Qur'an&Sunnahالقرآن

Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb

فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي الشافعي · AR

Section V03/P159–V03/P160Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V03/P159–V03/P160)
Orijinal Metin (AR)

أما قوله تعالى : { ولا هم ينصرون } ففيه وجهان : الأكثرون حملوه على نفي النصرة في الآخرة يعني أن أحدا لا يدفع هذا العذاب عنهم ولا هم ينصرون على من يريد عذابهم ومنهم من حمله على نفي النصرة في الدنيا ، والأول أولى لأنه تعالى جعل ذلك جزاء على صنيعهم ، ولذلك قال : { فلا يخفف عنهم العذاب } وهذه الصفة لا تليق إلا بالآخرة ، لأن عذاب الدنيا وإن حصل فيصير كالحدود التي تقام على المقصر ولأن الكفار قد يصيرون غالبين للمؤمنين في بعض الأوقات . ! 7 < { ولقد ءاتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وءاتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جآءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون } > 7 ! < < البقرة : ( 87 ) ولقد آتينا موسى . . . . . > > اعلم أن هذا نوع آخر من النعم التي أفاضها الله عليهم ثم إنهم قابلوه بالكفر والأفعال القبيحة ، وذلك لأنه تعالى لما وصف حال اليهود من قبل بأنهم يخالفون أمر الله تعالى في قتل / أنفسهم وإخراج بعضهم بعضا من ديارهم وبين أنهم بهذا الصنيع اشتروا الدنيا بالآخرة ، زاد في تبكيتهم بما ذكره في هذه الآية . أما الكتاب فهو التوراة آتاه الله إياها جملة واحدة ، روي عن ابن عباس أن التوراة لما نزلت أمر الله تعالى موسى بحملها فلم يطق ذلك ، فبعث الله لكل حرف منها ملكا فلم يطيقوا حملها فخففها الله على موسى فحملها . وأما قوله تعالى : { وقفينا من بعده الرسل } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قفينا ، أتبعنا مأخوذ من الشيء يأتي في قفاه الشيء ، أي بعد نحو ذنبه من الذنب ، ونظيره قوله : { ثم أرسلنا رسلنا تترى } ( المؤمنون : 44 ) . المسألة الثانية : روي أن بعد موسى عليه السلام إلى أيام عيسى عليه السلام كانت الرسل تتواتر ويظهر بعضهم في أثر بعض ، والشريعة واحدة إلى أيام عيسى عليه السلام ، فإنه صلوات الله عليه جاء بشريعة مجددة ، واستدلوا على صحة ذلك بقوله تعالى : { وقفينا من بعده بالرسل } فإنه يقتضي أنهم على حد واحد في الشريعة يتبع بعضهم بعضا فيها ، قال القاضي : إن الرسول الثاني لا يجوز أن يكون على شريعة الأول حتى لا يؤدي إلى تلك الشريعة بعينها من غير زيادة ولا نقصان ، مع أن تلك الشريعة محفوظة يمكن معرفتها بالتواتر عن الأول ، لأن الرسول إذا كان هذا حاله لم يمكن أن يعلم من جهة إلا ما كان قد علم من قبل أو يمكن أن يعلم من قبل ، فكما لا يجوز أن يبعث الله تعالى رسولا لا شريعة معه أصلا ، تبين العقليات لهذه العلة ، فكذا القول في مسألتنا : فثبت أنه لا بد في الرسل الذين جاؤوا من بعد موسى عليه السلام أن يكونوا قد أتوا بشريعة جديدة إن كانت الأولى محفوظة أو محيية لبعض ما اندرس من الشريعة الأولى . والجواب : لم لا يجوز أن يكون المقصود من بعثة هؤلاء الرسل تنفيذ تلك الشريعة السالفة على الأمة أو نوع آخر من الألطاف لا يعلمها إلا الله ، وبالجملة ، فالقاضي ما أتى في هذه الدلالة إلا بإعادة الدعوى ، فلم قال : إنه لا يجوز بعث هؤلاء الرسل إلا لشريعة جديدة أو لإحياء شريعة اندرست وهل النزاع وقع إلا في هذا ؟ المسألة الثالثة : هؤلاء الرسل هم : يوشع ، وشمويل ، وشمعون ، وداود ، وسليمان وشعياء ، وأرمياء ، وعزيز ، وحزقيل ، وإلياس ، واليسع ، ويونس ، وزكريا ، ويحيى ، وغيرهم . أما قوله تعالى : { ولقد ءاتينا موسى الكتاب وقفينا } ففيه مسائل :

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

أما قوله تعالى : { ولا هم ينصرون } ففيه وجهان : الأكثرون حملوه على نفي النصرة في الآخرة يعني أن أحدا لا يدفع هذا العذاب عنهم ولا هم ينصرون على من يريد عذابهم ومنهم من حمله على نفي النصرة في الدنيا ، والأول أولى لأنه تعالى جعل ذلك جزاء على صنيعهم ، ولذلك قال : { فلا يخفف عنهم العذاب } وهذه الصفة لا تليق إلا بالآخرة ، لأن عذاب الدنيا وإن حصل فيصير كالحدود التي تقام على المقصر ولأن الكفار قد يصيرون غالبين للمؤمنين في بعض الأوقات . ! 7 < { ولقد ءاتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وءاتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جآءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون } > 7 ! < < البقرة : ( 87 ) ولقد آتينا موسى . . . . . > > اعلم أن هذا نوع آخر من النعم التي أفاضها الله عليهم ثم إنهم قابلوه بالكفر والأفعال القبيحة ، وذلك لأنه تعالى لما وصف حال اليهود من قبل بأنهم يخالفون أمر الله تعالى في قتل / أنفسهم وإخراج بعضهم بعضا من ديارهم وبين أنهم بهذا الصنيع اشتروا الدنيا بالآخرة ، زاد في تبكيتهم بما ذكره في هذه الآية . أما الكتاب فهو التوراة آتاه الله إياها جملة واحدة ، روي عن ابن عباس أن التوراة لما نزلت أمر الله تعالى موسى بحملها فلم يطق ذلك ، فبعث الله لكل حرف منها ملكا فلم يطيقوا حملها فخففها الله على موسى فحملها . وأما قوله تعالى : { وقفينا من بعده الرسل } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قفينا ، أتبعنا مأخوذ من الشيء يأتي في قفاه الشيء ، أي بعد نحو ذنبه من الذنب ، ونظيره قوله : { ثم أرسلنا رسلنا تترى } ( المؤمنون : 44 ) . المسألة الثانية : روي أن بعد موسى عليه السلام إلى أيام عيسى عليه السلام كانت الرسل تتواتر ويظهر بعضهم في أثر بعض ، والشريعة واحدة إلى أيام عيسى عليه السلام ، فإنه صلوات الله عليه جاء بشريعة مجددة ، واستدلوا على صحة ذلك بقوله تعالى : { وقفينا من بعده بالرسل } فإنه يقتضي أنهم على حد واحد في الشريعة يتبع بعضهم بعضا فيها ، قال القاضي : إن الرسول الثاني لا يجوز أن يكون على شريعة الأول حتى لا يؤدي إلى تلك الشريعة بعينها من غير زيادة ولا نقصان ، مع أن تلك الشريعة محفوظة يمكن معرفتها بالتواتر عن الأول ، لأن الرسول إذا كان هذا حاله لم يمكن أن يعلم من جهة إلا ما كان قد علم من قبل أو يمكن أن يعلم من قبل ، فكما لا يجوز أن يبعث الله تعالى رسولا لا شريعة معه أصلا ، تبين العقليات لهذه العلة ، فكذا القول في مسألتنا : فثبت أنه لا بد في الرسل الذين جاؤوا من بعد موسى عليه السلام أن يكونوا قد أتوا بشريعة جديدة إن كانت الأولى محفوظة أو محيية لبعض ما اندرس من الشريعة الأولى . والجواب : لم لا يجوز أن يكون المقصود من بعثة هؤلاء الرسل تنفيذ تلك الشريعة السالفة على الأمة أو نوع آخر من الألطاف لا يعلمها إلا الله ، وبالجملة ، فالقاضي ما أتى في هذه الدلالة إلا بإعادة الدعوى ، فلم قال : إنه لا يجوز بعث هؤلاء الرسل إلا لشريعة جديدة أو لإحياء شريعة اندرست وهل النزاع وقع إلا في هذا ؟ المسألة الثالثة : هؤلاء الرسل هم : يوشع ، وشمويل ، وشمعون ، وداود ، وسليمان وشعياء ، وأرمياء ، وعزيز ، وحزقيل ، وإلياس ، واليسع ، ويونس ، وزكريا ، ويحيى ، وغيرهم . أما قوله تعالى : { ولقد ءاتينا موسى الكتاب وقفينا } ففيه مسائل :

Section V03/P160–V03/P161Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V03/P160–V03/P161)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الأولى : السبب في أن الله تعالى أجمل ذكر الرسول ثم فصل ذكر عيسى لأن من قبله من الرسل جاءوا بشريعة موسى فكانوا متبعين له ، وليس كذلك عيسى ، لأن شرعة نسخ أكثر شرع موسى عليه السلام . المسألة الثانية : قيل عيسى بالسريانية أيشوع ، ومريم بمعنى الخادم ، وقيل : مريم بالعبرانية من النساء كزير من الرجال ، وبه فسر قول رؤبة : قلت لزير لم تصله مريمة المسألة الثالثة : في البينات وجوه . أحدها : المعجزات من إحياء الموتى ونحوها عن ابن عباس / وثانيها : أنها الإنجيل . وثالثها : وهو الأقوى أن الكل يدخل فيه ، لأن المعجز يبين صحة نبوته كما أن الإنجيل يبين كيفية شريعته فلا يكون للتخصيص معنى . أما قوله تعالى تعالى : { وأيدناه بروح القدس } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء وأيدناه قرأ ابن كثير ( القدس ) بالتخفيف والباقون بالتثقيل وهما لغتان مثل رعب ورعب . المسألة الثانية : اختلفوا في الروح على وجوه . أحدها : أنه جبريل عليه السلام وإنما سمي بذلك لوجوه . الأول : أن المراد من روح القدس الروح المقدسة كما يقال : حاتم الجود ورجل صدق فوصف جبريل بذلك تشريفا له وبيانا لعلو مرتبته عند الله تعالى . الثاني : سمي جبريل عليه السلام بذلك لأنه يحيا به الدين كما يحيا البدن بالروح فإنه هو المتولى لإنزال الوحي إلى الأنبياء والمكلفون في ذلك يحيون في دينهم . الثالث : أن الغالب عليه الروحانية وكذلك سائر الملائكة غير أن روحانيته أتم وأكمل . الرابع : سمي جبريل عليه السلام روحا ، لأنه ما ضمته أصلاب الفحول وأرحام الأمهات ، وثانيها : المراد بروح القدس الإنجيل ، كما قال في القرآن : { روحا من أمرنا } ( الشورى : 52 ) وسمي به لأن الدين يحيا به ومصالح الدنيا تنتظم لأجله . وثالثها : أنه الاسم الذي كان يحيي به عليه السلام الموتى ، عن ابن عباس وسعيد بن جبير ، ورابعها : أنه الروح الذي نفخ فيه والقدس هو الله تعالى فنسب روح عيسى عليه السلام إلى نفسه تعظيما له وتشريفا ، كما يقال : بيت الله وناقة الله ، عن الربيع ، وعلى هذاب المراد به الروح الذي يحيا به الإنسان . واعلم أن اطلاق اسم الروح على جبريل وعلى الانجيل وعلى الاسم الأعظم مجاز لأن الروح هو الريح المتردد في مخلوق الإنسان ومنافذه ومعلوم أن هذه الثلاثة ما كانت كذلك إلا أنه سمي كل واحد من هذه الثلاثة بالروح على سبيل التشبيه من حيث أن الروح كما أنه سبب لحياة الرجل ، فكذلك جبريل عليه السلام سبب لحياة القلوب بالعلوم ، والانجيل سبب لظهور الشرائع وحياتها ، والاسم الأعظم سبب لأن يتوسل به إلى تحصيل الأغراض إلا أن المشابهة بين مسمى الروح وبين جبريل أتم لوجوه . أحدها : لأن جبريل عليه السلام مخلوق من هواء نورا ، لطيف فكانت المشابهة أتم ، فكان إطلاق اسم الروح على جبريل أولى . وثانيها : أن هذه التسمية فيه أظهر منها فيما عداه ، وثالثها : أن قوله تعالى : { وأيدناه بروح القدس } يعني قويناه ، والمراد من هذه التقوية الإعانة وإسناد الإعانة إلى جبريل عليه السلام حقيقة وإسنادها إلى الإنجيل والاسم الأعظم مجاز ، فكان ذلك أولى ، ورابعها : وهو أن اختصاص عيسى بجبريل عليهما السلام من آكد وجوه الاختصاص بحيث لم يكن لأحد من الأنبياء عليهم السلام مثل ذلك لأنه هو الذي بشر مريم / بولادتها وإنما ولد عيسى عليه السلام من نفخة جبريل عليه السلام وهو الذي رباه في جميع الأحوال وكان يسير معه حيث سار وكان معه حين صعد إلى السماء .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الأولى : السبب في أن الله تعالى أجمل ذكر الرسول ثم فصل ذكر عيسى لأن من قبله من الرسل جاءوا بشريعة موسى فكانوا متبعين له ، وليس كذلك عيسى ، لأن شرعة نسخ أكثر شرع موسى عليه السلام . المسألة الثانية : قيل عيسى بالسريانية أيشوع ، ومريم بمعنى الخادم ، وقيل : مريم بالعبرانية من النساء كزير من الرجال ، وبه فسر قول رؤبة : قلت لزير لم تصله مريمة المسألة الثالثة : في البينات وجوه . أحدها : المعجزات من إحياء الموتى ونحوها عن ابن عباس / وثانيها : أنها الإنجيل . وثالثها : وهو الأقوى أن الكل يدخل فيه ، لأن المعجز يبين صحة نبوته كما أن الإنجيل يبين كيفية شريعته فلا يكون للتخصيص معنى . أما قوله تعالى تعالى : { وأيدناه بروح القدس } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء وأيدناه قرأ ابن كثير ( القدس ) بالتخفيف والباقون بالتثقيل وهما لغتان مثل رعب ورعب . المسألة الثانية : اختلفوا في الروح على وجوه . أحدها : أنه جبريل عليه السلام وإنما سمي بذلك لوجوه . الأول : أن المراد من روح القدس الروح المقدسة كما يقال : حاتم الجود ورجل صدق فوصف جبريل بذلك تشريفا له وبيانا لعلو مرتبته عند الله تعالى . الثاني : سمي جبريل عليه السلام بذلك لأنه يحيا به الدين كما يحيا البدن بالروح فإنه هو المتولى لإنزال الوحي إلى الأنبياء والمكلفون في ذلك يحيون في دينهم . الثالث : أن الغالب عليه الروحانية وكذلك سائر الملائكة غير أن روحانيته أتم وأكمل . الرابع : سمي جبريل عليه السلام روحا ، لأنه ما ضمته أصلاب الفحول وأرحام الأمهات ، وثانيها : المراد بروح القدس الإنجيل ، كما قال في القرآن : { روحا من أمرنا } ( الشورى : 52 ) وسمي به لأن الدين يحيا به ومصالح الدنيا تنتظم لأجله . وثالثها : أنه الاسم الذي كان يحيي به عليه السلام الموتى ، عن ابن عباس وسعيد بن جبير ، ورابعها : أنه الروح الذي نفخ فيه والقدس هو الله تعالى فنسب روح عيسى عليه السلام إلى نفسه تعظيما له وتشريفا ، كما يقال : بيت الله وناقة الله ، عن الربيع ، وعلى هذاب المراد به الروح الذي يحيا به الإنسان . واعلم أن اطلاق اسم الروح على جبريل وعلى الانجيل وعلى الاسم الأعظم مجاز لأن الروح هو الريح المتردد في مخلوق الإنسان ومنافذه ومعلوم أن هذه الثلاثة ما كانت كذلك إلا أنه سمي كل واحد من هذه الثلاثة بالروح على سبيل التشبيه من حيث أن الروح كما أنه سبب لحياة الرجل ، فكذلك جبريل عليه السلام سبب لحياة القلوب بالعلوم ، والانجيل سبب لظهور الشرائع وحياتها ، والاسم الأعظم سبب لأن يتوسل به إلى تحصيل الأغراض إلا أن المشابهة بين مسمى الروح وبين جبريل أتم لوجوه . أحدها : لأن جبريل عليه السلام مخلوق من هواء نورا ، لطيف فكانت المشابهة أتم ، فكان إطلاق اسم الروح على جبريل أولى . وثانيها : أن هذه التسمية فيه أظهر منها فيما عداه ، وثالثها : أن قوله تعالى : { وأيدناه بروح القدس } يعني قويناه ، والمراد من هذه التقوية الإعانة وإسناد الإعانة إلى جبريل عليه السلام حقيقة وإسنادها إلى الإنجيل والاسم الأعظم مجاز ، فكان ذلك أولى ، ورابعها : وهو أن اختصاص عيسى بجبريل عليهما السلام من آكد وجوه الاختصاص بحيث لم يكن لأحد من الأنبياء عليهم السلام مثل ذلك لأنه هو الذي بشر مريم / بولادتها وإنما ولد عيسى عليه السلام من نفخة جبريل عليه السلام وهو الذي رباه في جميع الأحوال وكان يسير معه حيث سار وكان معه حين صعد إلى السماء .

Section V03/P161–V03/P162Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V03/P161–V03/P162)
Orijinal Metin (AR)

أما قوله تعالى : { أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم } فهو نهاية الذم لهم ، لأن اليهود من بني إسرائيل كانوا إذا أتاهم الرسول بخلاف ما يهوون كذبوه ، وإن تهيأ لهم قتله قتلوه . وإنما كانوا كذلك لإرادتهم الرفعة في الدنيا وطلبهم لذاتها والترؤس على عامتهم وأخذ أموالهم بغير حق ، وكانت الرسل تبطل عليهم ذلك فيكذبونهم لأجل ذلك ويوهمون عوامهم كونهم كاذبين ويحتجون في ذلك بالتحريف وسوء التأويل ، ومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم . أما قوله تعالى : { ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون } فلقائل أن يقول : هلا قيل وفريقا قتلتم ؟ وجوابه من وجهين : أحدهما : أن يراد الحال الماضية لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب . الثاني : أن يراد فريقا تقتلونهم بعد لأنكم حاولتم قتل محمد صلى الله عليه وسلم لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة . وقال عليه السلام عند موته : ( ما زالت أكلة خيبر تعاودني . فهذا أوان انقطاع أبهري ) والله أعلم . ! 7 < { وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون } > 7 ! < < البقرة : ( 88 ) وقالوا قلوبنا غلف . . . . . > > أما الغلف ففيه ثلاثة أوجه . أحدها : أنه جمع أغلف والأغلف هو ما في غلاف أي قلوبنا مغشاة بأغطية مانعة من وصول أثر دعوتك إليها ، وثانيها : روى الأصم عن بعضهم أن قلوبهم غلف بالعلم ومملوءة بالحكمة فلا حاجة معها بهم إلى شرع محمد عليه السلام ، وثالثها : غلف أي كالغلاف الخالي لا شيء فيه مما يدل على صحة قولك . أما المعتزلة فإنهم اختاروا الوجه الأول ، ثم قالوا : هذه الآية تدل على أنه ليس في قلوب الكفار ما لا يمكنهم معه الإيمان ، لا غلاف ولا كن ولا سد على ما يقوله المجبرة لأنه لو كان كذلك لكان هؤلاء اليهود صادقين في هذا القول ، فكان لا يكذبهم الله بقوله : { بل لعنهم الله بكفرهم } لأنه تعالى إنما يذم الكاذب المبطل لا الصادق المحق المعذور ، قالوا : وهذا يدل على أن معنى قوله : { ومن أظلم ممن ذكر بئايات ربه فأعرض عنها ونسى ما } ( الكهف : 57 ) وقوله : { إنا جعلنا فى أعناقهم أغلالا } وقوله : { وجعلنا من بين أيديهم سدا } ( يس : 8 ، 9 ) ليس المراد كونهم ممنوعين من الإيمان ، بل المراد إما منع الألطاف أو تشبيه حالهم في إصرارهم على الكفر بمنزلة المجبور على الكفر . قالوا : ونظير ذم الله تعالى اليهود على هذه المقالة ذمه تعالى الكافرين على مثل هذه المقالة وهو قوله تعالى : { وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب } ( فصلت : 5 ) ولو كان الأمر على ما يقوله المجبرة لكان هئلاء القوم صادقين في ذلك ، ولو كانوا / صادقين لما ذمهم بل كان الذي حكاه عنهم إظهارا لعذرهم ومسقطا للومهم . واعلم أنا بينا في تفسير الغلف وجوها ثلاثة فلا يجب الجزم بواحد منها من غير دليل . سلمنا أن المراد منه ذلك الوجه لكن لم قلت إن الآية تدل على أن ذلك القول مذموم ؟

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

أما قوله تعالى : { أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم } فهو نهاية الذم لهم ، لأن اليهود من بني إسرائيل كانوا إذا أتاهم الرسول بخلاف ما يهوون كذبوه ، وإن تهيأ لهم قتله قتلوه . وإنما كانوا كذلك لإرادتهم الرفعة في الدنيا وطلبهم لذاتها والترؤس على عامتهم وأخذ أموالهم بغير حق ، وكانت الرسل تبطل عليهم ذلك فيكذبونهم لأجل ذلك ويوهمون عوامهم كونهم كاذبين ويحتجون في ذلك بالتحريف وسوء التأويل ، ومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم . أما قوله تعالى : { ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون } فلقائل أن يقول : هلا قيل وفريقا قتلتم ؟ وجوابه من وجهين : أحدهما : أن يراد الحال الماضية لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب . الثاني : أن يراد فريقا تقتلونهم بعد لأنكم حاولتم قتل محمد صلى الله عليه وسلم لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة . وقال عليه السلام عند موته : ( ما زالت أكلة خيبر تعاودني . فهذا أوان انقطاع أبهري ) والله أعلم . ! 7 < { وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون } > 7 ! < < البقرة : ( 88 ) وقالوا قلوبنا غلف . . . . . > > أما الغلف ففيه ثلاثة أوجه . أحدها : أنه جمع أغلف والأغلف هو ما في غلاف أي قلوبنا مغشاة بأغطية مانعة من وصول أثر دعوتك إليها ، وثانيها : روى الأصم عن بعضهم أن قلوبهم غلف بالعلم ومملوءة بالحكمة فلا حاجة معها بهم إلى شرع محمد عليه السلام ، وثالثها : غلف أي كالغلاف الخالي لا شيء فيه مما يدل على صحة قولك . أما المعتزلة فإنهم اختاروا الوجه الأول ، ثم قالوا : هذه الآية تدل على أنه ليس في قلوب الكفار ما لا يمكنهم معه الإيمان ، لا غلاف ولا كن ولا سد على ما يقوله المجبرة لأنه لو كان كذلك لكان هؤلاء اليهود صادقين في هذا القول ، فكان لا يكذبهم الله بقوله : { بل لعنهم الله بكفرهم } لأنه تعالى إنما يذم الكاذب المبطل لا الصادق المحق المعذور ، قالوا : وهذا يدل على أن معنى قوله : { ومن أظلم ممن ذكر بئايات ربه فأعرض عنها ونسى ما } ( الكهف : 57 ) وقوله : { إنا جعلنا فى أعناقهم أغلالا } وقوله : { وجعلنا من بين أيديهم سدا } ( يس : 8 ، 9 ) ليس المراد كونهم ممنوعين من الإيمان ، بل المراد إما منع الألطاف أو تشبيه حالهم في إصرارهم على الكفر بمنزلة المجبور على الكفر . قالوا : ونظير ذم الله تعالى اليهود على هذه المقالة ذمه تعالى الكافرين على مثل هذه المقالة وهو قوله تعالى : { وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب } ( فصلت : 5 ) ولو كان الأمر على ما يقوله المجبرة لكان هئلاء القوم صادقين في ذلك ، ولو كانوا / صادقين لما ذمهم بل كان الذي حكاه عنهم إظهارا لعذرهم ومسقطا للومهم . واعلم أنا بينا في تفسير الغلف وجوها ثلاثة فلا يجب الجزم بواحد منها من غير دليل . سلمنا أن المراد منه ذلك الوجه لكن لم قلت إن الآية تدل على أن ذلك القول مذموم ؟

Section V03/P162–V03/P163Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V03/P162–V03/P163)
Orijinal Metin (AR)

أما قوله تعالى : { بل لعنهم الله بكفرهم } ففيه أجوبة . أحدها : هذا يدل على أنه تعالى لعنهم بسبب كفرهم ، أما لم قلتم بأنه إنما لعنهم بسبب هذه المقالة فلعله تعالى حكى عنهم قولا ثم بين أن من حالهم أنهم ملعونون بسبب كفرهم . وثانيها : المراد من قوله : { وقالوا قلوبنا غلف } أنهم ذكروا ذلك على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار يعني ليست قلوبنا في أغلاف ولا في أغطية ، بل قوية وخواطرنا منيرة ثم إنا بهذه الخواطر والأفهام تأملنا في دلائلك يا محمد ، فلم يجد منها شيئا قويا . فلما ذكروا هذا التصلف الكاذب لا جرم لعنهم الله على كفرهم الحاصل بسبب هذا القول ، وثالثها ؛ لعل قلوبهم ما كانت في الأغطية بل كانوا عالمين بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما قال تعالى : { يعرفونه كما يعرفون أبناءهم } ( الأنعام : 20 ) ( البقرة : 146 ) إلا أنهم أنكروا تلك المعرفة وادعوا أن قلوبهم غلف وغير واقفة على ذلك فكان كفرهم كفر العناد فلا جرم لعنهم الله على ذلك الكفر . أما قوله تعالى : { فقليلا ما يؤمنون } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في تفسيره ثلاثة أوجه . أحدها : أن القليل صفة المؤمن ، أي لا يؤمن منهم إلا القليل عن قتادة والأصم وأبي مسلم . وثانيها : أنه صفة الإيمان ، أي لا يؤمنون إلا بقليل مما كلفوا به لأنهم كانوا يؤمنون بالله ، إلا أنهم كانوا يكفرن بالرسل . وثالثها : معناه لا يؤمنون أصلا لا قليلا ولا كثيرا كما يقال : قليلا ما يفعل بمعنى لا يفعل ألبتة . قال الكسائي : تقول العرب : مررنا بأرض قليلا ما تنبت ، يريدون ولا تنبت شيئا . والوجه الأول أولى لأنه نظير قوله : { بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } ( النساء : 155 ) ولأن الجملة الأولى إذا كان المصرح فيها ذكر القوم فيجب أن يتناول الاستثناء بعض هؤلاء القوم . المسألة الثانية : في انتصاب ( قليلا ) وجوه . أحدها : فإيمانا قليلا ما يؤمنون ( وما ) مزيدة وهو إيمانهم ببعض الكتاب ، وثانيها : انتصب بنزع الخافض أي بقليل يؤمنون . وثالثها : فصاروا قليلا ما يؤمنون . ! 7 < { ولما جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين } > 7 ! < < البقرة : ( 89 ) ولما جاءهم كتاب . . . . . > > اعلم أن هذا نوع من قبائح اليهود . أما قوله تعالى : { كتاب } فقد اتفقوا على أن هذا الكتاب هو القرآن لأن قوله تعالى : { مصدق لما معهم } يدل على أن هذا الكتاب غير ما معهم وما ذاك إلا القرآن . أما قوله تعالى : { مصدق لما معهم } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : لا شبهة في أن القرآن مصدق لما معهم في أمر يتعلق بتكليفهم بصديق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة واللائق بذلك هو كونه موافقا لما معهم في دلالة نبوته إذ قد عرفوا أنه ليس بموافق لما معهم في سائر الشرائع وعرفنا أنه لم يرد الموافقة في باب أدلة القرآن ، لأن جميع كتب الله كذلك ولما بطل الكل ثبت أن المراد موافقته لكتبهم فيما يختص بالنبوة وما يدل عليها من العلامات والنعوت والصفات . المسألة الثانية : قرىء : { مصدقا } على الحال ، فإن قيل : كيف جاز نصبها عن النكرة ؟ قلنا : إذا وصفت النكرة تخصصت فصح انتصاب الحال عنها وقد وصف { كتاب } بقوله : { من عند الله } .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

أما قوله تعالى : { بل لعنهم الله بكفرهم } ففيه أجوبة . أحدها : هذا يدل على أنه تعالى لعنهم بسبب كفرهم ، أما لم قلتم بأنه إنما لعنهم بسبب هذه المقالة فلعله تعالى حكى عنهم قولا ثم بين أن من حالهم أنهم ملعونون بسبب كفرهم . وثانيها : المراد من قوله : { وقالوا قلوبنا غلف } أنهم ذكروا ذلك على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار يعني ليست قلوبنا في أغلاف ولا في أغطية ، بل قوية وخواطرنا منيرة ثم إنا بهذه الخواطر والأفهام تأملنا في دلائلك يا محمد ، فلم يجد منها شيئا قويا . فلما ذكروا هذا التصلف الكاذب لا جرم لعنهم الله على كفرهم الحاصل بسبب هذا القول ، وثالثها ؛ لعل قلوبهم ما كانت في الأغطية بل كانوا عالمين بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما قال تعالى : { يعرفونه كما يعرفون أبناءهم } ( الأنعام : 20 ) ( البقرة : 146 ) إلا أنهم أنكروا تلك المعرفة وادعوا أن قلوبهم غلف وغير واقفة على ذلك فكان كفرهم كفر العناد فلا جرم لعنهم الله على ذلك الكفر . أما قوله تعالى : { فقليلا ما يؤمنون } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في تفسيره ثلاثة أوجه . أحدها : أن القليل صفة المؤمن ، أي لا يؤمن منهم إلا القليل عن قتادة والأصم وأبي مسلم . وثانيها : أنه صفة الإيمان ، أي لا يؤمنون إلا بقليل مما كلفوا به لأنهم كانوا يؤمنون بالله ، إلا أنهم كانوا يكفرن بالرسل . وثالثها : معناه لا يؤمنون أصلا لا قليلا ولا كثيرا كما يقال : قليلا ما يفعل بمعنى لا يفعل ألبتة . قال الكسائي : تقول العرب : مررنا بأرض قليلا ما تنبت ، يريدون ولا تنبت شيئا . والوجه الأول أولى لأنه نظير قوله : { بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } ( النساء : 155 ) ولأن الجملة الأولى إذا كان المصرح فيها ذكر القوم فيجب أن يتناول الاستثناء بعض هؤلاء القوم . المسألة الثانية : في انتصاب ( قليلا ) وجوه . أحدها : فإيمانا قليلا ما يؤمنون ( وما ) مزيدة وهو إيمانهم ببعض الكتاب ، وثانيها : انتصب بنزع الخافض أي بقليل يؤمنون . وثالثها : فصاروا قليلا ما يؤمنون . ! 7 < { ولما جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين } > 7 ! < < البقرة : ( 89 ) ولما جاءهم كتاب . . . . . > > اعلم أن هذا نوع من قبائح اليهود . أما قوله تعالى : { كتاب } فقد اتفقوا على أن هذا الكتاب هو القرآن لأن قوله تعالى : { مصدق لما معهم } يدل على أن هذا الكتاب غير ما معهم وما ذاك إلا القرآن . أما قوله تعالى : { مصدق لما معهم } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : لا شبهة في أن القرآن مصدق لما معهم في أمر يتعلق بتكليفهم بصديق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة واللائق بذلك هو كونه موافقا لما معهم في دلالة نبوته إذ قد عرفوا أنه ليس بموافق لما معهم في سائر الشرائع وعرفنا أنه لم يرد الموافقة في باب أدلة القرآن ، لأن جميع كتب الله كذلك ولما بطل الكل ثبت أن المراد موافقته لكتبهم فيما يختص بالنبوة وما يدل عليها من العلامات والنعوت والصفات . المسألة الثانية : قرىء : { مصدقا } على الحال ، فإن قيل : كيف جاز نصبها عن النكرة ؟ قلنا : إذا وصفت النكرة تخصصت فصح انتصاب الحال عنها وقد وصف { كتاب } بقوله : { من عند الله } .

Section V03/P163–V03/P164Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V03/P163–V03/P164)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثالثة : في جواب ( لما ) ثلاثة أوجه ، أحدها : أنه محذوف كقوله تعالى : { ولو أن قرانا سيرت به الجبال } ( الرعد : 31 ) فإن جوابه محذوف وهو . لكان هذا القرآن ، عن الأخفش والزجاج ، وثانيها : أنه على التكرير لطول الكلام والجواب : كفروا به كقوله تعالى : { أيعدكم أنكم } إلى قوله تعالى : { أنكم مخرجون } ( المؤمنون : 35 ) عن المبرد ، وثالثها : أن تكون الفاء جوابا للما الأولى { وكفروا به } جوابا للما الثانية وهو كقوله : { فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم } ( البقرة : 38 ) ( طه : 133 ) الآية عن الفراء . أما قوله تعالى : { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } ففي سبب النزول وجوه . أحدها : أن اليهود من قبل مبعث محمد عليه السلام ونزول القرآن كانوا يستفتحون ، أي يسألون الفتح والنصرة وكانوا يقولون : اللهم افتح علينا وانصرنا بالنبي الأمي . وثانيها ؛ كانوا يقولون لمخالفيهم عند القتال : هذا نبي قد أظل زمانه ينصرنا عليكم ، عن ابن عباس . وثالثها : كانوا يسألون العرب عن مولده ويصفونه بأنه نبي من صفته كذا وكذا ، ويتفحصون عنه على الذين كفروا أي على مشركي العرب ، عن أبي مسلم . ورابعها : نزلت في بني قريظة والنضير ، كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله قبل المبعث . عن ابن عباس وقتادة والسدي . وخامسها : نزلت في أحبار اليهود كانوا إذا قرؤوا وذكروا محمدا في التوراة وأنه مبعوث وأنه من العرب سألوا مشركي العرب عن تلك الصفات ليعلموا أنه هل ولد فيهم من يوافق حاله حال هذا المبعوث . أما قوله تعالى : { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } ففيه مسائل : المسألة الأولى : تدل الآية على أنهم كانوا عارفين بنبوته وفيه سؤال : وهو أن التوراة / نقلت نقلا متواترا ، فأما أن يقال : إنه حصل فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل التفصيل ، أعني بيان أن الشخص الموصوف بالصورة الفلانية والسيرة الفلانية سيظره في السنة الفلانية في المكان الفلاني ، أو لم يوجد هذا الوصف على هذا الوجه ، فإن كان الأول كان القوم مضطرين إلى معرفة شهادة التوراة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام / فكيف يجوز على أهل التواتر إطباقهم على الكذب وإن لم يكن الوصف على هذه الصفة لم يلزم من الأوصاف المذكورة في التوراة كون محمد صلى الله عليه وسلم رسولا ، فكيف قال الله تعالى : { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } ؟ والجواب : أن الوصف المذكور في التوراة كان وصفا إجماليا وأن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يعرفوا نبوته بمجرد تلك الأوصاف ، بل بظهور المعجزات صارت تلك الأوصاف كالمؤكدة ، فلهذا ذمهم الله تعالى على الإنكار . المسألة الثانية : يحتمل أن يقال : كفروا به لوجوه . أحدها : أنهم كانوا يظنون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة من جاء من الأنبياء من بني إسرائيل وكانوا يرغبون الناس في دينه ويدعونهم إليه ، فلما بعث الله تعالى محمدا من العرب من نسل إسماعيل صلوات الله عليه ، عظم ذلك عليهم فأظهروا التكذيب وخالفوا طريقهم الأول . وثانيها : اعترافهم بنبوته كان يوجب عليهم زوال رياساتهم وأموالهم فأبوا وأصروا على الإنكار . وثالثها : لعلهم ظنوا أنه مبعوث إلى العرب خاصة فلا جرم كفروا به . المسألة الثالثة : أنه تعالى كفرهم بعد ما بين كونهم عالمين بنبوته ، وهذا يدل على أن الكفر ليس هو الجهل بالله تعالى فقط .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثالثة : في جواب ( لما ) ثلاثة أوجه ، أحدها : أنه محذوف كقوله تعالى : { ولو أن قرانا سيرت به الجبال } ( الرعد : 31 ) فإن جوابه محذوف وهو . لكان هذا القرآن ، عن الأخفش والزجاج ، وثانيها : أنه على التكرير لطول الكلام والجواب : كفروا به كقوله تعالى : { أيعدكم أنكم } إلى قوله تعالى : { أنكم مخرجون } ( المؤمنون : 35 ) عن المبرد ، وثالثها : أن تكون الفاء جوابا للما الأولى { وكفروا به } جوابا للما الثانية وهو كقوله : { فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم } ( البقرة : 38 ) ( طه : 133 ) الآية عن الفراء . أما قوله تعالى : { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } ففي سبب النزول وجوه . أحدها : أن اليهود من قبل مبعث محمد عليه السلام ونزول القرآن كانوا يستفتحون ، أي يسألون الفتح والنصرة وكانوا يقولون : اللهم افتح علينا وانصرنا بالنبي الأمي . وثانيها ؛ كانوا يقولون لمخالفيهم عند القتال : هذا نبي قد أظل زمانه ينصرنا عليكم ، عن ابن عباس . وثالثها : كانوا يسألون العرب عن مولده ويصفونه بأنه نبي من صفته كذا وكذا ، ويتفحصون عنه على الذين كفروا أي على مشركي العرب ، عن أبي مسلم . ورابعها : نزلت في بني قريظة والنضير ، كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله قبل المبعث . عن ابن عباس وقتادة والسدي . وخامسها : نزلت في أحبار اليهود كانوا إذا قرؤوا وذكروا محمدا في التوراة وأنه مبعوث وأنه من العرب سألوا مشركي العرب عن تلك الصفات ليعلموا أنه هل ولد فيهم من يوافق حاله حال هذا المبعوث . أما قوله تعالى : { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } ففيه مسائل : المسألة الأولى : تدل الآية على أنهم كانوا عارفين بنبوته وفيه سؤال : وهو أن التوراة / نقلت نقلا متواترا ، فأما أن يقال : إنه حصل فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل التفصيل ، أعني بيان أن الشخص الموصوف بالصورة الفلانية والسيرة الفلانية سيظره في السنة الفلانية في المكان الفلاني ، أو لم يوجد هذا الوصف على هذا الوجه ، فإن كان الأول كان القوم مضطرين إلى معرفة شهادة التوراة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام / فكيف يجوز على أهل التواتر إطباقهم على الكذب وإن لم يكن الوصف على هذه الصفة لم يلزم من الأوصاف المذكورة في التوراة كون محمد صلى الله عليه وسلم رسولا ، فكيف قال الله تعالى : { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } ؟ والجواب : أن الوصف المذكور في التوراة كان وصفا إجماليا وأن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يعرفوا نبوته بمجرد تلك الأوصاف ، بل بظهور المعجزات صارت تلك الأوصاف كالمؤكدة ، فلهذا ذمهم الله تعالى على الإنكار . المسألة الثانية : يحتمل أن يقال : كفروا به لوجوه . أحدها : أنهم كانوا يظنون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة من جاء من الأنبياء من بني إسرائيل وكانوا يرغبون الناس في دينه ويدعونهم إليه ، فلما بعث الله تعالى محمدا من العرب من نسل إسماعيل صلوات الله عليه ، عظم ذلك عليهم فأظهروا التكذيب وخالفوا طريقهم الأول . وثانيها : اعترافهم بنبوته كان يوجب عليهم زوال رياساتهم وأموالهم فأبوا وأصروا على الإنكار . وثالثها : لعلهم ظنوا أنه مبعوث إلى العرب خاصة فلا جرم كفروا به . المسألة الثالثة : أنه تعالى كفرهم بعد ما بين كونهم عالمين بنبوته ، وهذا يدل على أن الكفر ليس هو الجهل بالله تعالى فقط .

Section V03/P164–V03/P165Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V03/P164–V03/P165)
Orijinal Metin (AR)

أما قوله تعالى : { فلعنة الله على الكافرين } فالمراد الإبعاد من خيرات الآخرة ، لأن المبعد من خيرات الدنيا لا يكون ملعونا . فإن قيل : أليس أنه تعالى ذكر في الآية المتقدمة : { وقولوا للناس حسنا } ( البقرة : 83 ) وقال : { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } ( الأنعام : 108 ) قلنا : العام قد يتطرق إليه التخصيص على أنا بينا فيما قبل أن لعن من يستحق اللعن من القول الحسن والله أعلم . ! 7 < { بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بمآ أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشآء من عباده فبآءو بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين } > 7 ! < < البقرة : ( 90 ) بئسما اشتروا به . . . . . > > اعلم أن البحث عن حقيقة بئسما لا يحصل إلا في مسائل : / المسألة الأولى : أصل نعم وبئس نعم وبئس بفتح الأول وكسر الثاني كقولنا : ( علم ) إلا أن ما كان ثانيه حرف حلق وهو مكسور يجوز فيه أربع لغات ، الأول : على الأصل أعني بفتح الأول وكسر الثاني . والثاني : اتباع الأول للثاني وهو أن يكون بكسر النون والعين ، وكذا يقال : فخذ بكسر الفاء والخاء ، وهم وإن كانوا يفرون من الجمع بين الكسرتين إلا أنهم جوزوه ههنا لكون الحرف الحلقي مستتبعا لما يجاوره . الثالث : إسكان الحرف الحلقي المكسور وترك ما قبله على ما كان فيقال : نعم وبئس بفتح الأول وإسكان الثاني كما يقال : فخذ بفتح الفاء وإسكان الخاء . الرابع : أن يسكن الحرف الحلقي وتنقل كسرته إلى ما قبله فيقال : نعم بكسر النون وإسكان العين كما يقال : فخذ بكسر الفاء وإسكان الخاء . واعلم أن هذا التغيير الأخير وإن كان في حد الجواز عند إطلاق هاتين الكلمتين إلا أنهم جعلوه لازما لهما لخروجهما عما وضعت له الأفعال الماضية من الإخبار عن وجود المصدر في الزمان الماضي وصيرورتهما كلمتي مدح وذم ويراد بهما المبالغة في المدح والذم ، ليدل هذا التغيير اللازم في اللفظ على التغيير عن الأصل في المعنى فيقولون : نعم الرجل زيد ولا يذكرونه على الأصل إلا في ضرورة الشعر كما أنشد المبرد : ففداء لبني قيس على ما أصاب الناس من شر وضر ما أقلت قدماي إنهم نعم الساعون في الأمر المبر المسألة الثانية : أنهما فعلان من نعم ينعم وبئس ويبأس والدليل عليه دخول التاء التي هي علامة التأنيث فيهما ، فيقال : نعمت وبئست ، والفراء يجعلهما بمنزلة الأسماء ويحتج بقول حسان ابن ثابت رضي الله عنه . ألسنا بنعم الجار يؤلف بيته من الناس ذا مال كثير ومعدما وبما روي أن أعرابيا بشر بمولودة فقيل له : نعم المولود مولودتك ، فقال : والله ما هي بنعم المولودة والبصريون يجيبون عنه بأن ذلك بطريق الحكاية . المسألة الثالثة : اعلم أن ( نعم وبئس ) أصلان للصلاح والرداءة ويكون فاعلهما اسما يستغرق الجنس إما مظهرا وإما مضمرا ، والمظهر على وجهين ، الأول : نحو قولك ، نعم الرجل زيد لا تريد رجلا دون الرجل وإنما تقصد الرجل على الإطلاق . والثاني : نحو قولك نعم غلام الرجل زيد ، أما قوله : فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم وصاحب الركب عثمان بن عفانا

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

أما قوله تعالى : { فلعنة الله على الكافرين } فالمراد الإبعاد من خيرات الآخرة ، لأن المبعد من خيرات الدنيا لا يكون ملعونا . فإن قيل : أليس أنه تعالى ذكر في الآية المتقدمة : { وقولوا للناس حسنا } ( البقرة : 83 ) وقال : { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } ( الأنعام : 108 ) قلنا : العام قد يتطرق إليه التخصيص على أنا بينا فيما قبل أن لعن من يستحق اللعن من القول الحسن والله أعلم . ! 7 < { بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بمآ أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشآء من عباده فبآءو بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين } > 7 ! < < البقرة : ( 90 ) بئسما اشتروا به . . . . . > > اعلم أن البحث عن حقيقة بئسما لا يحصل إلا في مسائل : / المسألة الأولى : أصل نعم وبئس نعم وبئس بفتح الأول وكسر الثاني كقولنا : ( علم ) إلا أن ما كان ثانيه حرف حلق وهو مكسور يجوز فيه أربع لغات ، الأول : على الأصل أعني بفتح الأول وكسر الثاني . والثاني : اتباع الأول للثاني وهو أن يكون بكسر النون والعين ، وكذا يقال : فخذ بكسر الفاء والخاء ، وهم وإن كانوا يفرون من الجمع بين الكسرتين إلا أنهم جوزوه ههنا لكون الحرف الحلقي مستتبعا لما يجاوره . الثالث : إسكان الحرف الحلقي المكسور وترك ما قبله على ما كان فيقال : نعم وبئس بفتح الأول وإسكان الثاني كما يقال : فخذ بفتح الفاء وإسكان الخاء . الرابع : أن يسكن الحرف الحلقي وتنقل كسرته إلى ما قبله فيقال : نعم بكسر النون وإسكان العين كما يقال : فخذ بكسر الفاء وإسكان الخاء . واعلم أن هذا التغيير الأخير وإن كان في حد الجواز عند إطلاق هاتين الكلمتين إلا أنهم جعلوه لازما لهما لخروجهما عما وضعت له الأفعال الماضية من الإخبار عن وجود المصدر في الزمان الماضي وصيرورتهما كلمتي مدح وذم ويراد بهما المبالغة في المدح والذم ، ليدل هذا التغيير اللازم في اللفظ على التغيير عن الأصل في المعنى فيقولون : نعم الرجل زيد ولا يذكرونه على الأصل إلا في ضرورة الشعر كما أنشد المبرد : ففداء لبني قيس على ما أصاب الناس من شر وضر ما أقلت قدماي إنهم نعم الساعون في الأمر المبر المسألة الثانية : أنهما فعلان من نعم ينعم وبئس ويبأس والدليل عليه دخول التاء التي هي علامة التأنيث فيهما ، فيقال : نعمت وبئست ، والفراء يجعلهما بمنزلة الأسماء ويحتج بقول حسان ابن ثابت رضي الله عنه . ألسنا بنعم الجار يؤلف بيته من الناس ذا مال كثير ومعدما وبما روي أن أعرابيا بشر بمولودة فقيل له : نعم المولود مولودتك ، فقال : والله ما هي بنعم المولودة والبصريون يجيبون عنه بأن ذلك بطريق الحكاية . المسألة الثالثة : اعلم أن ( نعم وبئس ) أصلان للصلاح والرداءة ويكون فاعلهما اسما يستغرق الجنس إما مظهرا وإما مضمرا ، والمظهر على وجهين ، الأول : نحو قولك ، نعم الرجل زيد لا تريد رجلا دون الرجل وإنما تقصد الرجل على الإطلاق . والثاني : نحو قولك نعم غلام الرجل زيد ، أما قوله : فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم وصاحب الركب عثمان بن عفانا

Section V03/P165–V03/P166Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V03/P165–V03/P166)
Orijinal Metin (AR)

فنادر وقيل : كان ذلك لأجل أن قوله : ( وصاحب الركب ) قد يدل على المقصود إذ المراد واحد فإذا أتى في الركب بالألف واللام فكأنه قد أتى به في القوم ، وأما المضمر فكقولك : نعم رجلا زيد ، الأصل : نعم الرجل رجلا زيد ثم ترك ذكر الأول لأن النكرة المنصوبة تدل عليه / ورجلا نصب على التمييز ، مثله في قولك : عشرون رجلا والمميز لا يكون إلا نكرة ، ألا ترى أن أحدا لا يقول عشرون الدرهم ولو أدخلوا الألف واللام على هذا فقالوا : نعم الرجل بالنصب لكان نقضا للغرض / إذ لو كانوا يريدون الإتيان بالألف واللام لرفعوا وقالوا نعم الرجل وكفوا أنفسهم مؤنة الإضمار وإنما أضمروا الفاعل قصدا للاختصار ، إذ كان ( نعم رجلا ) يدل على الجنس الذي فضل عليه . المسألة الرابعة : إذا قلت نعم الرجل زيد فهو على وجهين : أحدهما : أن يكون مبتدأ مؤخرا كأنه قيل : زيد نعم الرجل ، أخرت زيدا والنية به التقديم ، كما تقول : مررت به المسكين تريد المسكين مررت به ، فأما الراجع إلى المبتدأ فإن الرجل لما كان شائعا ينتظم فيه الجنس كان زيد داخلا تحته فصار بمنزلة الذكر الذي يعود إليه ، والوجه الآخر : أن يكون زيد في قولك : نعم الرجل زيد خبر مبتدأ محذوف كأنه لما قيل : نعم الرجل ، قيل : من هذا الذي أثنى عليه ؟ فقيل : زيد أي هو زيد . المسألة الخامسة : المخصوص بالمدح والذم لا يكون إلا من جنس المذكور بعد نعم وبئس كزيد من الرجال وإذا كان كذلك كان المضاف إلى القوم في قوله تعالى : { ساء مثلا القوم الذين كذبوا بئاياتنا } ( الأعراف : 177 ) محذوفا وتقديره ساء مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ، وإذ قد لخصنا هذه المسائل فلنرجع إلى التفسير . أما قوله تعالى : { بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : ( ما ) نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس بمعنى بئس الشيء شيئا اشتروا به أنفسهم والمخصوص بالذم ( أن يكفروا ) . المسألة الثانية : في الشراء ههنا قولان ، أحدهما : أنه بمعنى البيع ، وبيانه أنه تعالى لما مكن المكلف من الإيمان الذي يفضي به إلى الجنة والكفر الذي يؤدي به إلى النار صار اختياره لأحدهما على الآخر بمنزلة اختيار تملك سلعة على سلعة فإذا اختار الإيمان الذي فيه فوزه ونجاته . قيل : نعم ما اشترى ، ولما كان الغرض بالبيع والشراء هو إبدال ملك يملك صلح أن يوصف كل واحد منهما بأنه بائع ومشتر لوقوع هذا المعنى من كل واحد منهما فصح تأويل قوله تعالى : { بئسما اشتروا به أنفسهم } بأن المراد باعوا أنفسهم بكفرهم لأن الذي حصلوه على منافع أنفسهم لما كان هو الكفر صاروا بائعين أنفسهم بذلك ، الوجه الثاني : وهو الأصح عندي أن المكلف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب الله يأتي بأعمال يظن أنها تخلصه من العقاب فكأنه قد اشترى نفسه بتلك الأعمال ، فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنها تخلصهم من العقاب ، وتوصلهم إلى الثواب فقد ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم بها ، فذمهم الله تعالى ، وقال : { بئسما اشتروا به أنفسهم } وهذا الوجه أقرب إلى المعنى واللفظ من الأول ، ثم إنه تعالى بين تفسير ما اشتروا به أنفسهم بقوله / تعالى : { أن يكفروا بما أنزل الله } ولا شبهة أن المراد بذلك كفرهم بالقرآن لأن الخطاب في اليهود وكانوا مؤمنين بغيره ، ثم بين الوجه الذي لأجله اختاروا هذا الكفر بما أنزل الله فقال : { بغيا } وأشار بذلك إلى غرضهم بالكفر كما يقال يعادي فلان فلانا حسدا تنبيها بذلك على غرضه ولولا هذا القول لجوزنا أن يكفروا جهلا لا بغيا .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

فنادر وقيل : كان ذلك لأجل أن قوله : ( وصاحب الركب ) قد يدل على المقصود إذ المراد واحد فإذا أتى في الركب بالألف واللام فكأنه قد أتى به في القوم ، وأما المضمر فكقولك : نعم رجلا زيد ، الأصل : نعم الرجل رجلا زيد ثم ترك ذكر الأول لأن النكرة المنصوبة تدل عليه / ورجلا نصب على التمييز ، مثله في قولك : عشرون رجلا والمميز لا يكون إلا نكرة ، ألا ترى أن أحدا لا يقول عشرون الدرهم ولو أدخلوا الألف واللام على هذا فقالوا : نعم الرجل بالنصب لكان نقضا للغرض / إذ لو كانوا يريدون الإتيان بالألف واللام لرفعوا وقالوا نعم الرجل وكفوا أنفسهم مؤنة الإضمار وإنما أضمروا الفاعل قصدا للاختصار ، إذ كان ( نعم رجلا ) يدل على الجنس الذي فضل عليه . المسألة الرابعة : إذا قلت نعم الرجل زيد فهو على وجهين : أحدهما : أن يكون مبتدأ مؤخرا كأنه قيل : زيد نعم الرجل ، أخرت زيدا والنية به التقديم ، كما تقول : مررت به المسكين تريد المسكين مررت به ، فأما الراجع إلى المبتدأ فإن الرجل لما كان شائعا ينتظم فيه الجنس كان زيد داخلا تحته فصار بمنزلة الذكر الذي يعود إليه ، والوجه الآخر : أن يكون زيد في قولك : نعم الرجل زيد خبر مبتدأ محذوف كأنه لما قيل : نعم الرجل ، قيل : من هذا الذي أثنى عليه ؟ فقيل : زيد أي هو زيد . المسألة الخامسة : المخصوص بالمدح والذم لا يكون إلا من جنس المذكور بعد نعم وبئس كزيد من الرجال وإذا كان كذلك كان المضاف إلى القوم في قوله تعالى : { ساء مثلا القوم الذين كذبوا بئاياتنا } ( الأعراف : 177 ) محذوفا وتقديره ساء مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ، وإذ قد لخصنا هذه المسائل فلنرجع إلى التفسير . أما قوله تعالى : { بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا } ففيه مسألتان : المسألة الأولى : ( ما ) نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس بمعنى بئس الشيء شيئا اشتروا به أنفسهم والمخصوص بالذم ( أن يكفروا ) . المسألة الثانية : في الشراء ههنا قولان ، أحدهما : أنه بمعنى البيع ، وبيانه أنه تعالى لما مكن المكلف من الإيمان الذي يفضي به إلى الجنة والكفر الذي يؤدي به إلى النار صار اختياره لأحدهما على الآخر بمنزلة اختيار تملك سلعة على سلعة فإذا اختار الإيمان الذي فيه فوزه ونجاته . قيل : نعم ما اشترى ، ولما كان الغرض بالبيع والشراء هو إبدال ملك يملك صلح أن يوصف كل واحد منهما بأنه بائع ومشتر لوقوع هذا المعنى من كل واحد منهما فصح تأويل قوله تعالى : { بئسما اشتروا به أنفسهم } بأن المراد باعوا أنفسهم بكفرهم لأن الذي حصلوه على منافع أنفسهم لما كان هو الكفر صاروا بائعين أنفسهم بذلك ، الوجه الثاني : وهو الأصح عندي أن المكلف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب الله يأتي بأعمال يظن أنها تخلصه من العقاب فكأنه قد اشترى نفسه بتلك الأعمال ، فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنها تخلصهم من العقاب ، وتوصلهم إلى الثواب فقد ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم بها ، فذمهم الله تعالى ، وقال : { بئسما اشتروا به أنفسهم } وهذا الوجه أقرب إلى المعنى واللفظ من الأول ، ثم إنه تعالى بين تفسير ما اشتروا به أنفسهم بقوله / تعالى : { أن يكفروا بما أنزل الله } ولا شبهة أن المراد بذلك كفرهم بالقرآن لأن الخطاب في اليهود وكانوا مؤمنين بغيره ، ثم بين الوجه الذي لأجله اختاروا هذا الكفر بما أنزل الله فقال : { بغيا } وأشار بذلك إلى غرضهم بالكفر كما يقال يعادي فلان فلانا حسدا تنبيها بذلك على غرضه ولولا هذا القول لجوزنا أن يكفروا جهلا لا بغيا .

Section V03/P166–V03/P168Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V03/P166–V03/P168)
Orijinal Metin (AR)

واعلم أن هذه الآية تدل على أن الحسد حرام . ولما كان البغي قد يكون لوجوه شتى بين تعالى غرضهم من هذا البغي بقوله : { أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده } والقصة لا تليق إلا بما حكيناه من أنهم ظنوا أن هذا الفضل العظيم بالنبوة المنتظرة يحصل في قومهم فلما وجدوه في العرب حملهم ذلك على البغي والحسد . أما قوله تعالى : { فباءو بغضب على غضب } ففيه مسائل : المسألة الأولى : في تفسير الغضبين وجوه ، أحدها : أنه لا بد من إثبات سببين للغضبين . أحدهما : ما تقدم وهو تكذيبهم عيسى عليه السلام وما أنزل عليه والآخر تكذيبهم محمد عليه الصلاة والسلام وما أنزل عليه فصار ذلك دخولا في غضب بعد غضب وسخط بعد سخط من قبله تعالى لأجل أنهم دخلوا في سبب بعد سبب ، وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة وأبي العالية وقتادة ، الثاني : ليس المراد إثبات غضبين فقط بل المراد إثبات أنواع من الغضب مترادفة لأجل أمور مترادفة صدرت عنهم نحو قولهم : { عزيز ابن الله } ( التوبة : 30 ) . { يد الله مغلولة } ( المائدة : 64 ) . { إن الله فقير ونحن أغنياء } ( آل عمران : 181 ) وغير ذلك من أنواع كفرهم ، وهو قول عطاء وعبيد بن عمير ، الثالث : أن المراد به تأكيد الغضب وتكثيره لأجل أن هذا الكفر وإن كان واحدا إلا أنه عظم ، وهو قول أبي مسلم . الرابع : الأول بعبادتهم العجل والثاني بكتمانهم صفة محمد وجحدهم نبوته عن السدي . المسألة الثانية : الغضب عبارة عن التغير الذي يعرض للإنسان في مزاجه عند غليان دم قلبه بسبب مشاهدة أمر مكروه وذلك محال في حق الله تعالى ، فهو محمول على إرادته لمن عصاه الإضرار من جهة اللعن والأمر بذلك . المسألة الثالثة : أنه يصح وصفه تعالى بالغضب وأن غضبه يتزايد ويكثر ويصح فيه ذلك كصحته من العذاب فلا يكون غضبه على من كفر بخصلة واحدة كغضبه على من كفر بخصال كثيرة . أما قوله تعالى : { وللكافرين عذاب مهين } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : { وللكافرين عذاب مهين } له مزية على قوله ولهم عذاب مهين لأن العبارة الأولى يدخل فيها أولئك الكفار وغيرهم والعبارة الثانية لا يدخل فيها إلا هم . المسألة الثانية : العذاب في الحقيقة لا يكون مهينا لأن معنى ذلك أنه أهان غيره وذلك مما لا يتأتى إلا فيما يعقل ، فالله تعالى هو المهين للمعذبين بالعذاب الكثير إلا أن الإهانة لما / حصلت مع العذاب جاز أن يجعل ذلك من وصفه ، فإن قيل : العذاب لا يكون إلا مع الإهانة فما الفائدة في هذا الوصف ؟ قلنا : كون العذاب مقرونا بالإهانة أمر لا بد فيه من الدليل ، فالله تعالى ذكر ذلك ليكون دليلا عليه . المسألة الثالثة : قال قوم : قوله تعالى : { وللكافرين عذاب مهين } يدل على أنه لا عذاب إلا للكافرين ، ثم بعد تقرير هذه المقدمة احتج بهذه الآية فريقان ، أحدهما : الخوارج قالوا : ثبت بسائر الآيات أن الفاسق يعذب ، وثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر فيلزم أن يقال الفاسق كافر . وثانيها : المرجئة قالوا : ثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر وثبت أن الفاسق ليس بكافر ، فوجب القطع بأنه لا يعذب وفساد هذين القولين لا يخفى . ! 7 < { وإذا قيل لهم ءامنوا بمآ أنزل الله قالوا نؤمن بمآ أنزل علينا ويكفرون بما ورآءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبيآء الله من قبل إن كنتم مؤمنين } > 7 ! < < البقرة : ( 91 ) وإذا قيل لهم . . . . .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

واعلم أن هذه الآية تدل على أن الحسد حرام . ولما كان البغي قد يكون لوجوه شتى بين تعالى غرضهم من هذا البغي بقوله : { أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده } والقصة لا تليق إلا بما حكيناه من أنهم ظنوا أن هذا الفضل العظيم بالنبوة المنتظرة يحصل في قومهم فلما وجدوه في العرب حملهم ذلك على البغي والحسد . أما قوله تعالى : { فباءو بغضب على غضب } ففيه مسائل : المسألة الأولى : في تفسير الغضبين وجوه ، أحدها : أنه لا بد من إثبات سببين للغضبين . أحدهما : ما تقدم وهو تكذيبهم عيسى عليه السلام وما أنزل عليه والآخر تكذيبهم محمد عليه الصلاة والسلام وما أنزل عليه فصار ذلك دخولا في غضب بعد غضب وسخط بعد سخط من قبله تعالى لأجل أنهم دخلوا في سبب بعد سبب ، وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة وأبي العالية وقتادة ، الثاني : ليس المراد إثبات غضبين فقط بل المراد إثبات أنواع من الغضب مترادفة لأجل أمور مترادفة صدرت عنهم نحو قولهم : { عزيز ابن الله } ( التوبة : 30 ) . { يد الله مغلولة } ( المائدة : 64 ) . { إن الله فقير ونحن أغنياء } ( آل عمران : 181 ) وغير ذلك من أنواع كفرهم ، وهو قول عطاء وعبيد بن عمير ، الثالث : أن المراد به تأكيد الغضب وتكثيره لأجل أن هذا الكفر وإن كان واحدا إلا أنه عظم ، وهو قول أبي مسلم . الرابع : الأول بعبادتهم العجل والثاني بكتمانهم صفة محمد وجحدهم نبوته عن السدي . المسألة الثانية : الغضب عبارة عن التغير الذي يعرض للإنسان في مزاجه عند غليان دم قلبه بسبب مشاهدة أمر مكروه وذلك محال في حق الله تعالى ، فهو محمول على إرادته لمن عصاه الإضرار من جهة اللعن والأمر بذلك . المسألة الثالثة : أنه يصح وصفه تعالى بالغضب وأن غضبه يتزايد ويكثر ويصح فيه ذلك كصحته من العذاب فلا يكون غضبه على من كفر بخصلة واحدة كغضبه على من كفر بخصال كثيرة . أما قوله تعالى : { وللكافرين عذاب مهين } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : { وللكافرين عذاب مهين } له مزية على قوله ولهم عذاب مهين لأن العبارة الأولى يدخل فيها أولئك الكفار وغيرهم والعبارة الثانية لا يدخل فيها إلا هم . المسألة الثانية : العذاب في الحقيقة لا يكون مهينا لأن معنى ذلك أنه أهان غيره وذلك مما لا يتأتى إلا فيما يعقل ، فالله تعالى هو المهين للمعذبين بالعذاب الكثير إلا أن الإهانة لما / حصلت مع العذاب جاز أن يجعل ذلك من وصفه ، فإن قيل : العذاب لا يكون إلا مع الإهانة فما الفائدة في هذا الوصف ؟ قلنا : كون العذاب مقرونا بالإهانة أمر لا بد فيه من الدليل ، فالله تعالى ذكر ذلك ليكون دليلا عليه . المسألة الثالثة : قال قوم : قوله تعالى : { وللكافرين عذاب مهين } يدل على أنه لا عذاب إلا للكافرين ، ثم بعد تقرير هذه المقدمة احتج بهذه الآية فريقان ، أحدهما : الخوارج قالوا : ثبت بسائر الآيات أن الفاسق يعذب ، وثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر فيلزم أن يقال الفاسق كافر . وثانيها : المرجئة قالوا : ثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر وثبت أن الفاسق ليس بكافر ، فوجب القطع بأنه لا يعذب وفساد هذين القولين لا يخفى . ! 7 < { وإذا قيل لهم ءامنوا بمآ أنزل الله قالوا نؤمن بمآ أنزل علينا ويكفرون بما ورآءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبيآء الله من قبل إن كنتم مؤمنين } > 7 ! < < البقرة : ( 91 ) وإذا قيل لهم . . . . .

Section V03/P168–V03/P169Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V03/P168–V03/P169)
Orijinal Metin (AR)

> > اعلم أن هذا النوع أيضا من قبائح أفعالهم : { وإذا قيل لهم } يعني به اليهود : { بما أنزل الله قالوا } أي بكل ما أنزل الله ، والقائلون بالعموم احتجوا بهذه الآية على أن لفظة ( ما ) بمعنى الذي تفيد العموم ، قالوا : لأن الله تعالى أمرهم بأن يؤمنوا بما أنزل الله فلما آمنوا بالبعض دون البعض ذمهم على ذلك ولولا أن لفظة ( ما ) تفيد العموم لما حسن هذا الذم ، ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم لما أمروا بذلك : { قالوا نؤمن بما أنزل علينا } يعني بالتوراة وكتب سائر الأنبياء الذين أتوا بتقرير شرع موسى عليه السلام ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم يكفرون بما وراءه وهو الإنجيل والقرآن . وأورده هذه الحكاية عنهم على سبيل الذم لهم وذلك أنه لا يجوز أن يقال لهم آمنوا بما أنزل الله إلا ولهم طريق إلى أن يعرفوا كونه منزلا من عند الله وإلا كان ذلك تكليف ما لا يطاق وإذا دل الدليل على كونه منزلا من عند الله وجب الإيمان به ، فثبت أن الإيمان ببعض ما أنزل الله دون البعض تناقض . أما قوله تعالى : { وهو الحق مصدقا لما معهم } فهو كالإشارة إلى ما يدل على وجوب الإيمان / بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبيانه من وجهين : الأول : ما دل عليه قوله تعالى : { وهو الحق } أنه لما ثبتت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالمعجزات التي ظهرت عليه ، إنه عليه الصلاة والسلام أخبر أن هذا القرآن منزل من عند الله تعالى وأنه أمر المكلفين بالإيمان به وكان الإيمان به واجبا لا محالة ، وعند هذا يظهر أن الإيمان ببعض الأنبياء وبعض الكتب مع الكفر ببعض الأنبياء وبعض الكتب محال . الثاني : ما دل عليه قوله : { مصدقا لما معهم } وتقريره من وجهين ، الأول : أن محمدا صلوات الله وسلامه عليه لم يتعلم علما ولا استفاد من أستاذ ، فلما أتى بالحكايات والقصص موافقة لما في التوراة من غير تفاوت أصلا علمنا أنه عليه الصلاة والسلام إنما استفادها من الوحي والتنزيل . الثاني : أن القرآن يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلما أخبر الله تعالى عنه أنه مصدق للتوراة وجب اشتمال التوراة على الإخبار عن نبوته ، وإلا لم يكن القرآن مصدقا للتوراة بل مكذبا لها وإذا كانت التوراة مشتملة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام وهم قد اعترفوا بوجوب الإيمان بالتوراة لزمهم من هذه الجهة وجوب الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد عليه الصلاة والسلام . أما قوله تعالى : { فلم تقتلون أنبياء الله من قبل } ففيه مسائل : المسألة الأولى : أنه سبحانه وتعالى بين من جهة أخرى أن دعواهم كونهم مؤمنين بالتوراة متناقضة من وجوه أخر ، وذلك لأن التوراة دلت على أن المعجزة تدل على الصدق ودلت على أن من كان صادقا في ادعاء النبوة فإن قتله كفر ، وإذا كان الأمر كذلك كان السعي في قتل يحيى وزكريا وعيسى عليهم السلام كفرا فلم سعيتم في ذلك إن صدقتم في ادعائكم كونكم مؤمنين بالتوراة . المسألة الثانية : هذه الآية دالة على أن المجادلة في الدين من حرف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإن إيراد المناقضة على الخصم جائز .

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

> > اعلم أن هذا النوع أيضا من قبائح أفعالهم : { وإذا قيل لهم } يعني به اليهود : { بما أنزل الله قالوا } أي بكل ما أنزل الله ، والقائلون بالعموم احتجوا بهذه الآية على أن لفظة ( ما ) بمعنى الذي تفيد العموم ، قالوا : لأن الله تعالى أمرهم بأن يؤمنوا بما أنزل الله فلما آمنوا بالبعض دون البعض ذمهم على ذلك ولولا أن لفظة ( ما ) تفيد العموم لما حسن هذا الذم ، ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم لما أمروا بذلك : { قالوا نؤمن بما أنزل علينا } يعني بالتوراة وكتب سائر الأنبياء الذين أتوا بتقرير شرع موسى عليه السلام ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم يكفرون بما وراءه وهو الإنجيل والقرآن . وأورده هذه الحكاية عنهم على سبيل الذم لهم وذلك أنه لا يجوز أن يقال لهم آمنوا بما أنزل الله إلا ولهم طريق إلى أن يعرفوا كونه منزلا من عند الله وإلا كان ذلك تكليف ما لا يطاق وإذا دل الدليل على كونه منزلا من عند الله وجب الإيمان به ، فثبت أن الإيمان ببعض ما أنزل الله دون البعض تناقض . أما قوله تعالى : { وهو الحق مصدقا لما معهم } فهو كالإشارة إلى ما يدل على وجوب الإيمان / بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبيانه من وجهين : الأول : ما دل عليه قوله تعالى : { وهو الحق } أنه لما ثبتت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالمعجزات التي ظهرت عليه ، إنه عليه الصلاة والسلام أخبر أن هذا القرآن منزل من عند الله تعالى وأنه أمر المكلفين بالإيمان به وكان الإيمان به واجبا لا محالة ، وعند هذا يظهر أن الإيمان ببعض الأنبياء وبعض الكتب مع الكفر ببعض الأنبياء وبعض الكتب محال . الثاني : ما دل عليه قوله : { مصدقا لما معهم } وتقريره من وجهين ، الأول : أن محمدا صلوات الله وسلامه عليه لم يتعلم علما ولا استفاد من أستاذ ، فلما أتى بالحكايات والقصص موافقة لما في التوراة من غير تفاوت أصلا علمنا أنه عليه الصلاة والسلام إنما استفادها من الوحي والتنزيل . الثاني : أن القرآن يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلما أخبر الله تعالى عنه أنه مصدق للتوراة وجب اشتمال التوراة على الإخبار عن نبوته ، وإلا لم يكن القرآن مصدقا للتوراة بل مكذبا لها وإذا كانت التوراة مشتملة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام وهم قد اعترفوا بوجوب الإيمان بالتوراة لزمهم من هذه الجهة وجوب الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد عليه الصلاة والسلام . أما قوله تعالى : { فلم تقتلون أنبياء الله من قبل } ففيه مسائل : المسألة الأولى : أنه سبحانه وتعالى بين من جهة أخرى أن دعواهم كونهم مؤمنين بالتوراة متناقضة من وجوه أخر ، وذلك لأن التوراة دلت على أن المعجزة تدل على الصدق ودلت على أن من كان صادقا في ادعاء النبوة فإن قتله كفر ، وإذا كان الأمر كذلك كان السعي في قتل يحيى وزكريا وعيسى عليهم السلام كفرا فلم سعيتم في ذلك إن صدقتم في ادعائكم كونكم مؤمنين بالتوراة . المسألة الثانية : هذه الآية دالة على أن المجادلة في الدين من حرف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإن إيراد المناقضة على الخصم جائز .

Section V03/P169–V03/P170Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V03/P169–V03/P170)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثالثة : قوله : { فلم تقتلون } وإن كان خطاب مشافهة لكن المراد من تقدم من سلفهم ويدل عليه وجوه / أحدها : أن الأنبياء في ذلك الزمان ما كانوا موجودين . وثانيها : أنهم ما أقدموا على ذلك ، وثالثها : أنه لا يتأتى فيه من قبل . فأما المراد به الماضي فظاهر لأن القرينة دالة عليه . فإن قيل قوله : { ءامنوا } خطاب لهؤلاء الموجودين : { ولم تقتلون } حكاية فعل أسلافهم فكيف وجه الجمع بينهما ؟ قلنا معناه : أنكم بهذا التكذيب خرجتم من الإيمان بما آمنتم كما خرج أسلافكم بقتل بعض الأنبياء عن الإيمان بالباقين . المسألة الرابعة : يقال كيف جاز قوله : لم تقتلون من قبل ولا يجوز أن يقال : أنا أضربك أمس ؟ والجواب فيه قولان . أحدهما : أن ذلك جائز فيما كان بمنزلة الصفة اللازمة كقولك لمن تعرفه بما سلف من قبح فعله : ويحك لم تكذب ؟ كأنك قلت : لم يكن هذا من شأنك . قال الله تعالى : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين } ( البقرة : 102 ) ولم يقل ما تلت لأنه أراد من شأنها التلاوة . والثاني : كأنه قال : لم ترضون بقتل الأنبياء من قبل إن كنتم آمنتم بالتوراة والله أعلم . ! 7 < { ولقد جآءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون } > 7 < البقرة : ( 92 - 93 ) ولقد جاءكم موسى . . . . . > > اعلم أن تكرير هذه الآية يغني عن تفسيرها والسبب في تكريرها أنه تعالى لما حكى طريقة اليهود في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ووصفهم بالعناد والتكذيب ومثلهم بسلفهم في قتلهم الأنبياء الذي يناسب التكذيب لهم بل يزيد عليه ، أعاد ذكر موسى عليه السلام وما جاء به من البينات وأنهم مع وضوح ذلك أجازوا أن يتخذوا العجل إلها وهو مع ذلك صابر ثابت على الدعاء إلى ربه والتمسك بدينه وشرعه فكذلك القول في حالي معكم وإن بالغتم في التكذيب والإنكار . ! 7 < { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا مآ ءاتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا فى قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين } > 7 ! @171@ اعلم أن في الإعادة وجوها : أحدها : أن التكرار في هذا وأمثاله للتأكيد وإيجاب الحجة على الخصم على عادة العرب ، وثانيها : أنه إنما ذكر ذلك مع زيادة وهي قولهم : { سمعنا وعصينا } وذلك يدل على نهاية لجاجهم . أما قوله تعالى : { قالوا سمعنا وعصينا } ففيه مسائل : المسألة الأولى : أن إظلال الجبل لاشك أنه من أعظم المخوفات ومع ذلك فقد أصروا على كفرهم وصرحوا بقولهم { سمعنا وعصينا } وهذا يدل على أن التخويف وإن عظم لا يوجب الانقياد . المسألة الثانية : الأكثرون من المفسرين اعترفوا بأنهم قالوا هذا القول ، قال أبو مسلم : وجائز أن يكون المعنى سمعوه فتلقوه بالعصيان فعبر عن ذلك بالقول وإن لم يقولوه كقوله تعالى : { أن يقول له كن فيكون } ( البقرة : 177 ) وكقوله : { قالتا أتينا طائعين } ( فصلت : 11 ) والأول أولى لأن صرف الكلام عن ظاهره بغير الدليل لا يجوز . أما قوله تعالى : { وأشربوا فى قلوبهم العجل } ففيه مسائل :

English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثالثة : قوله : { فلم تقتلون } وإن كان خطاب مشافهة لكن المراد من تقدم من سلفهم ويدل عليه وجوه / أحدها : أن الأنبياء في ذلك الزمان ما كانوا موجودين . وثانيها : أنهم ما أقدموا على ذلك ، وثالثها : أنه لا يتأتى فيه من قبل . فأما المراد به الماضي فظاهر لأن القرينة دالة عليه . فإن قيل قوله : { ءامنوا } خطاب لهؤلاء الموجودين : { ولم تقتلون } حكاية فعل أسلافهم فكيف وجه الجمع بينهما ؟ قلنا معناه : أنكم بهذا التكذيب خرجتم من الإيمان بما آمنتم كما خرج أسلافكم بقتل بعض الأنبياء عن الإيمان بالباقين . المسألة الرابعة : يقال كيف جاز قوله : لم تقتلون من قبل ولا يجوز أن يقال : أنا أضربك أمس ؟ والجواب فيه قولان . أحدهما : أن ذلك جائز فيما كان بمنزلة الصفة اللازمة كقولك لمن تعرفه بما سلف من قبح فعله : ويحك لم تكذب ؟ كأنك قلت : لم يكن هذا من شأنك . قال الله تعالى : { واتبعوا ما تتلوا الشياطين } ( البقرة : 102 ) ولم يقل ما تلت لأنه أراد من شأنها التلاوة . والثاني : كأنه قال : لم ترضون بقتل الأنبياء من قبل إن كنتم آمنتم بالتوراة والله أعلم . ! 7 < { ولقد جآءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون } > 7 < البقرة : ( 92 - 93 ) ولقد جاءكم موسى . . . . . > > اعلم أن تكرير هذه الآية يغني عن تفسيرها والسبب في تكريرها أنه تعالى لما حكى طريقة اليهود في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ووصفهم بالعناد والتكذيب ومثلهم بسلفهم في قتلهم الأنبياء الذي يناسب التكذيب لهم بل يزيد عليه ، أعاد ذكر موسى عليه السلام وما جاء به من البينات وأنهم مع وضوح ذلك أجازوا أن يتخذوا العجل إلها وهو مع ذلك صابر ثابت على الدعاء إلى ربه والتمسك بدينه وشرعه فكذلك القول في حالي معكم وإن بالغتم في التكذيب والإنكار . ! 7 < { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا مآ ءاتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا فى قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين } > 7 ! @171@ اعلم أن في الإعادة وجوها : أحدها : أن التكرار في هذا وأمثاله للتأكيد وإيجاب الحجة على الخصم على عادة العرب ، وثانيها : أنه إنما ذكر ذلك مع زيادة وهي قولهم : { سمعنا وعصينا } وذلك يدل على نهاية لجاجهم . أما قوله تعالى : { قالوا سمعنا وعصينا } ففيه مسائل : المسألة الأولى : أن إظلال الجبل لاشك أنه من أعظم المخوفات ومع ذلك فقد أصروا على كفرهم وصرحوا بقولهم { سمعنا وعصينا } وهذا يدل على أن التخويف وإن عظم لا يوجب الانقياد . المسألة الثانية : الأكثرون من المفسرين اعترفوا بأنهم قالوا هذا القول ، قال أبو مسلم : وجائز أن يكون المعنى سمعوه فتلقوه بالعصيان فعبر عن ذلك بالقول وإن لم يقولوه كقوله تعالى : { أن يقول له كن فيكون } ( البقرة : 177 ) وكقوله : { قالتا أتينا طائعين } ( فصلت : 11 ) والأول أولى لأن صرف الكلام عن ظاهره بغير الدليل لا يجوز . أما قوله تعالى : { وأشربوا فى قلوبهم العجل } ففيه مسائل :

%0
10 Bölüm

Questions