Section V24/P222Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V24/P222)
Orijinal Metin (AR)قلنا قوله : { فأتوا بكتاب } أمر والأمر دعاء إلى الفعل ثم قال : { فاعلم أنما يتبعون أهواءهم } يعني قد صاروا ملزمين ولم يبق لهم شيء إلا اتباع الهوى ثم زيف طريقتهم بقوله : { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد وأنه لا بد من الحجة والاستدلال { إن الله لا يهدى القوم الظالمين } وهو عام يتناول الكافر لقوله : { إن الشرك لظلم عظيم } واحتج الأصحاب به في أن هداية الله تعالى خاصة بالمؤمنين .
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)قلنا قوله : { فأتوا بكتاب } أمر والأمر دعاء إلى الفعل ثم قال : { فاعلم أنما يتبعون أهواءهم } يعني قد صاروا ملزمين ولم يبق لهم شيء إلا اتباع الهوى ثم زيف طريقتهم بقوله : { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله } وهذا من أعظم الدلائل على فساد التقليد وأنه لا بد من الحجة والاستدلال { إن الله لا يهدى القوم الظالمين } وهو عام يتناول الكافر لقوله : { إن الشرك لظلم عظيم } واحتج الأصحاب به في أن هداية الله تعالى خاصة بالمؤمنين .
Section V24/P222–V24/P223Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V24/P222–V24/P223)
Orijinal Metin (AR)/ وقالت المعتزلة : الألطاف منها ما يحسن فعلها مطلقا ومنها ما لا يحسن إلا بعد الإيمان والدليل عليه قوله : { والذين اهتدوا زادهم هدى } ( محمد : 17 ) فقوله : { إن الله لا يهدى القوم الظالمين } محمول على القسم الثاني ولا يجوز حمله على القسم الأول ، لأنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن عدم بعثة الرسول جار مجرى العذر لهم / فبأن يكون عدم الهداية عذرا لهم أولى ، ولما بين تعالى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الدلالة قال : { ولقد وصلنا لهم القول } وتوصيل القول هو إتيان بيان بعد بيان ، وهو من وصل البعض بالبعض ، وهذا القول الموصل يحتمل أن يكون المراد منه إنا أنزلنا القرآن منجما مفرقا يتصل بعضه ببعض ليكون ذلك أقرب إلى التذكير والتنبيه ، فإنهم كل يوم يطلعون على حكمة أخرى وفائدة زائدة فيكونون عند ذلك أقرب إلى التذكر ، وعلى هذا التقدير يكون هذا جوابا عن قولهم هلا أوتي محمد كتابه دفعة واحدة كما أوتي موسى كتابه كذلك ، ويحتمل أن يكون المراد وصلنا أخبار الأنبياء بعضها ببعض وأخبار الكفار في كيفية هلاكهم تكثيرا لمواضع الاتعاظ والانزجار ويحتمل أن يكون المراد : بينا الدلالة على كون هذا القرآن معجزا مرة بعد أخرى لعلهم يتذكرون . ثم إنه تعالى لما أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بأن قال : { الذين ءاتيناهم الكتاب من قبله } أي من قبل القرآن أسلموا بمحمد فمن لا يعرف الكتب أولى بذلك ، واختلفوا في المراد بقوله : { الذين ءاتيناهم الكتاب } وذكروا فيه وجوها : أحدها : قال قتادة إنها نزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة حقة يتمسكون بها فلما بعث الله تعالى محمدا آمنوا به من جملتهم سلمان وعبدالله بن سلام وثانيها : قال مقاتل نزلت في أربعين رجلا من أهل الإنجيل وهم أصحاب السفينة جاؤا من الحبشة مع جعفر وثالثها : قال رفاعة بن قرظة نزلت في عشرة أنا أحدهم ، وقد عرفت أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فكل من حصل في حقه تلك الصفة كان داخلا في الآية ثم حكى عنهم ما يدل على تأكيد إيمانهم وهو قولهم : { به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك } فقوله : { إنه الحق من ربنا } يدل على التعليل يعني أن كونه حقا من عند الله يوجب الإيمان به وقوله : { إنا كنا من قبله مسلمين } بيان لقوله : { به إنه } لأنه يحتمل أن يكون إيمانا قريب العهد وبعيده ، فأخبروا أن إيمانهم به متقادم وذلك لما وجدوه في كتب الأنبياء عليهم السلام المتقدمين من البشارة بمقدمه ، ثم إنه تعالى لما مدحهم بهذا المدح العظيم قال : { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا } وذكروا فيه وجوها : أحدها : أنهم يؤتون أجرهم مرتين بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل بعثته وبعد بعثته وهذا هو الأقرب لأنه تعالى لما بين أنهم آمنوا به بعد البعثة وبين أيضا أنهم كانوا به قبل مؤمنين البعثة ثم أثبت الأجر مرتين وجب أن ينصرف إلى ذلك وثانيها : يؤتون الأجر مرتين مرة بإيمانهم بالأنبياء الذي كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم ومرة أخرى بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وثالثها : قال مقاتل هؤلاء لما آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم شتمهم المشركون فصفحوا عنهم فلهم أجران أجر على الصف وأجر على الإيمان ، يروى أنهم لما أسلموا لعنهم أبو جهل فسكتوا عنه ، قال السدي اليهود / عابوا عبد الله بن سلام وشتموه وهو يقول سلام عليكم ثم قال : { ويدرءون بالحسنة السيئة } والمعنى ( يدفعون ) بالطاعة المعصية المتقدمة ، ويحتمل أن يكون المراد دفعوا بالعفو والصفح الأذى ، ويحتمل أن يكون المراد من الحسنة امتناعهم من المعاصي لأن نفس الامتناع حسنة ويدفع به ما لولاه لكان سيئة ، ويحتمل التوبة والإنابة والاستقرار عليها ، ثم قال : { ومما رزقناهم ينفقون } .
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)/ وقالت المعتزلة : الألطاف منها ما يحسن فعلها مطلقا ومنها ما لا يحسن إلا بعد الإيمان والدليل عليه قوله : { والذين اهتدوا زادهم هدى } ( محمد : 17 ) فقوله : { إن الله لا يهدى القوم الظالمين } محمول على القسم الثاني ولا يجوز حمله على القسم الأول ، لأنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن عدم بعثة الرسول جار مجرى العذر لهم / فبأن يكون عدم الهداية عذرا لهم أولى ، ولما بين تعالى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الدلالة قال : { ولقد وصلنا لهم القول } وتوصيل القول هو إتيان بيان بعد بيان ، وهو من وصل البعض بالبعض ، وهذا القول الموصل يحتمل أن يكون المراد منه إنا أنزلنا القرآن منجما مفرقا يتصل بعضه ببعض ليكون ذلك أقرب إلى التذكير والتنبيه ، فإنهم كل يوم يطلعون على حكمة أخرى وفائدة زائدة فيكونون عند ذلك أقرب إلى التذكر ، وعلى هذا التقدير يكون هذا جوابا عن قولهم هلا أوتي محمد كتابه دفعة واحدة كما أوتي موسى كتابه كذلك ، ويحتمل أن يكون المراد وصلنا أخبار الأنبياء بعضها ببعض وأخبار الكفار في كيفية هلاكهم تكثيرا لمواضع الاتعاظ والانزجار ويحتمل أن يكون المراد : بينا الدلالة على كون هذا القرآن معجزا مرة بعد أخرى لعلهم يتذكرون . ثم إنه تعالى لما أقام الدلالة على النبوة أكد ذلك بأن قال : { الذين ءاتيناهم الكتاب من قبله } أي من قبل القرآن أسلموا بمحمد فمن لا يعرف الكتب أولى بذلك ، واختلفوا في المراد بقوله : { الذين ءاتيناهم الكتاب } وذكروا فيه وجوها : أحدها : قال قتادة إنها نزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة حقة يتمسكون بها فلما بعث الله تعالى محمدا آمنوا به من جملتهم سلمان وعبدالله بن سلام وثانيها : قال مقاتل نزلت في أربعين رجلا من أهل الإنجيل وهم أصحاب السفينة جاؤا من الحبشة مع جعفر وثالثها : قال رفاعة بن قرظة نزلت في عشرة أنا أحدهم ، وقد عرفت أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فكل من حصل في حقه تلك الصفة كان داخلا في الآية ثم حكى عنهم ما يدل على تأكيد إيمانهم وهو قولهم : { به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك } فقوله : { إنه الحق من ربنا } يدل على التعليل يعني أن كونه حقا من عند الله يوجب الإيمان به وقوله : { إنا كنا من قبله مسلمين } بيان لقوله : { به إنه } لأنه يحتمل أن يكون إيمانا قريب العهد وبعيده ، فأخبروا أن إيمانهم به متقادم وذلك لما وجدوه في كتب الأنبياء عليهم السلام المتقدمين من البشارة بمقدمه ، ثم إنه تعالى لما مدحهم بهذا المدح العظيم قال : { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا } وذكروا فيه وجوها : أحدها : أنهم يؤتون أجرهم مرتين بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل بعثته وبعد بعثته وهذا هو الأقرب لأنه تعالى لما بين أنهم آمنوا به بعد البعثة وبين أيضا أنهم كانوا به قبل مؤمنين البعثة ثم أثبت الأجر مرتين وجب أن ينصرف إلى ذلك وثانيها : يؤتون الأجر مرتين مرة بإيمانهم بالأنبياء الذي كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم ومرة أخرى بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وثالثها : قال مقاتل هؤلاء لما آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم شتمهم المشركون فصفحوا عنهم فلهم أجران أجر على الصف وأجر على الإيمان ، يروى أنهم لما أسلموا لعنهم أبو جهل فسكتوا عنه ، قال السدي اليهود / عابوا عبد الله بن سلام وشتموه وهو يقول سلام عليكم ثم قال : { ويدرءون بالحسنة السيئة } والمعنى ( يدفعون ) بالطاعة المعصية المتقدمة ، ويحتمل أن يكون المراد دفعوا بالعفو والصفح الأذى ، ويحتمل أن يكون المراد من الحسنة امتناعهم من المعاصي لأن نفس الامتناع حسنة ويدفع به ما لولاه لكان سيئة ، ويحتمل التوبة والإنابة والاستقرار عليها ، ثم قال : { ومما رزقناهم ينفقون } .
Section V24/P223–V24/P225Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V24/P223–V24/P225)
Orijinal Metin (AR)واعلم أنه تعالى مدحهم أولا بالإيمان ثم بالطاعات البدنية في قوله : { ويدرءون بالحسنة السيئة } ثم بالطاعات المالية في قوله : { ومما رزقناهم ينفقون } قال القاضي دل هذا المدح على أن الحرام لا يكون رزقا جوابه : أن كلمة من للتبعيض فدل على أنهم استحقوا المدح بإنفاق بعض ما كان رزقا ، وعلى هذا التقدير يسقط استدلاله ، ثم لما بين كيفية اشتغالهم بالطاعات والأفعال الحسنة بين كيفية إعراضهم عن الجهال فقال : { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه } واللغو ما حقه أن يلغى ويترك من العبث وغيره وكانوا يسمعون ذلك فلا يخوضون فيه بل يعرضون عنه إعراضا جميلا فلذلك قال تعالى : { وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم } وما أحسن ما قال الحسن رحمه الله في أن هذه الكلمة تحية بين المؤمنين ، وعلامة الاحتمال من الجاهلين ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { وعباد الرحمان الذين يمشون على الارض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } ( الفرقان : 63 ) ثم أكد تعالى ذلك بقوله حاكيا عنهم { لا نبتغى الجاهلين } والمراد لا نجازيهم بالباطل على باطلهم ، قال قوم نسخ ذلك بالأمر بالقتال وهو بعيد لأن ترك المسافهة مندوب ، وإن كان القتال واجبا . ! 7 < { إنك لا تهدى من أحببت ولاكن الله يهدى من يشآء وهو أعلم بالمهتدين وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنآ أولم نمكن لهم حرما ءامنا يجبى إليه ثمرات كل شىء رزقا من لدنا ولاكن أكثرهم لا يعلمون } . > 7 ! / < < القصص : ( 56 - 57 ) إنك لا تهدي . . . . . > > إعلم أن في قوله تعالى : { إنك لا تهدى من أحببت ولاكن الله يهدى من يشاء } مسائل : المسألة الأولى : هذه الآية لا دلالة في ظاهرها على كفر أبي طالب ثم قال الزجاج : أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب وذلك أن أبا طالب قال عند موته يا معشر بني عبد مناف أطيعوا محمدا وصدقوه تفلحوا وترشدوا ، فقال عليه السلام ( يا عم تأمرهم بالنصح لأنفسهم وتدعها لنفسكا قال فما تريد يا ابن أخي ؟ قال أريد منك كلمة واحدة ، فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا أن تقول لا إله إلا الله ، أشهد لك بها عند الله تعالى ، قال يا أخي قد علمت أنك صادق ولكني أكره أن يقال جزع عند الموت ولولا أن يكون عليك وعلى بني إبيك غضاضة ومسبة بعدي لقلتها ولأقررت بها عينك عند الفراق لما أرى من شدة وجدك ونصحك ، ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب وهاشم وعبد مناف ) . المسألة الثانية : أنه تعالى قال في هذه الآية : { إنك لا تهدى من أحببت } وقال في آية أخرى : { وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم } ( الشورى : 52 ) ولا تنافي بينهما فإن الذي أثبته وأضافه إليه الدعوة والبيان والذي نفى عنه هداية التوفيق ، وشرح الصدر وهو نور يقذف في القلب فيحيا به القلب كما قال سبحانه : { أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا } ( الأنعام : 122 ) الآية .
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)واعلم أنه تعالى مدحهم أولا بالإيمان ثم بالطاعات البدنية في قوله : { ويدرءون بالحسنة السيئة } ثم بالطاعات المالية في قوله : { ومما رزقناهم ينفقون } قال القاضي دل هذا المدح على أن الحرام لا يكون رزقا جوابه : أن كلمة من للتبعيض فدل على أنهم استحقوا المدح بإنفاق بعض ما كان رزقا ، وعلى هذا التقدير يسقط استدلاله ، ثم لما بين كيفية اشتغالهم بالطاعات والأفعال الحسنة بين كيفية إعراضهم عن الجهال فقال : { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه } واللغو ما حقه أن يلغى ويترك من العبث وغيره وكانوا يسمعون ذلك فلا يخوضون فيه بل يعرضون عنه إعراضا جميلا فلذلك قال تعالى : { وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم } وما أحسن ما قال الحسن رحمه الله في أن هذه الكلمة تحية بين المؤمنين ، وعلامة الاحتمال من الجاهلين ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { وعباد الرحمان الذين يمشون على الارض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } ( الفرقان : 63 ) ثم أكد تعالى ذلك بقوله حاكيا عنهم { لا نبتغى الجاهلين } والمراد لا نجازيهم بالباطل على باطلهم ، قال قوم نسخ ذلك بالأمر بالقتال وهو بعيد لأن ترك المسافهة مندوب ، وإن كان القتال واجبا . ! 7 < { إنك لا تهدى من أحببت ولاكن الله يهدى من يشآء وهو أعلم بالمهتدين وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنآ أولم نمكن لهم حرما ءامنا يجبى إليه ثمرات كل شىء رزقا من لدنا ولاكن أكثرهم لا يعلمون } . > 7 ! / < < القصص : ( 56 - 57 ) إنك لا تهدي . . . . . > > إعلم أن في قوله تعالى : { إنك لا تهدى من أحببت ولاكن الله يهدى من يشاء } مسائل : المسألة الأولى : هذه الآية لا دلالة في ظاهرها على كفر أبي طالب ثم قال الزجاج : أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب وذلك أن أبا طالب قال عند موته يا معشر بني عبد مناف أطيعوا محمدا وصدقوه تفلحوا وترشدوا ، فقال عليه السلام ( يا عم تأمرهم بالنصح لأنفسهم وتدعها لنفسكا قال فما تريد يا ابن أخي ؟ قال أريد منك كلمة واحدة ، فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا أن تقول لا إله إلا الله ، أشهد لك بها عند الله تعالى ، قال يا أخي قد علمت أنك صادق ولكني أكره أن يقال جزع عند الموت ولولا أن يكون عليك وعلى بني إبيك غضاضة ومسبة بعدي لقلتها ولأقررت بها عينك عند الفراق لما أرى من شدة وجدك ونصحك ، ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب وهاشم وعبد مناف ) . المسألة الثانية : أنه تعالى قال في هذه الآية : { إنك لا تهدى من أحببت } وقال في آية أخرى : { وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم } ( الشورى : 52 ) ولا تنافي بينهما فإن الذي أثبته وأضافه إليه الدعوة والبيان والذي نفى عنه هداية التوفيق ، وشرح الصدر وهو نور يقذف في القلب فيحيا به القلب كما قال سبحانه : { أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا } ( الأنعام : 122 ) الآية .
Section V24/P225–V25/P004Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V24/P225–V25/P004)
Orijinal Metin (AR)المسألة الثالثة : احتج الأصحاب بهذه الآية في مسألة الهدى والضلال ، فقالوا : قوله { إنك لا تهدى من أحببت ولاكن الله يهدى من يشاء } يقتضي أن تكون الهداية في الموضعين بمعنى واحد لأنه لو كان المراد من الهداية في قوله : { إنك لا تهدى } شيئا وفي قوله : { ولاكن الله يهدى من يشاء } شيئا آخر لاختل النظم ، ثم إما أن يكون المراد من الهداية بيان الدلالة أو الدعوة إلى الجنة أو تعريف / طريق الجنة أو خلق المعرفة في القلوب على سبيل الإلجاء أو خلق المعرفة في القلوب لا على سبيل الإلجاء لا جائز أن يكون المراد بيان الأدلة لأنه عليه السلام هدى الكل بهذا المعنى فهي غير الهداية التي نفى الله عمومها ، وكذا القول في الهداية بمعنى الدعوة إلى الجنة ، وأما الهداية بمعنى تعريف طريق الجنة فهي أيضا غير مرادة من الآية لأنه تعالى علق هذه الهداية على المشيئة وتعريف طريق الجنة غير معلق على المشيئة لأنه واجب على الله تعالى والواجب لا يكون معلقا على المشيئة فمن وجب عليه أداء عشرة دنانير ، لا يجوز أن يقول إني أعطي عشرة دنانير إن شئت ، وأما الهداية بمعنى الإلجاء والقسر فغير جائز لأن ذلك عندهم قبيح من الله تعالى في حق المكلف وفعل القبيح مستلزم للجهل أو الحاجة وهما محالان ومستلزم المحال محال فذلك محال من الله تعالى والمحال لا يجوز تعليقه في المشيئة ، ولما بطلت الأقسام لم يبق إلا أن المراد أنه تعالى يخص البعض بخلق الهداية والمعرفة ويمنع البعض منها ، ولا يسأل عما يفعل ، ومتى أوردت الكلام على هذا الوجه سقط كل ما أورده القاضي عذرا عن ذلك . أما قوله : { وهو أعلم بالمهتدين } فالمعنى أنه المختص بعلم الغيب فيعلم من يهتدي بعد ومن لا يهتدي / ثم إنه سبحانه بعد أن ذكر شبههم وأجاب عنها بالأجوبة الواضحة ، وبين أن وضوح الدلائل لا يكفي ما لم ينضم إليه هداية الله تعالى ، حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بأحوال الدنيا وهي قولهم : { إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا } ( القصص : 57 ) قال المبرد : الخطف ، الانتزاع بسرعة ، روى أن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا لنعلم أن الذي تقوله حق ، ولكن يمنعنا من ذلك تخطفنا من أرضنا ، أي يجتمعون على محاربتنا ويخرجوننا من أرضنا ، فأجاب الله سبحانه وتعالى عنها من وجوه الأول : قوله : { أو لم نمكن لهم حرما ءامنا } أي أعطيناكم مسكنا لا خوف لكم فيه ، إما لأن العرب كانوا يحترمون الحرم وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكانه ، فإنه يروى أن العرب خارج الحرم كانوا مشتغلين بالنهب والغارة ، وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكان الحر ، أو لقوله تعالى : { ومن دخله كان ءامنا } ( آل عمران : 97 ) وأما قوله : { يجبى إليه ثمرات كل شىء } فهو تعالى كما بين كون ذلك الموضع خاليا عن المخاوف والآفات بين كثرة النعم فيه ، ومعنى : { يجبى } يجمع من قولهم : جبيت الماء في الحوض إذا جمعته ، قرأ أهل المدينة تجبى بالتاء ، وأهل الكوفة ، وأبو عمرو بالياء ، وذلك أن تأنيث الثمرات تأنيث جمع وليس بتأنيث حقيقي ، فيجوز تأنيثه على اللفظ وتذكيره على المعنى ، ومعنى الكلية الكثرة كقوله : { وأوتيت من كل شىء } ( النمل : 23 ) وحاصل الجواب : أنه تعالى لما جعل الحرم آمنا وأكثر فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة الله تعالى مقبلين على عبادة الأوثان ، فلو آمنوا لكان بقاء هذه الحالة أولى ، قال القاضي : ولو أن الرسول قال لهم إن الذي ذكرتم من التخطف لو كان حقا لم يكن عذرا لكم في أن لا تؤمنوا وقد ظهرت الحجة لانقطعوا ، أو قال لهم إن تخطفهم لكن بالقتل وغيره ، وقد آمنتم كالشهادة لكم فهو / نفع عائد علكيم لانقطعوا أيضا ، ولو قال لهم ما قدر مضرة التخطف في جنب العقاب الدائم الذي أخوفكم منه إن بقيتم على كفركم لانقطعوا ، لكنه تعالى احتج بما هو أقوى من حيث بين كذبهم في أنهم يتخطفون من حيث عرفوا من حال البقعة بالعادة ، أن ذلك لا يجري إن آمنوا ، ومثل ذلك إذا أمكن بيانه للخصم فهو أولى من سائر ما ذكرنا ، فلذلك قدمه الله تعالى ، والآية دالة على صحة الحجاج الذي يتوصل به إلى إزالة شبهة المبطلين . بقي ههنا بحثان :
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الثالثة : احتج الأصحاب بهذه الآية في مسألة الهدى والضلال ، فقالوا : قوله { إنك لا تهدى من أحببت ولاكن الله يهدى من يشاء } يقتضي أن تكون الهداية في الموضعين بمعنى واحد لأنه لو كان المراد من الهداية في قوله : { إنك لا تهدى } شيئا وفي قوله : { ولاكن الله يهدى من يشاء } شيئا آخر لاختل النظم ، ثم إما أن يكون المراد من الهداية بيان الدلالة أو الدعوة إلى الجنة أو تعريف / طريق الجنة أو خلق المعرفة في القلوب على سبيل الإلجاء أو خلق المعرفة في القلوب لا على سبيل الإلجاء لا جائز أن يكون المراد بيان الأدلة لأنه عليه السلام هدى الكل بهذا المعنى فهي غير الهداية التي نفى الله عمومها ، وكذا القول في الهداية بمعنى الدعوة إلى الجنة ، وأما الهداية بمعنى تعريف طريق الجنة فهي أيضا غير مرادة من الآية لأنه تعالى علق هذه الهداية على المشيئة وتعريف طريق الجنة غير معلق على المشيئة لأنه واجب على الله تعالى والواجب لا يكون معلقا على المشيئة فمن وجب عليه أداء عشرة دنانير ، لا يجوز أن يقول إني أعطي عشرة دنانير إن شئت ، وأما الهداية بمعنى الإلجاء والقسر فغير جائز لأن ذلك عندهم قبيح من الله تعالى في حق المكلف وفعل القبيح مستلزم للجهل أو الحاجة وهما محالان ومستلزم المحال محال فذلك محال من الله تعالى والمحال لا يجوز تعليقه في المشيئة ، ولما بطلت الأقسام لم يبق إلا أن المراد أنه تعالى يخص البعض بخلق الهداية والمعرفة ويمنع البعض منها ، ولا يسأل عما يفعل ، ومتى أوردت الكلام على هذا الوجه سقط كل ما أورده القاضي عذرا عن ذلك . أما قوله : { وهو أعلم بالمهتدين } فالمعنى أنه المختص بعلم الغيب فيعلم من يهتدي بعد ومن لا يهتدي / ثم إنه سبحانه بعد أن ذكر شبههم وأجاب عنها بالأجوبة الواضحة ، وبين أن وضوح الدلائل لا يكفي ما لم ينضم إليه هداية الله تعالى ، حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بأحوال الدنيا وهي قولهم : { إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا } ( القصص : 57 ) قال المبرد : الخطف ، الانتزاع بسرعة ، روى أن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا لنعلم أن الذي تقوله حق ، ولكن يمنعنا من ذلك تخطفنا من أرضنا ، أي يجتمعون على محاربتنا ويخرجوننا من أرضنا ، فأجاب الله سبحانه وتعالى عنها من وجوه الأول : قوله : { أو لم نمكن لهم حرما ءامنا } أي أعطيناكم مسكنا لا خوف لكم فيه ، إما لأن العرب كانوا يحترمون الحرم وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكانه ، فإنه يروى أن العرب خارج الحرم كانوا مشتغلين بالنهب والغارة ، وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكان الحر ، أو لقوله تعالى : { ومن دخله كان ءامنا } ( آل عمران : 97 ) وأما قوله : { يجبى إليه ثمرات كل شىء } فهو تعالى كما بين كون ذلك الموضع خاليا عن المخاوف والآفات بين كثرة النعم فيه ، ومعنى : { يجبى } يجمع من قولهم : جبيت الماء في الحوض إذا جمعته ، قرأ أهل المدينة تجبى بالتاء ، وأهل الكوفة ، وأبو عمرو بالياء ، وذلك أن تأنيث الثمرات تأنيث جمع وليس بتأنيث حقيقي ، فيجوز تأنيثه على اللفظ وتذكيره على المعنى ، ومعنى الكلية الكثرة كقوله : { وأوتيت من كل شىء } ( النمل : 23 ) وحاصل الجواب : أنه تعالى لما جعل الحرم آمنا وأكثر فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة الله تعالى مقبلين على عبادة الأوثان ، فلو آمنوا لكان بقاء هذه الحالة أولى ، قال القاضي : ولو أن الرسول قال لهم إن الذي ذكرتم من التخطف لو كان حقا لم يكن عذرا لكم في أن لا تؤمنوا وقد ظهرت الحجة لانقطعوا ، أو قال لهم إن تخطفهم لكن بالقتل وغيره ، وقد آمنتم كالشهادة لكم فهو / نفع عائد علكيم لانقطعوا أيضا ، ولو قال لهم ما قدر مضرة التخطف في جنب العقاب الدائم الذي أخوفكم منه إن بقيتم على كفركم لانقطعوا ، لكنه تعالى احتج بما هو أقوى من حيث بين كذبهم في أنهم يتخطفون من حيث عرفوا من حال البقعة بالعادة ، أن ذلك لا يجري إن آمنوا ، ومثل ذلك إذا أمكن بيانه للخصم فهو أولى من سائر ما ذكرنا ، فلذلك قدمه الله تعالى ، والآية دالة على صحة الحجاج الذي يتوصل به إلى إزالة شبهة المبطلين . بقي ههنا بحثان :
Section V25/P004Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V25/P004)
Orijinal Metin (AR)الأول : قال صاحب ( الكشاف ) في انتصاب رزقا إن جعلته مصدرا جاز أن ينتصب بمعنى ما قبله ، لأن معنى يجبى إليه ثمرات كل شيء ، ويرزق ثمرات كل شيء واحد ، وأن يكون مفعولا له ، وإن جعلته بمعنى مرزوق كان حالا من الثمرات لتخصيصها بالإضافة ، كما ينتصب عن النكرة المتخصصة بالصفة . الثاني : احتج الأصحاب بقوله : { رزقا من لدنا } في أن فعل العبد خلق الله تعالى ، وبيانه أن تلك الأرزاق إنما كانت تصل إليهم ، لأن الناس كانوا يحملونها إليهم فلو لم يكن فعل العبد خلقا لله تعالى لما صحت تلك الإضافة ، فإن قيل سبب تلك الإضافة أنه تعالى هو الذي ألقى تلك الدواعي في قلوب من ذهب بتلك الأرزاق إليهم ، قلنا تلك الدواعي إن اقتضت الرجحان ، فقد بينا في غير موضع أنه متى حصل الرجحان ، فقد حصل الوجوب وحينئذ يحصل المقصود ، وإن لم يحصل الرجحان انقطعت الإضافة بالكلية . واعلم أنه تعالى إنما بين أن تلك الأرزاق ما وصلت إليهم إلا من الله تعالى ، لأجل أنهم متى علموا ذلك صاروا بحيث لا يخافون أحدا سوى الله تعالى ولا يرجون أحدا غير الله تعالى ، فيبقى نظرهم منقطعا عن الخلق متعلقا بالخالق ، وذلك يوجب كمال الإيمان والإعراض بالكلية عن غير الله تعالى والإقبال بالكلية على طاعة الله تعالى . ! 7 < { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث فىأمها رسولا يتلو عليهم ءاياتنا وما كنا مهلكى القرى إلا وأهلها ظالمون } . > 7 ! / < < القصص : ( 58 - 59 ) وكم أهلكنا من . . . . . > > اعلم أن هذا هو الجواب الثاني : عن تلك الشبهة ، وذلك لأنه تعالى لما بين لأهل مكة ما خصوا به من النعم أتبعه بما أنزله الله تعالى بالأمم الماضية الذين كانوا في نعم الدنيا ، فلما كذبوا الرسل أزال الله عنهم تلك النعم والمقصود أن الكفار لما قالوا إنا لا نؤمن خوفا من زوال نعمة الدنيا ، فالله تعالى بين لهم أن الإصرار على عدم قبول الإيمان هو الذي يزيل هذه النعم ، لا الإقدام على الإيمان ، قال صاحب ( الكشاف ) : البطر سوء احتمال الغنى وهو أن لا يحفظ حق الله تعالى فيه وانتصبت معيشتها إما بحذف الجار واتصال الفعل كقوله : { واختار موسى قومه } ( الأعراف : 155 ) أو بتقدير حذف الزمان المضاف وأصله بطرت أيام معيشتها ، وإما تضمين بطرت معنى كفرت .
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)الأول : قال صاحب ( الكشاف ) في انتصاب رزقا إن جعلته مصدرا جاز أن ينتصب بمعنى ما قبله ، لأن معنى يجبى إليه ثمرات كل شيء ، ويرزق ثمرات كل شيء واحد ، وأن يكون مفعولا له ، وإن جعلته بمعنى مرزوق كان حالا من الثمرات لتخصيصها بالإضافة ، كما ينتصب عن النكرة المتخصصة بالصفة . الثاني : احتج الأصحاب بقوله : { رزقا من لدنا } في أن فعل العبد خلق الله تعالى ، وبيانه أن تلك الأرزاق إنما كانت تصل إليهم ، لأن الناس كانوا يحملونها إليهم فلو لم يكن فعل العبد خلقا لله تعالى لما صحت تلك الإضافة ، فإن قيل سبب تلك الإضافة أنه تعالى هو الذي ألقى تلك الدواعي في قلوب من ذهب بتلك الأرزاق إليهم ، قلنا تلك الدواعي إن اقتضت الرجحان ، فقد بينا في غير موضع أنه متى حصل الرجحان ، فقد حصل الوجوب وحينئذ يحصل المقصود ، وإن لم يحصل الرجحان انقطعت الإضافة بالكلية . واعلم أنه تعالى إنما بين أن تلك الأرزاق ما وصلت إليهم إلا من الله تعالى ، لأجل أنهم متى علموا ذلك صاروا بحيث لا يخافون أحدا سوى الله تعالى ولا يرجون أحدا غير الله تعالى ، فيبقى نظرهم منقطعا عن الخلق متعلقا بالخالق ، وذلك يوجب كمال الإيمان والإعراض بالكلية عن غير الله تعالى والإقبال بالكلية على طاعة الله تعالى . ! 7 < { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث فىأمها رسولا يتلو عليهم ءاياتنا وما كنا مهلكى القرى إلا وأهلها ظالمون } . > 7 ! / < < القصص : ( 58 - 59 ) وكم أهلكنا من . . . . . > > اعلم أن هذا هو الجواب الثاني : عن تلك الشبهة ، وذلك لأنه تعالى لما بين لأهل مكة ما خصوا به من النعم أتبعه بما أنزله الله تعالى بالأمم الماضية الذين كانوا في نعم الدنيا ، فلما كذبوا الرسل أزال الله عنهم تلك النعم والمقصود أن الكفار لما قالوا إنا لا نؤمن خوفا من زوال نعمة الدنيا ، فالله تعالى بين لهم أن الإصرار على عدم قبول الإيمان هو الذي يزيل هذه النعم ، لا الإقدام على الإيمان ، قال صاحب ( الكشاف ) : البطر سوء احتمال الغنى وهو أن لا يحفظ حق الله تعالى فيه وانتصبت معيشتها إما بحذف الجار واتصال الفعل كقوله : { واختار موسى قومه } ( الأعراف : 155 ) أو بتقدير حذف الزمان المضاف وأصله بطرت أيام معيشتها ، وإما تضمين بطرت معنى كفرت .
Section V25/P004–V25/P005Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V25/P004–V25/P005)
Orijinal Metin (AR)فأما قوله : { فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا } ففي هذا الاستثناء وجوه أحدها : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لم يسكنها إلا المسافر ومار الطريق يوما أو ساعة . وثانيها : يحتمل أن شؤم معاصي المهلكين بقي أثره في ديارهم ، فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق فيها إلا قليلا وكنا نحن الوارثين لها بعد هلاك أهلها ، وإذا لم يبق للشيء مالك معين قيل إنه ميراث الله لأنه الباقي بعد فناء خلقه ، ثم إنه سبحانه لما ذكر أنه أهلك تلك القرى بسبب بطر أهلها ، فكأن سائلا أورد السؤال من وجهين الأول : لماذا ما أهلك الله الكفار قبل محمد صلى الله عليه وسلم مع أنهم كانوا مستغرقين في الكفر والعناد ؟ الثاني : لماذا ما أهلكهم بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم مع تمادي القوم في الكفر بالله تعالى والتكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم ؟ فأجاب عن السؤال الأول بقوله : { وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث فى أمها رسولا يتلو عليهم ءاياتنا } وحاصل الجواب أنه تعالى قدم بيان أن عدم البعثة يجري مجرى العذر للقوم ، فوجب أن لا يجوز إهلاكهم إلا بعد البعثة ، ثم ذكر المفسرون وجهين أحدهما : { وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث فى أمها رسولا } أي في القرية التي هي أمها وأصلها وقصبتها التي هي أعمالها وتوابعها رسولا لإلزام الحجة وقطع المعذرة الثاني : وما كان ربك مهلك القرى التي في الأرض حتى يبعث في أم القرى يعني مكة رسولا وهو محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء ، ومعنى : { يتلو عليهم ءاياتنا } يؤدي ويبلغ ، وأجاب عن السؤال الثاني بقوله : { وما كنا مهلكى القرى إلا وأهلها ظالمون } أنفسهم بالشرك وأهل مكة ليسوا كذلك فإن بعضهم قد آمن وبعضهم علم الله منهم أنهم سيؤمنون وبعض آخرون علم الله أنهم وإن لم يؤمنوا لكنه يخرج من نسلهم من يكون مؤمنا . ! 7 < { ومآ أوتيتم من شىء فمتاع الحيواة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحيواة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين } . > 7 ! < < القصص : ( 60 - 61 ) وما أوتيتم من . . . . .
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)فأما قوله : { فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا } ففي هذا الاستثناء وجوه أحدها : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لم يسكنها إلا المسافر ومار الطريق يوما أو ساعة . وثانيها : يحتمل أن شؤم معاصي المهلكين بقي أثره في ديارهم ، فكل من سكنها من أعقابهم لم يبق فيها إلا قليلا وكنا نحن الوارثين لها بعد هلاك أهلها ، وإذا لم يبق للشيء مالك معين قيل إنه ميراث الله لأنه الباقي بعد فناء خلقه ، ثم إنه سبحانه لما ذكر أنه أهلك تلك القرى بسبب بطر أهلها ، فكأن سائلا أورد السؤال من وجهين الأول : لماذا ما أهلك الله الكفار قبل محمد صلى الله عليه وسلم مع أنهم كانوا مستغرقين في الكفر والعناد ؟ الثاني : لماذا ما أهلكهم بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم مع تمادي القوم في الكفر بالله تعالى والتكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم ؟ فأجاب عن السؤال الأول بقوله : { وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث فى أمها رسولا يتلو عليهم ءاياتنا } وحاصل الجواب أنه تعالى قدم بيان أن عدم البعثة يجري مجرى العذر للقوم ، فوجب أن لا يجوز إهلاكهم إلا بعد البعثة ، ثم ذكر المفسرون وجهين أحدهما : { وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث فى أمها رسولا } أي في القرية التي هي أمها وأصلها وقصبتها التي هي أعمالها وتوابعها رسولا لإلزام الحجة وقطع المعذرة الثاني : وما كان ربك مهلك القرى التي في الأرض حتى يبعث في أم القرى يعني مكة رسولا وهو محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء ، ومعنى : { يتلو عليهم ءاياتنا } يؤدي ويبلغ ، وأجاب عن السؤال الثاني بقوله : { وما كنا مهلكى القرى إلا وأهلها ظالمون } أنفسهم بالشرك وأهل مكة ليسوا كذلك فإن بعضهم قد آمن وبعضهم علم الله منهم أنهم سيؤمنون وبعض آخرون علم الله أنهم وإن لم يؤمنوا لكنه يخرج من نسلهم من يكون مؤمنا . ! 7 < { ومآ أوتيتم من شىء فمتاع الحيواة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحيواة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين } . > 7 ! < < القصص : ( 60 - 61 ) وما أوتيتم من . . . . .
Section V25/P005–V25/P006Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V25/P005–V25/P006)
Orijinal Metin (AR)> > اعلم أن هذا هو الجواب الثالث : عن تلك الشبهة لأن حاصل شبهتهم أن قالوا تركنا الدين لئلا تفوتنا الدنيا فبين تعالى أن ذلك خطأ عظيم لأن ما عند الله خير وأبقى ، أما أنه خير فلوجهين أحدهما : أن المنافع هناك أعظم وثانيهما : أنها خالصة عن الشوائب ومنافع الدنيا مشوبة بالمضار فيها أكثر ، وأما أنها أبقى فلأنها دائمة غير منقطعة ومنافع الدنيا منقطعة ومتى قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدما فكيف ونصيب كل أحد بالقياس إلى منافع الدنيا كلها كالذرة بالقياس إلى البحر ، فظهر من هذا أن منافع الدنيا لا نسبة لها إلى منافع الآخرة ألبتة فكان من الجهل العظيم ترك منافع الآخرة لاستبقاء منافع الدنيا ولما نبه سبحانه على ذلك قال : { أفلا تعقلون } يعني أن من لا يرجح منافع الآخرة على منافع الدنيا كأنه يكون خارجا عن حد العقل ، ورحم الله الشافعي حيث قال : من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله تعالى ، لأن أعقل الناس من أعطى القليل وأخذ الكثير وما هم إلا المشتغلون بالطاعة فكأنه رحمه الله إنما أخذه من هذه الآية ، ثم إنه تعالى أكد هذا الترجيح من وجه آخر وهو أنا لو قدرنا أن نعم الله كانت تنتهي إلى الانقطاع والفناء وما كانت تتصل بالعذاب الدائم لكان صريح العقل يقتضي ترجيح نعم الآخرة على نعم الدنيا فكيف إذا اتصلت نعم الدنيا بعقاب الآخرة فأي عقل يرتاب في أن نعم الآخرة راجحة عليها ، وهذا هو المراد بقوله : { أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه } ( الصافات : 57 ) فهو يكون كمن أعطاه الله قدرا قليلا من متاع الدنيا ثم يكون في الآخرة من المحضرين للعذاب ، والمقصود أنهم لما قالوا تركنا الدين للدنيا فقال الله لهم لو لم يحصل عقيب دنياكم مضرة العقاب لكان العقل يقتضي ترجيح منافع الآخرة على منافع الدنيا ، فكيف وهذه الدنيا يحصل بعدها العقاب الدائم ، وأورد هذا الكلام على لفظ الاستفهام ليكون أبلغ في الاعتراف بالترجيح وتخصيص لفظ المحضرين بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن قال تعالى : { لكنت من المحضرين } ( الصافات : 57 ) { فإنهم لمحضرون } ( الصافات : 127 ) وفي لفظه إشعار به لأن الإحضار مشعر بالتكليف والإلزام ، وذلك لا يليق بمجالس اللذة إنما يليق بمجالس الضرر والمكاره . ! 7 < { ويوم يناديهم فيقول أين شركآئى الذين كنتم تزعمون قال الذين حق عليهم القول ربنا هاؤلاء الذين أغوينآ أغويناهم كما غوينا تبرأنآ إليك ما كانوا إيانا يعبدون وقيل ادعوا شركآءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون ويوم يناديهم فيقول ماذآ أجبتم المرسلين فعميت عليهم الا نبآء يومئذ فهم لا يتسآءلون } . > 7 < القصص : ( 62 - 66 ) ويوم يناديهم فيقول . . . . . > >
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)> > اعلم أن هذا هو الجواب الثالث : عن تلك الشبهة لأن حاصل شبهتهم أن قالوا تركنا الدين لئلا تفوتنا الدنيا فبين تعالى أن ذلك خطأ عظيم لأن ما عند الله خير وأبقى ، أما أنه خير فلوجهين أحدهما : أن المنافع هناك أعظم وثانيهما : أنها خالصة عن الشوائب ومنافع الدنيا مشوبة بالمضار فيها أكثر ، وأما أنها أبقى فلأنها دائمة غير منقطعة ومنافع الدنيا منقطعة ومتى قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدما فكيف ونصيب كل أحد بالقياس إلى منافع الدنيا كلها كالذرة بالقياس إلى البحر ، فظهر من هذا أن منافع الدنيا لا نسبة لها إلى منافع الآخرة ألبتة فكان من الجهل العظيم ترك منافع الآخرة لاستبقاء منافع الدنيا ولما نبه سبحانه على ذلك قال : { أفلا تعقلون } يعني أن من لا يرجح منافع الآخرة على منافع الدنيا كأنه يكون خارجا عن حد العقل ، ورحم الله الشافعي حيث قال : من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله تعالى ، لأن أعقل الناس من أعطى القليل وأخذ الكثير وما هم إلا المشتغلون بالطاعة فكأنه رحمه الله إنما أخذه من هذه الآية ، ثم إنه تعالى أكد هذا الترجيح من وجه آخر وهو أنا لو قدرنا أن نعم الله كانت تنتهي إلى الانقطاع والفناء وما كانت تتصل بالعذاب الدائم لكان صريح العقل يقتضي ترجيح نعم الآخرة على نعم الدنيا فكيف إذا اتصلت نعم الدنيا بعقاب الآخرة فأي عقل يرتاب في أن نعم الآخرة راجحة عليها ، وهذا هو المراد بقوله : { أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه } ( الصافات : 57 ) فهو يكون كمن أعطاه الله قدرا قليلا من متاع الدنيا ثم يكون في الآخرة من المحضرين للعذاب ، والمقصود أنهم لما قالوا تركنا الدين للدنيا فقال الله لهم لو لم يحصل عقيب دنياكم مضرة العقاب لكان العقل يقتضي ترجيح منافع الآخرة على منافع الدنيا ، فكيف وهذه الدنيا يحصل بعدها العقاب الدائم ، وأورد هذا الكلام على لفظ الاستفهام ليكون أبلغ في الاعتراف بالترجيح وتخصيص لفظ المحضرين بالذين أحضروا للعذاب أمر عرف من القرآن قال تعالى : { لكنت من المحضرين } ( الصافات : 57 ) { فإنهم لمحضرون } ( الصافات : 127 ) وفي لفظه إشعار به لأن الإحضار مشعر بالتكليف والإلزام ، وذلك لا يليق بمجالس اللذة إنما يليق بمجالس الضرر والمكاره . ! 7 < { ويوم يناديهم فيقول أين شركآئى الذين كنتم تزعمون قال الذين حق عليهم القول ربنا هاؤلاء الذين أغوينآ أغويناهم كما غوينا تبرأنآ إليك ما كانوا إيانا يعبدون وقيل ادعوا شركآءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون ويوم يناديهم فيقول ماذآ أجبتم المرسلين فعميت عليهم الا نبآء يومئذ فهم لا يتسآءلون } . > 7 < القصص : ( 62 - 66 ) ويوم يناديهم فيقول . . . . . > >
Section V25/P006–V25/P007Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V25/P006–V25/P007)
Orijinal Metin (AR)/اعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر في هذه الآية أنه يسأل الكفار يوم القيامة عن ثلاثة أشياء أحدها : قوله : { ويوم يناديهم فيقول أين شركائى الذين كنتم تزعمون } لما ثبت أن الكفار يوم القيامة قد عرفوا بطلان ما كانوا عليه وعرفوا صحة التوحيد والنبوة بالضرورة فيقول لهم أين ما كنتم تعبدونه وتجعلونه شريكا في العبادة وتزعمون أنه يشفع ؟ أين هو لينصركم ويخلصكم من هذا الذي نزل بكم . ثم بين تعالى ما يقوله من حق عليه القول ، والمراد من القول هو قوله : { لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين } ( هود : 119 ) ومعنى حق عليه القول أي حق عليه مقتضاه ، واختلفوا في أن الذين حق عليهم هذا القول من هم ؟ فقال بعضهم الرؤساء الدعاة إلى الضلال ، وقال بعضهم الشياطين قوله : { ربنا هؤلاء الذين أغوينا } هؤلاء مبتدأ والذين أغوينا صفته والراجع إلى الموصوف محذوف وأغويناهم الخبر والكاف صفة مصدر محذوف تقديره أغويناهم فغووا غيا مثل ما غوينا والمراد كما أن غينا باختيارنا فكذا غيهم باختيارهم يعني أن أغواءنا لهم ما ألجأهم إلى الغواية بل كانوا مختارين بالإقدام على تلك العقائد والأعمال ، وهذا معنى ما حكاه الله عن الشيطان أنه قال : { إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى فلا تلوموني ولوموا أنفسكم } [ إبراهيم : 22 ] وقال تعالى لإبليس : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } ( إبراهيم : 22 ) فقوله : { إلا من اتبعك } ( الحجر : 42 ) يدل على أن ذلك الاتباع لهم من قبل أنفسهم لا من قبل إلجاء الشيطان إلى ذلك ، ثم قال تبرأنا إليك منهم ومن عقائدهم وأعمالهم ما كانوا إيانا يعبدون إنما كانوا يعبدون أهواءهم ، والحاصل أنهم يتبرءون منهم كما قال تعالى : { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } ( البقرة : 166 ) وأيضا فلا يمتنع في قوله تعالى : { أين شركائى } ( النحل : 27 ) أن يريد به هؤلاء الرؤساء والشياطين فإنهم لما أطاعوهم فقد صيروهم لمكان الطاعة بمنزله الشريك لله تعالى ، وإذا حمل الكلام على هذا الوجه كان جوابهم أن يقولوا إلهنا هؤلاء ما عبدونا إنما عبدوا أهواءهم الفاسدة / وثانيها : قوله تعالى : { وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } والأقرب أن هذا على سبيل التقرير لأنهم يعلمون أنه لا فائدة في دعائهم لهم ، فالمراد أنهم لو دعوهم لم يوجد منهم إجابة في النصرة وأن العذاب ثابت فيهم ، وكل ذلك على وجه التوبيخ ، وفي ذكره ردع وزجر في دار الدنيا ، فأما قوله تعالى : { لو أنهم كانوا يهتدون } فكثير من المفسرين زعموا أن جواب لو محذوف وذكروا فيه وجوها أحدها : قال الضحاك ومقاتل يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في الآخرة وثانيها : لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا لعلموا أن العذاب حق وثالثها : ودوا حين رأوا العذاب لو كانوا في الدنيا يهتدون ورابعها : لو كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب وخامسها : قد آن لهم أن يهتدوا لو أنهم كانوا يهتدون إذا رأوا العذاب ويؤكد ذلك قوله تعالى : { لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الاليم } ( الشعراء : 201 ) وعندي أن الجواب غير محذوف وفي تقريره وجوه أحدها : أن الله تعالى إذا خاطبهم بقوله : { ادعوا } فههنا يشتد الخوف عليهم ويلحقهم شيء كالسدر والدوار ويصيرون بحيث لا يبصرون شيئا فقال تعالى : { لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون } شيئا أما لما صاروا من شدة الخوف بحيث لا يبصرون شيئا لا جرم ما رأوا العذاب وثانيها : أنه تعالى لما ذكر عن الشركاء وهي الأصنام أنهم لا يجيبون الذين دعوهم قال في حقهم { ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون } أي هذه الأصنام كانوا يشاهدون العذاب لو كانوا من الأحياء المهتدين ولكنها ليست كذلك فلا جرم ما رأت العذاب فإن قيل قوله : { ورأوا العذاب } ضمير لا يليق إلا بالعقلاء فكيف يصح عوده إلى الأصنام ؟
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)/اعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر في هذه الآية أنه يسأل الكفار يوم القيامة عن ثلاثة أشياء أحدها : قوله : { ويوم يناديهم فيقول أين شركائى الذين كنتم تزعمون } لما ثبت أن الكفار يوم القيامة قد عرفوا بطلان ما كانوا عليه وعرفوا صحة التوحيد والنبوة بالضرورة فيقول لهم أين ما كنتم تعبدونه وتجعلونه شريكا في العبادة وتزعمون أنه يشفع ؟ أين هو لينصركم ويخلصكم من هذا الذي نزل بكم . ثم بين تعالى ما يقوله من حق عليه القول ، والمراد من القول هو قوله : { لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين } ( هود : 119 ) ومعنى حق عليه القول أي حق عليه مقتضاه ، واختلفوا في أن الذين حق عليهم هذا القول من هم ؟ فقال بعضهم الرؤساء الدعاة إلى الضلال ، وقال بعضهم الشياطين قوله : { ربنا هؤلاء الذين أغوينا } هؤلاء مبتدأ والذين أغوينا صفته والراجع إلى الموصوف محذوف وأغويناهم الخبر والكاف صفة مصدر محذوف تقديره أغويناهم فغووا غيا مثل ما غوينا والمراد كما أن غينا باختيارنا فكذا غيهم باختيارهم يعني أن أغواءنا لهم ما ألجأهم إلى الغواية بل كانوا مختارين بالإقدام على تلك العقائد والأعمال ، وهذا معنى ما حكاه الله عن الشيطان أنه قال : { إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى فلا تلوموني ولوموا أنفسكم } [ إبراهيم : 22 ] وقال تعالى لإبليس : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } ( إبراهيم : 22 ) فقوله : { إلا من اتبعك } ( الحجر : 42 ) يدل على أن ذلك الاتباع لهم من قبل أنفسهم لا من قبل إلجاء الشيطان إلى ذلك ، ثم قال تبرأنا إليك منهم ومن عقائدهم وأعمالهم ما كانوا إيانا يعبدون إنما كانوا يعبدون أهواءهم ، والحاصل أنهم يتبرءون منهم كما قال تعالى : { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } ( البقرة : 166 ) وأيضا فلا يمتنع في قوله تعالى : { أين شركائى } ( النحل : 27 ) أن يريد به هؤلاء الرؤساء والشياطين فإنهم لما أطاعوهم فقد صيروهم لمكان الطاعة بمنزله الشريك لله تعالى ، وإذا حمل الكلام على هذا الوجه كان جوابهم أن يقولوا إلهنا هؤلاء ما عبدونا إنما عبدوا أهواءهم الفاسدة / وثانيها : قوله تعالى : { وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } والأقرب أن هذا على سبيل التقرير لأنهم يعلمون أنه لا فائدة في دعائهم لهم ، فالمراد أنهم لو دعوهم لم يوجد منهم إجابة في النصرة وأن العذاب ثابت فيهم ، وكل ذلك على وجه التوبيخ ، وفي ذكره ردع وزجر في دار الدنيا ، فأما قوله تعالى : { لو أنهم كانوا يهتدون } فكثير من المفسرين زعموا أن جواب لو محذوف وذكروا فيه وجوها أحدها : قال الضحاك ومقاتل يعني المتبوع والتابع يرون العذاب ولو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما أبصروه في الآخرة وثانيها : لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا لعلموا أن العذاب حق وثالثها : ودوا حين رأوا العذاب لو كانوا في الدنيا يهتدون ورابعها : لو كانوا يهتدون لوجه من وجوه الحيل لدفعوا به العذاب وخامسها : قد آن لهم أن يهتدوا لو أنهم كانوا يهتدون إذا رأوا العذاب ويؤكد ذلك قوله تعالى : { لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الاليم } ( الشعراء : 201 ) وعندي أن الجواب غير محذوف وفي تقريره وجوه أحدها : أن الله تعالى إذا خاطبهم بقوله : { ادعوا } فههنا يشتد الخوف عليهم ويلحقهم شيء كالسدر والدوار ويصيرون بحيث لا يبصرون شيئا فقال تعالى : { لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون } شيئا أما لما صاروا من شدة الخوف بحيث لا يبصرون شيئا لا جرم ما رأوا العذاب وثانيها : أنه تعالى لما ذكر عن الشركاء وهي الأصنام أنهم لا يجيبون الذين دعوهم قال في حقهم { ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون } أي هذه الأصنام كانوا يشاهدون العذاب لو كانوا من الأحياء المهتدين ولكنها ليست كذلك فلا جرم ما رأت العذاب فإن قيل قوله : { ورأوا العذاب } ضمير لا يليق إلا بالعقلاء فكيف يصح عوده إلى الأصنام ؟
Section V25/P007–V25/P008Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V25/P007–V25/P008)
Orijinal Metin (AR)قلنا هذا كقوله : { فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } وإنما ورد ذلك على حسب اعتقاد القوم فكذا ههنا وثالثها : أن يكون المراد من الرؤية رؤية القلب أي والكفار علموا حقية هذا العذاب في الدنيا لو كانوا يهتدون وهذه الوجوه عندي خير من الوجوه المبنية على أن جواب لو محذوف فإن ذلك يقتضي تفكيك النظم من الآية الأمر الثالث : من الأمور التي يسأل الله الكفار عنها قوله : { ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين فعميت عليهم الانباء } ( القصص : 65 ، 66 ) أي فصارت الأنباء كالعمى عليهم جميعا لا تهتدي إليهم فهم لا يتساءلون لا يسأل بعضهم بعضا كما يتساءل الناس في المشكلات لأنهم يتساوون جميعا في عمي الأنباء عليهم والعجز عن الجواب ، وقرىء فعميت وإذا كانت الأنبياء لهول ذلك يتعتعون في الجواب عن مثل هذا السؤال ، ويفوضون الأمر إلى علم الله وذلك قوله تعالى : { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب } ( المائدة : 109 ) فما ظنك بهؤلاء الضلال ، قال القاضي هذه الآية تدل على بطلان القول بالجبر لأن فعلهم لو كان خلقا من الله تعالى ويجب وقوعه بالقدرة والإرادة لما عميت عليهم الأنباء ولقالوا إنما أتينا في تكذيب الرسل من جهة خلقك فينا تكذيبهم والقدرة الموجبة لذلك ، فكانت حجتهم على الله تعالى طاهرة وكذلك القول فيما تقدم لأن الشيطان كان له أن يقول إنما أغويت بخلقك في الغواية ، وإنما قبل من دعوته لمثل ذلك / فتكون الحجة لهم في ذلك قوية والعذر ظاهرا والجواب : أن القاضي لا يترك آية من الآيات المشتملة على المدح والذم والثواب والعقاب إلا ويعيد استدلاله بها ، وكما أن وجه استدلاله في الكل هذا الحرف فكذا وجه جوابنا حرف واحد وهو أن علم الله تعالى بعدم الإيمان مع وقوع الإيمان متنافيان لذاتيهما فمع العلم بعدم الإيمان إذا أمر بإدخال الإيمان في الوجود فقد أمر بالجمع بين الضدين ، والذي اعتمد القاضي عليه في دفع هذا الحرف في كتبه الكلامية قوله خطأ قول من يقول إنه يمكن وخطأ قول من يقول إنه لا يمكن بل الواجب السكوت ولو أورد الكافر هذا السؤال على ربه لما كان لربه عنه جواب إلا السكوت ، فتكون حجة الكافر قوية وعذره ظاهرا فثبت أن الإشكال مشترك والله أعلم .
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)قلنا هذا كقوله : { فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } وإنما ورد ذلك على حسب اعتقاد القوم فكذا ههنا وثالثها : أن يكون المراد من الرؤية رؤية القلب أي والكفار علموا حقية هذا العذاب في الدنيا لو كانوا يهتدون وهذه الوجوه عندي خير من الوجوه المبنية على أن جواب لو محذوف فإن ذلك يقتضي تفكيك النظم من الآية الأمر الثالث : من الأمور التي يسأل الله الكفار عنها قوله : { ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين فعميت عليهم الانباء } ( القصص : 65 ، 66 ) أي فصارت الأنباء كالعمى عليهم جميعا لا تهتدي إليهم فهم لا يتساءلون لا يسأل بعضهم بعضا كما يتساءل الناس في المشكلات لأنهم يتساوون جميعا في عمي الأنباء عليهم والعجز عن الجواب ، وقرىء فعميت وإذا كانت الأنبياء لهول ذلك يتعتعون في الجواب عن مثل هذا السؤال ، ويفوضون الأمر إلى علم الله وذلك قوله تعالى : { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب } ( المائدة : 109 ) فما ظنك بهؤلاء الضلال ، قال القاضي هذه الآية تدل على بطلان القول بالجبر لأن فعلهم لو كان خلقا من الله تعالى ويجب وقوعه بالقدرة والإرادة لما عميت عليهم الأنباء ولقالوا إنما أتينا في تكذيب الرسل من جهة خلقك فينا تكذيبهم والقدرة الموجبة لذلك ، فكانت حجتهم على الله تعالى طاهرة وكذلك القول فيما تقدم لأن الشيطان كان له أن يقول إنما أغويت بخلقك في الغواية ، وإنما قبل من دعوته لمثل ذلك / فتكون الحجة لهم في ذلك قوية والعذر ظاهرا والجواب : أن القاضي لا يترك آية من الآيات المشتملة على المدح والذم والثواب والعقاب إلا ويعيد استدلاله بها ، وكما أن وجه استدلاله في الكل هذا الحرف فكذا وجه جوابنا حرف واحد وهو أن علم الله تعالى بعدم الإيمان مع وقوع الإيمان متنافيان لذاتيهما فمع العلم بعدم الإيمان إذا أمر بإدخال الإيمان في الوجود فقد أمر بالجمع بين الضدين ، والذي اعتمد القاضي عليه في دفع هذا الحرف في كتبه الكلامية قوله خطأ قول من يقول إنه يمكن وخطأ قول من يقول إنه لا يمكن بل الواجب السكوت ولو أورد الكافر هذا السؤال على ربه لما كان لربه عنه جواب إلا السكوت ، فتكون حجة الكافر قوية وعذره ظاهرا فثبت أن الإشكال مشترك والله أعلم .
Section V25/P008–V25/P009Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V25/P008–V25/P009)
Orijinal Metin (AR)! 7 < { فأما من تاب وءامن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين وربك يخلق ما يشآء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون وهو الله لاإلاه إلا هو له الحمد فى الا ولى والا خرة وله الحكم وإليه ترجعون } . > 7 ! < < القصص : ( 67 - 70 ) فأما من تاب . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين حال المعذبين من الكفار وما يجري عليهم من التوبيخ أتبعه بذكر من يتوب منهم في الدنيا ترغيبا في التوبة وزجرا عن الثبات على الكفر فقال : { فأما من تاب وءامن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين } وفي عسى وجوه : أحدها : أنه من الكرام تحقيق والله أكرم الأكرمين وثانيها : أن يراد ترجي التائب وطمعه كأنه قال فليطمع في الفلاح وثالثها : عسى أن يكونوا كذلك إن داموا على التوبة والإيمان لجواز أن لا يدوموا ، واعلم أن القوم كانوا يذكرون شبهة أخرى ويقولون : { لولا نزل هاذا القرءان على رجل من القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) يعنون الوليد بن المغيرة أو أبا مسعود الثقفي ، فأجاب الله تعالى عنه بقوله : { وربك يخلق ما يشاء ويختار } والمراد أنه المالك المطلق وهو منزه عن النفع والضر فله أن يخص من شاء بما شاء لا اعتراض عليه ألبتة ، وعلى طريقة المعتزلة لما ثبت أنه حكيم مطلق علم أنه كل ما فعله كان حكمة وصوابا فليس لأحد أن يعترض عليه وقوله : { ما كان لهم الخيرة } والخيرة اسم من الاختيار قام مقام المصدر / والخيرة أيضا اسم للمختار يقال محمد خيرة الله في خلقه إذا عرفت هذا فنقول في الآية وجهان : الأول : وهو الأحسن أن يكون تمام الوقف على قوله : { ويختار } ويكون ما نفيا ، والمعنى : { وربك يخلق ما يشاء ويختار } ليس لهم الخيرة إذ ليس لهم أن يختاروا على الله أن يفعل والثاني : أن يكون ما بمعنى الذي فيكون الوقف عند قوله : { وربك يخلق ما يشاء } ثم يقول : { ويختار } ما كان لهم الخيرة ، قال أبو القاسم الانصاري وهذا متعلق المعتزلة في إيجاب الصلاح والأصلح عليه ، وأي صلاح في تكليف من علم أنه لا يؤمن ولو لم يكلفه لاستحق الجنة والنعيم من فضل الله ، فإن قيل لما كلفه استوجب على الله ما هو الأفضل لأن المستحق أفضل من المتفضل به قلنا إذا علم قطعا إنه لا يحصل ذلك الأفضل فتوريطه في العقاب الأبدي لا يكون رعاية للمصلحة ، ثم قولهم المستحق خير من المتفضل به جهل لأن ذلك التفاوت إنما يحصل في حق من يستنكف من تفضله ، أما الذي ما حصل الذات والصفات إلا بخلقه وبفضله وإحسانه فكيف يستنكف من تفضله ، ثم قال : { سبحان الله وتعالى عما يشركون } والمقصود أن يعلم أن الخلق والاختيار والاعزاز والإذلال مفوض إليه ليس لأحد فيه شركة ومنازعة ثم أكد ذلك بأنه يعلم ما تكن صدورهم من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يعلنون من مطاعنهم فيه وقولهم هلا اختير غيره في النبوة ، ولما بين علمه بما هم عليه من الغل والحسد والسفاهة قال : { وهو الله لا إلاه هو } وفيه تنبيه على كونه قادرا على كل الممكنات ، وعالما بكل المعلومات ، منزها عن النقائص والآفات يجازي المحسنين على طاعتهم ويعاقب العصاة على عصيانهم وفيه نهاية الزجر والردع للعصاة ونهاية تقوية القلب للمطيعين ، ويحتمل أيضا أن لما بين فساد طريق المشركين من قوله : { يوم يناديهم } فيقول : { أين شركائى } ( النحل : 27 ) ختم الكلام في ذلك بإظهار هذا التوحيد وبيان أن الحمد والثناء لا يليق إلا به .
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)! 7 < { فأما من تاب وءامن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين وربك يخلق ما يشآء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون وهو الله لاإلاه إلا هو له الحمد فى الا ولى والا خرة وله الحكم وإليه ترجعون } . > 7 ! < < القصص : ( 67 - 70 ) فأما من تاب . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين حال المعذبين من الكفار وما يجري عليهم من التوبيخ أتبعه بذكر من يتوب منهم في الدنيا ترغيبا في التوبة وزجرا عن الثبات على الكفر فقال : { فأما من تاب وءامن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين } وفي عسى وجوه : أحدها : أنه من الكرام تحقيق والله أكرم الأكرمين وثانيها : أن يراد ترجي التائب وطمعه كأنه قال فليطمع في الفلاح وثالثها : عسى أن يكونوا كذلك إن داموا على التوبة والإيمان لجواز أن لا يدوموا ، واعلم أن القوم كانوا يذكرون شبهة أخرى ويقولون : { لولا نزل هاذا القرءان على رجل من القريتين عظيم } ( الزخرف : 31 ) يعنون الوليد بن المغيرة أو أبا مسعود الثقفي ، فأجاب الله تعالى عنه بقوله : { وربك يخلق ما يشاء ويختار } والمراد أنه المالك المطلق وهو منزه عن النفع والضر فله أن يخص من شاء بما شاء لا اعتراض عليه ألبتة ، وعلى طريقة المعتزلة لما ثبت أنه حكيم مطلق علم أنه كل ما فعله كان حكمة وصوابا فليس لأحد أن يعترض عليه وقوله : { ما كان لهم الخيرة } والخيرة اسم من الاختيار قام مقام المصدر / والخيرة أيضا اسم للمختار يقال محمد خيرة الله في خلقه إذا عرفت هذا فنقول في الآية وجهان : الأول : وهو الأحسن أن يكون تمام الوقف على قوله : { ويختار } ويكون ما نفيا ، والمعنى : { وربك يخلق ما يشاء ويختار } ليس لهم الخيرة إذ ليس لهم أن يختاروا على الله أن يفعل والثاني : أن يكون ما بمعنى الذي فيكون الوقف عند قوله : { وربك يخلق ما يشاء } ثم يقول : { ويختار } ما كان لهم الخيرة ، قال أبو القاسم الانصاري وهذا متعلق المعتزلة في إيجاب الصلاح والأصلح عليه ، وأي صلاح في تكليف من علم أنه لا يؤمن ولو لم يكلفه لاستحق الجنة والنعيم من فضل الله ، فإن قيل لما كلفه استوجب على الله ما هو الأفضل لأن المستحق أفضل من المتفضل به قلنا إذا علم قطعا إنه لا يحصل ذلك الأفضل فتوريطه في العقاب الأبدي لا يكون رعاية للمصلحة ، ثم قولهم المستحق خير من المتفضل به جهل لأن ذلك التفاوت إنما يحصل في حق من يستنكف من تفضله ، أما الذي ما حصل الذات والصفات إلا بخلقه وبفضله وإحسانه فكيف يستنكف من تفضله ، ثم قال : { سبحان الله وتعالى عما يشركون } والمقصود أن يعلم أن الخلق والاختيار والاعزاز والإذلال مفوض إليه ليس لأحد فيه شركة ومنازعة ثم أكد ذلك بأنه يعلم ما تكن صدورهم من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يعلنون من مطاعنهم فيه وقولهم هلا اختير غيره في النبوة ، ولما بين علمه بما هم عليه من الغل والحسد والسفاهة قال : { وهو الله لا إلاه هو } وفيه تنبيه على كونه قادرا على كل الممكنات ، وعالما بكل المعلومات ، منزها عن النقائص والآفات يجازي المحسنين على طاعتهم ويعاقب العصاة على عصيانهم وفيه نهاية الزجر والردع للعصاة ونهاية تقوية القلب للمطيعين ، ويحتمل أيضا أن لما بين فساد طريق المشركين من قوله : { يوم يناديهم } فيقول : { أين شركائى } ( النحل : 27 ) ختم الكلام في ذلك بإظهار هذا التوحيد وبيان أن الحمد والثناء لا يليق إلا به .