Section V07/P140–V07/P141İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V07/P140–V07/P141)
Orijinal Metin (AR)وهكذا أخبر الله [تعالى] عن موسى، عليه السلام، أنه طلب من فرعون وقومه الموادعة في قوله: {ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم. أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين. وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين. وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون. وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون} [الدخان:17 -21] وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش أن يتركوه يدعو إلى الله [تعالى] عباد الله، ولا يمسوه بسوء، وأن يصلوا ما بينه وبينهم من القرابة في ترك أذيته، قال الله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] أي: إلا ألا تؤذوني فيما بيني وبينكم من القرابة، فلا تؤذوني وتتركوا بيني وبين الناس. وعلى هذا وقعت الهدنة يوم الحديبية، وكان فتحا مبينا. وقوله: {إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} أي: لو كان هذا الذي يزعم أن الله أرسله إليكم كاذبا كما تزعمون، لكان أمره بينا، يظهر لكل أحد في أقواله وأفعاله، كانت تكون في غاية الاختلاف والاضطراب، وهذا نرى أمره سديدا ومنهجه مستقيما، ولو كان من المسرفين الكذابين لما هداه الله، وأرشده إلى ما ترون من انتظام أمره وفعله. ثم قال المؤمن محذرا قومه زوال نعمة الله عنهم وحلول نقمة الله بهم: {يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض} أي: قد أنعم الله عليكم بهذا الملك والظهور في الأرض بالكلمة النافذة والجاه العريض، فراعوا هذه النعمة بشكر الله، وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم، واحذروا نقمة الله إن كذبتم رسوله، {فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا} أي: لا تغني عنكم هذه الجنود وهذه العساكر، ولا ترد عنا شيئا من بأس الله إن أرادنا بسوء. {قال فرعون} لقومه، رادا على ما أشار به هذا الرجل الصالح البار الراشد الذي كان أحق بالملك من فرعون: {ما أريكم إلا ما أرى} أي: ما أقول لكم وأشير عليكم إلا ما أراه لنفسي وقد كذب فرعون، فإنه كان يتحقق صدق موسى فيما جاء به من الرسالة {قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر} [الإسراء:102] ، وقال الله تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} [النمل: 14] . فقوله: {ما أريكم إلا ما أرى} كذب فيه وافترى، وخان الله ورسوله ورعيته، فغشهم وما نصحهم وكذا قوله: {وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} أي: وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصدق والرشد وقد كذب أيضا في ذلك، وإن كان قومه قد أطاعوه واتبعوه، قال الله تعالى: {فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد} [هود: 97] ، وقال تعالى: {وأضل فرعون قومه وما هدى} [طه: 79] ، وفي الحديث: "ما من إمام يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام" . {وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد } {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار } هذا إخبار من الله، عز وجل، عن هذا الرجل الصالح، مؤمن آل فرعون: أنه حذر قومه بأس الله في الدنيا والآخرة فقال: {يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب} أي: الذين كذبوا رسل الله في قديم الدهر، كقوم نوح وعاد وثمود، والذين من بعدهم من الأمم المكذبة، كيف حل بهم بأس الله، وما رده عنهم راد، ولا صده عنهم صاد.
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وهكذا أخبر الله [تعالى] عن موسى، عليه السلام، أنه طلب من فرعون وقومه الموادعة في قوله: {ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم. أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين. وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين. وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون. وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون} [الدخان:17 -21] وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش أن يتركوه يدعو إلى الله [تعالى] عباد الله، ولا يمسوه بسوء، وأن يصلوا ما بينه وبينهم من القرابة في ترك أذيته، قال الله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23] أي: إلا ألا تؤذوني فيما بيني وبينكم من القرابة، فلا تؤذوني وتتركوا بيني وبين الناس. وعلى هذا وقعت الهدنة يوم الحديبية، وكان فتحا مبينا. وقوله: {إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} أي: لو كان هذا الذي يزعم أن الله أرسله إليكم كاذبا كما تزعمون، لكان أمره بينا، يظهر لكل أحد في أقواله وأفعاله، كانت تكون في غاية الاختلاف والاضطراب، وهذا نرى أمره سديدا ومنهجه مستقيما، ولو كان من المسرفين الكذابين لما هداه الله، وأرشده إلى ما ترون من انتظام أمره وفعله. ثم قال المؤمن محذرا قومه زوال نعمة الله عنهم وحلول نقمة الله بهم: {يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض} أي: قد أنعم الله عليكم بهذا الملك والظهور في الأرض بالكلمة النافذة والجاه العريض، فراعوا هذه النعمة بشكر الله، وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم، واحذروا نقمة الله إن كذبتم رسوله، {فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا} أي: لا تغني عنكم هذه الجنود وهذه العساكر، ولا ترد عنا شيئا من بأس الله إن أرادنا بسوء. {قال فرعون} لقومه، رادا على ما أشار به هذا الرجل الصالح البار الراشد الذي كان أحق بالملك من فرعون: {ما أريكم إلا ما أرى} أي: ما أقول لكم وأشير عليكم إلا ما أراه لنفسي وقد كذب فرعون، فإنه كان يتحقق صدق موسى فيما جاء به من الرسالة {قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر} [الإسراء:102] ، وقال الله تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} [النمل: 14] . فقوله: {ما أريكم إلا ما أرى} كذب فيه وافترى، وخان الله ورسوله ورعيته، فغشهم وما نصحهم وكذا قوله: {وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} أي: وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصدق والرشد وقد كذب أيضا في ذلك، وإن كان قومه قد أطاعوه واتبعوه، قال الله تعالى: {فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد} [هود: 97] ، وقال تعالى: {وأضل فرعون قومه وما هدى} [طه: 79] ، وفي الحديث: "ما من إمام يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام" . {وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد } {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار } هذا إخبار من الله، عز وجل، عن هذا الرجل الصالح، مؤمن آل فرعون: أنه حذر قومه بأس الله في الدنيا والآخرة فقال: {يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب} أي: الذين كذبوا رسل الله في قديم الدهر، كقوم نوح وعاد وثمود، والذين من بعدهم من الأمم المكذبة، كيف حل بهم بأس الله، وما رده عنهم راد، ولا صده عنهم صاد.
Section V07/P141–V07/P143İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V07/P141–V07/P143)
Orijinal Metin (AR){وما الله يريد ظلما للعباد} أي: إنما أهلكهم الله بذنوبهم، وتكذيبهم رسله، ومخالفتهم أمره. فأنفذ فيهم قدره، ثم قال: {ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد} يعني: يوم القيامة، وسمي بذلك قال بعضهم: لما جاء في حديث الصور: إن الأرض إذا زلزلت وانشقت من قطر إلى قطر، وماجت وارتجت، فنظر الناس إلى ذلك ذهبوا هاربين ينادي بعضهم بعضا. وقال آخرون منهم الضحاك: بل ذلك إذا جيء بجهنم، ذهب الناس هرابا ، فتتلقاهم الملائكة فتردهم إلى مقام المحشر، وهو قوله تعالى: {والملك على أرجائها} [الحاقة: 17] ، وقوله {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان} [الرحمن:33] . وقد روي عن ابن عباس، والحسن، والضحاك: أنهم قرؤوا: "يوم التناد" بتشديد الدال من ند البعير: إذا شرد وذهب. وقيل: لأن الميزان عنده ملك، وإذا وزن عمل العبد فرجح نادى بأعلى صوته: ألا قد سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا. وإن خف عمله نادى: ألا قد شقي فلان بن فلان. وقال قتادة: ينادى كل قوم بأعمالهم: ينادى أهل الجنة أهل الجنة، وأهل النار أهل النار. وقيل: سمي بذلك لمناداة أهل الجنة أهل النار: {أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم} [الأعراف: 44] . ومناداة أهل النار أهل الجنة: {أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين} [الأعراف: 50] ، ولمناداة أصحاب الأعراف أهل الجنة وأهل النار، كما هو مذكور في سورة الأعراف. واختار البغوي وغيره: أنه سمي بذلك لمجموع ذلك. وهو قول حسن جيد، والله أعلم . وقوله: {يوم تولون مدبرين} أي: ذاهبين هاربين، {كلا لا وزر. إلى ربك يومئذ المستقر} [القيامة: 11، 12] ، ولهذا قال: {ما لكم من الله من عاصم} أي: ما لكم مانع يمنعكم من بأس الله وعذابه، {ومن يضلل الله فما له من هاد} أي: من أضله [الله] فلا هادي له غيره. وقوله: {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات} يعني: أهل مصر، قد بعث الله فيهم رسولا من قبل موسى، وهو يوسف، عليه السلام، كان عزيز أهل مصر، وكان رسولا يدعو إلى الله أمته القبط، فما أطاعوه تلك الساعة إلا لمجرد الوزارة والجاه الدنيوي؛ ولهذا قال: {فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا} أي: يئستم فقلتم طامعين: {لن يبعث الله من بعده رسولا} وذلك لكفرهم وتكذيبهم {كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب} أي: كحالكم هذا. ثم قال: {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم} أي: الذين يدفعون الحق بالباطل، ويجادلون الحجج بغير دليل وحجة معهم من الله، فإن الله يمقت على ذلك أشد المقت؛ ولهذا قال تعالى: {كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا} أي: والمؤمنون أيضا يبغضون من تكون هذه صفته، فإن من كانت هذه صفته، يطبع الله على قلبه، فلا يعرف بعد ذلك معروفا، ولا ينكر منكرا؛ ولهذا قال: {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر} أي: على اتباع الحق {جبار} . وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة -وحكي عن الشعبي-أنهما قالا لا يكون الإنسان جبارا حتى يقتل نفسين. وقال أبو عمران الجوني وقتادة: آية الجبابرة القتل بغير حق. {وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب } يقول تعالى مخبرا عن فرعون، وعتوه، وتمرده، وافترائه في تكذيبه موسى، عليه السلام، أنه أمر وزيره هامان أن يبني له صرحا، وهو: القصر العالي المنيف الشاهق. وكان اتخاذه من الآجر المضروب من الطين المشوي، كما قال: {فأوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحا} [القصص: 38] ، ولهذا قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون البناء بالآجر، وأن يجعلوه في قبورهم. رواه ابن أبي حاتم.
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet){وما الله يريد ظلما للعباد} أي: إنما أهلكهم الله بذنوبهم، وتكذيبهم رسله، ومخالفتهم أمره. فأنفذ فيهم قدره، ثم قال: {ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد} يعني: يوم القيامة، وسمي بذلك قال بعضهم: لما جاء في حديث الصور: إن الأرض إذا زلزلت وانشقت من قطر إلى قطر، وماجت وارتجت، فنظر الناس إلى ذلك ذهبوا هاربين ينادي بعضهم بعضا. وقال آخرون منهم الضحاك: بل ذلك إذا جيء بجهنم، ذهب الناس هرابا ، فتتلقاهم الملائكة فتردهم إلى مقام المحشر، وهو قوله تعالى: {والملك على أرجائها} [الحاقة: 17] ، وقوله {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان} [الرحمن:33] . وقد روي عن ابن عباس، والحسن، والضحاك: أنهم قرؤوا: "يوم التناد" بتشديد الدال من ند البعير: إذا شرد وذهب. وقيل: لأن الميزان عنده ملك، وإذا وزن عمل العبد فرجح نادى بأعلى صوته: ألا قد سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا. وإن خف عمله نادى: ألا قد شقي فلان بن فلان. وقال قتادة: ينادى كل قوم بأعمالهم: ينادى أهل الجنة أهل الجنة، وأهل النار أهل النار. وقيل: سمي بذلك لمناداة أهل الجنة أهل النار: {أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم} [الأعراف: 44] . ومناداة أهل النار أهل الجنة: {أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين} [الأعراف: 50] ، ولمناداة أصحاب الأعراف أهل الجنة وأهل النار، كما هو مذكور في سورة الأعراف. واختار البغوي وغيره: أنه سمي بذلك لمجموع ذلك. وهو قول حسن جيد، والله أعلم . وقوله: {يوم تولون مدبرين} أي: ذاهبين هاربين، {كلا لا وزر. إلى ربك يومئذ المستقر} [القيامة: 11، 12] ، ولهذا قال: {ما لكم من الله من عاصم} أي: ما لكم مانع يمنعكم من بأس الله وعذابه، {ومن يضلل الله فما له من هاد} أي: من أضله [الله] فلا هادي له غيره. وقوله: {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات} يعني: أهل مصر، قد بعث الله فيهم رسولا من قبل موسى، وهو يوسف، عليه السلام، كان عزيز أهل مصر، وكان رسولا يدعو إلى الله أمته القبط، فما أطاعوه تلك الساعة إلا لمجرد الوزارة والجاه الدنيوي؛ ولهذا قال: {فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا} أي: يئستم فقلتم طامعين: {لن يبعث الله من بعده رسولا} وذلك لكفرهم وتكذيبهم {كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب} أي: كحالكم هذا. ثم قال: {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم} أي: الذين يدفعون الحق بالباطل، ويجادلون الحجج بغير دليل وحجة معهم من الله، فإن الله يمقت على ذلك أشد المقت؛ ولهذا قال تعالى: {كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا} أي: والمؤمنون أيضا يبغضون من تكون هذه صفته، فإن من كانت هذه صفته، يطبع الله على قلبه، فلا يعرف بعد ذلك معروفا، ولا ينكر منكرا؛ ولهذا قال: {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر} أي: على اتباع الحق {جبار} . وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة -وحكي عن الشعبي-أنهما قالا لا يكون الإنسان جبارا حتى يقتل نفسين. وقال أبو عمران الجوني وقتادة: آية الجبابرة القتل بغير حق. {وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب } يقول تعالى مخبرا عن فرعون، وعتوه، وتمرده، وافترائه في تكذيبه موسى، عليه السلام، أنه أمر وزيره هامان أن يبني له صرحا، وهو: القصر العالي المنيف الشاهق. وكان اتخاذه من الآجر المضروب من الطين المشوي، كما قال: {فأوقد لي ياهامان على الطين فاجعل لي صرحا} [القصص: 38] ، ولهذا قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون البناء بالآجر، وأن يجعلوه في قبورهم. رواه ابن أبي حاتم.
Section V07/P143–V07/P145İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V07/P143–V07/P145)
Orijinal Metin (AR)وقوله: {لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات} قال سعيد بن جبير، وأبو صالح: أبواب السموات. وقيل: طرق السموات {فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا} ، وهذا من كفره وتمرده، أنه كذب موسى في أن الله، عز وجل، أرسله إليه، قال الله تعالى: {وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل} أي: بصنيعه هذا الذي أراد أن يوهم به الرعية أنه يعمل شيئا يتوصل به إلى تكذيب موسى، عليه السلام؛ ولهذا قال تعالى: {وما كيد فرعون إلا في تباب} قال ابن عباس [رضي الله عنهما] ، ومجاهد: يعني إلا في خسار. {وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب } يقول المؤمن لقومه ممن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا، ونسي الجبار الأعلى، فقال لهم: {يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد} لا كما كذب فرعون في قوله: {وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} . ثم زهدهم في الدنيا التي [قد] آثروها على الأخرى، وصدتهم عن التصديق برسول الله موسى [صلى الله عليه وسلم] ، فقال: {يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع} أي: قليلة زائلة فانية عن قريب تذهب [وتزول] وتضمحل، {وإن الآخرة هي دار القرار} أي: الدار التي لا زوال لها، ولا انتقال منها ولا ظعن عنها إلى غيرها، بل إما نعيم وإما جحيم، ولهذا قال {من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها} أي: واحدة مثلها {ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب} أي: لا يتقدر بجزاء بل يثيبه الله، ثوابا كثيرا لا انقضاء له ولا نفاد. {ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } يقول لهم المؤمن: ما بالي أدعوكم إلى النجاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له وتصديق رسوله الذي بعثه {وتدعونني إلى النار. تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم} أي: جهل بلا دليل {وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار} أي: هو في عزته وكبريائه يغفر ذنب من تاب إليه، {لا جرم أنما تدعونني إليه} يقول: حقا. قال السدي وابن جرير: معنى قوله: {لا جرم} حقا. وقال الضحاك: {لا جرم} لا كذب. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {لا جرم} يقول: بلى، إن الذي تدعونني إليه من الأصنام والأنداد {ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة} قال مجاهد: الوثن ليس بشيء. وقال قتادة: يعني الوثن لا ينفع ولا يضر. وقال السدي: لا يجيب داعيه، لا في الدنيا ولا في الآخرة. وهذا كقوله تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون. وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} [الأحقاف: 5، 6] ، {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم} [فاطر: 14] . وقوله: {وأن مردنا إلى الله} أي: في الدار الآخرة، فيجازي كلا بعمله؛ ولهذا قال: {وأن المسرفين هم أصحاب النار} أي: خالدين فيها بإسرافهم، وهو شركهم بالله.
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وقوله: {لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات} قال سعيد بن جبير، وأبو صالح: أبواب السموات. وقيل: طرق السموات {فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا} ، وهذا من كفره وتمرده، أنه كذب موسى في أن الله، عز وجل، أرسله إليه، قال الله تعالى: {وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل} أي: بصنيعه هذا الذي أراد أن يوهم به الرعية أنه يعمل شيئا يتوصل به إلى تكذيب موسى، عليه السلام؛ ولهذا قال تعالى: {وما كيد فرعون إلا في تباب} قال ابن عباس [رضي الله عنهما] ، ومجاهد: يعني إلا في خسار. {وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب } يقول المؤمن لقومه ممن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا، ونسي الجبار الأعلى، فقال لهم: {يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد} لا كما كذب فرعون في قوله: {وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} . ثم زهدهم في الدنيا التي [قد] آثروها على الأخرى، وصدتهم عن التصديق برسول الله موسى [صلى الله عليه وسلم] ، فقال: {يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع} أي: قليلة زائلة فانية عن قريب تذهب [وتزول] وتضمحل، {وإن الآخرة هي دار القرار} أي: الدار التي لا زوال لها، ولا انتقال منها ولا ظعن عنها إلى غيرها، بل إما نعيم وإما جحيم، ولهذا قال {من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها} أي: واحدة مثلها {ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب} أي: لا يتقدر بجزاء بل يثيبه الله، ثوابا كثيرا لا انقضاء له ولا نفاد. {ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } يقول لهم المؤمن: ما بالي أدعوكم إلى النجاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له وتصديق رسوله الذي بعثه {وتدعونني إلى النار. تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم} أي: جهل بلا دليل {وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار} أي: هو في عزته وكبريائه يغفر ذنب من تاب إليه، {لا جرم أنما تدعونني إليه} يقول: حقا. قال السدي وابن جرير: معنى قوله: {لا جرم} حقا. وقال الضحاك: {لا جرم} لا كذب. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {لا جرم} يقول: بلى، إن الذي تدعونني إليه من الأصنام والأنداد {ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة} قال مجاهد: الوثن ليس بشيء. وقال قتادة: يعني الوثن لا ينفع ولا يضر. وقال السدي: لا يجيب داعيه، لا في الدنيا ولا في الآخرة. وهذا كقوله تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون. وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} [الأحقاف: 5، 6] ، {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم} [فاطر: 14] . وقوله: {وأن مردنا إلى الله} أي: في الدار الآخرة، فيجازي كلا بعمله؛ ولهذا قال: {وأن المسرفين هم أصحاب النار} أي: خالدين فيها بإسرافهم، وهو شركهم بالله.
Section V07/P145–V07/P146İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V07/P145–V07/P146)
Orijinal Metin (AR){فستذكرون ما أقول لكم} أي: سوف تعلمون صدق ما أمرتكم به ونهيتكم عنه، ونصحتكم ووضحت لكم، وتتذكرونه، وتندمون حيث لا ينفعكم الندم، {وأفوض أمري إلى الله} أي: وأتوكل على الله وأستعينه، وأقاطعكم وأباعدكم، {إن الله بصير بالعباد} أي: هو بصير بهم، فيهدي من يستحق الهداية، ويضل من يستحق الإضلال، وله الحجة البالغة، والحكمة التامة، والقدر النافذ. وقوله [تعالى] : {فوقاه الله سيئات ما مكروا} أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فنجاه الله مع موسى، عليه السلام، وأما في الآخرة فبالجنة {وحاق بآل فرعون سوء العذاب} وهو: الغرق في اليم، ثم النقلة منه إلى الجحيم. فإن أرواحهم تعرض على النار صباحا ومساء إلى قيام الساعة، فإذا كان يوم القيامة اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار؛ ولهذا قال: {ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} أي: أشده ألما وأعظمه نكالا. وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور، وهي قوله: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا} . ولكن هاهنا سؤال، وهو أنه لا شك أن هذه الآية مكية، وقد استدلوا بها على عذاب القبر في البرزخ، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم -هو ابن القاسم أبو النضر-حدثنا إسحاق بن سعيد -هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص-حدثنا سعيد -يعني أباه-عن عائشة؛ أن يهودية كانت تخدمها فلا تصنع عائشة إليها شيئا من المعروف إلا قالت لها اليهودية: وقاك الله عذاب القبر. قالت: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم علي فقلت: يا رسول الله، هل للقبر عذاب قبل يوم القيامة؟ قال: "لا وعم ذلك؟ " قالت: هذه اليهودية، لا نصنع إليها شيئا من المعروف إلا قالت: وقاك الله عذاب القبر. قال: "كذبت يهود . وهم على الله أكذب، لا عذاب دون يوم القيامة". ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار مشتملا بثوبه، محمرة عيناه، وهو ينادي بأعلى صوته: "القبر كقطع الليل المظلمز أيها الناس، لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا وضحكتم قليلا. أيها الناس، استعيذوا بالله من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق" . وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه. وروى أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة -قال: سألتها امرأة يهودية فأعطتها، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر. فأنكرت عائشة ذلك، فلما رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت له، فقال: "لا". قالت عائشة: ثم قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: "وإنه أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم". وهذا أيضا على شرطهما . فيقال: فما الجمع بين هذا وبين كون الآية مكية، وفيها الدليل على عذاب البرزخ؟ والجواب: أن الآية دلت على عرض الأرواح إلى النار غدوا وعشيا في البرزخ، وليس فيها دلالة على اتصال تألمها بأجسادها في القبور، إذ قد يكون ذلك مختصا بالروح، فأما حصول ذلك للجسد وتألمه بسببه، فلم يدل عليه إلا السنة في الأحاديث المرضية الآتي ذكرها. وقد يقال إن هذه الآية إنما دلت على عذاب الكفار في البرزخ، ولا يلزم من ذلك أن يعذب المؤمن في قبره بذنب، ومما يدل على هذا ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة من اليهود، وهي تقول: أشعرت أنكم تفتنون في قبوركم؟ فارتاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "إنما يفتن يهود" قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور؟ " وقالت عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يستعيذ من عذاب القبر. وهكذا رواه مسلم، عن هارون بن سعيد وحرملة، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، به .
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet){فستذكرون ما أقول لكم} أي: سوف تعلمون صدق ما أمرتكم به ونهيتكم عنه، ونصحتكم ووضحت لكم، وتتذكرونه، وتندمون حيث لا ينفعكم الندم، {وأفوض أمري إلى الله} أي: وأتوكل على الله وأستعينه، وأقاطعكم وأباعدكم، {إن الله بصير بالعباد} أي: هو بصير بهم، فيهدي من يستحق الهداية، ويضل من يستحق الإضلال، وله الحجة البالغة، والحكمة التامة، والقدر النافذ. وقوله [تعالى] : {فوقاه الله سيئات ما مكروا} أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فنجاه الله مع موسى، عليه السلام، وأما في الآخرة فبالجنة {وحاق بآل فرعون سوء العذاب} وهو: الغرق في اليم، ثم النقلة منه إلى الجحيم. فإن أرواحهم تعرض على النار صباحا ومساء إلى قيام الساعة، فإذا كان يوم القيامة اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار؛ ولهذا قال: {ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} أي: أشده ألما وأعظمه نكالا. وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور، وهي قوله: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا} . ولكن هاهنا سؤال، وهو أنه لا شك أن هذه الآية مكية، وقد استدلوا بها على عذاب القبر في البرزخ، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم -هو ابن القاسم أبو النضر-حدثنا إسحاق بن سعيد -هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص-حدثنا سعيد -يعني أباه-عن عائشة؛ أن يهودية كانت تخدمها فلا تصنع عائشة إليها شيئا من المعروف إلا قالت لها اليهودية: وقاك الله عذاب القبر. قالت: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم علي فقلت: يا رسول الله، هل للقبر عذاب قبل يوم القيامة؟ قال: "لا وعم ذلك؟ " قالت: هذه اليهودية، لا نصنع إليها شيئا من المعروف إلا قالت: وقاك الله عذاب القبر. قال: "كذبت يهود . وهم على الله أكذب، لا عذاب دون يوم القيامة". ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار مشتملا بثوبه، محمرة عيناه، وهو ينادي بأعلى صوته: "القبر كقطع الليل المظلمز أيها الناس، لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا وضحكتم قليلا. أيها الناس، استعيذوا بالله من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق" . وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه. وروى أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة -قال: سألتها امرأة يهودية فأعطتها، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر. فأنكرت عائشة ذلك، فلما رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت له، فقال: "لا". قالت عائشة: ثم قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: "وإنه أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم". وهذا أيضا على شرطهما . فيقال: فما الجمع بين هذا وبين كون الآية مكية، وفيها الدليل على عذاب البرزخ؟ والجواب: أن الآية دلت على عرض الأرواح إلى النار غدوا وعشيا في البرزخ، وليس فيها دلالة على اتصال تألمها بأجسادها في القبور، إذ قد يكون ذلك مختصا بالروح، فأما حصول ذلك للجسد وتألمه بسببه، فلم يدل عليه إلا السنة في الأحاديث المرضية الآتي ذكرها. وقد يقال إن هذه الآية إنما دلت على عذاب الكفار في البرزخ، ولا يلزم من ذلك أن يعذب المؤمن في قبره بذنب، ومما يدل على هذا ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة من اليهود، وهي تقول: أشعرت أنكم تفتنون في قبوركم؟ فارتاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "إنما يفتن يهود" قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور؟ " وقالت عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يستعيذ من عذاب القبر. وهكذا رواه مسلم، عن هارون بن سعيد وحرملة، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، به .
Section V07/P146–V07/P148İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V07/P146–V07/P148)
Orijinal Metin (AR)وقد يقال: إن هذه الآية دلت على عذاب الأرواح في البرزخ، ولا يلزم من ذلك أن يتصل بالأجساد في قبورها، فلما أوحي إليه في ذلك بخصوصيته استعاذ منه، والله، سبحانه وتعالى، أعلم. وقد روى البخاري من حديث شعبة، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة ، رضي الله عنها، أن يهودية دخلت عليها فقالت: أعاذك الله من عذاب القبر . فسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر؟ فقال: "نعم عذاب القبر حق". قالت عائشة: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر . فهذا يدل على أنه بادر إلى تصديق اليهودية في هذا الخبر، وقرر عليه. وفي الأخبار المتقدمة: أنه أنكر ذلك حتى جاءه الوحي، فلعلهما قضيتان، والله أعلم، وأحاديث عذاب القبر كثيرة جدا. وقال قتادة في قوله: {غدوا وعشيا} صباحا ومساء، ما بقيت الدنيا، يقال لهم: يا آل فرعون، هذه منازلكم، توبيخا ونقمة وصغارا لهم. وقال ابن زيد: هم فيها اليوم يغدى بهم ويراح إلى أن تقوم الساعة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا المحاربي، حدثنا ليث، عن عبد الرحمن بن ثروان، عن هذيل، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه، قال: إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تسرح بهم في الجنة حيث شاءوا، وإن أرواح ولدان المؤمنين في أجواف عصافير تسرح في الجنة حيث شاءت، فتأوي إلى قناديل معلقة في العرش، وإن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح عليها، فذلك عرضها. وقد رواه الثوري عن أبي قيس عن الهزيل ابن شرحبيل، من كلامه في أرواح آل فرعون. وكذلك قال السدي. وفي حديث الإسراء من رواية أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه: "ثم انطلق بي إلى خلق كثير من خلق الله، رجال كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم، مصفدون على سابلة آل فرعون، وآل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا. {ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} وآل فرعون كالإبل المسومة يخبطون الحجارة والشجر ولا يعقلون" . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا زيد بن أخرم، حدثنا عامر بن مدرك الحارثي، حدثنا عتبة -يعني ابن يقظان-عن قيس بن مسلم، عن طارق، عن شهاب، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أحسن محسن من مسلم أو كافر إلا أثابه الله". قال: قلنا: يا رسول الله ما إثابة الكافر؟ فقال: "إن كان قد وصل رحما أو تصدق بصدقة أو عمل حسنة، أثابه الله المال والولد والصحة وأشباه ذلك". قلنا: فما إثابته في الآخرة؟ قال: "عذابا دون العذاب" وقرأ: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} ورواه البزار في مسنده، عن زيد بن أخرم، ثم قال: لا نعلم له إسنادا غير هذا . وقال ابن جرير: حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير، حدثنا حماد بن محمد الفزاري البلخي قال: سمعت الأوزاعي وسأله رجل فقال: رحمك الله. رأينا طيورا تخرج من البحر، تأخذ ناحية الغرب بيضا، فوجا فوجا، لا يعلم عددها إلا الله، عز وجل، فإذا كان العشي رجع مثلها سودا. قال: وفطنتم إلى ذلك؟ قال: نعم. قال: إن تلك الطير في حواصلها أرواح آل فرعون، تعرض على النار غدوا وعشيا، فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها وصارت سودا، فينبت عليها من الليل ريش أبيض، ويتناثر السود، ثم تغدو على النار غدوا وعشيا، ثم ترجع إلى وكورها. فذلك دأبهم في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} قال: وكانوا يقولون إنهم ستمائة ألف مقاتل .
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وقد يقال: إن هذه الآية دلت على عذاب الأرواح في البرزخ، ولا يلزم من ذلك أن يتصل بالأجساد في قبورها، فلما أوحي إليه في ذلك بخصوصيته استعاذ منه، والله، سبحانه وتعالى، أعلم. وقد روى البخاري من حديث شعبة، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة ، رضي الله عنها، أن يهودية دخلت عليها فقالت: أعاذك الله من عذاب القبر . فسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر؟ فقال: "نعم عذاب القبر حق". قالت عائشة: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر . فهذا يدل على أنه بادر إلى تصديق اليهودية في هذا الخبر، وقرر عليه. وفي الأخبار المتقدمة: أنه أنكر ذلك حتى جاءه الوحي، فلعلهما قضيتان، والله أعلم، وأحاديث عذاب القبر كثيرة جدا. وقال قتادة في قوله: {غدوا وعشيا} صباحا ومساء، ما بقيت الدنيا، يقال لهم: يا آل فرعون، هذه منازلكم، توبيخا ونقمة وصغارا لهم. وقال ابن زيد: هم فيها اليوم يغدى بهم ويراح إلى أن تقوم الساعة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا المحاربي، حدثنا ليث، عن عبد الرحمن بن ثروان، عن هذيل، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه، قال: إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تسرح بهم في الجنة حيث شاءوا، وإن أرواح ولدان المؤمنين في أجواف عصافير تسرح في الجنة حيث شاءت، فتأوي إلى قناديل معلقة في العرش، وإن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح عليها، فذلك عرضها. وقد رواه الثوري عن أبي قيس عن الهزيل ابن شرحبيل، من كلامه في أرواح آل فرعون. وكذلك قال السدي. وفي حديث الإسراء من رواية أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه: "ثم انطلق بي إلى خلق كثير من خلق الله، رجال كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم، مصفدون على سابلة آل فرعون، وآل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا. {ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} وآل فرعون كالإبل المسومة يخبطون الحجارة والشجر ولا يعقلون" . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا زيد بن أخرم، حدثنا عامر بن مدرك الحارثي، حدثنا عتبة -يعني ابن يقظان-عن قيس بن مسلم، عن طارق، عن شهاب، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أحسن محسن من مسلم أو كافر إلا أثابه الله". قال: قلنا: يا رسول الله ما إثابة الكافر؟ فقال: "إن كان قد وصل رحما أو تصدق بصدقة أو عمل حسنة، أثابه الله المال والولد والصحة وأشباه ذلك". قلنا: فما إثابته في الآخرة؟ قال: "عذابا دون العذاب" وقرأ: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} ورواه البزار في مسنده، عن زيد بن أخرم، ثم قال: لا نعلم له إسنادا غير هذا . وقال ابن جرير: حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير، حدثنا حماد بن محمد الفزاري البلخي قال: سمعت الأوزاعي وسأله رجل فقال: رحمك الله. رأينا طيورا تخرج من البحر، تأخذ ناحية الغرب بيضا، فوجا فوجا، لا يعلم عددها إلا الله، عز وجل، فإذا كان العشي رجع مثلها سودا. قال: وفطنتم إلى ذلك؟ قال: نعم. قال: إن تلك الطير في حواصلها أرواح آل فرعون، تعرض على النار غدوا وعشيا، فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها وصارت سودا، فينبت عليها من الليل ريش أبيض، ويتناثر السود، ثم تغدو على النار غدوا وعشيا، ثم ترجع إلى وكورها. فذلك دأبهم في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} قال: وكانوا يقولون إنهم ستمائة ألف مقاتل .
Section V07/P148–V07/P149İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V07/P148–V07/P149)
Orijinal Metin (AR)وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار. فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله، عز وجل، إلى يوم القيامة". أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك، به . {وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب } {قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } يخبر تعالى عن تحاج أهل النار في النار، وتخاصمهم، وفرعون وقومه من جملتهم {فيقول الضعفاء} وهم: الأتباع {للذين استكبروا} وهم: القادة والسادة والكبراء: {إنا كنا لكم تبعا} أي: أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر والضلال، {فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار} أي: قسطا تتحملونه عنا. {قال الذين استكبروا إنا كل فيها} أي: لا نتحمل عنكم شيئا، كفى بنا ما عندنا، وما حملنا من العذاب والنكال. {إن الله قد حكم بين العباد} أي: يقسم بيننا العذاب بقدر ما يستحقه كل منا، كما قال تعالى: {قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون} [الأعراف: 38] . {وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب} لما علموا أن الله، سبحانه، لا يستجيب منهم ولا يستمع لدعائهم، بل قد قال: {اخسؤوا فيها ولا تكلمون} [المؤمنون:108] سألوا الخزنة -وهم كالبوابين لأهل النار-أن يدعوا لهم الله أن يخفف عن الكافرين ولو يوما واحدا من العذاب، فقالت لهم الخزنة رادين عليهم:: {أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات} أي: أوما قامت عليكم الحجج في الدنيا على ألسنة الرسل؟ {قالوا بلى قالوا فادعوا} أي: أنتم لأنفسكم، فنحن لا ندعو لكم ولا نسمع منكم ولا نود خلاصكم، ونحن منكم برآء، ثم نخبركم أنه سواء دعوتم أو لم تدعوا لا يستجاب لكم ولا يخفف عنكم؛ ولهذا قالوا : {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} أي: إلا من ذهاب، لا يتقبل ولا يستجاب. {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير } قد أورد أبو جعفر بن جرير، رحمه الله تعالى، عند قوله تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا} سؤالا فقال: قد علم أن بعض الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، قتله قومه بالكلية كيحيى وزكريا وشعياء، ومنهم من خرج من بين أظهرهم إما مهاجرا كإبراهيم ، وإما إلى السماء كعيسى ، فأين النصرة في الدنيا؟ ثم أجاب عن ذلك بجوابين . أحدهما: أن يكون الخبر خرج عاما، والمراد به البعض، قال: وهذا سائغ في اللغة.
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار. فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله، عز وجل، إلى يوم القيامة". أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك، به . {وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب } {قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } يخبر تعالى عن تحاج أهل النار في النار، وتخاصمهم، وفرعون وقومه من جملتهم {فيقول الضعفاء} وهم: الأتباع {للذين استكبروا} وهم: القادة والسادة والكبراء: {إنا كنا لكم تبعا} أي: أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر والضلال، {فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار} أي: قسطا تتحملونه عنا. {قال الذين استكبروا إنا كل فيها} أي: لا نتحمل عنكم شيئا، كفى بنا ما عندنا، وما حملنا من العذاب والنكال. {إن الله قد حكم بين العباد} أي: يقسم بيننا العذاب بقدر ما يستحقه كل منا، كما قال تعالى: {قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون} [الأعراف: 38] . {وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب} لما علموا أن الله، سبحانه، لا يستجيب منهم ولا يستمع لدعائهم، بل قد قال: {اخسؤوا فيها ولا تكلمون} [المؤمنون:108] سألوا الخزنة -وهم كالبوابين لأهل النار-أن يدعوا لهم الله أن يخفف عن الكافرين ولو يوما واحدا من العذاب، فقالت لهم الخزنة رادين عليهم:: {أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات} أي: أوما قامت عليكم الحجج في الدنيا على ألسنة الرسل؟ {قالوا بلى قالوا فادعوا} أي: أنتم لأنفسكم، فنحن لا ندعو لكم ولا نسمع منكم ولا نود خلاصكم، ونحن منكم برآء، ثم نخبركم أنه سواء دعوتم أو لم تدعوا لا يستجاب لكم ولا يخفف عنكم؛ ولهذا قالوا : {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} أي: إلا من ذهاب، لا يتقبل ولا يستجاب. {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير } قد أورد أبو جعفر بن جرير، رحمه الله تعالى، عند قوله تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا} سؤالا فقال: قد علم أن بعض الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، قتله قومه بالكلية كيحيى وزكريا وشعياء، ومنهم من خرج من بين أظهرهم إما مهاجرا كإبراهيم ، وإما إلى السماء كعيسى ، فأين النصرة في الدنيا؟ ثم أجاب عن ذلك بجوابين . أحدهما: أن يكون الخبر خرج عاما، والمراد به البعض، قال: وهذا سائغ في اللغة.
Section V07/P149–V07/P150İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V07/P149–V07/P150)
Orijinal Metin (AR)الثاني: أن يكون المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم، وسواء كان ذلك بحضرتهم أو في غيبتهم أو بعد موتهم، كما فعل بقتلة يحيى وزكريا وشعياء، سلط عليهم من أعدائهم من أهانهم وسفك دماءهم، وقد ذكر أن النمروذ أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وأما الذين راموا صلب المسيح، عليه السلام، من اليهود، فسلط الله عليهم الروم فأهانوهم وأذلوهم، وأظهرهم الله عليهم. ثم قبل يوم القيامة سينزل عيسى ابن مريم إماما عادلا وحكما مقسطا، فيقتل المسيح الدجال وجنوده من اليهود، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام. وهذه نصرة عظيمة، وهذه سنة الله في خلقه في قديم الدهر وحديثه: أنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا، ويقر أعينهم ممن آذاهم، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب" وفي الحديث الآخر: "إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب" ؛ ولهذا أهلك تعالى قوم نوح وعاد وثمود، وأصحاب الرس، وقوم لوط، وأهل مدين، وأشباههم وأضرابهم ممن كذب الرسل وخالف الحق. وأنجى الله من بينهم المؤمنين، فلم يهلك منهم أحدا وعذب الكافرين، فلم يفلت منهم أحدا . قال السدي: لم يبعث الله رسولا قط إلى قوم فيقتلونه، أو قوما من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلون، فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله لهم من ينصرهم، فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا. قال: فكانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا، وهم منصورون فيها. وهكذا نصر الله [سبحانه] نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه على من خالفه وناوأه، وكذبه وعاداه، فجعل كلمته هي العليا، ودينه هو الظاهر على سائر الأديان. وأمره بالهجرة من بين ظهراني قومه إلى المدينة النبوية، وجعل له فيها أنصارا وأعوانا، ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر، فنصره عليهم وخذلهم له، وقتل صناديدهم، وأسر سراتهم، فاستاقهم مقرنين في الأصفاد، ثم من عليهم بأخذه الفداء منهم، ثم بعد مدة قريبة فتح [عليه] مكة، فقرت عينه ببلده، وهو البلد المحرم الحرام المشرف المعظم، فأنقذه الله به مما كان فيه من الشرك والكفر، وفتح له اليمن، ودانت له جزيرة العرب بكمالها، ودخل الناس في دين الله أفواجا. ثم قبضه الله، تعالى، إليه لما له عنده من الكرامة العظيمة، فأقام الله أصحابه خلفاء بعده، فبلغوا عنه دين الله، ودعوا عباد الله إلى الله. وفتحوا البلاد والرساتيق والأقاليم والمدائن والقرى والقلوب، حتى انتشرت الدعوة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها. ثم لا يزال هذا الدين قائما منصورا ظاهرا إلى قيام الساعة؛ ولهذا قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} أي: يوم القيامة تكون النصرة أعظم وأكبر وأجل. قال مجاهد: الأشهاد: الملائكة. وقوله: {يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم} بدل من قوله: {ويوم يقوم الأشهاد} . وقرأ آخرون: "يوم" بالرفع، كأنه فسره به {ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين} ، وهم المشركون {معذرتهم} أي: لا يقبل منهم عذر ولا فدية، {ولهم اللعنة} أي: الإبعاد والطرد من الرحمة، {ولهم سوء الدار} وهي النار. قاله السدي، بئس المنزل والمقيل. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {ولهم سوء الدار} أي: سوء العاقبة. وقوله: {ولقد آتينا موسى الهدى} وهو ما بعثه الله به من الهدى والنور، {وأورثنا بني إسرائيل الكتاب} أي: جعلنا لهم العاقبة، وأورثناهم بلاد فرعون وأمواله وحواصله وأرضه، بما صبروا على طاعة الله واتباع رسوله موسى، عليه السلام، وفي الكتاب الذي أورثوه -وهو التوراة- {هدى وذكرى لأولي الألباب} وهي: العقول الصحيحة السليمة. وقوله: {فاصبر} أي: يا محمد، {إن وعد الله} أي: وعدناك أنا سنعلي كلمتك، ونجعل العاقبة لك ولمن اتبعك، والله لا يخلف الميعاد. وهذا الذي أخبرناك به حق لا مرية فيه ولا شك. وقوله: {واستغفر لذنبك} هذا تهييج للأمة على الاستغفار، {وسبح بحمد ربك بالعشي} أي: في أواخر النهار وأوائل الليل، {والإبكار} وهي أوائل النهار وأواخر الليل.
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)الثاني: أن يكون المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم، وسواء كان ذلك بحضرتهم أو في غيبتهم أو بعد موتهم، كما فعل بقتلة يحيى وزكريا وشعياء، سلط عليهم من أعدائهم من أهانهم وسفك دماءهم، وقد ذكر أن النمروذ أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وأما الذين راموا صلب المسيح، عليه السلام، من اليهود، فسلط الله عليهم الروم فأهانوهم وأذلوهم، وأظهرهم الله عليهم. ثم قبل يوم القيامة سينزل عيسى ابن مريم إماما عادلا وحكما مقسطا، فيقتل المسيح الدجال وجنوده من اليهود، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام. وهذه نصرة عظيمة، وهذه سنة الله في خلقه في قديم الدهر وحديثه: أنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا، ويقر أعينهم ممن آذاهم، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقول الله تعالى: من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب" وفي الحديث الآخر: "إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب" ؛ ولهذا أهلك تعالى قوم نوح وعاد وثمود، وأصحاب الرس، وقوم لوط، وأهل مدين، وأشباههم وأضرابهم ممن كذب الرسل وخالف الحق. وأنجى الله من بينهم المؤمنين، فلم يهلك منهم أحدا وعذب الكافرين، فلم يفلت منهم أحدا . قال السدي: لم يبعث الله رسولا قط إلى قوم فيقتلونه، أو قوما من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلون، فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله لهم من ينصرهم، فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا. قال: فكانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا، وهم منصورون فيها. وهكذا نصر الله [سبحانه] نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه على من خالفه وناوأه، وكذبه وعاداه، فجعل كلمته هي العليا، ودينه هو الظاهر على سائر الأديان. وأمره بالهجرة من بين ظهراني قومه إلى المدينة النبوية، وجعل له فيها أنصارا وأعوانا، ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر، فنصره عليهم وخذلهم له، وقتل صناديدهم، وأسر سراتهم، فاستاقهم مقرنين في الأصفاد، ثم من عليهم بأخذه الفداء منهم، ثم بعد مدة قريبة فتح [عليه] مكة، فقرت عينه ببلده، وهو البلد المحرم الحرام المشرف المعظم، فأنقذه الله به مما كان فيه من الشرك والكفر، وفتح له اليمن، ودانت له جزيرة العرب بكمالها، ودخل الناس في دين الله أفواجا. ثم قبضه الله، تعالى، إليه لما له عنده من الكرامة العظيمة، فأقام الله أصحابه خلفاء بعده، فبلغوا عنه دين الله، ودعوا عباد الله إلى الله. وفتحوا البلاد والرساتيق والأقاليم والمدائن والقرى والقلوب، حتى انتشرت الدعوة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها. ثم لا يزال هذا الدين قائما منصورا ظاهرا إلى قيام الساعة؛ ولهذا قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} أي: يوم القيامة تكون النصرة أعظم وأكبر وأجل. قال مجاهد: الأشهاد: الملائكة. وقوله: {يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم} بدل من قوله: {ويوم يقوم الأشهاد} . وقرأ آخرون: "يوم" بالرفع، كأنه فسره به {ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين} ، وهم المشركون {معذرتهم} أي: لا يقبل منهم عذر ولا فدية، {ولهم اللعنة} أي: الإبعاد والطرد من الرحمة، {ولهم سوء الدار} وهي النار. قاله السدي، بئس المنزل والمقيل. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {ولهم سوء الدار} أي: سوء العاقبة. وقوله: {ولقد آتينا موسى الهدى} وهو ما بعثه الله به من الهدى والنور، {وأورثنا بني إسرائيل الكتاب} أي: جعلنا لهم العاقبة، وأورثناهم بلاد فرعون وأمواله وحواصله وأرضه، بما صبروا على طاعة الله واتباع رسوله موسى، عليه السلام، وفي الكتاب الذي أورثوه -وهو التوراة- {هدى وذكرى لأولي الألباب} وهي: العقول الصحيحة السليمة. وقوله: {فاصبر} أي: يا محمد، {إن وعد الله} أي: وعدناك أنا سنعلي كلمتك، ونجعل العاقبة لك ولمن اتبعك، والله لا يخلف الميعاد. وهذا الذي أخبرناك به حق لا مرية فيه ولا شك. وقوله: {واستغفر لذنبك} هذا تهييج للأمة على الاستغفار، {وسبح بحمد ربك بالعشي} أي: في أواخر النهار وأوائل الليل، {والإبكار} وهي أوائل النهار وأواخر الليل.
Section V07/P150–V07/P152İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V07/P150–V07/P152)
Orijinal Metin (AR)وقوله: {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم} أي: يدفعون الحق بالباطل، ويردون الحجج الصحيحة بالشبه الفاسدة بلا برهان ولا حجة من الله، {إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} أي: ما في صدورهم إلا كبر على اتباع الحق، واحتقار لمن جاءهم به، وليس ما يرومونه من إخمال الحق وإعلاء الباطل بحاصل لهم، بل الحق هو المرفوع، وقولهم وقصدهم هو الموضوع، {فاستعذ بالله} أي: من حال مثل هؤلاء، {إنه هو السميع البصير} أو من شر مثل هؤلاء المجادلين في آيات الله بغير سلطان. هذا تفسير ابن جرير. وقال كعب وأبو العالية: نزلت هذه الآية في اليهود: {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} قال أبو العالية: وذلك أنهم ادعوا أن الدجال منهم، وأنهم يملكون به الأرض. فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم آمرا له أن يستعيذ من فتنة الدجال، ولهذا قال: {فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير} . وهذا قول غريب، وفيه تعسف بعيد، وإن كان قد رواه ابن أبي حاتم في كتابه، والله أعلم. {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون } {إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } يقول تعالى منبها على أنه يعيد الخلائق يوم القيامة، وأن ذلك سهل عليه، يسير لديه -بأنه خلق السموات والأرض، وخلقهما أكبر من خلق الناس بدأة وإعادة، فمن قدر على ذلك فهو قادر على ما دونه بطريق الأولى والأحرى، كما قال تعالى: {أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير} [الأحقاف: 33] . وقال هاهنا: {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ؛ فلهذا لا يتدبرون هذه الحجة ولا يتأملونها، كما كان كثير من العرب يعترفون بأن الله خلق السموات والأرض، وينكرون المعاد، استبعادا وكفرا وعنادا، وقد اعترفوا بما هو أولى مما أنكروا. ثم قال: {وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء} أي كما لا يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئا، والبصير الذي يرى ما انتهى إليه بصره، بل بينهما فرق عظيم، كذلك لا يستوي المؤمنون الأبرار والكفرة الفجار، {قليلا ما تتذكرون} أي: ما أقل ما يتذكر كثير من الناس. ثم قال: {إن الساعة لآتية} أي لكائنة وواقعة {لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} أي: لا يصدقون بها، بل يكذبون بوجودها. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أشهب، حدثنا مالك، عن شيخ قديم من أهل اليمن -قدم من ثم-قال: سمعت أن الساعة إذا دنت اشتد البلاء على الناس، واشتد حر الشمس. {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم\ داخرين } هذا من فضله، تبارك وتعالى، وكرمه أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة، كما كان سفيان الثوري يقول: يا من أحب عباده إليه من سأله فأكثر سؤاله، ويا من أبغض عباده إليه من لم يسأله، وليس كذلك غيرك يا رب. رواه ابن أبي حاتم. وفي هذا المعنى يقول الشاعر: الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب وقال قتادة:: قال كعب الأحبار: أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم تعطهن أمة قبلهم إلا نبي: كان إذا أرسل الله نبيا قيل له: "أنت شاهد على أمتك"، وجعلتكم شهداء على الناس. وكان يقال له: "ليس عليك في الدين من حرج". وقال لهذه الأمة: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج:78] . وكان يقال له: "ادعني أستجب لك "وقال لهذه الأمة: {ادعوني أستجب لكم} رواه ابن أبي حاتم.
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وقوله: {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم} أي: يدفعون الحق بالباطل، ويردون الحجج الصحيحة بالشبه الفاسدة بلا برهان ولا حجة من الله، {إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} أي: ما في صدورهم إلا كبر على اتباع الحق، واحتقار لمن جاءهم به، وليس ما يرومونه من إخمال الحق وإعلاء الباطل بحاصل لهم، بل الحق هو المرفوع، وقولهم وقصدهم هو الموضوع، {فاستعذ بالله} أي: من حال مثل هؤلاء، {إنه هو السميع البصير} أو من شر مثل هؤلاء المجادلين في آيات الله بغير سلطان. هذا تفسير ابن جرير. وقال كعب وأبو العالية: نزلت هذه الآية في اليهود: {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} قال أبو العالية: وذلك أنهم ادعوا أن الدجال منهم، وأنهم يملكون به الأرض. فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم آمرا له أن يستعيذ من فتنة الدجال، ولهذا قال: {فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير} . وهذا قول غريب، وفيه تعسف بعيد، وإن كان قد رواه ابن أبي حاتم في كتابه، والله أعلم. {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون } {إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } يقول تعالى منبها على أنه يعيد الخلائق يوم القيامة، وأن ذلك سهل عليه، يسير لديه -بأنه خلق السموات والأرض، وخلقهما أكبر من خلق الناس بدأة وإعادة، فمن قدر على ذلك فهو قادر على ما دونه بطريق الأولى والأحرى، كما قال تعالى: {أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير} [الأحقاف: 33] . وقال هاهنا: {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ؛ فلهذا لا يتدبرون هذه الحجة ولا يتأملونها، كما كان كثير من العرب يعترفون بأن الله خلق السموات والأرض، وينكرون المعاد، استبعادا وكفرا وعنادا، وقد اعترفوا بما هو أولى مما أنكروا. ثم قال: {وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء} أي كما لا يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئا، والبصير الذي يرى ما انتهى إليه بصره، بل بينهما فرق عظيم، كذلك لا يستوي المؤمنون الأبرار والكفرة الفجار، {قليلا ما تتذكرون} أي: ما أقل ما يتذكر كثير من الناس. ثم قال: {إن الساعة لآتية} أي لكائنة وواقعة {لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} أي: لا يصدقون بها، بل يكذبون بوجودها. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أشهب، حدثنا مالك، عن شيخ قديم من أهل اليمن -قدم من ثم-قال: سمعت أن الساعة إذا دنت اشتد البلاء على الناس، واشتد حر الشمس. {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم\ داخرين } هذا من فضله، تبارك وتعالى، وكرمه أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة، كما كان سفيان الثوري يقول: يا من أحب عباده إليه من سأله فأكثر سؤاله، ويا من أبغض عباده إليه من لم يسأله، وليس كذلك غيرك يا رب. رواه ابن أبي حاتم. وفي هذا المعنى يقول الشاعر: الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب وقال قتادة:: قال كعب الأحبار: أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم تعطهن أمة قبلهم إلا نبي: كان إذا أرسل الله نبيا قيل له: "أنت شاهد على أمتك"، وجعلتكم شهداء على الناس. وكان يقال له: "ليس عليك في الدين من حرج". وقال لهذه الأمة: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج:78] . وكان يقال له: "ادعني أستجب لك "وقال لهذه الأمة: {ادعوني أستجب لكم} رواه ابن أبي حاتم.
Section V07/P152–V07/P154İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V07/P152–V07/P154)
Orijinal Metin (AR)وقال الإمام الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده: حدثنا أبو إبراهيم الترجماني، حدثنا صالح المري قال: سمعت الحسن يحدث عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم -فيما يروي عن ربه عز وجل-قال: "أربع خصال، واحدة منهن لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين عبادي : فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئا، وأما التي لك علي فما عملت من خير جزيتك به، وأما التي بيني وبينك: فمنك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين عبادي فارض لهم ما ترضى لنفسك" . وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن ذر، عن يسيع الكندي، عن النعمان بن بشير، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الدعاء هو العبادة" ثم قرأ: {ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} . وهكذا رواه أصحاب السنن: الترمذي، والنسائي،وابن ماجه، وابن أبي حاتم، وابن جرير، كلهم من حديث الأعمش، به . وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن جرير أيضا، من حديث شعبة، عن منصور، عن ذر، به . وأخرجه الترمذي أيضا من حديث الثوري، عن منصور والأعمش، كلاهما عن ذر، به . ورواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما، وقال الحاكم: صحيح الإسناد . وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثني أبو مليح المدني -شيخ من أهل المدينة-سمعه عن أبي صالح، وقال مرة: سمعت أبا صالح يحدث عن أبي هريرة [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع الله، عز وجل، غضب عليه". تفرد به أحمد ، وهذا إسناد لا بأس به. وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا مروان الفزاري، حدثنا صبيح أبو المليح: سمعت أبا صالح يحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لا يسأله يغضب عليه" . قال ابن معين: أبو المليح هذا اسمه: صبيح. كذا قيده بالضم عبد الغني بن سعيد. وأما أبو صالح هذا فهو الخوزي ، سكن شعب الخوز . قاله البزار في مسنده. وكذا وقع في روايته أبو المليح الفارسي، عن أبي صالح الخوزي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لا يسأل الله يغضب عليه" . وقال الحافظ أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي: حدثنا همام، حدثنا إبراهيم بن الحسن، حدثنا نائل بن نجيح، حدثني عائذ بن حبيب، عن محمد بن سعيد قال: لما مات محمد بن مسلمة الأنصاري، وجدنا في ذؤابة سيفه كتابا: "بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن لربكم في بقية دهركم نفحات ، فتعرضوا له، لعل دعوة أن توافق رحمة فيسعد بها صاحبها سعادة لا يخسر بعدها أبدا" . وقوله: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي} أي: عن دعائي وتوحيدي، {سيدخلون جهنم داخرين} أي: صاغرين حقيرين، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر، في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنا في جهنم -يقال له: بولس-تعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال: عصارة أهل النار" .
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وقال الإمام الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده: حدثنا أبو إبراهيم الترجماني، حدثنا صالح المري قال: سمعت الحسن يحدث عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم -فيما يروي عن ربه عز وجل-قال: "أربع خصال، واحدة منهن لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين عبادي : فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئا، وأما التي لك علي فما عملت من خير جزيتك به، وأما التي بيني وبينك: فمنك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين عبادي فارض لهم ما ترضى لنفسك" . وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن ذر، عن يسيع الكندي، عن النعمان بن بشير، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الدعاء هو العبادة" ثم قرأ: {ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} . وهكذا رواه أصحاب السنن: الترمذي، والنسائي،وابن ماجه، وابن أبي حاتم، وابن جرير، كلهم من حديث الأعمش، به . وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن جرير أيضا، من حديث شعبة، عن منصور، عن ذر، به . وأخرجه الترمذي أيضا من حديث الثوري، عن منصور والأعمش، كلاهما عن ذر، به . ورواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما، وقال الحاكم: صحيح الإسناد . وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثني أبو مليح المدني -شيخ من أهل المدينة-سمعه عن أبي صالح، وقال مرة: سمعت أبا صالح يحدث عن أبي هريرة [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع الله، عز وجل، غضب عليه". تفرد به أحمد ، وهذا إسناد لا بأس به. وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا مروان الفزاري، حدثنا صبيح أبو المليح: سمعت أبا صالح يحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لا يسأله يغضب عليه" . قال ابن معين: أبو المليح هذا اسمه: صبيح. كذا قيده بالضم عبد الغني بن سعيد. وأما أبو صالح هذا فهو الخوزي ، سكن شعب الخوز . قاله البزار في مسنده. وكذا وقع في روايته أبو المليح الفارسي، عن أبي صالح الخوزي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لا يسأل الله يغضب عليه" . وقال الحافظ أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي: حدثنا همام، حدثنا إبراهيم بن الحسن، حدثنا نائل بن نجيح، حدثني عائذ بن حبيب، عن محمد بن سعيد قال: لما مات محمد بن مسلمة الأنصاري، وجدنا في ذؤابة سيفه كتابا: "بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن لربكم في بقية دهركم نفحات ، فتعرضوا له، لعل دعوة أن توافق رحمة فيسعد بها صاحبها سعادة لا يخسر بعدها أبدا" . وقوله: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي} أي: عن دعائي وتوحيدي، {سيدخلون جهنم داخرين} أي: صاغرين حقيرين، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر، في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنا في جهنم -يقال له: بولس-تعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال: عصارة أهل النار" .
Section V07/P154–V07/P155İbn Kesîr — Tefsîrü'l-Kur'âni'l-Azîm (s. V07/P154–V07/P155)
Orijinal Metin (AR)وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو بكر بن محمد بن يزيد بن خنيس: سمعت أبي يحدث عن وهيب بن الورد: حدثني رجل قال: كنت أسير ذات يوم في أرض الروم، فسمعت هاتفا من فوق رأس جبل وهو يقول: يا رب، عجبت لمن عرفك كيف يرجو أحدا غيرك! يا رب، عجبت لمن عرفك كيف يطلب حوائجه إلى أحد غيرك -قال: ثم ذهبت، ثم جاءت الطامة الكبرى -قال: ثم عاد الثانية فقال: يا رب، عجبت لمن عرفك كيف يتعرض لشيء من سخطك يرضي غيرك. قال وهيب: وهذه الطامة الكبرى. قال: فناديته: أجني أنت أم إنسي؟ قال: بل إنسي، اشغل نفسك بما يعنيك عما لا يعنيك. {الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين } يقول تعالى ممتنا على خلقه، بما جعل لهم من الليل الذي يسكنون فيه ويستريحون من حركات ترددهم في المعايش بالنهار، وجعل النهار مبصرا، أي: مضيئا، ليتصرفوا فيه بالأسفار، وقطع الأقطار، والتمكن من الصناعات، {إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} أي: لا يقومون بشكر نعم الله عليهم. ثم قال: {ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو} أي: الذي فعل هذه الأشياء هو الله الواحد الأحد، خالق الأشياء، الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، {فأنى تؤفكون} أي: فكيف تعبدون غيره من الأصنام، التي لا تخلق شيئا، بل هي مخلوقة منحوتة. وقوله: {كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون} أي: كما ضل هؤلاء بعبادة غير الله، كذلك أفك الذين من قبلهم، فعبدوا غيره بلا دليل ولا برهان بل بمجرد الجهل والهوى، وجحدوا حجج الله وآياته. وقوله: {الله الذي جعل لكم الأرض قرارا} أي: جعلها مستقرا لكم، بساطا مهادا تعيشون عليها، وتتصرفون فيها، وتمشون في مناكبها، وأرساها بالجبال لئلا تميد بكم، {والسماء بناء} أي: سقفا للعالم محفوظا، {وصوركم فأحسن صوركم} أي: فخلقكم في أحسن الأشكال، ومنحكم أكمل الصور في أحسن تقويم، {ورزقكم من الطيبات} أي: من المآكل والمشارب في الدنيا. فذكر أنه خلق الدار، والسكان، والأرزاق -فهو الخالق الرازق، كما قال في سورة البقرة: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون. الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} [البقرة: 21، 20] وقال هاهنا بعد خلق هذه الأشياء: {ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين} أي: فتعالى وتقدس وتنزه رب العالمين كلهم. ثم قال: {هو الحي لا إله إلا هو} أي: هو الحي أزلا وأبدا، لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، {لا إله إلا هو} أي: لا نظير له ولا عديل له، {فادعوه مخلصين له الدين} أي: موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو {الحمد لله رب العالمين} . قال ابن جرير: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: "لا إله إلا الله" أن يتبعها بالحمد لله رب العالمين، عملا بهذه الآية. ثم روى عن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، عن أبيه، عن الحسين بن واقد، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: من قال: "لا إله إلا الله" فليقل على أثرها: "الحمد لله رب العالمين" فذلك قوله تعالى: {فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين} .
English Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو بكر بن محمد بن يزيد بن خنيس: سمعت أبي يحدث عن وهيب بن الورد: حدثني رجل قال: كنت أسير ذات يوم في أرض الروم، فسمعت هاتفا من فوق رأس جبل وهو يقول: يا رب، عجبت لمن عرفك كيف يرجو أحدا غيرك! يا رب، عجبت لمن عرفك كيف يطلب حوائجه إلى أحد غيرك -قال: ثم ذهبت، ثم جاءت الطامة الكبرى -قال: ثم عاد الثانية فقال: يا رب، عجبت لمن عرفك كيف يتعرض لشيء من سخطك يرضي غيرك. قال وهيب: وهذه الطامة الكبرى. قال: فناديته: أجني أنت أم إنسي؟ قال: بل إنسي، اشغل نفسك بما يعنيك عما لا يعنيك. {الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين } يقول تعالى ممتنا على خلقه، بما جعل لهم من الليل الذي يسكنون فيه ويستريحون من حركات ترددهم في المعايش بالنهار، وجعل النهار مبصرا، أي: مضيئا، ليتصرفوا فيه بالأسفار، وقطع الأقطار، والتمكن من الصناعات، {إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} أي: لا يقومون بشكر نعم الله عليهم. ثم قال: {ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو} أي: الذي فعل هذه الأشياء هو الله الواحد الأحد، خالق الأشياء، الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، {فأنى تؤفكون} أي: فكيف تعبدون غيره من الأصنام، التي لا تخلق شيئا، بل هي مخلوقة منحوتة. وقوله: {كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون} أي: كما ضل هؤلاء بعبادة غير الله، كذلك أفك الذين من قبلهم، فعبدوا غيره بلا دليل ولا برهان بل بمجرد الجهل والهوى، وجحدوا حجج الله وآياته. وقوله: {الله الذي جعل لكم الأرض قرارا} أي: جعلها مستقرا لكم، بساطا مهادا تعيشون عليها، وتتصرفون فيها، وتمشون في مناكبها، وأرساها بالجبال لئلا تميد بكم، {والسماء بناء} أي: سقفا للعالم محفوظا، {وصوركم فأحسن صوركم} أي: فخلقكم في أحسن الأشكال، ومنحكم أكمل الصور في أحسن تقويم، {ورزقكم من الطيبات} أي: من المآكل والمشارب في الدنيا. فذكر أنه خلق الدار، والسكان، والأرزاق -فهو الخالق الرازق، كما قال في سورة البقرة: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون. الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} [البقرة: 21، 20] وقال هاهنا بعد خلق هذه الأشياء: {ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين} أي: فتعالى وتقدس وتنزه رب العالمين كلهم. ثم قال: {هو الحي لا إله إلا هو} أي: هو الحي أزلا وأبدا، لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، {لا إله إلا هو} أي: لا نظير له ولا عديل له، {فادعوه مخلصين له الدين} أي: موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو {الحمد لله رب العالمين} . قال ابن جرير: كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: "لا إله إلا الله" أن يتبعها بالحمد لله رب العالمين، عملا بهذه الآية. ثم روى عن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، عن أبيه، عن الحسين بن واقد، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: من قال: "لا إله إلا الله" فليقل على أثرها: "الحمد لله رب العالمين" فذلك قوله تعالى: {فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين} .