Qur'an&Sunnahالقرآن

Fakhr al-Din al-Razi - Mafatih al-Ghayb (The Great Commentary)

Fakhr al-Din Muhammad ibn Umar al-Razi · AR

Section V20/P184–V20/P186Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V20/P184–V20/P186)
Orijinal Metin (AR)

ثم قال تعالى : { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة } وفيه قولان : الأول : قال الفراء قوله : { يدعون } فعل الآدميين العابدين . وقوله : { يبتغون } فعل المعبودين ومعناه أولئك المعبودين يبتغون إلى ربهم الوسيلة ، فإنه لا نزاع أن الملائكة يرجعون إلى الله في طلب المنافع ودفع المضار ويرجون رحمته ويخافون عذابه وإذا كان كذلك كانوا موصوفين بالعجز والحاجة ، والله تعالى أغنى الأغنياء فكان الاشتغال بعبادته أولى . فإن قالوا : لا نسلم أن الملائكة محتاجون إلى رحمة الله وخائفون من عذابه ، فنقول : هؤلاء الملائكة إما أن يقال : إنها واجبة الوجود لذواتها ، أو يقال : ممكنة الوجود لذواتها ، والأول باطل لأن جميع الكفار كانوا معترفين بأن الملائكة عباد الله ومحتاجون إليه ، وأما الثاني فهو يوجب القول بكون الملائكة محتاجين في ذواتها وفي كمالاتها إلى الله تعالى ، فكان الاشتغال بعبادة الله أولى من الاشتغال بعبادة الملائكة . والقول الثاني : أن قوله : { أولئك الذين يدعون } هم الأنبياء الذين ذكرهم الله تعالى بقوله : { ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } ( الإسراء : 55 ) وتعلق هذا الكلام بما سبق هو أن الذين عظمت منزلتهم وهم الأنبياء لا يعبدون إلا الله تعالى ولا يبتغون الوسيلة إلا إليه ، فأنتم بالاقتداء بهم حق فلا تعبدوا غبر الله تعالى / واحتج القائلون بهذا القول على صحته بأن قالوا : الملائكة لا يعصون الله فلا يخافون عذابه ، فثبت أن هذا غير لائق بالملائكة وإنما هو لائق بالأنبياء . قلنا : الملائكة يخافون عذاب الله لو أقدموا على الذنب والدليل عليه قوله تعالى : { ومن يقل منهم إنى إلاه من دونه فذالك نجزيه جهنم } ( الأنبياء : 29 ) . أما قوله : { إن عذاب ربك كان محذورا } فالمراد أن من حقه أن يحذر ، فإن لم يحذره بعض الناس لجهله فهو لا يخرج من كونه بحيث يجب الحذر عنه . ! 7 < { وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذالك فى الكتاب مسطورا } > 7 < الإسراء : ( 58 ) وإن من قرية . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما قال : { إن عذاب ربك كان محذورا } ( الإسراء : 57 ) بين أن كل قرية مع أهلها فلا بد وأن يرجع حالها إلى أحد أمرين : إما الإهلاك وإما التعذيب قال مقاتل : أما الصالحة فبالموت ، وأما الطالحة فبالعذاب ، وقيل : المراد من قوله : { وإن من قرية } قرى الكفار ، ولا بد أن تكون عاقبتها أحد أمرين : إما الاستئصال بالكلية وهو المراد من الإهلاك أو بعذاب شديد دون ذلك من قتل كبرائهم وتسليط المسلمين عليهم بالسبي واغتنام الأموال وأخذ الجزية ، ثم بين تعالى أن هذا الحكم حكم مجزوم به واقع فقال : { كان ذالك فى الكتاب مسطورا } ومعناه ظاهر . ! 7 < { وما منعنآ أن نرسل بالا يات إلا أن كذب بها الا ولون وءاتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالا يات إلا تخويفا وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرءيا التى أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة فى القرءان ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } > 7 < الإسراء : ( 59 - 60 ) وما منعنا أن . . . . . > >

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ثم قال تعالى : { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة } وفيه قولان : الأول : قال الفراء قوله : { يدعون } فعل الآدميين العابدين . وقوله : { يبتغون } فعل المعبودين ومعناه أولئك المعبودين يبتغون إلى ربهم الوسيلة ، فإنه لا نزاع أن الملائكة يرجعون إلى الله في طلب المنافع ودفع المضار ويرجون رحمته ويخافون عذابه وإذا كان كذلك كانوا موصوفين بالعجز والحاجة ، والله تعالى أغنى الأغنياء فكان الاشتغال بعبادته أولى . فإن قالوا : لا نسلم أن الملائكة محتاجون إلى رحمة الله وخائفون من عذابه ، فنقول : هؤلاء الملائكة إما أن يقال : إنها واجبة الوجود لذواتها ، أو يقال : ممكنة الوجود لذواتها ، والأول باطل لأن جميع الكفار كانوا معترفين بأن الملائكة عباد الله ومحتاجون إليه ، وأما الثاني فهو يوجب القول بكون الملائكة محتاجين في ذواتها وفي كمالاتها إلى الله تعالى ، فكان الاشتغال بعبادة الله أولى من الاشتغال بعبادة الملائكة . والقول الثاني : أن قوله : { أولئك الذين يدعون } هم الأنبياء الذين ذكرهم الله تعالى بقوله : { ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } ( الإسراء : 55 ) وتعلق هذا الكلام بما سبق هو أن الذين عظمت منزلتهم وهم الأنبياء لا يعبدون إلا الله تعالى ولا يبتغون الوسيلة إلا إليه ، فأنتم بالاقتداء بهم حق فلا تعبدوا غبر الله تعالى / واحتج القائلون بهذا القول على صحته بأن قالوا : الملائكة لا يعصون الله فلا يخافون عذابه ، فثبت أن هذا غير لائق بالملائكة وإنما هو لائق بالأنبياء . قلنا : الملائكة يخافون عذاب الله لو أقدموا على الذنب والدليل عليه قوله تعالى : { ومن يقل منهم إنى إلاه من دونه فذالك نجزيه جهنم } ( الأنبياء : 29 ) . أما قوله : { إن عذاب ربك كان محذورا } فالمراد أن من حقه أن يحذر ، فإن لم يحذره بعض الناس لجهله فهو لا يخرج من كونه بحيث يجب الحذر عنه . ! 7 < { وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذالك فى الكتاب مسطورا } > 7 < الإسراء : ( 58 ) وإن من قرية . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما قال : { إن عذاب ربك كان محذورا } ( الإسراء : 57 ) بين أن كل قرية مع أهلها فلا بد وأن يرجع حالها إلى أحد أمرين : إما الإهلاك وإما التعذيب قال مقاتل : أما الصالحة فبالموت ، وأما الطالحة فبالعذاب ، وقيل : المراد من قوله : { وإن من قرية } قرى الكفار ، ولا بد أن تكون عاقبتها أحد أمرين : إما الاستئصال بالكلية وهو المراد من الإهلاك أو بعذاب شديد دون ذلك من قتل كبرائهم وتسليط المسلمين عليهم بالسبي واغتنام الأموال وأخذ الجزية ، ثم بين تعالى أن هذا الحكم حكم مجزوم به واقع فقال : { كان ذالك فى الكتاب مسطورا } ومعناه ظاهر . ! 7 < { وما منعنآ أن نرسل بالا يات إلا أن كذب بها الا ولون وءاتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالا يات إلا تخويفا وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرءيا التى أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة فى القرءان ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } > 7 < الإسراء : ( 59 - 60 ) وما منعنا أن . . . . . > >

Section V20/P186Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V20/P186)
Orijinal Metin (AR)

اعلم تعالى أنه لما ذكر الدليل على فساد قول المشركين وأتبعه بالوعيد أتبعه بذكر مسألة النبوة ، وذلك لأن كفار قريش اقترحوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إظهار معجزات عظيمة قاهرة كما حكى الله عنهم أنهم قالوا : { لولا يأتينا بئاية } ( طه : 133 ) { كما أرسل الاولون } ( الأنبياء : 5 ) وقال آخرون : المراد ما طلبوه بقولهم : { لن نؤمن ذالك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) وعن سعيد بن جبير أن القوم قالوا : إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء فمنهم : من سخرت له الريح ومنهم من كان يحيي الموتى فأتنا بشي من هذه المعجزات فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله : { وما منعنا أن نرسل بالايات إلا أن كذب بها الاولون } وفي تفسير هذا الجواب وجوه : الوجه الأول : المعنى أنه تعالى لو أظهر تلك المعجزات القاهرة ثم لم يؤمنوا بها بل بقوا مصرين على كفرهم فحينئذ يصيرون مستحقين لعذاب الاستئصال ، لكن إنزال عذاب الاستئصال على هذه الأمة غير جائز ، لأن الله تعالى أعلم أن فيهم من سيؤمن أو يؤمن أولادهم ، فلهذا السبب ما أجابهم الله تعالى إلى مطلوبهم وما أظهر تلك المعجزات القاهرة . روى ابن عباس أن أهل مكة سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن يزيل لهم الجبال حتى يزرعوا تلك الأراضي ، فطلب الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك من الله تعالى فقال الله تعالى : إن شئت فعلت ذلك لكن بشرط أنهم إن كفروا أهلكتهم ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا أريد ذلك بل تتأنى بهم ) فنزلت هذه الآية . الوجه الثاني : في تفسير هذا الجواب أنا لا نظهر هذه المعجزات لأن آباءكم الذين رأوها لم يؤمنوا بها وأنتم مقلدون لهم ، فلو رأيتموها أنتم لم تؤمنوا بها أيضا . الوجه الثالث : أن الأولين شاهدوا هذه المعجزات وكذبوا بها ، فعلم الله منكم أيضا أنكم لو شاهدتموها لكذبتم فكان إظهارها عبثا ، والعبث لا يفعله الحكيم . ثم قال تعالى : 6 وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها } وفيه أبحاث : البحث الأول : المعنى أن الآية التي التمسوها هي مثل آية ثمود ، وقد آتيناها ثمود واضحة بينة ثم كفروا بها فاستحقوا عذاب الاستئصال فكيف يتمناها هؤلاء على سبيل الاقتراح والتحكم على الله تعالى . البحث الثاني : قوله تعالى : { } وفيه أبحاث : البحث الأول : المعنى أن الآية التي التمسوها هي مثل آية ثمود ، وقد آتيناها ثمود واضحة بينة ثم كفروا بها فاستحقوا عذاب الاستئصال فكيف يتمناها هؤلاء على سبيل الاقتراح والتحكم على الله تعالى . البحث الثاني : قوله تعالى : { مبصرة } وفيه وجهان : الأول : قال الفراء : { مبصرة } أي مضيئة . قال تعالى : { والنهار مبصرا } ( يونس : 67 ) أي مضيئا . والثاني : { مبصرة } أي ذات أبصار أي فيها أبصار لمن تأملها يبصر بها رشده ويستدل بها على صدق ذلك الرسول . / البحث الثالث : قوله : { فظلموا بها } أي ظلموا أنفسهم بتكذيبهم بها ، وقال ابن قتيبة : { ظلموا بها } أي جحدوا بأنها من الله تعالى . ثم قال تعالى : { وما نرسل بالايات إلا تخويفا } قيل : لا آية إلا وتتضمن التخويف بها عند التكذيب إما من العذاب المعجل أو من عذاب الآخرة . فإن قيل : المقصود الأعظم من إظهار الآيات أن يستدل بها على صدق المدعي فكيف حصر المقصود من إظهارها في التخويف .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

اعلم تعالى أنه لما ذكر الدليل على فساد قول المشركين وأتبعه بالوعيد أتبعه بذكر مسألة النبوة ، وذلك لأن كفار قريش اقترحوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إظهار معجزات عظيمة قاهرة كما حكى الله عنهم أنهم قالوا : { لولا يأتينا بئاية } ( طه : 133 ) { كما أرسل الاولون } ( الأنبياء : 5 ) وقال آخرون : المراد ما طلبوه بقولهم : { لن نؤمن ذالك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) وعن سعيد بن جبير أن القوم قالوا : إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء فمنهم : من سخرت له الريح ومنهم من كان يحيي الموتى فأتنا بشي من هذه المعجزات فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله : { وما منعنا أن نرسل بالايات إلا أن كذب بها الاولون } وفي تفسير هذا الجواب وجوه : الوجه الأول : المعنى أنه تعالى لو أظهر تلك المعجزات القاهرة ثم لم يؤمنوا بها بل بقوا مصرين على كفرهم فحينئذ يصيرون مستحقين لعذاب الاستئصال ، لكن إنزال عذاب الاستئصال على هذه الأمة غير جائز ، لأن الله تعالى أعلم أن فيهم من سيؤمن أو يؤمن أولادهم ، فلهذا السبب ما أجابهم الله تعالى إلى مطلوبهم وما أظهر تلك المعجزات القاهرة . روى ابن عباس أن أهل مكة سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن يزيل لهم الجبال حتى يزرعوا تلك الأراضي ، فطلب الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك من الله تعالى فقال الله تعالى : إن شئت فعلت ذلك لكن بشرط أنهم إن كفروا أهلكتهم ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا أريد ذلك بل تتأنى بهم ) فنزلت هذه الآية . الوجه الثاني : في تفسير هذا الجواب أنا لا نظهر هذه المعجزات لأن آباءكم الذين رأوها لم يؤمنوا بها وأنتم مقلدون لهم ، فلو رأيتموها أنتم لم تؤمنوا بها أيضا . الوجه الثالث : أن الأولين شاهدوا هذه المعجزات وكذبوا بها ، فعلم الله منكم أيضا أنكم لو شاهدتموها لكذبتم فكان إظهارها عبثا ، والعبث لا يفعله الحكيم . ثم قال تعالى : 6 وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها } وفيه أبحاث : البحث الأول : المعنى أن الآية التي التمسوها هي مثل آية ثمود ، وقد آتيناها ثمود واضحة بينة ثم كفروا بها فاستحقوا عذاب الاستئصال فكيف يتمناها هؤلاء على سبيل الاقتراح والتحكم على الله تعالى . البحث الثاني : قوله تعالى : { } وفيه أبحاث : البحث الأول : المعنى أن الآية التي التمسوها هي مثل آية ثمود ، وقد آتيناها ثمود واضحة بينة ثم كفروا بها فاستحقوا عذاب الاستئصال فكيف يتمناها هؤلاء على سبيل الاقتراح والتحكم على الله تعالى . البحث الثاني : قوله تعالى : { مبصرة } وفيه وجهان : الأول : قال الفراء : { مبصرة } أي مضيئة . قال تعالى : { والنهار مبصرا } ( يونس : 67 ) أي مضيئا . والثاني : { مبصرة } أي ذات أبصار أي فيها أبصار لمن تأملها يبصر بها رشده ويستدل بها على صدق ذلك الرسول . / البحث الثالث : قوله : { فظلموا بها } أي ظلموا أنفسهم بتكذيبهم بها ، وقال ابن قتيبة : { ظلموا بها } أي جحدوا بأنها من الله تعالى . ثم قال تعالى : { وما نرسل بالايات إلا تخويفا } قيل : لا آية إلا وتتضمن التخويف بها عند التكذيب إما من العذاب المعجل أو من عذاب الآخرة . فإن قيل : المقصود الأعظم من إظهار الآيات أن يستدل بها على صدق المدعي فكيف حصر المقصود من إظهارها في التخويف .

Section V20/P186–V20/P187Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V20/P186–V20/P187)
Orijinal Metin (AR)

قلنا : المقصود أن مدعي النبوة إذا أظهر الآية فإذا سمع الخلق أنه أظهر آية فهم لا يعلمون أن تلك الآية معجزة أو مخوفة ، إلا أنهم يجوزون كونها معجزة ، وبتقدير أن تكون معجزة فلو لم يتفكروا فيها ولم يستدلوا بها على الصدق لاستحقوا العقاب الشديد ، فهذا هو الخوف الذي يحملهم على التفكر والتأمل في تلك المعجزات ، فالمراد من قوله : { وما نرسل بالايات إلا تخويفا } هذا الذي ذكرناه ، والله أعلم . واعلم أن القوم لما طالبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعجزات القاهرة ، وأجاب الله تعالى بأن إظهارها ليس بمصلحة صار ذلك سببا لجرأة أولئك الكفار بالطعن فيه وأن يقولوا له : لو كنت رسولا حقا من عند الله تعالى لأتيت بهذه المعجزات التي اقترحناها منك ، كما أتى بها موسى وغيره من الأنبياء ، فعند هذا قوى الله قلبه وبين له أنه تعالى ينصره ويؤيده فقال : { وإذا قلنا لك إن ربك أحاط بالناس } وفيه قولان : القول الأول : المعنى أن حكمته وقدرته محيطة بالناس فهم في قبضته وقدرته ، ومتى كان الأمر كذلك فهم لا يقدرون على أمر من الأمور إلا بقضائه وقدره ، والمقصود كأنه تعالى يقول له : ننصرك ونقويك حتى تبلغ رسالتنا وتظهر ديننا . قال الحسن : حال بينهم وبين أن يقتلوه كما قال تعالى : { والله يعصمك من الناس } ( المائدة : 67 ) . والقول الثاني : أن المراد بالناس أهل مكة وإحاطة الله بهم هو أنه تعالى يفتحها للمؤمنين فكان المعنى : وإذ بشرناك بأن الله أحاط بأهل مكة بمعنى أنه يغلبهم ويقهرهم ويظهر دولتك عليهم ، ونظيره قوله تعالى : { سيهزم الجمع ويولون الدبر } ( القمر : 45 ) وقال : { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون } ( آل عمران : 12 ) إلى قوله : { أحاط بالناس } لما كان كل ما يخبر الله عن وقوعه فهو واجب الوقوع ، فكان من هذا الاعتبار كالواقع فلا جرم قال : { أحاط بالناس } وروي أنه لما تزاحف الفريقان يوم بدر ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش مع أبي بكر كان يدعو ويقول : ( أللهم إني أسألك عهدك ووعدك لي ) ثم خرج / وعليه الدرع يحرض الناس ويقول : { سيهزم الجمع ويولون الدبر } . ثم قال تعالى : { وما جعلنا الرءيا التى أريناك إلا فتنة للناس } وفي هذه الرؤيا أقوال : القول الأول : أن الله أرى محمدا في المنام مصارع كفار قريش فحين ورد ماء بدر قال : ( والله كأني أنظر إلى مصارع القوم ) ثم أخذ يقول : ( هذا مصرع فلان هذا مصرع فلان ) فلما سمعت قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية ، وكانوا يستعجلون بما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . والقول الثاني : أن المراد رؤياه التي رآها أنه يدخل مكة وأخبر بذلك أصحابه ، فلما منع عن البيت الحرام عام الحديبية كان ذلك فتنة لبعض القوم ، وقال عمر لأبي بكر أليس قد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ندخل البيت ونطوف به ، فقال أبو بكر إنه لم يخبر أنا نفعل ذلك في هذه السنة فسنفعل ذلك في سنة أخرى ، فلما جاء العام المقبل دخلها ، وأنزل الله تعالى : { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } ( الفتح : 27 ) اعترضوا على هذين القولين فقالوا : هذه السورة مكية ، وهاتان الواقعتان مدنيتان ، وهذا السؤال ضعيف لأن هاتين الواقعتين مدنيتان أما رؤيتهما في المنام فلا يبعد حصولها في مكة .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

قلنا : المقصود أن مدعي النبوة إذا أظهر الآية فإذا سمع الخلق أنه أظهر آية فهم لا يعلمون أن تلك الآية معجزة أو مخوفة ، إلا أنهم يجوزون كونها معجزة ، وبتقدير أن تكون معجزة فلو لم يتفكروا فيها ولم يستدلوا بها على الصدق لاستحقوا العقاب الشديد ، فهذا هو الخوف الذي يحملهم على التفكر والتأمل في تلك المعجزات ، فالمراد من قوله : { وما نرسل بالايات إلا تخويفا } هذا الذي ذكرناه ، والله أعلم . واعلم أن القوم لما طالبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعجزات القاهرة ، وأجاب الله تعالى بأن إظهارها ليس بمصلحة صار ذلك سببا لجرأة أولئك الكفار بالطعن فيه وأن يقولوا له : لو كنت رسولا حقا من عند الله تعالى لأتيت بهذه المعجزات التي اقترحناها منك ، كما أتى بها موسى وغيره من الأنبياء ، فعند هذا قوى الله قلبه وبين له أنه تعالى ينصره ويؤيده فقال : { وإذا قلنا لك إن ربك أحاط بالناس } وفيه قولان : القول الأول : المعنى أن حكمته وقدرته محيطة بالناس فهم في قبضته وقدرته ، ومتى كان الأمر كذلك فهم لا يقدرون على أمر من الأمور إلا بقضائه وقدره ، والمقصود كأنه تعالى يقول له : ننصرك ونقويك حتى تبلغ رسالتنا وتظهر ديننا . قال الحسن : حال بينهم وبين أن يقتلوه كما قال تعالى : { والله يعصمك من الناس } ( المائدة : 67 ) . والقول الثاني : أن المراد بالناس أهل مكة وإحاطة الله بهم هو أنه تعالى يفتحها للمؤمنين فكان المعنى : وإذ بشرناك بأن الله أحاط بأهل مكة بمعنى أنه يغلبهم ويقهرهم ويظهر دولتك عليهم ، ونظيره قوله تعالى : { سيهزم الجمع ويولون الدبر } ( القمر : 45 ) وقال : { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون } ( آل عمران : 12 ) إلى قوله : { أحاط بالناس } لما كان كل ما يخبر الله عن وقوعه فهو واجب الوقوع ، فكان من هذا الاعتبار كالواقع فلا جرم قال : { أحاط بالناس } وروي أنه لما تزاحف الفريقان يوم بدر ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش مع أبي بكر كان يدعو ويقول : ( أللهم إني أسألك عهدك ووعدك لي ) ثم خرج / وعليه الدرع يحرض الناس ويقول : { سيهزم الجمع ويولون الدبر } . ثم قال تعالى : { وما جعلنا الرءيا التى أريناك إلا فتنة للناس } وفي هذه الرؤيا أقوال : القول الأول : أن الله أرى محمدا في المنام مصارع كفار قريش فحين ورد ماء بدر قال : ( والله كأني أنظر إلى مصارع القوم ) ثم أخذ يقول : ( هذا مصرع فلان هذا مصرع فلان ) فلما سمعت قريش ذلك جعلوا رؤياه سخرية ، وكانوا يستعجلون بما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . والقول الثاني : أن المراد رؤياه التي رآها أنه يدخل مكة وأخبر بذلك أصحابه ، فلما منع عن البيت الحرام عام الحديبية كان ذلك فتنة لبعض القوم ، وقال عمر لأبي بكر أليس قد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ندخل البيت ونطوف به ، فقال أبو بكر إنه لم يخبر أنا نفعل ذلك في هذه السنة فسنفعل ذلك في سنة أخرى ، فلما جاء العام المقبل دخلها ، وأنزل الله تعالى : { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } ( الفتح : 27 ) اعترضوا على هذين القولين فقالوا : هذه السورة مكية ، وهاتان الواقعتان مدنيتان ، وهذا السؤال ضعيف لأن هاتين الواقعتين مدنيتان أما رؤيتهما في المنام فلا يبعد حصولها في مكة .

Section V20/P187–V20/P189Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V20/P187–V20/P189)
Orijinal Metin (AR)

والقول الثالث : قال سعيد بن المسيب رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك ، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء والإشكال المذكور عائد فيه لأن هذه الآية مكية وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة منبر ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يبعد أن يرى بمكة أن له بالمدينة منبرا يتداوله بنو أمية . والقول الرابع : وهو الأصح وهو قول أكثر المفسرين أن المراد بها ما أراه الله تعالى ليلة الإسراء ، واختلفوا في معنى هذه الرؤيا فقال الأكثرون : لا فرق بين الرؤية والرؤيا في اللغة ، يقال رأيت بعيني رؤية ورؤيا ، وقال الأقلون : هذا يدل على أن قصة الإسراء إنما حصلت في المنام ، وهذا القول ضعيف باطل على ما قررناه في أول هذه السورة ، وقوله : { إلا فتنة للناس } معناه : أنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر لهم قصة الإسراء كذبوه وكفر به كثير ممن كان آمن به وازداد المخلصون إيمانا فلهذا السبب كان امتحانا . ثم قال تعالى : { والشجرة الملعونة فى القرءان } وهذا على التقديم والتأخير ، والتقدير : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس وقيل المعنى : والشجرة الملعونة في القرآن كذلك . واختلفوا في هذه الشجرة ، فالأكثرون قالوا : إنها شجرة الزقوم المذكورة في القرآن في قوله : { إن شجرة الزقوم طعام الاثيم } ( الدخان : 43 ، 44 ) وكانت هذه الفتنة في ذكر هذه الشجرة من وجهين : الأول : / أن أبا جهل قال : زعم صاحبكم بأن نار جهنم تحرق الحجر حيث قال : { وقودها الناس والحجارة } ( التحريم : 6 ) ثم يقول : بأن في النار شجرا والنار تأكل الشجر فكيف تولد فيها الشجر . والثاني : قال ابن الزبعري ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد فتزقموا منه ، فأنزل الله تعالى حين عجبوا أن يكون في النار شجر : { إنا جعلناك فتنة للظالمين } ( الصافات : 63 ) الآيات . فإن قيل : ليس في القرآن لعن هذه الشجرة . قلنا : فيه وجوه : الأول : المراد لعن الكفار الذين يأكلونها . الثاني : العرب تقول لكل طعام مكروه ضار إنه ملعون . والثالث : أن اللعن في أصل اللغة هو التبعيد فلما كانت هذه الشجرة الملعونة في القرآن مبعدة عن جميع صفات الخير سميت ملعونة . القول الثاني : قال ابن عباس رضي الله عنهما : الشجرة بنو أمية يعني الحكم بن أبي العاص قال ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام أن ولد مروان يتداولون منبره فقص رؤياه على أبي بكر وعمر وقد خلا في بيته معهما فلما تفرقوا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم يخبر برؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتد ذلك عليه ، واتهم عمر في إفشاء سره ، ثم ظهر أن الحكم كان يتسمع إليهم فنفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الواحدي : هذه القصة كانت بالمدينة ، والسورة مكية فيبعد هذا التفسير إلا أن يقال : هذه الآية مدنية ولم يقل به أحد ، ومما يؤكد هذا التأويل قول عائشة لمروان لعن الله أباك وأنت في صلبه فأنت بعض من لعنه الله . والقول الثالث : أن الشجرة الملعونة في القرآن هي اليهود لقوله تعالى : { لعن الذين كفروا } ( المائدة : 78 ) . فإن قال قائل : إن القوم لما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الإتيان بالمعجزات القاهرة فأجاب أنه لا مصلحة في إظهارها لأنها لو ظهرت ولم تؤمنوا نزل الله عليكم عذاب الاستئصال / وذلك غير جائز وأي تعلق لهذا الكلام بذكر الرؤيا التي صارت فتنة للناس وبذكر الشجرة التي صارت فتنة للناس .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

والقول الثالث : قال سعيد بن المسيب رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك ، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء والإشكال المذكور عائد فيه لأن هذه الآية مكية وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة منبر ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يبعد أن يرى بمكة أن له بالمدينة منبرا يتداوله بنو أمية . والقول الرابع : وهو الأصح وهو قول أكثر المفسرين أن المراد بها ما أراه الله تعالى ليلة الإسراء ، واختلفوا في معنى هذه الرؤيا فقال الأكثرون : لا فرق بين الرؤية والرؤيا في اللغة ، يقال رأيت بعيني رؤية ورؤيا ، وقال الأقلون : هذا يدل على أن قصة الإسراء إنما حصلت في المنام ، وهذا القول ضعيف باطل على ما قررناه في أول هذه السورة ، وقوله : { إلا فتنة للناس } معناه : أنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر لهم قصة الإسراء كذبوه وكفر به كثير ممن كان آمن به وازداد المخلصون إيمانا فلهذا السبب كان امتحانا . ثم قال تعالى : { والشجرة الملعونة فى القرءان } وهذا على التقديم والتأخير ، والتقدير : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس وقيل المعنى : والشجرة الملعونة في القرآن كذلك . واختلفوا في هذه الشجرة ، فالأكثرون قالوا : إنها شجرة الزقوم المذكورة في القرآن في قوله : { إن شجرة الزقوم طعام الاثيم } ( الدخان : 43 ، 44 ) وكانت هذه الفتنة في ذكر هذه الشجرة من وجهين : الأول : / أن أبا جهل قال : زعم صاحبكم بأن نار جهنم تحرق الحجر حيث قال : { وقودها الناس والحجارة } ( التحريم : 6 ) ثم يقول : بأن في النار شجرا والنار تأكل الشجر فكيف تولد فيها الشجر . والثاني : قال ابن الزبعري ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد فتزقموا منه ، فأنزل الله تعالى حين عجبوا أن يكون في النار شجر : { إنا جعلناك فتنة للظالمين } ( الصافات : 63 ) الآيات . فإن قيل : ليس في القرآن لعن هذه الشجرة . قلنا : فيه وجوه : الأول : المراد لعن الكفار الذين يأكلونها . الثاني : العرب تقول لكل طعام مكروه ضار إنه ملعون . والثالث : أن اللعن في أصل اللغة هو التبعيد فلما كانت هذه الشجرة الملعونة في القرآن مبعدة عن جميع صفات الخير سميت ملعونة . القول الثاني : قال ابن عباس رضي الله عنهما : الشجرة بنو أمية يعني الحكم بن أبي العاص قال ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام أن ولد مروان يتداولون منبره فقص رؤياه على أبي بكر وعمر وقد خلا في بيته معهما فلما تفرقوا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم يخبر برؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتد ذلك عليه ، واتهم عمر في إفشاء سره ، ثم ظهر أن الحكم كان يتسمع إليهم فنفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الواحدي : هذه القصة كانت بالمدينة ، والسورة مكية فيبعد هذا التفسير إلا أن يقال : هذه الآية مدنية ولم يقل به أحد ، ومما يؤكد هذا التأويل قول عائشة لمروان لعن الله أباك وأنت في صلبه فأنت بعض من لعنه الله . والقول الثالث : أن الشجرة الملعونة في القرآن هي اليهود لقوله تعالى : { لعن الذين كفروا } ( المائدة : 78 ) . فإن قال قائل : إن القوم لما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الإتيان بالمعجزات القاهرة فأجاب أنه لا مصلحة في إظهارها لأنها لو ظهرت ولم تؤمنوا نزل الله عليكم عذاب الاستئصال / وذلك غير جائز وأي تعلق لهذا الكلام بذكر الرؤيا التي صارت فتنة للناس وبذكر الشجرة التي صارت فتنة للناس .

Section V20/P189–V21/P003Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V20/P189–V21/P003)
Orijinal Metin (AR)

قلنا : التقدير كأنه قيل : إنهم لما طلبوا هذه المعجزات ثم إنك لم تظهرها صار عدم ظهورها شبهة لهم في أنك لست بصادق في دعوى النبوة إلا أن وقوع هذه الشبهة لا يوهن أمرك ولا يصير سببا لضعف حالك ألا ترى أن ذكر تلك الرؤيا صار سببا لوقوع الشبهة العظيمة في القلوب ثم إن قوة تلك الشبهات ما أوجبت ضعفا في أمرك ولا فتورا في اجتماع المحقين عليك فكذلك هذه الشبهة الحاصلة بسبب عدم ظهور هذه المعجزات لا توجب فتورا في حالك ، ولا ضعفا في أمرك ، والله أعلم . / ثم قال تعالى : { ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } والمقصود منه ذكر سبب آخر في أنه تعالى ما أظهر المعجزات التي اقترحوها ، وذلك لأن هؤلاء خوفوا بمخاوف الدنيا والآخرة وبشجرة الزقوم فما زادهم هذا التخويف إلا طغيانا كبيرا ، وذلك يدل على قسوة قلوبهم وتماديهم في الغي والطغيان ، وإذا كان الأمر كذلك فبتقدير أن يظهر الله لهم تلك المعجزات التي اقترحوها لم ينتفعوا بها ولا يزدادون إلا تماديا في الجهل والعناد ، وإذا كان كذلك ، وجب في الحكمة أن لا يظهر الله لهم ما اقترحوه من الآيات والمعجزات والله أعلم . ! 7 < { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أءسجد لمن خلقت طينا قال أرءيتك هاذا الذى كرمت على لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزآؤكم جزاء موفورا } > 7 < الإسراء : ( 61 - 63 ) وإذ قلنا للملائكة . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : ي كيفية النظم وجوه : الأول : اعلم أنه تعالى لما ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في محنة عظيمة من قومه وأهل زمانه ، بين أن حال الأنبياء مع أهل زمانهم كذلك . ألا ترى أن أول الأولياء هو آدم ، ثم إنه كان في محنة شديدة من إبليس . الثاني : أن القوم إنما نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاندوه واقترحوا عليه الاقتراحات الباطلة لأمرين الكبر والحسد ، أما الكبر فلأن تكبرهم كان يمنعهم من الانقياد ، وأما الحسد فلأنهم كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من النبوة والدرجة العالية ، فبين تعالى أن هذا الكبر والحسد هما اللذان حملا إبليس على الخروج من الإيمان والدخول في الكفر ، فهذه بلية قديمة ومحنة عظيمة للخلق . والثالث : أنه تعالى لما وصفهم بقوله { فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } [ الإسراء : 60 ] بين ما هو السبب لحصول هذا الطغيان وهو قول إبليس { لأحتنكن ذريته إلا قليلا } فلأجل هذا المقصود ذكر الله تعالى قصة إبليس وآدم ، فهذا هو الكلام في كيفية النظم . المسألة الثانية : اعلم أنه هذه القصة قد ذكرها الله تعالى في سور سبعة ، وهي : البقرة والأعراف والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص والكلام المستقصى فيها قد تقدم في البقرة الأعراف والحجر فلا فائدة في الإعادة ولا بأس بتعديد بعض المسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في أن المأمورين بالسجود لآدم أهم جميع الملائكة أم ملائكة الأرض على التخصيص ؟ فظاهر لفظ الملائكة بفبد العموم إلا أن قوله تعالى في آخر سورة الأعراف في صفة ملائكة السموات { وله يسجدون } [ الأعراف : 206 ] يوجب خروج ملائكة السموات من هذا العموم . المسألة الثانية : أن المراد من هذه السجدة وضع الجبهة على الأرض أو التحية ، وعلى التقدير الأول فآدم كان هو المسجود له أو يقال كان المسجود له هو الله تعالى وآدم كان قبلة للسجود ؟ المسألة الثالثة : إن إبليس هل هو من الملائكة أم لا ؟ وإن لم يكن من الملائكة فأمر الملائكة بالسجود كيف يتناوله ؟

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

قلنا : التقدير كأنه قيل : إنهم لما طلبوا هذه المعجزات ثم إنك لم تظهرها صار عدم ظهورها شبهة لهم في أنك لست بصادق في دعوى النبوة إلا أن وقوع هذه الشبهة لا يوهن أمرك ولا يصير سببا لضعف حالك ألا ترى أن ذكر تلك الرؤيا صار سببا لوقوع الشبهة العظيمة في القلوب ثم إن قوة تلك الشبهات ما أوجبت ضعفا في أمرك ولا فتورا في اجتماع المحقين عليك فكذلك هذه الشبهة الحاصلة بسبب عدم ظهور هذه المعجزات لا توجب فتورا في حالك ، ولا ضعفا في أمرك ، والله أعلم . / ثم قال تعالى : { ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } والمقصود منه ذكر سبب آخر في أنه تعالى ما أظهر المعجزات التي اقترحوها ، وذلك لأن هؤلاء خوفوا بمخاوف الدنيا والآخرة وبشجرة الزقوم فما زادهم هذا التخويف إلا طغيانا كبيرا ، وذلك يدل على قسوة قلوبهم وتماديهم في الغي والطغيان ، وإذا كان الأمر كذلك فبتقدير أن يظهر الله لهم تلك المعجزات التي اقترحوها لم ينتفعوا بها ولا يزدادون إلا تماديا في الجهل والعناد ، وإذا كان كذلك ، وجب في الحكمة أن لا يظهر الله لهم ما اقترحوه من الآيات والمعجزات والله أعلم . ! 7 < { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أءسجد لمن خلقت طينا قال أرءيتك هاذا الذى كرمت على لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزآؤكم جزاء موفورا } > 7 < الإسراء : ( 61 - 63 ) وإذ قلنا للملائكة . . . . . > > فيه مسائل : المسألة الأولى : ي كيفية النظم وجوه : الأول : اعلم أنه تعالى لما ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في محنة عظيمة من قومه وأهل زمانه ، بين أن حال الأنبياء مع أهل زمانهم كذلك . ألا ترى أن أول الأولياء هو آدم ، ثم إنه كان في محنة شديدة من إبليس . الثاني : أن القوم إنما نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاندوه واقترحوا عليه الاقتراحات الباطلة لأمرين الكبر والحسد ، أما الكبر فلأن تكبرهم كان يمنعهم من الانقياد ، وأما الحسد فلأنهم كانوا يحسدونه على ما آتاه الله من النبوة والدرجة العالية ، فبين تعالى أن هذا الكبر والحسد هما اللذان حملا إبليس على الخروج من الإيمان والدخول في الكفر ، فهذه بلية قديمة ومحنة عظيمة للخلق . والثالث : أنه تعالى لما وصفهم بقوله { فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } [ الإسراء : 60 ] بين ما هو السبب لحصول هذا الطغيان وهو قول إبليس { لأحتنكن ذريته إلا قليلا } فلأجل هذا المقصود ذكر الله تعالى قصة إبليس وآدم ، فهذا هو الكلام في كيفية النظم . المسألة الثانية : اعلم أنه هذه القصة قد ذكرها الله تعالى في سور سبعة ، وهي : البقرة والأعراف والحجر وهذه السورة والكهف وطه وص والكلام المستقصى فيها قد تقدم في البقرة الأعراف والحجر فلا فائدة في الإعادة ولا بأس بتعديد بعض المسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في أن المأمورين بالسجود لآدم أهم جميع الملائكة أم ملائكة الأرض على التخصيص ؟ فظاهر لفظ الملائكة بفبد العموم إلا أن قوله تعالى في آخر سورة الأعراف في صفة ملائكة السموات { وله يسجدون } [ الأعراف : 206 ] يوجب خروج ملائكة السموات من هذا العموم . المسألة الثانية : أن المراد من هذه السجدة وضع الجبهة على الأرض أو التحية ، وعلى التقدير الأول فآدم كان هو المسجود له أو يقال كان المسجود له هو الله تعالى وآدم كان قبلة للسجود ؟ المسألة الثالثة : إن إبليس هل هو من الملائكة أم لا ؟ وإن لم يكن من الملائكة فأمر الملائكة بالسجود كيف يتناوله ؟

Section V21/P003Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V21/P003)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الرابعة : هل كان إبليس كافرا من أول الأمر أو يقال إنما كفر في ذلك الوقت ؟ المسالة الخامسة : الملائكة سجدوا لآدم من أول ما كملت حياته أو بعد ذلك ؟ االمسألة السادسة : شبهة إبليس في الامتناع من السجود أهو قوله { أأسجد لمن خلقت طينا } أو غيره ؟ المسألة السابعة : دلت هذه الآيات على أن إبليس كان عارفا بربه ، إلا أنه وقع في الكفر بسبب الكبر والحسد ، ومنهم من أنكر وقال ما عرف الله البتة . المسألة الثامنة : ما سبب حكمة إمهال إبليس وتسليطه على الخلق بالوسوسة ؟ ولنرجع إلى التفسير فنقول : إنه تعالى حكة في هذه الآية عن إبليس نوعا واحدا من العمل ونوعين من القول ، أما العمل فهو أنه لم يسجد لآدم وهو المراد من قوله { فسجدوا إلا إبليس } وأما النوعان من القول : فأولهما قوله { أأسجد لمن خلقت طينا } وهذا استفهام بمعنى الإنكار معناه أن أصلي أشرف من أصله فوجب أن أكون أنا أشرف منه ، والأشرف يقبح في العقول أمره بخدمة الأدنى . والنوع الثاني من كلامه : قوله { أرأيتك هذا الذي كرمت علي } قال الزجاج : قوله { أرأيت } معناه أخبرني ، وقد استقصينا [ البحث ] في تفسير هذه الكلمة في سورة الأنعام . وقوله { هذا الذي كرمت علي } فيه وجوه : الأول : معناه : أخبرني عن هذا الذي فضلته علي لم فضلته علي وأنا خير منه ؟ ثم اختصر الكلام لكونه مفهوما . الثاني : يمكن أن يقال خذا مبتدأ محذوف منه حرف الاستفهام ، والذي مع صلته خبر ، تقديره أخبرني أهذا الذي كرمته علي ! وذلك على وجه محذوف منه حرف الاستفهام ، والذي مع صلته خبر ، تقديره أخبرني أهذا الذي كرمته علي ! أغنى عن تكراره . والوجه الثالث : أن يكون هذا مفعول أرأيت لأن الكاف جاءت لمجرد الخطاب لا محل لها ، كأنه قال على وجه التعجب والإنكار أبصرت أو علمت هذا الذي كرمت علي ، بمعنى لو أبصرته أو علمته لكان يجب أن لا تكرمه علي ، هذا هو حقيقة هذه الكلمة . ثم قال تعالى حكاية [ عنه ] { لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا } وفيه مباحث : البحث الأول : قرأ ابن كثير { لئن أخرتني إلى يوم القيامة } بإثبات الياء في الوصل والوقف ، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالحذف نافع وأبو عمرو بإثباته في الوصل دون الوقف . البحث الثاني : في الاحتناك قولان : أحدهما : أنه عبارة عن الأخذ بالكلية ، يقال : احتنك فلان ما عند فلان من مال إذا استقصاه وأخذه بالكلية ، واحتنك الجراد الزرع إذا أكله بالكلية . والثاني : أنه من قول العرب حنك الدابة يحنكها ، إذا جعل في حنكها الأسفل حبلا يقودها به ، وقال أبو مسلم : الأحتناك افتعال من الحنك كأنهم يملكهم كما يملك الفارس فرسه بلجامه ، فعلى القول الأول معنى الآية لأستأصلنهم بالإغواء . وعلى القول الثاني لأقودنهم إلى المعاصي كما تقاد الدابة بحبلها .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الرابعة : هل كان إبليس كافرا من أول الأمر أو يقال إنما كفر في ذلك الوقت ؟ المسالة الخامسة : الملائكة سجدوا لآدم من أول ما كملت حياته أو بعد ذلك ؟ االمسألة السادسة : شبهة إبليس في الامتناع من السجود أهو قوله { أأسجد لمن خلقت طينا } أو غيره ؟ المسألة السابعة : دلت هذه الآيات على أن إبليس كان عارفا بربه ، إلا أنه وقع في الكفر بسبب الكبر والحسد ، ومنهم من أنكر وقال ما عرف الله البتة . المسألة الثامنة : ما سبب حكمة إمهال إبليس وتسليطه على الخلق بالوسوسة ؟ ولنرجع إلى التفسير فنقول : إنه تعالى حكة في هذه الآية عن إبليس نوعا واحدا من العمل ونوعين من القول ، أما العمل فهو أنه لم يسجد لآدم وهو المراد من قوله { فسجدوا إلا إبليس } وأما النوعان من القول : فأولهما قوله { أأسجد لمن خلقت طينا } وهذا استفهام بمعنى الإنكار معناه أن أصلي أشرف من أصله فوجب أن أكون أنا أشرف منه ، والأشرف يقبح في العقول أمره بخدمة الأدنى . والنوع الثاني من كلامه : قوله { أرأيتك هذا الذي كرمت علي } قال الزجاج : قوله { أرأيت } معناه أخبرني ، وقد استقصينا [ البحث ] في تفسير هذه الكلمة في سورة الأنعام . وقوله { هذا الذي كرمت علي } فيه وجوه : الأول : معناه : أخبرني عن هذا الذي فضلته علي لم فضلته علي وأنا خير منه ؟ ثم اختصر الكلام لكونه مفهوما . الثاني : يمكن أن يقال خذا مبتدأ محذوف منه حرف الاستفهام ، والذي مع صلته خبر ، تقديره أخبرني أهذا الذي كرمته علي ! وذلك على وجه محذوف منه حرف الاستفهام ، والذي مع صلته خبر ، تقديره أخبرني أهذا الذي كرمته علي ! أغنى عن تكراره . والوجه الثالث : أن يكون هذا مفعول أرأيت لأن الكاف جاءت لمجرد الخطاب لا محل لها ، كأنه قال على وجه التعجب والإنكار أبصرت أو علمت هذا الذي كرمت علي ، بمعنى لو أبصرته أو علمته لكان يجب أن لا تكرمه علي ، هذا هو حقيقة هذه الكلمة . ثم قال تعالى حكاية [ عنه ] { لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا } وفيه مباحث : البحث الأول : قرأ ابن كثير { لئن أخرتني إلى يوم القيامة } بإثبات الياء في الوصل والوقف ، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالحذف نافع وأبو عمرو بإثباته في الوصل دون الوقف . البحث الثاني : في الاحتناك قولان : أحدهما : أنه عبارة عن الأخذ بالكلية ، يقال : احتنك فلان ما عند فلان من مال إذا استقصاه وأخذه بالكلية ، واحتنك الجراد الزرع إذا أكله بالكلية . والثاني : أنه من قول العرب حنك الدابة يحنكها ، إذا جعل في حنكها الأسفل حبلا يقودها به ، وقال أبو مسلم : الأحتناك افتعال من الحنك كأنهم يملكهم كما يملك الفارس فرسه بلجامه ، فعلى القول الأول معنى الآية لأستأصلنهم بالإغواء . وعلى القول الثاني لأقودنهم إلى المعاصي كما تقاد الدابة بحبلها .

Section V21/P003–V21/P005Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V21/P003–V21/P005)
Orijinal Metin (AR)

البحث الثالث : قوله { إلا قليلا } هم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } [ البقرة : 30 ] فإن قيل كيف ظن إبليس هذا الظن الصادق بذرية آدم ؟ قلنا فيه وجوه : الأول : أنه سمع الملائكة يقولون { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } [ البقرة : 30 ] فعرف هذه الأحوال . الثاني : أنه وسوس إلى آدم فلم يجد له عزما فقال الظاهر أن أولاده يكونون مثله في ضعف العزم . الثالث : أنه عرف أنه مركب من قوة بهيمية شهوانية ، وقوة سبعية غضبية ، وقوة وهمية شيطانية ، وقوة عقلية ملكية ، وعرف أن القوى الثلاث أعني الشهوانية والغضبية والوهمية تكون هي المستولية في أول الخلقة ، ثم إن القوة العقلية إنما تكمل في آخر الأمر ، ومتى كان الأمر كذلك كان ما ذكره إبليس لازما . واعلم أنه تعالى لما حكى عن إبليس ذلك حكى عن نفسه أنه تعالى قال له اذهب ، وهذا ليس من الذهاب الذي هو نقيض المجيء وإنما معناه امض لشأنك الذي اخترته ، والمقصود التخلية وتفويض الأمر إليه . ثم قال { فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا } ونظيره قول موسى عليه الصلاة والسلام { فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس } [ طه : 97 ] فإن قيل أليس الأولى أن يقال : فإن جهنم جزاؤهم جزاء موفورا ، ليكون هذا الضمير راجعا إلى قوله { فمن تبعك } ؟ . قلنا فيه وجوه : الأول : التقدير فإن جهنم جزاؤهم وجزاؤكم ثم غلب المخاطب على الغائب فقيل جزاؤكم . والثاني : يجوز أن يكون هذا الخطاب مع الغائبين على طريقة الالتفات . والثالث : أنه صلى الله عليه وسلم قال < < من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة > > فكل معصية توجد فيحصل لإبليس مثل وزر ذلك العامل . فلما كان إبليس هو الأصل في كل المعاصي صار المخاطب بالوعيد هو إبليس ، ثم قال { جزاء موفورا } وهذه اللفظة قد تجيء متعديا ولازما ، أما المتعدي فيقال : وفرته أفره وفرا [ و ] وفرة فهو موفور [ و ] موفر ، قال زهير ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتق الشتم يشتم واللازم كقوله : وفر المال يفر وفورا فهو وافر ، فعلى التقدير الأول : يكون المعنى جزاء موفورا موفرا ، وعلى الثاني : يكون المعنى جزاء موفورا وافرا ، وانتصب قوله { جزاء } على المصدر . قوله تعالى ! 7 < { واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ، إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا } > 7 < الإسراء : ( 64 - 65 ) واستفزز من استطعت . . . . . > >

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البحث الثالث : قوله { إلا قليلا } هم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } [ البقرة : 30 ] فإن قيل كيف ظن إبليس هذا الظن الصادق بذرية آدم ؟ قلنا فيه وجوه : الأول : أنه سمع الملائكة يقولون { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } [ البقرة : 30 ] فعرف هذه الأحوال . الثاني : أنه وسوس إلى آدم فلم يجد له عزما فقال الظاهر أن أولاده يكونون مثله في ضعف العزم . الثالث : أنه عرف أنه مركب من قوة بهيمية شهوانية ، وقوة سبعية غضبية ، وقوة وهمية شيطانية ، وقوة عقلية ملكية ، وعرف أن القوى الثلاث أعني الشهوانية والغضبية والوهمية تكون هي المستولية في أول الخلقة ، ثم إن القوة العقلية إنما تكمل في آخر الأمر ، ومتى كان الأمر كذلك كان ما ذكره إبليس لازما . واعلم أنه تعالى لما حكى عن إبليس ذلك حكى عن نفسه أنه تعالى قال له اذهب ، وهذا ليس من الذهاب الذي هو نقيض المجيء وإنما معناه امض لشأنك الذي اخترته ، والمقصود التخلية وتفويض الأمر إليه . ثم قال { فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا } ونظيره قول موسى عليه الصلاة والسلام { فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس } [ طه : 97 ] فإن قيل أليس الأولى أن يقال : فإن جهنم جزاؤهم جزاء موفورا ، ليكون هذا الضمير راجعا إلى قوله { فمن تبعك } ؟ . قلنا فيه وجوه : الأول : التقدير فإن جهنم جزاؤهم وجزاؤكم ثم غلب المخاطب على الغائب فقيل جزاؤكم . والثاني : يجوز أن يكون هذا الخطاب مع الغائبين على طريقة الالتفات . والثالث : أنه صلى الله عليه وسلم قال < < من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة > > فكل معصية توجد فيحصل لإبليس مثل وزر ذلك العامل . فلما كان إبليس هو الأصل في كل المعاصي صار المخاطب بالوعيد هو إبليس ، ثم قال { جزاء موفورا } وهذه اللفظة قد تجيء متعديا ولازما ، أما المتعدي فيقال : وفرته أفره وفرا [ و ] وفرة فهو موفور [ و ] موفر ، قال زهير ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتق الشتم يشتم واللازم كقوله : وفر المال يفر وفورا فهو وافر ، فعلى التقدير الأول : يكون المعنى جزاء موفورا موفرا ، وعلى الثاني : يكون المعنى جزاء موفورا وافرا ، وانتصب قوله { جزاء } على المصدر . قوله تعالى ! 7 < { واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ، إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا } > 7 < الإسراء : ( 64 - 65 ) واستفزز من استطعت . . . . . > >

Section V21/P005Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V21/P005)
Orijinal Metin (AR)

اعلم أن إبليس لما طلب من الله الإمهال إلى يوم القيامة لأجل أن يحتنك ذرية آدم فالله تعالى ذكر أشياء . أولها : قوله : { اذهب } ومعناه : أمهلتك هذه المدة . وثانيها : قوله تعالى : { واستفزز من استطعت منهم } يقال أفزه الخوف واستفزه أي أزعجه واستخفه ، / وصوته دعاؤه إلى معصية الله تعالى ، وقيل : أراد بصوتك الغناء واللهو واللعب ، ومعنى صيغة الأمر هنا التهديد كما يقال : اجهد جهدك فسترى ما ينزل بك . وثالثها : { بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } في قوله : { وأجلب } وجوه . الأول : قال الفراء : إنه من الجلبة وهو الصياح وربما قالوا الجلب كما قالوا الغلبة والغلب والشفقة والشفق ، وقال الليث وأبو عبيدة أجلبوا وجلبوا من الصياح . الثاني : قال الزجاج في فعل وأفعل ، أجلب على العدو إجلابا إذا جمع عليه الخيول . الثالث : قال ابن السكيت يقال هم يجلبون عليه بمعنى أنهم يعينون عليه . والرابع : روى ثعلب عن ابن الأعرابي أجلب الرجل على الرجل إذا توعده الشر وجمع عليه الجمع ، فقوله : وأجلب عليهم معناه على قول الفراء صح عليهم بخيلك ورجلك ، وعلى قول الزجاج : أجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكايدك وتكون الباء في قوله : بخيلك زائدة على هذا القول ، وعلى قول ابن السكيت معناه أعن عليهم بخيلك ورجلك ومفعول الإجلاب على هذا القول محذوف كأنه يستعين على إغوائهم بخيله ورجله ، وهذا أيضا يقرب من قول ابن الأعرابي ، واختلفوا في تفسير الخيل والرجل ، فروى أبو الضحى عن ابن عباس أنه قال : ( كل راكب أو راجل في معصية الله تعالى فهو من خيل إبليس وجنوده ) ، ويدخل فيه كل راكب وماش في معصية الله تعالى ، فعلى هذا التقدير خيله ورجله كل من شاركه في الدعاء إلى المعصية . والقول الثاني : يحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضهم راكب وبعضهم راجل . والقول الثالث : أن المراد منه ضرب المثل كما تقول للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك ورجلك وهذا الوجه أقرب ، والخيل تقع على الفرسان . قال عليه الصلاة والسلام : ( يا خيل الله اركبي ) وقد تقع على الأفراس خاصة ، والمراد ههنا الأول والرجل جمع راجل كما قالوا تاجر وتجر وصاحب وصحب وراكب وركب ، وروى حفص عن عاصم ورجلك بكسر الجيم وغيره بالضم ، قال أبو زيد يقال رجل ورجل بمعنى واحد ومثله حدث وحدث وندس وندس ، قال ابن الأنباري : أخبرنا ثعلب عن الفراء قال : يقال رجل ورجل ورجلان بمعنى واحد . والنوع الرابع : من الأشياء التي ذكرها الله تعالى لإبليس قوله : { وشاركهم فى الاموال والاولاد } نقول : أما المشاركة في الأموال فهي عبارة عن كل تصرف قبيح في المال سواء كان ذلك القبيح بسبب أخذه من غير حقه أو وضعه في غير حقه ويدخل فيه الربا والغصب والسرقة والمعاملات الفاسدة ، وهكذا قاله القاضي وهو ضبط حسن / وأما المفسرون فقد ذكروا وجوها قال قتادة : المشاركة في الأموال هي أن جعلوا بحيرة وسائبة ، وقال عكرمة هي عبارة عن تبتيكهم آذان الأنعام ، وقيل هي أن جعلوا من أموالهم شيئا لغير / الله تعالى كما قال تعالى : { فقالوا هاذا لله بزعمهم وهاذا لشركائنا } ( الأنعام : 136 ) والأصوب ما قاله القاضي ، وأما المشاركة في الأولاد فذكروا فيه وجوها . أحدها : أنها الدعاء إلى الزنا ، وزيف الأصم ذلك بأن قال إنه لا ذم على الولد ، ويمكن أن يجاب عنه بأن المراد وشاركهم في طريق تحصيل الولد وذلك بالدعاء إلى الزنا . وثانيها : أن يسموا أولادهم بعبد اللات وعبد العزى . وثالثها : أن يرغبوا أولادهم في الأديان الباطلة كاليهودية والنصرانية وغيرهما .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

اعلم أن إبليس لما طلب من الله الإمهال إلى يوم القيامة لأجل أن يحتنك ذرية آدم فالله تعالى ذكر أشياء . أولها : قوله : { اذهب } ومعناه : أمهلتك هذه المدة . وثانيها : قوله تعالى : { واستفزز من استطعت منهم } يقال أفزه الخوف واستفزه أي أزعجه واستخفه ، / وصوته دعاؤه إلى معصية الله تعالى ، وقيل : أراد بصوتك الغناء واللهو واللعب ، ومعنى صيغة الأمر هنا التهديد كما يقال : اجهد جهدك فسترى ما ينزل بك . وثالثها : { بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } في قوله : { وأجلب } وجوه . الأول : قال الفراء : إنه من الجلبة وهو الصياح وربما قالوا الجلب كما قالوا الغلبة والغلب والشفقة والشفق ، وقال الليث وأبو عبيدة أجلبوا وجلبوا من الصياح . الثاني : قال الزجاج في فعل وأفعل ، أجلب على العدو إجلابا إذا جمع عليه الخيول . الثالث : قال ابن السكيت يقال هم يجلبون عليه بمعنى أنهم يعينون عليه . والرابع : روى ثعلب عن ابن الأعرابي أجلب الرجل على الرجل إذا توعده الشر وجمع عليه الجمع ، فقوله : وأجلب عليهم معناه على قول الفراء صح عليهم بخيلك ورجلك ، وعلى قول الزجاج : أجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكايدك وتكون الباء في قوله : بخيلك زائدة على هذا القول ، وعلى قول ابن السكيت معناه أعن عليهم بخيلك ورجلك ومفعول الإجلاب على هذا القول محذوف كأنه يستعين على إغوائهم بخيله ورجله ، وهذا أيضا يقرب من قول ابن الأعرابي ، واختلفوا في تفسير الخيل والرجل ، فروى أبو الضحى عن ابن عباس أنه قال : ( كل راكب أو راجل في معصية الله تعالى فهو من خيل إبليس وجنوده ) ، ويدخل فيه كل راكب وماش في معصية الله تعالى ، فعلى هذا التقدير خيله ورجله كل من شاركه في الدعاء إلى المعصية . والقول الثاني : يحتمل أن يكون لإبليس جند من الشياطين بعضهم راكب وبعضهم راجل . والقول الثالث : أن المراد منه ضرب المثل كما تقول للرجل المجد في الأمر جئتنا بخيلك ورجلك وهذا الوجه أقرب ، والخيل تقع على الفرسان . قال عليه الصلاة والسلام : ( يا خيل الله اركبي ) وقد تقع على الأفراس خاصة ، والمراد ههنا الأول والرجل جمع راجل كما قالوا تاجر وتجر وصاحب وصحب وراكب وركب ، وروى حفص عن عاصم ورجلك بكسر الجيم وغيره بالضم ، قال أبو زيد يقال رجل ورجل بمعنى واحد ومثله حدث وحدث وندس وندس ، قال ابن الأنباري : أخبرنا ثعلب عن الفراء قال : يقال رجل ورجل ورجلان بمعنى واحد . والنوع الرابع : من الأشياء التي ذكرها الله تعالى لإبليس قوله : { وشاركهم فى الاموال والاولاد } نقول : أما المشاركة في الأموال فهي عبارة عن كل تصرف قبيح في المال سواء كان ذلك القبيح بسبب أخذه من غير حقه أو وضعه في غير حقه ويدخل فيه الربا والغصب والسرقة والمعاملات الفاسدة ، وهكذا قاله القاضي وهو ضبط حسن / وأما المفسرون فقد ذكروا وجوها قال قتادة : المشاركة في الأموال هي أن جعلوا بحيرة وسائبة ، وقال عكرمة هي عبارة عن تبتيكهم آذان الأنعام ، وقيل هي أن جعلوا من أموالهم شيئا لغير / الله تعالى كما قال تعالى : { فقالوا هاذا لله بزعمهم وهاذا لشركائنا } ( الأنعام : 136 ) والأصوب ما قاله القاضي ، وأما المشاركة في الأولاد فذكروا فيه وجوها . أحدها : أنها الدعاء إلى الزنا ، وزيف الأصم ذلك بأن قال إنه لا ذم على الولد ، ويمكن أن يجاب عنه بأن المراد وشاركهم في طريق تحصيل الولد وذلك بالدعاء إلى الزنا . وثانيها : أن يسموا أولادهم بعبد اللات وعبد العزى . وثالثها : أن يرغبوا أولادهم في الأديان الباطلة كاليهودية والنصرانية وغيرهما .

Section V21/P005–V21/P006Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V21/P005–V21/P006)
Orijinal Metin (AR)

ورابعها : إقدامهم على قتل الأولاد ووأدهم . وخامسها : ترغيبهم في حفظ الأشعار المشتملة على الفحش وترغيبهم في القتل والقتال والحرف الخبيثة الخسيسة والضابط أن يقال إن كل تصرف من المرء في ولده على وجه يؤدي إلى ارتكاب منكر أو قبيح فهو داخل فيه .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ورابعها : إقدامهم على قتل الأولاد ووأدهم . وخامسها : ترغيبهم في حفظ الأشعار المشتملة على الفحش وترغيبهم في القتل والقتال والحرف الخبيثة الخسيسة والضابط أن يقال إن كل تصرف من المرء في ولده على وجه يؤدي إلى ارتكاب منكر أو قبيح فهو داخل فيه .

Section V21/P006–V21/P007Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V21/P006–V21/P007)
Orijinal Metin (AR)

والنوع الخامس : من الأشياء التي ذكرها الله تعالى لإبليس في هذه الآية قوله : { وعدهم } . واعلم أنه لما كان مقصود الشيطان الترغيب في الإعتقاد الباطل والعمل الباطل والتنفير عن الإعتقاد الحق والعمل الحق ، ومعلوم أن الترغيب في الشيء لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا ضرر البتة في فعله ومع ذلك فإنه يفيد المنافع العظيمة ، والتنفير عن الشيء لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا فائدة في فعله ، ومع ذلك فيفيد المضار العظيمة ، إذا ثبت هذا فنقول : إن الشيطان إذا دعا إلى المعصية فلا بد وأن يقرر أولا أنه لا مضرة في فعله البتة ، وذلك إنما يمكن إذا قال لا معاد ولا جنة ولا نار ، ولا حياة بعد هذه الحياة ، فبهذا الطريق يقرر عنده أنه لا مضرة البتة في فعل هذه المعاصي ، وإذا فرغ عن هذا المقام قرر عنده أن هذا الفعل يفيد أنواعا من اللذة والسرور ولا حياة للإنسان في هذه الدنيا إلا به ، فتفويتها غبن وخسران كما قال الشاعر : خذوا بنصيب من سرور ولذة فكل وإن طال المدى يتصرم فهذا هو طريق الدعوة إلى المعصية ، وأما طريق التنفير عن الطاعة فهو أن يقرر أولا عنده أنه لا فائدة فيه وتقريره من وجهين . الأول : أن يقول لا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عذاب . والثاني : أن هذه العبادات لا فائدة فيها للعابد والمعبود فكانت عبثا محضا فبهذين الطريقين يقرر الشيطان عند الإنسان أنه لا فائدة فيها ، وإذا فرغ عن هذا المقام قال إنها توجب التعب والمحنة وذلك أعظم المضار ، فهذه مجامع تلبيس الشيطان ، فقوله : { وعدهم } يتناول كل هذه الأقسام ، قال المفسرون قوله : { وعدهم } أي بأنه لا جنة ولا نار ، وقال آخرون : { وعدهم } بتسويف التوبة ، وقال آخرون { وعدهم } بالأماني الباطلة مثل قوله لآدم : { ما نهاكما ربكما عن هاذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين } ( الأعراف : 20 ) وقال آخرون : وعدهم بشفاعة الأصنام عند الله تعالى وبالأنساب الشريفة وإيثار العاجل على الآجل ، وبالجملة فهذه الأقسام كثيرة وكلها داخلة في الضبط الذي ذكرناه وإن أردت الاستقصاء في هذا الباب فطالع كتاب ذم الغرور من كتاب إحياء علوم الدين للشيخ الغزالي حتى يحيط عقلك بمجامع تلبيس إبليس ، واعلم أن الله تعالى لما قال : { وعدهم } أردفه بما يكون زاجرا عن قبول وعده فقال : { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } والسبب فيه أنه إنما يدعو إلى أحد أمور ثلاثة قضاء الشهوة وإمضاء الغضب وطلب الرياسة وعلو الدرجة / ولا يدعو البتة إلى معرفة الله تعالى ولا إلى خدمته ، وتلك الأشياء الثلاثة معنوية من وجوه كثيرة . أحدها : أنها في الحقيقة ليست لذات بل هي خلاص عن الآلام . وثانيها : وإن كانت لذات لكنها لذات خسيسة مشترك فيها بين الكلاب والديدان والخنافس وغيرها . وثالثها : أنها سريعة الذهاب والانقضاء والانقراض . ورابعها : أنها لا تحصل إلا بمتاعب كثيرة ومشاق عظيمة . وخامسها : أن لذات البطن والفرج لا تتم إلا بمزاولة رطوبات عفنة مستقذرة . وسادسها : أنها غير باقية بل يتبعها الموت والهرم والفقر والحسرة على الفوت والخوف من الموت . فلما كانت هذه المطالب وإن كانت لذيذة بحسب الظاهر إلا أنها ممزوجة بهذه الآفات العظيمة والمخالفات الجسيمة ، كان الترغيب فيها تغريرا ، ولهذا المعنى قال تعالى : { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } . واعلم أنه تعالى لما قال له افعل ما تقدر عليه فقال تعالى : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان } وفيه قولان :

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

والنوع الخامس : من الأشياء التي ذكرها الله تعالى لإبليس في هذه الآية قوله : { وعدهم } . واعلم أنه لما كان مقصود الشيطان الترغيب في الإعتقاد الباطل والعمل الباطل والتنفير عن الإعتقاد الحق والعمل الحق ، ومعلوم أن الترغيب في الشيء لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا ضرر البتة في فعله ومع ذلك فإنه يفيد المنافع العظيمة ، والتنفير عن الشيء لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا فائدة في فعله ، ومع ذلك فيفيد المضار العظيمة ، إذا ثبت هذا فنقول : إن الشيطان إذا دعا إلى المعصية فلا بد وأن يقرر أولا أنه لا مضرة في فعله البتة ، وذلك إنما يمكن إذا قال لا معاد ولا جنة ولا نار ، ولا حياة بعد هذه الحياة ، فبهذا الطريق يقرر عنده أنه لا مضرة البتة في فعل هذه المعاصي ، وإذا فرغ عن هذا المقام قرر عنده أن هذا الفعل يفيد أنواعا من اللذة والسرور ولا حياة للإنسان في هذه الدنيا إلا به ، فتفويتها غبن وخسران كما قال الشاعر : خذوا بنصيب من سرور ولذة فكل وإن طال المدى يتصرم فهذا هو طريق الدعوة إلى المعصية ، وأما طريق التنفير عن الطاعة فهو أن يقرر أولا عنده أنه لا فائدة فيه وتقريره من وجهين . الأول : أن يقول لا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عذاب . والثاني : أن هذه العبادات لا فائدة فيها للعابد والمعبود فكانت عبثا محضا فبهذين الطريقين يقرر الشيطان عند الإنسان أنه لا فائدة فيها ، وإذا فرغ عن هذا المقام قال إنها توجب التعب والمحنة وذلك أعظم المضار ، فهذه مجامع تلبيس الشيطان ، فقوله : { وعدهم } يتناول كل هذه الأقسام ، قال المفسرون قوله : { وعدهم } أي بأنه لا جنة ولا نار ، وقال آخرون : { وعدهم } بتسويف التوبة ، وقال آخرون { وعدهم } بالأماني الباطلة مثل قوله لآدم : { ما نهاكما ربكما عن هاذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين } ( الأعراف : 20 ) وقال آخرون : وعدهم بشفاعة الأصنام عند الله تعالى وبالأنساب الشريفة وإيثار العاجل على الآجل ، وبالجملة فهذه الأقسام كثيرة وكلها داخلة في الضبط الذي ذكرناه وإن أردت الاستقصاء في هذا الباب فطالع كتاب ذم الغرور من كتاب إحياء علوم الدين للشيخ الغزالي حتى يحيط عقلك بمجامع تلبيس إبليس ، واعلم أن الله تعالى لما قال : { وعدهم } أردفه بما يكون زاجرا عن قبول وعده فقال : { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } والسبب فيه أنه إنما يدعو إلى أحد أمور ثلاثة قضاء الشهوة وإمضاء الغضب وطلب الرياسة وعلو الدرجة / ولا يدعو البتة إلى معرفة الله تعالى ولا إلى خدمته ، وتلك الأشياء الثلاثة معنوية من وجوه كثيرة . أحدها : أنها في الحقيقة ليست لذات بل هي خلاص عن الآلام . وثانيها : وإن كانت لذات لكنها لذات خسيسة مشترك فيها بين الكلاب والديدان والخنافس وغيرها . وثالثها : أنها سريعة الذهاب والانقضاء والانقراض . ورابعها : أنها لا تحصل إلا بمتاعب كثيرة ومشاق عظيمة . وخامسها : أن لذات البطن والفرج لا تتم إلا بمزاولة رطوبات عفنة مستقذرة . وسادسها : أنها غير باقية بل يتبعها الموت والهرم والفقر والحسرة على الفوت والخوف من الموت . فلما كانت هذه المطالب وإن كانت لذيذة بحسب الظاهر إلا أنها ممزوجة بهذه الآفات العظيمة والمخالفات الجسيمة ، كان الترغيب فيها تغريرا ، ولهذا المعنى قال تعالى : { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } . واعلم أنه تعالى لما قال له افعل ما تقدر عليه فقال تعالى : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان } وفيه قولان :

%0
10 Section

Questions