Qur'an&Sunnahالقرآن

Fakhr al-Din al-Razi - Mafatih al-Ghayb (The Great Commentary)

Fakhr al-Din Muhammad ibn Umar al-Razi · AR

Section V23/P053–V23/P054Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V23/P053–V23/P054)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الخامسة : قرأ نافع وابن عامر { تدعون } بالتاء ههنا وفي لقمان وفي المؤمنين وفي العنكبوت . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو كلها بالياء على الخبر ، والعرب قد تنصرف من الخطاب إلى الإخبار ومن الإخبار إلى الخطاب . ! 7 < { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فتصبح الا رض مخضرة إن الله لطيف خبير له ما فى السماوات وما فى الا رض وإن الله لهو الغنى الحميد ألم تر أن الله سخر لكم ما فى الا رض والفلك تجرى فى البحر بأمره ويمسك السمآء أن تقع على الا رض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم وهو الذىأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور } . > 7 ! < < الحج : ( 63 - 66 ) ألم تر أن . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما دل على قدرته من قبل بما ذكره من ولوج الليل في النهار ونبه به على نعمه ، أتبعه بأنواع أخر من الدلائل على قدرته ونعمته وهي ستة . أولها : قوله تعالى : { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الارض مخضرة إن الله لطيف خبير } وفيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في قوله : { ألم تر } وجوها ثلاثة : أحدها : أن المراد هو الرؤية الحقيقية ، قالوا لأن الماء النازل من السماء يرى بالعين واخضرار النبات على الأرض مرئي ، وإذا أمكن حمل الكلام على حقيقته فهو أولى وثانيها : أن المراد ألم تخبر على سبيل الاستفهام / وثالثها : المراد ألم تعلم والقول الأول ضعيف لأن الماء وإن كان مرئيا إلا أن كون الله منزلا له من السماء غير مرئي إذا ثبت هذا وجب حمله على العلم ، لأن المقصود من تلك الرؤية هو العلم ، لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم كانت كأنها لم تحصل . المسألة الثانية : قرىء { مخضرة } كمبقلة ومسبعة أي ذات خضرة ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : لم قال : { فتصبح } الأرض ولم يقل فأصبحت ؟ الجواب : لنكتة فيه وهي إفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان ، كما تقول أنعم على فلان عام كذا فأروح وأغد شاكرا له ، ولو قلت فرحت وغدوت لم يقع ذلك الموقع . السؤال الثاني : لم رفع ولم ينصب جوابا للاستفهام ؟ والجواب : لو نصب لأعطى عكس ما هو الغرض ، لأن معناه إثبات الإخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الإخضرار مثاله أن تقول لصاحبك ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر . وإن نصبته فأنت ناف لشكره شاك لتفريطه ، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر . السؤال الثالث : لم أورد تعالى ذلك دلالة على قدرته على الإعادة ، كما قال أبو مسلم . الجواب : يحتمل ذلك ويحتمل أنه نبه به على عظيم قدرته وواسع نعمه . السؤال الرابع : ما تعلق قوله : { إن الله لطيف خبير } بما تقدم ؟ الجواب : من وجوه أحدها : أراد أنه رحيم بعباده ولرحمته فعل ذلك حتى عظم انتفاعهم به ، لأن الأرض إذا أصبحت مخضرة والسماء إذا أمطرت كان ذلك سببا لعيش الحيوانات على اختلافها أجمع . ومعنى { خبير } أنه عالم بمقادير مصالحهم فيفعل على قدر ذلك من دون زيادة ونقصان وثانيها : قال ابن عباس { لطيف } بأرزاق عباده { خبير } بما في قلوبهم من القنوط وثالثها : قال الكلبي { لطيف } في أفعاله { خبير } بأعمال خلقه ورابعها : قال مقاتل : { لطيف } باستخراج النبت { خبير } بكيفية خلقه .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الخامسة : قرأ نافع وابن عامر { تدعون } بالتاء ههنا وفي لقمان وفي المؤمنين وفي العنكبوت . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو كلها بالياء على الخبر ، والعرب قد تنصرف من الخطاب إلى الإخبار ومن الإخبار إلى الخطاب . ! 7 < { ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فتصبح الا رض مخضرة إن الله لطيف خبير له ما فى السماوات وما فى الا رض وإن الله لهو الغنى الحميد ألم تر أن الله سخر لكم ما فى الا رض والفلك تجرى فى البحر بأمره ويمسك السمآء أن تقع على الا رض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم وهو الذىأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور } . > 7 ! < < الحج : ( 63 - 66 ) ألم تر أن . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما دل على قدرته من قبل بما ذكره من ولوج الليل في النهار ونبه به على نعمه ، أتبعه بأنواع أخر من الدلائل على قدرته ونعمته وهي ستة . أولها : قوله تعالى : { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الارض مخضرة إن الله لطيف خبير } وفيه مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في قوله : { ألم تر } وجوها ثلاثة : أحدها : أن المراد هو الرؤية الحقيقية ، قالوا لأن الماء النازل من السماء يرى بالعين واخضرار النبات على الأرض مرئي ، وإذا أمكن حمل الكلام على حقيقته فهو أولى وثانيها : أن المراد ألم تخبر على سبيل الاستفهام / وثالثها : المراد ألم تعلم والقول الأول ضعيف لأن الماء وإن كان مرئيا إلا أن كون الله منزلا له من السماء غير مرئي إذا ثبت هذا وجب حمله على العلم ، لأن المقصود من تلك الرؤية هو العلم ، لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم كانت كأنها لم تحصل . المسألة الثانية : قرىء { مخضرة } كمبقلة ومسبعة أي ذات خضرة ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : لم قال : { فتصبح } الأرض ولم يقل فأصبحت ؟ الجواب : لنكتة فيه وهي إفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان ، كما تقول أنعم على فلان عام كذا فأروح وأغد شاكرا له ، ولو قلت فرحت وغدوت لم يقع ذلك الموقع . السؤال الثاني : لم رفع ولم ينصب جوابا للاستفهام ؟ والجواب : لو نصب لأعطى عكس ما هو الغرض ، لأن معناه إثبات الإخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الإخضرار مثاله أن تقول لصاحبك ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر . وإن نصبته فأنت ناف لشكره شاك لتفريطه ، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر . السؤال الثالث : لم أورد تعالى ذلك دلالة على قدرته على الإعادة ، كما قال أبو مسلم . الجواب : يحتمل ذلك ويحتمل أنه نبه به على عظيم قدرته وواسع نعمه . السؤال الرابع : ما تعلق قوله : { إن الله لطيف خبير } بما تقدم ؟ الجواب : من وجوه أحدها : أراد أنه رحيم بعباده ولرحمته فعل ذلك حتى عظم انتفاعهم به ، لأن الأرض إذا أصبحت مخضرة والسماء إذا أمطرت كان ذلك سببا لعيش الحيوانات على اختلافها أجمع . ومعنى { خبير } أنه عالم بمقادير مصالحهم فيفعل على قدر ذلك من دون زيادة ونقصان وثانيها : قال ابن عباس { لطيف } بأرزاق عباده { خبير } بما في قلوبهم من القنوط وثالثها : قال الكلبي { لطيف } في أفعاله { خبير } بأعمال خلقه ورابعها : قال مقاتل : { لطيف } باستخراج النبت { خبير } بكيفية خلقه .

Section V23/P054–V23/P055Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V23/P054–V23/P055)
Orijinal Metin (AR)

الدلالة الثانية : قوله تعالى : { له ما في السماوات وما في الارض وإن الله لهو الغنى الحميد } والمعنى أن كل ذلك منقاد له غير ممتنع من التصرف فيه وهو غني عن الأشياء كلها وعن حمد الحامدين أيضا لأنه كامل لذاته ، والكامل لذاته غني عن كل ما عداه في كل الأمور ، ولكنه لما خلق الحيوان فلا بد في الحكمة من قطر ونبات فخلق هذه الأشياء رحمة للحيوانات وإنعاما عليهم / لا لحاجة به إلى ذلك . وإذا كان كذلك كان إنعامه خاليا عن غرض عائد إليه فكان مستحقا للحمد . فكأنه قال إنه لكونه غنيا لم يفعل ما فعله إلا للإحسان ، ومن كان كذلك كان مستحقا للحمد فوجب أن يكون حميدا . فلهذا قال : { وإن الله لهو الغنى الحميد } . الدلالة الثالثة : قوله : { ألم تر أن الله سخر لكم ما فى الارض } أي ذلل لكم ما فيها فلا أصلب من الحجر ولا أحد من الحديد ولا أكثر هيبة من النار ، وقد سخرها لكم وسخر الحيوانات أيضا حتى ينتفع بها من حيث الأكل والركوب والحمل عليها والانتفاع بالنظر إليها ، فلولا أن سخر الله / تعالى الإبل والبقر مع قوتهما حتى يذللهما الضعيف من الناس ويتمكن منهما لما كان ذلك نعمة . الدلالة الرابعة : قوله تعالى : { والفلك تجرى فى البحر بأمره } والأقرب أن المراد وسخر لكم الفلك لتجري في البحر ، وكيفية تسخيره الفلك هو من حيث سخر الماء والرياح لجريها ، فلولا صفتهما على ما هما عليه لما جرت بل كانت تغوص أو تقف أو تعطب . فنبه تعالى على نعمه بذلك ، وبأن خلق ما تعمل منه السفن ، وبأن بين كيف تعمل ، وإنما قال بأمره لأنه سبحانه لما كان المجرى لها بالرياح نسب ذلك إلى أمره توسعا ، لأن ذلك يفيد تعظيمه بأكثر مما يفيد لو أضافه إلى فعل بناء على عادة الملوك في مثل هذه اللفظة . الدلالة الخامسة : قوله تعالى : { ويمسك السماء أن تقع على الارض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم } واعلم أن النعم المتقدمة لا تكمل إلا بهذه لأن السماء مسكن الملائكة فوجب أن يكون صلبا . ووجب أن يكون ثقيلا ، وما كان كذلك فلا بد من الهوى لولا مانع يمنع منه ، وهذه الحجة مبنية على ظاهر الأوهام ، وقوله تعالى : { أن تقع } قال الكوفيون : كي لا تقع ، وقال البصريون كراهية أن تقع ، وهذا بناء على مسألة كلامية وهي أن الإرادات والكراهات هل تتعلق بالعدم ؟ فمن منع من ذلك صار إلى التأويل الأول ، والمعنى أنه أمسكها لكي لا تقع فتبطل النعم التي أنعم بها . أما قوله تعالى : { إن الله بالناس لرؤوف رحيم } فالمعنى أن المنعم بهذه النعم الجامعة لمنافع الدنيا والدين قد بلغ الغاية في الإحسان والإنعام ، فهو إذن رؤوف رحيم .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

الدلالة الثانية : قوله تعالى : { له ما في السماوات وما في الارض وإن الله لهو الغنى الحميد } والمعنى أن كل ذلك منقاد له غير ممتنع من التصرف فيه وهو غني عن الأشياء كلها وعن حمد الحامدين أيضا لأنه كامل لذاته ، والكامل لذاته غني عن كل ما عداه في كل الأمور ، ولكنه لما خلق الحيوان فلا بد في الحكمة من قطر ونبات فخلق هذه الأشياء رحمة للحيوانات وإنعاما عليهم / لا لحاجة به إلى ذلك . وإذا كان كذلك كان إنعامه خاليا عن غرض عائد إليه فكان مستحقا للحمد . فكأنه قال إنه لكونه غنيا لم يفعل ما فعله إلا للإحسان ، ومن كان كذلك كان مستحقا للحمد فوجب أن يكون حميدا . فلهذا قال : { وإن الله لهو الغنى الحميد } . الدلالة الثالثة : قوله : { ألم تر أن الله سخر لكم ما فى الارض } أي ذلل لكم ما فيها فلا أصلب من الحجر ولا أحد من الحديد ولا أكثر هيبة من النار ، وقد سخرها لكم وسخر الحيوانات أيضا حتى ينتفع بها من حيث الأكل والركوب والحمل عليها والانتفاع بالنظر إليها ، فلولا أن سخر الله / تعالى الإبل والبقر مع قوتهما حتى يذللهما الضعيف من الناس ويتمكن منهما لما كان ذلك نعمة . الدلالة الرابعة : قوله تعالى : { والفلك تجرى فى البحر بأمره } والأقرب أن المراد وسخر لكم الفلك لتجري في البحر ، وكيفية تسخيره الفلك هو من حيث سخر الماء والرياح لجريها ، فلولا صفتهما على ما هما عليه لما جرت بل كانت تغوص أو تقف أو تعطب . فنبه تعالى على نعمه بذلك ، وبأن خلق ما تعمل منه السفن ، وبأن بين كيف تعمل ، وإنما قال بأمره لأنه سبحانه لما كان المجرى لها بالرياح نسب ذلك إلى أمره توسعا ، لأن ذلك يفيد تعظيمه بأكثر مما يفيد لو أضافه إلى فعل بناء على عادة الملوك في مثل هذه اللفظة . الدلالة الخامسة : قوله تعالى : { ويمسك السماء أن تقع على الارض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم } واعلم أن النعم المتقدمة لا تكمل إلا بهذه لأن السماء مسكن الملائكة فوجب أن يكون صلبا . ووجب أن يكون ثقيلا ، وما كان كذلك فلا بد من الهوى لولا مانع يمنع منه ، وهذه الحجة مبنية على ظاهر الأوهام ، وقوله تعالى : { أن تقع } قال الكوفيون : كي لا تقع ، وقال البصريون كراهية أن تقع ، وهذا بناء على مسألة كلامية وهي أن الإرادات والكراهات هل تتعلق بالعدم ؟ فمن منع من ذلك صار إلى التأويل الأول ، والمعنى أنه أمسكها لكي لا تقع فتبطل النعم التي أنعم بها . أما قوله تعالى : { إن الله بالناس لرؤوف رحيم } فالمعنى أن المنعم بهذه النعم الجامعة لمنافع الدنيا والدين قد بلغ الغاية في الإحسان والإنعام ، فهو إذن رؤوف رحيم .

Section V23/P055–V23/P056Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V23/P055–V23/P056)
Orijinal Metin (AR)

الدلالة السادسة : قوله : { وهو الذى أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور } والمعنى أن من سخر له هذه الأمور ، وأنعم عليه بها فهو الذي أحياه فنبه بالإحياء الأول على إنعام الدنيا علينا بكل ما تقدم . ونبه بالإماتة والإحياء الثاني على نعم الدين علينا ، فإنه سبحانه وتعالى خلق الدنيا بسائر أحوالها للآخرة وإلا لم يكن للنعم على هذا الوجه معنى . يبين ذلك أنه لولا أمر الآخرة لم يكن للزراعات وتكلفها ولا لركوب الحيوانات وذبحها إلى غير ذلك معنى ، بل كان تعالى يخلقه ابتداء من غير تكلف الزرع والسقي ، وإنما أجرى الله العادة بذلك ليعتبر به في باب الدين ولما فصل تعالى هذه النعم قال : { إن الإنسان لكفور } وهذا كما قد يعدد المرء نعمه على ولده ، ثم يقول إن الولد لكفور لنعم الوالد زجرا له عن الكفران وبعثا له على الشكر ، فلذلك أورد تعالى ذلك في الكفار ، فبين أنهم دفعوا هذه النعم وكفروا بها وجهلوا خالقها مع وضوح أمرها ونظيره قوله تعالى : { وقليل من عبادى الشكور } ( سبأ : 13 ) وقال ابن عباس رضي الله عنهما الإنسان ههنا هو الكافر ، وقال أيضا هو الأسود بن عبد الأسد وأبو جهل والعاص وأبي بن خلف ، والأولى تعميمه في كل المنكرين . ! 7 < { لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك فى الا مر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون } . > 7 ! / < < الحج : ( 67 - 69 ) لكل أمة جعلنا . . . . . > > إعلم أنه تعالى لما قدم ذكر نعمه وبين أنه رؤوف رحيم بعباده وإن كان منهم من يكفر ولا يشكر ، أتبعه بذكر نعمه بما كلف فقال : { لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه } وفيه مسائل : المسألة الأولى : إنما حذف الواو في قوله : { لكل أمة } لأنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله فلا جرم حذف العاطف . المسألة الثانية : في المنسك أقوال : أحدها : قال ابن عباس عيد ( ا ) يذبحون فيه وثانيها : قربانا ولفظ المنسك مختص بالذبائح عن مجاهد وثالثها : مألفا يألفونه إما مكانا معينا أو زمانا معينا لأداء الطاعات ورابعها : المنسك هو الشريعة والمنهاج وهو قول ابن عباس في رواية عطاء واختيار القفال وهو الأقرب لقوله تعالى : { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } ( المائدة : 48 ) ولأن المنسك مأخوذ من النسك وهو العبادة ، وإذا وقع الإسم على كل عبادة فلا وجه للتخصيص . فإن قيل هلا حملتموه على الذبح ، لأن المنسك في العرف لا يفهم منه إلا الذبح ؟ وهلا حملتموه على موضع العبادة أو على وقتها ؟ الجواب : عن الأول لا نسلم أن المنسك في العرف مخصوص بالذبح ، والدليل عليه أن سائر ما يفعل في الحج يوصف بأنه مناسك ولأجله قال عليه السلام : ( خذوا عني مناسككم ) وعن الثاني : أن قوله : { هم ناسكوه } أليق بالعبادة منه بالوقت والمكان . المسألة الثالثة : زعم قوم أن المراد من قوله : { هم ناسكوه } من كان في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم متمسكا بشرع كاليهود والنصارى ، ولا يمتنع أن يريد كل من تعبد من الأمم سواء بقيت آثارهم أو لم تبق ، لأن قوله : { هم ناسكوه } كالوصف للأمم وإن لم يعبدوا في الحال .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

الدلالة السادسة : قوله : { وهو الذى أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور } والمعنى أن من سخر له هذه الأمور ، وأنعم عليه بها فهو الذي أحياه فنبه بالإحياء الأول على إنعام الدنيا علينا بكل ما تقدم . ونبه بالإماتة والإحياء الثاني على نعم الدين علينا ، فإنه سبحانه وتعالى خلق الدنيا بسائر أحوالها للآخرة وإلا لم يكن للنعم على هذا الوجه معنى . يبين ذلك أنه لولا أمر الآخرة لم يكن للزراعات وتكلفها ولا لركوب الحيوانات وذبحها إلى غير ذلك معنى ، بل كان تعالى يخلقه ابتداء من غير تكلف الزرع والسقي ، وإنما أجرى الله العادة بذلك ليعتبر به في باب الدين ولما فصل تعالى هذه النعم قال : { إن الإنسان لكفور } وهذا كما قد يعدد المرء نعمه على ولده ، ثم يقول إن الولد لكفور لنعم الوالد زجرا له عن الكفران وبعثا له على الشكر ، فلذلك أورد تعالى ذلك في الكفار ، فبين أنهم دفعوا هذه النعم وكفروا بها وجهلوا خالقها مع وضوح أمرها ونظيره قوله تعالى : { وقليل من عبادى الشكور } ( سبأ : 13 ) وقال ابن عباس رضي الله عنهما الإنسان ههنا هو الكافر ، وقال أيضا هو الأسود بن عبد الأسد وأبو جهل والعاص وأبي بن خلف ، والأولى تعميمه في كل المنكرين . ! 7 < { لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك فى الا مر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون } . > 7 ! / < < الحج : ( 67 - 69 ) لكل أمة جعلنا . . . . . > > إعلم أنه تعالى لما قدم ذكر نعمه وبين أنه رؤوف رحيم بعباده وإن كان منهم من يكفر ولا يشكر ، أتبعه بذكر نعمه بما كلف فقال : { لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه } وفيه مسائل : المسألة الأولى : إنما حذف الواو في قوله : { لكل أمة } لأنه لا تعلق لهذا الكلام بما قبله فلا جرم حذف العاطف . المسألة الثانية : في المنسك أقوال : أحدها : قال ابن عباس عيد ( ا ) يذبحون فيه وثانيها : قربانا ولفظ المنسك مختص بالذبائح عن مجاهد وثالثها : مألفا يألفونه إما مكانا معينا أو زمانا معينا لأداء الطاعات ورابعها : المنسك هو الشريعة والمنهاج وهو قول ابن عباس في رواية عطاء واختيار القفال وهو الأقرب لقوله تعالى : { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } ( المائدة : 48 ) ولأن المنسك مأخوذ من النسك وهو العبادة ، وإذا وقع الإسم على كل عبادة فلا وجه للتخصيص . فإن قيل هلا حملتموه على الذبح ، لأن المنسك في العرف لا يفهم منه إلا الذبح ؟ وهلا حملتموه على موضع العبادة أو على وقتها ؟ الجواب : عن الأول لا نسلم أن المنسك في العرف مخصوص بالذبح ، والدليل عليه أن سائر ما يفعل في الحج يوصف بأنه مناسك ولأجله قال عليه السلام : ( خذوا عني مناسككم ) وعن الثاني : أن قوله : { هم ناسكوه } أليق بالعبادة منه بالوقت والمكان . المسألة الثالثة : زعم قوم أن المراد من قوله : { هم ناسكوه } من كان في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم متمسكا بشرع كاليهود والنصارى ، ولا يمتنع أن يريد كل من تعبد من الأمم سواء بقيت آثارهم أو لم تبق ، لأن قوله : { هم ناسكوه } كالوصف للأمم وإن لم يعبدوا في الحال .

Section V23/P056–V23/P057Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V23/P056–V23/P057)
Orijinal Metin (AR)

أما قوله تعالى : { فلا ينازعنك فى الامر } فقرىء { فلا ينازعنك } أي أثبت في دينك ثباتا لا يطمعون أن يخدعوك ليزيلوك عنه . وأما قوله : { فلا ينازعنك } ففيه قولان : أحدهما : وهو قول الزجاج : أنه نهى لهم عن منازعتهم ، كما تقول لا يضاربنك فلان أي لا تضاربه والثاني : أن المراد أن عليهم اتباعك وترك مخالفتك ، وقد استقر الأمر الآن على شرعك وعلى أنه ناسخ لكل / ما عداه . فكأنه تعالى نهى كل أمة بقيت منها بقية أن تستمر على تلك العادة ، وألزمها أن تتحول إلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فلذلك قال : { وادع إلى ربك } أي لا تخص بالدعاء أمة دون أمة فكلهم أمتك فادعهم إلى شريعتك فإنك على هدى مستقيم ، والهدى يحتمل نفس الدين ويحتمل أدلة الدين وهو أولى . كأنه قال ادعهم إلى هذا الدين فإنك من حيث الدلالة على طريقة واضحة ولهذا قال : { وإن جادلوك } والمعنى فإن عدلوا عن النظر في هذه الأدلة إلى طريقة المراء والتمسك بالعادة فقد بينت وأظهرت ما يلزمك { فقل الله أعلم بما تعملون } لأنه ليس بعد إيضاح الأدلة إلا هذا الجنس الذي يجري مجرى الوعيد والتحذير من حكم يوم القيامة الذي يتردد بين جنة وثواب لمن قبل ، وبين نار وعقاب لمن رد وأنكر . فقال : { الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون } فتعرفون حينئذ الحق من الباطل والله أعلم . ! 7 < { ألم تعلم أن الله يعلم ما فى السمآء والا رض إن ذالك فى كتاب إن ذالك على الله يسير ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات تعرف فى وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم ءاياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذالكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير } . > 7 < الحج : ( 70 - 72 ) ألم تعلم أن . . . . . > > إعلم أنه تعالى لما قال من قبل { فالله يحكم بينكم يوم القيامة } ( النساء : 141 ) أتبعه بما به يعلم أنه سبحانه عالم بما يستحقه كل أحد منهم ، فيقع الحكم منه بينهم بالعدل لا بالجور فقال لرسوله : { ألم تعلم أن الله يعلم ما فى السماء والارض } وههنا مسائل : المسألة الأولى : قوله : { ألم تعلم } هو على لفظ الاستفهام لكن معناه تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلم والوعد له وإيعاد الكافرين بأن كل فعلهم محفوظ عند الله لا يضل عنه ولا ينسى . المسألة الثانية : الخطاب مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمراد سائر العباد ولأن الرسالة لا تثبت / إلا بعد العلم بكونه تعالى عالما بكل المعلومات إذ لو لم يثبت ذلك لجاز أن يشتبه عليه الكاذب بالصادق ، فحينئذ لا يكون إظهار المعجز دليلا على الصدق ، وإذا كان كذلك استحال أن لا يكون الرسول عالما بذلك . فثبت أن المراد أن يكون خطابا مع الغير .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

أما قوله تعالى : { فلا ينازعنك فى الامر } فقرىء { فلا ينازعنك } أي أثبت في دينك ثباتا لا يطمعون أن يخدعوك ليزيلوك عنه . وأما قوله : { فلا ينازعنك } ففيه قولان : أحدهما : وهو قول الزجاج : أنه نهى لهم عن منازعتهم ، كما تقول لا يضاربنك فلان أي لا تضاربه والثاني : أن المراد أن عليهم اتباعك وترك مخالفتك ، وقد استقر الأمر الآن على شرعك وعلى أنه ناسخ لكل / ما عداه . فكأنه تعالى نهى كل أمة بقيت منها بقية أن تستمر على تلك العادة ، وألزمها أن تتحول إلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فلذلك قال : { وادع إلى ربك } أي لا تخص بالدعاء أمة دون أمة فكلهم أمتك فادعهم إلى شريعتك فإنك على هدى مستقيم ، والهدى يحتمل نفس الدين ويحتمل أدلة الدين وهو أولى . كأنه قال ادعهم إلى هذا الدين فإنك من حيث الدلالة على طريقة واضحة ولهذا قال : { وإن جادلوك } والمعنى فإن عدلوا عن النظر في هذه الأدلة إلى طريقة المراء والتمسك بالعادة فقد بينت وأظهرت ما يلزمك { فقل الله أعلم بما تعملون } لأنه ليس بعد إيضاح الأدلة إلا هذا الجنس الذي يجري مجرى الوعيد والتحذير من حكم يوم القيامة الذي يتردد بين جنة وثواب لمن قبل ، وبين نار وعقاب لمن رد وأنكر . فقال : { الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون } فتعرفون حينئذ الحق من الباطل والله أعلم . ! 7 < { ألم تعلم أن الله يعلم ما فى السمآء والا رض إن ذالك فى كتاب إن ذالك على الله يسير ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات تعرف فى وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم ءاياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذالكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير } . > 7 < الحج : ( 70 - 72 ) ألم تعلم أن . . . . . > > إعلم أنه تعالى لما قال من قبل { فالله يحكم بينكم يوم القيامة } ( النساء : 141 ) أتبعه بما به يعلم أنه سبحانه عالم بما يستحقه كل أحد منهم ، فيقع الحكم منه بينهم بالعدل لا بالجور فقال لرسوله : { ألم تعلم أن الله يعلم ما فى السماء والارض } وههنا مسائل : المسألة الأولى : قوله : { ألم تعلم } هو على لفظ الاستفهام لكن معناه تقوية قلب الرسول صلى الله عليه وسلم والوعد له وإيعاد الكافرين بأن كل فعلهم محفوظ عند الله لا يضل عنه ولا ينسى . المسألة الثانية : الخطاب مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمراد سائر العباد ولأن الرسالة لا تثبت / إلا بعد العلم بكونه تعالى عالما بكل المعلومات إذ لو لم يثبت ذلك لجاز أن يشتبه عليه الكاذب بالصادق ، فحينئذ لا يكون إظهار المعجز دليلا على الصدق ، وإذا كان كذلك استحال أن لا يكون الرسول عالما بذلك . فثبت أن المراد أن يكون خطابا مع الغير .

Section V23/P057–V23/P058Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V23/P057–V23/P058)
Orijinal Metin (AR)

أما قوله : { إن ذالك فى كتاب } ففيه قولان : أحدهما : وهو قول أبي مسلم أن معنى الكتاب الحفظ والضبط والشد يقال كتبت المزادة أكتبها إذا خرزتها فحفظت بذلك ما فيها ، ومعناه ومعنى الكتاب بين الناس حفظ ما يتعاملون به ، فالمراد من قوله : { إن ذالك فى كتاب } أنه محفوظ عنده { والتالي } وهو قول الجمهور أن كل ما يحدثه الله في السموات والأرض فقد كتبه في اللوح المحفوظ قالوا وهذا أولى ، لأن القول الأول وإن كان صحيحا نظرا إلى الاشتقاق لكن الواجب حمل اللفظ على المتعارف ، ومعلوم أن الكتاب هو ما تكتب فيه الأمور فكان حمله عليه أولى . فإن قيل فقد يوهم ذلك أن علمه مستفاد من الكتاب وأيضا فأي فائدة في ذلك الكتاب والجواب عن الأول : أن كتبه تلك الأشياء في ذلك الكتاب مع كونها مطابقة للموجودات من أدل الدلائل على أنه سبحانه غني في علمه عن ذلك الكتاب وعن الثاني : أن الملائكة ينظرون فيه ثم يرون الحوادث داخلة في الوجود على وفقه فصار ذلك دليلا لهم زائدا على كونه سبحانه عالما بكل المعلومات . أما قوله : { كتاب إن ذالك على الله يسير } فمعناه أن كتبه جملة الحوادث مع أنها من الغيب مما يتعذر على الخلق لكنها بحيث متى أرادها الله تعالى كانت فعبر عن ذلك بأنه يسير ، وإن كان هذا الوصف لا يستعمل إلا فينا من حيث تسهل وتصعب علينا الأمور ، وتعالى الله عن ذلك ثم بين سبحانه ما يقدم الكفار عليه مع عظيم نعمه ، ووضوح دلائله . فقال : { ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم } فبين أن عبادتهم لغير الله تعالى ليست مأخوذة عن دليل سمعي وهو المراد من قوله : { ما لم ينزل به سلطانا } ولا عن دليل عقلي وهو المراد من قوله : { وما ليس لهم به علم } وإذا لم يكن كذلك فهو عن تقليد أو جهل أو شبهة / فوجب في كل قول هذا شأنه أن يكون باطلا ، فمن هذا الوجه يدل على أن الكافر قد يكون كافرا ، وإن لم يعلم كونه كافرا ، ويدل أيضا على فساد التقليد . أما قوله : { وما للظالمين من نصير } ففيه وجهان : أحدهما : أنهم ليس لهم أحد ينتصر لهم من الله كما قد تتفق النصرة في الدنيا والثاني : ما لهم في كفرهم ناصر بالحجة فإن الحجة ليست إلا للحق ، واحتجت المعتزلة بهذه الآية في نفي الشفاعة والكلام عليه معلوم . أما قوله تعالى : { وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات } يعني من تقدم ذكره وهذه الآيات هي القرآن ، ووصفها بأنها بينات لكونها متضمنة للدلائل العقلية وبيان الأحكام ، فبين أنهم مع جهلهم إذا نبهوا على الأدلة وعرضت عليهم المعجزة ظهر في وجوههم المنكر والمراد دلالة الغيظ والغضب ، قال صاحب ( الكشاف ) المنكر الفظيع من التهجم والفجور والنشوز والإنكار ، كالمكرم بمعنى الإكرام / وقرىء تعرف على ما لم يسم فاعله ، وللمفسرين في المنكر عبارات : أحدها : قال الكلبي تعرف في وجوههم الكراهية للقرآن ثانيها : قال ابن عباس رضي الله عنهما : التجبر والترفع وثالثها : قال مقاتل أنكروا أن يكون من الله تعالى .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

أما قوله : { إن ذالك فى كتاب } ففيه قولان : أحدهما : وهو قول أبي مسلم أن معنى الكتاب الحفظ والضبط والشد يقال كتبت المزادة أكتبها إذا خرزتها فحفظت بذلك ما فيها ، ومعناه ومعنى الكتاب بين الناس حفظ ما يتعاملون به ، فالمراد من قوله : { إن ذالك فى كتاب } أنه محفوظ عنده { والتالي } وهو قول الجمهور أن كل ما يحدثه الله في السموات والأرض فقد كتبه في اللوح المحفوظ قالوا وهذا أولى ، لأن القول الأول وإن كان صحيحا نظرا إلى الاشتقاق لكن الواجب حمل اللفظ على المتعارف ، ومعلوم أن الكتاب هو ما تكتب فيه الأمور فكان حمله عليه أولى . فإن قيل فقد يوهم ذلك أن علمه مستفاد من الكتاب وأيضا فأي فائدة في ذلك الكتاب والجواب عن الأول : أن كتبه تلك الأشياء في ذلك الكتاب مع كونها مطابقة للموجودات من أدل الدلائل على أنه سبحانه غني في علمه عن ذلك الكتاب وعن الثاني : أن الملائكة ينظرون فيه ثم يرون الحوادث داخلة في الوجود على وفقه فصار ذلك دليلا لهم زائدا على كونه سبحانه عالما بكل المعلومات . أما قوله : { كتاب إن ذالك على الله يسير } فمعناه أن كتبه جملة الحوادث مع أنها من الغيب مما يتعذر على الخلق لكنها بحيث متى أرادها الله تعالى كانت فعبر عن ذلك بأنه يسير ، وإن كان هذا الوصف لا يستعمل إلا فينا من حيث تسهل وتصعب علينا الأمور ، وتعالى الله عن ذلك ثم بين سبحانه ما يقدم الكفار عليه مع عظيم نعمه ، ووضوح دلائله . فقال : { ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم } فبين أن عبادتهم لغير الله تعالى ليست مأخوذة عن دليل سمعي وهو المراد من قوله : { ما لم ينزل به سلطانا } ولا عن دليل عقلي وهو المراد من قوله : { وما ليس لهم به علم } وإذا لم يكن كذلك فهو عن تقليد أو جهل أو شبهة / فوجب في كل قول هذا شأنه أن يكون باطلا ، فمن هذا الوجه يدل على أن الكافر قد يكون كافرا ، وإن لم يعلم كونه كافرا ، ويدل أيضا على فساد التقليد . أما قوله : { وما للظالمين من نصير } ففيه وجهان : أحدهما : أنهم ليس لهم أحد ينتصر لهم من الله كما قد تتفق النصرة في الدنيا والثاني : ما لهم في كفرهم ناصر بالحجة فإن الحجة ليست إلا للحق ، واحتجت المعتزلة بهذه الآية في نفي الشفاعة والكلام عليه معلوم . أما قوله تعالى : { وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات } يعني من تقدم ذكره وهذه الآيات هي القرآن ، ووصفها بأنها بينات لكونها متضمنة للدلائل العقلية وبيان الأحكام ، فبين أنهم مع جهلهم إذا نبهوا على الأدلة وعرضت عليهم المعجزة ظهر في وجوههم المنكر والمراد دلالة الغيظ والغضب ، قال صاحب ( الكشاف ) المنكر الفظيع من التهجم والفجور والنشوز والإنكار ، كالمكرم بمعنى الإكرام / وقرىء تعرف على ما لم يسم فاعله ، وللمفسرين في المنكر عبارات : أحدها : قال الكلبي تعرف في وجوههم الكراهية للقرآن ثانيها : قال ابن عباس رضي الله عنهما : التجبر والترفع وثالثها : قال مقاتل أنكروا أن يكون من الله تعالى .

Section V23/P058–V23/P059Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V23/P058–V23/P059)
Orijinal Metin (AR)

أما قوله تعالى : { يكادون يسطون } فقال الخليل والفراء والزجاج : السطو شدة البطش والوثوب ، والمعنى يهمون بالبطش والوثوب تعظيما لإنكار ما خوطبوا ، به فحكى تعالى عظيم تمردهم على الأنبياء والمؤمنين ثم أمر رسوله بأن يقابلهم بالوعيد فقال : { قل أفأنبئكم بشر من ذالكم النار } قال صاحب ( الكشاف ) قوله : { من ذالكم } أي من غيظكم على الناس وسطوكم عليهم أو مما أصابكم من الكراهة والضجر بسبب ما تلى عليكم ، فقوله : { من ذالكم } فيه وجهان : أحدهما : المراد أن الذي ينالكم من النار التي تكادون تقتحمونها بسوء فعالكم أعظم مما ينالكم عند تلاوة هذه الآيات من الغضب ومن هذا الغم والثاني : أن يكون المراد { بشر من ذالكم } ما تهمون به فيمن يحاجكم فإن أكبر ما يمكنكم فيه الإهلاك ثم بعده مصيرهم إلى الجنة وأنتم تصيرون إلى النار الدائمة التي لا فرج لكم عنها ، وأما { النار } فقال صاحب ( الكشاف ) قرىء { النار } بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف كأن قائلا يقول ما شر من ذلك ؟ فقيل النار أي هو النار . وبالنصب على الاختصاص وبالجر على البدل من شر . ثم بين سبحانه أنه وعدها الذين كفروا إذا ماتوا على كفرهم وهو بئس المصير ، قال صاحب ( الكشاف ) { وعدها الله } استئناف كلام ويحتمل أن تكون النار مبتدأ و { وعدها } خبرا . ! 7 < { ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوى عزيز } . > 7 ! < < الحج : ( 73 - 74 ) يا أيها الناس . . . . . > > إعلم أنه سبحانه لما بين من قبل أنهم يعبدون من دون الله مالا حجة لهم فيه ولا علم ، ذكر في هذه الآية ما يدل على إبطال قولهم . / أما قوله تعالى : { ضرب مثل } ففيه سؤالات : السؤال الأول : الذي جاء به ليس بمثل فكيف سماه مثلا ؟ والجواب : لما كان المثل في الأكثر نكتة عجيبة غريبة جاز أن يسمى كل ما كان كذلك مثلا . السؤال الثاني : قوله : { ضرب } يفيد فيما مضى والله تعالى هو المتكلم بهذا الكلام ابتداء ؟ الجواب : إذا كان ما يورد من الوصف معلوما من قبل جاز ذلك فيه ، ويكون ذكره بمنزلة إعادة أمر قد تقدم .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

أما قوله تعالى : { يكادون يسطون } فقال الخليل والفراء والزجاج : السطو شدة البطش والوثوب ، والمعنى يهمون بالبطش والوثوب تعظيما لإنكار ما خوطبوا ، به فحكى تعالى عظيم تمردهم على الأنبياء والمؤمنين ثم أمر رسوله بأن يقابلهم بالوعيد فقال : { قل أفأنبئكم بشر من ذالكم النار } قال صاحب ( الكشاف ) قوله : { من ذالكم } أي من غيظكم على الناس وسطوكم عليهم أو مما أصابكم من الكراهة والضجر بسبب ما تلى عليكم ، فقوله : { من ذالكم } فيه وجهان : أحدهما : المراد أن الذي ينالكم من النار التي تكادون تقتحمونها بسوء فعالكم أعظم مما ينالكم عند تلاوة هذه الآيات من الغضب ومن هذا الغم والثاني : أن يكون المراد { بشر من ذالكم } ما تهمون به فيمن يحاجكم فإن أكبر ما يمكنكم فيه الإهلاك ثم بعده مصيرهم إلى الجنة وأنتم تصيرون إلى النار الدائمة التي لا فرج لكم عنها ، وأما { النار } فقال صاحب ( الكشاف ) قرىء { النار } بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف كأن قائلا يقول ما شر من ذلك ؟ فقيل النار أي هو النار . وبالنصب على الاختصاص وبالجر على البدل من شر . ثم بين سبحانه أنه وعدها الذين كفروا إذا ماتوا على كفرهم وهو بئس المصير ، قال صاحب ( الكشاف ) { وعدها الله } استئناف كلام ويحتمل أن تكون النار مبتدأ و { وعدها } خبرا . ! 7 < { ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوى عزيز } . > 7 ! < < الحج : ( 73 - 74 ) يا أيها الناس . . . . . > > إعلم أنه سبحانه لما بين من قبل أنهم يعبدون من دون الله مالا حجة لهم فيه ولا علم ، ذكر في هذه الآية ما يدل على إبطال قولهم . / أما قوله تعالى : { ضرب مثل } ففيه سؤالات : السؤال الأول : الذي جاء به ليس بمثل فكيف سماه مثلا ؟ والجواب : لما كان المثل في الأكثر نكتة عجيبة غريبة جاز أن يسمى كل ما كان كذلك مثلا . السؤال الثاني : قوله : { ضرب } يفيد فيما مضى والله تعالى هو المتكلم بهذا الكلام ابتداء ؟ الجواب : إذا كان ما يورد من الوصف معلوما من قبل جاز ذلك فيه ، ويكون ذكره بمنزلة إعادة أمر قد تقدم .

Section V23/P059–V23/P060Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V23/P059–V23/P060)
Orijinal Metin (AR)

أما قوله : { فاستمعوا له } أي تدبروه حق تدبره لأن نفس السماع لا ينفع ، وإنما ينفع التدبر . واعلم أن الذباب لما كان في غاية الضعف احتج الله تعالى به على إبطال قولهم من وجهين : الأول : قوله : { إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له } قرىء يدعون بالياء والتاء ويدعون مبنيا للمفعول { ولن } أصل في نفي المستقبل إلا أنه ينفيه نفيا مؤكدا فكأنه سبحانه قال : إن هذه الأصنام وإن اجتمعت لن تقدر على خلق ذبابة على ضعفها ، فكيف يليق بالعاقل جعلها معبودا ، فقوله : { ولو اجتمعوا له } نصب على الحال كأنه قال يستحيل أن يخلقوا الذباب حال اجتماعهم فكيف حال انفرداهم والثاني : أن قوله : { وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه } كأنه سبحانه قال : أترك أمر الخلق والإيجاد وأتكلم فيما هو أسهل منه ، فإن الذباب إن سلب منها شيئا ، فهي لا تقدر على استنقاذ ذلك الشيء من الذباب ، واعلم أن الدلالة الأولى صالحة لأن يتمسك بها في نفي كون المسيح والملائكة آلهة ، أما الثانية فلا ، فإن قيل هذا الاستدلال إما أن يكون لنفي كون الأوثان خالقة عالمة حية مدبرة ، أو لنفي كونها مستحقة للتعظيم والأول : فاسد لأن نفي كونها كذلك معلوم بالضرورة ، فأي فائدة في إقامة الدلالة عليه وأما الثاني : فهذه الدلالة لا تفيده لأنه لا يلزم من نفي كونها حية أن لا تكون معظمة ، فإن جهات التعظيم مختلفة ، فالقوم كانوا يعتقدون فيها أنها طلسمات موضوعة على صورة الكواكب ، أو أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين ، وكانوا يعظمونها على أن تعظيمها يوجب تعظيم الملائكة ، وأولئك الأنبياء المتقدمين والجواب : أما كونها طلسمات موضوعة على الكواكب بحيث يحصل منها الإضرار والانتفاع ، فهو يبطل بهذه الدلالة فإنها لما لم تنفع نفسها في هذا القدر وهو تخليص النفس عن الذبابة فلأن لا تنفع غيرها أولى ، وأما أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين ، فقد تقرر في العقل أن تعظيم غير الله تعالى ينبغي أن يكون أقل من تعظيم الله تعالى ، والقوم كانوا يعظمونها غاية التعظيم ، وحينئذ كان يلزم التسوية بينها وبين الخالق سبحانه في التعظيم ، فمن ههنا صاروا مستوجبين للذم والملام . أما قوله تعالى : { ضعف الطالب والمطلوب } ففيه قولان : أحدهما : المراد منه الصنم والذباب فالصنم كالطالب من حيث إنه لو طلب أن يخلقه ويستنقذ منه ما استلبه لعجز عنه والذباب بمنزلة / المطلوب الثاني : أن الطالب من عبد الصنم / والمطلوب نفس الصنم أو عبادتها ، وهذا أقرب لأن كون الصنم طالبا ليس حقيقة بل هو على سبيل التقدير ، أما ههنا فعلى سبيل التحقيق لكن المجاز فيه حاصل لأن الوثن لا يصح أن يكون ضعيفا ، لأن الضعف لا يجوز إلا على من يصح أن يقوى ، وههنا وجه ثالث وهو أن يكون معنى قوله : { ضعف } لا من حيث القوة ولكن لظهور قبح هذا المذهب ، كما يقال للمرء عند المناظرة : ما أضعف هذا المذهب وما أضعف هذا الوجه .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

أما قوله : { فاستمعوا له } أي تدبروه حق تدبره لأن نفس السماع لا ينفع ، وإنما ينفع التدبر . واعلم أن الذباب لما كان في غاية الضعف احتج الله تعالى به على إبطال قولهم من وجهين : الأول : قوله : { إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له } قرىء يدعون بالياء والتاء ويدعون مبنيا للمفعول { ولن } أصل في نفي المستقبل إلا أنه ينفيه نفيا مؤكدا فكأنه سبحانه قال : إن هذه الأصنام وإن اجتمعت لن تقدر على خلق ذبابة على ضعفها ، فكيف يليق بالعاقل جعلها معبودا ، فقوله : { ولو اجتمعوا له } نصب على الحال كأنه قال يستحيل أن يخلقوا الذباب حال اجتماعهم فكيف حال انفرداهم والثاني : أن قوله : { وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه } كأنه سبحانه قال : أترك أمر الخلق والإيجاد وأتكلم فيما هو أسهل منه ، فإن الذباب إن سلب منها شيئا ، فهي لا تقدر على استنقاذ ذلك الشيء من الذباب ، واعلم أن الدلالة الأولى صالحة لأن يتمسك بها في نفي كون المسيح والملائكة آلهة ، أما الثانية فلا ، فإن قيل هذا الاستدلال إما أن يكون لنفي كون الأوثان خالقة عالمة حية مدبرة ، أو لنفي كونها مستحقة للتعظيم والأول : فاسد لأن نفي كونها كذلك معلوم بالضرورة ، فأي فائدة في إقامة الدلالة عليه وأما الثاني : فهذه الدلالة لا تفيده لأنه لا يلزم من نفي كونها حية أن لا تكون معظمة ، فإن جهات التعظيم مختلفة ، فالقوم كانوا يعتقدون فيها أنها طلسمات موضوعة على صورة الكواكب ، أو أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين ، وكانوا يعظمونها على أن تعظيمها يوجب تعظيم الملائكة ، وأولئك الأنبياء المتقدمين والجواب : أما كونها طلسمات موضوعة على الكواكب بحيث يحصل منها الإضرار والانتفاع ، فهو يبطل بهذه الدلالة فإنها لما لم تنفع نفسها في هذا القدر وهو تخليص النفس عن الذبابة فلأن لا تنفع غيرها أولى ، وأما أنها تماثيل الملائكة والأنبياء المتقدمين ، فقد تقرر في العقل أن تعظيم غير الله تعالى ينبغي أن يكون أقل من تعظيم الله تعالى ، والقوم كانوا يعظمونها غاية التعظيم ، وحينئذ كان يلزم التسوية بينها وبين الخالق سبحانه في التعظيم ، فمن ههنا صاروا مستوجبين للذم والملام . أما قوله تعالى : { ضعف الطالب والمطلوب } ففيه قولان : أحدهما : المراد منه الصنم والذباب فالصنم كالطالب من حيث إنه لو طلب أن يخلقه ويستنقذ منه ما استلبه لعجز عنه والذباب بمنزلة / المطلوب الثاني : أن الطالب من عبد الصنم / والمطلوب نفس الصنم أو عبادتها ، وهذا أقرب لأن كون الصنم طالبا ليس حقيقة بل هو على سبيل التقدير ، أما ههنا فعلى سبيل التحقيق لكن المجاز فيه حاصل لأن الوثن لا يصح أن يكون ضعيفا ، لأن الضعف لا يجوز إلا على من يصح أن يقوى ، وههنا وجه ثالث وهو أن يكون معنى قوله : { ضعف } لا من حيث القوة ولكن لظهور قبح هذا المذهب ، كما يقال للمرء عند المناظرة : ما أضعف هذا المذهب وما أضعف هذا الوجه .

Section V23/P060Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V23/P060)
Orijinal Metin (AR)

أما قوله : { ما قدروا الله حق قدره } أي ما عظموه حق تعظيمه ، حيث جعلوا هذه الأصنام على نهاية خساستها شريكة له في المعبودية ، وهذه الكلمة مفسرة في سورة الأنعام ، وهو { قوى } لا يتعذر عليه فعل شيء و { عزيز } لا يقدر أحد على مغالبته ، فأي حاجة إلى القول بالشريك . قال الكلبي في هذه الآية ونظيرها في سورة الأنعام : إنها نزلت في جماعة من اليهود وهم مالك ابن الصيف وكعب بن الأشرف وكعب بن أسد وغيرهم لعنهم الله ، حيث قالوا إنه سبحانه لما فرغ من خلق السموات والأرض أعيا من خلقها فاستلقى واستراح ووضع إحدى رجليه على الأخرى ، فنزلت هذه الآية تكذيبا لهم ونزل قوله تعالى : { وما مسنا من لغوب } . واعلم أن منشأ هذه الشبهات هو القول بالتشبيه فيجب تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة سائر الذوات خلاف ما يقوله المشبهة ، وتنزيه صفاته عن مشابهة سائر الصفات خلاف ما يقوله الكرامية ، وتنزيه أفعاله عن مشابهة سائر الأفعال ، أعني الغرض والداعي واستحقاق المدح والذم خلاف ما تقوله المعتزلة ، قال الإمام أبو القاسم الأنصاري رحمه الله ، فهو سبحانه جبار النعت عزيز الوصف فالأوهام لا تصوره والأفكار لا تقدره والعقول لا تمثله والأزمنة لا تدركه والجهات لا تحويه ولا تحده ، صمدي الذت سرمدي الصفات . ! 7 < { الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الا مور } . > 7 ! < < الحج : ( 75 - 76 ) الله يصطفي من . . . . . > > اعلم أنه سبحانه لما قدم ما يتعلق بالإلهيات ذكر ههنا ما يتعلق بالنبوات ، قال مقاتل : قال الوليد ابن المغيرة : أأنزل عليه الذكر من بيننا ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وههنا سؤالان : السؤال الأول : كلمة { من } للتبعيض فقوله : { الله يصطفى من الملائكة رسلا } ( فاطر : 1 ) يقتضي أن تكون الرسل بعضهم لا كلهم ، وقوله : { جاعل الملائكة رسلا } يقتضي كون كلهم رسلا فوقع التناقض والجواب : جاز أن يكون المذكور ههنا من كان رسلا إلى بني آدم ، وهم أكابر الملائكة / كجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل والحفظة صلوات الله عليهم ، وأما كل الملائكة فبعضهم رسل إلى البعض فزال التناقض .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

أما قوله : { ما قدروا الله حق قدره } أي ما عظموه حق تعظيمه ، حيث جعلوا هذه الأصنام على نهاية خساستها شريكة له في المعبودية ، وهذه الكلمة مفسرة في سورة الأنعام ، وهو { قوى } لا يتعذر عليه فعل شيء و { عزيز } لا يقدر أحد على مغالبته ، فأي حاجة إلى القول بالشريك . قال الكلبي في هذه الآية ونظيرها في سورة الأنعام : إنها نزلت في جماعة من اليهود وهم مالك ابن الصيف وكعب بن الأشرف وكعب بن أسد وغيرهم لعنهم الله ، حيث قالوا إنه سبحانه لما فرغ من خلق السموات والأرض أعيا من خلقها فاستلقى واستراح ووضع إحدى رجليه على الأخرى ، فنزلت هذه الآية تكذيبا لهم ونزل قوله تعالى : { وما مسنا من لغوب } . واعلم أن منشأ هذه الشبهات هو القول بالتشبيه فيجب تنزيه ذات الله تعالى عن مشابهة سائر الذوات خلاف ما يقوله المشبهة ، وتنزيه صفاته عن مشابهة سائر الصفات خلاف ما يقوله الكرامية ، وتنزيه أفعاله عن مشابهة سائر الأفعال ، أعني الغرض والداعي واستحقاق المدح والذم خلاف ما تقوله المعتزلة ، قال الإمام أبو القاسم الأنصاري رحمه الله ، فهو سبحانه جبار النعت عزيز الوصف فالأوهام لا تصوره والأفكار لا تقدره والعقول لا تمثله والأزمنة لا تدركه والجهات لا تحويه ولا تحده ، صمدي الذت سرمدي الصفات . ! 7 < { الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الا مور } . > 7 ! < < الحج : ( 75 - 76 ) الله يصطفي من . . . . . > > اعلم أنه سبحانه لما قدم ما يتعلق بالإلهيات ذكر ههنا ما يتعلق بالنبوات ، قال مقاتل : قال الوليد ابن المغيرة : أأنزل عليه الذكر من بيننا ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وههنا سؤالان : السؤال الأول : كلمة { من } للتبعيض فقوله : { الله يصطفى من الملائكة رسلا } ( فاطر : 1 ) يقتضي أن تكون الرسل بعضهم لا كلهم ، وقوله : { جاعل الملائكة رسلا } يقتضي كون كلهم رسلا فوقع التناقض والجواب : جاز أن يكون المذكور ههنا من كان رسلا إلى بني آدم ، وهم أكابر الملائكة / كجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل والحفظة صلوات الله عليهم ، وأما كل الملائكة فبعضهم رسل إلى البعض فزال التناقض .

Section V23/P060–V23/P062Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V23/P060–V23/P062)
Orijinal Metin (AR)

السؤال الثاني : قال في سورة الزمر : { لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء } ( الزمر : 4 ) فدل على أن ولده يجب أن يكون مصطفى ، وهذه الآية دلت على أن بعض الملائكة وبعض الناس من المصطفين ، فيلزم بمجموع الآيتين إثبات الولد والجواب : أن قوله : { لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى } يدل على أن كل ولد مصطفى ، ولا يدل على أن كل مصطفى ولد ، فلا يلزم من دلالة هذه الآية على وجود مصطفى كونه ولدا ، وفي هذه الآية وجه آخر ، وهو أن المراد تبكيت من عبد غير الله تعالى من الملائكة ، كأنه سبحانه أبطل في الآية الأولى قول عبدة الأوثان . وفي هذه الآية أبطل قول عبدة الملائكة ، فبين أن علو درجة الملائكة ليس لكونهم آلهة ، بل لأن الله تعالى اصطفاهم لمكان عبادتهم ، فكأنه تعالى بين أنهم ما قدروا الله حق قدره أن جعلوا الملائكة معبودين مع الله ، ثم بين سبحانه بقوله : { إن الله سميع بصير } أنه يسمع ما يقولون ويرى ما يفعلون ، ولذلك أتبعه بقوله : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } فقال بعضهم ما تقدم في الدنيا وما تأخر ، وقال بعضهم : { ما بين أيديهم } أمر الآخرة ، { وما خلفهم } أمر الدنيا ، ثم أتبعه بقوله : { وإلى الله ترجع الامور } فقوله : { يعلم ما بين أيديهم } إشارة إلى العلم التام وقوله : { وإلى الله ترجع الامور } إشارة إلى القدرة التامة والتفرد بالإلهية والحكم ، ومجموعهما يتضمن نهاية الزجر عن الإقدام على المعصية . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا فى الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم فى الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفى هاذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهدآء على الناس فأقيموا الصلواة وءاتوا الزكواة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير } . > 7 ! < < الحج : ( 77 - 78 ) يا أيها الذين . . . . . > > اعلم أنه سبحانه لما تكلم في الإلهيات ثم في النبوات أتبعه بالكلام في الشرائع وهو من أربع أوجه أولها : تعيين المأمور وثانيها : أقسام المأمور به وثالثها : ذكر ما يوجب قبول تلك الأوامر ورابعها : تأكيد ذلك التكليف . أما النوع الأول : وهو تعيين المأمور فهو قوله تعالى : { ذلك بأن الذين كفروا } وفيه قولان : أحدهما : المراد منه كل المكلفين سواء كان مؤمنا أو كافرا ، لأن التكليف بهذه الأشياء عام في كل المكلفين فلا معنى لتخصيص المؤمنين بذلك والثاني : أن المراد بذلك المؤمنون فقط أما أولا : فلأن اللفظ صريح فيه ، وأما ثانيا : فلأن قوله بعد ذلك { هو اجتباكم } وقوله : { هو سماكم المسلمين } وقوله : { وتكونوا شهداء على الناس } كل ذلك لا يليق إلا بالمؤمنين . أقصى ما في الباب أن يقال لما كان ذلك واجبا على الكل فأي فائدة في تخصيص المؤمنين ؟ لكنا نقول تخصيصهم بالذكر لا يدل على نفي ذلك عما عداهم بل قد دلت هذه الآية على كونهم على التخصيص مأمورين بهذه الأشياء ودلت سائر الآيات على كون الكل مأمورين بها . ويمكن أن يقال فائدة التخصيص أنه لما جاء الخطاب العام مرة بعد أخرى ثم إنه ما قبله إلا المؤمنون خصهم الله تعالى بهذا الخطاب ليكون ذلك كالتحريض لهم على المواظبة على قبوله وكالتشريق لهم في ذلك الإقرار والتخصيص .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

السؤال الثاني : قال في سورة الزمر : { لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء } ( الزمر : 4 ) فدل على أن ولده يجب أن يكون مصطفى ، وهذه الآية دلت على أن بعض الملائكة وبعض الناس من المصطفين ، فيلزم بمجموع الآيتين إثبات الولد والجواب : أن قوله : { لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى } يدل على أن كل ولد مصطفى ، ولا يدل على أن كل مصطفى ولد ، فلا يلزم من دلالة هذه الآية على وجود مصطفى كونه ولدا ، وفي هذه الآية وجه آخر ، وهو أن المراد تبكيت من عبد غير الله تعالى من الملائكة ، كأنه سبحانه أبطل في الآية الأولى قول عبدة الأوثان . وفي هذه الآية أبطل قول عبدة الملائكة ، فبين أن علو درجة الملائكة ليس لكونهم آلهة ، بل لأن الله تعالى اصطفاهم لمكان عبادتهم ، فكأنه تعالى بين أنهم ما قدروا الله حق قدره أن جعلوا الملائكة معبودين مع الله ، ثم بين سبحانه بقوله : { إن الله سميع بصير } أنه يسمع ما يقولون ويرى ما يفعلون ، ولذلك أتبعه بقوله : { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } فقال بعضهم ما تقدم في الدنيا وما تأخر ، وقال بعضهم : { ما بين أيديهم } أمر الآخرة ، { وما خلفهم } أمر الدنيا ، ثم أتبعه بقوله : { وإلى الله ترجع الامور } فقوله : { يعلم ما بين أيديهم } إشارة إلى العلم التام وقوله : { وإلى الله ترجع الامور } إشارة إلى القدرة التامة والتفرد بالإلهية والحكم ، ومجموعهما يتضمن نهاية الزجر عن الإقدام على المعصية . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا فى الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم فى الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفى هاذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهدآء على الناس فأقيموا الصلواة وءاتوا الزكواة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير } . > 7 ! < < الحج : ( 77 - 78 ) يا أيها الذين . . . . . > > اعلم أنه سبحانه لما تكلم في الإلهيات ثم في النبوات أتبعه بالكلام في الشرائع وهو من أربع أوجه أولها : تعيين المأمور وثانيها : أقسام المأمور به وثالثها : ذكر ما يوجب قبول تلك الأوامر ورابعها : تأكيد ذلك التكليف . أما النوع الأول : وهو تعيين المأمور فهو قوله تعالى : { ذلك بأن الذين كفروا } وفيه قولان : أحدهما : المراد منه كل المكلفين سواء كان مؤمنا أو كافرا ، لأن التكليف بهذه الأشياء عام في كل المكلفين فلا معنى لتخصيص المؤمنين بذلك والثاني : أن المراد بذلك المؤمنون فقط أما أولا : فلأن اللفظ صريح فيه ، وأما ثانيا : فلأن قوله بعد ذلك { هو اجتباكم } وقوله : { هو سماكم المسلمين } وقوله : { وتكونوا شهداء على الناس } كل ذلك لا يليق إلا بالمؤمنين . أقصى ما في الباب أن يقال لما كان ذلك واجبا على الكل فأي فائدة في تخصيص المؤمنين ؟ لكنا نقول تخصيصهم بالذكر لا يدل على نفي ذلك عما عداهم بل قد دلت هذه الآية على كونهم على التخصيص مأمورين بهذه الأشياء ودلت سائر الآيات على كون الكل مأمورين بها . ويمكن أن يقال فائدة التخصيص أنه لما جاء الخطاب العام مرة بعد أخرى ثم إنه ما قبله إلا المؤمنون خصهم الله تعالى بهذا الخطاب ليكون ذلك كالتحريض لهم على المواظبة على قبوله وكالتشريق لهم في ذلك الإقرار والتخصيص .

Section V23/P062Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V23/P062)
Orijinal Metin (AR)

أما النوع الثاني : وهو المأمور به فقد ذكر الله أمورا أربعة : الأول : الصلاة وهو المراد من قوله : { اركعوا واسجدوا } وذلك لأن أشرف أركان الصلاة هو الركوع والسجود والصلاة هي المختصة بهذين الركنين فكان ذكرهما جاريا مجرى ذكر الصلاة وذكر ابن عباس رضي الله عنهما أن الناس في أول إسلامهم كانوا يركعون ولا يسجدون حتى نزلت هذه الآية الثاني : قوله : { واعبدوا ربكم } وذكروا فيه وجوها : أحدها : اعبدوه ولا تعبدوا غيره وثانيها : واعبدوا ربكم في سائر المأمورات والمنهيات وثالثها : افعلوا الركوع والسجود وسائر الطاعات على وجه العبادة لأنه لا يكفي أن يفعل فإنه ما لم يقصد به عبادة الله تعالى لا ينفع في باب الثواب فلذلك عطف هذه الجملة على الركوع والسجود الثالث : قوله تعالى : { وافعلوا الخير } قال ابن عباس رضي الله عنهما يزيد به صلة الرحم ومكارم الأخلاق والوجه عندي في هذا الترتيب أن الصلاة نوع من أنواع العبادة والعبادة نوع من أنواع فعل الخير ، لأن فعل الخير ينقسم إلى خدمة المعبود الذي هو عبارة عن التعظيم لأمر الله وإلى الإحسان الذي هو عبارة عن الشفقة على خلق الله ويدخل فيه البر والمعروف والصدقة على الفقراء وحسن القول للناس فكأنه سبحانه قال كلفتكم بالصلاة بل كلفتكم بما هو أعم منها وهو العبادة بل كلفتكم بما هو أعم من العبادة وهو فعل الخيرات . أما قوله تعالى : { لعلكم تفلحون } فقيل معناه لتفلحوا ، والفلاح الظفر بنعيم الآخرة / وقال الإمام أبو القاسم الأنصاري لعل كلمة للترجية فإن الإنسان قلما يخلو في أداء الفريضة من تقصير / وليس هو على يقين من أن الذي أتي به هل هو مقبول عند الله تعالى والعواقب أيضا مستورة ( وكل ميسر لما خلق له ) الرابع : قوله تعالى : { وجاهدوا فى الله حق جهاده } قال صاحب ( الكشاف ) { فى الله } أي في ذات الله ، ومن أجله . يقال هو حق عالم وجد عالم أي عالم حقا وجدا ومنه { حق جهاده } وههنا سؤالات : السؤال الأول : ما وجه هذه الإضافة وكان القياس حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه كما قال : { وجاهدوا فى الله حق جهاده } ؟ والجواب : الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص ، فلما كان الجهاد مختصا بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله صحت الإضافة إليه .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

أما النوع الثاني : وهو المأمور به فقد ذكر الله أمورا أربعة : الأول : الصلاة وهو المراد من قوله : { اركعوا واسجدوا } وذلك لأن أشرف أركان الصلاة هو الركوع والسجود والصلاة هي المختصة بهذين الركنين فكان ذكرهما جاريا مجرى ذكر الصلاة وذكر ابن عباس رضي الله عنهما أن الناس في أول إسلامهم كانوا يركعون ولا يسجدون حتى نزلت هذه الآية الثاني : قوله : { واعبدوا ربكم } وذكروا فيه وجوها : أحدها : اعبدوه ولا تعبدوا غيره وثانيها : واعبدوا ربكم في سائر المأمورات والمنهيات وثالثها : افعلوا الركوع والسجود وسائر الطاعات على وجه العبادة لأنه لا يكفي أن يفعل فإنه ما لم يقصد به عبادة الله تعالى لا ينفع في باب الثواب فلذلك عطف هذه الجملة على الركوع والسجود الثالث : قوله تعالى : { وافعلوا الخير } قال ابن عباس رضي الله عنهما يزيد به صلة الرحم ومكارم الأخلاق والوجه عندي في هذا الترتيب أن الصلاة نوع من أنواع العبادة والعبادة نوع من أنواع فعل الخير ، لأن فعل الخير ينقسم إلى خدمة المعبود الذي هو عبارة عن التعظيم لأمر الله وإلى الإحسان الذي هو عبارة عن الشفقة على خلق الله ويدخل فيه البر والمعروف والصدقة على الفقراء وحسن القول للناس فكأنه سبحانه قال كلفتكم بالصلاة بل كلفتكم بما هو أعم منها وهو العبادة بل كلفتكم بما هو أعم من العبادة وهو فعل الخيرات . أما قوله تعالى : { لعلكم تفلحون } فقيل معناه لتفلحوا ، والفلاح الظفر بنعيم الآخرة / وقال الإمام أبو القاسم الأنصاري لعل كلمة للترجية فإن الإنسان قلما يخلو في أداء الفريضة من تقصير / وليس هو على يقين من أن الذي أتي به هل هو مقبول عند الله تعالى والعواقب أيضا مستورة ( وكل ميسر لما خلق له ) الرابع : قوله تعالى : { وجاهدوا فى الله حق جهاده } قال صاحب ( الكشاف ) { فى الله } أي في ذات الله ، ومن أجله . يقال هو حق عالم وجد عالم أي عالم حقا وجدا ومنه { حق جهاده } وههنا سؤالات : السؤال الأول : ما وجه هذه الإضافة وكان القياس حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه كما قال : { وجاهدوا فى الله حق جهاده } ؟ والجواب : الإضافة تكون بأدنى ملابسة واختصاص ، فلما كان الجهاد مختصا بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله صحت الإضافة إليه .

%0
10 Section

Questions