Qur'an&Sunnahالقرآن

Fakhr al-Din al-Razi - Mafatih al-Ghayb (The Great Commentary)

Fakhr al-Din Muhammad ibn Umar al-Razi · AR

Section V16/P041–V16/P042Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V16/P041–V16/P042)
Orijinal Metin (AR)

/ وأما قوله : { منها أربعة حرم } فقد أجمعوا على أن هذه الأربعة ثلاثة منها سرد ، وهي ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، وواحد فرد ، وهو رجب ، ومعنى الحرم : أن المعصية فيها أشد عقابا ، والطاعة فيها أكثر ثوابا ، والعرب كانوا يعظمونها جدا حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه لم يتعرض له . فإن قيل : أجزاء الزمان متشابهة في الحقيقة ، فما السبب في هذا التمييز ؟ . قلنا : إن هذا المعنى غير مستبعد في الشرائع ، فإن أمثلته كثيرة . ألا ترى أنه تعالى ميز البلد الحرام عن سائر البلاد بمزيد الحرمة ، وميز يوم الجمعة عن سائر أيام الأسبوع بمزيد الحرمة ، وميز يوم عرفة عن سائر الأيام بتلك العبادة المخصوصة ، وميز شهر رمضان عن سائر الشهور بمزيد حرمة وهو وجوب الصوم . وميز بعض ساعات اليوم بوجوب الصلاة فيها . وميز بعض الليالي عن سائرها وهي ليلة القدر / وميز بعض الأشخاص عن سائر الناس بإعطاء خلعة الرسالة . وإذا كانت هذه الأمثلة ظاهرة مشهورة ، فأي استبعاد في تخصيص بعض الأشهر بمزيد الحرمة ، ثم نقول : لا يبعد أن يعلم الله تعالى أن وقوع الطاعة في هذه الأوقات أكثر تأثيرا في طهارة النفس ، ووقوع المعاصي فيها أقوى تأثيرا في خبث النفس ، وهذا غير مستبعد عند الحكماء ، ألا ترى أن فيهم من صنف كتبا في الأوقات التي ترجى فيها إجابة الدعوات ، وذكروا أن تلك الأوقات المعينة حصلت فيها أسباب توجب ذلك . وسئل النبي عليه الصلاة والسلام : أي الصيام أفضل ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ( أفضله بعد صيام شهر رمضان صيام شهر الله المحرم ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( من صام يوما من أشهر الله الحرم كان له بكل يوم ثلاثون يوما ) وكثير من الفقهاء غلظوا الدية على القاتل بسبب وقوع القتل في هذه الاشهر ، وفيه فائدة أخرى : وهي أن الطباع مجبولة على الظلم والفساد وامتناعهم من هذه القبائح على الإطلاق شاق عليهم ، فالله سبحانه وتعالى خص بعض الأوقات بمزيد التعظيم والاحترام ، وخص بعض الأماكن بمزيد التعظيم والاحترام ، حتى أن الإنسان ربما امتنع في تلك الأزمنة وفي تلك الأمكنة من القبائح والمنكرات ، وذلك يوجب أنواعا من الفضائل والفوائد : أحدها : أن ترك تلك القبائح في تلك الأوقات أمر مطلوب ، لأنه يقل القبائح . وثانيها : أنه لما تركها في تلك الأوقات فربما صار تركه لها في تلك الأوقات سببا لميل طبعه إلى الإعراض عنها مطلقا . وثالثها : أن الإنسان إذا أتى بالطاعات في تلك الأوقات وأعرض عن المعاصي فيها ، فبعد انقضاء تلك الأوقات لو شرع في القبائح والمعاصي صار شروعه فيها سببا لبطلان ما تحمله من العناء والمشقة في أداء تلك الطاعات في تلك الأوقات ، والظاهر من حال العاقل أن لا يرضى بذلك فيصير ذلك سببا لاجتنابه عن المعاصي بالكلية ، فهذا هو الحكمة في تخصيص بعض الأوقات وبعض / البقاع بمزيد التعظيم والاحترام . ثم قال تعالى : { ذالك الدين القيم } وفيه بحثان : البحث الأول : أن قوله : { ذالك } إشارة إلى قوله : { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا } لا أزيد ولا أنقص أو إلى قوله : { منها أربعة حرم } وعندي أن الأول أولى ، لأن الكفار سلموا أن أربعة منها حرم ، إلا أنهم بسبب الكبسة ربما جعلوا السنة ثلاثة عشر شهرا ، وكانوا يغيرون مواقع الشهور ، والمقصود من هذه الآية الرد على هؤلاء ، فوجب حمل اللفظ عليه .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

/ وأما قوله : { منها أربعة حرم } فقد أجمعوا على أن هذه الأربعة ثلاثة منها سرد ، وهي ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، وواحد فرد ، وهو رجب ، ومعنى الحرم : أن المعصية فيها أشد عقابا ، والطاعة فيها أكثر ثوابا ، والعرب كانوا يعظمونها جدا حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه لم يتعرض له . فإن قيل : أجزاء الزمان متشابهة في الحقيقة ، فما السبب في هذا التمييز ؟ . قلنا : إن هذا المعنى غير مستبعد في الشرائع ، فإن أمثلته كثيرة . ألا ترى أنه تعالى ميز البلد الحرام عن سائر البلاد بمزيد الحرمة ، وميز يوم الجمعة عن سائر أيام الأسبوع بمزيد الحرمة ، وميز يوم عرفة عن سائر الأيام بتلك العبادة المخصوصة ، وميز شهر رمضان عن سائر الشهور بمزيد حرمة وهو وجوب الصوم . وميز بعض ساعات اليوم بوجوب الصلاة فيها . وميز بعض الليالي عن سائرها وهي ليلة القدر / وميز بعض الأشخاص عن سائر الناس بإعطاء خلعة الرسالة . وإذا كانت هذه الأمثلة ظاهرة مشهورة ، فأي استبعاد في تخصيص بعض الأشهر بمزيد الحرمة ، ثم نقول : لا يبعد أن يعلم الله تعالى أن وقوع الطاعة في هذه الأوقات أكثر تأثيرا في طهارة النفس ، ووقوع المعاصي فيها أقوى تأثيرا في خبث النفس ، وهذا غير مستبعد عند الحكماء ، ألا ترى أن فيهم من صنف كتبا في الأوقات التي ترجى فيها إجابة الدعوات ، وذكروا أن تلك الأوقات المعينة حصلت فيها أسباب توجب ذلك . وسئل النبي عليه الصلاة والسلام : أي الصيام أفضل ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ( أفضله بعد صيام شهر رمضان صيام شهر الله المحرم ) وقال عليه الصلاة والسلام : ( من صام يوما من أشهر الله الحرم كان له بكل يوم ثلاثون يوما ) وكثير من الفقهاء غلظوا الدية على القاتل بسبب وقوع القتل في هذه الاشهر ، وفيه فائدة أخرى : وهي أن الطباع مجبولة على الظلم والفساد وامتناعهم من هذه القبائح على الإطلاق شاق عليهم ، فالله سبحانه وتعالى خص بعض الأوقات بمزيد التعظيم والاحترام ، وخص بعض الأماكن بمزيد التعظيم والاحترام ، حتى أن الإنسان ربما امتنع في تلك الأزمنة وفي تلك الأمكنة من القبائح والمنكرات ، وذلك يوجب أنواعا من الفضائل والفوائد : أحدها : أن ترك تلك القبائح في تلك الأوقات أمر مطلوب ، لأنه يقل القبائح . وثانيها : أنه لما تركها في تلك الأوقات فربما صار تركه لها في تلك الأوقات سببا لميل طبعه إلى الإعراض عنها مطلقا . وثالثها : أن الإنسان إذا أتى بالطاعات في تلك الأوقات وأعرض عن المعاصي فيها ، فبعد انقضاء تلك الأوقات لو شرع في القبائح والمعاصي صار شروعه فيها سببا لبطلان ما تحمله من العناء والمشقة في أداء تلك الطاعات في تلك الأوقات ، والظاهر من حال العاقل أن لا يرضى بذلك فيصير ذلك سببا لاجتنابه عن المعاصي بالكلية ، فهذا هو الحكمة في تخصيص بعض الأوقات وبعض / البقاع بمزيد التعظيم والاحترام . ثم قال تعالى : { ذالك الدين القيم } وفيه بحثان : البحث الأول : أن قوله : { ذالك } إشارة إلى قوله : { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا } لا أزيد ولا أنقص أو إلى قوله : { منها أربعة حرم } وعندي أن الأول أولى ، لأن الكفار سلموا أن أربعة منها حرم ، إلا أنهم بسبب الكبسة ربما جعلوا السنة ثلاثة عشر شهرا ، وكانوا يغيرون مواقع الشهور ، والمقصود من هذه الآية الرد على هؤلاء ، فوجب حمل اللفظ عليه .

Section V16/P042–V16/P043Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V16/P042–V16/P043)
Orijinal Metin (AR)

البحث الثاني : في تفسير لفظ الدين وجوه : الأول : أن الدين قد يراد به الحساب . يقال : الكيس من دان نفسه أي حاسبها ، والقيم معناه المستقيم . فتفسير الآية على هذا التقدير ، ذلك الحساب المستقيم الصحيح والعدل المستوفى . الثاني : قال الحسن : ذلك الذين القيم الذي لا يبدل ولا يغير ، فالقيم ههنا بمعنى القائم الذي لا يبدل ولا يغير ، الدائم الذي لا يزول ، وهو الدين الذي فطر الناس عليه . الثالث : قال بعضهم : المراد أن هذا التعبد هو الدين اللازم في الإسلام . وقال القاضي : حمل لفظ الدين على العبادة أولى من حمله على الحساب ، لأنه مجاز فيه ، ويمكن أن يقال : الأصل في لفظ الدين الانقياد . يقال : يا من دانت له الرقاب ، أي انقادت ، فالحساب يسمى دينا ، لأنه يوجب الانقياد ، والعدة تسمى دينا ، فلم يكن حمل هذا اللفظ على التعبد أولى من حمله على الحساب . قال أهل العلم : الواجب على المسلمين بحكم هذه الآية أن يعتبروا في بيوعهم ومدد ديونهم وأحوال زكواتهم وسائر أحكامهم السنة العربية بالأهلة ، ولا يجوز لهم اعتبار السنة العجمية والرومية . ثم قال تعالى : { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } وفيه بحثان : البحث الأول : الضمير في قوله : { فيهن } فيه قولان : الأول : وهو قول ابن عباس : أن المراد : فلا تظلموا في الشهور الإثني عشر أنفسكم ، والمقصود منع الإنسان من الإقدام على الفساد مطلقا في جميع العمر . والثاني : وهو قول الأكثرين : أن الضمير في قوله : { فيهن } عائد إلى الأربعة الحرم . قالوا : والسبب فيه ما ذكرنا أن لبعض الأوقات أثرا في زيادة الثواب على الطاعات والعقاب على المحظورات ، والدليل على أن هذا القول أولى وجوه : الأول : أن الضمير في قوله : { فيهن } عائد إلى المذكور السابق . فوجب عوده إلى أقرب المذكورات ، وما ذاك إلا قوله : { منها أربعة حرم } الثاني : أن الله تعالى خص هذه الأشهر بمزيد الاحترام في آية أخرى وهو قوله : { الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } فهذه الأشياء غير جائزة في غير الحج أيضا ، إلا أنه تعالى أكد في المنع منها في هذه الأيام تنبيها على زيادتها في الشرف . / الثالث : قال الفراء : الأولى رجوعها إلى الأربعة ، لأن العرب تقول فيما بين الثلاثة إلى العشرة { فيهن } فإذا جاوز هذا العدد قالوا فيها : والأصل فيه أن جمع القلة يكنى عنه كما يكنى عن جماعة مؤنثة ، ويكنى عن جمع الكثرة ، كما يكنى عن واحدة مؤنثة ، كما قال حسان بن ثابت : لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما قال : يلمعن ويقطرن ، لأن الأسياف والجفنات جمع قلة ، ولو جمع جمع الكثرة لقال : تلمع وتقطر ، هذا هو الاختيار ، ثم يجوز إجراء أحدهما مجرى الآخر كقول النابغة : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب فقال بهن والسيوف جمع كثرة . البحث الثاني : في تفسير هذا الظلم أقوال : الأول : المراد منه النسىء الذي كانوا يعملونه فينقلون الحج من الشهر الذي أمر الله بإقامته فيه إلى شهر آخر ، ويغيرون تكاليف الله تعالى . والثاني : أنه نهى عن المقاتلة في هذه الأشهر . والثالث : أنه نهى عن جميع المعاصي بسبب ما ذكرنا أن لهذه الأشهر مزيد أثر في تعظيم الثواب والعقاب ، والأقرب عندي حمله على المنع من النسىء ، لأن الله تعالى ذكره عقيب الآية . ثم قال : { وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة } وفيه مباحث :

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البحث الثاني : في تفسير لفظ الدين وجوه : الأول : أن الدين قد يراد به الحساب . يقال : الكيس من دان نفسه أي حاسبها ، والقيم معناه المستقيم . فتفسير الآية على هذا التقدير ، ذلك الحساب المستقيم الصحيح والعدل المستوفى . الثاني : قال الحسن : ذلك الذين القيم الذي لا يبدل ولا يغير ، فالقيم ههنا بمعنى القائم الذي لا يبدل ولا يغير ، الدائم الذي لا يزول ، وهو الدين الذي فطر الناس عليه . الثالث : قال بعضهم : المراد أن هذا التعبد هو الدين اللازم في الإسلام . وقال القاضي : حمل لفظ الدين على العبادة أولى من حمله على الحساب ، لأنه مجاز فيه ، ويمكن أن يقال : الأصل في لفظ الدين الانقياد . يقال : يا من دانت له الرقاب ، أي انقادت ، فالحساب يسمى دينا ، لأنه يوجب الانقياد ، والعدة تسمى دينا ، فلم يكن حمل هذا اللفظ على التعبد أولى من حمله على الحساب . قال أهل العلم : الواجب على المسلمين بحكم هذه الآية أن يعتبروا في بيوعهم ومدد ديونهم وأحوال زكواتهم وسائر أحكامهم السنة العربية بالأهلة ، ولا يجوز لهم اعتبار السنة العجمية والرومية . ثم قال تعالى : { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } وفيه بحثان : البحث الأول : الضمير في قوله : { فيهن } فيه قولان : الأول : وهو قول ابن عباس : أن المراد : فلا تظلموا في الشهور الإثني عشر أنفسكم ، والمقصود منع الإنسان من الإقدام على الفساد مطلقا في جميع العمر . والثاني : وهو قول الأكثرين : أن الضمير في قوله : { فيهن } عائد إلى الأربعة الحرم . قالوا : والسبب فيه ما ذكرنا أن لبعض الأوقات أثرا في زيادة الثواب على الطاعات والعقاب على المحظورات ، والدليل على أن هذا القول أولى وجوه : الأول : أن الضمير في قوله : { فيهن } عائد إلى المذكور السابق . فوجب عوده إلى أقرب المذكورات ، وما ذاك إلا قوله : { منها أربعة حرم } الثاني : أن الله تعالى خص هذه الأشهر بمزيد الاحترام في آية أخرى وهو قوله : { الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } فهذه الأشياء غير جائزة في غير الحج أيضا ، إلا أنه تعالى أكد في المنع منها في هذه الأيام تنبيها على زيادتها في الشرف . / الثالث : قال الفراء : الأولى رجوعها إلى الأربعة ، لأن العرب تقول فيما بين الثلاثة إلى العشرة { فيهن } فإذا جاوز هذا العدد قالوا فيها : والأصل فيه أن جمع القلة يكنى عنه كما يكنى عن جماعة مؤنثة ، ويكنى عن جمع الكثرة ، كما يكنى عن واحدة مؤنثة ، كما قال حسان بن ثابت : لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما قال : يلمعن ويقطرن ، لأن الأسياف والجفنات جمع قلة ، ولو جمع جمع الكثرة لقال : تلمع وتقطر ، هذا هو الاختيار ، ثم يجوز إجراء أحدهما مجرى الآخر كقول النابغة : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب فقال بهن والسيوف جمع كثرة . البحث الثاني : في تفسير هذا الظلم أقوال : الأول : المراد منه النسىء الذي كانوا يعملونه فينقلون الحج من الشهر الذي أمر الله بإقامته فيه إلى شهر آخر ، ويغيرون تكاليف الله تعالى . والثاني : أنه نهى عن المقاتلة في هذه الأشهر . والثالث : أنه نهى عن جميع المعاصي بسبب ما ذكرنا أن لهذه الأشهر مزيد أثر في تعظيم الثواب والعقاب ، والأقرب عندي حمله على المنع من النسىء ، لأن الله تعالى ذكره عقيب الآية . ثم قال : { وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة } وفيه مباحث :

Section V16/P043–V16/P044Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V16/P043–V16/P044)
Orijinal Metin (AR)

البحث الأول : قال الفراء : { كافة } أي جميعا ، والكافة لا تكون مذكرة ولا مجموعة على عدد الرجال فنقول : كافين ، أو كافات للنساء ولكنها { كافة } بالهاء والتوحيد ، لأنها وإن كانت على لفظ فاعلة فإنها في ترتيب مصدر مثل الخاصة والعامة ، ولذلك لم تدخل العرب فيها الألف واللام ، لأنها في مذهب قولك قاموا معا ، وقاموا جميعا . وقال الزجاج : كافة منصوب على الحال ، ولا يجوز أن يثنى ولا يجمع ، كما أنك إذا قلت : قاتلوهم عامة ، لم تثن ولم تجمع ، وكذلك خاصة . البحث الثاني : في قوله : { كافة } قولان : الأول : أن يكون المراد قاتلوهم بأجمعهم مجتمعين على قتالهم ، كما أنهم يقاتلونكم على هذه الصفة ، يريد تعاونوا وتناصروا على ذلك ولا تتخاذلوا ولا تتقاطعوا وكونوا عباد الله مجتمعين متوافقين في مقاتلة الأعداء . والثاني : قال ابن عباس : قاتلوهم بكليتهم ولا تحابوا بعضهم بترك القتال ، كما أنهم يستحلون قتال جميعكم ، والقول الأول أقرب حتى يصح قياس أحد الجانبين على الآخر . البحث الثالث : ظاهر قوله : { قاتلوا المشركين كافة } إباحة قتالهم في جميع الأشهر / ومن الناس من يقول : المقاتلة مع الكفار محرمة ، بدليل قوله : { منها أربعة حرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم } أي فلا / تظلموا فيهن أنفسكم باستحلال القتال والغارة فيهن ، وقد ذكرنا هذه المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله : { يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه } ( البقرة : 217 ) . ثم قال : { واعلموا أن الله مع المتقين } يريد مع أوليائه الذين يخشونه في أداء الطاعات والاجتناب عن المحرمات . قال الزجاج : تأويله أنه ضامن لهم النصر . ! 7 < { إنما النسىء زيادة فى الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين } . > 7 < التوبة : ( 37 ) إنما النسيء زيادة . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في { النسىء } قولان : القول الأول : أنه التأخير . قال أبو زيد : نسأت الإبل عن الحوض أنسأها نسأ إذا أخرتها وأنسأته إنساء إذا أخرته عنه ، والاسم النسيئة والنسء ، ومنه : أنسأ الله فلانا أجله ، ونسأ في أجله قال أبو علي الفارسي : النسىء مصدر كالنذير والنكير ، ويحتمل أيضا أن يكون نسىء بمعنى منسوء كقتيل : بمعنى مقتول ، إلا أنه لا يمكن أن يكون المراد منه ههنا المفعول ، لأنه إن حمل على ذلك كان معناه : إنما المؤخر زيادة في الكفر ، والمؤخر الشهر ، فيلزم كون الشهر كفرا ، وذلك باطل ، بل المراد من النسيء ههنا المصدر بمعنى الإنساء ، وهو التأخير . وكان النسىء في الشهور عبارة عن تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر ، ليست له تلك الحرمة . وروي عن ابن كثير من طريق شبل : النسء بوزن النفع وهو المصدر الحقيقي ، كقولهم : نسأت ، أي أخرت وروي عنه أيضا : النسىء مخففة الياء ، ولعله لغة في النسء بالهمزة مثل : أرجيت وأرجأت . وروي عنه : النسي مشدد الياء بغير همزة وهذا على التخفيف القياسي .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البحث الأول : قال الفراء : { كافة } أي جميعا ، والكافة لا تكون مذكرة ولا مجموعة على عدد الرجال فنقول : كافين ، أو كافات للنساء ولكنها { كافة } بالهاء والتوحيد ، لأنها وإن كانت على لفظ فاعلة فإنها في ترتيب مصدر مثل الخاصة والعامة ، ولذلك لم تدخل العرب فيها الألف واللام ، لأنها في مذهب قولك قاموا معا ، وقاموا جميعا . وقال الزجاج : كافة منصوب على الحال ، ولا يجوز أن يثنى ولا يجمع ، كما أنك إذا قلت : قاتلوهم عامة ، لم تثن ولم تجمع ، وكذلك خاصة . البحث الثاني : في قوله : { كافة } قولان : الأول : أن يكون المراد قاتلوهم بأجمعهم مجتمعين على قتالهم ، كما أنهم يقاتلونكم على هذه الصفة ، يريد تعاونوا وتناصروا على ذلك ولا تتخاذلوا ولا تتقاطعوا وكونوا عباد الله مجتمعين متوافقين في مقاتلة الأعداء . والثاني : قال ابن عباس : قاتلوهم بكليتهم ولا تحابوا بعضهم بترك القتال ، كما أنهم يستحلون قتال جميعكم ، والقول الأول أقرب حتى يصح قياس أحد الجانبين على الآخر . البحث الثالث : ظاهر قوله : { قاتلوا المشركين كافة } إباحة قتالهم في جميع الأشهر / ومن الناس من يقول : المقاتلة مع الكفار محرمة ، بدليل قوله : { منها أربعة حرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم } أي فلا / تظلموا فيهن أنفسكم باستحلال القتال والغارة فيهن ، وقد ذكرنا هذه المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله : { يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه } ( البقرة : 217 ) . ثم قال : { واعلموا أن الله مع المتقين } يريد مع أوليائه الذين يخشونه في أداء الطاعات والاجتناب عن المحرمات . قال الزجاج : تأويله أنه ضامن لهم النصر . ! 7 < { إنما النسىء زيادة فى الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين } . > 7 < التوبة : ( 37 ) إنما النسيء زيادة . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في { النسىء } قولان : القول الأول : أنه التأخير . قال أبو زيد : نسأت الإبل عن الحوض أنسأها نسأ إذا أخرتها وأنسأته إنساء إذا أخرته عنه ، والاسم النسيئة والنسء ، ومنه : أنسأ الله فلانا أجله ، ونسأ في أجله قال أبو علي الفارسي : النسىء مصدر كالنذير والنكير ، ويحتمل أيضا أن يكون نسىء بمعنى منسوء كقتيل : بمعنى مقتول ، إلا أنه لا يمكن أن يكون المراد منه ههنا المفعول ، لأنه إن حمل على ذلك كان معناه : إنما المؤخر زيادة في الكفر ، والمؤخر الشهر ، فيلزم كون الشهر كفرا ، وذلك باطل ، بل المراد من النسيء ههنا المصدر بمعنى الإنساء ، وهو التأخير . وكان النسىء في الشهور عبارة عن تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر ، ليست له تلك الحرمة . وروي عن ابن كثير من طريق شبل : النسء بوزن النفع وهو المصدر الحقيقي ، كقولهم : نسأت ، أي أخرت وروي عنه أيضا : النسىء مخففة الياء ، ولعله لغة في النسء بالهمزة مثل : أرجيت وأرجأت . وروي عنه : النسي مشدد الياء بغير همزة وهذا على التخفيف القياسي .

Section V16/P044–V16/P045Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V16/P044–V16/P045)
Orijinal Metin (AR)

والقول الثاني : قال قطرب : النسىء أصله من الزيادة يقال : نسأل في الأجل وأنسأ إذا زاد فيه ، وكذلك قيل للبن النسء لزيادة الماء فيه ، ونسأت المرأة حبلت ، جعل زيادة الولد فيها كزيادة / الماء في اللبن ، وقيل للناقة : نسأتها ، أي زجرتها ليزداد سيرها وكل زيادة حدثت في شيء فهو نسىء قال الواحدي : الصحيح القول الأول ، وهو أن أصل النسىء التأخير ، ونسأت المرأة إذا حبلت لتأخر حيضها ، ونسأت الناقة أي أخرتها عن غيرها ، لئلا يصير اختلاط بعضها ببعض مانعا من حسن المسير ، ونسأت اللبن إذا أخرته حتى كثر الماء فيه . إذا عرفت هذين القولين فنقول : إن القوم علموا أنهم لو رتبوا حسابهم على السنة القمرية ، فإنه يقع حجهم تارة في الصيف وتارة في الشتاء ، وكان يشق عليهم الأسفار ولم ينتفعوا بها في المرابحات والتجارات ، لأن سائر الناس من سائر البلاد ما كانوا يحضرون إلا في الأوقات اللائقة الموافقة ، فعلموا أن بناء الأمر على رعاية السنة القمرية يخل بمصالح الدنيا ، فتركوا ذلك واعتبروا السنة الشمسية ، ولما كانت السنة الشمسية زائدة على السنة القمرية بمقدار معين ، احتاجوا إلى الكبيسة وحصل لهم بسبب تلك الكبيسة أمران : أحدهما : أنهم كانوا يجعلون بعض السنين ثلاثة عشر شهرا بسبب اجتماع تلك الزيادات . والثاني : أنه كان ينتقل الحج من بعض الشهور القمرية إلى غيره ، فكان الحج يقع في بعض السنين في ذي الحجة وبعده في المحرم وبعده في صفر ، وهكذا في الدور حتى ينتهي بعد مدة مخصوصة مرة أخرى إلى ذي الحجة ، فحصل بسبب الكبيسة هذان الأمران : أحدهما : الزيادة في عدة الشهور . والثاني : تأخير الحرمة الحاصلة لشهر إلى شهر آخر وقد بينا أن لفظ النسىء يفيد التأخير عند الأكثرين ، ويفيد الزيادة عند الباقين ، وعلى التقديرين فإنه منطبق على هذين الأمرين . والحاصل من هذا الكلام : أن بناء العبادات على السنة القمرية يخل مصالح الدنيا ، وبناؤها على السنة الشمسية يفيد رعاية مصالح الدنيا والله تعالى أمرهم من وقت إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام ببناء الأمر على رعاية السنة القمرية ، فهم تركوا أمر الله في رعاية السنة القمرية / واعتبروا السنة الشمسية رعاية لمصالح الدنيا ، وأوقعوا الحج في شهر آخر سوى الأشهر الحرم ، فلهذا السبب عاب الله عليهم وجعله سببا لزيادة كفرهم ، وإنما كان ذلك سببا لزيادة الكفر ، لأن الله تعالى أمرهم بإيقاع الحج في الأشهر الحرم ، ثم إنهم بسبب هذه الكبيسة أوقعوه في غير هذه الأشهر ، وذكروا لأتباعهم أن هذا الذي عملناه هو الواجب ، وأن إيقاعه في الشهور القمرية غير واجب ، فكان هذا إنكارا منهم لحكم الله مع العلم به وتمردا عن طاعته ، وذلك يوجب الكفر بإجماع المسلمين . فثبت أن عملهم في ذلك النسىء يوجب زيادة في الكفر ، وأما الحساب الذي به يعرف مقادير الزيادة الحاصلة بسبب تلك الكبائس فمذكور في الزيجات ، وأما المفسرون فإنهم ذكروا في سبب / هذا التأخير وجها آخر فقالوا : إن العرب كانت تحرم الشهور الأربعة ، وكان ذلك شريعة ثابتة من زمان إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام ، وكان العرب أصحاب حروب وغارات فشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها وقالوا : إن توالت ثلاثة أشهر حرم لا نصيب فيها شيئا لنهلكن ، وكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه ويستحلون المحرم . قال الواحدي : وأكثر العلماء على أن هذا التأخير ما كان يختص بشهر واحد ، بل كان ذلك حاصلا في كل الشهور ، وهذا القول عندنا هو الصحيح على ما قررناه . واتفقوا أنه عليه السلام لما أراد أن يحج في سنة حجة الوداع عاد الحج إلى شهر ذي الحجة في نفس الأمر ، فقال عليه السلام : ( ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة إثنا عشر شرا ) وأراد أن الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

والقول الثاني : قال قطرب : النسىء أصله من الزيادة يقال : نسأل في الأجل وأنسأ إذا زاد فيه ، وكذلك قيل للبن النسء لزيادة الماء فيه ، ونسأت المرأة حبلت ، جعل زيادة الولد فيها كزيادة / الماء في اللبن ، وقيل للناقة : نسأتها ، أي زجرتها ليزداد سيرها وكل زيادة حدثت في شيء فهو نسىء قال الواحدي : الصحيح القول الأول ، وهو أن أصل النسىء التأخير ، ونسأت المرأة إذا حبلت لتأخر حيضها ، ونسأت الناقة أي أخرتها عن غيرها ، لئلا يصير اختلاط بعضها ببعض مانعا من حسن المسير ، ونسأت اللبن إذا أخرته حتى كثر الماء فيه . إذا عرفت هذين القولين فنقول : إن القوم علموا أنهم لو رتبوا حسابهم على السنة القمرية ، فإنه يقع حجهم تارة في الصيف وتارة في الشتاء ، وكان يشق عليهم الأسفار ولم ينتفعوا بها في المرابحات والتجارات ، لأن سائر الناس من سائر البلاد ما كانوا يحضرون إلا في الأوقات اللائقة الموافقة ، فعلموا أن بناء الأمر على رعاية السنة القمرية يخل بمصالح الدنيا ، فتركوا ذلك واعتبروا السنة الشمسية ، ولما كانت السنة الشمسية زائدة على السنة القمرية بمقدار معين ، احتاجوا إلى الكبيسة وحصل لهم بسبب تلك الكبيسة أمران : أحدهما : أنهم كانوا يجعلون بعض السنين ثلاثة عشر شهرا بسبب اجتماع تلك الزيادات . والثاني : أنه كان ينتقل الحج من بعض الشهور القمرية إلى غيره ، فكان الحج يقع في بعض السنين في ذي الحجة وبعده في المحرم وبعده في صفر ، وهكذا في الدور حتى ينتهي بعد مدة مخصوصة مرة أخرى إلى ذي الحجة ، فحصل بسبب الكبيسة هذان الأمران : أحدهما : الزيادة في عدة الشهور . والثاني : تأخير الحرمة الحاصلة لشهر إلى شهر آخر وقد بينا أن لفظ النسىء يفيد التأخير عند الأكثرين ، ويفيد الزيادة عند الباقين ، وعلى التقديرين فإنه منطبق على هذين الأمرين . والحاصل من هذا الكلام : أن بناء العبادات على السنة القمرية يخل مصالح الدنيا ، وبناؤها على السنة الشمسية يفيد رعاية مصالح الدنيا والله تعالى أمرهم من وقت إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام ببناء الأمر على رعاية السنة القمرية ، فهم تركوا أمر الله في رعاية السنة القمرية / واعتبروا السنة الشمسية رعاية لمصالح الدنيا ، وأوقعوا الحج في شهر آخر سوى الأشهر الحرم ، فلهذا السبب عاب الله عليهم وجعله سببا لزيادة كفرهم ، وإنما كان ذلك سببا لزيادة الكفر ، لأن الله تعالى أمرهم بإيقاع الحج في الأشهر الحرم ، ثم إنهم بسبب هذه الكبيسة أوقعوه في غير هذه الأشهر ، وذكروا لأتباعهم أن هذا الذي عملناه هو الواجب ، وأن إيقاعه في الشهور القمرية غير واجب ، فكان هذا إنكارا منهم لحكم الله مع العلم به وتمردا عن طاعته ، وذلك يوجب الكفر بإجماع المسلمين . فثبت أن عملهم في ذلك النسىء يوجب زيادة في الكفر ، وأما الحساب الذي به يعرف مقادير الزيادة الحاصلة بسبب تلك الكبائس فمذكور في الزيجات ، وأما المفسرون فإنهم ذكروا في سبب / هذا التأخير وجها آخر فقالوا : إن العرب كانت تحرم الشهور الأربعة ، وكان ذلك شريعة ثابتة من زمان إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام ، وكان العرب أصحاب حروب وغارات فشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها وقالوا : إن توالت ثلاثة أشهر حرم لا نصيب فيها شيئا لنهلكن ، وكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه ويستحلون المحرم . قال الواحدي : وأكثر العلماء على أن هذا التأخير ما كان يختص بشهر واحد ، بل كان ذلك حاصلا في كل الشهور ، وهذا القول عندنا هو الصحيح على ما قررناه . واتفقوا أنه عليه السلام لما أراد أن يحج في سنة حجة الوداع عاد الحج إلى شهر ذي الحجة في نفس الأمر ، فقال عليه السلام : ( ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة إثنا عشر شرا ) وأراد أن الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها .

Section V16/P045–V16/P046Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V16/P045–V16/P046)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثانية : قوله تعالى : { زيادة فى الكفر } معناه : أنه تعالى حكى عنهم أنواعا كثيرة من الكفر ، فلما ضموا إليها هذا العمل ونحن قد دللنا على أن هذا العمل كفر . كان ضم هذا العمل إلى تلك الأنواع المذكورة سالفا من الكفر زيادة في الكفر . احتج الجبائي بهذه الآية على فساد قول من يقول : الإيمان مجرد الإعتقاد والإقرار ، قال : لأنه تعالى بين أن هذا العمل زيادة في الكفر والزيادة على الكفر يجب أن تكون إتماما ، فكان ترك هذا التأخير إيمانا ، وظاهر أن هذا الترك ليس بمعرفة ولا بإقرار . فثبت أن غير المعرفة والإقرار قد يكون إيمانا قال المصنف رضي الله عنه : هذا الاستدلال ضعيف ، لأنا بينا أنه تعالى لما أوجب عليهم إيقاع الحج في شهر ذي الحجة مثلا من الأشهر القمرية ، فإذا اعتبرنا السنة الشمسية ، فربما وقع الحج في المحرم مرة وفي صفر أخرى . فقولهم : بأن هذا الحج صحيح يجزى ، وأنه لا يجب عليهم إيقاع الحج في شهر ذي الحجة إن كان منهم بحكم علم بالضرورة كونه من دين إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام ، فكان هذا كفرا بسبب عدم العلم وبسبب عدم الإقرار . أما قوله تعالى : { يضل به الذين كفروا } فهذا قراءة العامة وهي حسنة لإسناد الضلال إلى الذين كفروا لأنهم إن كانوا ضالين في أنفسهم فقد حسن إسناد الضلال إليهم ، وإن كانوا مضلين لغيرهم حسن أيضا ، لأن المضل لغيره ضال في نفسه لامحال . وقراءة أهل الكوفة { يضل } بضم الياء وفتح الضاد ، ومعناه : أن كبراءهم يضلونهم بحملهم على هذا التأخير في الشهور ، فأسند الفعل إلى المفعول كقوله في هذه الآية : { زين لهم سوء أعمالهم } أي زين لهم ذلك حاملوهم عليه . وقرأ أبو عمرو في رواية من طريق ابن مقسم { يضل به الذين كفروا } بضم الياء وكسر الضاد وله ثلاثة أوجه : / أحدها : يضل الله به الذين كفروا . والثاني : يضل الشيطان به الذين كفروا . والثالث : وهو أقواها يضل به الذين كفروا تابعيهم والآخذين بأقوالهم ، وإنما كان هذا الوجه أقوى لأنه لم يجر ذكر الله ولا ذكر الشيطان . واعلم أن الكناية في قوله : { يضل به } يعود إلى النسىء . وقوله : { يحلونه عاما ويحرمونه عاما } فالضمير عائد إلى النسىء . والمعنى : يحلون ذلك الإنساء عاما ويحرمونه عاما . قال الواحدي : يحلون التأخير عاما وهو العام الذي يريدون أن يقاتلوا في المحرم ، ويحرمون التأخير عاما آخر وهو العام الذي يدعون المحرم على تحريمه . قال رضي الله عنه هذا التأويل إنما يصح إذا فسرنا النسىء بأنهم كانوا يؤخرون المحرم في بعض السنين ، وذلك يوجب أن ينقلب الشهر المحرم إلى الحل وبالعكس ، إلا أن هذا إنما يصلح لو حملنا النسىء على المفعول وهو المنسوء المؤخر ، وقد ذكرنا أنه مشكل لأنه يقتضي أن يكون الشهر المؤخر كفرا وأنه غير جائز إلا إذا قلنا إن المراد من النسىء المنسوء وهو المفعول ، وحملنا قوله : { إنما النسىء } زيادة في الكفر على أن المراد العمل الذي به يصير النسىء سببا في زيادة الكفر ، وبسبب هذا الإضمار يقوى هذا التأويل .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثانية : قوله تعالى : { زيادة فى الكفر } معناه : أنه تعالى حكى عنهم أنواعا كثيرة من الكفر ، فلما ضموا إليها هذا العمل ونحن قد دللنا على أن هذا العمل كفر . كان ضم هذا العمل إلى تلك الأنواع المذكورة سالفا من الكفر زيادة في الكفر . احتج الجبائي بهذه الآية على فساد قول من يقول : الإيمان مجرد الإعتقاد والإقرار ، قال : لأنه تعالى بين أن هذا العمل زيادة في الكفر والزيادة على الكفر يجب أن تكون إتماما ، فكان ترك هذا التأخير إيمانا ، وظاهر أن هذا الترك ليس بمعرفة ولا بإقرار . فثبت أن غير المعرفة والإقرار قد يكون إيمانا قال المصنف رضي الله عنه : هذا الاستدلال ضعيف ، لأنا بينا أنه تعالى لما أوجب عليهم إيقاع الحج في شهر ذي الحجة مثلا من الأشهر القمرية ، فإذا اعتبرنا السنة الشمسية ، فربما وقع الحج في المحرم مرة وفي صفر أخرى . فقولهم : بأن هذا الحج صحيح يجزى ، وأنه لا يجب عليهم إيقاع الحج في شهر ذي الحجة إن كان منهم بحكم علم بالضرورة كونه من دين إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام ، فكان هذا كفرا بسبب عدم العلم وبسبب عدم الإقرار . أما قوله تعالى : { يضل به الذين كفروا } فهذا قراءة العامة وهي حسنة لإسناد الضلال إلى الذين كفروا لأنهم إن كانوا ضالين في أنفسهم فقد حسن إسناد الضلال إليهم ، وإن كانوا مضلين لغيرهم حسن أيضا ، لأن المضل لغيره ضال في نفسه لامحال . وقراءة أهل الكوفة { يضل } بضم الياء وفتح الضاد ، ومعناه : أن كبراءهم يضلونهم بحملهم على هذا التأخير في الشهور ، فأسند الفعل إلى المفعول كقوله في هذه الآية : { زين لهم سوء أعمالهم } أي زين لهم ذلك حاملوهم عليه . وقرأ أبو عمرو في رواية من طريق ابن مقسم { يضل به الذين كفروا } بضم الياء وكسر الضاد وله ثلاثة أوجه : / أحدها : يضل الله به الذين كفروا . والثاني : يضل الشيطان به الذين كفروا . والثالث : وهو أقواها يضل به الذين كفروا تابعيهم والآخذين بأقوالهم ، وإنما كان هذا الوجه أقوى لأنه لم يجر ذكر الله ولا ذكر الشيطان . واعلم أن الكناية في قوله : { يضل به } يعود إلى النسىء . وقوله : { يحلونه عاما ويحرمونه عاما } فالضمير عائد إلى النسىء . والمعنى : يحلون ذلك الإنساء عاما ويحرمونه عاما . قال الواحدي : يحلون التأخير عاما وهو العام الذي يريدون أن يقاتلوا في المحرم ، ويحرمون التأخير عاما آخر وهو العام الذي يدعون المحرم على تحريمه . قال رضي الله عنه هذا التأويل إنما يصح إذا فسرنا النسىء بأنهم كانوا يؤخرون المحرم في بعض السنين ، وذلك يوجب أن ينقلب الشهر المحرم إلى الحل وبالعكس ، إلا أن هذا إنما يصلح لو حملنا النسىء على المفعول وهو المنسوء المؤخر ، وقد ذكرنا أنه مشكل لأنه يقتضي أن يكون الشهر المؤخر كفرا وأنه غير جائز إلا إذا قلنا إن المراد من النسىء المنسوء وهو المفعول ، وحملنا قوله : { إنما النسىء } زيادة في الكفر على أن المراد العمل الذي به يصير النسىء سببا في زيادة الكفر ، وبسبب هذا الإضمار يقوى هذا التأويل .

Section V16/P046–V16/P047Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V16/P046–V16/P047)
Orijinal Metin (AR)

أما قوله : { ليواطئوا عدة ما حرم الله } قال أهل اللغة يقال : واطأت فلانا على كذا إذا وافقته عليه . قال المبرد : يقال : تواطأ القوم على كذا إذا اجتمعوا عليه ، كان كل واحد يطأ حيث يطأ صاحبه والإيطاء في الشعر من هذا وهو أن يأتي في القصيدة بقافيتين على لفظ واحد ، ومعنى واحد . قال ابن عباس رضي الله عنهما : أنهم ما أحلوا شهرا من الحرام إلا حرموا مكانه شهرا من الحلال ، ولم يحرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا من الحرام ، لأجل أن يكون عدد الأشهر الحرم أربعة ، مطابقة لما ذكره الله تعالى ، هذا هو المراد من المواطأة . ولما بين تعالى كون هذا العمل كفرا ومنكرا قال : { زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين } قال ابن عباس والحسن : يريد زين لهم الشيطان هذا العمل والله لا يرشد كل كفار أثيم . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى الا رض أرضيتم بالحيواة الدنيا من الا خرة فما متاع الحياة الدنيا فى الا خرة إلا قليل } . > 7 < التوبة : ( 38 ) يا أيها الذين . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما شرح معايب هؤلاء الكفاء وفضائحهم ، عاد إلى الترغيب في مقاتلتهم وقال : { ياأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى الارض } وتقرير الكلام أنه تعالى ذكر في الآيات السابقة أسبابا كثيرة موجبة لقتالهم ، وذكر منافع كثيرة تحصل من مقاتلتهم كقوله : { يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم } ( التوبة : 14 ) وذكر أقوالهم المنكرة وأعمالهم القبيحة في الدين والدنيا ، وعند هذا لا يبقى للإنسان مانع من قتالهم إلا مجرد أن يخاف القتل ويحب الحياة . فبين تعالى أن هذا المانع خسيس لأن سعادة الدنيا بالنسبة إلى سعادة الآخرة كالقطرة في البحر ، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل جهل وسفه . المسألة الثانية : المروي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك ، وذلك لأنه عليه السلام لما رجع من الطائف أقام بالمدينة وأمر بجهاد الروم ، وكان ذلك الوقت زمان شدة الحر وطابت ثمار المدينة وأينعت ، واستعظموا غزو الروم وهابوه ، فنزلت هذه الآية . قال المحققون : وإنما استثقل الناس ذلك لوجوه : أحدها : شدة الزمان في الصيف والقحط . وثانيها : بعد المسافة والحاجة إلى الاستعداد الكثير الزائد على ما جرت به العادة في سائر الغزوات . وثالثها : إدراك الثمار بالمدينة في ذلك الوقت . ورابعها : شدة الحر في ذلك الوقت . وخامسها : مهابة عسكر الروم فهذه الجهات الكثيرة اجتمعت فاقتضت تثاقل الناس عن ذلك الغزو . والله أعلم .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

أما قوله : { ليواطئوا عدة ما حرم الله } قال أهل اللغة يقال : واطأت فلانا على كذا إذا وافقته عليه . قال المبرد : يقال : تواطأ القوم على كذا إذا اجتمعوا عليه ، كان كل واحد يطأ حيث يطأ صاحبه والإيطاء في الشعر من هذا وهو أن يأتي في القصيدة بقافيتين على لفظ واحد ، ومعنى واحد . قال ابن عباس رضي الله عنهما : أنهم ما أحلوا شهرا من الحرام إلا حرموا مكانه شهرا من الحلال ، ولم يحرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا من الحرام ، لأجل أن يكون عدد الأشهر الحرم أربعة ، مطابقة لما ذكره الله تعالى ، هذا هو المراد من المواطأة . ولما بين تعالى كون هذا العمل كفرا ومنكرا قال : { زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين } قال ابن عباس والحسن : يريد زين لهم الشيطان هذا العمل والله لا يرشد كل كفار أثيم . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى الا رض أرضيتم بالحيواة الدنيا من الا خرة فما متاع الحياة الدنيا فى الا خرة إلا قليل } . > 7 < التوبة : ( 38 ) يا أيها الذين . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما شرح معايب هؤلاء الكفاء وفضائحهم ، عاد إلى الترغيب في مقاتلتهم وقال : { ياأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى الارض } وتقرير الكلام أنه تعالى ذكر في الآيات السابقة أسبابا كثيرة موجبة لقتالهم ، وذكر منافع كثيرة تحصل من مقاتلتهم كقوله : { يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم } ( التوبة : 14 ) وذكر أقوالهم المنكرة وأعمالهم القبيحة في الدين والدنيا ، وعند هذا لا يبقى للإنسان مانع من قتالهم إلا مجرد أن يخاف القتل ويحب الحياة . فبين تعالى أن هذا المانع خسيس لأن سعادة الدنيا بالنسبة إلى سعادة الآخرة كالقطرة في البحر ، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل جهل وسفه . المسألة الثانية : المروي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك ، وذلك لأنه عليه السلام لما رجع من الطائف أقام بالمدينة وأمر بجهاد الروم ، وكان ذلك الوقت زمان شدة الحر وطابت ثمار المدينة وأينعت ، واستعظموا غزو الروم وهابوه ، فنزلت هذه الآية . قال المحققون : وإنما استثقل الناس ذلك لوجوه : أحدها : شدة الزمان في الصيف والقحط . وثانيها : بعد المسافة والحاجة إلى الاستعداد الكثير الزائد على ما جرت به العادة في سائر الغزوات . وثالثها : إدراك الثمار بالمدينة في ذلك الوقت . ورابعها : شدة الحر في ذلك الوقت . وخامسها : مهابة عسكر الروم فهذه الجهات الكثيرة اجتمعت فاقتضت تثاقل الناس عن ذلك الغزو . والله أعلم .

Section V16/P047–V16/P048Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V16/P047–V16/P048)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثالثة : يقال : استنفر الإمام الناس لجهاد العدو فنفروا ينفرون نفرا ونفورا ، إذا حثهم ودعاهم إليه ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا استنفرتم فانفروا ) وأصل النفر الخروج إلى مكان لأمر واجب ، واسم ذلك القوم الذين يخرجون النفير ، ومنه قولهم : فلان لا في العير ولا في النفير . وقوله : { اثاقلتم إلى الارض } أصله تثاقلتم ، وبه قرأ الأعمش ومعناه : تباطأتم ونظيره قوله : { ادارأتم } وقوله : { قالوا اطيرنا بك } قال صاحب ( الكشاف ) : وضمن معنى الميل والإخلاد فعدي بالى ، والمعنى ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه ، ونظيره { أخلد إلى الارض واتبع هواه } ( الأعراف : 176 ) وقيل معناه ملتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء فيها ، وقوله : { مالكم إذا قيل لكم } ( التوبة : 38 ) وإن كان في الظاهر استفهاما إلا أن المراد منه المبالغة في الإنكار . ثم قال تعالى : { ياأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم } والمعنى كأنه قيل قد ذكرنا الموجبات الكثيرة الداعية إلى القتال ، وقد شرحنا المنافع العظيمة التي / تحصل عند القتال ، وبينا أنواع فضائحهم وقبائحهم التي تحمل العاقل على مقاتلتهم ، فتركتم جميع هذه الأمور ، أليس أن معبودكم يأمركم بمقاتلتهم وتعلمون أن طاعة المعبود توجب الثواب العظيم في الآخرة ؟ فهل يليق بالعاقل ترك الثواب العظيم في الآخرة ، لأجل المنفعة اليسيرة الحاصلة في الدنيا ؟ والدليل على أن متاع الدنيا في الآخرة قليل ، إن لذات الدنيا خسيسة في أنفسها ومشوبة بالآفات والبليات ومنقطعة عن قريب لا محالة / ومنافع الآخرة شريفة عالية خالصة عن كل الآفات ، ودائمة أبدية سرمدية وذلك يوجب القطع بأن متاع الدنيا قليل حقير خسيس . المسألة الرابعة : اعلم أن هذه الآية تدل على وجوب الجهاد في كل حال لأنه تعالى نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر ، ولو لم يكن الجهاد واجبا لما كان هذا التثاقل منكرا ، وليس لقائل أن يقول الجهاد إنما يجب في الوقت الذي يخاف هجوم الكفار فيه ، لأنه عليه السلام ما كان يخاف هجوم الروم عليه ، ومع ذلك فقد أوجب الجهاد معهم ، ومنافع الجهاد مستقصاة في سورة آل عمران ، وأيضا هو واجب على الكفاية ، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين . المسألة الخامسة : لقائل أن يقول إن قوله : { ذلك بأن الذين كفروا } خطاب مع كل المؤمنين . ثم قال : { مالكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى الارض } وهذا يدل على أن كل المؤمنين كانوا متثاقلين في ذلك التكليف ، وذلك التثاقل معصية ، وهذا يدل على إطباق كل الأمة على المعصية وذلك يقدح في أن إجماع الأمة حجة . الجواب : أن خطاب الكل لإرادة البعض مجاز مشهور في القرآن ، وفي سائر أنواع الكلام كقوله : إياك أعني واسمعي يا جاره ! 7 < { إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شىء قدير } . > 7 ! < < التوبة : ( 39 ) إلا تنفروا يعذبكم . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما رغبهم في الآية الأولى في الجهاد بناء على الترغيب في / ثواب الآخرة ، رغبهم في هذه الآية في الجهاد بناء على أنواع أخر من الأمور المقوية للدواعي ، وهي ثلاثة أنواع : الأول : قوله تعالى : { يعذبكم عذابا أليما } .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثالثة : يقال : استنفر الإمام الناس لجهاد العدو فنفروا ينفرون نفرا ونفورا ، إذا حثهم ودعاهم إليه ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا استنفرتم فانفروا ) وأصل النفر الخروج إلى مكان لأمر واجب ، واسم ذلك القوم الذين يخرجون النفير ، ومنه قولهم : فلان لا في العير ولا في النفير . وقوله : { اثاقلتم إلى الارض } أصله تثاقلتم ، وبه قرأ الأعمش ومعناه : تباطأتم ونظيره قوله : { ادارأتم } وقوله : { قالوا اطيرنا بك } قال صاحب ( الكشاف ) : وضمن معنى الميل والإخلاد فعدي بالى ، والمعنى ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه ، ونظيره { أخلد إلى الارض واتبع هواه } ( الأعراف : 176 ) وقيل معناه ملتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء فيها ، وقوله : { مالكم إذا قيل لكم } ( التوبة : 38 ) وإن كان في الظاهر استفهاما إلا أن المراد منه المبالغة في الإنكار . ثم قال تعالى : { ياأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم } والمعنى كأنه قيل قد ذكرنا الموجبات الكثيرة الداعية إلى القتال ، وقد شرحنا المنافع العظيمة التي / تحصل عند القتال ، وبينا أنواع فضائحهم وقبائحهم التي تحمل العاقل على مقاتلتهم ، فتركتم جميع هذه الأمور ، أليس أن معبودكم يأمركم بمقاتلتهم وتعلمون أن طاعة المعبود توجب الثواب العظيم في الآخرة ؟ فهل يليق بالعاقل ترك الثواب العظيم في الآخرة ، لأجل المنفعة اليسيرة الحاصلة في الدنيا ؟ والدليل على أن متاع الدنيا في الآخرة قليل ، إن لذات الدنيا خسيسة في أنفسها ومشوبة بالآفات والبليات ومنقطعة عن قريب لا محالة / ومنافع الآخرة شريفة عالية خالصة عن كل الآفات ، ودائمة أبدية سرمدية وذلك يوجب القطع بأن متاع الدنيا قليل حقير خسيس . المسألة الرابعة : اعلم أن هذه الآية تدل على وجوب الجهاد في كل حال لأنه تعالى نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر ، ولو لم يكن الجهاد واجبا لما كان هذا التثاقل منكرا ، وليس لقائل أن يقول الجهاد إنما يجب في الوقت الذي يخاف هجوم الكفار فيه ، لأنه عليه السلام ما كان يخاف هجوم الروم عليه ، ومع ذلك فقد أوجب الجهاد معهم ، ومنافع الجهاد مستقصاة في سورة آل عمران ، وأيضا هو واجب على الكفاية ، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين . المسألة الخامسة : لقائل أن يقول إن قوله : { ذلك بأن الذين كفروا } خطاب مع كل المؤمنين . ثم قال : { مالكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى الارض } وهذا يدل على أن كل المؤمنين كانوا متثاقلين في ذلك التكليف ، وذلك التثاقل معصية ، وهذا يدل على إطباق كل الأمة على المعصية وذلك يقدح في أن إجماع الأمة حجة . الجواب : أن خطاب الكل لإرادة البعض مجاز مشهور في القرآن ، وفي سائر أنواع الكلام كقوله : إياك أعني واسمعي يا جاره ! 7 < { إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شىء قدير } . > 7 ! < < التوبة : ( 39 ) إلا تنفروا يعذبكم . . . . . > > وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما رغبهم في الآية الأولى في الجهاد بناء على الترغيب في / ثواب الآخرة ، رغبهم في هذه الآية في الجهاد بناء على أنواع أخر من الأمور المقوية للدواعي ، وهي ثلاثة أنواع : الأول : قوله تعالى : { يعذبكم عذابا أليما } .

Section V16/P048–V16/P049Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V16/P048–V16/P049)
Orijinal Metin (AR)

ع واعلم أن يحتمل أن يكون المراد منه عذاب الدنيا ، وأن يكون المراد منه عذاب الآخرة . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم القوم فتثاقلوا ، فأمسك الله عنهم المطر . وقال الحسن : الله أعلم بالعذاب الذي كان ينزل عليهم . وقيل المراد منه عذاب الآخرة إذ الأليم لا يليق إلا به . وقيل إنه تهديد بكل الأقسام ، وهي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، وقطع منافع الدنيا ومنافع الآخرة . الثاني : قوله : { ويستبدل قوما غيركم } والمراد تنبيههم على أنه تعالى متكفل بنصره على أعدائه ، فإن سارعوا معه إلى الخروج حصلت النصرة بهم ، وإن تخلفوا وقعت النصرة بغيرهم ، وحصل العتبى لهم لئلا يتوهموا أن غلبة أعداء الدين وعز الإسلام لا يحصل إلا بهم ، وليس في النص دلالة على أن ذلك المعنى منهم ، ونظيره قوله تعالى : { خاسرين يأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه } ( المائدة : 54 ) ثم اختلف المفسرون . فقال ابن عباس : هم التابعون وقال سعيد بن جبير : هم أبناء فارس . وقال أبو روق : هم أهل اليمن ، وهذه الوجوه ليست تفسيرا للآية ، لأن الآية ليس فيها إشعار بها ، بل حمل ذلك الكلام المطلق على صورة معينة شاهدوها . قال الأصم : معناه أن يخرجه من بين أظهركم ، وهي المدينة . قال القاضي : هذا ضعيف لأن اللفظ لا دلالة فيه على أنه عليه السلام ينقل من المدينة إلى غيرها ، فلا يمتنع أن يظهر الله في المدينة أقواما يعينونه على الغزو ، ولا يمتنع أن يعينه بأقوام من الملائكة أيضا حال كونه هناك ، والثالث : قوله : { ولا تضروه شيئا } والكناية في قول الحسن : راجعة إلى الله تعالى ، أي لا تضروا الله لأنه غني عن العالمين ، وفي قول الباقين يعود إلى الرسول ، أي لا تضروا الرسول لأن الله عصمه من الناس ، ولأنه تعالى لا يخذله إن تثاقلتم عنه . ثم قال : { والله على كل شيء قدير } وهو تنبيه على شدة الزجر من حيث إنه تعالى قادر لا يجوز عليه العجز ، فإذا توعد بالعقاب فعل . المسألة الثانية : قال الحسن وعكرمة : هذه الآية منسوخة بقوله : { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } قال المحققون : إن هذه الآية خطاب لمن استنفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفروا ، وعلى هذا التقدير فلا نسخ . قال الجبائي : هذه الآية تدل على وعيد أهل الصلاة حيث بين أن المؤمنين إن لم ينفروا يعذبهم عذابا إليما وهو عذاب النار ، فإن ترك الجهاد لا يكون إلا من المؤمنين ، فبطل بذل قول المرجئة إن أهل الصلاة لا وعيد لهم ، وإذا ثبت الوعيد لهم في ترك الجهاد / فكذا في غيره ، لأنه لا قائل بالفرق ، واعلم أن مسألة الوعيد ذكرناها بالاستقصاء في سورة البقرة . المسألة الثالثة : قال القاضي : هذه الآية دالة على وجوب الجهاد ، سواء كان مع الرسول أو لا معه ، لأنه تعالى قال : { ياأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا } ولم ينص على أن ذلك القائل هو الرسول . فإن قالوا : يجب أن يكون المراد هو الرسول لقوله تعالى : { ويستبدل قوما غيركم } ( التوبة : 39 ) ولقوله : { ولا تضروه شيئا } ( التوبة : 39 ) إذ لا يمكن أن يكون المراد بذلك إلا الرسول . قلنا : خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها على ما قررنا في أصول الفقه .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ع واعلم أن يحتمل أن يكون المراد منه عذاب الدنيا ، وأن يكون المراد منه عذاب الآخرة . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم القوم فتثاقلوا ، فأمسك الله عنهم المطر . وقال الحسن : الله أعلم بالعذاب الذي كان ينزل عليهم . وقيل المراد منه عذاب الآخرة إذ الأليم لا يليق إلا به . وقيل إنه تهديد بكل الأقسام ، وهي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، وقطع منافع الدنيا ومنافع الآخرة . الثاني : قوله : { ويستبدل قوما غيركم } والمراد تنبيههم على أنه تعالى متكفل بنصره على أعدائه ، فإن سارعوا معه إلى الخروج حصلت النصرة بهم ، وإن تخلفوا وقعت النصرة بغيرهم ، وحصل العتبى لهم لئلا يتوهموا أن غلبة أعداء الدين وعز الإسلام لا يحصل إلا بهم ، وليس في النص دلالة على أن ذلك المعنى منهم ، ونظيره قوله تعالى : { خاسرين يأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه } ( المائدة : 54 ) ثم اختلف المفسرون . فقال ابن عباس : هم التابعون وقال سعيد بن جبير : هم أبناء فارس . وقال أبو روق : هم أهل اليمن ، وهذه الوجوه ليست تفسيرا للآية ، لأن الآية ليس فيها إشعار بها ، بل حمل ذلك الكلام المطلق على صورة معينة شاهدوها . قال الأصم : معناه أن يخرجه من بين أظهركم ، وهي المدينة . قال القاضي : هذا ضعيف لأن اللفظ لا دلالة فيه على أنه عليه السلام ينقل من المدينة إلى غيرها ، فلا يمتنع أن يظهر الله في المدينة أقواما يعينونه على الغزو ، ولا يمتنع أن يعينه بأقوام من الملائكة أيضا حال كونه هناك ، والثالث : قوله : { ولا تضروه شيئا } والكناية في قول الحسن : راجعة إلى الله تعالى ، أي لا تضروا الله لأنه غني عن العالمين ، وفي قول الباقين يعود إلى الرسول ، أي لا تضروا الرسول لأن الله عصمه من الناس ، ولأنه تعالى لا يخذله إن تثاقلتم عنه . ثم قال : { والله على كل شيء قدير } وهو تنبيه على شدة الزجر من حيث إنه تعالى قادر لا يجوز عليه العجز ، فإذا توعد بالعقاب فعل . المسألة الثانية : قال الحسن وعكرمة : هذه الآية منسوخة بقوله : { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } قال المحققون : إن هذه الآية خطاب لمن استنفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفروا ، وعلى هذا التقدير فلا نسخ . قال الجبائي : هذه الآية تدل على وعيد أهل الصلاة حيث بين أن المؤمنين إن لم ينفروا يعذبهم عذابا إليما وهو عذاب النار ، فإن ترك الجهاد لا يكون إلا من المؤمنين ، فبطل بذل قول المرجئة إن أهل الصلاة لا وعيد لهم ، وإذا ثبت الوعيد لهم في ترك الجهاد / فكذا في غيره ، لأنه لا قائل بالفرق ، واعلم أن مسألة الوعيد ذكرناها بالاستقصاء في سورة البقرة . المسألة الثالثة : قال القاضي : هذه الآية دالة على وجوب الجهاد ، سواء كان مع الرسول أو لا معه ، لأنه تعالى قال : { ياأيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا } ولم ينص على أن ذلك القائل هو الرسول . فإن قالوا : يجب أن يكون المراد هو الرسول لقوله تعالى : { ويستبدل قوما غيركم } ( التوبة : 39 ) ولقوله : { ولا تضروه شيئا } ( التوبة : 39 ) إذ لا يمكن أن يكون المراد بذلك إلا الرسول . قلنا : خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها على ما قررنا في أصول الفقه .

Section V16/P049–V16/P050Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V16/P049–V16/P050)
Orijinal Metin (AR)

! 7 < { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا والله عزيز حكيم } . > 7 < التوبة : ( 40 ) إلا تنصروه فقد . . . . . > > اعلم أن هذا ذكر طريق آخر في ترغيبهم في الجهاد ، وذلك لأنه تعالى ذكر في الآية الأولى أنهم إن لم ينفروا باستنفاره ، ولم يشتغلوا بنصرته فإن الله ينصره بدليل أن الله نصره وقواه ، حال ما لم يكن معه إلا رجل واحد ، فههنا أولى ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : لقائل أن يقول : كيف يكون قوله : { فقد نصره الله } جوابا للشرط ؟ وجوابه أن التقدير إلا تنصروه ، فسينصره من نصره حين ما لم يكن معه إلا رجل واحد ، ولا أقل من الواحد . والمعنى أنه ينصره الآن كما نصره في ذلك الوقت . المسألة الثانية : قوله : { إذ أخرجه الذين كفروا } يعني قد نصره الله في الوقت الذي أخرجه الذين كفروا من مكة وقوله : { ثاني اثنين } نصب على الحال ، أي في الحال التي كان فيها { ثاني اثنين } وتفسير قوله : { ثاني اثنين } سبق في قوله : { ثالث ثلاثة } وتحقيق القول أنه إذا حضر اثنان فكل / واحد منهما يكون ثانيا في ذينك الاثنين للآخر . فلهدا السبب قالوا : يقال فلان ثاني اثنين ، أي هو أحدهما . قال صاحب ( الكشاف ) : وقرىء { ثاني اثنين } بالسكون و { إذ هما } بدل من قوله : { إذ أخرجه } والغار ثقب عظيم في الجبل ، وكان ذلك الجبل يقال له ثور ، في يمين مكة على مسيرة ساعة ، مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه مع أبي بكر ثلاثا . وقوله : { إذ يقول : بدل ثان . المسألة الثالثة : ذكروا أن قريشا ومن بمكة من المشركين تعاقدوا على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل { وإذ يمكر بك الذين كفروا } ( الأنفال : 30 ) فأمره الله تعالى أن يخرج هو وأبو بكر أول الليل إلى الغار ، والمراد من قوله : { أخرجه الذين كفروا } هو أنهم جعلوه كالمضطر إلى الخروج . وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أول الليل إلى الغار ، وأمر عليا أن يضطجع على فراشه ليمنعهم السواد من طلبه ، حتى يبلغ هو وصاحبه إلى ما أمر الله به ، فلما وصلا إلى الغار دخل أبو بكر الغار أولا ، يلتمس ما في الغار ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ، مالك ؟ فقال : بأبي أنت وأمي ، الغيران مأوى السباع والهوام ، فإن كان فيه شيء كان بي لا بك ، وكان في الغار جحر ، فوضع عقبه عليه لئلا يخرج ما يؤذي الرسول ، فلما طلب المشركون الأثر وقربوا ، بكى أبو بكر خوفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام : ( لا تحزن إن الله معنا ) فقال أبو بكر : إن الله لمعنا ، فقال الرسول : ( نعم ) فجعل يمسح الدموع عن خده . ويروى عن الحسن أنه كان إذا ذكر بكاء أبي بكر بكى ، وإذا ذكر مسحه الدموع مسح هو الدموع عن خده . وقيل : لما طلع المشركون فوق الغار أشفق أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إن تصب اليوم ذهب دين الله . فقال رسول الله : ( ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) وقيل لما دخل الغار وضع أبو بكر ثمامة على باب الغار ، وبعث الله حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوت نسجت عليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أعم أبصارهم ) فجعلوا يترددون حول الغار ولا يرون أحدا .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

! 7 < { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا والله عزيز حكيم } . > 7 < التوبة : ( 40 ) إلا تنصروه فقد . . . . . > > اعلم أن هذا ذكر طريق آخر في ترغيبهم في الجهاد ، وذلك لأنه تعالى ذكر في الآية الأولى أنهم إن لم ينفروا باستنفاره ، ولم يشتغلوا بنصرته فإن الله ينصره بدليل أن الله نصره وقواه ، حال ما لم يكن معه إلا رجل واحد ، فههنا أولى ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : لقائل أن يقول : كيف يكون قوله : { فقد نصره الله } جوابا للشرط ؟ وجوابه أن التقدير إلا تنصروه ، فسينصره من نصره حين ما لم يكن معه إلا رجل واحد ، ولا أقل من الواحد . والمعنى أنه ينصره الآن كما نصره في ذلك الوقت . المسألة الثانية : قوله : { إذ أخرجه الذين كفروا } يعني قد نصره الله في الوقت الذي أخرجه الذين كفروا من مكة وقوله : { ثاني اثنين } نصب على الحال ، أي في الحال التي كان فيها { ثاني اثنين } وتفسير قوله : { ثاني اثنين } سبق في قوله : { ثالث ثلاثة } وتحقيق القول أنه إذا حضر اثنان فكل / واحد منهما يكون ثانيا في ذينك الاثنين للآخر . فلهدا السبب قالوا : يقال فلان ثاني اثنين ، أي هو أحدهما . قال صاحب ( الكشاف ) : وقرىء { ثاني اثنين } بالسكون و { إذ هما } بدل من قوله : { إذ أخرجه } والغار ثقب عظيم في الجبل ، وكان ذلك الجبل يقال له ثور ، في يمين مكة على مسيرة ساعة ، مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه مع أبي بكر ثلاثا . وقوله : { إذ يقول : بدل ثان . المسألة الثالثة : ذكروا أن قريشا ومن بمكة من المشركين تعاقدوا على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل { وإذ يمكر بك الذين كفروا } ( الأنفال : 30 ) فأمره الله تعالى أن يخرج هو وأبو بكر أول الليل إلى الغار ، والمراد من قوله : { أخرجه الذين كفروا } هو أنهم جعلوه كالمضطر إلى الخروج . وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أول الليل إلى الغار ، وأمر عليا أن يضطجع على فراشه ليمنعهم السواد من طلبه ، حتى يبلغ هو وصاحبه إلى ما أمر الله به ، فلما وصلا إلى الغار دخل أبو بكر الغار أولا ، يلتمس ما في الغار ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ، مالك ؟ فقال : بأبي أنت وأمي ، الغيران مأوى السباع والهوام ، فإن كان فيه شيء كان بي لا بك ، وكان في الغار جحر ، فوضع عقبه عليه لئلا يخرج ما يؤذي الرسول ، فلما طلب المشركون الأثر وقربوا ، بكى أبو بكر خوفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام : ( لا تحزن إن الله معنا ) فقال أبو بكر : إن الله لمعنا ، فقال الرسول : ( نعم ) فجعل يمسح الدموع عن خده . ويروى عن الحسن أنه كان إذا ذكر بكاء أبي بكر بكى ، وإذا ذكر مسحه الدموع مسح هو الدموع عن خده . وقيل : لما طلع المشركون فوق الغار أشفق أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : إن تصب اليوم ذهب دين الله . فقال رسول الله : ( ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) وقيل لما دخل الغار وضع أبو بكر ثمامة على باب الغار ، وبعث الله حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوت نسجت عليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أعم أبصارهم ) فجعلوا يترددون حول الغار ولا يرون أحدا .

Section V16/P050–V16/P051Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V16/P050–V16/P051)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الرابعة : دلت هذه الآية على فضيلة أبي بكر رضي الله عنه من وجوه : الأول : أنه عليه السلام لما ذهب إلى الغار لأجل أنه كان يخاف الكفار من أن يقدموا على قتله ، فلولا أنه عليه السلام كان قاطعا على باطن أبي بكر ، بأنه من المؤمنين المحققين الصادقين الصديقين ، وإلا لما أصحبه نفسه في ذلك الموضع ، لأنه لو جوز أن يكون باطنه بخلاف ظاهره ، لخافه من أن يدل أعداءه عليه ، وأيضا لخافه من أن يقدم على قتله . فلما استخلصه لنفسه في تلك الحالة ، دل على أنه عليه السلام كان قاطعا بأن باطنه على وفق ظاهره . الثاني : وهو أن الهجرة كانت بإذن الله تعالى ، وكان في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من المخلصين ، وكانوا في النسب إلى شجرة رسول الله أقرب / من أبي بكر ، فلولا أن الله تعالى أمره بأن يستصحب أبا بكر في تلك الواقعة الصعبة الهائلة ، وإلا لكان الظاهر أن لا يخصه بهذه الصحبة ، وتخصيص الله إياه بهذا التشريف دل على منصب عال له في الدين . الثالث : أن كل من سوى أبي بكر فارقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما هو فما سبق رسول الله كغيره ، بل صبر على مؤانسته وملازمته وخدمته عند هذا الخوف الشديد الذي لم يبق معه أحد ، وذلك يوجب الفضل العظيم . الرابع : أنه تعالى سماه { ثاني اثنين } فجعل ثاني محمد عليه السلام حال كونهما في الغار ، والعلماء أثبتوا أنه رضي الله عنه كان ثاني محمد في أكثر المناصب الدينية ، فإنه صلى الله عليه وسلم لما أرسل إلى الخلق وعرض الإسلام على أبي بكر آمن أبو بكر ، ثم ذهب وعرض الإسلام على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة آخرين من أجلة الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، والكل آمنوا على يديه ، ثم إنه جاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أيام قلائل ، فكان هو رضي الله عنه { ثاني اثنين } في الدعوة إلى الله وأيضا كلما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ، كان أبو بكر رضي الله عنه يقف في خدمته ولا يفارقه ، فكان ثاني اثنين في مجلسه ، ولما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قام مقامه في إمامة الناس في الصلاة فكان ثاني اثنين ، ولما توفي دفن بجنبه ، فكان ثاني اثنين هناك أيضا ، وطعن بعض الحمقى من الروافض في هذا الوجه وقال : كونه ثاني اثنين للرسول لا يكون أعظم من كون الله تعالى رابعا لكل ثلاث في قوله : { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم } ( المجادلة : 7 ) ثم إن هذا الحكم عام في حق الكافر والمؤمن ، فلما لم يكن هذا المعنى من الله تعالى دالا على فضيلة الإنسان فلأن لا يدل من النبي على فضيلة الإنسان كان أولى . والجواب : أن هذا تعسف بارد ، لأن المراد هناك كونه تعالى مع الكل بالعلم والتدبير ، وكونه مطلعا على ضمير كل أحد ، أما ههنا فالمراد بقوله تعالى : { ثاني اثنين } تخصيصه بهذه الصفة في معرض التعظيم وأيضا قد دللنا بالوجوه الثلاثة المتقدمة على أن كونه معه في هذا الموضع دليل قاطع على أنه صلى الله عليه وسلم كان قاطعا بأن باطنه كظاهره ، فأين أحد الجانبين من الآخر ؟ والوجه الخامس : من التمسك بهذه الآية ما جاء في الأخبار أن أبا بكر رضي الله عنه لما حزن قال عليه الصلاة والسلام ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ ولا شك أن هذا منصب علي ، ودرجة رفيعة .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الرابعة : دلت هذه الآية على فضيلة أبي بكر رضي الله عنه من وجوه : الأول : أنه عليه السلام لما ذهب إلى الغار لأجل أنه كان يخاف الكفار من أن يقدموا على قتله ، فلولا أنه عليه السلام كان قاطعا على باطن أبي بكر ، بأنه من المؤمنين المحققين الصادقين الصديقين ، وإلا لما أصحبه نفسه في ذلك الموضع ، لأنه لو جوز أن يكون باطنه بخلاف ظاهره ، لخافه من أن يدل أعداءه عليه ، وأيضا لخافه من أن يقدم على قتله . فلما استخلصه لنفسه في تلك الحالة ، دل على أنه عليه السلام كان قاطعا بأن باطنه على وفق ظاهره . الثاني : وهو أن الهجرة كانت بإذن الله تعالى ، وكان في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من المخلصين ، وكانوا في النسب إلى شجرة رسول الله أقرب / من أبي بكر ، فلولا أن الله تعالى أمره بأن يستصحب أبا بكر في تلك الواقعة الصعبة الهائلة ، وإلا لكان الظاهر أن لا يخصه بهذه الصحبة ، وتخصيص الله إياه بهذا التشريف دل على منصب عال له في الدين . الثالث : أن كل من سوى أبي بكر فارقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما هو فما سبق رسول الله كغيره ، بل صبر على مؤانسته وملازمته وخدمته عند هذا الخوف الشديد الذي لم يبق معه أحد ، وذلك يوجب الفضل العظيم . الرابع : أنه تعالى سماه { ثاني اثنين } فجعل ثاني محمد عليه السلام حال كونهما في الغار ، والعلماء أثبتوا أنه رضي الله عنه كان ثاني محمد في أكثر المناصب الدينية ، فإنه صلى الله عليه وسلم لما أرسل إلى الخلق وعرض الإسلام على أبي بكر آمن أبو بكر ، ثم ذهب وعرض الإسلام على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة آخرين من أجلة الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، والكل آمنوا على يديه ، ثم إنه جاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أيام قلائل ، فكان هو رضي الله عنه { ثاني اثنين } في الدعوة إلى الله وأيضا كلما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ، كان أبو بكر رضي الله عنه يقف في خدمته ولا يفارقه ، فكان ثاني اثنين في مجلسه ، ولما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قام مقامه في إمامة الناس في الصلاة فكان ثاني اثنين ، ولما توفي دفن بجنبه ، فكان ثاني اثنين هناك أيضا ، وطعن بعض الحمقى من الروافض في هذا الوجه وقال : كونه ثاني اثنين للرسول لا يكون أعظم من كون الله تعالى رابعا لكل ثلاث في قوله : { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم } ( المجادلة : 7 ) ثم إن هذا الحكم عام في حق الكافر والمؤمن ، فلما لم يكن هذا المعنى من الله تعالى دالا على فضيلة الإنسان فلأن لا يدل من النبي على فضيلة الإنسان كان أولى . والجواب : أن هذا تعسف بارد ، لأن المراد هناك كونه تعالى مع الكل بالعلم والتدبير ، وكونه مطلعا على ضمير كل أحد ، أما ههنا فالمراد بقوله تعالى : { ثاني اثنين } تخصيصه بهذه الصفة في معرض التعظيم وأيضا قد دللنا بالوجوه الثلاثة المتقدمة على أن كونه معه في هذا الموضع دليل قاطع على أنه صلى الله عليه وسلم كان قاطعا بأن باطنه كظاهره ، فأين أحد الجانبين من الآخر ؟ والوجه الخامس : من التمسك بهذه الآية ما جاء في الأخبار أن أبا بكر رضي الله عنه لما حزن قال عليه الصلاة والسلام ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ ولا شك أن هذا منصب علي ، ودرجة رفيعة .

%0
10 Section

Questions