المحبة طوعا واختيارا لا كرها بل ينجذب إليه انجذاب قلب المحب وروحه الذي قد ملأت المحبة قلبه بحيث لم يبق فيه جزء فارغ منها إلى محبوبه الذي هو أكمل محبوب وأجله وأحقه بالحب وهذا الفناء أوجبه الحب الكامل الممتزج بالتعظيم والإجلال والقرب ومحو ما سوى مراد المحبوب من القلب بحيث لم يبق في القلب إلا المحبوب ومراده وهذا حقيقة الاعتصام به وبحبله والله المستعان وأما قوله : والاشتغال به قربا أي يشغله قرب الحق عن كل ما سواه وهذا حقيقة القرب ألا ترى أن القريب من السلطان جداالمقبل عليه المكلم له : لا يشتغل بشيء سواه ألبتة فعلى قدر القرب من الله يكون اشتغال العبد به والله أعلم
Section V01/P468İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V01/P468)
Orijinal Metin (AR)فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الفرار
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الفرار
Section V01/P468–V01/P470İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V01/P468–V01/P470)
Orijinal Metin (AR)قال الله تعالى : ففروا إلى الله الذاريات : 50 ] وحقيقة الفرار : الهرب من شيء إلى شيء وهو نوعان : فرار السعداء وفرار الأشقياء ففرار السعداء : الفرار إلى الله عز وجل وفرار الأشقياء : الفرار منه لا إليه وأما الفرار منه إليه : ففرار أوليائه قال ابن عباس في قوله تعالى : ففروا إلى الله الذاريات : 50 ] : فروا منه إليه واعملوا بطاعته وقال سهل بن عبدالله : فروا مما سوى الله إلى الله وقال آخرون : اهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان والطاعة وقال صاحب المنازل : هو الهرب مما لم يكن إلى من لم يزل وهو على ثلاث درجات : فرار العامة من الجهل إلى العلم عقدا وسعيا ومن الكسل إلى التشمير جدا وعزما ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء يريد بما لم يكن الخلق وبما لم يزل الحق وقوله : فرار العامة : من الجهل إلى العلم عقدا وسعيا الجهل نوعان : عدم العلم بالحق النافع وعدم العمل بموجبه ومقتضاه فكلاهما جهل لغة وعرفا وشرعا وحقيقة قال موسى : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين البقره : 67 ] لما قال له قومه : أتتخذنا هزوا البقره : 67 ] أى من المستهزئين وقال يوسف الصديق : وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين يوسف : 33 ] أي من مرتكبي ما حرمت عليهم وقال تعالى : إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة النساء : ] قال قتادة : أجمع أصحاب رسول اللهأن كل ما عصى الله به فهو جهالة وقال غيره : أجمع الصحابة رضي الله عنه أن كل من عصى الله فهو جاهل وقال الشاعر : ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا وسمى عدم مراعاة العلم جهلا إما لأنه لم ينتفع به فنزل منزلة الجاهل وإما لجهله بسوء ما تجني عواقب فعله فالفرار المذكور : هو الفرار من الجهلين : من الجهل بالعلم إلى تحصيله اعتقادا ومعرفة وبصيرة ومن جهل العمل إلى السعي النافع والعمل الصالح قصدا وسعيا قوله ومن الكسل إلى التشمير جدا وعزما أي : يفر من إجابة داعي الكسل إلى داعي العمل والتشمير بالجد والاجتهاد و الجد ههنا هو صدق العمل وإخلاصه من شوائب الفتور ووعود التسويف والتهاون وهو تحت السين وسوف وعسى ولعل فهى أضر شىء على العبد وهي شجرة ثمرها الخسران والندامات والفرق بين الجد والعزم : أن العزم صدق الإرادة واستجماعها و الجد صدق العمل وبذل الجهد فيه وقد أمر الله سبحانه وتعالى بتلقى أوامره بالعزم والجد فقال : خذوا ما آتيناكم بقوة البقره : 63 ] وقال : وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة الأعراف : : 145 ] وقال : يا يحيى خذ الكتاب بقوة مريم : 12 ] أي بجد واجتهاد وعزم لا كمن يأخذ ما أمر به بتردد وفتور وقوله : ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء يريد هروب العبد من ضيق صدره بالهموم والغموم والأحزان والمخاوف التي تعتريه في هذه الدار من جهة نفسه وما هو خارج عن نفسه مما يتعلق بأسباب مصالحه ومصالح من يتعلق به وما يتعلق بماله وبدنه وأهله وعدوه يهرب من ضيق صدره بذلك كله إلى سعة فضاء الثقة بالله تبارك وتعالى وصدق التوكل عليه وحسن الرجاء لجميل صنعه به وتوقع المرجو من لطفه وبره ومن أحسن كلام العامة قولهم : لا هم مع الله قال الله تعالى : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب الطلاق : 23 ] قال الربيع بن خثيم : يجعل له مخرجا من كل ما ضاق على الناس وقال أبو العالية : مخرجا من كل شدة وهذا جامع لشدائد الدنيا والآخرة ومضايق الدنيا والآخرة فإن الله يجعل للمتقي من كل ما ضاق على الناس واشتد عليهم فى الدنيا والآخرة مخرجا وقال الحسن : مخرجا مما نهاه عنه ومن يتوكل على الله فهو حسبه الطلاق : 3 ] أي كافي من يثق به فى نوائبه ومهماته يكفيه كل ما أهمه و الحسب الكافي حسبنا الله التوبه : 59 ] كافينا الله وكلما كان العبد حسن الظن بالله حسن الرجاء له صادق التوكل عليه : فإن الله لا يخيب أمله فيه ألبتة فإنه سبحانه لا يخيب أمل آمل ولا يضيع عمل عامل وعبر عن الثقة وحسن الظن بالسعة فإنه لا أشرح للصدر ولا أوسع له بعد الإيمان من ثقته بالله ورجائه له وحسن ظنه به
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)قال الله تعالى : ففروا إلى الله الذاريات : 50 ] وحقيقة الفرار : الهرب من شيء إلى شيء وهو نوعان : فرار السعداء وفرار الأشقياء ففرار السعداء : الفرار إلى الله عز وجل وفرار الأشقياء : الفرار منه لا إليه وأما الفرار منه إليه : ففرار أوليائه قال ابن عباس في قوله تعالى : ففروا إلى الله الذاريات : 50 ] : فروا منه إليه واعملوا بطاعته وقال سهل بن عبدالله : فروا مما سوى الله إلى الله وقال آخرون : اهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان والطاعة وقال صاحب المنازل : هو الهرب مما لم يكن إلى من لم يزل وهو على ثلاث درجات : فرار العامة من الجهل إلى العلم عقدا وسعيا ومن الكسل إلى التشمير جدا وعزما ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء يريد بما لم يكن الخلق وبما لم يزل الحق وقوله : فرار العامة : من الجهل إلى العلم عقدا وسعيا الجهل نوعان : عدم العلم بالحق النافع وعدم العمل بموجبه ومقتضاه فكلاهما جهل لغة وعرفا وشرعا وحقيقة قال موسى : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين البقره : 67 ] لما قال له قومه : أتتخذنا هزوا البقره : 67 ] أى من المستهزئين وقال يوسف الصديق : وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين يوسف : 33 ] أي من مرتكبي ما حرمت عليهم وقال تعالى : إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة النساء : ] قال قتادة : أجمع أصحاب رسول اللهأن كل ما عصى الله به فهو جهالة وقال غيره : أجمع الصحابة رضي الله عنه أن كل من عصى الله فهو جاهل وقال الشاعر : ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا وسمى عدم مراعاة العلم جهلا إما لأنه لم ينتفع به فنزل منزلة الجاهل وإما لجهله بسوء ما تجني عواقب فعله فالفرار المذكور : هو الفرار من الجهلين : من الجهل بالعلم إلى تحصيله اعتقادا ومعرفة وبصيرة ومن جهل العمل إلى السعي النافع والعمل الصالح قصدا وسعيا قوله ومن الكسل إلى التشمير جدا وعزما أي : يفر من إجابة داعي الكسل إلى داعي العمل والتشمير بالجد والاجتهاد و الجد ههنا هو صدق العمل وإخلاصه من شوائب الفتور ووعود التسويف والتهاون وهو تحت السين وسوف وعسى ولعل فهى أضر شىء على العبد وهي شجرة ثمرها الخسران والندامات والفرق بين الجد والعزم : أن العزم صدق الإرادة واستجماعها و الجد صدق العمل وبذل الجهد فيه وقد أمر الله سبحانه وتعالى بتلقى أوامره بالعزم والجد فقال : خذوا ما آتيناكم بقوة البقره : 63 ] وقال : وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة الأعراف : : 145 ] وقال : يا يحيى خذ الكتاب بقوة مريم : 12 ] أي بجد واجتهاد وعزم لا كمن يأخذ ما أمر به بتردد وفتور وقوله : ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء يريد هروب العبد من ضيق صدره بالهموم والغموم والأحزان والمخاوف التي تعتريه في هذه الدار من جهة نفسه وما هو خارج عن نفسه مما يتعلق بأسباب مصالحه ومصالح من يتعلق به وما يتعلق بماله وبدنه وأهله وعدوه يهرب من ضيق صدره بذلك كله إلى سعة فضاء الثقة بالله تبارك وتعالى وصدق التوكل عليه وحسن الرجاء لجميل صنعه به وتوقع المرجو من لطفه وبره ومن أحسن كلام العامة قولهم : لا هم مع الله قال الله تعالى : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب الطلاق : 23 ] قال الربيع بن خثيم : يجعل له مخرجا من كل ما ضاق على الناس وقال أبو العالية : مخرجا من كل شدة وهذا جامع لشدائد الدنيا والآخرة ومضايق الدنيا والآخرة فإن الله يجعل للمتقي من كل ما ضاق على الناس واشتد عليهم فى الدنيا والآخرة مخرجا وقال الحسن : مخرجا مما نهاه عنه ومن يتوكل على الله فهو حسبه الطلاق : 3 ] أي كافي من يثق به فى نوائبه ومهماته يكفيه كل ما أهمه و الحسب الكافي حسبنا الله التوبه : 59 ] كافينا الله وكلما كان العبد حسن الظن بالله حسن الرجاء له صادق التوكل عليه : فإن الله لا يخيب أمله فيه ألبتة فإنه سبحانه لا يخيب أمل آمل ولا يضيع عمل عامل وعبر عن الثقة وحسن الظن بالسعة فإنه لا أشرح للصدر ولا أوسع له بعد الإيمان من ثقته بالله ورجائه له وحسن ظنه به
Section V01/P470–V01/P472İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V01/P470–V01/P472)
Orijinal Metin (AR)فصل قال : وفرار الخاصة من الخبر : إلى الشهود ومن الرسوم : إلى الأصول ومن الحظوظ : إلى التجريد يعني أنهم لا يرضون أن يكون إيمانهم عن مجرد خبر حتى يترقوا منه إلى مشاهدة المخبر عنه فيطلبون الترقى من علم اليقين بالخبر إلى عين اليقين بالشهود كما طلب إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه ذلك من ربه إذ قال : رب أرنى : كيف تحيي الموتى قال : أو لم تؤمن قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي البقره : 260 ] فطلب إبراهيم أن يكون اليقين عيانا والمعلوم مشاهدا وهذا هو المعنى الذي عبر عنه النبيبالشك فى قوله نحن أحق بالشك من إبراهيم حيث قال رب أرني كيف تحيي الموتى وهولم يشك ولا إبراهيم حاشاهما من ذلك وإنما عبر عن هذا المعنى بهذه العبارة هذا أحد الأقوال في الحديث وفيه قول ثان : أنه على وجه النفي أي لم يشك إبراهيم حيث قال ما قال ولم نشك نحن وهذا القول صحيح أيضا أي لو كان ما طلبه للشك لكنا نحن أحق به منه لكن لم يطلب ما طلب شكا وإنما طلب ما طلبه طمأنينة فالمراتب ثلاث علم يقين يحصل عن الخبر ثم تتجلى حقيقة المخبر عنه للقلب أو البصر حتى يصير العلم به عين يقين ثم يباشره ويلابسه فيصير حق يقين فعلمنا بالجنة والنار الآن علم يقين فإذا أزلفت الجنة للمتقين في الموقف وبرزت الجحيم للغاوين وشاهدوهما عيانا كان ذلك عين يقين كما قال تعالى : لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين التكاثر : 67 ] فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فذلك حق اليقين وسنزيد ذلك إيضاحا إن شاء الله تعالى إذا انتهينا إليه وأما قوله : ومن الرسوم إلى الأصول فإنه يريد بالرسوم ظواهر العلم والعمل وبالأصول : حقائق الإيمان ومعاملات القلوب وأذواق الإيمان ووارداته فيفر من إحكام العلم والعمل إلى خشوع السر للعرفان فإن أرباب العزائم في السير لا يقنعون برسوم الأعمال وظواهرها ولا يعتدون إلا بأرواحها وحقائقها وما يثبته لهم التعرف الإلهي وهو نصيبهم من الأمر والتعرف الإلهي لا يقتضي مفارقة الأمر كما يظن قطاع الطريق وزنادقة الصوفية بل يستخرج منهم حقائق الأمر وأسرار العبودية وروح المعاملة فحظهم من الأمر : حظ العالم بمراد المتكلم من كلامه تصريحا وإيماء وتنبيها وإشارة وحظ غيرهم منه : حظ التالي له حفظا بلا فهم ولا معرفة لمراده وهؤلاء أحوج شيء إلى الأمر لأنهم لم يصلوا إلى تلك التعرفات والحقائق إلا به فالمحافظة عليه لهم علما ومعرفة وعملا وحالا ضرورية لا عوض لهم عنه ألبتة وهذا القدر هو الذي فات الزنادقة وقطاع الطريق من المنتسبين إلى طريقة القوم فإنهم لما علموا أن حقائق هذه الأوامر هي المطلوبة وأرواحها لا صورها وأشباحها ورسومها قالوا : نجمع هممنا على مقاصدها وحقائقها ولا حاجة لنا إلى رسومها وظواهرها بل الاشتغال برسومها اشتغال عن الغاية بالوسيلة وعن المطلوب لذاته بالمطلوب لغيره وغرهم ما رأوا فيه الواقفين مع رسوم الأعمال وظواهرها دون مراعاة حقائقها ومقاصدها وأرواحها فرأوا نفوسهم أشرف من نفوس أولئك وهممهم أعلى وأنهم المشتغلون باللب وأولئك بالقشر فتركب من تقصير هؤلاء وعدوان هؤلاء تعطيل وجملة الأمر أن هؤلاء عطلوا سره ومقصوده وحقيقته وهؤلاء عطلوا رسمه وصورته فظنوا أنهم يصلون إلى حقيقته من غير رسمه وظاهره فلم يصلوا إلا إلى الكفر والزندقة وجحدوا ما علم بالضرورة مجيء الرسل به فهؤلاء كفار زنادقة منافقون وأولئك مقصرون غير كاملين والقائمون بهذا وهذا هم الذين يرون أن الأمر متوجه إلى قلوبهم قبل جوارحهم وأن على القلب عبودية في الأمر كما على الجوارح وأن تعطيل عبودية القلب بمنزلة تعطيل عبودية الجوراح وأن كمال العبودية قيام كل من الملك وجنوده بعبوديته : فهؤلاء خواص أهل الإيمان وأهل العلم والعرفان فصل قوله ومن الحظوظ إلى التجريد يريد الفرار من حظوظ النفوس على اختلاف
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)فصل قال : وفرار الخاصة من الخبر : إلى الشهود ومن الرسوم : إلى الأصول ومن الحظوظ : إلى التجريد يعني أنهم لا يرضون أن يكون إيمانهم عن مجرد خبر حتى يترقوا منه إلى مشاهدة المخبر عنه فيطلبون الترقى من علم اليقين بالخبر إلى عين اليقين بالشهود كما طلب إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه ذلك من ربه إذ قال : رب أرنى : كيف تحيي الموتى قال : أو لم تؤمن قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي البقره : 260 ] فطلب إبراهيم أن يكون اليقين عيانا والمعلوم مشاهدا وهذا هو المعنى الذي عبر عنه النبيبالشك فى قوله نحن أحق بالشك من إبراهيم حيث قال رب أرني كيف تحيي الموتى وهولم يشك ولا إبراهيم حاشاهما من ذلك وإنما عبر عن هذا المعنى بهذه العبارة هذا أحد الأقوال في الحديث وفيه قول ثان : أنه على وجه النفي أي لم يشك إبراهيم حيث قال ما قال ولم نشك نحن وهذا القول صحيح أيضا أي لو كان ما طلبه للشك لكنا نحن أحق به منه لكن لم يطلب ما طلب شكا وإنما طلب ما طلبه طمأنينة فالمراتب ثلاث علم يقين يحصل عن الخبر ثم تتجلى حقيقة المخبر عنه للقلب أو البصر حتى يصير العلم به عين يقين ثم يباشره ويلابسه فيصير حق يقين فعلمنا بالجنة والنار الآن علم يقين فإذا أزلفت الجنة للمتقين في الموقف وبرزت الجحيم للغاوين وشاهدوهما عيانا كان ذلك عين يقين كما قال تعالى : لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين التكاثر : 67 ] فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فذلك حق اليقين وسنزيد ذلك إيضاحا إن شاء الله تعالى إذا انتهينا إليه وأما قوله : ومن الرسوم إلى الأصول فإنه يريد بالرسوم ظواهر العلم والعمل وبالأصول : حقائق الإيمان ومعاملات القلوب وأذواق الإيمان ووارداته فيفر من إحكام العلم والعمل إلى خشوع السر للعرفان فإن أرباب العزائم في السير لا يقنعون برسوم الأعمال وظواهرها ولا يعتدون إلا بأرواحها وحقائقها وما يثبته لهم التعرف الإلهي وهو نصيبهم من الأمر والتعرف الإلهي لا يقتضي مفارقة الأمر كما يظن قطاع الطريق وزنادقة الصوفية بل يستخرج منهم حقائق الأمر وأسرار العبودية وروح المعاملة فحظهم من الأمر : حظ العالم بمراد المتكلم من كلامه تصريحا وإيماء وتنبيها وإشارة وحظ غيرهم منه : حظ التالي له حفظا بلا فهم ولا معرفة لمراده وهؤلاء أحوج شيء إلى الأمر لأنهم لم يصلوا إلى تلك التعرفات والحقائق إلا به فالمحافظة عليه لهم علما ومعرفة وعملا وحالا ضرورية لا عوض لهم عنه ألبتة وهذا القدر هو الذي فات الزنادقة وقطاع الطريق من المنتسبين إلى طريقة القوم فإنهم لما علموا أن حقائق هذه الأوامر هي المطلوبة وأرواحها لا صورها وأشباحها ورسومها قالوا : نجمع هممنا على مقاصدها وحقائقها ولا حاجة لنا إلى رسومها وظواهرها بل الاشتغال برسومها اشتغال عن الغاية بالوسيلة وعن المطلوب لذاته بالمطلوب لغيره وغرهم ما رأوا فيه الواقفين مع رسوم الأعمال وظواهرها دون مراعاة حقائقها ومقاصدها وأرواحها فرأوا نفوسهم أشرف من نفوس أولئك وهممهم أعلى وأنهم المشتغلون باللب وأولئك بالقشر فتركب من تقصير هؤلاء وعدوان هؤلاء تعطيل وجملة الأمر أن هؤلاء عطلوا سره ومقصوده وحقيقته وهؤلاء عطلوا رسمه وصورته فظنوا أنهم يصلون إلى حقيقته من غير رسمه وظاهره فلم يصلوا إلا إلى الكفر والزندقة وجحدوا ما علم بالضرورة مجيء الرسل به فهؤلاء كفار زنادقة منافقون وأولئك مقصرون غير كاملين والقائمون بهذا وهذا هم الذين يرون أن الأمر متوجه إلى قلوبهم قبل جوارحهم وأن على القلب عبودية في الأمر كما على الجوارح وأن تعطيل عبودية القلب بمنزلة تعطيل عبودية الجوراح وأن كمال العبودية قيام كل من الملك وجنوده بعبوديته : فهؤلاء خواص أهل الإيمان وأهل العلم والعرفان فصل قوله ومن الحظوظ إلى التجريد يريد الفرار من حظوظ النفوس على اختلاف