Section V01/P503–V01/P507İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V01/P503–V01/P507)
Orijinal Metin (AR)فصل قال : وسماع خاصة الخاصة : سماع ينفي العلل عن الكشف ويصل الأبد إلى الأزل ويرد النهايات إلى الأول فالكشف : هو مكافحة القلب لحقيقة المسموع وعلله أمران أحدهما : الشبه التي تنتفي بهذه المكافحة فلا تبقى معها شبهة فهذا هو عين اليقين والثاني : نفي الوسائط بين السامع والمسموع فيغيب بمسموعه عنها ويفنى عن شهودها ويفنى عن شهود فنائه عنها بحيث يشهده هو المسمع لا الواسطة وهو الهادي فمنه الإسماع ومنه الهداية ومنه الابتداء وإليه الانتهاء وأما وصله الأبد إلى الأزل : فهذا إن أخذ على ظاهره : فهو محال لأن الأبد والأزل متقابلان تقابل التناقض فإيصال أحدهما إلى الآخر عين المحال وإنما مراده : أن ما يكون في الأبد موجودا مشهودا فقد كان في الأزل معلوما مقدرا فعاد حكم الأبد إلى الأزل علما وحقيقة وصار الأزلي أبديا كما كان الأبدى أزليا في العلم والحكم وإيضاح ذلك : أن الأبد ظهر فيه ما كان كامنا في الأزل خافيا فانتهى الأمر كله إلى علمه وحكمه وحكمته وذلك أزلي وهذا رد النهايات إلى الأول فتصير الخاتمة هي عين السابقة والله تعالى هو الأول والآخر وكل ما كان ويكون آخرا فمردود إلى سابق علمه وحكمه فرجع الأبد إلى الأزل والنهايات إلى الأول والله أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الحزن وليست من المنازل المطلوبة ولا المأمور بنزولها وإن كان لا بد للسالك من نزولها ولم يأت الحزن في القرآن إلا منهيا عنه أو منفيا فالمنهي عنه : كقوله تعالى : ولا تهنوا ولا تحزنوا آل عمران : 139 ] وقوله : ولا تحزن عليهم النحل : 127 ] فى غير موضع وقوله : لا تحزن إن الله معنا التوبه : 40 ] والمنفي كقوله : فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون البقره : 38 ] وسر ذلك : أن الحزن موقف غير مسير ولا مصلحة فيه للقلب وأحب شيء إلى الشيطان : أن يحزن العبد ليقطعه عن سيره ويوقفه عن سلوكه قال الله تعالى : إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا المجادله : 10 ] ونهى النبي الثلاثة أن يتناجى اثنان منهم دون الثالث لأن ذلك يحزنه فالحزن ليس بمطلوب ولا مقصود ولا فيه فائدة وقد استعاذ منه النبي فقال اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن فهو قرين الهم والفرق بينهما : أن المكروه الذي يرد على القلب إن كان لما سيتقبل : أورثه الهم وإن كان لما مضى : أورثه الحزن وكلاهما مضعف للقلب عن السير مقتر للعزم ولكن نزول منزلته ضروري بحسب الواقع ولهذا يقول أهل الجنة إذا دخلوها : الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن فاطر : 34 ] فهذا يدل على أنهم كان يصيبهم في الدنيا الحزن كما يصيبهم سائر المصائب التي تجري عليهم بغير اختيارهم وأما قوله تعالى : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت : لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا : أن لا يجدوا ما ينفقون التوبه : 92 ] فلم يمدحوا على نفس الحزن وإنما مدحوا على ما دل عليه الحزن من قوة إيمانهم حيث تخلفوا عن رسول الله لعجزهم عن النفقة ففيه تعريض بالمنافقين الذين لم يحزنوا على تخلفهم بل غبطوا نفوسهم به وأما قوله في الحديث الصحيح : ما يصيب المؤمن من هم ولا نصب ولا حزن إلا كفر الله به من خطاياه فهذا يدل على أنه مصيبة من الله يصيب بها العبد يكفر بها من سيئاته لا يدل على أنه مقام ينبغي طلبه واستيطانه وأما حديث هند بن أبي هالة في صفة النبي : إنه كان متواصل الأحزان فحديث لا يثبت وفي إسناده من لا يعرف وكيف يكون متواصل الأحزان وقد صانه الله عن الحزن على الدنيا وأسبابها ونهاه عن الحزن على الكفار وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فمن أين يأتيه الحزن بل كان دائم البشر ضحوك السن كما في صفته : الضحوك القتال صلوات الله وسلامه عليه وأما الخبر المروي : إن الله يحب كل قلب حزين فلا يعرف إسناده ولا من رواه ولا تعلم صحته وعلى تقدير صحته : فالحزن مصيبة من المصائب التي يبتلي الله بها عبده فإذا ابتلى به العبد فصبر عليه أحب صبره على بلائه وأما الأثر الآخر إذا أحب الله عبدا نصب في قلبه نائحة وإذا أبغض عبدا جعل في قلبه مزمارا فأثر إسرائيلي قيل : إنه فى التوراة وله معنى صحيح فإن المؤمن حزين على ذنوبه والفاجر لاه لاعب مترنم فرح وأما قوله تعالى عن نبيه إسرائيل : وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم يوسف : 84 ] فهو إخبار عن حاله بمصابه بفقد ولده وحبيبه وأنه ابتلاه بذلك كما ابتلاه بالتفريق بينه وبينه وأجمع أرباب السلوك : على أن حزن الدنيا غير محمود إلا أبا عثمان الحيري فإنه قال : الحزن بكل وجه فضيلة وزيادة للمؤمن ما لم يكن بسبب معصية قال : لأنه إن لم يوجب تخصيصا فإنه يوجب تمحيصا فيقال : لا ريب أنه محنة وبلاء من الله بمنزلة المرض والهم والغم وأما أنه من منازل الطريق : فلا والله سبحانه أعلم
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)فصل قال : وسماع خاصة الخاصة : سماع ينفي العلل عن الكشف ويصل الأبد إلى الأزل ويرد النهايات إلى الأول فالكشف : هو مكافحة القلب لحقيقة المسموع وعلله أمران أحدهما : الشبه التي تنتفي بهذه المكافحة فلا تبقى معها شبهة فهذا هو عين اليقين والثاني : نفي الوسائط بين السامع والمسموع فيغيب بمسموعه عنها ويفنى عن شهودها ويفنى عن شهود فنائه عنها بحيث يشهده هو المسمع لا الواسطة وهو الهادي فمنه الإسماع ومنه الهداية ومنه الابتداء وإليه الانتهاء وأما وصله الأبد إلى الأزل : فهذا إن أخذ على ظاهره : فهو محال لأن الأبد والأزل متقابلان تقابل التناقض فإيصال أحدهما إلى الآخر عين المحال وإنما مراده : أن ما يكون في الأبد موجودا مشهودا فقد كان في الأزل معلوما مقدرا فعاد حكم الأبد إلى الأزل علما وحقيقة وصار الأزلي أبديا كما كان الأبدى أزليا في العلم والحكم وإيضاح ذلك : أن الأبد ظهر فيه ما كان كامنا في الأزل خافيا فانتهى الأمر كله إلى علمه وحكمه وحكمته وذلك أزلي وهذا رد النهايات إلى الأول فتصير الخاتمة هي عين السابقة والله تعالى هو الأول والآخر وكل ما كان ويكون آخرا فمردود إلى سابق علمه وحكمه فرجع الأبد إلى الأزل والنهايات إلى الأول والله أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الحزن وليست من المنازل المطلوبة ولا المأمور بنزولها وإن كان لا بد للسالك من نزولها ولم يأت الحزن في القرآن إلا منهيا عنه أو منفيا فالمنهي عنه : كقوله تعالى : ولا تهنوا ولا تحزنوا آل عمران : 139 ] وقوله : ولا تحزن عليهم النحل : 127 ] فى غير موضع وقوله : لا تحزن إن الله معنا التوبه : 40 ] والمنفي كقوله : فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون البقره : 38 ] وسر ذلك : أن الحزن موقف غير مسير ولا مصلحة فيه للقلب وأحب شيء إلى الشيطان : أن يحزن العبد ليقطعه عن سيره ويوقفه عن سلوكه قال الله تعالى : إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا المجادله : 10 ] ونهى النبي الثلاثة أن يتناجى اثنان منهم دون الثالث لأن ذلك يحزنه فالحزن ليس بمطلوب ولا مقصود ولا فيه فائدة وقد استعاذ منه النبي فقال اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن فهو قرين الهم والفرق بينهما : أن المكروه الذي يرد على القلب إن كان لما سيتقبل : أورثه الهم وإن كان لما مضى : أورثه الحزن وكلاهما مضعف للقلب عن السير مقتر للعزم ولكن نزول منزلته ضروري بحسب الواقع ولهذا يقول أهل الجنة إذا دخلوها : الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن فاطر : 34 ] فهذا يدل على أنهم كان يصيبهم في الدنيا الحزن كما يصيبهم سائر المصائب التي تجري عليهم بغير اختيارهم وأما قوله تعالى : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت : لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا : أن لا يجدوا ما ينفقون التوبه : 92 ] فلم يمدحوا على نفس الحزن وإنما مدحوا على ما دل عليه الحزن من قوة إيمانهم حيث تخلفوا عن رسول الله لعجزهم عن النفقة ففيه تعريض بالمنافقين الذين لم يحزنوا على تخلفهم بل غبطوا نفوسهم به وأما قوله في الحديث الصحيح : ما يصيب المؤمن من هم ولا نصب ولا حزن إلا كفر الله به من خطاياه فهذا يدل على أنه مصيبة من الله يصيب بها العبد يكفر بها من سيئاته لا يدل على أنه مقام ينبغي طلبه واستيطانه وأما حديث هند بن أبي هالة في صفة النبي : إنه كان متواصل الأحزان فحديث لا يثبت وفي إسناده من لا يعرف وكيف يكون متواصل الأحزان وقد صانه الله عن الحزن على الدنيا وأسبابها ونهاه عن الحزن على الكفار وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فمن أين يأتيه الحزن بل كان دائم البشر ضحوك السن كما في صفته : الضحوك القتال صلوات الله وسلامه عليه وأما الخبر المروي : إن الله يحب كل قلب حزين فلا يعرف إسناده ولا من رواه ولا تعلم صحته وعلى تقدير صحته : فالحزن مصيبة من المصائب التي يبتلي الله بها عبده فإذا ابتلى به العبد فصبر عليه أحب صبره على بلائه وأما الأثر الآخر إذا أحب الله عبدا نصب في قلبه نائحة وإذا أبغض عبدا جعل في قلبه مزمارا فأثر إسرائيلي قيل : إنه فى التوراة وله معنى صحيح فإن المؤمن حزين على ذنوبه والفاجر لاه لاعب مترنم فرح وأما قوله تعالى عن نبيه إسرائيل : وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم يوسف : 84 ] فهو إخبار عن حاله بمصابه بفقد ولده وحبيبه وأنه ابتلاه بذلك كما ابتلاه بالتفريق بينه وبينه وأجمع أرباب السلوك : على أن حزن الدنيا غير محمود إلا أبا عثمان الحيري فإنه قال : الحزن بكل وجه فضيلة وزيادة للمؤمن ما لم يكن بسبب معصية قال : لأنه إن لم يوجب تخصيصا فإنه يوجب تمحيصا فيقال : لا ريب أنه محنة وبلاء من الله بمنزلة المرض والهم والغم وأما أنه من منازل الطريق : فلا والله سبحانه أعلم
Section V01/P507İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V01/P507)
Orijinal Metin (AR)فصل قال صاحب المنازل رحمه الله : الحزن : توجع لفائت وتأسف على ممتنع
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)فصل قال صاحب المنازل رحمه الله : الحزن : توجع لفائت وتأسف على ممتنع
Section V01/P507–V01/P510İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V01/P507–V01/P510)
Orijinal Metin (AR)يريد : أن ما يفوت الإنسان قد يكون مقدورا له وقد لا يكون فإن كان مقدورا توجع لفوته وإن كان غير مقدور تأسف لامتناعه قال : وله ثلاث درجات الأولى : حزن العامة وهو حزن على التفريط في الخدمة وعلى التورط في الجفاء وعلى ضياع الأيام التفريط في الخدمة عندهم : فوق التفريط في العمل وتضييعه بل هذا الحزن يكون مع القيام والعمل فإن الخدمة عندهم من باب الأخلاق والآداب لا من باب الأفعال وهي حق العبودية وأدبها وواجبها وصاحب هذا الحزن بالأولى : أن يحزن لتضييع العمل وأما التورط في الجفاء : فهو أيضا أخصى من المعصية بارتكاب المحظور لأنه قد يكون لفقد أنس سابق مع الله فإذا توارى عنه تورط في الجفوة فإن الشيخ ذكر الحزن في قسم الأبواب وهو عنده من قسم البدايات وأما تضييع الأيام : فنوعان أيضا تضييعها بخلوها عن الطاعات وتضييعها بخلوها عن مواجيد الإيمان وذوق حلاوته والأنس بالله وحسن الصحبة معه فكل واحد من الثلاثة نوعان لأهل البداية وللسالكين المتوسطين وكلامه يعم النوعين وإن كان بالثاني أخص قال : الدرجة الثانية : حزن أهل الإرادة وهو حزن على تعلق القلب بالتفرقة وعلى اشتغال النفس عن الشهود وعلى التسلي عن الحزن تعلق القلب بالتفرقة : هو عدم الجمعية في الحضور مع الله وتشتيت الخواطر في أودية المرادات وأما اشتغال النفس عن الشهود : فهو نوعان اشتغالها عن الذكر الذي يوجب الشهود ويثمره بغيره والثاني : اشتغالها عن الشهود لضعف الذكر أو لضعف القلب عن الشهود أو لمانع آخر ولكن إذا قهر الشهود النفس لم تتمكن من التشاغل عنه إلا بقاهر يقهرها عنه وأما التسلي عن الحزن : فيعني أن وجود الحزن في القلب دليل على الإرادة والطلب ففقده والتسلي عنه نقص فيحزن على فقد الحزن كما يبكي على فقد البكاء ويخاف من عدم الخوف وهذا فيه نظر وإنما يحمد الحزن على فقد الحزن أما إذا اشتغل عن الحزن بفرح محمود وهو الفرح بفضل الله ورحمته فلا معنى للحزن على فوات الحزن قال : صاحب المنازل وليست الخاصة من مقام الحزن في شيء لأن الحزن فقد والخاصة أهل وجدان وهذا إن أراد به : أنه لا ينبغي لهم تعمد الحزن : فصحيح وإن أراد به : لا يعرض لهم حزن : فليس كذلك والحزن من لوازم الطبيعة ولكن ليس هو بمقام قال : الدرجة الثالثة من الحزن : التحزن للمعارضات دون الخواطر ومعارضات القصود واعتراضات الأحكام هذه ثلاثة أمور بحسب الشهود والإرادة الأول : حزن المعارضات فإن القلب يعترضه وارد الرجاء مثلا فلم ينشب أن يعارضه وارد الخوف وبالعكس ويعترضه وارد البسط فلم ينشب أن يعترضه وارد القبض ويرد عليه وارد الأنس فيعترضه وارد الهيبة فيوجب له اختلاف هذه المعارضات عليه حزنا لا محالة وليست هذه المعارضات من قبيل الخواطر بل هي من قبيل الواردات الإلهية فلذلك قال : دون الخواطر فإن معارضات الخواطر غير هذا وعند القوم : هذا من آثار الأسماء والصفات واتصال أشعة أنوارها بالقلب وهو المسمى عندهم بالتجلي وأما معارضات القصود : فهى أصعب ما على القوم وفيه يظهر اضطرارهم إلى العلم فوق كل ضرورة فإن الصادق يتحرى في سلوكه كله أحب الطرق إلى الله فإنه سالك به وإليه فيعترضه طريقان لا يدري أيهما أرضى لله وأحب إليه فمنهم : من يحكم العلم بجهده استدلالا فإن عجز فتقليدا فإن عجز عنهما سكن ينتظر ما يحكم له به القدر ويخلى باطنه من المقاصد جملة ومنهم : من يلقي الكل على شيخه إن كان له شيخ ومنهم : من يلجأ إلى الاستخارة والدعاء ثم ينتظر ما يجري به القدر وأصحاب العزائم يبذلون وسعهم في طلب الأرضى علما ومعرفة فإن أعجزهم قنعوا بالظن الغالب فإن تساوى عندهم الأمران قدموا أرجحهما مصلحة ولترجيح المصالح رتب متفاوتة فتارة تترجح بعموم النفع وتارة تترجح بزيادة الإيمان وتارة تترجح بمخالفة النفس وتارة تترجح باستجلاب مصلحة أخرى لا تحصل من غيرها وتارة تترجح بأمنها من الخوف من مفسدة لا تؤمن في غيرها فهذه خمس جهات من الترجيح قل أن يعدم واحدة منها فإن أعوزه ذلك كله تخلى عن الخواطر جملة وانتظر ما يحركه به محرك القدر وافتقر إلى ربه افتقار مستنزل ما يرضيه ويحبه فإذا جاءته الحركة استخار الله وافتقر إليه افتقارا ثانيا خشية أن تكون تلك الحركه نفسية أو شيطانية لعدم العصمة في حقه واستمرار المحنة بعدوه ما دام في عالم الابتلاء والامتحان ثم أقدم على الفعل فهذا نهاية ما في مقدور الصادقين ولأهل الجهاد في هذا من الهداية والكشف ما ليس لأهل المجاهدة ولهذا قال الأوزاعي وابن المبارك : إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما عليه أهل الثغر يعني أهل الجهاد فإن الله تعالى يقول : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلناوإن الله لمع المحسنين العنكبوت : 69 ] وأما اعتراضات الأحكام : فيجوز أن يريد بالأحكام الأحكام الكونية وهو أظهر وأن يريد بها الأحكام الدينية فإن أرباب الأحوال يقع منهم اعترضات على الأحكام الجارية عليهم بخلاف ما يريدونه فيحزنون عند إدراكهم لتلك الاعتراضات على ما صدر منهم من سوء الأدب وتلك الاعتراضات هي إرادتهم خلاف ما جرى لهم به القدر فيحزنون على عدم الموافقة وإرادة خلاف ما أريد بهم وإن كان المراد به : الأحكام الدينية : فإنهم تعرض لهم أحوال لا يمكنهم الجمع بينها وبين أحكام الأمر كما تقدم فلا يجدون بدا من القيام بأحكام الأمر ولا بد أن يعرض لهم اعتراض خفي أو جلي بحسب انقطاعهم عن الحال بالأمر فيحزنون لوجود هذه المعارضة فإذا قاموا بأحكام الأمر ورأوا أن المصلحة في حقهم ذلك وحمدوا عاقبته : حزنوا على تسرعهم على المعارضة فالتسليم لداعي العلم واجب ومعارضة الحال من قبيل الإرادات والعلل فيحزن على نفيهما فيه والله أعلم
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)يريد : أن ما يفوت الإنسان قد يكون مقدورا له وقد لا يكون فإن كان مقدورا توجع لفوته وإن كان غير مقدور تأسف لامتناعه قال : وله ثلاث درجات الأولى : حزن العامة وهو حزن على التفريط في الخدمة وعلى التورط في الجفاء وعلى ضياع الأيام التفريط في الخدمة عندهم : فوق التفريط في العمل وتضييعه بل هذا الحزن يكون مع القيام والعمل فإن الخدمة عندهم من باب الأخلاق والآداب لا من باب الأفعال وهي حق العبودية وأدبها وواجبها وصاحب هذا الحزن بالأولى : أن يحزن لتضييع العمل وأما التورط في الجفاء : فهو أيضا أخصى من المعصية بارتكاب المحظور لأنه قد يكون لفقد أنس سابق مع الله فإذا توارى عنه تورط في الجفوة فإن الشيخ ذكر الحزن في قسم الأبواب وهو عنده من قسم البدايات وأما تضييع الأيام : فنوعان أيضا تضييعها بخلوها عن الطاعات وتضييعها بخلوها عن مواجيد الإيمان وذوق حلاوته والأنس بالله وحسن الصحبة معه فكل واحد من الثلاثة نوعان لأهل البداية وللسالكين المتوسطين وكلامه يعم النوعين وإن كان بالثاني أخص قال : الدرجة الثانية : حزن أهل الإرادة وهو حزن على تعلق القلب بالتفرقة وعلى اشتغال النفس عن الشهود وعلى التسلي عن الحزن تعلق القلب بالتفرقة : هو عدم الجمعية في الحضور مع الله وتشتيت الخواطر في أودية المرادات وأما اشتغال النفس عن الشهود : فهو نوعان اشتغالها عن الذكر الذي يوجب الشهود ويثمره بغيره والثاني : اشتغالها عن الشهود لضعف الذكر أو لضعف القلب عن الشهود أو لمانع آخر ولكن إذا قهر الشهود النفس لم تتمكن من التشاغل عنه إلا بقاهر يقهرها عنه وأما التسلي عن الحزن : فيعني أن وجود الحزن في القلب دليل على الإرادة والطلب ففقده والتسلي عنه نقص فيحزن على فقد الحزن كما يبكي على فقد البكاء ويخاف من عدم الخوف وهذا فيه نظر وإنما يحمد الحزن على فقد الحزن أما إذا اشتغل عن الحزن بفرح محمود وهو الفرح بفضل الله ورحمته فلا معنى للحزن على فوات الحزن قال : صاحب المنازل وليست الخاصة من مقام الحزن في شيء لأن الحزن فقد والخاصة أهل وجدان وهذا إن أراد به : أنه لا ينبغي لهم تعمد الحزن : فصحيح وإن أراد به : لا يعرض لهم حزن : فليس كذلك والحزن من لوازم الطبيعة ولكن ليس هو بمقام قال : الدرجة الثالثة من الحزن : التحزن للمعارضات دون الخواطر ومعارضات القصود واعتراضات الأحكام هذه ثلاثة أمور بحسب الشهود والإرادة الأول : حزن المعارضات فإن القلب يعترضه وارد الرجاء مثلا فلم ينشب أن يعارضه وارد الخوف وبالعكس ويعترضه وارد البسط فلم ينشب أن يعترضه وارد القبض ويرد عليه وارد الأنس فيعترضه وارد الهيبة فيوجب له اختلاف هذه المعارضات عليه حزنا لا محالة وليست هذه المعارضات من قبيل الخواطر بل هي من قبيل الواردات الإلهية فلذلك قال : دون الخواطر فإن معارضات الخواطر غير هذا وعند القوم : هذا من آثار الأسماء والصفات واتصال أشعة أنوارها بالقلب وهو المسمى عندهم بالتجلي وأما معارضات القصود : فهى أصعب ما على القوم وفيه يظهر اضطرارهم إلى العلم فوق كل ضرورة فإن الصادق يتحرى في سلوكه كله أحب الطرق إلى الله فإنه سالك به وإليه فيعترضه طريقان لا يدري أيهما أرضى لله وأحب إليه فمنهم : من يحكم العلم بجهده استدلالا فإن عجز فتقليدا فإن عجز عنهما سكن ينتظر ما يحكم له به القدر ويخلى باطنه من المقاصد جملة ومنهم : من يلقي الكل على شيخه إن كان له شيخ ومنهم : من يلجأ إلى الاستخارة والدعاء ثم ينتظر ما يجري به القدر وأصحاب العزائم يبذلون وسعهم في طلب الأرضى علما ومعرفة فإن أعجزهم قنعوا بالظن الغالب فإن تساوى عندهم الأمران قدموا أرجحهما مصلحة ولترجيح المصالح رتب متفاوتة فتارة تترجح بعموم النفع وتارة تترجح بزيادة الإيمان وتارة تترجح بمخالفة النفس وتارة تترجح باستجلاب مصلحة أخرى لا تحصل من غيرها وتارة تترجح بأمنها من الخوف من مفسدة لا تؤمن في غيرها فهذه خمس جهات من الترجيح قل أن يعدم واحدة منها فإن أعوزه ذلك كله تخلى عن الخواطر جملة وانتظر ما يحركه به محرك القدر وافتقر إلى ربه افتقار مستنزل ما يرضيه ويحبه فإذا جاءته الحركة استخار الله وافتقر إليه افتقارا ثانيا خشية أن تكون تلك الحركه نفسية أو شيطانية لعدم العصمة في حقه واستمرار المحنة بعدوه ما دام في عالم الابتلاء والامتحان ثم أقدم على الفعل فهذا نهاية ما في مقدور الصادقين ولأهل الجهاد في هذا من الهداية والكشف ما ليس لأهل المجاهدة ولهذا قال الأوزاعي وابن المبارك : إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما عليه أهل الثغر يعني أهل الجهاد فإن الله تعالى يقول : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلناوإن الله لمع المحسنين العنكبوت : 69 ] وأما اعتراضات الأحكام : فيجوز أن يريد بالأحكام الأحكام الكونية وهو أظهر وأن يريد بها الأحكام الدينية فإن أرباب الأحوال يقع منهم اعترضات على الأحكام الجارية عليهم بخلاف ما يريدونه فيحزنون عند إدراكهم لتلك الاعتراضات على ما صدر منهم من سوء الأدب وتلك الاعتراضات هي إرادتهم خلاف ما جرى لهم به القدر فيحزنون على عدم الموافقة وإرادة خلاف ما أريد بهم وإن كان المراد به : الأحكام الدينية : فإنهم تعرض لهم أحوال لا يمكنهم الجمع بينها وبين أحكام الأمر كما تقدم فلا يجدون بدا من القيام بأحكام الأمر ولا بد أن يعرض لهم اعتراض خفي أو جلي بحسب انقطاعهم عن الحال بالأمر فيحزنون لوجود هذه المعارضة فإذا قاموا بأحكام الأمر ورأوا أن المصلحة في حقهم ذلك وحمدوا عاقبته : حزنوا على تسرعهم على المعارضة فالتسليم لداعي العلم واجب ومعارضة الحال من قبيل الإرادات والعلل فيحزن على نفيهما فيه والله أعلم
Section V01/P510İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V01/P510)
Orijinal Metin (AR)فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الخوف وهى من أجل منازل
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الخوف وهى من أجل منازل
Section V01/P510–V01/P514İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V01/P510–V01/P514)
Orijinal Metin (AR)الطريق وأنفعها للقلب وهي فرض على كل أحد قال الله تعالى فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين وقال تعالى فإياى فارهبون آل عمران : 175 ] وقال فلا تخشوا الناس واخشون المائده : 44 ] ومدح أهله فى كتابه وأثنى عليهم فقال إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون إلى قوله أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون المؤمنون : 5761 وفي المسند والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله قول الله والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة المؤمنون : 60 ] أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق قال : لا يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه قال الحسن : عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم إن المؤمن جمع إحسانا وخشية والمنافق جمع إساءة وأمنا و الوجل و الخوف و الخشية و الرهبة ألفاظ متقاربة غير مترادفة قال أبو القاسم الجنيد : الخوف توقع العقوبة على مجارى الانفاس وقيل : الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف وقيل : الخوف قوة العلم بمجاري الأحكام وهذا سبب الخوف لا أنه نفسه وقيل : الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره و الخشية أخص من الخوف فإن الخشية للعلماء بالله قال الله تعالى : إنما يخشى الله من عباده العلماء فاطر : 28 ] فهي خوف مقرون بمعرفة وقال النبي : إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية فالخوف حركة والخشية انجماع وانقباض وسكون فإن الذي يرى العدو والسيل ونحو ذلك : له حالتان إحداهما : حركة للهرب منه وهي حالة الخوف والثانية : سكونه وقراره في مكان لا يصل إليه فيه وهي الخشية ومنه : انخشى الشيء والمضاعف والمعتل أخوان كتقضي البازي وتقضض وأما الرهبة فهي الإمعان في الهرب من المكروه وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه وبين الرهب والهرب تناسب في اللفظ والمعنى يجمعهما الاشتقاق الأوسط الذي هو عقد تقاليب الكلمة على معنى جامع وأما الوجل فرجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته أو لرؤيته وأما الهيبة : فخوف مقارن للتعظيم والإجلال وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة والإجلال : تعظيم مقرون بالحب فالخوف لعامة المؤمنين والخشية للعلماء العارفين والهيبة للمحبين والإجلال للمقربين وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية كما قال النبي : إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية وفى رواية خوفا وقال لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى فصاحب الخوف : يلتجىء إلى الهرب والإمساك وصاحب الخشية : يلتجىء إلى الاعتصام بالعلم ومثلهما مثل من لا علم له بالطب ومثل الطبيب الحاذق فالأول يلتجىء إلى الحمية والهرب والطبيب يلتجىء إلى معرفته بالأدوية والأدواء قال أبو حفص : الخوف سوط الله يقوم به الشاردين عن بابه وقال : الخوف سراج في القلب به يبصر ما فيه من الخير والشر وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا الله عز وجل فإنك إذ خفته هربت إليه فالخائف هارب من ربه إلى ربه قال أبو سليمان : ما فارق الخوف قلبا إلا خرب وقال إبراهيم بن سفيان : إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها وطرد الدنيا عنها وقال ذو النون : الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف فإذا زال عنهم الخوف ضلوا عن الطريق وقال حاتم الأصم : لا تغتر بمكان صالح فلا مكان أصلح من الجنة ولقى فيها آدم ما لقى ولا تغتر بكثرة العبادة فإن إبليس بعد طول العبادة لقى ما لقى ولا تغتر بكثرة العلم فإن بلعام بن باعورا لقى ما لقى وكان يعرف الاسم الأعظم ولا تغتر بلقاء الصالحين ورؤيتهم فلا شخص أصلح من النبي ولم ينتفع بلقائه أعداؤه والمنافقون والخوف ليس مقصودا لذاته بل هو مقصود لغيره قصد الوسائل ولهذا يزول بزوال المخوف فإن أهل الجنة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون والخوف يتعلق بالأفعال والمحبة تتعلق بالذات والصفات ولهذا تتضاعف محبة المؤمنين لربهم إذا دخلوا دار النعيم ولا يلحقهم فيها خوف ولهذا كانت منزلة المحبة ومقامها أعلى وأرفع من منزلة الخوف ومقامه والخوف المحمود الصادق : ما حال بين صاحبه وبين محارم الله عز وجل فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط قال أبو عثمان : صدق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهرا وباطنا وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : الخوف المحمود : ما حجزك عن محارم الله وقال صاحب المنازل : الخوف : هو الانخلاع من طمأنينة الأمن بمطالعة الخبر يعني الخروج عن سكون الأمن باستحضار ما أخبر الله به من الوعد والوعيد قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : الخوف من العقوبة وهو الخوف الذي يصح به الإيمان وهو خوف العامة وهو يتولد من تصديق الوعيد وذكر الجناية ومراقبة العاقبة الخوف مسبوق بالشعور والعلم فمحال خوف الإنسان مما لا شعور له به وله متعلقان أحدهما : نفس المكروه المحذور وقوعه والثاني : السبب والطريق المفضي إليه فعلى قدر شعوره بإفضاء السبب إلى المخوف وبقدر المخوف : يكون خوفه وما نقص من شعوره بأحد هذين نقص من خوفه بحسبه فمن لم يعتقد أن سبب كذا يفضي إلى محذور كذا : لم يخف من ذلك السبب ومن اعتقد أنه يفضي إلى مكروه ما ولم يعرف قدره : لم يخف منه ذلك الخوف فإذا عرف قدر المخوف وتيقن إفضاء السبب إليه : حصل له الخوف هذا معنى تولده من تصديق الوعيد وذكر الجناية ومراقبة العاقبة وفي مراقبة العاقبة : زيادة استحضار المخوف وجعله نصب عينه بحيث لا ينساه فإنه وإن كان عالما به لكن نسيانه وعدم مراقبته يحول بين القلب وبين الخوف فلذلك كان الخوف علامة صحة الإيمان وترحله من القلب علامة ترحل الإيمان منه والله أعلم
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)الطريق وأنفعها للقلب وهي فرض على كل أحد قال الله تعالى فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين وقال تعالى فإياى فارهبون آل عمران : 175 ] وقال فلا تخشوا الناس واخشون المائده : 44 ] ومدح أهله فى كتابه وأثنى عليهم فقال إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون إلى قوله أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون المؤمنون : 5761 وفي المسند والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله قول الله والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة المؤمنون : 60 ] أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق قال : لا يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه قال الحسن : عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم إن المؤمن جمع إحسانا وخشية والمنافق جمع إساءة وأمنا و الوجل و الخوف و الخشية و الرهبة ألفاظ متقاربة غير مترادفة قال أبو القاسم الجنيد : الخوف توقع العقوبة على مجارى الانفاس وقيل : الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف وقيل : الخوف قوة العلم بمجاري الأحكام وهذا سبب الخوف لا أنه نفسه وقيل : الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره و الخشية أخص من الخوف فإن الخشية للعلماء بالله قال الله تعالى : إنما يخشى الله من عباده العلماء فاطر : 28 ] فهي خوف مقرون بمعرفة وقال النبي : إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية فالخوف حركة والخشية انجماع وانقباض وسكون فإن الذي يرى العدو والسيل ونحو ذلك : له حالتان إحداهما : حركة للهرب منه وهي حالة الخوف والثانية : سكونه وقراره في مكان لا يصل إليه فيه وهي الخشية ومنه : انخشى الشيء والمضاعف والمعتل أخوان كتقضي البازي وتقضض وأما الرهبة فهي الإمعان في الهرب من المكروه وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه وبين الرهب والهرب تناسب في اللفظ والمعنى يجمعهما الاشتقاق الأوسط الذي هو عقد تقاليب الكلمة على معنى جامع وأما الوجل فرجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته أو لرؤيته وأما الهيبة : فخوف مقارن للتعظيم والإجلال وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة والإجلال : تعظيم مقرون بالحب فالخوف لعامة المؤمنين والخشية للعلماء العارفين والهيبة للمحبين والإجلال للمقربين وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية كما قال النبي : إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية وفى رواية خوفا وقال لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى فصاحب الخوف : يلتجىء إلى الهرب والإمساك وصاحب الخشية : يلتجىء إلى الاعتصام بالعلم ومثلهما مثل من لا علم له بالطب ومثل الطبيب الحاذق فالأول يلتجىء إلى الحمية والهرب والطبيب يلتجىء إلى معرفته بالأدوية والأدواء قال أبو حفص : الخوف سوط الله يقوم به الشاردين عن بابه وقال : الخوف سراج في القلب به يبصر ما فيه من الخير والشر وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا الله عز وجل فإنك إذ خفته هربت إليه فالخائف هارب من ربه إلى ربه قال أبو سليمان : ما فارق الخوف قلبا إلا خرب وقال إبراهيم بن سفيان : إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها وطرد الدنيا عنها وقال ذو النون : الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف فإذا زال عنهم الخوف ضلوا عن الطريق وقال حاتم الأصم : لا تغتر بمكان صالح فلا مكان أصلح من الجنة ولقى فيها آدم ما لقى ولا تغتر بكثرة العبادة فإن إبليس بعد طول العبادة لقى ما لقى ولا تغتر بكثرة العلم فإن بلعام بن باعورا لقى ما لقى وكان يعرف الاسم الأعظم ولا تغتر بلقاء الصالحين ورؤيتهم فلا شخص أصلح من النبي ولم ينتفع بلقائه أعداؤه والمنافقون والخوف ليس مقصودا لذاته بل هو مقصود لغيره قصد الوسائل ولهذا يزول بزوال المخوف فإن أهل الجنة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون والخوف يتعلق بالأفعال والمحبة تتعلق بالذات والصفات ولهذا تتضاعف محبة المؤمنين لربهم إذا دخلوا دار النعيم ولا يلحقهم فيها خوف ولهذا كانت منزلة المحبة ومقامها أعلى وأرفع من منزلة الخوف ومقامه والخوف المحمود الصادق : ما حال بين صاحبه وبين محارم الله عز وجل فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط قال أبو عثمان : صدق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهرا وباطنا وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : الخوف المحمود : ما حجزك عن محارم الله وقال صاحب المنازل : الخوف : هو الانخلاع من طمأنينة الأمن بمطالعة الخبر يعني الخروج عن سكون الأمن باستحضار ما أخبر الله به من الوعد والوعيد قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : الخوف من العقوبة وهو الخوف الذي يصح به الإيمان وهو خوف العامة وهو يتولد من تصديق الوعيد وذكر الجناية ومراقبة العاقبة الخوف مسبوق بالشعور والعلم فمحال خوف الإنسان مما لا شعور له به وله متعلقان أحدهما : نفس المكروه المحذور وقوعه والثاني : السبب والطريق المفضي إليه فعلى قدر شعوره بإفضاء السبب إلى المخوف وبقدر المخوف : يكون خوفه وما نقص من شعوره بأحد هذين نقص من خوفه بحسبه فمن لم يعتقد أن سبب كذا يفضي إلى محذور كذا : لم يخف من ذلك السبب ومن اعتقد أنه يفضي إلى مكروه ما ولم يعرف قدره : لم يخف منه ذلك الخوف فإذا عرف قدر المخوف وتيقن إفضاء السبب إليه : حصل له الخوف هذا معنى تولده من تصديق الوعيد وذكر الجناية ومراقبة العاقبة وفي مراقبة العاقبة : زيادة استحضار المخوف وجعله نصب عينه بحيث لا ينساه فإنه وإن كان عالما به لكن نسيانه وعدم مراقبته يحول بين القلب وبين الخوف فلذلك كان الخوف علامة صحة الإيمان وترحله من القلب علامة ترحل الإيمان منه والله أعلم
Section V01/P514–V01/P516İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V01/P514–V01/P516)
Orijinal Metin (AR)فصل قال : الدرجة الثانية : خوف المكر في جريان الأنفاس المستغرقة في اليقظة المشوبة بالحلاوة يريد : أن من حصلت له اليقظة بلا غفلة واستغرقت أنفاسه فيها : استحلى ذلك فإنه لا أحلى من الحضور في اليقظة فإنه ينبغي أن يخاف المكر وأن يسلب هذا الحضور واليقظة والحلاوة فكم من مغبوط بحاله انعكس عليه الحال ورجع من حسن المعاملة إلى قبيح الأعمال فأصبح يقلب كفيه ويضرب باليمين على الشمال بينما بدر أحواله مستنيرا في ليالى التمام إذ أصابه الكسوف فدخل في الظلام فبدل بالأنس وحشة وبالحضور غيبة وبالإقبال إعراضا وبالتقريب إبعادا وبالجمع تفرقة كما قيل : أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر قال : الدرجة الثالثة درجة الخاصة ] وليس في مقام أهل الخصوص وحشة الخوف إلا هيبة الجلال وهي أقصى درجة يشار إليها في غاية الخوف يعني أن وحشة الخوف إنما تكون مع الانقطاع والإساءة وأهل الخصوص أهل وصول إلى الله وقرب منه فليس خوفهم خوف وحشة كخوف المسيئين المنقطعين لأن الله عز وجل معهم بصفة الإقبال عليهم والمحبة لهم وهذا بخلاف هيبة الجلال فإنها متعلقة بذاته وصفاته وكلما كان عبده به أعرف وإليه أقرب كانت هيبته وإجلاله في قلبه أعظم وهي أعلى من درجة خوف العامة قال : وهي هيبة تعارض المكاشف أوقات المناجاة وتصون المسامر أحيان المسامرة وتفصم المعاين بصدمة العزة يعنى أن أكثر ما تكون الهيبة أوقات المناجاة وهو وقت تملق العبد لربه وتضرعه بين يديه واستعطافه والثناء عليه بآلائه وأسمائه وأوصافه أو مناجاته بكلامه هذا هو مراد القوم بالمناجاة وهذه المناجاة : توجب كشف الغطاء بين القلب وبين الرب ورفع الحجاب المانع من مكافحة القلب لأنوار أسمائه وصفاته وتجليها عليه فتعارضه الهيبة في خلال هذه الأوقات فيفيض من عنان مناجاته بحسب قوة واردها وأما صون المسامر أحيان المسامرة : فالمسامرة عندهم : أخص من المناجاة وهي مخاطبة القلب للرب خطاب المحب لمحبوبه فإن لم يقارنها هيبة جلاله أخذت به في الانبساط والإدلال فتجيء الهيبة صائنة للمسامر في مسامرته عن انخلاعه من أدب العبودية وأما فصمها المعاين بصدمة العزة : فإن الفصم هو القطع أي تكاد تقتله وتمحقه بصدمة عزة الربوبية بمعانيها الثلاثة وهي عزة الامتناع وعزة القوة والشدة وعزة السلطان والقهر فإذا صدمت المعاين كادت تفصمه وتمحق أثره إذ لا يقوم لعزة الربوبية شىء والله أعلم فصل القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر فالمحبة رأسه والخوف والرجاء جناحاه فمتى سلم الرأس والجناحان فالطير جيد الطيران ومتى قطع الرأس مات الطائر ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر ولكن السلف استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناج الخوف هذه طريقة أبي سليمان وغيره قال : ينبغى للقلب أن تكون الغالب عليه الخوف فإن غلب عليه الرجاء فسد وقال غيره : أكمل الأحوال : اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحب فالمحبة هى المركب والرجاء حاد والخوف سائق والله الموصل بمنه وكرمه فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الإشفاق
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)فصل قال : الدرجة الثانية : خوف المكر في جريان الأنفاس المستغرقة في اليقظة المشوبة بالحلاوة يريد : أن من حصلت له اليقظة بلا غفلة واستغرقت أنفاسه فيها : استحلى ذلك فإنه لا أحلى من الحضور في اليقظة فإنه ينبغي أن يخاف المكر وأن يسلب هذا الحضور واليقظة والحلاوة فكم من مغبوط بحاله انعكس عليه الحال ورجع من حسن المعاملة إلى قبيح الأعمال فأصبح يقلب كفيه ويضرب باليمين على الشمال بينما بدر أحواله مستنيرا في ليالى التمام إذ أصابه الكسوف فدخل في الظلام فبدل بالأنس وحشة وبالحضور غيبة وبالإقبال إعراضا وبالتقريب إبعادا وبالجمع تفرقة كما قيل : أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر قال : الدرجة الثالثة درجة الخاصة ] وليس في مقام أهل الخصوص وحشة الخوف إلا هيبة الجلال وهي أقصى درجة يشار إليها في غاية الخوف يعني أن وحشة الخوف إنما تكون مع الانقطاع والإساءة وأهل الخصوص أهل وصول إلى الله وقرب منه فليس خوفهم خوف وحشة كخوف المسيئين المنقطعين لأن الله عز وجل معهم بصفة الإقبال عليهم والمحبة لهم وهذا بخلاف هيبة الجلال فإنها متعلقة بذاته وصفاته وكلما كان عبده به أعرف وإليه أقرب كانت هيبته وإجلاله في قلبه أعظم وهي أعلى من درجة خوف العامة قال : وهي هيبة تعارض المكاشف أوقات المناجاة وتصون المسامر أحيان المسامرة وتفصم المعاين بصدمة العزة يعنى أن أكثر ما تكون الهيبة أوقات المناجاة وهو وقت تملق العبد لربه وتضرعه بين يديه واستعطافه والثناء عليه بآلائه وأسمائه وأوصافه أو مناجاته بكلامه هذا هو مراد القوم بالمناجاة وهذه المناجاة : توجب كشف الغطاء بين القلب وبين الرب ورفع الحجاب المانع من مكافحة القلب لأنوار أسمائه وصفاته وتجليها عليه فتعارضه الهيبة في خلال هذه الأوقات فيفيض من عنان مناجاته بحسب قوة واردها وأما صون المسامر أحيان المسامرة : فالمسامرة عندهم : أخص من المناجاة وهي مخاطبة القلب للرب خطاب المحب لمحبوبه فإن لم يقارنها هيبة جلاله أخذت به في الانبساط والإدلال فتجيء الهيبة صائنة للمسامر في مسامرته عن انخلاعه من أدب العبودية وأما فصمها المعاين بصدمة العزة : فإن الفصم هو القطع أي تكاد تقتله وتمحقه بصدمة عزة الربوبية بمعانيها الثلاثة وهي عزة الامتناع وعزة القوة والشدة وعزة السلطان والقهر فإذا صدمت المعاين كادت تفصمه وتمحق أثره إذ لا يقوم لعزة الربوبية شىء والله أعلم فصل القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر فالمحبة رأسه والخوف والرجاء جناحاه فمتى سلم الرأس والجناحان فالطير جيد الطيران ومتى قطع الرأس مات الطائر ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر ولكن السلف استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناج الخوف هذه طريقة أبي سليمان وغيره قال : ينبغى للقلب أن تكون الغالب عليه الخوف فإن غلب عليه الرجاء فسد وقال غيره : أكمل الأحوال : اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحب فالمحبة هى المركب والرجاء حاد والخوف سائق والله الموصل بمنه وكرمه فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الإشفاق
Section V01/P516–V01/P519İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V01/P516–V01/P519)
Orijinal Metin (AR)قال الله تعالى : الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون الأنبياء : 49 ] وقال تعالى : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا : إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم الأنبياء : 2527 الإشفاق رقة الخوف وهو خوف برحمة من الخائف لمن يخاف عليه فنسبته إلى الخوف نسبة الرأفة إلى الرحمة فإنها ألطف الرحمة وأرقها ولهذا قال صاحب المنازل : والإشفاق : دوام الحزن مقرونا بالترحم وهو على ثلاث درجات الأولى : إشفاق على النفس أن تجمح إلى العناد أي تسرع وتذهب إلى طريق الهوى والعصيان ومعاندة العبودية وإشفاق على العمل أن يصير إلى الضياع أي يخاف على عمله أن يكون من الأعمال التي قال الله تعالى فيها : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا الفرقان : 23 ] وهي الأعمال التى كانت لغير الله وعلى غير أمره وسنة رسوله ويخاف أيضا أن يضيع عمله في المستقبل إما بتركه وإما بمعاصى تفرقه وتحبطه فيذهب ضائعا ويكون حال صاحبه كالحال التي قال الله تعالى عن أصحابها أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجرى من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات الآية قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للصحابة رضي الله عنهم فيمن ترون هذه الآية نزلت فقالوا : الله أعلم فغضب عمر وقال : قولوا : نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين قال : يا ابن أخي قل ولا تحقرن نفسك قال ابن عباس : ضربت مثلا لعمل قال عمر : أي عمل قال ابن عباس لعمل قال عمر : لرجل غني يعمل بطاعة الله فبعث الله إليه الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق جميع أعماله قال : وإشفاق على الخليقة لمعرفة معاذيرها هذا قد يوهم نوع تناقض فإنه كيف يشفق مع معرفة العذر وليس بمتناقض فإن الإشفاق كما تقدم خوف مقرون برحمة فيشفق عليهم من جهة مخالفة الأمر والنهي مع نوع رحمة بملاحظة جريان القدر عليهم قال الدرجة الثانية : إشفاق على الوقت : أن يشوبه تفرق أى يحذر على وقته : أن يخالطه ما يفرقه عن الحضور مع الله عز وجل قال : وعلى القلب : أن يزاحمه عارض والعارض المزاحم : إما فترة وإما شبهة وإما شهوة كل سبب يعوق السالك قال وعلى اليقين : أن يداخله سبب هو الطمأنينة إلى من بيده الأسباب كلها فمتى داخل يقينه ركون إلى سبب وتعلق به واطمأن إليه : قدح ذلك في يقينه وليس المراد : قطع الأسباب عن أن تكون أسبابا والإعراض عنها فإن هذا زندقة وكفر ومحال فإن الرسول سبب في حصول الهداية والإيمان والأعمال الصالحة سبب لحصول النجاة ودخول الجنة والكفر سبب لدخول النار والأسباب المشاهدة أسباب لمسبباتها ولكن الذي يريد أن يحذر منه : إضافة يقينه إلى سبب غير الله ولا يتعلق بالأسباب بل يفنى بالمسبب عنها والشيخ ممن يبالغ في إنكار الأسباب ولا يرى وراء الفناء في توحيد الربوبية غاية وكلامه في الدرجة الثالثة في معظم الأبواب : يرجع إلى هذين الأصلين وقد عرفت ما فيهما وأن الصواب خلافهما وهو إثبات الأسباب والقوى وأن الفناء في توحيد الربوبية ليس هو غاية الطريق بل فوقه ما هو أجل منه وأعلى وأشرف ومن هاتين القاعدتين عرض في كتابه من الأمور التي أنكرت عليه ما عرض قال : الدرجة الثالثة : إشفاق يصون سعيه عن العجب ويكف صاحبه عن مخاصمة الخلق ويحمل المريد على حفظ الجد الأول : يتعلق بالعمل والثاني : بالخلق والثالث : بالإرادة وكل منها له ما يفسده فالعجب : يفسد العمل كما يفسده الرياء فيشفق على سعيه من هذا المفسد شفقة تصونه عنه والمخاصمة للخلق : مفسدة للخلق فيشفق على خلقه من هذا المفسد شفقة تصونه عنه والإرادة : يفسدها عدم الجد وهو الهزل واللعب فيشفق على إرادته مما يفسدها فإذا صح له عمله وخلقه وإرادته : استقام سلوكه وقلبه وحاله والله المستعان
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)قال الله تعالى : الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون الأنبياء : 49 ] وقال تعالى : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا : إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم الأنبياء : 2527 الإشفاق رقة الخوف وهو خوف برحمة من الخائف لمن يخاف عليه فنسبته إلى الخوف نسبة الرأفة إلى الرحمة فإنها ألطف الرحمة وأرقها ولهذا قال صاحب المنازل : والإشفاق : دوام الحزن مقرونا بالترحم وهو على ثلاث درجات الأولى : إشفاق على النفس أن تجمح إلى العناد أي تسرع وتذهب إلى طريق الهوى والعصيان ومعاندة العبودية وإشفاق على العمل أن يصير إلى الضياع أي يخاف على عمله أن يكون من الأعمال التي قال الله تعالى فيها : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا الفرقان : 23 ] وهي الأعمال التى كانت لغير الله وعلى غير أمره وسنة رسوله ويخاف أيضا أن يضيع عمله في المستقبل إما بتركه وإما بمعاصى تفرقه وتحبطه فيذهب ضائعا ويكون حال صاحبه كالحال التي قال الله تعالى عن أصحابها أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجرى من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات الآية قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للصحابة رضي الله عنهم فيمن ترون هذه الآية نزلت فقالوا : الله أعلم فغضب عمر وقال : قولوا : نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين قال : يا ابن أخي قل ولا تحقرن نفسك قال ابن عباس : ضربت مثلا لعمل قال عمر : أي عمل قال ابن عباس لعمل قال عمر : لرجل غني يعمل بطاعة الله فبعث الله إليه الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق جميع أعماله قال : وإشفاق على الخليقة لمعرفة معاذيرها هذا قد يوهم نوع تناقض فإنه كيف يشفق مع معرفة العذر وليس بمتناقض فإن الإشفاق كما تقدم خوف مقرون برحمة فيشفق عليهم من جهة مخالفة الأمر والنهي مع نوع رحمة بملاحظة جريان القدر عليهم قال الدرجة الثانية : إشفاق على الوقت : أن يشوبه تفرق أى يحذر على وقته : أن يخالطه ما يفرقه عن الحضور مع الله عز وجل قال : وعلى القلب : أن يزاحمه عارض والعارض المزاحم : إما فترة وإما شبهة وإما شهوة كل سبب يعوق السالك قال وعلى اليقين : أن يداخله سبب هو الطمأنينة إلى من بيده الأسباب كلها فمتى داخل يقينه ركون إلى سبب وتعلق به واطمأن إليه : قدح ذلك في يقينه وليس المراد : قطع الأسباب عن أن تكون أسبابا والإعراض عنها فإن هذا زندقة وكفر ومحال فإن الرسول سبب في حصول الهداية والإيمان والأعمال الصالحة سبب لحصول النجاة ودخول الجنة والكفر سبب لدخول النار والأسباب المشاهدة أسباب لمسبباتها ولكن الذي يريد أن يحذر منه : إضافة يقينه إلى سبب غير الله ولا يتعلق بالأسباب بل يفنى بالمسبب عنها والشيخ ممن يبالغ في إنكار الأسباب ولا يرى وراء الفناء في توحيد الربوبية غاية وكلامه في الدرجة الثالثة في معظم الأبواب : يرجع إلى هذين الأصلين وقد عرفت ما فيهما وأن الصواب خلافهما وهو إثبات الأسباب والقوى وأن الفناء في توحيد الربوبية ليس هو غاية الطريق بل فوقه ما هو أجل منه وأعلى وأشرف ومن هاتين القاعدتين عرض في كتابه من الأمور التي أنكرت عليه ما عرض قال : الدرجة الثالثة : إشفاق يصون سعيه عن العجب ويكف صاحبه عن مخاصمة الخلق ويحمل المريد على حفظ الجد الأول : يتعلق بالعمل والثاني : بالخلق والثالث : بالإرادة وكل منها له ما يفسده فالعجب : يفسد العمل كما يفسده الرياء فيشفق على سعيه من هذا المفسد شفقة تصونه عنه والمخاصمة للخلق : مفسدة للخلق فيشفق على خلقه من هذا المفسد شفقة تصونه عنه والإرادة : يفسدها عدم الجد وهو الهزل واللعب فيشفق على إرادته مما يفسدها فإذا صح له عمله وخلقه وإرادته : استقام سلوكه وقلبه وحاله والله المستعان
Section V01/P519–V01/P521İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V01/P519–V01/P521)
Orijinal Metin (AR)فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الخشوع قال الله تعالى : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق الحديد : 16 ] قال ابن مسعود رضي الله عنه : ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين وقال ابن عباس : إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن وقال تعالى : قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون المؤمنون : 12 ] والخشوع في أصل اللغة : الانخفاض والذل والسكون قال تعالى : وخشعت الأصوات للرحمن طه : 108 ] أي سكنت وذلت وخضعت ومنه وصف الأرض بالخشوع وهو يبسها وانخفاضها وعدم ارتفاعها بالري والنبات قال تعالى : ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليهما الماء اهتزت وربت فصلت : 39 ] و الخشوع قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذل والجمعية عليه وقيل الخشوع الانقياد للحق وهذا من موجبات الخشوع فمن علاماته : أن العبد إذا خولف ورد عليه بالحق استقبل ذلك بالقبول والانقياد وقيل الخشوع خمود نيران الشهوة وسكون دخان الصدور وإشراق نور التعظيم في القلب وقال الجنيد الخشوع تذلل القلوب لعلام الغيوب وأجمع العارفون على أن الخشوع محله القلب وثمرته على الجوارح وهي تظهره رأى النبى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال : لو خشع قلب هدا لخشعت جوارحه وقال النبى التقوى ههنا وأشار إلى صدره ثلاث مرات وقال بعض العارفين : حسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن ورأى بعضهم رجلا خاشع المنكبين والبدن فقال : يا فلان الخشوع ههنا وأشار إلى صدره لا ههنا وأشار إلى منكبيه وكان بعض الصحابة رضى الله عنهم وهو حذيفة يقول إياكم وخشوع النفاق فقيل له : وما خشوع النفاق قال : أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا طأطأ رقبته فى الصلاة فقال يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب ورأت عائشة رضى الله عنها شبابا يمشون ويتماوتون في مشيتهم فقالت لأصحابها : من هؤلاء فقالوا : نساك فقالت : كان عمر بن الخطاب إذا مشى أسرع وإذا قال : أسمع وإذا ضرب : أوجع وإذا أطعم : أشبع وكان هو الناسك حقا وقال الفضيل بن عياض : كان يكره أن يرى الرجل من الخشوع أكثر مما فى قلبه وقال حذيفة رضي الله عنه أول ما تفقدون من دينكم الخشوع وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة ورب مصل لا خير فيه ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيهم خاشعا وقال سهل : من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان فصل قال صاحب المنازل : الخشوع : خمود النفس وهمود الطباع لمتعاظم أو
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الخشوع قال الله تعالى : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق الحديد : 16 ] قال ابن مسعود رضي الله عنه : ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين وقال ابن عباس : إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن وقال تعالى : قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون المؤمنون : 12 ] والخشوع في أصل اللغة : الانخفاض والذل والسكون قال تعالى : وخشعت الأصوات للرحمن طه : 108 ] أي سكنت وذلت وخضعت ومنه وصف الأرض بالخشوع وهو يبسها وانخفاضها وعدم ارتفاعها بالري والنبات قال تعالى : ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليهما الماء اهتزت وربت فصلت : 39 ] و الخشوع قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذل والجمعية عليه وقيل الخشوع الانقياد للحق وهذا من موجبات الخشوع فمن علاماته : أن العبد إذا خولف ورد عليه بالحق استقبل ذلك بالقبول والانقياد وقيل الخشوع خمود نيران الشهوة وسكون دخان الصدور وإشراق نور التعظيم في القلب وقال الجنيد الخشوع تذلل القلوب لعلام الغيوب وأجمع العارفون على أن الخشوع محله القلب وثمرته على الجوارح وهي تظهره رأى النبى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال : لو خشع قلب هدا لخشعت جوارحه وقال النبى التقوى ههنا وأشار إلى صدره ثلاث مرات وقال بعض العارفين : حسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن ورأى بعضهم رجلا خاشع المنكبين والبدن فقال : يا فلان الخشوع ههنا وأشار إلى صدره لا ههنا وأشار إلى منكبيه وكان بعض الصحابة رضى الله عنهم وهو حذيفة يقول إياكم وخشوع النفاق فقيل له : وما خشوع النفاق قال : أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا طأطأ رقبته فى الصلاة فقال يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب ورأت عائشة رضى الله عنها شبابا يمشون ويتماوتون في مشيتهم فقالت لأصحابها : من هؤلاء فقالوا : نساك فقالت : كان عمر بن الخطاب إذا مشى أسرع وإذا قال : أسمع وإذا ضرب : أوجع وإذا أطعم : أشبع وكان هو الناسك حقا وقال الفضيل بن عياض : كان يكره أن يرى الرجل من الخشوع أكثر مما فى قلبه وقال حذيفة رضي الله عنه أول ما تفقدون من دينكم الخشوع وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة ورب مصل لا خير فيه ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيهم خاشعا وقال سهل : من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان فصل قال صاحب المنازل : الخشوع : خمود النفس وهمود الطباع لمتعاظم أو
Section V01/P521–V01/P523İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V01/P521–V01/P523)
Orijinal Metin (AR)مفزع يعنى : انقباض النفس والطبع وهو خمود قوى النفس عن الانبساط لمن له في القلوب عظمة ومهابة أو لما يفزع منه القلب والحق : أن الخشوع معنى يلتئم من التعظيم والمحبة والذل والانكسار قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : التذلل للأمر : والاستسلام للحكم والاتضاع لنظر الحقالتذلل للأمر والاستسلام للحكم والاتضاع لنظر الحق التذلل للأمر : تلقيه بذلة القبول والانقياد والامتثال ومواطأة الظاهر الباطن مع إظهار الضعف والافتقار إلى الهداية للأمر قبل الفعل والإعانة عليه حال الفعل وقبوله بعد الفعل وأما الاستسلام للحكم : فيجوز أن يريد به : الحكم الديني الشرعي فيكون معناه : عدم معارضته برأي أو شهوة ويجوز أن يريد به : الاستسلام للحكم القدري وهو عدم تلقيه بالتسخط والكراهة والاعتراض والحق : أن الخشوع هو الاستسلام للحكمين وهو الانقياد بالمسكنة والذل لأمر الله وقضائه وأما الاتضاع لنظر الحق : فهو اتضاع القلب والجوارح وانكسارها لنظر الرب إليها واطلاعه على تفاصيل ما في القلب والجوارح وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى : ولمن خاف مقام ربه جنتان الرحمن : 46 ] وقوله : وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى النازعات : 40 ] وهو مقام الرب على عبده بالاطلاع والقدرة والربوبية فخوفه من هذا المقام : يوجب له خشوع القلب لا محالة وكلما كان أشد استحضارا له كان أشد خشوعا وإنما يفارق القلب إذا غفل عن اطلاع الله عليه ونظره إليه والتأويل الثاني : أنه مقام العبد بين يدي ربه عند لقائه فعلى الأول : يكون من باب إضافة المصدر إلى الفاعل وعلى الثاني : وهو أليق بالآية يكون من باب إضافة المصدر إلى المخوف والله أعلم فصل قال : الدرجة الثانية : ترقب آفات النفس والعمل ورؤية فضل كل ذي فضل عليك وتنسم نسيم الفناء يريد : انتظار ظهور نقائص نفسك وعملك وعيوبهما من فإنه يجعل القلب خاشعا لا محالة لمطالعة عيوب نفسه وأعماله ونقائصهما : من الكبر والعجب والرياء وضعف الصدق وقلة اليقين وتشتت النية وعدم تجرد الباعث من الهوى نفساني وعدم إيقاع العمل على الوجه الذي ترضاه لربك وغير ذلك من عيوب النفس ومفسدات الأعمال وأما رؤية فضل كل ذي فضل عليك : فهو أن تراعي حقوق الناس فتؤديها ولا ترى أن ما فعلوه من حقوقك عليهم فلا تعاوضهم عليها فإن هذا من رعونات النفس وحماقاتها ولا تطالبهم بحقوق نفسك وتعترف بفضل ذي الفضل منهم وتنسى فضل نفسك وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : العارف لا يرى له على أحد حقا ولا يشهد له على غيره فضلا ولذلك لا يعاتب ولا يطالب ولا يضارب وأما تنسم نسيم الفناء : فلما كان الفناء عنده غاية جعل هذه الدرجة كالنسيم لرقته وعبر عنها بالنسيم للطف موقعه من الروح وشدة تشبثها به ولا ريب أن الخشوع سبب موصل إلى الفناء فاضله ومفضوله فصل قال الدرجة الثالثة : حفظ الحرمة عند المكاشفة وتصفية الوقت من
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)مفزع يعنى : انقباض النفس والطبع وهو خمود قوى النفس عن الانبساط لمن له في القلوب عظمة ومهابة أو لما يفزع منه القلب والحق : أن الخشوع معنى يلتئم من التعظيم والمحبة والذل والانكسار قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : التذلل للأمر : والاستسلام للحكم والاتضاع لنظر الحقالتذلل للأمر والاستسلام للحكم والاتضاع لنظر الحق التذلل للأمر : تلقيه بذلة القبول والانقياد والامتثال ومواطأة الظاهر الباطن مع إظهار الضعف والافتقار إلى الهداية للأمر قبل الفعل والإعانة عليه حال الفعل وقبوله بعد الفعل وأما الاستسلام للحكم : فيجوز أن يريد به : الحكم الديني الشرعي فيكون معناه : عدم معارضته برأي أو شهوة ويجوز أن يريد به : الاستسلام للحكم القدري وهو عدم تلقيه بالتسخط والكراهة والاعتراض والحق : أن الخشوع هو الاستسلام للحكمين وهو الانقياد بالمسكنة والذل لأمر الله وقضائه وأما الاتضاع لنظر الحق : فهو اتضاع القلب والجوارح وانكسارها لنظر الرب إليها واطلاعه على تفاصيل ما في القلب والجوارح وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى : ولمن خاف مقام ربه جنتان الرحمن : 46 ] وقوله : وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى النازعات : 40 ] وهو مقام الرب على عبده بالاطلاع والقدرة والربوبية فخوفه من هذا المقام : يوجب له خشوع القلب لا محالة وكلما كان أشد استحضارا له كان أشد خشوعا وإنما يفارق القلب إذا غفل عن اطلاع الله عليه ونظره إليه والتأويل الثاني : أنه مقام العبد بين يدي ربه عند لقائه فعلى الأول : يكون من باب إضافة المصدر إلى الفاعل وعلى الثاني : وهو أليق بالآية يكون من باب إضافة المصدر إلى المخوف والله أعلم فصل قال : الدرجة الثانية : ترقب آفات النفس والعمل ورؤية فضل كل ذي فضل عليك وتنسم نسيم الفناء يريد : انتظار ظهور نقائص نفسك وعملك وعيوبهما من فإنه يجعل القلب خاشعا لا محالة لمطالعة عيوب نفسه وأعماله ونقائصهما : من الكبر والعجب والرياء وضعف الصدق وقلة اليقين وتشتت النية وعدم تجرد الباعث من الهوى نفساني وعدم إيقاع العمل على الوجه الذي ترضاه لربك وغير ذلك من عيوب النفس ومفسدات الأعمال وأما رؤية فضل كل ذي فضل عليك : فهو أن تراعي حقوق الناس فتؤديها ولا ترى أن ما فعلوه من حقوقك عليهم فلا تعاوضهم عليها فإن هذا من رعونات النفس وحماقاتها ولا تطالبهم بحقوق نفسك وتعترف بفضل ذي الفضل منهم وتنسى فضل نفسك وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : العارف لا يرى له على أحد حقا ولا يشهد له على غيره فضلا ولذلك لا يعاتب ولا يطالب ولا يضارب وأما تنسم نسيم الفناء : فلما كان الفناء عنده غاية جعل هذه الدرجة كالنسيم لرقته وعبر عنها بالنسيم للطف موقعه من الروح وشدة تشبثها به ولا ريب أن الخشوع سبب موصل إلى الفناء فاضله ومفضوله فصل قال الدرجة الثالثة : حفظ الحرمة عند المكاشفة وتصفية الوقت من
Section V01/P523–V01/P524İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn (s. V01/P523–V01/P524)
Orijinal Metin (AR)مراءاة الخلق وتجريد رؤية الفضل أما حفظ الحرمة عند المكاشفة : فهو ضبط النفس بالذل والانكسار عن البسط والإدلال الذي تقتضيه المكاشفة فإن المكاشفة توجب بسطا ويخاف منه شطح إن لم يصحبه خشوع يحفظ الحرمة وأما تصفية الوقت من مراءاة الخلق : فلا يريد به أنه يصفي وقته عن الرياء فإن أصحاب هذه الدرجة أجل قدرا وأعلى من ذلك وإنما المراد : أنه يخفي أحواله عن الخلق جهده كخشوعه وذله وانكساره لئلا يراها الناس فيعجبه اطلاعهم عليها ورؤيتهم لها فيفسد عليه وقته وقلبه وحاله مع الله وكم قد اقتطع في هذه المفازة من سالك والمعصوم من عصمه الله فلا شيء أنفع للصادق من التحقق بالمسكنة والفاقة والذل وأنه لا شيء وأنه ممن لم يصح له بعد الإسلام حتى يدعي الشرف فيه ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه من ذلك أمرا لم أشاهده من غيره وكان يقول كثيرا : ما لي شيء ولا مني شيء ولا في شيء وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت : أنا المكدى وابن المكدى وهكذا كان أبي وجدي وكان إذا أثنى عليه في وجهه يقول : والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت وما أسلمت بعد إسلاما جيدا وبعث إلي في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه : أنا الفقير إلى رب البريات أنا المسيكين فى مجموع حالاتى أنا الظلوم لنفسى وهي ظالمتي والخير إن يأتنا من عنده ياتى لا أستطيع لنفسى جلب منفعة ولا عن النفس لى دفع المضرات وليس لي دونه مولى يدبرني ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتى إلا بإذن من الرحمن خالقنا إلى الشفيع كما قد جاء في الآيات ولست أملك شيئا دونه أبدا ولا شريك أنا فى بعض ذرات ولا ظهير له كي يستعين به كما يكون لأرباب الولايات والفقر لى وصف ذات لازم أبدا كما الغنى أبدا وصف له ذاتي وهذه الحال حال الخلق أجمهم وكلهم عنده عبد له آتى فمن بغى مطلبا من غير خالقه فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي والحمد لله ملء الكون أجمعه ما كان منه وما من بعد قد ياتى وأما تجريد رؤية الفضل : فهو أن لا يرى الفضل والإحسان إلا من الله فهو المان به بلا سبب منك ولا شفيع لك تقدم إليه بالشفاعة ولا وسيلة سبقت منك توسلت بها إلى إحسانه والتجريد : هو تخليص شهود الفضل لوليه حتى لا ينسبه إلى غيره وإلا فهو في نفسه مجرد عن النسبة إلى سواه وإنما الشأن في تجريده في الشهود ليطابق الشهود الحق في نفس الأمر والله أعلم فصل فإن قيل : مما تقولون في صلاة من عدم الخشوع في صلاته :
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)مراءاة الخلق وتجريد رؤية الفضل أما حفظ الحرمة عند المكاشفة : فهو ضبط النفس بالذل والانكسار عن البسط والإدلال الذي تقتضيه المكاشفة فإن المكاشفة توجب بسطا ويخاف منه شطح إن لم يصحبه خشوع يحفظ الحرمة وأما تصفية الوقت من مراءاة الخلق : فلا يريد به أنه يصفي وقته عن الرياء فإن أصحاب هذه الدرجة أجل قدرا وأعلى من ذلك وإنما المراد : أنه يخفي أحواله عن الخلق جهده كخشوعه وذله وانكساره لئلا يراها الناس فيعجبه اطلاعهم عليها ورؤيتهم لها فيفسد عليه وقته وقلبه وحاله مع الله وكم قد اقتطع في هذه المفازة من سالك والمعصوم من عصمه الله فلا شيء أنفع للصادق من التحقق بالمسكنة والفاقة والذل وأنه لا شيء وأنه ممن لم يصح له بعد الإسلام حتى يدعي الشرف فيه ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه من ذلك أمرا لم أشاهده من غيره وكان يقول كثيرا : ما لي شيء ولا مني شيء ولا في شيء وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت : أنا المكدى وابن المكدى وهكذا كان أبي وجدي وكان إذا أثنى عليه في وجهه يقول : والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت وما أسلمت بعد إسلاما جيدا وبعث إلي في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه : أنا الفقير إلى رب البريات أنا المسيكين فى مجموع حالاتى أنا الظلوم لنفسى وهي ظالمتي والخير إن يأتنا من عنده ياتى لا أستطيع لنفسى جلب منفعة ولا عن النفس لى دفع المضرات وليس لي دونه مولى يدبرني ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتى إلا بإذن من الرحمن خالقنا إلى الشفيع كما قد جاء في الآيات ولست أملك شيئا دونه أبدا ولا شريك أنا فى بعض ذرات ولا ظهير له كي يستعين به كما يكون لأرباب الولايات والفقر لى وصف ذات لازم أبدا كما الغنى أبدا وصف له ذاتي وهذه الحال حال الخلق أجمهم وكلهم عنده عبد له آتى فمن بغى مطلبا من غير خالقه فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي والحمد لله ملء الكون أجمعه ما كان منه وما من بعد قد ياتى وأما تجريد رؤية الفضل : فهو أن لا يرى الفضل والإحسان إلا من الله فهو المان به بلا سبب منك ولا شفيع لك تقدم إليه بالشفاعة ولا وسيلة سبقت منك توسلت بها إلى إحسانه والتجريد : هو تخليص شهود الفضل لوليه حتى لا ينسبه إلى غيره وإلا فهو في نفسه مجرد عن النسبة إلى سواه وإنما الشأن في تجريده في الشهود ليطابق الشهود الحق في نفس الأمر والله أعلم فصل فإن قيل : مما تقولون في صلاة من عدم الخشوع في صلاته :