البقرة : ( 33 ) قال يا آدم . . . . . > > < > ( البقره 33 ) <
البقرة : ( 33 ) قال يا آدم . . . . . > > < > ( البقره 33 ) <
أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي · AR
البقرة : ( 33 ) قال يا آدم . . . . . > > < > ( البقره 33 ) <
البقرة : ( 33 ) قال يا آدم . . . . . > > < > ( البقره 33 ) <
> قوله تعالى : ( قل يا آدم أنبئهم بأسمائهم ) فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( أنبئهم بأسمائهم ) أمره الله أن يعلمهم بأسمائهم بعد أن عرضهم على الملائكة ليعلموا أنه أعلم بما سألهم عنه تنبيها على فضله وعلو شأنه فكان أفضل منهم بأن قدمه عليهم وأسجدهم له وجعلهم تلامذته وأمرهم بأن يتعلموا منه فحصلت له رتبة الجلال والعظمة بأن جعله مسجودا له مختصا بالعلم الثانية في هذه الآية دليل على فضل العلم وأهله وفي الحديث : ( وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم ( أي تخضع وتتواضع وإنما تفعل ذلك لأهل العلم خاصة من بين سائر عيال الله لأن الله تعالى ألزمها ذلك في آدم عليه السلام فتأدبت بذلك الأدب فكلما ظهر لها علم في بشر خضعت له وتواضعت وتذللت إعظاما للعلم وأهله ورضى منهم بالطلب له والشغل به هذا في الطلاب منهم فكيف بالأحبار فيهم والربانيين منهم جعلنا الله منهم وفيهم إنه ذو فضل عظيم الثالثة أختلف العلماء من هذا الباب أيما أفضل الملائكة أو بنو آدم على قولين : فذهب قوم إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة وذهب آخرون إلى أن الملأ الأعلى أفضل أحتج من فضل الملائكة بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وقوله : لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون وقوله : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك وفي البخاري : يقول الله عز وجل : ( من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ( وهذا نص أحتج من فضل بني آدم بقوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البريئة بالهمزة من برأ الله الخلق وقوله عليه السلام : ( وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم ( الحديث أخرجه أبو داود وبما جاء في أحاديث من أن الله تعالى يباهي بأهل عرفات الملائكة ولا يباهي إلا بالأفضل والله أعلم وقال بعض العلماء : ولا طريق إلى القطع بأن الأنبياء أفضل من الملائكة ولا القطع بأن الملائكة خير منهم لأن طريق ذلك خبر الله تعالى وخبر رسوله أو إجماع الأمة وليس ها هنا شيء من ذلك خلافا للقدرية والقاضي أبي بكر رحمه الله حيث قالوا : الملائكة أفضل قال : وأما من قال من أصحابنا والشيعة : إن الأنبياء أفضل لأن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم فيقال لهم : المسجود له لا يكون أفضل من الساجد ألا ترى أن الكعبة مسجود لها والأنبياء والخلق يسجدون نحوها ثم إن الأنبياء خير من الكعبة بأتفاق الأمة ولا خلاف أن السجود لا يكون إلا لله تعالى لأن السجود عبادة والعبادة لا تكون إلا لله فإذا كان كذلك فكون السجود إلى جهة لا يدل على أن الجهة خير من الساجد العابد وهذا واضح وسيأتي له مزيد بيان في الآية بعد هذا الرابعة قوله تعالى : ( إني أعلم غيب السماوات والأرض ) دليل على أن أحدا لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله كالأنبياء أو من أعلمه من أعلمه الله تعالى فالمنجمون والكهان وغيرهم كذبة وسيأتي بيان هذا في الأنعام إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو الخامسة قوله تعالى : ( وأعلم ما تبدون ) أي من قولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها حكاه مكي والماوردي وقال الزهراوي : ما أبدوه هو بدارهم بالسجود لآدم ( وما كنتم تكتمون ) قال أبن عباس وأبن مسعود وسعيد بن جبير : المراد ما كتمه إبليس في نفسه من الكبر والمعصية قال أبن عطية : وجاء تكتمون للجماعة والكاتم واحد في هذا القول على تجوز العرب وأتساعها كما يقال لقوم قد جنى سفيه منهم : أنتم فعلتم كذا أي منكم فاعله وهذا مع قصد تعنيف ومنه قوله تعالى : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون وإنما ناداه منهم عيينة وقيل الأقرع وقالت طائفة : الإبداء والمكتوم ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم أجمع وقال مهدي بن ميمون : كنا عند الحسن فسأله الحسن بن دينار ما الذي كتمت الملائكة قال : إن الله عز وجل لما خلق آدم رأت الملائكة خلقا عجبا وكأنهم دخلهم من ذلك شيء قال : ثم أقبل بعضهم على بعض وأسروا ذلك بينهم فقالوا : وما يهمكم من هذا المخلوق إن الله لم يخلق خلقا إلا كنا أكرم عليه منه وما في قوله : ما تبدون يجوز أن ينتصب ب أعلم على أنه فعل ويجوز أن يكون بمعنى عالم وتنصب به ما فيكون مثل حواج بيت الله وقد تقدم < <
> قوله تعالى : ( قل يا آدم أنبئهم بأسمائهم ) فيه خمس مسائل : الأولى قوله تعالى : ( أنبئهم بأسمائهم ) أمره الله أن يعلمهم بأسمائهم بعد أن عرضهم على الملائكة ليعلموا أنه أعلم بما سألهم عنه تنبيها على فضله وعلو شأنه فكان أفضل منهم بأن قدمه عليهم وأسجدهم له وجعلهم تلامذته وأمرهم بأن يتعلموا منه فحصلت له رتبة الجلال والعظمة بأن جعله مسجودا له مختصا بالعلم الثانية في هذه الآية دليل على فضل العلم وأهله وفي الحديث : ( وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم ( أي تخضع وتتواضع وإنما تفعل ذلك لأهل العلم خاصة من بين سائر عيال الله لأن الله تعالى ألزمها ذلك في آدم عليه السلام فتأدبت بذلك الأدب فكلما ظهر لها علم في بشر خضعت له وتواضعت وتذللت إعظاما للعلم وأهله ورضى منهم بالطلب له والشغل به هذا في الطلاب منهم فكيف بالأحبار فيهم والربانيين منهم جعلنا الله منهم وفيهم إنه ذو فضل عظيم الثالثة أختلف العلماء من هذا الباب أيما أفضل الملائكة أو بنو آدم على قولين : فذهب قوم إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة وذهب آخرون إلى أن الملأ الأعلى أفضل أحتج من فضل الملائكة بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وقوله : لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون وقوله : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك وفي البخاري : يقول الله عز وجل : ( من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ( وهذا نص أحتج من فضل بني آدم بقوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البريئة بالهمزة من برأ الله الخلق وقوله عليه السلام : ( وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضى لطالب العلم ( الحديث أخرجه أبو داود وبما جاء في أحاديث من أن الله تعالى يباهي بأهل عرفات الملائكة ولا يباهي إلا بالأفضل والله أعلم وقال بعض العلماء : ولا طريق إلى القطع بأن الأنبياء أفضل من الملائكة ولا القطع بأن الملائكة خير منهم لأن طريق ذلك خبر الله تعالى وخبر رسوله أو إجماع الأمة وليس ها هنا شيء من ذلك خلافا للقدرية والقاضي أبي بكر رحمه الله حيث قالوا : الملائكة أفضل قال : وأما من قال من أصحابنا والشيعة : إن الأنبياء أفضل لأن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم فيقال لهم : المسجود له لا يكون أفضل من الساجد ألا ترى أن الكعبة مسجود لها والأنبياء والخلق يسجدون نحوها ثم إن الأنبياء خير من الكعبة بأتفاق الأمة ولا خلاف أن السجود لا يكون إلا لله تعالى لأن السجود عبادة والعبادة لا تكون إلا لله فإذا كان كذلك فكون السجود إلى جهة لا يدل على أن الجهة خير من الساجد العابد وهذا واضح وسيأتي له مزيد بيان في الآية بعد هذا الرابعة قوله تعالى : ( إني أعلم غيب السماوات والأرض ) دليل على أن أحدا لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله كالأنبياء أو من أعلمه من أعلمه الله تعالى فالمنجمون والكهان وغيرهم كذبة وسيأتي بيان هذا في الأنعام إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو الخامسة قوله تعالى : ( وأعلم ما تبدون ) أي من قولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها حكاه مكي والماوردي وقال الزهراوي : ما أبدوه هو بدارهم بالسجود لآدم ( وما كنتم تكتمون ) قال أبن عباس وأبن مسعود وسعيد بن جبير : المراد ما كتمه إبليس في نفسه من الكبر والمعصية قال أبن عطية : وجاء تكتمون للجماعة والكاتم واحد في هذا القول على تجوز العرب وأتساعها كما يقال لقوم قد جنى سفيه منهم : أنتم فعلتم كذا أي منكم فاعله وهذا مع قصد تعنيف ومنه قوله تعالى : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون وإنما ناداه منهم عيينة وقيل الأقرع وقالت طائفة : الإبداء والمكتوم ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم أجمع وقال مهدي بن ميمون : كنا عند الحسن فسأله الحسن بن دينار ما الذي كتمت الملائكة قال : إن الله عز وجل لما خلق آدم رأت الملائكة خلقا عجبا وكأنهم دخلهم من ذلك شيء قال : ثم أقبل بعضهم على بعض وأسروا ذلك بينهم فقالوا : وما يهمكم من هذا المخلوق إن الله لم يخلق خلقا إلا كنا أكرم عليه منه وما في قوله : ما تبدون يجوز أن ينتصب ب أعلم على أنه فعل ويجوز أن يكون بمعنى عالم وتنصب به ما فيكون مثل حواج بيت الله وقد تقدم < <
البقرة : ( 34 ) وإذ قلنا للملائكة . . . . . > > < > ( البقره 34 ) <
البقرة : ( 34 ) وإذ قلنا للملائكة . . . . . > > < > ( البقره 34 ) <
> فيه عشر مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإذ قلنا ) أي وأذكر وأما قول أبي عبيدة : إن إذ زائدة فليس بجائز لأن إذ ظرف وقد تقدم وقال : قلنا ولم يقل قلت لأن الجبار العظيم يخبر عن نفسه بفعل الجماعة تفخيما وإشادة بذكره والملائكة جمع ملك وقد تقدم وتقدم القول أيضا في آدم وأشتقاقه فلا معنى لإعادته وروي عن أبي جعفر بن القعقاع أنه ضم تاء التأنيث من الملائكة إتباعا لضم الجيم في أسجدوا ونظيره الحمد لله الثانية قوله تعالى : ( أسجدوا ) السجود معناه في كلام العرب التذلل والخضوع قال الشاعر : بجمع تضل البلق في حجراته ترى الأكم فيها سجدا للحوافر الأكم : الجبال الصغار جعلها سجدا للحوافر لقهر الحوافر إياها وأنها لا تمتنع عليها وعين ساجدة أي فاترة عن النظر وغايته وضع الوجه بالأرض قال أبن فارس : سجد إذا تطامن وكل ما سجد فقد ذل والإسجاد : إدامة النظر قال أبو عمرو : وأسجد إذا طأطأ رأسه قال : فضول أزمتها أسجدت سجود النصارى لأحبارها قال أبو عبيدة : وأنشدني أعرابي من بني أسد : وقلن له أسجد لليلى فأسجدا يعني البعير إذا طأطأ رأسه ودراهم الإسجاد : دراهم كانت عليها صور كانوا يسجدون لها قال : وافى بها كدراهم الإسجاد الثالثة أستدل من فضل آدم وبنيه بقوله تعالى للملائكة : أسجدوا لآدم قالوا : وذلك يدل على أنه كان أفضل منهم والجواب أن معنى أسجدوا لآدم أسجدوا لي مستقبلين وجه آدم وهو كقوله تعالى : أقم الصلاة لدلوك الشمس أي عند دلوك الشمس وكقوله : ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين أي فقعوا لي عند إتمام خلقه ومواجهتكم إياه ساجدين وقد بينا أن المسجود له لا يكون أفضل من الساجد بدليل القبلة فإن قيل : فإذا لم يكن أفضل منهم فما الحكمة في الأمر بالسجود له قيل له : إن الملائكة لما استعظموا بتسبيحهم وتقديسهم أمرهم بالسجود لغيره ليريهم أستغناءه عنهم وعن عبادتهم وقال بعضهم : عيروا آدم وأستصغروه ولم يعرفوا خصائص الصنع به فأمروا بالسجود له تكريما ويحتمل أن يكون الله تعالى أمرهم بالسجود له معاقبة لهم على قولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها لما قال لهم : إني جاعل في الأرض خليفة وكان علم منهم أنه إن خاطبهم أنهم قائلون هذا فقال لهم : إني خالق بشرا من طين وجاعله خليفة فإذا نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين والمعنى : ليكون ذلك عقوبة لكم في ذلك الوقت على ما أنتم قائلون لي الآن فإن قيل : فقد أستدل أبن عباس على فضل البشر بأن الله تعالى أقسم بحياة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال : لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون وأمنه من العذاب بقوله : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر الفتح وقال للملائكة : ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم قيل له : إنما لم يقسم بحياة الملائكة كما لم يقسم بحياة نفسه سبحانه فلم يقل : لعمري وأقسم بالسماء والأرض ولم يدل على أنهما أرفع قدرا من العرش والجنان السبع وأقسم بالتين والزيتون وأما قوله سبحانه : ومن يقل منهم إني إله من دونه فهو نظير قوله لنبيه عليه السلام : لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين فليس فيه إذا دلالة والله أعلم الرابعة وأختلف الناس في كيفية سجود الملائكة لآدم بعد أتفاقهم على أنه لم يكن سجود عبادة فقال الجمهور : كان هذا أمرا للملائكة بوضع الجباه على الأرض كالسجود المعتاد في الصلاة لأنه الظاهر من السجود في العرف والشرع وعلى هذا قيل : كان ذلك السجود تكريما لآدم وإظهارا لفضله وطاعة لله تعالى وكان آدم كالقبلة لنا ومعنى لآدم : إلى آدم كما يقال صلى للقبلة أي إلى القبلة وقال قوم : لم يكن هذا السجود المعتاد اليوم الذي هو وضع الجبهة على الأرض ولكنه مبقى على أصل اللغة فهو من التذلل والأنقياد أي أخضعوا لآدم وأقروا له بالفضل ( فسجدوا ) أي أمتثلوا ما أمروا به وأختلف أيضا هل كان ذلك السجود خاصا بآدم عليه السلام فلا يجوز السجود لغيره من جميع العالم إلا لله تعالى أم كان جائزا بعده إلى زمان يعقوب عليه السلام لقوله تعالى : ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا فكان آخر ما أبيح من السجود للمخلوقين والذي عليه الأكثر أنه كان مباحا إلى عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن أصحابه قالوا له حين سجدت له الشجرة والجمل : نحن أولى بالسجود لك من الشجرة والجمل الشارد فقال لهم : ( لا ينبغي أن يسجد لأحد إلا لله رب العالمين ( روى أبن ماجة في سننه والبستي في صحيحه عن أبي واقد قال : لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما هذا ( فقال : يا رسول الله قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم فأردت أن أفعل ذلك بك قال : ( فلا تفعل فإني لو أمرت شيئا أن يسجد لشيء لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها حتى لو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه ( لفظ البستي ومعنى القتب أن العرب يعز عندهم وجود كرسي للولادة فيحملون نساءهم على القتب عند الولادة وفي بعض طرق معاذ : ونهى عن السجود للبشر وأمر بالمصافحة قلت : وهذا السجود المنهي عنه قد أتخذه جهال المتصوفة عادة في سماعهم وعند دخولهم على مشايخهم وأستغفارهم فيرى الواحد منهم إذا أخذه الحال بزعمه يسجد للأقدام لجهله سواء أكان للقبلة أم غيرها جهالة منه ضل سعيهم وخاب عملهم الخامسة قوله : ( إلأ إبليس ) نصب على الاستثناء المتصل لأنه كان من الملائكة على قول الجمهور : أبن عباس وأبن مسعود وأبن جريج وأبن المسيب وقتادة وغيرهم وهو أختيار الشيخ أبي الحسن ورجحه الطبري وهو ظاهر الآية قال بن عباس : وكان أسمه عزازيل وكان من أشراف الملائكة وكان من الأجنحة الأربعة ثم أبلس بعد روى سماك أبن حرب عن عكرمة عن أبن عباس قال : كان إبليس من الملائكة فلما عصى الله غضب عليه فلعنه فصار شيطانا وحكى الماوردي عن قتادة : أنه كان من أفضل صنف من الملائكة يقال لهم الجنة وقال سعيد بن جبير : إن الجن سبط من الملائكة خلقوا من نار وإبليس منهم وخلق سائر الملائكة من نور وقال أبن زيد والحسن وقتادة أيضا : إبليس أبو الجن كما أن آدم أبو البشر ولم يكن ملكا وروي نحوه عن أبن عباس وقال : أسمه الحارث وقال شهر أبن حوشب وبعض الأصوليين : كان من الجن الذين كانوا في الأرض وقاتلتهم الملائكة فسبوه صغيرا وتعبد مع الملائكة وخوطب وحكاه الطبري عن أبن مسعود والأستثناء على هذا منقطع مثل قوله تعالى : ما لهم به من علم إلا إتباع الظن وقوله : إلا ما ذكيتم في أحد القولين وقال الشاعر : ليس عليك عطش ولا جوع إلا الرقاد والرقاد ممنوع وأحتج بعض أصحاب هذا القول بأن الله جل وعز وصف الملائكة فقال : لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وقوله تعالى : إلا إبليس كان من الجن والجن غير الملائكة أجاب أهل المقالة الأولى بأنه لا يمتنع أن يخرج إبليس من جملة الملائكة لما سبق في علم الله بشقائه عدلا منه لا يسأل عما يفعل وليس في خلقه من نار ولا في تركيب الشهوة حين غضب عليه ما يدفع أنه من الملائكة وقول من قال : إنه كان من جن الأرض فسبي فقد روي في مقابلته أن إبليس هو الذي قاتل الجن في الأرض مع جند من الملائكة حكاه المهدوي وغيره وحكى الثعلبي عن أبن عباس : أن إبليس كان من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم وخلقت الملائكة من نور وكان أسمه بالسريانية عزازيل وبالعربية الحارث وكان من خزان الجنة وكان رئيس ملائكة السماء الدنيا وكان له سلطانها وسلطان الأرض وكان من أشد الملائكة أجتهادا وأكثرهم علما وكان يسوس ما بين السماء والأرض فرأى لنفسه بذلك شرفا وعظمة فذلك الذي دعاه إلى الكفر فعصى الله فمسخه شيطانا رجيما فإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه وإن كانت خطيئته في معصية فآرجه وكانت خطيئة آدم عليه السلام معصية وخطيئة إبليس كبرا والملائكة قد تسمى جنا لأستتارها وفي التنزيل : وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا وقال الشاعر في ذكر سليمان عليه السلام : وسخر من جن الملائك تسعة قياما لديه يعملون بلا أجر وأيضا لما كان من خزان الجنة نسب إليها فأشتق أسمه من أسمها والله أعلم وإبليس وزنه إفعيل مشتق من الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله تعالى ولم ينصرف لأنه معرفة ولا نظير له في الأسماء فشبه بالأعجمية قاله أبو عبيدة وغيره وقيل : هو أعجمي لا أشتقاق له فلم ينصرف للعجمة والتعريف قاله الزجاج وغيره السادسة قوله تعالى : ( أبى ) معناه أمتنع من فعل ما أمر به ومنه الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا قرأ أبن آدم السجدة فسجد أعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله وفي رواية : يا ويلي أمر أبن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار ( خرجه مسلم يقال : أبى يأبى إباء وهو حرف نادر جاء على فعل يفعل ليس فيه حرف من حروف الحلق وقد قيل : إن الألف مضارعة لحروف الحلق قال الزجاج : سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول : القول عندي أن الألف مضارعة لحروف الحلق قال النحاس : ولا أعلم أن أبا إسحاق روي عن إسماعيل نحوا غير هذا الحرف السابعة قوله تعالى : ( وأستكبر ) الأستكبار : الأستعظام فكأنه كره السجود في حقه وأستعظمه في حق آدم فكان ترك السجود لآدم تسفيها لأمر الله وحكمته وعن هذا الكبر عبر عليه السلام بقوله : ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ( وفي رواية فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال : ( إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس ( أخرجه مسلم ومعنى بطر الحق : تسفيهه وإبطاله وغمط الناس : الأحتقار لهم والأزدراء بهم ويروى : وغمص بالصاد المهملة والمعنى واحد يقال : غمصه يغمصه غمصا وأغتمصه أي أستصغره ولم يره شيئا وغمص فلان النعمة إذا لم يشكرها وغمصت عليه قولا قاله أي عبته عليه وقد صرح اللعين بهذا المعنى فقال : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين أأسجد لمن خلقت طينا لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون فكفره الله بذلك فكل من سفه شيئا من أوامر الله تعالى أو أمر رسوله عليه السلام كان حكمه حكمه وهذا ما لا خلاف فيه وروى أبن القاسم عن مالك أنه قال : بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر حسد إبليس آدم وشح آدم في أكله من الشجرة وقال قتادة : حسد إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة فقال : أنا ناري وهذا طيني وكان بدء الذنوب الكبر ثم الحرص حتى أكل آدم من الشجرة ثم الحسد إذ حسد بن آدم أخاه الثامنة قوله تعالى : ( وكان من الكافرين ) قيل : كان هنا بمعنى صار ومنه قوله تعالى : فكان من المغرقين وقال الشاعر : بتيهاء قفر والمطي كأنها قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها أي صارت وقال أبن فورك كان هنا بمعنى صار خطأ ترده الأصول وقال جمهور المتأولين : المعنى أي كان في علم الله تعالى أنه سيكفر لأن الكافر حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم الله منه الموافاة قلت : وهذا صحيح لقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري : ( وإنما الأعمال بالخواتيم ( وقيل : إن إبليس عبد الله تعالى ثمانين ألف سنة وأعطي الرياسة والخزانة في الجنة على الإستدراج كما أعطي المنافقون شهادة أن لا إله إلا الله على أطراف ألسنتهم وكما أعطي بلعام الأسم الأعظم على طرف لسانه فكان في رياسته والكبر في نفسه متمكن قال أبن عباس : كان يرى لنفسه أن له فضيلة على الملائكة بما عنده فلذلك قال : أنا خير منه ولذلك قال الله عز وجل : ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين أي أستكبرت ولا كبر لك ولم أتكبر أنا حين خلقته بيدي والكبر لي فلذلك قال : وكان من الكافرين وكان أصل خلقته من نار العزة ولذلك حلف بالعزة فقال : فبعزتك لأغوينهم أجمعين فالعزة أورثته الكبر حتى رأى الفضل له على آدم عليه السلام وعن أبي صالح قال : خلقت الملائكة من نور العزة وخلق إبليس من نار العزة التاسعة قال علماؤنا رحمة الله عليهم : ومن أظهر الله تعالى على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات فليس ذلك دالا على ولايته خلافا لبعض الصوفية والرافضة حيث قالوا : إن ذلك يدل على أنه ولي إذ لو لم يكن وليا ما أظهر الله على يديه ما أظهر ودليلنا أن العلم بأن الواحد منا ولي لله تعالى لا يصح إلا بعد العلم بأنه يموت مؤمنا وإذا لم يعلم أنه يموت مؤمنا لم يمكنا أن نقطع على أنه ولي لله تعالى لأن الولي لله تعالى من علم الله تعالى أنه لا يوافي إلا بالإيمان ولما أتفقنا على أننا لا يمكننا أن نقطع على أن ذلك الرجل يوافي بالإيمان ولا الرجل نفسه يقطع على أنه يوافي بالإيمان علم أن ذلك ليس يدل على ولايته لله قالوا : ولا نمنع أن يطلع الله بعض أوليائه على حسن عاقبته وخاتمة عمله وغيره معه قاله الشيخ أبو الحسن الأشعري وغيره وذهب الطبري إلى أن الله تعالى أراد بقصة أبليس تقريع أشباهه من بني آدم وهم اليهود الذي كفروا بمحمد عليه السلام مع علمهم بنبوته ومع قدم نعم الله عليهم وعلى أسلافهم العاشرة وأختلف هل كان قبل إبليس كافر أو لا فقيل : لا وإن إبليس أول من كفر وقيل : كان قبله قوم كفار وهم الجن وهم الذين كانوا في الأرض وأختلف أيضا هل كفر إبليس جهلا أو عنادا على قولين بين أهل السنة ولا خلاف أنه كان عالما بالله تعالى قبل كفره فمن قال إنه كفر جهلا قال : إنه سلب العلم عند كفره ومن قال كفر عنادا قال : كفر ومعه علمه قال أبن عطية : والكفر عنادا مع بقاء العلم مستبعد إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع خذل الله لمن يشاء < <
> فيه عشر مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وإذ قلنا ) أي وأذكر وأما قول أبي عبيدة : إن إذ زائدة فليس بجائز لأن إذ ظرف وقد تقدم وقال : قلنا ولم يقل قلت لأن الجبار العظيم يخبر عن نفسه بفعل الجماعة تفخيما وإشادة بذكره والملائكة جمع ملك وقد تقدم وتقدم القول أيضا في آدم وأشتقاقه فلا معنى لإعادته وروي عن أبي جعفر بن القعقاع أنه ضم تاء التأنيث من الملائكة إتباعا لضم الجيم في أسجدوا ونظيره الحمد لله الثانية قوله تعالى : ( أسجدوا ) السجود معناه في كلام العرب التذلل والخضوع قال الشاعر : بجمع تضل البلق في حجراته ترى الأكم فيها سجدا للحوافر الأكم : الجبال الصغار جعلها سجدا للحوافر لقهر الحوافر إياها وأنها لا تمتنع عليها وعين ساجدة أي فاترة عن النظر وغايته وضع الوجه بالأرض قال أبن فارس : سجد إذا تطامن وكل ما سجد فقد ذل والإسجاد : إدامة النظر قال أبو عمرو : وأسجد إذا طأطأ رأسه قال : فضول أزمتها أسجدت سجود النصارى لأحبارها قال أبو عبيدة : وأنشدني أعرابي من بني أسد : وقلن له أسجد لليلى فأسجدا يعني البعير إذا طأطأ رأسه ودراهم الإسجاد : دراهم كانت عليها صور كانوا يسجدون لها قال : وافى بها كدراهم الإسجاد الثالثة أستدل من فضل آدم وبنيه بقوله تعالى للملائكة : أسجدوا لآدم قالوا : وذلك يدل على أنه كان أفضل منهم والجواب أن معنى أسجدوا لآدم أسجدوا لي مستقبلين وجه آدم وهو كقوله تعالى : أقم الصلاة لدلوك الشمس أي عند دلوك الشمس وكقوله : ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين أي فقعوا لي عند إتمام خلقه ومواجهتكم إياه ساجدين وقد بينا أن المسجود له لا يكون أفضل من الساجد بدليل القبلة فإن قيل : فإذا لم يكن أفضل منهم فما الحكمة في الأمر بالسجود له قيل له : إن الملائكة لما استعظموا بتسبيحهم وتقديسهم أمرهم بالسجود لغيره ليريهم أستغناءه عنهم وعن عبادتهم وقال بعضهم : عيروا آدم وأستصغروه ولم يعرفوا خصائص الصنع به فأمروا بالسجود له تكريما ويحتمل أن يكون الله تعالى أمرهم بالسجود له معاقبة لهم على قولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها لما قال لهم : إني جاعل في الأرض خليفة وكان علم منهم أنه إن خاطبهم أنهم قائلون هذا فقال لهم : إني خالق بشرا من طين وجاعله خليفة فإذا نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين والمعنى : ليكون ذلك عقوبة لكم في ذلك الوقت على ما أنتم قائلون لي الآن فإن قيل : فقد أستدل أبن عباس على فضل البشر بأن الله تعالى أقسم بحياة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال : لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون وأمنه من العذاب بقوله : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر الفتح وقال للملائكة : ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم قيل له : إنما لم يقسم بحياة الملائكة كما لم يقسم بحياة نفسه سبحانه فلم يقل : لعمري وأقسم بالسماء والأرض ولم يدل على أنهما أرفع قدرا من العرش والجنان السبع وأقسم بالتين والزيتون وأما قوله سبحانه : ومن يقل منهم إني إله من دونه فهو نظير قوله لنبيه عليه السلام : لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين فليس فيه إذا دلالة والله أعلم الرابعة وأختلف الناس في كيفية سجود الملائكة لآدم بعد أتفاقهم على أنه لم يكن سجود عبادة فقال الجمهور : كان هذا أمرا للملائكة بوضع الجباه على الأرض كالسجود المعتاد في الصلاة لأنه الظاهر من السجود في العرف والشرع وعلى هذا قيل : كان ذلك السجود تكريما لآدم وإظهارا لفضله وطاعة لله تعالى وكان آدم كالقبلة لنا ومعنى لآدم : إلى آدم كما يقال صلى للقبلة أي إلى القبلة وقال قوم : لم يكن هذا السجود المعتاد اليوم الذي هو وضع الجبهة على الأرض ولكنه مبقى على أصل اللغة فهو من التذلل والأنقياد أي أخضعوا لآدم وأقروا له بالفضل ( فسجدوا ) أي أمتثلوا ما أمروا به وأختلف أيضا هل كان ذلك السجود خاصا بآدم عليه السلام فلا يجوز السجود لغيره من جميع العالم إلا لله تعالى أم كان جائزا بعده إلى زمان يعقوب عليه السلام لقوله تعالى : ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا فكان آخر ما أبيح من السجود للمخلوقين والذي عليه الأكثر أنه كان مباحا إلى عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن أصحابه قالوا له حين سجدت له الشجرة والجمل : نحن أولى بالسجود لك من الشجرة والجمل الشارد فقال لهم : ( لا ينبغي أن يسجد لأحد إلا لله رب العالمين ( روى أبن ماجة في سننه والبستي في صحيحه عن أبي واقد قال : لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما هذا ( فقال : يا رسول الله قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم فأردت أن أفعل ذلك بك قال : ( فلا تفعل فإني لو أمرت شيئا أن يسجد لشيء لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها حتى لو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه ( لفظ البستي ومعنى القتب أن العرب يعز عندهم وجود كرسي للولادة فيحملون نساءهم على القتب عند الولادة وفي بعض طرق معاذ : ونهى عن السجود للبشر وأمر بالمصافحة قلت : وهذا السجود المنهي عنه قد أتخذه جهال المتصوفة عادة في سماعهم وعند دخولهم على مشايخهم وأستغفارهم فيرى الواحد منهم إذا أخذه الحال بزعمه يسجد للأقدام لجهله سواء أكان للقبلة أم غيرها جهالة منه ضل سعيهم وخاب عملهم الخامسة قوله : ( إلأ إبليس ) نصب على الاستثناء المتصل لأنه كان من الملائكة على قول الجمهور : أبن عباس وأبن مسعود وأبن جريج وأبن المسيب وقتادة وغيرهم وهو أختيار الشيخ أبي الحسن ورجحه الطبري وهو ظاهر الآية قال بن عباس : وكان أسمه عزازيل وكان من أشراف الملائكة وكان من الأجنحة الأربعة ثم أبلس بعد روى سماك أبن حرب عن عكرمة عن أبن عباس قال : كان إبليس من الملائكة فلما عصى الله غضب عليه فلعنه فصار شيطانا وحكى الماوردي عن قتادة : أنه كان من أفضل صنف من الملائكة يقال لهم الجنة وقال سعيد بن جبير : إن الجن سبط من الملائكة خلقوا من نار وإبليس منهم وخلق سائر الملائكة من نور وقال أبن زيد والحسن وقتادة أيضا : إبليس أبو الجن كما أن آدم أبو البشر ولم يكن ملكا وروي نحوه عن أبن عباس وقال : أسمه الحارث وقال شهر أبن حوشب وبعض الأصوليين : كان من الجن الذين كانوا في الأرض وقاتلتهم الملائكة فسبوه صغيرا وتعبد مع الملائكة وخوطب وحكاه الطبري عن أبن مسعود والأستثناء على هذا منقطع مثل قوله تعالى : ما لهم به من علم إلا إتباع الظن وقوله : إلا ما ذكيتم في أحد القولين وقال الشاعر : ليس عليك عطش ولا جوع إلا الرقاد والرقاد ممنوع وأحتج بعض أصحاب هذا القول بأن الله جل وعز وصف الملائكة فقال : لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وقوله تعالى : إلا إبليس كان من الجن والجن غير الملائكة أجاب أهل المقالة الأولى بأنه لا يمتنع أن يخرج إبليس من جملة الملائكة لما سبق في علم الله بشقائه عدلا منه لا يسأل عما يفعل وليس في خلقه من نار ولا في تركيب الشهوة حين غضب عليه ما يدفع أنه من الملائكة وقول من قال : إنه كان من جن الأرض فسبي فقد روي في مقابلته أن إبليس هو الذي قاتل الجن في الأرض مع جند من الملائكة حكاه المهدوي وغيره وحكى الثعلبي عن أبن عباس : أن إبليس كان من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم وخلقت الملائكة من نور وكان أسمه بالسريانية عزازيل وبالعربية الحارث وكان من خزان الجنة وكان رئيس ملائكة السماء الدنيا وكان له سلطانها وسلطان الأرض وكان من أشد الملائكة أجتهادا وأكثرهم علما وكان يسوس ما بين السماء والأرض فرأى لنفسه بذلك شرفا وعظمة فذلك الذي دعاه إلى الكفر فعصى الله فمسخه شيطانا رجيما فإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه وإن كانت خطيئته في معصية فآرجه وكانت خطيئة آدم عليه السلام معصية وخطيئة إبليس كبرا والملائكة قد تسمى جنا لأستتارها وفي التنزيل : وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا وقال الشاعر في ذكر سليمان عليه السلام : وسخر من جن الملائك تسعة قياما لديه يعملون بلا أجر وأيضا لما كان من خزان الجنة نسب إليها فأشتق أسمه من أسمها والله أعلم وإبليس وزنه إفعيل مشتق من الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله تعالى ولم ينصرف لأنه معرفة ولا نظير له في الأسماء فشبه بالأعجمية قاله أبو عبيدة وغيره وقيل : هو أعجمي لا أشتقاق له فلم ينصرف للعجمة والتعريف قاله الزجاج وغيره السادسة قوله تعالى : ( أبى ) معناه أمتنع من فعل ما أمر به ومنه الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا قرأ أبن آدم السجدة فسجد أعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله وفي رواية : يا ويلي أمر أبن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار ( خرجه مسلم يقال : أبى يأبى إباء وهو حرف نادر جاء على فعل يفعل ليس فيه حرف من حروف الحلق وقد قيل : إن الألف مضارعة لحروف الحلق قال الزجاج : سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول : القول عندي أن الألف مضارعة لحروف الحلق قال النحاس : ولا أعلم أن أبا إسحاق روي عن إسماعيل نحوا غير هذا الحرف السابعة قوله تعالى : ( وأستكبر ) الأستكبار : الأستعظام فكأنه كره السجود في حقه وأستعظمه في حق آدم فكان ترك السجود لآدم تسفيها لأمر الله وحكمته وعن هذا الكبر عبر عليه السلام بقوله : ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ( وفي رواية فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال : ( إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس ( أخرجه مسلم ومعنى بطر الحق : تسفيهه وإبطاله وغمط الناس : الأحتقار لهم والأزدراء بهم ويروى : وغمص بالصاد المهملة والمعنى واحد يقال : غمصه يغمصه غمصا وأغتمصه أي أستصغره ولم يره شيئا وغمص فلان النعمة إذا لم يشكرها وغمصت عليه قولا قاله أي عبته عليه وقد صرح اللعين بهذا المعنى فقال : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين أأسجد لمن خلقت طينا لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون فكفره الله بذلك فكل من سفه شيئا من أوامر الله تعالى أو أمر رسوله عليه السلام كان حكمه حكمه وهذا ما لا خلاف فيه وروى أبن القاسم عن مالك أنه قال : بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر حسد إبليس آدم وشح آدم في أكله من الشجرة وقال قتادة : حسد إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة فقال : أنا ناري وهذا طيني وكان بدء الذنوب الكبر ثم الحرص حتى أكل آدم من الشجرة ثم الحسد إذ حسد بن آدم أخاه الثامنة قوله تعالى : ( وكان من الكافرين ) قيل : كان هنا بمعنى صار ومنه قوله تعالى : فكان من المغرقين وقال الشاعر : بتيهاء قفر والمطي كأنها قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها أي صارت وقال أبن فورك كان هنا بمعنى صار خطأ ترده الأصول وقال جمهور المتأولين : المعنى أي كان في علم الله تعالى أنه سيكفر لأن الكافر حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم الله منه الموافاة قلت : وهذا صحيح لقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري : ( وإنما الأعمال بالخواتيم ( وقيل : إن إبليس عبد الله تعالى ثمانين ألف سنة وأعطي الرياسة والخزانة في الجنة على الإستدراج كما أعطي المنافقون شهادة أن لا إله إلا الله على أطراف ألسنتهم وكما أعطي بلعام الأسم الأعظم على طرف لسانه فكان في رياسته والكبر في نفسه متمكن قال أبن عباس : كان يرى لنفسه أن له فضيلة على الملائكة بما عنده فلذلك قال : أنا خير منه ولذلك قال الله عز وجل : ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين أي أستكبرت ولا كبر لك ولم أتكبر أنا حين خلقته بيدي والكبر لي فلذلك قال : وكان من الكافرين وكان أصل خلقته من نار العزة ولذلك حلف بالعزة فقال : فبعزتك لأغوينهم أجمعين فالعزة أورثته الكبر حتى رأى الفضل له على آدم عليه السلام وعن أبي صالح قال : خلقت الملائكة من نور العزة وخلق إبليس من نار العزة التاسعة قال علماؤنا رحمة الله عليهم : ومن أظهر الله تعالى على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات فليس ذلك دالا على ولايته خلافا لبعض الصوفية والرافضة حيث قالوا : إن ذلك يدل على أنه ولي إذ لو لم يكن وليا ما أظهر الله على يديه ما أظهر ودليلنا أن العلم بأن الواحد منا ولي لله تعالى لا يصح إلا بعد العلم بأنه يموت مؤمنا وإذا لم يعلم أنه يموت مؤمنا لم يمكنا أن نقطع على أنه ولي لله تعالى لأن الولي لله تعالى من علم الله تعالى أنه لا يوافي إلا بالإيمان ولما أتفقنا على أننا لا يمكننا أن نقطع على أن ذلك الرجل يوافي بالإيمان ولا الرجل نفسه يقطع على أنه يوافي بالإيمان علم أن ذلك ليس يدل على ولايته لله قالوا : ولا نمنع أن يطلع الله بعض أوليائه على حسن عاقبته وخاتمة عمله وغيره معه قاله الشيخ أبو الحسن الأشعري وغيره وذهب الطبري إلى أن الله تعالى أراد بقصة أبليس تقريع أشباهه من بني آدم وهم اليهود الذي كفروا بمحمد عليه السلام مع علمهم بنبوته ومع قدم نعم الله عليهم وعلى أسلافهم العاشرة وأختلف هل كان قبل إبليس كافر أو لا فقيل : لا وإن إبليس أول من كفر وقيل : كان قبله قوم كفار وهم الجن وهم الذين كانوا في الأرض وأختلف أيضا هل كفر إبليس جهلا أو عنادا على قولين بين أهل السنة ولا خلاف أنه كان عالما بالله تعالى قبل كفره فمن قال إنه كفر جهلا قال : إنه سلب العلم عند كفره ومن قال كفر عنادا قال : كفر ومعه علمه قال أبن عطية : والكفر عنادا مع بقاء العلم مستبعد إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع خذل الله لمن يشاء < <
البقرة : ( 35 ) وقلنا يا آدم . . . . . > > < > ( البقره 35 ) <
البقرة : ( 35 ) وقلنا يا آدم . . . . . > > < > ( البقره 35 ) <
> فيه ثلاث عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( وقلنا يا آدم أسكن ) لا خلاف أن الله تعالى أخرج إبليس عند كفره وأبعده عن الجنة وبعد إخراجه قال لآدم : أسكن أي لازم الإقامة وأتخذها مسكنا وهو محل السكون وسكن إليه يسكن سكونا والسكن : النار قال الشاعر : قد قومت بسكن وأدهان والسكن : كل ما سكن إليه والسكين معروف سمي به لأنه يسكن حركة المذبوح ومنه المسكين لقلة تصرفه وحركته وسكان السفينة عربي لأنه يسكنها عن الأضطراب الثانية في قوله تعالى : ( أسكن ) تنبيه على الخروج لأن السكنى لا تكون ملكا ولهذا قال بعض العارفين : السكنى تكون إلى مدة ثم تنقطع فدخولهما في الجنة كان دخول سكنى لا دخول إقامة قلت : وإذا كان هذا فيكون فيه دلالة على ما يقوله الجمهور من العلماء : إن من أسكن رجلا مسكنا له أنه لا يملكه بالسكنى وأن له أن يخرجه إذا أنقضت مدة الإسكان وكان الشعبي يقول : إذا قال الرجل داري لك سكنى حتى تموت فهي له حتى يموت فهو له حياته وموته وإذا قال داري هذه أسكنها حتى تموت فإنها ترجع إلى صاحبها إذا مات ونحو من السكنى العمرى إلا أن الخلاف في العمرى أقوى منه في السكنى وسيأتي الكلام في العمرى في هود إن شاء الله تعالى قال الحربي : سمعت أبن الأعرابي يقول : لم يختلف العرب في أن هذه الأشياء على ملك أربابها ومنافعها لمن جعلت له العمرى والرقبى والإفقار والإخبال والمنحة والعرية والسكنى والإطراق وهذا حجة مالك وأصحابه في أنه لا يملك شيء من العطايا إلا المنافع دون الرقاب وهو قول الليث بن سعد والقاسم بن محمد ويزيد بن قسيط والعمرى : هو إسكانك الرجل في دار لك مدة عمرك أو عمره ومثله الرقبى : وهو أن يقول : إن مت قبلي رجعت إلي وإن مت قبلك فهي لك وهي من المراقبة والمراقبة : أن يرقب كل واحد منهما موت صاحبه ولذلك أختلفوا في إجازتها ومنعها فأجازها أبو يوسف والشافعي وكأنها وصية عندهم ومنعها مالك والكوفيون لأن كل واحد منهم يقصد إلى عوض لا يدري هل يحصل له ويتمنى كل واحد منهما موت صاحبه وفي الباب حديثان أيضا بالإجازة والمنع ذكرهما أبن ماجة في سننه الأول رواه جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( العمري جائزة لمن أعمرها والرقبي جائزة لمن أرقبها ( ففي هذا الحديث التسوية بين العمري والرقبى في الحكم الثاني رواه أبن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا رقبى فمن أرقب شيئا فهو له حياته ومماته ( قال : والرقبى أن يقول هو للآخر : مني ومنك موتا فقوله : ( لا رقبى ( نهي يدل على المنع وقوله : ( من أرقب شيئا فهو له ( يدل على الجواز وأخرجهما أيضا النسائي وذكر عن أبن عباس قال : العمري والرقبى سواء وقال أبن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( العمري جائزة لمن أعمرها والرقبى جائزة لمن أرقبها ( فقد صحح الحديث أبن المنذر وهو حجة لمن قال بأن العمري والرقبي سواء وروي عن علي وبه قال الثوري وأحمد وأنها لا ترجع إلى الأول أبدا وبه قال إسحاق وقال طاوس : من أرقب شيئا فهو سبيل الميراث والإفقار مأخوذ من فقار الظهر أفقرتك ناقتي : أعرتك فقارها لتركبها وأفقرك الصيد إذا أمكنك من فقاره حتى ترميه ومثله الإخبال يقال : أخبلت فلانا إذا أعرته ناقة يركبها أو فرسا يغزو عليه قال زهير : هنالك أن يستخبلوا المال يخبلوا وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا والمنحة : العطية والمنحة : منحة اللبن والمنيحة : الناقة أو الشاة يعطيها الرجل آخر يحتلبها ثم يردها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضى والزعيم غارم ( رواه أبو أمامة أخرجه الترمذي والدارقطني وغيرهما وهو صحيح والإطراق : إعارة الفحل أستطرق فلان فلانا فحله : إذا طلبه ليضرب في إبله فأطرقه إياه ويقال : أطرقني فحلك أي أعرني فحلك ليضرب في أبلي وطرق الفحل الناقة يطرق طروقا أي قعا عليها وطروقة الفحل : أنثاه يقال : ناقة طروقة الفحل للتي بلغت أن يضربها الفحل الثالثة قوله : ( أنت وزوجك ) أنت تأكيد للمضمر الذي في الفعل ومثله فأذهب أنت وربك ولا يجوز أسكن وزوجك ولا أذهب وربك إلا في ضرورة الشعر كما قال : قلت إذ أقبلت وزهر تهادى كنعاج الملا تعسفن رملا ف زهر معطوف على المضمر في أقبلت ولم يؤكد ذلك المضمر ويجوز في غير القرآن على بعد : قم وزيد الرابعة قوله تعالى : ( وزوجك ) لغة القرآن زوج بغيرها وقد تقدم القول فيه وقد جاء في صحيح مسلم : زوجة حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع إحدى نسائه فمر به رجل فدعاه فجاء فقال : ( يا فلان هذه زوجتي فلانة ( : فقال يا رسول الله من كنت أظن به فلم أكن أظن بك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ( وزوج آدم عليه السلام هي حواء عليها السلام وهو أول من سماها بذلك حين خلقت من ضلعه من غير أن يحس آدم عليه السلام بذلك ولو ألم بذلك لم يعطف رجل على أمرأته فلما أنتبه قيل له : من هذه قال : أمرأة قيل : وما أسمها قال : حواء قيل : ولم سميت أمرأة قال : لأنها من المرء أخذت قيل : ولم سميت حواء قال : لآنها خلقت من حي روي أن الملائكة سألته عن ذلك لتجرب علمه وأنهم قالوا له : أتحبها يا آدم قال : نعم قالوا لحواء : أتحبينه ياحواء قالت : لا وفي قلبها أضعاف ما في قلبه من حبه قالوا : فلو صدقت أمرأة في حبها لزوجها لصدقت حواء وقال أبن مسعود وأبن عباس : لما أسكن آدم الجنة مشى فيها مستوحشا فلما نام خلقت حواء من ضلعه القصرى من شقه الأيسر ليسكن إليها ويأنس بها فلما أنتبه رأها فقال : من أنت قالت : أمرأة خلقت من ضلعك لتسكن إلي وهو معنى قوله تعالى : هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها قال العلماء : ولهذا كانت المرأة عوجاء لأنها خلقت من أعوج وهو الضلع وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن المرأة خلقت من ضلع في رواية : وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه لن تستقيم لك على طريقة واحدة فإن استمتعت بها أستمعت بها وبها عوج وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها ( وقال الشاعر : هي الضلع العوجاء لست تقيمها ألا إن تقويم الضلوع أنكسارها أتجمع ضعفا وأقتدارا على الفتى أليس عجيبا ضعفها وأقتدارها ومن هذا الباب أستدل العلماء على ميراث الخنثى المشكل إذا تساوت فيه علامات النساء والرجال من اللحية والثدي والمبال بنقص الأعضاء فإن نقصت أضلاعه عن أضلاع المرأة أعطي نصيب رجل روي ذلك عن علي رضي الله عنه لخلق حواء من أحد أضلاعه وسيأتي في المواريث بيان هذا إن شاء الله تعالى الخامسة قوله تعالى : ( الجنة ) الجنة : البستان وقد تقدم القول فيها ولا التفات لما ذهبت إليه المعتزلة والقدرية من أنه لم يكن في جنة الخلد وإنما كان في جنة بأرض عدن وأستدلوا على بدعتهم بأنها لو كانت جنة الخلد لما وصل إليه إبليس فإن الله يقول : لا لغو فيها ولا تأثيم وقال : لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا النبأ وقال : لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما الواقعة وأنه لا يخرج منها أهلها لقوله : وما هم منها بمخرجين وأيضا فأن جنة الخلد هي دار القدس قدست عن الخطايا والمعاصي تطهيرا لها وقد لغا فيها إبليس وكذب وأخرج منها آدم وحواء بمعصيتهما قالوا : وكيف يجوز على آدم مع مكانه من الله وكمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد والملك الذي لا يبلى فالجواب : أن الله تعالى عرف الجنة بالألف واللام ومن قال : أسأل الله الجنة لم يفهم منه في تعارف الخلق إلا طلب جنة الخلد ولا يستحيل في العقل دخول إبليس الجنة لتغرير آدم وقد لقي موسى آدم عليهما السلام فقال له موسى : أنت أشقيت ذريتك وأخرجتهم من الجنة فأدخل الألف واللام ليدل على أنها جنة الخلد المعروفة فلم ينكر ذلك آدم ولو كانت غيرها لرد على موسى فلما سكت آدم على ما قرره موسى صح أن الدار التي أخرجهم الله عز وجل منها بخلاف الدار التي أخرجوا إليها وأما ما أحتجوا به من الآي فذلك إنما جعله الله فيها بعد دخول أهلها فيها يوم القيامة ولا يمتنع أن تكون دار الخلد لمن أراد الله تخليده فيها وقد يخرج منها من قضي عليه بالفناء وقد أجمع أهل التأويل على أن الملائكة يدخلون الجنة على أهل الجنة ويخرجون منها وقد كان مفاتيحها بيد إبليس ثم أنتزعت منه بعد المعصية وقد دخلها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ثم خرج منها وأخبر بما فيها وأنها هي جنة الخلد حقا وأما قولهم : إن الجنة دار القدس وقد طهرها الله تعالى من الخطايا فجهل منهم وذلك أن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة وهي الشام وأجمع أهل الشرائع على أن الله تعالى قدسها وقد شوهد فيها المعاصي والكفر والكذب ولم يكن تقديسها مما يمنع فيها المعاصي وكذلك دار القدس قال أبو الحسن بن بطال : وقد حكى بعض المشايخ أن أهل السنة مجمعون على أن جنة الخلد هي التي أهبط منها آدم عليه السلام فلا معنى لقول من خالفهم وقولهم : كيف يجوز على آدم في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد فيعكس عليهم ويقال : كيف يجوز على آدم وهو في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد في دار الفناء هذا ما لا يجوز على من له أدنى مسكة من عقل فكيف بآدم الذي هو أرجح الخلق عقلا على ما قال أبو أمامة على ما يأتي السادسة قوله تعالى : ( وكلا منها رغدا حيث شئتما ) قراءة الجمهور رغدا بفتح الغين وقرأ النخعي وأبن ثابت بسكونها والرغد : العيش الدار الهني الذي لا عناء فيه قال : بينما المرء تراه ناعما يأمن الأحداث في عيش رغد ويقال : رغد عيشهم ورغد ( بضم الغين وكسرها ) وأرغد القوم : أخصبوا وصاروا في رغد من العيش وهو منصوب على الصفة لمصدر محذوف وحيث وحيث وحيث وحوث وحوث وحاث كلها لغات ذكرها النحاس وغيره السابعة قوله تعالى : ( ولا تقربا هذه الشجرة ) أي لا تقرباها بأكل لأن الإباحة فيه وقعت قال أبن العربي : سمعت الشاشي في مجلس النضر بن شميل يقول : إذا قيل لا تقرب بفتح الراء كان معناه لا تلبس بالفعل وإذا كان بضم الراء فإن معناه لا تدن منه وفي الصحاح : قرب الشيء يقرب قربا أي دنا وقربته بالكسر أقربه قربانا أي دنوت منه وقربت أقرب قرابة مثل كتبت أكتب كتابة إذا سرت إلى الماء وبينك وبينه ليلة والأسم القرب قال الأصمعي : قلت لأعرابي : ما القرب فقال : سير الليل لورد الغد وقال أبن عطية قال بعض الحذاق : إن الله تعالى لما أراد النهي عن أكل الشجرة نهى عنه بلفظ يقتضي الأكل وما يدعوا إليه العرب وهو القرب قال أبن عطية : وهذا مثال بين في سد الذرائع وقال بعض أرباب المعاني قوله : ولا تقربا إشعار بالوقوع في الخطيئة والخروج من الجنة وأن سكناه فيها لا يدوم لأن المخلد لا يحظر عليه شيء ولا يؤمر ولا ينهى والدليل على هذا قوله تعالى إني جاعل في الأرض خليفة فدل على خروجه منها الثامنة قوله تعالى : ( هذه الشجرة ) الاسم المبهم ينعت بما فيه الألف واللام لاغير كقولك : مررت بهذا الرجل وبهذه المرأة وهذه الشجرة وقرأ أبن محيصن : هذي الشجرة بالياء وهو الأصل لأن الهاء في هذه بدل من ياء ولذلك أنكسر ما قبلها وليس في الكلام هاء تأنيث قبلها كسرة سواها وذلك لأن أصلها الياء والشجرة والشجرة والشيرة ثلاث لغات وقرئ الشجرة بكسر الشين والشجرة والشجرة : ما كان على ساق من نبات الأرض وأرض شجيرة وشجراء أي كثيرة الأشجار وواد شجير ولا يقال : واد أشجر وواحد الشجراء شجرة ولم يأت من الجمع على هذا المثال إلا أحرف يسيرة : شجرة وشجراء وقصبة وقصباء وطرفة وطرفاء وحلفة وحلفاء وكان الأصمعي يقول في واحد الحلفاء : حلفة بكسر اللام مخالفة لأخواتها وقال سيبويه : الشجراء واحد وجمع وكذلك القصباء والطرفاء والحلفاء والمشجرة : موضع الأشجار وأرض مشجرة وهذه الأرض أشجر من هذه أي أكثر شجرا قاله الجوهري التاسعة وأختلف أهل التأويل في تعيين هذه الشجرة التي نهي عنها فأكل منها فقال أبن مسعود وأبن عباس وسعيد بن جبير وجعدة بن هبيرة : هي الكرم ولذلك حرمت علينا الخمر وقال أبن عباس أيضا وأبو مالك وقتادة : هي السنبلة والحبة منها ككلي البقر أحلى من العسل وألين من الزبد قاله وهب بن منبه ولما تاب الله على آدم جعلها غذاء لبنيه وقال أبن جريج عن بعض الصحابة : هي شجرة التين وكذا روي سعيد عن قتادة ولذلك تعبر في الرؤيا بالندامة لآكلها من أجل ندم آدم عليه السلام على أكلها ذكره السهيلي قال أبن عطية : وليس في شيء من هذا التعيين ما يعضده خبر وإنما الصواب أن يعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة فخالف هو إليها وعصى في الأكل منها وقال القشيري أبو نصر : وكان الإمام والدي رحمه الله يقول : يعلم على الجملة أنها كانت شجرة المحنة العاشرة وأختلفوا كيف أكل منها مع الوعيد المقترن بالقرب وهو قوله تعالى : فتكونا من الظالمين فقال قوم : أكلا من غير التي أشير إليها فلم يتأولا النهي واقعا على جميع جنسها كأن إبليس غره بالأخذ بالظاهر قال أبن العربي : وهي أول معصية عصى الله بها على هذا القول قال : وفيه دليل على أن من حلف ألا يأكل من هذا الخبز فأكل من جنسه حنث وتحقيق المذاهب فيه أن أكثر العلماء قالوا : لا حنث فيه وقال مالك وأصحابه : إن أقتضى بساط اليمين تعيين المشار إليه لم يحنث بأكل جنسه وإن أقتضى بساط اليمين أو سببها أو نيتها الجنس حمل عليه وحنث بأكل غيره وعليه حملت قصة آدم عليه السلام فإنه نهى عن شجرة عينت له وأريد بها جنسها فحمل القول على اللفظ دون المعنى وقد أختلف علماؤنا في فرع من هذا وهو أنه إذا حلف ألا يأكل هذه الحنطة فأكل خبزا منها على قولين قال في الكتاب : يحنث لأنها هكذا تؤكل وقال أبن المواز : لا شيء عليه لأنه لم يأكل حنطة وإنما أكل خبزا فراعى الأسم والصفة ولو قال في يمينه : لا آكل من هذه الحنطة لحنث بأكل الخبز المعمول منها وفيما أشترى بثمنها من طعام وفيما أنبتت خلاف وقال آخرون : تأولا النهي على الندب قال أبن العربي : وهذا وإن كان مسألة من أصول الفقه فقد سقط ذلك ها هنا لقوله : فتكونا من الظالمين فقرن النهي بالوعيد وكذلك قوله سبحانه : فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى وقال أبن المسيب : إنما أكل آدم بعد أن سقته حواء الخمر فسكر وكان في غير عقله وكذلك قال يزيد بن قسيط وكانا يحلفان بالله أنه ما أكل من هذه الشجرة وهو يعقل قال أبن العربي : وهذا فاسد نقلا وعقلا أما النقل فلم يصح بحال وقد وصف الله عز وجل خمر الجنة فقال : لا فيها غول وأما العقل فلأن الأنبياء بعد النبوة معصومون عما يؤدي إلى الإخلال بالفرائض وأقتحام الجرائم قلت : قد أستنبط بعض العلماء نبوة آدم عليه السلام قبل إسكانه الجنة من قوله تعالى : فلما أنبأهم بأسمائهم فأمره الله تعالى أن ينبئ الملائكة بما ليس عندهم من علم الله جل وعز وقيل : أكلها ناسيا ومن الممكن أنهما نسيا الوعيد قلت : وهو الصحيح لإخبار الله تعالى في كتابه بذلك حتما وجزما فقال : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما ولكن لما كان الأنبياء عليهم السلام يلزمهم من التحفظ والتيقظ لكثرة معارفهم وعلو منازلهم ما لا يلزم غيرهم كان تشاغله عن تذكر النهي تضييعا صار به عاصيا أي مخالفا قال أبو أمامة : لو أن أحلام بني آدم منذ خلق الله الخلق إلى يوم القيامة وضعت في كفة ميزان ووضع حلم آدم في كفة أخرى لرجحهم وقد قال الله تعالى : ولم نجد له عزما قلت : قول أبي أمامة هذا عموم في جميع بني آدم وقد يحتمل أن يخص من ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كان أوفر الناس حلما وعقلا وقد يحتمل أن يكون المعنى لو أن أحلام بني آدم من غير الأنبياء والله أعلم قلت : والقول الأول أيضا حسن فظنا أن المراد العين وكان المراد الجنس كقول النبي صلى الله عليه وسلم حين أخذ ذهبا وحريرا فقال : ( هذان حرامان على ذكور أمتي ( وقال في خبر آخر : ( هذان مهلكان أمتي ( وإنما أراد الجنس لا العين الحادية عشرة يقال : إن أول من أكل من الشجرة حواء بإغواء إبليس إياها على ما يأتي بيانه وإن أول كلامه كان معها لأنها وسواس المخدة وهي أول فتنة دخلت على الرجال من النساء فقال : ما منعتما هذه الشجرة إلا أنها شجرة الخلد لأنه علم منهما أنهما كانا يحبان الخلد فأتاهما من حيث أحبا حبك الشيء يعمي ويصم فلما قالت حواء لآدم أنكر عليها وذكر العهد فألح على حواء وألحت حواء على آدم إلى أن قالت : أنا آكل قبلك حتى إن أصابني شيء سلمت أنت فأكلت فلم يضرها فأتت آدم فقالت : كل فإني قد أكلت فلم يضرني فأكل فبدت لهما سوآتهما وحصلا في حكم الذنب لقول الله تعالى : ولا تقربا هذه الشجرة فجمعهما في النهي فلذلك لم تنزل بها العقوبة حتى وجد المنهى عنه منهما جميعا وخفيت على آدم هذه المسألة ولهذا قال بعض العلماء : إن من قال لزوجتيه أو أمتيه : إن دخلتما الدار فأنتما طالقتان أو حرتان إن الطلاق والعتق لا يقع بدخول إحداهما وقد إختلف علماؤنا في ذلك على ثلاثة أقوال قال أبن القاسم : لا تطلقان ولا تعتقان إلا بأجتماعهما في الدخول حملا على هذا الأصل وأخذا بمقتضى مطلق اللفظ وقاله سحنون وقال أبن القاسم مرة أخرى : تطلقان جميعا وتعتقان جميعا بوجود الدخول من إحداهما لأن بعض الحنث حنث كما لو حلف ألا يأكل هذين الرغيفين فإنه يحنث بأكل أحدهما بل بأكل لقمة منهما وقال أشهب : تعتق وتطلق التي دخلت وحدها لأن دخول كل واحدة منهما شرط في طلاقها أو عتقها قال أبن العربي : وهذا بعيد لأن بعض الشرط لا يكون شرطا إجماعا قلت : الصحيح الأول وإن النهي إذا كان معلقا على فعلين لا تتحقق المخالفة إلا بهما لأنك إذا قلت : لا تدخلا الدار فدخل أحدهما ما وجدت المخالفة منهما لأن قول الله تعالى ولا تقربا هذه الشجرة نهي لهما فتكونا من الظالمين جوابه فلا يكونا من الظالمين حتى يفعلا فلما أكلت لم يصبها شيء لأن المنهي عنه ما وجد كاملا وخفي هذا المعنى على آدم فطمع ونسي هذا الحكم وهو معنى قوله تعالى : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى وقيل : نسى قوله : إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى والله أعلم الثانية عشرة وأختلف العلماء في هذا الباب هل وقع من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين صغائر من الذنوب يؤاخذون بها ويعاتبون عليها أم لا بعد أتفاقهم على أنهم معصومون من الكبائر ومن كل رزيلة فيها شين ونقص إجماعا عند القاضي أبي بكر وعند الأستاذ أبي إسحاق أن ذلك مقتضى دليل المعجزة وعند المعتزلة أن ذلك مقتضى دليل العقل على أصولهم فقال الطبري وغيره من الفقهاء والمتكلمين والمحدثين : تقع الصغائر منهم خلافا للرافضة حيث قالوا : إنهم معصومون من جميع ذلك وأحتجوا بما وقع من ذلك في التنزيل وثبت من تنصلهم من ذلك في الحديث وهذا ظاهر لا خفاء فيه وقال جمهور من الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي : إنهم معصومون من الصغائر كلها كعصمتهم من الكبائر أجمعها لأنا أمرنا بأتباعهم في أفعالهم وآثارهم وسيرهم أمرا مطلقا من غير التزام قرينة فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن الأقتداء بهم إذ ليس كل فعل من أفعالهم يتميز مقصده من القربة والإباحة أو الحظر أو المعصية ولا يصح أن يؤمر المرء بأمتثال أمر لعله معصية لا سيما على من يرى تقديم الفعل على القول إذا تعارضا من الأصوليين قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني : وأختلفوا في الصغائر والذي عليه الأكثر أن ذلك غير جائز عليهم وصار بعضهم إلى تجويزها ولا أصل لهذه المقالة وقال بعض المتأخرين ممن ذهب إلى القول الأول : الذي ينبغي أن يقال أن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم وعاتبهم عليها وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصلوا منها وأشفقوا منها وتابوا وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا يقبل التأويل جملتها وإن قبل ذلك آحادها وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور وعلى جهة الخطأ والنسيان أو تأويل دعا إلى ذلك فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات وفي حقهم سيئات بالنسبة إلى مناصبهم وعلو أقدارهم إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة قال : وهذا هو الحق ولقد أحسن الجنيد حيث قال : حسنات الأبرار سيئات المقربين فهم صلوات الله وسلامه عليهم وإن كان قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم فلم يخل ذلك بمناصبهم ولا قدح في رتبهم بل قد تلافاهم وأجتباهم وهداهم ومدحهم وزكاهم وأختارهم وأصطفاهم صلوات الله عليهم وسلامه الثالثة عشرة قوله تعالى : ( فتكونا من الظالمين ) الظلم أصله وضع الشيء في غير موضعه والأرض المظلومة : التي لم تحفر قط ثم حفرت قال النابغة وقفت فيها أصيلالا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا الأواري لأيا ما أبينها والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد 0 ويسمى ذلك التراب الظلم قال الشاعر : فأصبح في غبراء بعد إشاحة على العيش مردود عليها ظليمها وإذا نحر البعير من غير داء به فقد ظلم ومنه : ظلامون للجزر ويقال : سقانا ظليمة طيبة إذا سقاهم اللبن قبل إدراكه وقد ظلم وطبه إذا سقى منه قبل أن يروب ويخرج زبده واللبن مظلوم وظليم قال : وقائلة ظلمت لكم سقائي وهل يخفى على العكد الظليم ورجل ظليم : شديد الظلم والظلم : الشرك قال الله تعالى : إن الشرك لظلم عظيم قوله تعالى : ( وكلا منها رغدا ) حذفت النون من كلا لأنه أمر وحذفت الهمزة لكثرة الأستعمال وحذفها شاذ قال سيبويه : من العرب من يقول أؤكل فيتم يقال منه : أكلت الطعام أكلا ومأكلا والأكلة بالفتح : المرة الواحدة حتى تشبع والأكلة بالضم : اللقمة تقول : أكلت أكلة واحدة أي لقمة وهي القرصة أيضا وهذا الشيء أكلة لك أي طعمة لك والأكل أيضاما أكل ويقال : فلان ذو أكل إذا كان ذا حظ من الدنيا ورزق واسع ( رغدا ) نعت لمصدر محذوف أي أكلا رغدا قال أبن كسيان : ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال وقال مجاهد : رغدا أي لاحساب عليهم والرغد في اللغة : الكثير الذي لا يعنيك ويقال : أرغد القوم إذا وقعوا في خصب وسعة وقد تقدم هذا المعنى و ( حيث ) مبنية على الضم لأنها خالفت أخواتها الظروف في أنها لاتضاف فأشبهت قبل وبعد إذا أفردنا فضمت قال الكسائي : لغة قيس وكنانة الضم ولغة تميم الفتح قال الكسائي : وبنو أسد يخفضونها في موضع الخفض وينصبونها في موضع النصب قال الله تعالى : سنستدرجهم من حيث لايعلمون وتضم وتفتح ( ولا تقربا هذه الشجرة ) الهاء من هذه بدل من ياء الأصل لأن الأصل هذى قال النحاس : ولا أعلم في العربية هاء تأنيث مكسورا ما قبلها إلا ها هذه ومن العرب من يقول : هاتا هند ومنهم من يقول : هاتي هند وحكى سيبويه : هذه هند بإسكان الهاء وحكى الكسائي عن العرب : ولا تقربا هذي الشجرة وعن شبل بن عباد قال : كان أبن كثير وأبن محيصن لا يثبتان الهاء في هذه في جميع القرآن وقراءة الجماعة رغدا بفتح الغين وروي عن أبن وثاب والنخعي أنهما سكنا الغين وحكى سلمى عن الفراء قال يقال : هذه فعلت وهذي فعلت بإثبات ياء بعد الذال وهذ فعلت بكسر الذال من غير إلحاق ياء ولا هاء وهاتان فعلت قال هشام ويقال : تأفعلت وأنشد : خليلي لولا ساكن الدار لم أقم بتا الدار إلا عابر أبن سبيل قال أبن الأنباري : وتا بإسقاط ها بمنزلة ذي بإسقاط ها من هذي وبمنزلة ذه بإسقاط ها من هذه وقد قال الفراء : من قال هذ قامت لا يسقط ها لأن الأسم لا يكون على ذال واحدة ( فتكونا ) عطف على تقربا فلذلك حذفت النون وزعم الجرمي أن الفاء هي الناصبة وكلاهما جائز < <
> فيه ثلاث عشرة مسألة : الأولى قوله تعالى : ( وقلنا يا آدم أسكن ) لا خلاف أن الله تعالى أخرج إبليس عند كفره وأبعده عن الجنة وبعد إخراجه قال لآدم : أسكن أي لازم الإقامة وأتخذها مسكنا وهو محل السكون وسكن إليه يسكن سكونا والسكن : النار قال الشاعر : قد قومت بسكن وأدهان والسكن : كل ما سكن إليه والسكين معروف سمي به لأنه يسكن حركة المذبوح ومنه المسكين لقلة تصرفه وحركته وسكان السفينة عربي لأنه يسكنها عن الأضطراب الثانية في قوله تعالى : ( أسكن ) تنبيه على الخروج لأن السكنى لا تكون ملكا ولهذا قال بعض العارفين : السكنى تكون إلى مدة ثم تنقطع فدخولهما في الجنة كان دخول سكنى لا دخول إقامة قلت : وإذا كان هذا فيكون فيه دلالة على ما يقوله الجمهور من العلماء : إن من أسكن رجلا مسكنا له أنه لا يملكه بالسكنى وأن له أن يخرجه إذا أنقضت مدة الإسكان وكان الشعبي يقول : إذا قال الرجل داري لك سكنى حتى تموت فهي له حتى يموت فهو له حياته وموته وإذا قال داري هذه أسكنها حتى تموت فإنها ترجع إلى صاحبها إذا مات ونحو من السكنى العمرى إلا أن الخلاف في العمرى أقوى منه في السكنى وسيأتي الكلام في العمرى في هود إن شاء الله تعالى قال الحربي : سمعت أبن الأعرابي يقول : لم يختلف العرب في أن هذه الأشياء على ملك أربابها ومنافعها لمن جعلت له العمرى والرقبى والإفقار والإخبال والمنحة والعرية والسكنى والإطراق وهذا حجة مالك وأصحابه في أنه لا يملك شيء من العطايا إلا المنافع دون الرقاب وهو قول الليث بن سعد والقاسم بن محمد ويزيد بن قسيط والعمرى : هو إسكانك الرجل في دار لك مدة عمرك أو عمره ومثله الرقبى : وهو أن يقول : إن مت قبلي رجعت إلي وإن مت قبلك فهي لك وهي من المراقبة والمراقبة : أن يرقب كل واحد منهما موت صاحبه ولذلك أختلفوا في إجازتها ومنعها فأجازها أبو يوسف والشافعي وكأنها وصية عندهم ومنعها مالك والكوفيون لأن كل واحد منهم يقصد إلى عوض لا يدري هل يحصل له ويتمنى كل واحد منهما موت صاحبه وفي الباب حديثان أيضا بالإجازة والمنع ذكرهما أبن ماجة في سننه الأول رواه جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( العمري جائزة لمن أعمرها والرقبي جائزة لمن أرقبها ( ففي هذا الحديث التسوية بين العمري والرقبى في الحكم الثاني رواه أبن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا رقبى فمن أرقب شيئا فهو له حياته ومماته ( قال : والرقبى أن يقول هو للآخر : مني ومنك موتا فقوله : ( لا رقبى ( نهي يدل على المنع وقوله : ( من أرقب شيئا فهو له ( يدل على الجواز وأخرجهما أيضا النسائي وذكر عن أبن عباس قال : العمري والرقبى سواء وقال أبن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( العمري جائزة لمن أعمرها والرقبى جائزة لمن أرقبها ( فقد صحح الحديث أبن المنذر وهو حجة لمن قال بأن العمري والرقبي سواء وروي عن علي وبه قال الثوري وأحمد وأنها لا ترجع إلى الأول أبدا وبه قال إسحاق وقال طاوس : من أرقب شيئا فهو سبيل الميراث والإفقار مأخوذ من فقار الظهر أفقرتك ناقتي : أعرتك فقارها لتركبها وأفقرك الصيد إذا أمكنك من فقاره حتى ترميه ومثله الإخبال يقال : أخبلت فلانا إذا أعرته ناقة يركبها أو فرسا يغزو عليه قال زهير : هنالك أن يستخبلوا المال يخبلوا وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا والمنحة : العطية والمنحة : منحة اللبن والمنيحة : الناقة أو الشاة يعطيها الرجل آخر يحتلبها ثم يردها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضى والزعيم غارم ( رواه أبو أمامة أخرجه الترمذي والدارقطني وغيرهما وهو صحيح والإطراق : إعارة الفحل أستطرق فلان فلانا فحله : إذا طلبه ليضرب في إبله فأطرقه إياه ويقال : أطرقني فحلك أي أعرني فحلك ليضرب في أبلي وطرق الفحل الناقة يطرق طروقا أي قعا عليها وطروقة الفحل : أنثاه يقال : ناقة طروقة الفحل للتي بلغت أن يضربها الفحل الثالثة قوله : ( أنت وزوجك ) أنت تأكيد للمضمر الذي في الفعل ومثله فأذهب أنت وربك ولا يجوز أسكن وزوجك ولا أذهب وربك إلا في ضرورة الشعر كما قال : قلت إذ أقبلت وزهر تهادى كنعاج الملا تعسفن رملا ف زهر معطوف على المضمر في أقبلت ولم يؤكد ذلك المضمر ويجوز في غير القرآن على بعد : قم وزيد الرابعة قوله تعالى : ( وزوجك ) لغة القرآن زوج بغيرها وقد تقدم القول فيه وقد جاء في صحيح مسلم : زوجة حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع إحدى نسائه فمر به رجل فدعاه فجاء فقال : ( يا فلان هذه زوجتي فلانة ( : فقال يا رسول الله من كنت أظن به فلم أكن أظن بك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ( وزوج آدم عليه السلام هي حواء عليها السلام وهو أول من سماها بذلك حين خلقت من ضلعه من غير أن يحس آدم عليه السلام بذلك ولو ألم بذلك لم يعطف رجل على أمرأته فلما أنتبه قيل له : من هذه قال : أمرأة قيل : وما أسمها قال : حواء قيل : ولم سميت أمرأة قال : لأنها من المرء أخذت قيل : ولم سميت حواء قال : لآنها خلقت من حي روي أن الملائكة سألته عن ذلك لتجرب علمه وأنهم قالوا له : أتحبها يا آدم قال : نعم قالوا لحواء : أتحبينه ياحواء قالت : لا وفي قلبها أضعاف ما في قلبه من حبه قالوا : فلو صدقت أمرأة في حبها لزوجها لصدقت حواء وقال أبن مسعود وأبن عباس : لما أسكن آدم الجنة مشى فيها مستوحشا فلما نام خلقت حواء من ضلعه القصرى من شقه الأيسر ليسكن إليها ويأنس بها فلما أنتبه رأها فقال : من أنت قالت : أمرأة خلقت من ضلعك لتسكن إلي وهو معنى قوله تعالى : هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها قال العلماء : ولهذا كانت المرأة عوجاء لأنها خلقت من أعوج وهو الضلع وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن المرأة خلقت من ضلع في رواية : وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه لن تستقيم لك على طريقة واحدة فإن استمتعت بها أستمعت بها وبها عوج وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها ( وقال الشاعر : هي الضلع العوجاء لست تقيمها ألا إن تقويم الضلوع أنكسارها أتجمع ضعفا وأقتدارا على الفتى أليس عجيبا ضعفها وأقتدارها ومن هذا الباب أستدل العلماء على ميراث الخنثى المشكل إذا تساوت فيه علامات النساء والرجال من اللحية والثدي والمبال بنقص الأعضاء فإن نقصت أضلاعه عن أضلاع المرأة أعطي نصيب رجل روي ذلك عن علي رضي الله عنه لخلق حواء من أحد أضلاعه وسيأتي في المواريث بيان هذا إن شاء الله تعالى الخامسة قوله تعالى : ( الجنة ) الجنة : البستان وقد تقدم القول فيها ولا التفات لما ذهبت إليه المعتزلة والقدرية من أنه لم يكن في جنة الخلد وإنما كان في جنة بأرض عدن وأستدلوا على بدعتهم بأنها لو كانت جنة الخلد لما وصل إليه إبليس فإن الله يقول : لا لغو فيها ولا تأثيم وقال : لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا النبأ وقال : لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما الواقعة وأنه لا يخرج منها أهلها لقوله : وما هم منها بمخرجين وأيضا فأن جنة الخلد هي دار القدس قدست عن الخطايا والمعاصي تطهيرا لها وقد لغا فيها إبليس وكذب وأخرج منها آدم وحواء بمعصيتهما قالوا : وكيف يجوز على آدم مع مكانه من الله وكمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد والملك الذي لا يبلى فالجواب : أن الله تعالى عرف الجنة بالألف واللام ومن قال : أسأل الله الجنة لم يفهم منه في تعارف الخلق إلا طلب جنة الخلد ولا يستحيل في العقل دخول إبليس الجنة لتغرير آدم وقد لقي موسى آدم عليهما السلام فقال له موسى : أنت أشقيت ذريتك وأخرجتهم من الجنة فأدخل الألف واللام ليدل على أنها جنة الخلد المعروفة فلم ينكر ذلك آدم ولو كانت غيرها لرد على موسى فلما سكت آدم على ما قرره موسى صح أن الدار التي أخرجهم الله عز وجل منها بخلاف الدار التي أخرجوا إليها وأما ما أحتجوا به من الآي فذلك إنما جعله الله فيها بعد دخول أهلها فيها يوم القيامة ولا يمتنع أن تكون دار الخلد لمن أراد الله تخليده فيها وقد يخرج منها من قضي عليه بالفناء وقد أجمع أهل التأويل على أن الملائكة يدخلون الجنة على أهل الجنة ويخرجون منها وقد كان مفاتيحها بيد إبليس ثم أنتزعت منه بعد المعصية وقد دخلها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ثم خرج منها وأخبر بما فيها وأنها هي جنة الخلد حقا وأما قولهم : إن الجنة دار القدس وقد طهرها الله تعالى من الخطايا فجهل منهم وذلك أن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة وهي الشام وأجمع أهل الشرائع على أن الله تعالى قدسها وقد شوهد فيها المعاصي والكفر والكذب ولم يكن تقديسها مما يمنع فيها المعاصي وكذلك دار القدس قال أبو الحسن بن بطال : وقد حكى بعض المشايخ أن أهل السنة مجمعون على أن جنة الخلد هي التي أهبط منها آدم عليه السلام فلا معنى لقول من خالفهم وقولهم : كيف يجوز على آدم في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد فيعكس عليهم ويقال : كيف يجوز على آدم وهو في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد في دار الفناء هذا ما لا يجوز على من له أدنى مسكة من عقل فكيف بآدم الذي هو أرجح الخلق عقلا على ما قال أبو أمامة على ما يأتي السادسة قوله تعالى : ( وكلا منها رغدا حيث شئتما ) قراءة الجمهور رغدا بفتح الغين وقرأ النخعي وأبن ثابت بسكونها والرغد : العيش الدار الهني الذي لا عناء فيه قال : بينما المرء تراه ناعما يأمن الأحداث في عيش رغد ويقال : رغد عيشهم ورغد ( بضم الغين وكسرها ) وأرغد القوم : أخصبوا وصاروا في رغد من العيش وهو منصوب على الصفة لمصدر محذوف وحيث وحيث وحيث وحوث وحوث وحاث كلها لغات ذكرها النحاس وغيره السابعة قوله تعالى : ( ولا تقربا هذه الشجرة ) أي لا تقرباها بأكل لأن الإباحة فيه وقعت قال أبن العربي : سمعت الشاشي في مجلس النضر بن شميل يقول : إذا قيل لا تقرب بفتح الراء كان معناه لا تلبس بالفعل وإذا كان بضم الراء فإن معناه لا تدن منه وفي الصحاح : قرب الشيء يقرب قربا أي دنا وقربته بالكسر أقربه قربانا أي دنوت منه وقربت أقرب قرابة مثل كتبت أكتب كتابة إذا سرت إلى الماء وبينك وبينه ليلة والأسم القرب قال الأصمعي : قلت لأعرابي : ما القرب فقال : سير الليل لورد الغد وقال أبن عطية قال بعض الحذاق : إن الله تعالى لما أراد النهي عن أكل الشجرة نهى عنه بلفظ يقتضي الأكل وما يدعوا إليه العرب وهو القرب قال أبن عطية : وهذا مثال بين في سد الذرائع وقال بعض أرباب المعاني قوله : ولا تقربا إشعار بالوقوع في الخطيئة والخروج من الجنة وأن سكناه فيها لا يدوم لأن المخلد لا يحظر عليه شيء ولا يؤمر ولا ينهى والدليل على هذا قوله تعالى إني جاعل في الأرض خليفة فدل على خروجه منها الثامنة قوله تعالى : ( هذه الشجرة ) الاسم المبهم ينعت بما فيه الألف واللام لاغير كقولك : مررت بهذا الرجل وبهذه المرأة وهذه الشجرة وقرأ أبن محيصن : هذي الشجرة بالياء وهو الأصل لأن الهاء في هذه بدل من ياء ولذلك أنكسر ما قبلها وليس في الكلام هاء تأنيث قبلها كسرة سواها وذلك لأن أصلها الياء والشجرة والشجرة والشيرة ثلاث لغات وقرئ الشجرة بكسر الشين والشجرة والشجرة : ما كان على ساق من نبات الأرض وأرض شجيرة وشجراء أي كثيرة الأشجار وواد شجير ولا يقال : واد أشجر وواحد الشجراء شجرة ولم يأت من الجمع على هذا المثال إلا أحرف يسيرة : شجرة وشجراء وقصبة وقصباء وطرفة وطرفاء وحلفة وحلفاء وكان الأصمعي يقول في واحد الحلفاء : حلفة بكسر اللام مخالفة لأخواتها وقال سيبويه : الشجراء واحد وجمع وكذلك القصباء والطرفاء والحلفاء والمشجرة : موضع الأشجار وأرض مشجرة وهذه الأرض أشجر من هذه أي أكثر شجرا قاله الجوهري التاسعة وأختلف أهل التأويل في تعيين هذه الشجرة التي نهي عنها فأكل منها فقال أبن مسعود وأبن عباس وسعيد بن جبير وجعدة بن هبيرة : هي الكرم ولذلك حرمت علينا الخمر وقال أبن عباس أيضا وأبو مالك وقتادة : هي السنبلة والحبة منها ككلي البقر أحلى من العسل وألين من الزبد قاله وهب بن منبه ولما تاب الله على آدم جعلها غذاء لبنيه وقال أبن جريج عن بعض الصحابة : هي شجرة التين وكذا روي سعيد عن قتادة ولذلك تعبر في الرؤيا بالندامة لآكلها من أجل ندم آدم عليه السلام على أكلها ذكره السهيلي قال أبن عطية : وليس في شيء من هذا التعيين ما يعضده خبر وإنما الصواب أن يعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة فخالف هو إليها وعصى في الأكل منها وقال القشيري أبو نصر : وكان الإمام والدي رحمه الله يقول : يعلم على الجملة أنها كانت شجرة المحنة العاشرة وأختلفوا كيف أكل منها مع الوعيد المقترن بالقرب وهو قوله تعالى : فتكونا من الظالمين فقال قوم : أكلا من غير التي أشير إليها فلم يتأولا النهي واقعا على جميع جنسها كأن إبليس غره بالأخذ بالظاهر قال أبن العربي : وهي أول معصية عصى الله بها على هذا القول قال : وفيه دليل على أن من حلف ألا يأكل من هذا الخبز فأكل من جنسه حنث وتحقيق المذاهب فيه أن أكثر العلماء قالوا : لا حنث فيه وقال مالك وأصحابه : إن أقتضى بساط اليمين تعيين المشار إليه لم يحنث بأكل جنسه وإن أقتضى بساط اليمين أو سببها أو نيتها الجنس حمل عليه وحنث بأكل غيره وعليه حملت قصة آدم عليه السلام فإنه نهى عن شجرة عينت له وأريد بها جنسها فحمل القول على اللفظ دون المعنى وقد أختلف علماؤنا في فرع من هذا وهو أنه إذا حلف ألا يأكل هذه الحنطة فأكل خبزا منها على قولين قال في الكتاب : يحنث لأنها هكذا تؤكل وقال أبن المواز : لا شيء عليه لأنه لم يأكل حنطة وإنما أكل خبزا فراعى الأسم والصفة ولو قال في يمينه : لا آكل من هذه الحنطة لحنث بأكل الخبز المعمول منها وفيما أشترى بثمنها من طعام وفيما أنبتت خلاف وقال آخرون : تأولا النهي على الندب قال أبن العربي : وهذا وإن كان مسألة من أصول الفقه فقد سقط ذلك ها هنا لقوله : فتكونا من الظالمين فقرن النهي بالوعيد وكذلك قوله سبحانه : فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى وقال أبن المسيب : إنما أكل آدم بعد أن سقته حواء الخمر فسكر وكان في غير عقله وكذلك قال يزيد بن قسيط وكانا يحلفان بالله أنه ما أكل من هذه الشجرة وهو يعقل قال أبن العربي : وهذا فاسد نقلا وعقلا أما النقل فلم يصح بحال وقد وصف الله عز وجل خمر الجنة فقال : لا فيها غول وأما العقل فلأن الأنبياء بعد النبوة معصومون عما يؤدي إلى الإخلال بالفرائض وأقتحام الجرائم قلت : قد أستنبط بعض العلماء نبوة آدم عليه السلام قبل إسكانه الجنة من قوله تعالى : فلما أنبأهم بأسمائهم فأمره الله تعالى أن ينبئ الملائكة بما ليس عندهم من علم الله جل وعز وقيل : أكلها ناسيا ومن الممكن أنهما نسيا الوعيد قلت : وهو الصحيح لإخبار الله تعالى في كتابه بذلك حتما وجزما فقال : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما ولكن لما كان الأنبياء عليهم السلام يلزمهم من التحفظ والتيقظ لكثرة معارفهم وعلو منازلهم ما لا يلزم غيرهم كان تشاغله عن تذكر النهي تضييعا صار به عاصيا أي مخالفا قال أبو أمامة : لو أن أحلام بني آدم منذ خلق الله الخلق إلى يوم القيامة وضعت في كفة ميزان ووضع حلم آدم في كفة أخرى لرجحهم وقد قال الله تعالى : ولم نجد له عزما قلت : قول أبي أمامة هذا عموم في جميع بني آدم وقد يحتمل أن يخص من ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كان أوفر الناس حلما وعقلا وقد يحتمل أن يكون المعنى لو أن أحلام بني آدم من غير الأنبياء والله أعلم قلت : والقول الأول أيضا حسن فظنا أن المراد العين وكان المراد الجنس كقول النبي صلى الله عليه وسلم حين أخذ ذهبا وحريرا فقال : ( هذان حرامان على ذكور أمتي ( وقال في خبر آخر : ( هذان مهلكان أمتي ( وإنما أراد الجنس لا العين الحادية عشرة يقال : إن أول من أكل من الشجرة حواء بإغواء إبليس إياها على ما يأتي بيانه وإن أول كلامه كان معها لأنها وسواس المخدة وهي أول فتنة دخلت على الرجال من النساء فقال : ما منعتما هذه الشجرة إلا أنها شجرة الخلد لأنه علم منهما أنهما كانا يحبان الخلد فأتاهما من حيث أحبا حبك الشيء يعمي ويصم فلما قالت حواء لآدم أنكر عليها وذكر العهد فألح على حواء وألحت حواء على آدم إلى أن قالت : أنا آكل قبلك حتى إن أصابني شيء سلمت أنت فأكلت فلم يضرها فأتت آدم فقالت : كل فإني قد أكلت فلم يضرني فأكل فبدت لهما سوآتهما وحصلا في حكم الذنب لقول الله تعالى : ولا تقربا هذه الشجرة فجمعهما في النهي فلذلك لم تنزل بها العقوبة حتى وجد المنهى عنه منهما جميعا وخفيت على آدم هذه المسألة ولهذا قال بعض العلماء : إن من قال لزوجتيه أو أمتيه : إن دخلتما الدار فأنتما طالقتان أو حرتان إن الطلاق والعتق لا يقع بدخول إحداهما وقد إختلف علماؤنا في ذلك على ثلاثة أقوال قال أبن القاسم : لا تطلقان ولا تعتقان إلا بأجتماعهما في الدخول حملا على هذا الأصل وأخذا بمقتضى مطلق اللفظ وقاله سحنون وقال أبن القاسم مرة أخرى : تطلقان جميعا وتعتقان جميعا بوجود الدخول من إحداهما لأن بعض الحنث حنث كما لو حلف ألا يأكل هذين الرغيفين فإنه يحنث بأكل أحدهما بل بأكل لقمة منهما وقال أشهب : تعتق وتطلق التي دخلت وحدها لأن دخول كل واحدة منهما شرط في طلاقها أو عتقها قال أبن العربي : وهذا بعيد لأن بعض الشرط لا يكون شرطا إجماعا قلت : الصحيح الأول وإن النهي إذا كان معلقا على فعلين لا تتحقق المخالفة إلا بهما لأنك إذا قلت : لا تدخلا الدار فدخل أحدهما ما وجدت المخالفة منهما لأن قول الله تعالى ولا تقربا هذه الشجرة نهي لهما فتكونا من الظالمين جوابه فلا يكونا من الظالمين حتى يفعلا فلما أكلت لم يصبها شيء لأن المنهي عنه ما وجد كاملا وخفي هذا المعنى على آدم فطمع ونسي هذا الحكم وهو معنى قوله تعالى : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى وقيل : نسى قوله : إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى والله أعلم الثانية عشرة وأختلف العلماء في هذا الباب هل وقع من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين صغائر من الذنوب يؤاخذون بها ويعاتبون عليها أم لا بعد أتفاقهم على أنهم معصومون من الكبائر ومن كل رزيلة فيها شين ونقص إجماعا عند القاضي أبي بكر وعند الأستاذ أبي إسحاق أن ذلك مقتضى دليل المعجزة وعند المعتزلة أن ذلك مقتضى دليل العقل على أصولهم فقال الطبري وغيره من الفقهاء والمتكلمين والمحدثين : تقع الصغائر منهم خلافا للرافضة حيث قالوا : إنهم معصومون من جميع ذلك وأحتجوا بما وقع من ذلك في التنزيل وثبت من تنصلهم من ذلك في الحديث وهذا ظاهر لا خفاء فيه وقال جمهور من الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي : إنهم معصومون من الصغائر كلها كعصمتهم من الكبائر أجمعها لأنا أمرنا بأتباعهم في أفعالهم وآثارهم وسيرهم أمرا مطلقا من غير التزام قرينة فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن الأقتداء بهم إذ ليس كل فعل من أفعالهم يتميز مقصده من القربة والإباحة أو الحظر أو المعصية ولا يصح أن يؤمر المرء بأمتثال أمر لعله معصية لا سيما على من يرى تقديم الفعل على القول إذا تعارضا من الأصوليين قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني : وأختلفوا في الصغائر والذي عليه الأكثر أن ذلك غير جائز عليهم وصار بعضهم إلى تجويزها ولا أصل لهذه المقالة وقال بعض المتأخرين ممن ذهب إلى القول الأول : الذي ينبغي أن يقال أن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم وعاتبهم عليها وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصلوا منها وأشفقوا منها وتابوا وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا يقبل التأويل جملتها وإن قبل ذلك آحادها وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور وعلى جهة الخطأ والنسيان أو تأويل دعا إلى ذلك فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات وفي حقهم سيئات بالنسبة إلى مناصبهم وعلو أقدارهم إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة قال : وهذا هو الحق ولقد أحسن الجنيد حيث قال : حسنات الأبرار سيئات المقربين فهم صلوات الله وسلامه عليهم وإن كان قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم فلم يخل ذلك بمناصبهم ولا قدح في رتبهم بل قد تلافاهم وأجتباهم وهداهم ومدحهم وزكاهم وأختارهم وأصطفاهم صلوات الله عليهم وسلامه الثالثة عشرة قوله تعالى : ( فتكونا من الظالمين ) الظلم أصله وضع الشيء في غير موضعه والأرض المظلومة : التي لم تحفر قط ثم حفرت قال النابغة وقفت فيها أصيلالا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا الأواري لأيا ما أبينها والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد 0 ويسمى ذلك التراب الظلم قال الشاعر : فأصبح في غبراء بعد إشاحة على العيش مردود عليها ظليمها وإذا نحر البعير من غير داء به فقد ظلم ومنه : ظلامون للجزر ويقال : سقانا ظليمة طيبة إذا سقاهم اللبن قبل إدراكه وقد ظلم وطبه إذا سقى منه قبل أن يروب ويخرج زبده واللبن مظلوم وظليم قال : وقائلة ظلمت لكم سقائي وهل يخفى على العكد الظليم ورجل ظليم : شديد الظلم والظلم : الشرك قال الله تعالى : إن الشرك لظلم عظيم قوله تعالى : ( وكلا منها رغدا ) حذفت النون من كلا لأنه أمر وحذفت الهمزة لكثرة الأستعمال وحذفها شاذ قال سيبويه : من العرب من يقول أؤكل فيتم يقال منه : أكلت الطعام أكلا ومأكلا والأكلة بالفتح : المرة الواحدة حتى تشبع والأكلة بالضم : اللقمة تقول : أكلت أكلة واحدة أي لقمة وهي القرصة أيضا وهذا الشيء أكلة لك أي طعمة لك والأكل أيضاما أكل ويقال : فلان ذو أكل إذا كان ذا حظ من الدنيا ورزق واسع ( رغدا ) نعت لمصدر محذوف أي أكلا رغدا قال أبن كسيان : ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال وقال مجاهد : رغدا أي لاحساب عليهم والرغد في اللغة : الكثير الذي لا يعنيك ويقال : أرغد القوم إذا وقعوا في خصب وسعة وقد تقدم هذا المعنى و ( حيث ) مبنية على الضم لأنها خالفت أخواتها الظروف في أنها لاتضاف فأشبهت قبل وبعد إذا أفردنا فضمت قال الكسائي : لغة قيس وكنانة الضم ولغة تميم الفتح قال الكسائي : وبنو أسد يخفضونها في موضع الخفض وينصبونها في موضع النصب قال الله تعالى : سنستدرجهم من حيث لايعلمون وتضم وتفتح ( ولا تقربا هذه الشجرة ) الهاء من هذه بدل من ياء الأصل لأن الأصل هذى قال النحاس : ولا أعلم في العربية هاء تأنيث مكسورا ما قبلها إلا ها هذه ومن العرب من يقول : هاتا هند ومنهم من يقول : هاتي هند وحكى سيبويه : هذه هند بإسكان الهاء وحكى الكسائي عن العرب : ولا تقربا هذي الشجرة وعن شبل بن عباد قال : كان أبن كثير وأبن محيصن لا يثبتان الهاء في هذه في جميع القرآن وقراءة الجماعة رغدا بفتح الغين وروي عن أبن وثاب والنخعي أنهما سكنا الغين وحكى سلمى عن الفراء قال يقال : هذه فعلت وهذي فعلت بإثبات ياء بعد الذال وهذ فعلت بكسر الذال من غير إلحاق ياء ولا هاء وهاتان فعلت قال هشام ويقال : تأفعلت وأنشد : خليلي لولا ساكن الدار لم أقم بتا الدار إلا عابر أبن سبيل قال أبن الأنباري : وتا بإسقاط ها بمنزلة ذي بإسقاط ها من هذي وبمنزلة ذه بإسقاط ها من هذه وقد قال الفراء : من قال هذ قامت لا يسقط ها لأن الأسم لا يكون على ذال واحدة ( فتكونا ) عطف على تقربا فلذلك حذفت النون وزعم الجرمي أن الفاء هي الناصبة وكلاهما جائز < <
البقرة : ( 36 ) فأزلهما الشيطان عنها . . . . . > > < > ( البقره 36 ) <
البقرة : ( 36 ) فأزلهما الشيطان عنها . . . . . > > < > ( البقره 36 ) <
> قوله تعالى : ( فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه ) فيه عشر مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فأزلهما الشيطان عنها ) قرأ الجماعة فأزلهما بغير ألف من الزلة وهي الخطيئة أي أستزلهما وأوقعهما فيها وقرأ حمزة فأزالهما بألف من التنحية أي نحاهما يقال : أزلته فزال قال أبن كسيان : فأزلهما من الزوال أي صرفهما عما كانا عليه من الطاعة إلى المعصية قلت : وعلى هذا تكون القراءتان بمعنى إلا أن قراءة الجماعة أمكن في المعنى يقال منه : أزللته فزل ودل على هذا قوله تعالى : إنما أستزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا وقوله فوسوس لهما الشيطان والوسوسة إنما هي إدخالهما في الزلل بالمعصية وليس للشيطان قدرة على زوال أحد من مكان إلى مكان إنما قدرته على إدخاله في الزلل فيكون ذلك سببا إلى زواله من مكان إلى مكان يذنبه وقد قيل : إن معنى أزلهما من زل عن المكان إذا تنحى فيكون في المعنى كقراءة حمزة من الزوال قال أمرؤ القيس : يزل الغلام الخف عن صهواته ويلوى بأثواب العنيف المثقل وقال أيضا : كميت يزل اللبد عن حال متنه كما زلت الصفواء بالمتنزل الثانية قوله تعالى : ( فأخرجهما مما كانا فيه ) إذا جعل أزال من زال عن المكان فقوله : فأخرجهما تأكيد وبيان للزوال إذ قد يمكن أن يزولا عن مكان كانا فيه إلى مكان آخر من الجنة وليس كذلك وإنما كان إخراجهما من الجنة إلى الأرض لأنهما خلقا منها وليكون آدم خليفة في الأرض ولم يقصد إبليس لعنه الله إخراجه منها وإنما قصد إسقاطه من مرتبته وإبعاده كما أبعد هو فلم يبلغ مقصده ولا أدرك مراده بل أزداد سخنة عين وغيظ نفس وخيبة ظن قال الله جل ثناؤه : ثم أجتباه ربه فتاب عليه وهدى فصار عليه السلام خليفة الله في أرضه بعد أن كان جارا له في داره فكم بين الخليفة والجار صلى الله عليه وسلم ونسب ذلك إلى إبليس لأنه كان بسببه وإغوائه ولا خلاف بين أهل التأويل وغيرهم أن إبليس كان متولي إغواء آدم وأختلف في الكيفية فقال أبن مسعود وأبن عباس وجمهور العلماء أغواهما مشافهة ودليل ذلك قوله تعالى : وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين والمقاسمة ظاهرها المشافهة وقال بعضهم وذكره عبد الرزاق عن وهب بن منبه : دخل الجنة في فم الحية وهي ذات أربع كالبختية من أحسن دابة خلقها الله تعالى بعد أن عرض نفسه على كثير من الحيوان فلم يدخله إلا الحية فلما دخلت به الجنة خرج من جوفها إبليس فأخذ من الشجرة التي نهى الله آدم وزوجه عنها فجاء بها إلى حواء فقال : أنظري إلى هذه الشجرة ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها فلم يزل يغويها حتى أخذتها حواء فأكلتها ثم أغوى آدم وقالت له حواء : كل فإني قد أكلت فلم يضرني فأكل منها فبدت لهما سوآتهما وحصلا في حكم الذنب فدخل آدم في جوف الشجرة فناداه ربه : أين أنت فقال : أنا هذا يا رب قال : ألا تخرج قال أستحي منك يا رب قال : أهبط إلى الأرض التي خلقت منها ولعنت الحية وردت قوائمها في جوفها وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم ولذلك أمرنا بقتلها على ما يأتي بيانه وقيل لحواء : كما أدميت الشجرة فكذلك يصيبك الدم كل شهر وتحملين وتضعين كرها تشرفين به على الموت مرارا زاد الطبري والنقاش : وتكوني سفيهة وقد كنت حليمة وقالت طائفة : إن إبليس لم يدخل الجنة إلى آدم بعد ما أخرج منها وإنما أغوي بشيطانه وسلطانه ووسواسه التي أعطاه الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الشيطان يجري من أبن آدم مجرى الدم ( والله أعلم وسيأتي في الأعراف أنه لما أكل بقي عريانا وطلب ما يستتر به فتباعدت عنه الأشجار وبكتوه بالمعصية فرحمته شجرة التين فأخذ من ورقه فأستتر به فبلي بالعري دون الشجر والله أعلم وقيل : إن الحكمة في إخراج آدم من الجنة عمارة الدنيا الثالثة يذكر أن الحية كانت خادم آدم عليه السلام في الجنة فخانته بأن مكنت عدو الله من نفسها وأظهرت العداوة له هناك فلما أهبطوا تأكدت العداوة وجعل رزقها التراب وقيل لها : أنت عدو بني آدم وهم أعداؤك وحيث لقيك منهم أحد شدخ رأسك روى أبن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( خمس يقتلهن المحرم ( فذكر الحية فيهن وروي أن إبليس قال لها : أدخليني الجنة وأنت في ذمتي فكان أبن عباس يقول : أخفروا ذمة إبليس وروت ساكنة بنت الجعد عن سراء بنت نبهان الغنوية قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أقتلوا الحيات صغيرها وكبيرها وأسودها وأبيضها فإن من قتلها كانت له فداء من النار ومن قتلته كان شهيدا ( قال علماؤنا : وإنما كانت له فداء من النار لمشاركتها إبليس وإعانته على ضرر آدم وولده فلذلك كان من قتل حية فكأنما قتل كافرا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا ( أخرجه مسلم وغيره الرابعة روى أبن جريج عن عمرو بن دينار عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى فمرت حية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أقتلوها ( فسبقتنا إلى جحر فدخلته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هاتوا بسعفة ونار فأضرموها عليه نارا ( قال علماؤنا : وهذا الحديث يخص نهيه عليه السلام عن المثلة وعن أن يعذب أحد بعذاب الله تعالى قالوا : فلم يبق لهذا العدو حرمة حيث فاته حتى أوصل إليه الهلاك من حيث قدر فإن قيل : قد روي عن إبراهيم النخعي أنه كره أن تحرق العقرب بالنار وقال : هو مثلة قيل له : يحتمل أن يكون لم يبلغه هذا الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم وعمل على الأثر الذي جاء : ( لا تعذبوا بعذاب الله ( فكان على هذا سبيل العمل عنده فإن قيل : فقد روى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار وقد أنزلت عليه : والمرسلات عرفا فنحن نأخذها من فيه رطبة إذ خرجت علينا حية فقال : ( أقتلوها ( فأبتدرناها لنقتلها فسبقتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وقاها الله شركم كما وقاكم شرها ( فلم يضرم نارا ولا أحتال في قتلها قيل له : يحتمل أن يكون لم يجد نارا فتركها أو لم يكن الجحر بهيئة ينتفع بالنار هناك مع ضرر الدخان وعدم وصوله إلى الحيوان والله أعلم وقوله : ( وقاها الله شركم ( أي قتلكم إياها ( كما وقاكم شرها ( أي لسعها الخامسة الأمر بقتل الحيات من باب الإرشاد إلى دفع المضرة المخوفة من الحيات فما كان منها متحقق الضرر وجبت المبادرة إلى قتله لقوله : ( أقتلوا الحيات وأقتلوا ذا الطفيتين والأبتر فإنهما يخطفان البصر ويسقطان الحبل ( فخصهما بالذكر مع أنهما دخلا في العموم ونبه على ذلك بسبب عظم ضررهما وما لم يتحقق ضرره فما كان منها في غير البيوت قتل أيضا لظاهر الأمر العام ولأن نوع الحيات غالبه الضرر فيستصحب ذلك فيه ولأنه كله مروع بصورته وبما في النفوس من النفرة عنه ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يحب الشجاعة ولو على قتل حية ( فشجع على قتلها وقال فيما خرجه أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعا : ( أقتلوا الحيات كلهن فمن خاف ثأرهن فليس مني ( والله أعلم السادسة ما كان من الحيات في البيوت فلا يقتل حتى يؤذن ثلاثة أيام لقوله عليه السلام : ( إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام ( وقد حمل بعض العلماء هذا الحديث على المدينة وحدها لإسلام الجن بها قالوا : ولا نعلم هل أسلم من جن غير المدينة أحد أو لا قاله أبن نافع وقال مالك : نهى عن قتل جنان البيوت في جميع البلاد وهو الصحيح لأن الله عز وجل قال : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن الأحقاف الآية وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن ( وفيه : وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة الحديث وسيأتي بكماله في سورة الجن إن شاء الله تعالى وإذا ثبت هذا فلا يقتل شيء منها حتى يحرج عليه وينذر على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى السابعة روى الأئمة عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته قال : فوجدته يصلي فجلست انتظره حتى يقضي صلاته فسمعت تحريكا في عراجين ناحية البيت فألتفت فإذا حية فوثبت لأقتلها فأشار إلي أن أجلس فجلست فلما أنصرف أشار إلى بيت في الدار فقال : أترى هذا البيت فقلت نعم فقال : كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس قال : فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله فأستأذنه يوما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قريظة ( فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع فإذا أمرأته بين البابين قائمة فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به وأصابته غيرة فقالت له : أكفف عليك رمحك وأدخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش فأهوى إليها بالرمح فأنتظمها به ثم خرج فركزه في الدار فأضطربت عليه فما يدري أيهما كان أسرع موتا الحية أم الفتى قال : فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له وقلنا : أدع الله يحييه لنا فقال : ( أستغفروا لأخيكم ثم قال : إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فأقتلوه فإنما هو شيطان ( وفي طريق أخرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن لهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم شيئا منها فحرجوا عليها ثلاثا فإن ذهب وإلا فأقتلوه فإنه كافر وقال لهم : أذهبوا فأدفنوا صاحبكم ( قال علماؤنا رحمة الله عليهم : لا يفهم من هذا الحديث أن هذا الجان الذي قتله هذا الفتى كان مسلما وأن الجن قتلته به قصاصا لأنه لو سلم أن القصاص مشروع بيننا وبين الجن لكان إنما يكون في العمد المحض وهذا الفتى لم يقصد ولم يتعمد قتل نفس مسلمة إذ لم يكن عنده علم من ذلك وإنما قصد إلى قتل ما سوغ قتل نوعه شرعا فهذا قتل خطأ ولا قصاص فيه فالأولى أن يقال : إن كفار الجن أو فسقتهم قتلوا الفتى بصاحبهم عدوا وأنتقاما وقد قتلت سعد أبن عبادة رضي الله عنه وذلك أنه وجد ميتا في مغتسله وقد اخضر جسده ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول ولا يرون أحدا : قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ورميناه بسهمين فلم نخط فؤاده وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن بالمدينة جنا قد أسلموا ( ليبين طريقا يحصل به التحرز من قتل المسلم منهم ويتسلط به على قتل الكافر منهم روي من وجوه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قتلت جانا فأريت في المنام أن قائلا يقول لها : لقد قتلت مسلما فقالت : لو كان مسلما لم يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما دخل عليك إلا وعليك ثيابك فأصبحت فأمرت بأثنى عشر ألف درهم فجعلت في سبيل الله وفي رواية : ما دخل عليك إلا وأنت مستترة فتصدقت وأعتقت رقابا وقال الربيع بن بدر : الجان من الحيات التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها هي التي تمشي ولا تلتوي وعن علقمة نحوه الثامنة في صفة الإنذار قال مالك : أحب إلى أن ينذروا ثلاثة أيام وقاله عيسى بن دينار وإن ظهر في اليوم مرارا ولا يقتصر على إنذاره ثلاث مرار في يوم واحد حتى يكون في ثلاثة أيام وقيل : يكفي ثلاث مرار لقوله عليه السلام : ( فليؤذنه ثلاثا ( وقوله : ( حرجوا عليه ثلاثا ( ولأن ثلاثا للعدد المؤنث فظهر أن المراد ثلاث مرات وقول مالك أولى لقوله عليه السلام : ( ثلاثة أيام ( وهو نص صحيح مقيد لتلك المطلقات ويحمل ثلاثا على إرادة ليالي الأيام الثلاث فغلب الليلة على عادة العرب في باب التاريخ فإنها تغلب فيها التأنيث قال مالك : ويكفي في الإنذار أن يقول : أحرج عليك بالله واليوم الآخر ألا تبدوا لنا ولا تؤذونا وذكر ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه ذكر عنده حيات البيوت فقال : إذا رأيتم منها شيئا في مساكنكم فقولوا : أنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم نوح عليه السلام وأنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان عليه السلام فإذا رأيتم منهن شيئا بعد فأقتلوه قلت : وهذا يدل بظاهره أنه يكفي في الإذن مرة واحدة والحديث يرده والله أعلم وقد حكى أبن حبيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول : ( أنشدكن بالعهد الذي أخذ عليكن سليمان عليه السلام ألا تؤذيننا وألا تظهرن علينا التاسعة روى جبير عن نفير عن أبي ثعلبة الخشني وأسمه جرثوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الجن على ثلاثة أثلاث فثلث لهم أجنحة يطيرون في الهواء وثلث حيات وكلاب وثلث يحلون ويظعنون ( وروى أبو الدرداء وأسمه عويمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خلق الجن ثلاثة أثلاث فثلث كلاب وحيات وخشاش الأرض وثلث ريح هفافة وثلث كبني آدم لهم الثواب وعليهم العقاب وخلق الله الإنس ثلاثة أثلاث فثلث لهم قلوب لا يفقهون بها وأعين لا يبصرون بها وأذان لا يسمعون بها إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا وثلث أجسادهم كأجساد بني آدم وقلوبهم قلوب الشياطين وثلث في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله ( العاشرة ما كان من الحيوان أصله الإذاية فإنه يقتل أبتداء لأجل إذايته من غير خلاف كالحية والعقرب والفأر والوزغ وشبهه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم ( وذكر الحديث فالحية أبدت جوهرها الخبيث حيث خانت آدم بأن أدخلت إبليس الجنة بين فكيها ولو كانت تبرزه ما تركها رضوان تدخل به وقال لها إبليس أنت في ذمتي فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها وقال : ( أقتلوها ولو كنتم في الصلاة ( يعني الحية والعقرب والوزغة نفخت على نار إبراهيم عليه السلام من بين سائر الدواب فلعنت وهذا من نوع ما يروى في الحية وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من قتل وزغة فكأنما قتل كافرا ( وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من قتل وزغة في أول ضربة كتبت له مائة حسنة وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك ( وفي رواية أنه قال : ( في أول ضربة سبعون حسنة ( والفأرة أبدت جوهرها بأن عمدت إلى حبال سفينة نوح عليه السلام فقطعتها وروي عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يقتل المحرم الحية والعقرب والحدأة والسبع العادي والكلب العقور والفويسقة ( وأستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذت فتيلة لتحرق البيت فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها والغراب أبدى جوهره حيث بعثه نبي الله نوح عليه السلام من السفينة ليأتيه بخبر الأرض فترك أمره وأقبل على جيفة هذا كله في معنى الحية فلذلك ذكرناه وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في التعليل في المائدة وغيرها إن شاء الله تعالى قوله تعالى : ( وقلنا أهبطوا بعضكم لبعض عدو ) فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وقلنا أهبطوا ) حذفت الألف من أهبطوا في اللفظ لأنها ألف وصل وحذفت الألف من قلنا في اللفظ لسكونها وسكون الهاء بعدها وروى محمد بن مصفى عن أبي حيوة ضم الباء في أهبطوا وهي لغة يقويها أنه غير متعد والأكثر في غير المتعدي أن يأتي على يفعل والخطاب لآدم وحواء والحية والشيطان في قول أبن عباس وقال الحسن : آدم وحواء والوسوسة وقال مجاهد والحسن أيضا : بنو آدم وبنو إبليس والهبوط : النزول من فوق إلى أسفل فأهبط آدم بسرنديب في الهند بجبل يقال له بوذ ومعه ريح الجنة فعلق بشجرها وأوديتها فأمتلأ ما هناك طيبا فمن ثم يؤتى بالطيب من ريح آدم عليه السلام وكان السحاب يمسح رأسه فأصلع فأورث ولده الصلع وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا ( الحديث وأخرجه مسلم وسيأتي وأهبطت حواء بجدة وإبليس بالأبلة والحية ببيسان وقيل : بسجستان وسجستان أكثر بلاد الله حيات ولولا العربد الذي يأكلها ويفني كثيرا منها لأخليت سجستان من أجل الحيات ذكره أبو الحسن المسعودي الثانية قوله تعالى : ( بعضكم لبعض عدو ) بعضكم مبتدأ عدو خبره والجملة في موضع نصب على الحال والتقدير وهذه حالكم وحذفت الواو من وبعضكم لأن في الكلام عائدا كما يقال : رأيت السماء تمطر عليك والعدو : خلاف الصديق وهو من عدا إذا ظلم وذئب عدوان : يعدو على الناس والعدوان : الظلم الصراح وقيل : هو مأخوذ من المجاوزة من قولك : لا يعدوك هذا الأمر أي لا يتجاوزك وعداه إذا جاوزه فسمي عدوا لمجاوزة الحد في مكروه صاحبه ومنه العدو بالقدم لمجاوزة الشئ والمعنيان متقاربان فإن من ظلم فقد تجاوز قلت : وقد حمل بعض العلماء قوله تعالى : بعضكم لبعض عدو على الإنسان نفسه وفيه بعد وإن كان صحيحا معنى يدل عليه قوله عليه السلام : ( إن العبد إذا أصبح تقول جوارحه للسانه أتق الله فينا فإنك إذا إستقمت أستقمنا وإن أعوججت أعوججنا ( فإن قيل : كيف قال عدو ولم يقل أعداء ففيه جوابان أحدهما : أن بعضا وكلا يخبر عنهما بالواحد على اللفظ وعلى المعنى وذلك في القرآن قال الله تعالى : وكلهم ءاتيه يوم القيامة فردا على اللفظ وقال تعالى : وكل أتوه داخرين على المعنى والجواب الآخر : أن عدوا يفرد في موضع الجمع قال الله عز وجل : وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا بمعنى أعداء وقال تعالى : يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو وقال بن فارس : العدو أسم جامع للواحد والأثنين والثلاثة والتأنيث وقد يجمع الثالثة لم يكن إخراج الله تعالى آدم من الجنة وإهباطه منها عقوبة له لأنه أهبطه بعد أن تاب عليه وقبل توبته وإنما أهبطه إما تأديبا وإما تغليظا للمحنة والصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك وهي نشر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي إذ الجنة والنار ليستا بدار تكليف فكانت تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنة ولله أن يفعل ما يشاء وقد قال : إني جاعل في الأرض خليفة وهذه منقبة عظيمة وفضيلة كريمة شريفة وقد تقدمت الإشارة إليها مع إنه خلق من الأرض وإنما قلنا إنما أهبطه بعد أن تاب عليه لقوله ثانية : قلنا أهبطوا وسيأتي الرابعة قوله تعالى : ( ولكم في الأرض مستقر ) أبتداء وخبر أي موضع استقرار قاله أبو العالية وأبن زيد وقال السدي : مستقر يعني القبور قلت : وقول الله تعالى : جعل لكم الأرض قرارا يحتمل المعنيين والله أعلم الخامسة قوله تعالى : ( ومتاع ) المتاع ما يستمتع به من أكل ولبس وحياة وحديث وأنس وغير ذلك ومنه سميت متعه النكاح لأنها يتمتع بها وأنشد سليمان بن عبد الملك حين وقف على قبر أبنه أيوب إثر دفنه : وقفت على قبر غريب بقفرة متاع قليل من حبيب مفاق السادسة قوله تعالى : ( إلى حين ) أختلف المتأولون في الحين على أقوال فقالت فرقة : إلى الموت وهذا قول من يقول : المستقر هو المقام في الدنيا وقيل : إلى قيام الساعة وهذا قول من يقول : المستقر هو القبور وقال الربيع : إلى حين إلى أجل والحين : الوقت البعيد فحينئذ تبعيد من قولك الآن قال خويلد : كابي الرماد عظيم القدر جفنته حين الشتاء كحوض المنهل اللقف لقف الحوض لقفا أي تهور من أسفله وأتسع وربما أدخلوا عليه التاء قال أبو وجزة : العاطفون تحين ما من عاطف والمطعمون زمان أين المطعم والحين أيضا : المدة ومنه قوله تعالى : هل أتى على الإنسان حين من الدهر الإنسان والحين : الساعة قال الله تعالى : أو تقول حين ترى العذاب قال أبن عرفة : الحين القطعة من الدهر كالساعة فما فوقها وقوله : فذرهم في غمرتهم حتى حين أي حتى تفنى آجالهم وقوله تعالى : تؤتي أكلها كل حين أي كل سنة وقيل : بل كل ستة أشهر وقيل : بل غدوة وعشيا قال الأزهري : الحين أسم كالوقت يصلح لجميع الأزمان كلها طالت أو قصرت والمعنى أنه ينتفع بها في كل وقت ولا ينقطع نفعها البتة قال : والحين يوم القيامة والحين : الغدوة والعشية قال الله تعالى : فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ويقال : عاملته محاينة من الحين وأحينت بالمكان : إذا أقمت به حينا وحان حين كذا أي قرب قالت بثينة : وأن سلوى عن جميل لساعة من الدهر ما حانت ولا حان حينها السابعة لما أختلف أهل اللسان في الحين أختلف فيه أيضا علماؤنا وغيرهم فقال الفراء : الحين حينان : حين لا يوقف على حده والحين الذي ذكر الله جل ثناؤه : تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ستة أشهر قال أبن العربي : الحين المجهول لا يتعلق به حكم والحين المعلوم هو الذي تتعلق به الأحكام ويرتبط به التكليف وأكثر المعلوم سنة ومالك يرى في الأحكام والأيمان أعم الإسماء والأزمنة والشافعي يرى الأقل وأبو حنيفة توسط فقال : ستة أشهر ولا معنى لقوله لأن المقدورات عنده لا تثبت قياسا وليس فيه نص عن صاحب الشريعة وإنما المعول على المعنى بعد معرفة مقتضى اللفظ لغة فمن نذر أن يصلي حينا فيحمل على ركعة عند الشافعي لأنه أقل النافلة قياسا على ركعة الوتر وقال مالك وأصحابه : أقل النافلة ركعتان فيقدر الزمان بقدر الفعل وذكر أبن خويز منداد في أحكامه : أن من حلف ألا يكلم فلانا حينا أو لا يفعل كذا حينا أن الحين سنة قال : وأتفقوا في الأحكام أن من حلف ألا يفعل كذا حينا أو لا يكلم فلانا حينا أن الزيادة على سنة لم تدخل في يمينه قلت : هذا الأتفاق إنما هو في المذهب قال مالك رحمه الله : من حلف ألا يفعل شيئا إلى حين أو زمان أو دهر فذلك كله سنة وقال عنه أبن وهب : إنه شك في الدهر أن يكون سنة وحكى أبن المنذر عن يعقوب وأبن الحسن : أن الدهر ستة أشهر وعن أبن عباس وأصحاب الرأي وعكرمة وسعيد بن جبير وعامر الشعبي وعبيدة في قوله تعالى : تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها أنه ستة أشهر وقال الأوزاعي وأبو عبيد : الحين ستة أشهر وليس عند الشافعي في الحين وقت معلوم ولا للحين غاية قد يكون الحين عنده مدة الدنيا وقال : لا نحنثه أبدأ والورع أن يقضيه قبل أنقضاء يوم وقال أبو ثور وغيره : الحين والزمان على ما تحتمله اللغة يقال : قد جئت من حين ولعله لم يجئ من نصف يوم قال الكيا الطبري الشافعي : وبالجملة الحين له مصارف ولم ير الشافعي تعيين محمل من هذه المحامل لأنه مجمل لم يوضع في اللغة لمعنى معين وقال بعض العلماء في قوله تعالى : إلى حين فائدة بشارة إلى آدم عليه السلام ليعلم أنه غير باق فيها ومنتقل إلى الجنة التي وعد بالرجوع إليها وهي لغير آدم دالة على المعاد فحسب والله أعلم < <
> قوله تعالى : ( فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه ) فيه عشر مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فأزلهما الشيطان عنها ) قرأ الجماعة فأزلهما بغير ألف من الزلة وهي الخطيئة أي أستزلهما وأوقعهما فيها وقرأ حمزة فأزالهما بألف من التنحية أي نحاهما يقال : أزلته فزال قال أبن كسيان : فأزلهما من الزوال أي صرفهما عما كانا عليه من الطاعة إلى المعصية قلت : وعلى هذا تكون القراءتان بمعنى إلا أن قراءة الجماعة أمكن في المعنى يقال منه : أزللته فزل ودل على هذا قوله تعالى : إنما أستزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا وقوله فوسوس لهما الشيطان والوسوسة إنما هي إدخالهما في الزلل بالمعصية وليس للشيطان قدرة على زوال أحد من مكان إلى مكان إنما قدرته على إدخاله في الزلل فيكون ذلك سببا إلى زواله من مكان إلى مكان يذنبه وقد قيل : إن معنى أزلهما من زل عن المكان إذا تنحى فيكون في المعنى كقراءة حمزة من الزوال قال أمرؤ القيس : يزل الغلام الخف عن صهواته ويلوى بأثواب العنيف المثقل وقال أيضا : كميت يزل اللبد عن حال متنه كما زلت الصفواء بالمتنزل الثانية قوله تعالى : ( فأخرجهما مما كانا فيه ) إذا جعل أزال من زال عن المكان فقوله : فأخرجهما تأكيد وبيان للزوال إذ قد يمكن أن يزولا عن مكان كانا فيه إلى مكان آخر من الجنة وليس كذلك وإنما كان إخراجهما من الجنة إلى الأرض لأنهما خلقا منها وليكون آدم خليفة في الأرض ولم يقصد إبليس لعنه الله إخراجه منها وإنما قصد إسقاطه من مرتبته وإبعاده كما أبعد هو فلم يبلغ مقصده ولا أدرك مراده بل أزداد سخنة عين وغيظ نفس وخيبة ظن قال الله جل ثناؤه : ثم أجتباه ربه فتاب عليه وهدى فصار عليه السلام خليفة الله في أرضه بعد أن كان جارا له في داره فكم بين الخليفة والجار صلى الله عليه وسلم ونسب ذلك إلى إبليس لأنه كان بسببه وإغوائه ولا خلاف بين أهل التأويل وغيرهم أن إبليس كان متولي إغواء آدم وأختلف في الكيفية فقال أبن مسعود وأبن عباس وجمهور العلماء أغواهما مشافهة ودليل ذلك قوله تعالى : وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين والمقاسمة ظاهرها المشافهة وقال بعضهم وذكره عبد الرزاق عن وهب بن منبه : دخل الجنة في فم الحية وهي ذات أربع كالبختية من أحسن دابة خلقها الله تعالى بعد أن عرض نفسه على كثير من الحيوان فلم يدخله إلا الحية فلما دخلت به الجنة خرج من جوفها إبليس فأخذ من الشجرة التي نهى الله آدم وزوجه عنها فجاء بها إلى حواء فقال : أنظري إلى هذه الشجرة ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها فلم يزل يغويها حتى أخذتها حواء فأكلتها ثم أغوى آدم وقالت له حواء : كل فإني قد أكلت فلم يضرني فأكل منها فبدت لهما سوآتهما وحصلا في حكم الذنب فدخل آدم في جوف الشجرة فناداه ربه : أين أنت فقال : أنا هذا يا رب قال : ألا تخرج قال أستحي منك يا رب قال : أهبط إلى الأرض التي خلقت منها ولعنت الحية وردت قوائمها في جوفها وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم ولذلك أمرنا بقتلها على ما يأتي بيانه وقيل لحواء : كما أدميت الشجرة فكذلك يصيبك الدم كل شهر وتحملين وتضعين كرها تشرفين به على الموت مرارا زاد الطبري والنقاش : وتكوني سفيهة وقد كنت حليمة وقالت طائفة : إن إبليس لم يدخل الجنة إلى آدم بعد ما أخرج منها وإنما أغوي بشيطانه وسلطانه ووسواسه التي أعطاه الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الشيطان يجري من أبن آدم مجرى الدم ( والله أعلم وسيأتي في الأعراف أنه لما أكل بقي عريانا وطلب ما يستتر به فتباعدت عنه الأشجار وبكتوه بالمعصية فرحمته شجرة التين فأخذ من ورقه فأستتر به فبلي بالعري دون الشجر والله أعلم وقيل : إن الحكمة في إخراج آدم من الجنة عمارة الدنيا الثالثة يذكر أن الحية كانت خادم آدم عليه السلام في الجنة فخانته بأن مكنت عدو الله من نفسها وأظهرت العداوة له هناك فلما أهبطوا تأكدت العداوة وجعل رزقها التراب وقيل لها : أنت عدو بني آدم وهم أعداؤك وحيث لقيك منهم أحد شدخ رأسك روى أبن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( خمس يقتلهن المحرم ( فذكر الحية فيهن وروي أن إبليس قال لها : أدخليني الجنة وأنت في ذمتي فكان أبن عباس يقول : أخفروا ذمة إبليس وروت ساكنة بنت الجعد عن سراء بنت نبهان الغنوية قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( أقتلوا الحيات صغيرها وكبيرها وأسودها وأبيضها فإن من قتلها كانت له فداء من النار ومن قتلته كان شهيدا ( قال علماؤنا : وإنما كانت له فداء من النار لمشاركتها إبليس وإعانته على ضرر آدم وولده فلذلك كان من قتل حية فكأنما قتل كافرا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا ( أخرجه مسلم وغيره الرابعة روى أبن جريج عن عمرو بن دينار عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى فمرت حية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أقتلوها ( فسبقتنا إلى جحر فدخلته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هاتوا بسعفة ونار فأضرموها عليه نارا ( قال علماؤنا : وهذا الحديث يخص نهيه عليه السلام عن المثلة وعن أن يعذب أحد بعذاب الله تعالى قالوا : فلم يبق لهذا العدو حرمة حيث فاته حتى أوصل إليه الهلاك من حيث قدر فإن قيل : قد روي عن إبراهيم النخعي أنه كره أن تحرق العقرب بالنار وقال : هو مثلة قيل له : يحتمل أن يكون لم يبلغه هذا الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم وعمل على الأثر الذي جاء : ( لا تعذبوا بعذاب الله ( فكان على هذا سبيل العمل عنده فإن قيل : فقد روى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار وقد أنزلت عليه : والمرسلات عرفا فنحن نأخذها من فيه رطبة إذ خرجت علينا حية فقال : ( أقتلوها ( فأبتدرناها لنقتلها فسبقتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وقاها الله شركم كما وقاكم شرها ( فلم يضرم نارا ولا أحتال في قتلها قيل له : يحتمل أن يكون لم يجد نارا فتركها أو لم يكن الجحر بهيئة ينتفع بالنار هناك مع ضرر الدخان وعدم وصوله إلى الحيوان والله أعلم وقوله : ( وقاها الله شركم ( أي قتلكم إياها ( كما وقاكم شرها ( أي لسعها الخامسة الأمر بقتل الحيات من باب الإرشاد إلى دفع المضرة المخوفة من الحيات فما كان منها متحقق الضرر وجبت المبادرة إلى قتله لقوله : ( أقتلوا الحيات وأقتلوا ذا الطفيتين والأبتر فإنهما يخطفان البصر ويسقطان الحبل ( فخصهما بالذكر مع أنهما دخلا في العموم ونبه على ذلك بسبب عظم ضررهما وما لم يتحقق ضرره فما كان منها في غير البيوت قتل أيضا لظاهر الأمر العام ولأن نوع الحيات غالبه الضرر فيستصحب ذلك فيه ولأنه كله مروع بصورته وبما في النفوس من النفرة عنه ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يحب الشجاعة ولو على قتل حية ( فشجع على قتلها وقال فيما خرجه أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعا : ( أقتلوا الحيات كلهن فمن خاف ثأرهن فليس مني ( والله أعلم السادسة ما كان من الحيات في البيوت فلا يقتل حتى يؤذن ثلاثة أيام لقوله عليه السلام : ( إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام ( وقد حمل بعض العلماء هذا الحديث على المدينة وحدها لإسلام الجن بها قالوا : ولا نعلم هل أسلم من جن غير المدينة أحد أو لا قاله أبن نافع وقال مالك : نهى عن قتل جنان البيوت في جميع البلاد وهو الصحيح لأن الله عز وجل قال : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن الأحقاف الآية وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن ( وفيه : وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة الحديث وسيأتي بكماله في سورة الجن إن شاء الله تعالى وإذا ثبت هذا فلا يقتل شيء منها حتى يحرج عليه وينذر على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى السابعة روى الأئمة عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته قال : فوجدته يصلي فجلست انتظره حتى يقضي صلاته فسمعت تحريكا في عراجين ناحية البيت فألتفت فإذا حية فوثبت لأقتلها فأشار إلي أن أجلس فجلست فلما أنصرف أشار إلى بيت في الدار فقال : أترى هذا البيت فقلت نعم فقال : كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس قال : فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله فأستأذنه يوما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قريظة ( فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع فإذا أمرأته بين البابين قائمة فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به وأصابته غيرة فقالت له : أكفف عليك رمحك وأدخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش فأهوى إليها بالرمح فأنتظمها به ثم خرج فركزه في الدار فأضطربت عليه فما يدري أيهما كان أسرع موتا الحية أم الفتى قال : فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له وقلنا : أدع الله يحييه لنا فقال : ( أستغفروا لأخيكم ثم قال : إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فأقتلوه فإنما هو شيطان ( وفي طريق أخرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن لهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم شيئا منها فحرجوا عليها ثلاثا فإن ذهب وإلا فأقتلوه فإنه كافر وقال لهم : أذهبوا فأدفنوا صاحبكم ( قال علماؤنا رحمة الله عليهم : لا يفهم من هذا الحديث أن هذا الجان الذي قتله هذا الفتى كان مسلما وأن الجن قتلته به قصاصا لأنه لو سلم أن القصاص مشروع بيننا وبين الجن لكان إنما يكون في العمد المحض وهذا الفتى لم يقصد ولم يتعمد قتل نفس مسلمة إذ لم يكن عنده علم من ذلك وإنما قصد إلى قتل ما سوغ قتل نوعه شرعا فهذا قتل خطأ ولا قصاص فيه فالأولى أن يقال : إن كفار الجن أو فسقتهم قتلوا الفتى بصاحبهم عدوا وأنتقاما وقد قتلت سعد أبن عبادة رضي الله عنه وذلك أنه وجد ميتا في مغتسله وقد اخضر جسده ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول ولا يرون أحدا : قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ورميناه بسهمين فلم نخط فؤاده وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن بالمدينة جنا قد أسلموا ( ليبين طريقا يحصل به التحرز من قتل المسلم منهم ويتسلط به على قتل الكافر منهم روي من وجوه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قتلت جانا فأريت في المنام أن قائلا يقول لها : لقد قتلت مسلما فقالت : لو كان مسلما لم يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما دخل عليك إلا وعليك ثيابك فأصبحت فأمرت بأثنى عشر ألف درهم فجعلت في سبيل الله وفي رواية : ما دخل عليك إلا وأنت مستترة فتصدقت وأعتقت رقابا وقال الربيع بن بدر : الجان من الحيات التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها هي التي تمشي ولا تلتوي وعن علقمة نحوه الثامنة في صفة الإنذار قال مالك : أحب إلى أن ينذروا ثلاثة أيام وقاله عيسى بن دينار وإن ظهر في اليوم مرارا ولا يقتصر على إنذاره ثلاث مرار في يوم واحد حتى يكون في ثلاثة أيام وقيل : يكفي ثلاث مرار لقوله عليه السلام : ( فليؤذنه ثلاثا ( وقوله : ( حرجوا عليه ثلاثا ( ولأن ثلاثا للعدد المؤنث فظهر أن المراد ثلاث مرات وقول مالك أولى لقوله عليه السلام : ( ثلاثة أيام ( وهو نص صحيح مقيد لتلك المطلقات ويحمل ثلاثا على إرادة ليالي الأيام الثلاث فغلب الليلة على عادة العرب في باب التاريخ فإنها تغلب فيها التأنيث قال مالك : ويكفي في الإنذار أن يقول : أحرج عليك بالله واليوم الآخر ألا تبدوا لنا ولا تؤذونا وذكر ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه ذكر عنده حيات البيوت فقال : إذا رأيتم منها شيئا في مساكنكم فقولوا : أنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم نوح عليه السلام وأنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان عليه السلام فإذا رأيتم منهن شيئا بعد فأقتلوه قلت : وهذا يدل بظاهره أنه يكفي في الإذن مرة واحدة والحديث يرده والله أعلم وقد حكى أبن حبيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول : ( أنشدكن بالعهد الذي أخذ عليكن سليمان عليه السلام ألا تؤذيننا وألا تظهرن علينا التاسعة روى جبير عن نفير عن أبي ثعلبة الخشني وأسمه جرثوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الجن على ثلاثة أثلاث فثلث لهم أجنحة يطيرون في الهواء وثلث حيات وكلاب وثلث يحلون ويظعنون ( وروى أبو الدرداء وأسمه عويمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خلق الجن ثلاثة أثلاث فثلث كلاب وحيات وخشاش الأرض وثلث ريح هفافة وثلث كبني آدم لهم الثواب وعليهم العقاب وخلق الله الإنس ثلاثة أثلاث فثلث لهم قلوب لا يفقهون بها وأعين لا يبصرون بها وأذان لا يسمعون بها إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا وثلث أجسادهم كأجساد بني آدم وقلوبهم قلوب الشياطين وثلث في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله ( العاشرة ما كان من الحيوان أصله الإذاية فإنه يقتل أبتداء لأجل إذايته من غير خلاف كالحية والعقرب والفأر والوزغ وشبهه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم ( وذكر الحديث فالحية أبدت جوهرها الخبيث حيث خانت آدم بأن أدخلت إبليس الجنة بين فكيها ولو كانت تبرزه ما تركها رضوان تدخل به وقال لها إبليس أنت في ذمتي فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها وقال : ( أقتلوها ولو كنتم في الصلاة ( يعني الحية والعقرب والوزغة نفخت على نار إبراهيم عليه السلام من بين سائر الدواب فلعنت وهذا من نوع ما يروى في الحية وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من قتل وزغة فكأنما قتل كافرا ( وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من قتل وزغة في أول ضربة كتبت له مائة حسنة وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك ( وفي رواية أنه قال : ( في أول ضربة سبعون حسنة ( والفأرة أبدت جوهرها بأن عمدت إلى حبال سفينة نوح عليه السلام فقطعتها وروي عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( يقتل المحرم الحية والعقرب والحدأة والسبع العادي والكلب العقور والفويسقة ( وأستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذت فتيلة لتحرق البيت فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها والغراب أبدى جوهره حيث بعثه نبي الله نوح عليه السلام من السفينة ليأتيه بخبر الأرض فترك أمره وأقبل على جيفة هذا كله في معنى الحية فلذلك ذكرناه وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في التعليل في المائدة وغيرها إن شاء الله تعالى قوله تعالى : ( وقلنا أهبطوا بعضكم لبعض عدو ) فيه سبع مسائل : الأولى قوله تعالى : ( وقلنا أهبطوا ) حذفت الألف من أهبطوا في اللفظ لأنها ألف وصل وحذفت الألف من قلنا في اللفظ لسكونها وسكون الهاء بعدها وروى محمد بن مصفى عن أبي حيوة ضم الباء في أهبطوا وهي لغة يقويها أنه غير متعد والأكثر في غير المتعدي أن يأتي على يفعل والخطاب لآدم وحواء والحية والشيطان في قول أبن عباس وقال الحسن : آدم وحواء والوسوسة وقال مجاهد والحسن أيضا : بنو آدم وبنو إبليس والهبوط : النزول من فوق إلى أسفل فأهبط آدم بسرنديب في الهند بجبل يقال له بوذ ومعه ريح الجنة فعلق بشجرها وأوديتها فأمتلأ ما هناك طيبا فمن ثم يؤتى بالطيب من ريح آدم عليه السلام وكان السحاب يمسح رأسه فأصلع فأورث ولده الصلع وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا ( الحديث وأخرجه مسلم وسيأتي وأهبطت حواء بجدة وإبليس بالأبلة والحية ببيسان وقيل : بسجستان وسجستان أكثر بلاد الله حيات ولولا العربد الذي يأكلها ويفني كثيرا منها لأخليت سجستان من أجل الحيات ذكره أبو الحسن المسعودي الثانية قوله تعالى : ( بعضكم لبعض عدو ) بعضكم مبتدأ عدو خبره والجملة في موضع نصب على الحال والتقدير وهذه حالكم وحذفت الواو من وبعضكم لأن في الكلام عائدا كما يقال : رأيت السماء تمطر عليك والعدو : خلاف الصديق وهو من عدا إذا ظلم وذئب عدوان : يعدو على الناس والعدوان : الظلم الصراح وقيل : هو مأخوذ من المجاوزة من قولك : لا يعدوك هذا الأمر أي لا يتجاوزك وعداه إذا جاوزه فسمي عدوا لمجاوزة الحد في مكروه صاحبه ومنه العدو بالقدم لمجاوزة الشئ والمعنيان متقاربان فإن من ظلم فقد تجاوز قلت : وقد حمل بعض العلماء قوله تعالى : بعضكم لبعض عدو على الإنسان نفسه وفيه بعد وإن كان صحيحا معنى يدل عليه قوله عليه السلام : ( إن العبد إذا أصبح تقول جوارحه للسانه أتق الله فينا فإنك إذا إستقمت أستقمنا وإن أعوججت أعوججنا ( فإن قيل : كيف قال عدو ولم يقل أعداء ففيه جوابان أحدهما : أن بعضا وكلا يخبر عنهما بالواحد على اللفظ وعلى المعنى وذلك في القرآن قال الله تعالى : وكلهم ءاتيه يوم القيامة فردا على اللفظ وقال تعالى : وكل أتوه داخرين على المعنى والجواب الآخر : أن عدوا يفرد في موضع الجمع قال الله عز وجل : وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا بمعنى أعداء وقال تعالى : يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو وقال بن فارس : العدو أسم جامع للواحد والأثنين والثلاثة والتأنيث وقد يجمع الثالثة لم يكن إخراج الله تعالى آدم من الجنة وإهباطه منها عقوبة له لأنه أهبطه بعد أن تاب عليه وقبل توبته وإنما أهبطه إما تأديبا وإما تغليظا للمحنة والصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك وهي نشر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي إذ الجنة والنار ليستا بدار تكليف فكانت تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنة ولله أن يفعل ما يشاء وقد قال : إني جاعل في الأرض خليفة وهذه منقبة عظيمة وفضيلة كريمة شريفة وقد تقدمت الإشارة إليها مع إنه خلق من الأرض وإنما قلنا إنما أهبطه بعد أن تاب عليه لقوله ثانية : قلنا أهبطوا وسيأتي الرابعة قوله تعالى : ( ولكم في الأرض مستقر ) أبتداء وخبر أي موضع استقرار قاله أبو العالية وأبن زيد وقال السدي : مستقر يعني القبور قلت : وقول الله تعالى : جعل لكم الأرض قرارا يحتمل المعنيين والله أعلم الخامسة قوله تعالى : ( ومتاع ) المتاع ما يستمتع به من أكل ولبس وحياة وحديث وأنس وغير ذلك ومنه سميت متعه النكاح لأنها يتمتع بها وأنشد سليمان بن عبد الملك حين وقف على قبر أبنه أيوب إثر دفنه : وقفت على قبر غريب بقفرة متاع قليل من حبيب مفاق السادسة قوله تعالى : ( إلى حين ) أختلف المتأولون في الحين على أقوال فقالت فرقة : إلى الموت وهذا قول من يقول : المستقر هو المقام في الدنيا وقيل : إلى قيام الساعة وهذا قول من يقول : المستقر هو القبور وقال الربيع : إلى حين إلى أجل والحين : الوقت البعيد فحينئذ تبعيد من قولك الآن قال خويلد : كابي الرماد عظيم القدر جفنته حين الشتاء كحوض المنهل اللقف لقف الحوض لقفا أي تهور من أسفله وأتسع وربما أدخلوا عليه التاء قال أبو وجزة : العاطفون تحين ما من عاطف والمطعمون زمان أين المطعم والحين أيضا : المدة ومنه قوله تعالى : هل أتى على الإنسان حين من الدهر الإنسان والحين : الساعة قال الله تعالى : أو تقول حين ترى العذاب قال أبن عرفة : الحين القطعة من الدهر كالساعة فما فوقها وقوله : فذرهم في غمرتهم حتى حين أي حتى تفنى آجالهم وقوله تعالى : تؤتي أكلها كل حين أي كل سنة وقيل : بل كل ستة أشهر وقيل : بل غدوة وعشيا قال الأزهري : الحين أسم كالوقت يصلح لجميع الأزمان كلها طالت أو قصرت والمعنى أنه ينتفع بها في كل وقت ولا ينقطع نفعها البتة قال : والحين يوم القيامة والحين : الغدوة والعشية قال الله تعالى : فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ويقال : عاملته محاينة من الحين وأحينت بالمكان : إذا أقمت به حينا وحان حين كذا أي قرب قالت بثينة : وأن سلوى عن جميل لساعة من الدهر ما حانت ولا حان حينها السابعة لما أختلف أهل اللسان في الحين أختلف فيه أيضا علماؤنا وغيرهم فقال الفراء : الحين حينان : حين لا يوقف على حده والحين الذي ذكر الله جل ثناؤه : تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ستة أشهر قال أبن العربي : الحين المجهول لا يتعلق به حكم والحين المعلوم هو الذي تتعلق به الأحكام ويرتبط به التكليف وأكثر المعلوم سنة ومالك يرى في الأحكام والأيمان أعم الإسماء والأزمنة والشافعي يرى الأقل وأبو حنيفة توسط فقال : ستة أشهر ولا معنى لقوله لأن المقدورات عنده لا تثبت قياسا وليس فيه نص عن صاحب الشريعة وإنما المعول على المعنى بعد معرفة مقتضى اللفظ لغة فمن نذر أن يصلي حينا فيحمل على ركعة عند الشافعي لأنه أقل النافلة قياسا على ركعة الوتر وقال مالك وأصحابه : أقل النافلة ركعتان فيقدر الزمان بقدر الفعل وذكر أبن خويز منداد في أحكامه : أن من حلف ألا يكلم فلانا حينا أو لا يفعل كذا حينا أن الحين سنة قال : وأتفقوا في الأحكام أن من حلف ألا يفعل كذا حينا أو لا يكلم فلانا حينا أن الزيادة على سنة لم تدخل في يمينه قلت : هذا الأتفاق إنما هو في المذهب قال مالك رحمه الله : من حلف ألا يفعل شيئا إلى حين أو زمان أو دهر فذلك كله سنة وقال عنه أبن وهب : إنه شك في الدهر أن يكون سنة وحكى أبن المنذر عن يعقوب وأبن الحسن : أن الدهر ستة أشهر وعن أبن عباس وأصحاب الرأي وعكرمة وسعيد بن جبير وعامر الشعبي وعبيدة في قوله تعالى : تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها أنه ستة أشهر وقال الأوزاعي وأبو عبيد : الحين ستة أشهر وليس عند الشافعي في الحين وقت معلوم ولا للحين غاية قد يكون الحين عنده مدة الدنيا وقال : لا نحنثه أبدأ والورع أن يقضيه قبل أنقضاء يوم وقال أبو ثور وغيره : الحين والزمان على ما تحتمله اللغة يقال : قد جئت من حين ولعله لم يجئ من نصف يوم قال الكيا الطبري الشافعي : وبالجملة الحين له مصارف ولم ير الشافعي تعيين محمل من هذه المحامل لأنه مجمل لم يوضع في اللغة لمعنى معين وقال بعض العلماء في قوله تعالى : إلى حين فائدة بشارة إلى آدم عليه السلام ليعلم أنه غير باق فيها ومنتقل إلى الجنة التي وعد بالرجوع إليها وهي لغير آدم دالة على المعاد فحسب والله أعلم < <
البقرة : ( 37 ) فتلقى آدم من . . . . . > > < > ( البقره 37 ) <
البقرة : ( 37 ) فتلقى آدم من . . . . . > > < > ( البقره 37 ) <
> قوله تعالى : ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) فيه ثمان مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) تلقى قيل معناه : فهم وفطن وقيل : قبل وأخذ وكان عليه السلام يتلقى الوحي أي يستقبله ويأخذه ويتلقفه تقول : خرجنا نتلقى الحجيج أي نستقبلهم وقيل : معنى تلقى تلقن وهذا في المعنى صحيح ولكن لا يجوز أن يكون التلقي من التلقن في الأصل لأن أحد الحرفين إنما يقلب ياء إذا تجانسا مثل تظنى من تظنن وتقصى من تقصص ومثله تسريت من تسررت وأمليت من أمللت وشبه ذلك ولهذا لا يقال : تقبى من تقبل ولا تلقى من تلقن فأعلم وحكى مكي أنه ألهمها فأنتفع بها وقال الحسن : قبولها تعلمه لها وعمله بها الثانية وأختلف أهل التأويل في الكلمات فقال أبن عباس والحسن وسعيد أبن جبير والضحاك ومجاهد هي قوله : ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وعن مجاهد أيضا : سبحانك اللهم لا إله إلا أنت ربي ظلمت نفسي فأغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم وقالت طائفة : رأي مكتوبا على ساق العرش محمد رسول الله فتشفع بذلك فهي الكلمات وقالت طائفة : المراد بالكلمات البكاء والحياء والدعاء وقيل : الندم والأستغفار والحزن قال أبن عطية : وهذا يقتضي أن آدم عليه السلام لم يقل شيئا إلا الأستغفار المعهود وسئل بعض السلف عما ينبغي أن يقوله المذنب فقال : يقول ما قاله أبواه : ربنا ظلمنا أنفسنا الآية وقال موسى : رب إني ظلمت نفسي فأغفر لي وقال يونس : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين وعن أبن عباس ووهب بن منبه : أن الكلمات سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فأغفر لي إنك خير الغافرين سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم وقال محمد بن كعب هي قوله : لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فأرحمني إنك أنت الغفور الرحيم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فأرحمني إنك أرحم الراحمين وقيل : الكلمات قوله حين عطس : الحمد لله والكلمات : جمع كلمة والكلمة تقع على القليل والكثير وقد تقدم : الثالثة قوله تعالى : ( فتاب عليه ) أي قبل توبته أو وفقه للتوبة وكان ذلك في يوم عاشوراء في يوم جمعة على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى وتاب العبد : رجع إلى طاعة ربه وعبد تواب : كثير الرجوع إلى الطاعة وأصل التوبة الرجوع يقال تاب وثاب وآب وأناب : رجع الرابعة إن قيل : لم قال عليه ولم يقل عليهما وحواء مشاركة له في الذنب بإجماع وقد قال : ولا تقربا هذه الشجرة وقالا ربنا ظلمنا أنفسنا فالجواب : أن آدم عليه السلام لما خوطب في أول القصة بقوله : أسكن خصه بالذكر في التلقي فلذلك كملت القصة بذكره وحده وأيضا فلأن المرأة حرمة ومستورة فأراد الله الستر لها ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله : وعصى آدم ربه فغوى وأيضا لما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر لم تذكر كما لم يذكر فتى موسى في قوله : ألم أقل لك وقيل : إنه دل بذكر التوبة عليه أنه تاب عليها إذ أمرهما سواء قاله الحسن وقيل : إنه مثل قوله تعالى : وإذا رأوا تجارة أو لهوا أنفضوا إليها أي التجارة لأنها كانت مقصود القوم فأعاد الضمير عليها ولم يقل إليهما والمعنى متقارب وقال الشاعر : رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئا ومن فوق الطوى رماني وفي التنزيل : والله ورسوله أحق أن يرضوه فحذف إيجازا وأختصارا الخامسة قوله تعالى : ( إنه هو التواب الرحيم ) وصف نفسه سبحانه وتعالى بأنه التواب وتكرر في القرآن معرفا ومنكرا وأسما وفعلا وقد يطلق على العبد أيضا تواب قال الله تعالى : إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين قال أبن العربي : ولعلمائنا في وصف الرب بأنه تواب ثلاثة اقوال أحدها : أنه يجوز في حق الرب سبحانه وتعالى فيدعى به كما في الكتاب والسنة ولا يتأول وقال آخرون : هو وصف حقيقي لله سبحانه وتعالى وتوبة الله على العبد رجوعه من حال المعصية إلى حال الطاعة وقال آخرون : توبة الله على العبد قبوله توبته وذلك يحتمل أن يرجع إلى قوله سبحانه وتعالى : قبلت توبتك وأن يرجع إلى خلقه الأنابة والرجوع في قلب المسئ وإجراء الطاعات على جوارحه الظاهرة السادسة لا يجوز أن يقال في حق الله تعالى : تائب أسم فاعل من تاب يتوب لأنه ليس لنا أن نطلق عليه من الأسماء والصفات إلا ما أطلقه هو على نفسه أو نبيه عليه السلام أو جماعة المسلمين وإن كان في اللغة محتملا جائزا هذا هو الصحيح في هذا الباب على ما بيناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى قال الله تعالى : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار وقال : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده وإنما قيل لله عز وجل : تواب لمبالغة الفعل وكثرة قبوله توبة عباده لكثرة من يتوب إليه السابعة اعلم أنه ليس لأحد قدرة على خلق التوبة لأن الله سبحانه وتعالى هو المنفرد بخلق الأعمال خلافا للمعتزلة ومن قال بقولهم وكذلك ليس لأحد أن يقبل توبة من أسرف على نفسه ولا أن يعفو عنه قال علماؤنا : وقد كفرت اليهود والنصارى بهذا الأصل العظيم في الدين أتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله جل وعز وجعلوا لمن أذنب أن يأتي الحبر أو الراهب فيعطيه شيئا ويحط عنه ذنوبه أفتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين الثامنة قرأ أبن كثير : فتلقى آدم من ربه كلمات والباقون برفع آدم ونصب كلمات والقراءتان ترجعان إلى معنى لأن آدم إذا تلقى الكلمات فقد تلقته وقيل : لما كانت الكلمات هي المنقذة لآدم بتوفيق الله تعالى له لقبوله إياها ودعائه بها كانت الكلمات فاعلة وكأن الأصل على هذه القراءة فتلقت آدم من ربه كلمات لكن لما بعد ما بين المؤنث وفعله حسن حذف علامة التانيث وهذا أصل يجري في كل القرآن والكلام إذا جاء فعل المؤنث بغير علامة ومنه قولهم : حضر القاضي اليوم أمرأة وقيل : إن الكلمات لما لم يكن تأنيثه حقيقيا حمل على معنى الكلم فذكر وقرأ الأعمش : آدم من ربه مدغما وقرأ أبو نوفل بن أبي عقرب : أنه بفتح الهمزة على معنى لأنه وكسر الباقون على الأستئناف وأدغم الهاء في الهاء أبو عمرو وعيسى وطلحة فيما حكى أبو حاتم عنهم وقيل : لا يجوز لأن بينهما واوا في اللفظ لا في الخط قال النحاس : أجاز سيبويه أن تحذف هذه الواو وأنشد : له زجل كأنه صوت حاد إذا طلب الوسيقة أو زمير فعلى هذا يجوز الإدغام وهو رفع بالأبتداء التواب خبره والجملة خبر إن ويجوز أن يكون هو توكيدا للهاء ويجوز أن تكون فاصلة على ما تقدم وقال سعيد بن جبير : لما أهبط آدم إلى الأرض لم يكن فيها شيء غير النسر في البر والحوت في البحر فكان النسر يأوي إلى الحوت فيبيت عنده فلما رأى النسر آدم قال : يا حوت لقد أهبط اليوم إلى الأرض شيء يمشي على رجليه ويبطش بيديه فقال الحوت : لئن كنت صادقا ما لي منه في البحر منجي ولا لك في البر منه مخلص < <
> قوله تعالى : ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) فيه ثمان مسائل : الأولى قوله تعالى : ( فتلقى آدم من ربه كلمات ) تلقى قيل معناه : فهم وفطن وقيل : قبل وأخذ وكان عليه السلام يتلقى الوحي أي يستقبله ويأخذه ويتلقفه تقول : خرجنا نتلقى الحجيج أي نستقبلهم وقيل : معنى تلقى تلقن وهذا في المعنى صحيح ولكن لا يجوز أن يكون التلقي من التلقن في الأصل لأن أحد الحرفين إنما يقلب ياء إذا تجانسا مثل تظنى من تظنن وتقصى من تقصص ومثله تسريت من تسررت وأمليت من أمللت وشبه ذلك ولهذا لا يقال : تقبى من تقبل ولا تلقى من تلقن فأعلم وحكى مكي أنه ألهمها فأنتفع بها وقال الحسن : قبولها تعلمه لها وعمله بها الثانية وأختلف أهل التأويل في الكلمات فقال أبن عباس والحسن وسعيد أبن جبير والضحاك ومجاهد هي قوله : ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وعن مجاهد أيضا : سبحانك اللهم لا إله إلا أنت ربي ظلمت نفسي فأغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم وقالت طائفة : رأي مكتوبا على ساق العرش محمد رسول الله فتشفع بذلك فهي الكلمات وقالت طائفة : المراد بالكلمات البكاء والحياء والدعاء وقيل : الندم والأستغفار والحزن قال أبن عطية : وهذا يقتضي أن آدم عليه السلام لم يقل شيئا إلا الأستغفار المعهود وسئل بعض السلف عما ينبغي أن يقوله المذنب فقال : يقول ما قاله أبواه : ربنا ظلمنا أنفسنا الآية وقال موسى : رب إني ظلمت نفسي فأغفر لي وقال يونس : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين وعن أبن عباس ووهب بن منبه : أن الكلمات سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فأغفر لي إنك خير الغافرين سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم وقال محمد بن كعب هي قوله : لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فأرحمني إنك أنت الغفور الرحيم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فأرحمني إنك أرحم الراحمين وقيل : الكلمات قوله حين عطس : الحمد لله والكلمات : جمع كلمة والكلمة تقع على القليل والكثير وقد تقدم : الثالثة قوله تعالى : ( فتاب عليه ) أي قبل توبته أو وفقه للتوبة وكان ذلك في يوم عاشوراء في يوم جمعة على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى وتاب العبد : رجع إلى طاعة ربه وعبد تواب : كثير الرجوع إلى الطاعة وأصل التوبة الرجوع يقال تاب وثاب وآب وأناب : رجع الرابعة إن قيل : لم قال عليه ولم يقل عليهما وحواء مشاركة له في الذنب بإجماع وقد قال : ولا تقربا هذه الشجرة وقالا ربنا ظلمنا أنفسنا فالجواب : أن آدم عليه السلام لما خوطب في أول القصة بقوله : أسكن خصه بالذكر في التلقي فلذلك كملت القصة بذكره وحده وأيضا فلأن المرأة حرمة ومستورة فأراد الله الستر لها ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله : وعصى آدم ربه فغوى وأيضا لما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر لم تذكر كما لم يذكر فتى موسى في قوله : ألم أقل لك وقيل : إنه دل بذكر التوبة عليه أنه تاب عليها إذ أمرهما سواء قاله الحسن وقيل : إنه مثل قوله تعالى : وإذا رأوا تجارة أو لهوا أنفضوا إليها أي التجارة لأنها كانت مقصود القوم فأعاد الضمير عليها ولم يقل إليهما والمعنى متقارب وقال الشاعر : رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئا ومن فوق الطوى رماني وفي التنزيل : والله ورسوله أحق أن يرضوه فحذف إيجازا وأختصارا الخامسة قوله تعالى : ( إنه هو التواب الرحيم ) وصف نفسه سبحانه وتعالى بأنه التواب وتكرر في القرآن معرفا ومنكرا وأسما وفعلا وقد يطلق على العبد أيضا تواب قال الله تعالى : إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين قال أبن العربي : ولعلمائنا في وصف الرب بأنه تواب ثلاثة اقوال أحدها : أنه يجوز في حق الرب سبحانه وتعالى فيدعى به كما في الكتاب والسنة ولا يتأول وقال آخرون : هو وصف حقيقي لله سبحانه وتعالى وتوبة الله على العبد رجوعه من حال المعصية إلى حال الطاعة وقال آخرون : توبة الله على العبد قبوله توبته وذلك يحتمل أن يرجع إلى قوله سبحانه وتعالى : قبلت توبتك وأن يرجع إلى خلقه الأنابة والرجوع في قلب المسئ وإجراء الطاعات على جوارحه الظاهرة السادسة لا يجوز أن يقال في حق الله تعالى : تائب أسم فاعل من تاب يتوب لأنه ليس لنا أن نطلق عليه من الأسماء والصفات إلا ما أطلقه هو على نفسه أو نبيه عليه السلام أو جماعة المسلمين وإن كان في اللغة محتملا جائزا هذا هو الصحيح في هذا الباب على ما بيناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى قال الله تعالى : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار وقال : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده وإنما قيل لله عز وجل : تواب لمبالغة الفعل وكثرة قبوله توبة عباده لكثرة من يتوب إليه السابعة اعلم أنه ليس لأحد قدرة على خلق التوبة لأن الله سبحانه وتعالى هو المنفرد بخلق الأعمال خلافا للمعتزلة ومن قال بقولهم وكذلك ليس لأحد أن يقبل توبة من أسرف على نفسه ولا أن يعفو عنه قال علماؤنا : وقد كفرت اليهود والنصارى بهذا الأصل العظيم في الدين أتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله جل وعز وجعلوا لمن أذنب أن يأتي الحبر أو الراهب فيعطيه شيئا ويحط عنه ذنوبه أفتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين الثامنة قرأ أبن كثير : فتلقى آدم من ربه كلمات والباقون برفع آدم ونصب كلمات والقراءتان ترجعان إلى معنى لأن آدم إذا تلقى الكلمات فقد تلقته وقيل : لما كانت الكلمات هي المنقذة لآدم بتوفيق الله تعالى له لقبوله إياها ودعائه بها كانت الكلمات فاعلة وكأن الأصل على هذه القراءة فتلقت آدم من ربه كلمات لكن لما بعد ما بين المؤنث وفعله حسن حذف علامة التانيث وهذا أصل يجري في كل القرآن والكلام إذا جاء فعل المؤنث بغير علامة ومنه قولهم : حضر القاضي اليوم أمرأة وقيل : إن الكلمات لما لم يكن تأنيثه حقيقيا حمل على معنى الكلم فذكر وقرأ الأعمش : آدم من ربه مدغما وقرأ أبو نوفل بن أبي عقرب : أنه بفتح الهمزة على معنى لأنه وكسر الباقون على الأستئناف وأدغم الهاء في الهاء أبو عمرو وعيسى وطلحة فيما حكى أبو حاتم عنهم وقيل : لا يجوز لأن بينهما واوا في اللفظ لا في الخط قال النحاس : أجاز سيبويه أن تحذف هذه الواو وأنشد : له زجل كأنه صوت حاد إذا طلب الوسيقة أو زمير فعلى هذا يجوز الإدغام وهو رفع بالأبتداء التواب خبره والجملة خبر إن ويجوز أن يكون هو توكيدا للهاء ويجوز أن تكون فاصلة على ما تقدم وقال سعيد بن جبير : لما أهبط آدم إلى الأرض لم يكن فيها شيء غير النسر في البر والحوت في البحر فكان النسر يأوي إلى الحوت فيبيت عنده فلما رأى النسر آدم قال : يا حوت لقد أهبط اليوم إلى الأرض شيء يمشي على رجليه ويبطش بيديه فقال الحوت : لئن كنت صادقا ما لي منه في البحر منجي ولا لك في البر منه مخلص < <