Qur'an&Sunnahالقرآن

Gazâlî — el-İktisâd fi'l-İ'tikâd (akaid/kelam)

أبو حامد الغزالي · AR

Sección V01/P176–V01/P178Gazâlî — el-İktisâd fi'l-İ'tikâd (akaid/kelam) (s. V01/P176–V01/P178)
Orijinal Metin (AR)

انتهى عقله إلى أن يقول يحدث في ذاته بعدد كل حادث في كل وقت ، قوله كن فيجتمع آلاف آلاف أصوات في كل لحظة . ومعلوم أن النون والكاف لا يمكن النطق بهما في وقت واحد بل ينبغي أن تكون النون بعد الكاف لأن الجمع بين الحرفين محال وإن جمع ولم يرتب لم يكن قولا مفهوما ولا كلاما ، وكما يستحيل الجمع بين حرفين مختلفين فكذلك بين حرفين متماثلين ، ولا يعقل في أوان ألف ألف كاف كما لا يعقل الكاف والنون فهؤلاء حقهم أن يسترزقوا الله عقلا وهو أهم لهم من الاشتغال بالنظر . والثالث : أن قوله كن خطاب مع العالم في حالة العدم أو في حالة الوجود ، فإن كان في حالة العدم فالمعدوم لا يفهم الخطاب ، فكيف يمتثل بأن يتكون بقوله كن ؟ وإن كان في حالة الوجود فالكائن كيف يقال له كن ؟ فانظر ماذا يفعل الله تعالى بمن ضل عن سبيله فقد انتهى ركاكة عقله إلى أن لا يفهم المعني بقوله تعالى ' إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ' وأنه كناية عن نفاذ القدرة وكمالها حتى انجر بهم إلى هذه المخازي ، نعوذ بالله من الخزي والفضيحة يوم الفزع الأكبر يوم تكشف الضمائر وتبلى السرائر فيكشف إذ ذاك ستر الله عن خبائث الجهال ، ويقال للجاهل الذي اعتقد في الله تعالى وفي صفاته غير الرأي السديد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد . وأما الكلام فهو قديم ، وما استبعدوه من قوله تعالى ' فاخلع نعليك ' ومن قوله تعالى ' إنا أرسلنا نوحا ' استبعاد مستنده تقديرهم الكلام صوتا وهو محال فيه ، وليس بمحال إذ فهم كلام النفس . فإنا نقول يقوم بذات الله تعالى خبر عن إرسال نوح العبارة عنه قبل إرساله : إنا نرسله ، وبعد إرساله : إنا أرسلنا ، واللفظ يختلف باختلاف الأحوال والمعنى القائم بذاته تعالى لا يختلف ، فإن حقيقته أنه خبر متعلق بمخبر ذلك الخبر هو إرسال نوح في الوقت المعلوم وذلك لا يختلف باختلاف الأحوال كما سبق في العلم ، وكذلك قوله اخلع نعليك لفظة تدل على الأمر والأمر اقتضاء وطلب يقوم بذات الأمر وليس شرط قيامه به أن يكون المأمور موجودا ولكن يجوز أن يقوم بذاته قبل وجود المأمور ، فإذا وجد المأمور كان مأمورا بذلك الاقتضاء بعينه من غير تحدد اقتضاء آخر . وكم من شخص ليس له ولد ويقوم بذاته اقتضاء طلب العلم منه على تقدير وجوده ، إذ يقدر في نفسه أن يقول لولده اطلب العلم وهذا الاقتضاء يتنجز في نفسه على تقدير الوجود ، فلو وجد الولد وخلق له عقل وخلق له علم بما في نفس الأب من غير تقدير صياغة لفظ مسموع ، وقدر بقاء ذلك الاقتضاء على وجوده لعلم الابن أنه مأمور من جهة الأب بطلب العلم في غير استئناف اقتضاء متجدد في النفس ، بل يبقى ذلك الاقتضاء نعم العادة جارية بأن الابن لا يحدث له علم إلا بلفظ يدل على الاقتضاء الباطن ، فيكون قوله بلسانه أطلب العلم ، دلالة على الاقتضاء الذي في ذاته سواء حدث في الوقت أو كان قديما بذاته قبل وجود ولده . فهكذا ينبغي أن يفهم قيام الأمر بذات الله تعالى فتكون الألفاظ الدالة عليه حادثة والمدلول قديما ووجود ذلك المدلول لا يستدعي وجود المأمور بل تصور وجوده مهما كان المأمور مقدر الوجود ، فإن كان مستحيل الوجود ربما لا يتصور وجود الاقتضاء ممن يعلم استحالة وجوده . فلذلك لا نقول إن الله تعالى يقوم بذاته اقتضاء فعل ممن يستحيل وجوده ، بل ممن علم وجوده ، وذلك غير محال . فإن قيل أفتقولون إن الله تعالى في الأزل آمر وناه ، فإن قلتم أنه آمر فكيف يكون آمر لا مأمور له ؟ وإن قلتم لا فقد صار آمرا بعد أن لم يكن .

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

انتهى عقله إلى أن يقول يحدث في ذاته بعدد كل حادث في كل وقت ، قوله كن فيجتمع آلاف آلاف أصوات في كل لحظة . ومعلوم أن النون والكاف لا يمكن النطق بهما في وقت واحد بل ينبغي أن تكون النون بعد الكاف لأن الجمع بين الحرفين محال وإن جمع ولم يرتب لم يكن قولا مفهوما ولا كلاما ، وكما يستحيل الجمع بين حرفين مختلفين فكذلك بين حرفين متماثلين ، ولا يعقل في أوان ألف ألف كاف كما لا يعقل الكاف والنون فهؤلاء حقهم أن يسترزقوا الله عقلا وهو أهم لهم من الاشتغال بالنظر . والثالث : أن قوله كن خطاب مع العالم في حالة العدم أو في حالة الوجود ، فإن كان في حالة العدم فالمعدوم لا يفهم الخطاب ، فكيف يمتثل بأن يتكون بقوله كن ؟ وإن كان في حالة الوجود فالكائن كيف يقال له كن ؟ فانظر ماذا يفعل الله تعالى بمن ضل عن سبيله فقد انتهى ركاكة عقله إلى أن لا يفهم المعني بقوله تعالى ' إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ' وأنه كناية عن نفاذ القدرة وكمالها حتى انجر بهم إلى هذه المخازي ، نعوذ بالله من الخزي والفضيحة يوم الفزع الأكبر يوم تكشف الضمائر وتبلى السرائر فيكشف إذ ذاك ستر الله عن خبائث الجهال ، ويقال للجاهل الذي اعتقد في الله تعالى وفي صفاته غير الرأي السديد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد . وأما الكلام فهو قديم ، وما استبعدوه من قوله تعالى ' فاخلع نعليك ' ومن قوله تعالى ' إنا أرسلنا نوحا ' استبعاد مستنده تقديرهم الكلام صوتا وهو محال فيه ، وليس بمحال إذ فهم كلام النفس . فإنا نقول يقوم بذات الله تعالى خبر عن إرسال نوح العبارة عنه قبل إرساله : إنا نرسله ، وبعد إرساله : إنا أرسلنا ، واللفظ يختلف باختلاف الأحوال والمعنى القائم بذاته تعالى لا يختلف ، فإن حقيقته أنه خبر متعلق بمخبر ذلك الخبر هو إرسال نوح في الوقت المعلوم وذلك لا يختلف باختلاف الأحوال كما سبق في العلم ، وكذلك قوله اخلع نعليك لفظة تدل على الأمر والأمر اقتضاء وطلب يقوم بذات الأمر وليس شرط قيامه به أن يكون المأمور موجودا ولكن يجوز أن يقوم بذاته قبل وجود المأمور ، فإذا وجد المأمور كان مأمورا بذلك الاقتضاء بعينه من غير تحدد اقتضاء آخر . وكم من شخص ليس له ولد ويقوم بذاته اقتضاء طلب العلم منه على تقدير وجوده ، إذ يقدر في نفسه أن يقول لولده اطلب العلم وهذا الاقتضاء يتنجز في نفسه على تقدير الوجود ، فلو وجد الولد وخلق له عقل وخلق له علم بما في نفس الأب من غير تقدير صياغة لفظ مسموع ، وقدر بقاء ذلك الاقتضاء على وجوده لعلم الابن أنه مأمور من جهة الأب بطلب العلم في غير استئناف اقتضاء متجدد في النفس ، بل يبقى ذلك الاقتضاء نعم العادة جارية بأن الابن لا يحدث له علم إلا بلفظ يدل على الاقتضاء الباطن ، فيكون قوله بلسانه أطلب العلم ، دلالة على الاقتضاء الذي في ذاته سواء حدث في الوقت أو كان قديما بذاته قبل وجود ولده . فهكذا ينبغي أن يفهم قيام الأمر بذات الله تعالى فتكون الألفاظ الدالة عليه حادثة والمدلول قديما ووجود ذلك المدلول لا يستدعي وجود المأمور بل تصور وجوده مهما كان المأمور مقدر الوجود ، فإن كان مستحيل الوجود ربما لا يتصور وجود الاقتضاء ممن يعلم استحالة وجوده . فلذلك لا نقول إن الله تعالى يقوم بذاته اقتضاء فعل ممن يستحيل وجوده ، بل ممن علم وجوده ، وذلك غير محال . فإن قيل أفتقولون إن الله تعالى في الأزل آمر وناه ، فإن قلتم أنه آمر فكيف يكون آمر لا مأمور له ؟ وإن قلتم لا فقد صار آمرا بعد أن لم يكن .

Sección V01/P178–V01/P180Gazâlî — el-İktisâd fi'l-İ'tikâd (akaid/kelam) (s. V01/P178–V01/P180)
Orijinal Metin (AR)

قلنا : واختلف الأصحاب في جواب هذا ، والمختار أن تقول هذا نظر يتعلق أحد طرفيه بالمعنى والآخر بإطلاق الاسم من حيث اللغة . فأما حظ المعنى فقد انكشف وهو أن الاقتضاء القديم معقول وإن كان سابقا على وجود المأمور كما في حق الولد ينبغي أن يقال اسم الأمر ينطلق عليه بعد فهم المأمور ووجوده أم ينطلق عليه قبله ؟ وهذا أمر لفظي لا ينبغي للناظر أن يشتغل بأمثاله ، ولكن الحق أنه يجوز اطلاقه عليه كما جوزوا تسمية الله تعالى قادرا قبل وجود المقدور ، ولم يستبعدوا قادرا ليس له مقدور موجود بل قالوا القادر يستدعي مقدورا معلوما لا موجودا فكذلك الآمر يستدعي مأمورا معلوما موجودا والمعدوم معلوم الوجود قبل الوجود ، بل يستدعي الأمر مأمورا به كما يستدعي مأمورا ويستدعي آمرا أيضا والمأمور به يكون معدوما ولا يقال إنه كيف يكون آمر من غير مأمور به ، بل يقال له مأمور به هو معلوم وليس يشترط كونه موجودا ، بل يشترط كونه معدوما بل من أمر ولده على سبيل الوصية بأمر ثم توفي فأتى الولد بما أوصي به يقال امتثل أمر والده والأمر معدوم والأمر في نفسه معدوم ونحن مع هذا نطلق اسم امتثال الأمر ، فإذا لم يستبعد كون المأمور ممتثلا للأمر ولا وجود للأمر ولا للآمر ولم يستبعد كون الأمر أمرا قبل وجود المأمور به ، فمن أين يستدعي وجود المأمور ؟ فقد انكشف من هذا حظ اللفظ والمعنى جميعا ولا نظر إلا فيهما . فهذا ما أردنا أن نذكره في استحالة كونه محلا للحوادث إجمالا وتفصيلا . الحكم الرابع سرمدية أسماء الله إن الأسامي المشتقة لله تعالى من هذه الصفات السبعة صادقة عليه أزلا وأبدا ، فهو في القدم كان حيا قادرا عالما سميعا بصيرا متكلما ، وأما ما يشتق له من الأفعال كالرازق والخالق والمعز والمذل فقد اختلف في أنه يصدق في الأزل أم لا . وهذا إذا كشف الغطاء عنه تبين استحالة الخلاف فيه . والقول الجامع أن الأسامي التي يسمى بها الله تعالى أربعة : الأول : أن لا يدل إلا على ذاته كالموجود ، وهذا صادق أزلا وأبدا . الثاني : ما يدل على الذات مع زيادة سلب كالقديم ، فإنه يدل على وجود غير مسبوق بعدم أزلا ، والباقي فإنه يدل على الوجود وسلب العدم عنه آخرا وكالواحد فإنه يدل على الوجود وسلب الشريك ، وكالغنى فإنه يدل على الوجود وسلب الحاجة فهذا أيضا يصدق أزلا وأبدا لأن ما يسلب عنه يسلب لذاته فيلازم الذات على الدوام . الثالث : ما يدل على الوجود وصفة زائدة من صفات المعنى كالحي والقادر والمتكلم والمريد والسميع والبصير والعالم وما يرجع إلى هذه الصفات السبعة كالآمر والناهي والخبير ونظائره ، فذلك أيضا يصدق عليه أزلا وأبدا عند من يعتقد قدم جميع الصفات .

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

قلنا : واختلف الأصحاب في جواب هذا ، والمختار أن تقول هذا نظر يتعلق أحد طرفيه بالمعنى والآخر بإطلاق الاسم من حيث اللغة . فأما حظ المعنى فقد انكشف وهو أن الاقتضاء القديم معقول وإن كان سابقا على وجود المأمور كما في حق الولد ينبغي أن يقال اسم الأمر ينطلق عليه بعد فهم المأمور ووجوده أم ينطلق عليه قبله ؟ وهذا أمر لفظي لا ينبغي للناظر أن يشتغل بأمثاله ، ولكن الحق أنه يجوز اطلاقه عليه كما جوزوا تسمية الله تعالى قادرا قبل وجود المقدور ، ولم يستبعدوا قادرا ليس له مقدور موجود بل قالوا القادر يستدعي مقدورا معلوما لا موجودا فكذلك الآمر يستدعي مأمورا معلوما موجودا والمعدوم معلوم الوجود قبل الوجود ، بل يستدعي الأمر مأمورا به كما يستدعي مأمورا ويستدعي آمرا أيضا والمأمور به يكون معدوما ولا يقال إنه كيف يكون آمر من غير مأمور به ، بل يقال له مأمور به هو معلوم وليس يشترط كونه موجودا ، بل يشترط كونه معدوما بل من أمر ولده على سبيل الوصية بأمر ثم توفي فأتى الولد بما أوصي به يقال امتثل أمر والده والأمر معدوم والأمر في نفسه معدوم ونحن مع هذا نطلق اسم امتثال الأمر ، فإذا لم يستبعد كون المأمور ممتثلا للأمر ولا وجود للأمر ولا للآمر ولم يستبعد كون الأمر أمرا قبل وجود المأمور به ، فمن أين يستدعي وجود المأمور ؟ فقد انكشف من هذا حظ اللفظ والمعنى جميعا ولا نظر إلا فيهما . فهذا ما أردنا أن نذكره في استحالة كونه محلا للحوادث إجمالا وتفصيلا . الحكم الرابع سرمدية أسماء الله إن الأسامي المشتقة لله تعالى من هذه الصفات السبعة صادقة عليه أزلا وأبدا ، فهو في القدم كان حيا قادرا عالما سميعا بصيرا متكلما ، وأما ما يشتق له من الأفعال كالرازق والخالق والمعز والمذل فقد اختلف في أنه يصدق في الأزل أم لا . وهذا إذا كشف الغطاء عنه تبين استحالة الخلاف فيه . والقول الجامع أن الأسامي التي يسمى بها الله تعالى أربعة : الأول : أن لا يدل إلا على ذاته كالموجود ، وهذا صادق أزلا وأبدا . الثاني : ما يدل على الذات مع زيادة سلب كالقديم ، فإنه يدل على وجود غير مسبوق بعدم أزلا ، والباقي فإنه يدل على الوجود وسلب العدم عنه آخرا وكالواحد فإنه يدل على الوجود وسلب الشريك ، وكالغنى فإنه يدل على الوجود وسلب الحاجة فهذا أيضا يصدق أزلا وأبدا لأن ما يسلب عنه يسلب لذاته فيلازم الذات على الدوام . الثالث : ما يدل على الوجود وصفة زائدة من صفات المعنى كالحي والقادر والمتكلم والمريد والسميع والبصير والعالم وما يرجع إلى هذه الصفات السبعة كالآمر والناهي والخبير ونظائره ، فذلك أيضا يصدق عليه أزلا وأبدا عند من يعتقد قدم جميع الصفات .

Sección V01/P180–V01/P183Gazâlî — el-İktisâd fi'l-İ'tikâd (akaid/kelam) (s. V01/P180–V01/P183)
Orijinal Metin (AR)

الرابع : ما يدل على الوجود مع إضافة إلى فعل من أفعاله كالجواد والرزاق والخالق والمعز والمذل وأمثاله ، وهذا مختلف فيه ، فقال قوم هو صادق أزلا إذ لو لم يصدق لكان اتصافه به موجبا للتغير وقال قوم لا يصدق إذ لا خلق في الأزل فكيف خالقا . والكاشف للغطاء عن هذا أن السيف في الغمد يسمى صارما وعند حصول القطع به وفي تلك الحالة على الاقتران يسمى صارما ، وهما بمعنيين مختلفين ، فهو في الغمد صارم بالقوة وعند حصول القطع صارم بالفعل وكذلك الماء في الكوز يسمى مرويا وعند الشرب يسمى مرويا وهما إطلاقان مختلفان فمعنى تسمية السيف في الغمد صارما أن الصفة التي يحصل بها القطع في الحال لقصور في ذات السيف وحدته واستعداده بل لأمر آخر وراء ذاته . فبالمعنى الذي يسمى السيف في الغمد صارما يصدق اسم الخالق على الله تعالى في الأزل فإن الخلق إذ أجري بالفعل لم يكن لتجدد أمر في الذات لم يكن ، بل كل ما يشترط لتحقيق الفعل موجود في الأزل . وبالمعنى الذي يطلق حالة مباشرة القطع للسيف اسم الصارم لا يصدق في الأزل فهذا حظ المعنى . فقد ظهر أن من قال إنه لا يصدق في الأزل هذا الاسم فهو محق وأراد به المعنى الثاني ، ومن قال يصدق في الأزل فهو محق وأراد به المعنى الأول . وإذا كشف الغطاء على هذا الوجه ارتفع الخلاف . فهذا تمام ما أردنا ذكره في قطب الصفات وقد اشتمل على سبعة دعاو ، وتفرع عن صفة القدرة ثلاثة فروع ، وعن صفة الكلام خمسة استبعادات ، واجتمع من الأحكام المشتركة بين الصفات أربعة أحكام ، فكان المجموع قريبا من عشرين دعوى هي أصول الدعاوى وإن كان تنبني كل دعوى على دعاوى بها يتوصل إلى اثباتها فلنشتغل بالقطب الثالث من الكتاب إن شاء الله تعالى . القطب الثالث في أفعال الله تعالى وجملة أفعال جائزة لا يوصف شيء منها بالوجوب وندعي في هذا القطب سبعة أمور : ندعي أنه يجوز لله تعالى أن لا يكلف عباده ، وأنه يجوز أن يكلفهم ما لا يطاق ، وأنه يجوز منه إيلام العباد بغير عوض وجناية ؛ وأنه لا يجب رعاية الأصلح لهم ، وأنه لا يجب عليه ثواب الطاعة وعقاب المعصية ، وأن العبد لا يجب عليه شيء بالعقل بل بالشرع ، وأنه لا يجب على الله بعثه الرسل ، وأنه لو بعث لم يكن قبيحا ولا محالا بل أمكن اظهار صدقهم بالمعجزة ، وجملة هذه الدعاوى تنبني على البحث عن معنى الواجب والحسن والقبيح ، ولقد خاض الخائضون فيه وطولوا القول في أن العقل هل يحسن ويقبح وهل يوجب . وإنما كثر الخبط لأنهم لم يحصلوا معنى هذه الألفاظ واختلافات الاصطلاحات فيها وكيف تخاطب خصمان في أن العقل واجب وهما بعد لم يفهما معنى الواجب ، فهما محصلا متفقا عليه بينهما ، فلنقدم البحث عن الاصطلاحات ولا بد من الوقوف على معنى ستة ألفاظ وهي : الواجب ، والحسن ، والقبيح ، والعبث ، والسفه ، والحكمة ؛ فإن هذه الألفاظ مشتركة ومثار الأغاليط إجمالها ، والوجه في أمثال هذه المباحث أن نطرح الألفاظ ونحصل المعاني في العقل بعبارات أخرى ثم نلتفت إلى الألفاظ المبحوث عنها وننظر إلى تفاوت الاصطلاحات فيها ، فنقول : أما الواجب

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

الرابع : ما يدل على الوجود مع إضافة إلى فعل من أفعاله كالجواد والرزاق والخالق والمعز والمذل وأمثاله ، وهذا مختلف فيه ، فقال قوم هو صادق أزلا إذ لو لم يصدق لكان اتصافه به موجبا للتغير وقال قوم لا يصدق إذ لا خلق في الأزل فكيف خالقا . والكاشف للغطاء عن هذا أن السيف في الغمد يسمى صارما وعند حصول القطع به وفي تلك الحالة على الاقتران يسمى صارما ، وهما بمعنيين مختلفين ، فهو في الغمد صارم بالقوة وعند حصول القطع صارم بالفعل وكذلك الماء في الكوز يسمى مرويا وعند الشرب يسمى مرويا وهما إطلاقان مختلفان فمعنى تسمية السيف في الغمد صارما أن الصفة التي يحصل بها القطع في الحال لقصور في ذات السيف وحدته واستعداده بل لأمر آخر وراء ذاته . فبالمعنى الذي يسمى السيف في الغمد صارما يصدق اسم الخالق على الله تعالى في الأزل فإن الخلق إذ أجري بالفعل لم يكن لتجدد أمر في الذات لم يكن ، بل كل ما يشترط لتحقيق الفعل موجود في الأزل . وبالمعنى الذي يطلق حالة مباشرة القطع للسيف اسم الصارم لا يصدق في الأزل فهذا حظ المعنى . فقد ظهر أن من قال إنه لا يصدق في الأزل هذا الاسم فهو محق وأراد به المعنى الثاني ، ومن قال يصدق في الأزل فهو محق وأراد به المعنى الأول . وإذا كشف الغطاء على هذا الوجه ارتفع الخلاف . فهذا تمام ما أردنا ذكره في قطب الصفات وقد اشتمل على سبعة دعاو ، وتفرع عن صفة القدرة ثلاثة فروع ، وعن صفة الكلام خمسة استبعادات ، واجتمع من الأحكام المشتركة بين الصفات أربعة أحكام ، فكان المجموع قريبا من عشرين دعوى هي أصول الدعاوى وإن كان تنبني كل دعوى على دعاوى بها يتوصل إلى اثباتها فلنشتغل بالقطب الثالث من الكتاب إن شاء الله تعالى . القطب الثالث في أفعال الله تعالى وجملة أفعال جائزة لا يوصف شيء منها بالوجوب وندعي في هذا القطب سبعة أمور : ندعي أنه يجوز لله تعالى أن لا يكلف عباده ، وأنه يجوز أن يكلفهم ما لا يطاق ، وأنه يجوز منه إيلام العباد بغير عوض وجناية ؛ وأنه لا يجب رعاية الأصلح لهم ، وأنه لا يجب عليه ثواب الطاعة وعقاب المعصية ، وأن العبد لا يجب عليه شيء بالعقل بل بالشرع ، وأنه لا يجب على الله بعثه الرسل ، وأنه لو بعث لم يكن قبيحا ولا محالا بل أمكن اظهار صدقهم بالمعجزة ، وجملة هذه الدعاوى تنبني على البحث عن معنى الواجب والحسن والقبيح ، ولقد خاض الخائضون فيه وطولوا القول في أن العقل هل يحسن ويقبح وهل يوجب . وإنما كثر الخبط لأنهم لم يحصلوا معنى هذه الألفاظ واختلافات الاصطلاحات فيها وكيف تخاطب خصمان في أن العقل واجب وهما بعد لم يفهما معنى الواجب ، فهما محصلا متفقا عليه بينهما ، فلنقدم البحث عن الاصطلاحات ولا بد من الوقوف على معنى ستة ألفاظ وهي : الواجب ، والحسن ، والقبيح ، والعبث ، والسفه ، والحكمة ؛ فإن هذه الألفاظ مشتركة ومثار الأغاليط إجمالها ، والوجه في أمثال هذه المباحث أن نطرح الألفاظ ونحصل المعاني في العقل بعبارات أخرى ثم نلتفت إلى الألفاظ المبحوث عنها وننظر إلى تفاوت الاصطلاحات فيها ، فنقول : أما الواجب

Sección V01/P183–V01/P188Gazâlî — el-İktisâd fi'l-İ'tikâd (akaid/kelam) (s. V01/P183–V01/P188)
Orijinal Metin (AR)

الواجب فإنه يطلق على فعل لا محالة ، ويطلق على القديم إنه واجب ، وعلى الشمس إذا غربت إنها واجبة ، وليس من غرضنا . وليس يخفى أن الفعل الذي لا يترجح فعله على تركه ولا يكون صدوره من صاحبه أولى من تركه لا يسمى واجبا وإن ترجح وكان أولا لا يسميه أيضا بكل ترجيح بل لا بد من خصوص ترجيح . ومعلوم أن الفعل قد يكون بحيث يعلم أنه يعلم أنه نستعقب تركه ضررا ، أو يتوهم ، وذلك الضرر إما عاجل في الدنيا وإما آجل في العاقبة ، وهو إما قريب محتمل وإما عظيم لا يطاق مثله . فانقسام الفعل ووجوه ترجحه لهذه الأقسام ثابت في العقل من غير لفظ فلنرجع إلى اللفظ فنقول : معلوم أن ما فيه ضرر قريب محتمل لا يسمى واجبا ؛ إذ العطشان إذا لم يبادر إلى شرب الماء تضرر تضررا قريبا ولا يقال إن الشرب عليه واجب . ومعلوم أن ما لا ضرر فيه أصلا ولكن في فعله فائدة لا يسمى واجبا ، فإن التجارة واكتساب المال والنوافل فيه فائدة ولا يسمى واجبا ، بل المخصوص باسم الواجب ما في تركه ضرر ظاهر فإن كان ذلك في العاقبة أعني الآخرة ، وعرف بالشرع فنحن نسميه واجبا ، وإن كان ذلك في الدنيا وعرف بالعقل فقد يسمى أيضا ذلك واجبا ، فإن من لا يعتقد الشرع قد يقول واجب على الجائع الذي يموت من الجوع أن يأكل إذا وجد الخبز ونعني بوجوب الأكل ترجح فعله على تركه بما يتعلق من الضرر بتركه ، ولسنا نحرم هذا الاصطلاح بالشرع فإن الاصطلاحات مباحة لا حجر فيها للشرع ولا للعقل ، وإنما تمنع منه اللغة إذا لم يكن على وفق الموضوع المعروف فقد تحصلنا على معنيين للواجب ورجع كلاهما إلى التعرض للضرر وكان أحدهما أعم لا يختص بالآخرة ، والآخر أخص وهو اصطلاحنا ، وقد يطلق الواجب بمعنى ثالث وهو الذي يؤدي عدم وقوعه إلى أمر محال ، كما يقال : ما علم وقوعه فوقوعه واجب ، ومعناه أنه إن لم يقع يؤدي إلى أن ينقلب العلم جهلا وذلك محال ، فيكون معنى وجوبه أن ضده محال ، فليسم هذا المعنى الثالث الحسن والقبيح والعبث والسفه والحكمة . وأما الحسن فحظ المعنى منه أن الفعل في حق الفاعل ينقسم إلى ثلاثة أقسام أحدها أن توافقه أي تلائم غرضه ، والثاني أن ينافر غرضه ، والثالث أن لا يكون له في فعله ولا في تركه غرض . وهذا الانقسام ثابت في العقل ؛ فالذي يوافق الفاعل يسمى حسنا في حقه ولا معنى لحسنه إلا موافقته لغرضه ، والذي ينافي غرضه يسمى قبيحا ولا معنى لقبحه إلا منافاته لغرضه ، والذي لا ينافي ولا يوافق يسمى عبثا أي لا فائدة فيه أصلا ، وفاعل العبث يسمى عابثا وربما يسمى سفيها ، وفاعل القبيح أعني الفعل الذي ينضر به يسمى سفيها واسم السفيه أصدق منه على العابث ، وهذا كله إذا لم يلتفت إلى غير الفاعل أو لم يرتبط الفعل بغرض غير الفاعل ، فإن ارتبط بغير الفاعل وكان موافقا لغرضه سمي حسنا في حق من وافقه وإن كان منافيا سمي قبيحا ، وإن كان موافقا لشخص دون شخص سمي في حق أحدهما حسنا وفي حق الآخر قبيحا إذ اسم القبيح والحسن بأن الموافقة والمخالفة ، وهما أمران إضافيان ، مختلفان بالأشخاص ويختلف في حق شخص واحد بالأحوال ويختلف في حال واحد بالأعراض ؛ فرب فعل يوافق الشخص من وجه ويخالفه من وجه فيكون حسنا من وجه قبيحا من وجه ، فمن لا ديانة له يستحسن الزنا بزوجة الغير ويعد الظفر بها نعمة ويستقبح فعل الذي يكشف عررته ويسميه غمازا قبيح الفعل والمتدين يسميه محتسبا حسن الفعل ، وكل بحسب غرضه يطلق اسم الحسن والقبح بل يقتل ملك من الملوك فيستحسن فعل القاتل جميع أعدائه ويستقبحه جميع أوليائه ، بل هذا القاتل في الحسن المخصوص جار ، ففي الطباع ما خلق مايلا من الألوان الحسان إلى السمرة ، فصاحبه يستحسن الأسمر ويعشقه ، والذي خلق مايلا إلى البياض المشرب بالحمرة يستقبحه ويستكرهه ويسفه عقل المستحسن المستهتر به ؛ فبهذا يتبين على القطع أن الحسن والقبيح عبارتان عن الخلق كلهم عن أمرين إضافيين يختلفان بالإضافات عن صفات الذوات التي لا تختلف بالإضافة . فلا جرم جاز أن يكون الشيء حسنا في حق زيد قبيحا في حق عمرو ولا يجوز أن يكون الشيء أسود في حق زيد أبيض في حق عمرو لما لم تكن الألوان من الأوصاف الإضافية ؛ فإذا فهمت المعنى فافهم أن الاصطلاح في لفظ الحسن أيضا ثلاثة : فقائل يطلقه على كل ما يوافق الغرض عاجلا كان أو آجلا ؛ وقائل يخصص بما يوافق الغرض في الآخر وهو الذي حسنه الشرع أي حث عليه ووعد بالثواب عليه وهو اصطلاح أصحابنا ، والقبيح عند كل فريق ما يقابل الحسن ، فالأول أعم وهذا أخص ، وبهذا الاصطلاح قد يسمي بعض من لا يتحاشى فعل الله تعالى قبيحا إذ كان لا يوافق غرضهم ، ولذلك تراهم يسبون الفلك والدهر ويقولون خرف الفلك وما أقبح أفعاله ويعلمون إن الفاعل خالق الفلك ؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تسبوا الدهر ، فإن الله هو الدهر ؛ وفيه اصطلاح ثالث إذ قد يقال فعل الله تعالى حسن كيف كان مع إنه لا غرض في حقه ؛ ويكون معناه أنه لا تبعة عليه فيه ولا لائمة وأنه فاعل في ملكه الذي لا يساهم فيه ما يشاء . وأما الحكمة فتطلق على معنيين : أحدهما الاحاطة المجردة بنظم الأمور ومعانيها الدقيقة والجليلة والحكم عليها بأنها كيف ينبغي أن تكون حتى تتم منها الغاية المطلوبة بها ، والثاني أن تنضاف إليه القدرة على إيجاد الترتيب والنظام واتقانه وإحكامه فيقال حكيم من الحكمة ، وهو نوع من العلم ، ويقال حكيم من الأحكام وهو نوع من الفعل ، فقد اتضح لك معنى هذه الألفاظ في الأصل ولكن ههنا ثلاث غلطات للوهم يستفاد من الوقوف عليها الخلاص من إشكالات تغتر بها طوائف كثيرة :

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

الواجب فإنه يطلق على فعل لا محالة ، ويطلق على القديم إنه واجب ، وعلى الشمس إذا غربت إنها واجبة ، وليس من غرضنا . وليس يخفى أن الفعل الذي لا يترجح فعله على تركه ولا يكون صدوره من صاحبه أولى من تركه لا يسمى واجبا وإن ترجح وكان أولا لا يسميه أيضا بكل ترجيح بل لا بد من خصوص ترجيح . ومعلوم أن الفعل قد يكون بحيث يعلم أنه يعلم أنه نستعقب تركه ضررا ، أو يتوهم ، وذلك الضرر إما عاجل في الدنيا وإما آجل في العاقبة ، وهو إما قريب محتمل وإما عظيم لا يطاق مثله . فانقسام الفعل ووجوه ترجحه لهذه الأقسام ثابت في العقل من غير لفظ فلنرجع إلى اللفظ فنقول : معلوم أن ما فيه ضرر قريب محتمل لا يسمى واجبا ؛ إذ العطشان إذا لم يبادر إلى شرب الماء تضرر تضررا قريبا ولا يقال إن الشرب عليه واجب . ومعلوم أن ما لا ضرر فيه أصلا ولكن في فعله فائدة لا يسمى واجبا ، فإن التجارة واكتساب المال والنوافل فيه فائدة ولا يسمى واجبا ، بل المخصوص باسم الواجب ما في تركه ضرر ظاهر فإن كان ذلك في العاقبة أعني الآخرة ، وعرف بالشرع فنحن نسميه واجبا ، وإن كان ذلك في الدنيا وعرف بالعقل فقد يسمى أيضا ذلك واجبا ، فإن من لا يعتقد الشرع قد يقول واجب على الجائع الذي يموت من الجوع أن يأكل إذا وجد الخبز ونعني بوجوب الأكل ترجح فعله على تركه بما يتعلق من الضرر بتركه ، ولسنا نحرم هذا الاصطلاح بالشرع فإن الاصطلاحات مباحة لا حجر فيها للشرع ولا للعقل ، وإنما تمنع منه اللغة إذا لم يكن على وفق الموضوع المعروف فقد تحصلنا على معنيين للواجب ورجع كلاهما إلى التعرض للضرر وكان أحدهما أعم لا يختص بالآخرة ، والآخر أخص وهو اصطلاحنا ، وقد يطلق الواجب بمعنى ثالث وهو الذي يؤدي عدم وقوعه إلى أمر محال ، كما يقال : ما علم وقوعه فوقوعه واجب ، ومعناه أنه إن لم يقع يؤدي إلى أن ينقلب العلم جهلا وذلك محال ، فيكون معنى وجوبه أن ضده محال ، فليسم هذا المعنى الثالث الحسن والقبيح والعبث والسفه والحكمة . وأما الحسن فحظ المعنى منه أن الفعل في حق الفاعل ينقسم إلى ثلاثة أقسام أحدها أن توافقه أي تلائم غرضه ، والثاني أن ينافر غرضه ، والثالث أن لا يكون له في فعله ولا في تركه غرض . وهذا الانقسام ثابت في العقل ؛ فالذي يوافق الفاعل يسمى حسنا في حقه ولا معنى لحسنه إلا موافقته لغرضه ، والذي ينافي غرضه يسمى قبيحا ولا معنى لقبحه إلا منافاته لغرضه ، والذي لا ينافي ولا يوافق يسمى عبثا أي لا فائدة فيه أصلا ، وفاعل العبث يسمى عابثا وربما يسمى سفيها ، وفاعل القبيح أعني الفعل الذي ينضر به يسمى سفيها واسم السفيه أصدق منه على العابث ، وهذا كله إذا لم يلتفت إلى غير الفاعل أو لم يرتبط الفعل بغرض غير الفاعل ، فإن ارتبط بغير الفاعل وكان موافقا لغرضه سمي حسنا في حق من وافقه وإن كان منافيا سمي قبيحا ، وإن كان موافقا لشخص دون شخص سمي في حق أحدهما حسنا وفي حق الآخر قبيحا إذ اسم القبيح والحسن بأن الموافقة والمخالفة ، وهما أمران إضافيان ، مختلفان بالأشخاص ويختلف في حق شخص واحد بالأحوال ويختلف في حال واحد بالأعراض ؛ فرب فعل يوافق الشخص من وجه ويخالفه من وجه فيكون حسنا من وجه قبيحا من وجه ، فمن لا ديانة له يستحسن الزنا بزوجة الغير ويعد الظفر بها نعمة ويستقبح فعل الذي يكشف عررته ويسميه غمازا قبيح الفعل والمتدين يسميه محتسبا حسن الفعل ، وكل بحسب غرضه يطلق اسم الحسن والقبح بل يقتل ملك من الملوك فيستحسن فعل القاتل جميع أعدائه ويستقبحه جميع أوليائه ، بل هذا القاتل في الحسن المخصوص جار ، ففي الطباع ما خلق مايلا من الألوان الحسان إلى السمرة ، فصاحبه يستحسن الأسمر ويعشقه ، والذي خلق مايلا إلى البياض المشرب بالحمرة يستقبحه ويستكرهه ويسفه عقل المستحسن المستهتر به ؛ فبهذا يتبين على القطع أن الحسن والقبيح عبارتان عن الخلق كلهم عن أمرين إضافيين يختلفان بالإضافات عن صفات الذوات التي لا تختلف بالإضافة . فلا جرم جاز أن يكون الشيء حسنا في حق زيد قبيحا في حق عمرو ولا يجوز أن يكون الشيء أسود في حق زيد أبيض في حق عمرو لما لم تكن الألوان من الأوصاف الإضافية ؛ فإذا فهمت المعنى فافهم أن الاصطلاح في لفظ الحسن أيضا ثلاثة : فقائل يطلقه على كل ما يوافق الغرض عاجلا كان أو آجلا ؛ وقائل يخصص بما يوافق الغرض في الآخر وهو الذي حسنه الشرع أي حث عليه ووعد بالثواب عليه وهو اصطلاح أصحابنا ، والقبيح عند كل فريق ما يقابل الحسن ، فالأول أعم وهذا أخص ، وبهذا الاصطلاح قد يسمي بعض من لا يتحاشى فعل الله تعالى قبيحا إذ كان لا يوافق غرضهم ، ولذلك تراهم يسبون الفلك والدهر ويقولون خرف الفلك وما أقبح أفعاله ويعلمون إن الفاعل خالق الفلك ؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تسبوا الدهر ، فإن الله هو الدهر ؛ وفيه اصطلاح ثالث إذ قد يقال فعل الله تعالى حسن كيف كان مع إنه لا غرض في حقه ؛ ويكون معناه أنه لا تبعة عليه فيه ولا لائمة وأنه فاعل في ملكه الذي لا يساهم فيه ما يشاء . وأما الحكمة فتطلق على معنيين : أحدهما الاحاطة المجردة بنظم الأمور ومعانيها الدقيقة والجليلة والحكم عليها بأنها كيف ينبغي أن تكون حتى تتم منها الغاية المطلوبة بها ، والثاني أن تنضاف إليه القدرة على إيجاد الترتيب والنظام واتقانه وإحكامه فيقال حكيم من الحكمة ، وهو نوع من العلم ، ويقال حكيم من الأحكام وهو نوع من الفعل ، فقد اتضح لك معنى هذه الألفاظ في الأصل ولكن ههنا ثلاث غلطات للوهم يستفاد من الوقوف عليها الخلاص من إشكالات تغتر بها طوائف كثيرة :

Sección V01/P188Gazâlî — el-İktisâd fi'l-İ'tikâd (akaid/kelam) (s. V01/P188)
Orijinal Metin (AR)

اشكالات حول معاني الحسن والقبيح

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

اشكالات حول معاني الحسن والقبيح

Sección V01/P188–V01/P191Gazâlî — el-İktisâd fi'l-İ'tikâd (akaid/kelam) (s. V01/P188–V01/P191)
Orijinal Metin (AR)

الأول : أن الإنسان قد يطلق اسم القبيح على ما يخالف غرضه وإن كان يوافق غرض غيره ، ولكنه لا يلتفت إلى الغير ، فكل طبع مشغوف بنفسه ومستحقر ما عداه ولذلك يحكم على الفعل مطلقا بأنه قبيح وقد يقول أنه قبيح في عينه ، وسببه أنه قبيح في حقه بمعنى أنه مخالف لغرضه ، ولكن أغراضه كأنه كل العالم في حقه فيتوهم أن المخالف لحقه مخالف في نفسه ، فيضيف القبح إلى ذات الشيء ويحكم بالاطلاق ؛ فهو مصيب في أصل الاسقباح ولكنه مخطيء في حكمه بالقبح على الاطلاق ؛ وفي إضافة القبح إلى ذات الشيء ومنشؤه غفلته عن الالتفات إلى غيره ، بل عن الالتفات إلى بعض أحوال نفسه ، فإنه قد يستحسن في بعض أحواله غير ما يستقبحه مهما انقلب موافقا لغرضه . الغلطة الثانية فيه : أن ما هو مخالف للأغراض في جميع الأحوال إلا في حالة نادرة ، فقد يحكم الإنسان عليه مطلقا بأنه قبيح لذهوله عن الحالة النادرة ورسوخ غالب الأحوال في نفسه واستيلائه على ذكره ، فيقضي مثلا على الكذب بأنه قبيح مطلقا في كل حال وأن قبحه لأنه كذب لذاته فقط لا لمعنى زائد ، وسبب ذلك غفلته عن ارتباط مصالح كثيرة بالكذب في بعض الأحوال ، ولكن لو وقعت تلك الحالة ربما نفر طبعه عن استحسان الكذب لكثرة إلفه باستقباحه ، وذلك لأن الطبع ينفر عنه من أول الصبا بطريق التأديب والاستصلاح ، ويلقي إليه أن الكذب قبيح في نفسه وأنه لا ينبغي أن يكذب قط ، فهو قبيح ولكن بشرط يلازمه في أكثر الأوقات وإنما يقع نادرا ، فلذلك لا ينبه على ذلك الشرط ويغرس في طبعه قبحه والتنفير عنه مطلقا . الغلطة الثالثة : سبق الوهم إلى العكس ، فإن ما رئي مقرونا بالشيء يظن أن الشيء أيضا لا محالة يكون مقرونا به مطلقا ولا يدري أن الأخص أبدا يكون مقرونا بالأعم ، وأما الأعم فلا يلزم أن يكون مقرونا بالأخص . ومثاله ما يقال من أن السليم ، أعني الذي نهشته الحية ، يخاف من الحبل المبرقش اللون ، وهو كما قيل ، وسببه أنه أدرك المؤذي وهو متصور بصورة حبل مبرقش ، فإذا أدرك الحبل سبق الوهم إلى العكس وحكم بأنه مؤذ فينفر الطبع تابعا للوهم والخيال وإن كان العقل مكذبا به ، بل الانسان قد ينفر عن أكل الخبيض الأصفر لشبهه بالعذرة ، فيكاد يتقيأ عند قول القائل إنه عذرة ، يتعذر عليه تناوله مع كون العقل مكذبا به ، وذلك لسبق الوهم إلى العكس فإنه أدرك المستقذر رطبا أضفر فإذا رأى الرطب الأصفر حكم بأنه مستقذر ، بل في الطبع ما هو أعظم من هذا فإن الأسامي التي تطلق عليها الهنود والزنوج لما كان يقترن قبح المسمى به يؤثر في الطبع ويبلغ إلى حد لو سمى به أجمل الأتراك والروم لنفر الطبع عنه ، لأنه أدرك الوهم القبيح مقرونا بهذا الاسم فيحكم بالعكس ، فإذا أدرك الأسم حكم بالقبح على المسمى ونفر الطبع . وهذا مع وضوحه للعقل فلا ينبغي أن يغفل عنه لأن إقدام الخلق وإحجامهم في أقوالهم وعقائدهم وأفعالهم تابع لمثل هذه الأوهام . وأما اتباع العقل الصرف فلا يقوى عليه إلا أولياء الله تعالى الذين أراهم الله الحق حقا وقواهم على اتباعه ، وإن أردت أن تجرب هذا في الاعتقادات فأورد على فهم العامي المعتزلي مسألة معقولة جلية فيسارع إلى قبولها ، فلو قلت له إنه مذهب الأشعري رضي الله عنه لنفر وامتنع عن القبول وانقلب مكذبا بعين ما صدق به مهما كان سيء الظن بالأشعري ، إذ كان قبح ذلك في نفسه منذ الصبا . وكذلك تقرر أمرا معقولا عند العامي الأشعري ثم تقول له إن هذا قول المعتزلي فينفر عن قبوله بعد التصديق ويعود لي التكذيب .

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

الأول : أن الإنسان قد يطلق اسم القبيح على ما يخالف غرضه وإن كان يوافق غرض غيره ، ولكنه لا يلتفت إلى الغير ، فكل طبع مشغوف بنفسه ومستحقر ما عداه ولذلك يحكم على الفعل مطلقا بأنه قبيح وقد يقول أنه قبيح في عينه ، وسببه أنه قبيح في حقه بمعنى أنه مخالف لغرضه ، ولكن أغراضه كأنه كل العالم في حقه فيتوهم أن المخالف لحقه مخالف في نفسه ، فيضيف القبح إلى ذات الشيء ويحكم بالاطلاق ؛ فهو مصيب في أصل الاسقباح ولكنه مخطيء في حكمه بالقبح على الاطلاق ؛ وفي إضافة القبح إلى ذات الشيء ومنشؤه غفلته عن الالتفات إلى غيره ، بل عن الالتفات إلى بعض أحوال نفسه ، فإنه قد يستحسن في بعض أحواله غير ما يستقبحه مهما انقلب موافقا لغرضه . الغلطة الثانية فيه : أن ما هو مخالف للأغراض في جميع الأحوال إلا في حالة نادرة ، فقد يحكم الإنسان عليه مطلقا بأنه قبيح لذهوله عن الحالة النادرة ورسوخ غالب الأحوال في نفسه واستيلائه على ذكره ، فيقضي مثلا على الكذب بأنه قبيح مطلقا في كل حال وأن قبحه لأنه كذب لذاته فقط لا لمعنى زائد ، وسبب ذلك غفلته عن ارتباط مصالح كثيرة بالكذب في بعض الأحوال ، ولكن لو وقعت تلك الحالة ربما نفر طبعه عن استحسان الكذب لكثرة إلفه باستقباحه ، وذلك لأن الطبع ينفر عنه من أول الصبا بطريق التأديب والاستصلاح ، ويلقي إليه أن الكذب قبيح في نفسه وأنه لا ينبغي أن يكذب قط ، فهو قبيح ولكن بشرط يلازمه في أكثر الأوقات وإنما يقع نادرا ، فلذلك لا ينبه على ذلك الشرط ويغرس في طبعه قبحه والتنفير عنه مطلقا . الغلطة الثالثة : سبق الوهم إلى العكس ، فإن ما رئي مقرونا بالشيء يظن أن الشيء أيضا لا محالة يكون مقرونا به مطلقا ولا يدري أن الأخص أبدا يكون مقرونا بالأعم ، وأما الأعم فلا يلزم أن يكون مقرونا بالأخص . ومثاله ما يقال من أن السليم ، أعني الذي نهشته الحية ، يخاف من الحبل المبرقش اللون ، وهو كما قيل ، وسببه أنه أدرك المؤذي وهو متصور بصورة حبل مبرقش ، فإذا أدرك الحبل سبق الوهم إلى العكس وحكم بأنه مؤذ فينفر الطبع تابعا للوهم والخيال وإن كان العقل مكذبا به ، بل الانسان قد ينفر عن أكل الخبيض الأصفر لشبهه بالعذرة ، فيكاد يتقيأ عند قول القائل إنه عذرة ، يتعذر عليه تناوله مع كون العقل مكذبا به ، وذلك لسبق الوهم إلى العكس فإنه أدرك المستقذر رطبا أضفر فإذا رأى الرطب الأصفر حكم بأنه مستقذر ، بل في الطبع ما هو أعظم من هذا فإن الأسامي التي تطلق عليها الهنود والزنوج لما كان يقترن قبح المسمى به يؤثر في الطبع ويبلغ إلى حد لو سمى به أجمل الأتراك والروم لنفر الطبع عنه ، لأنه أدرك الوهم القبيح مقرونا بهذا الاسم فيحكم بالعكس ، فإذا أدرك الأسم حكم بالقبح على المسمى ونفر الطبع . وهذا مع وضوحه للعقل فلا ينبغي أن يغفل عنه لأن إقدام الخلق وإحجامهم في أقوالهم وعقائدهم وأفعالهم تابع لمثل هذه الأوهام . وأما اتباع العقل الصرف فلا يقوى عليه إلا أولياء الله تعالى الذين أراهم الله الحق حقا وقواهم على اتباعه ، وإن أردت أن تجرب هذا في الاعتقادات فأورد على فهم العامي المعتزلي مسألة معقولة جلية فيسارع إلى قبولها ، فلو قلت له إنه مذهب الأشعري رضي الله عنه لنفر وامتنع عن القبول وانقلب مكذبا بعين ما صدق به مهما كان سيء الظن بالأشعري ، إذ كان قبح ذلك في نفسه منذ الصبا . وكذلك تقرر أمرا معقولا عند العامي الأشعري ثم تقول له إن هذا قول المعتزلي فينفر عن قبوله بعد التصديق ويعود لي التكذيب .

Sección V01/P191–V01/P194Gazâlî — el-İktisâd fi'l-İ'tikâd (akaid/kelam) (s. V01/P191–V01/P194)
Orijinal Metin (AR)

ولست أقول هذا طبع العوام بل طبع أكثر من رأيته من المتوسمين باسم العلم ؛ فإنهم لم يفارقوا العوام في أصل التقليد بل أضافوا إلى تقليد المذهب تقليد الدليل فهم في نظرهم لا يطلبون الحق بل يطلبون طريق الحيلة في نصرة ما اعتقدوه حقا بالسماع والتقليد ، فإن صادفوا في نظرهم ما يؤكد عقائدهم قالوا قد ظفرنا بالدليل ، وإن ظهر لهم ما يضعف مذهبهم قالوا قد عرضت لنا شبهة ، فيضعون الإعتقاد المتلقف بالتقليد أصلا وينبزون بالشبهة كل ما يخالفه ، وبالدليل كلى ما يوافقه ، وإنما الحق ضده ؛ وهو أن لا يعتقد شيئا أصلا وينظر إلى الدليل ويسمي مقتضاه حقا ونقيضه باطلا وكل ذلك منشؤه الاستحسان والاستقباح بتقديم الإلفه والتخلق بأخلاق منذ الصبا . فإذا وقفت على هذه المثارات سهل عليك دفع الاشكالات . فإن قيل : فقد رجع كلامكم إلى أن الحسن والقبيح يرجعان إلى الموافقة والمخالفة للأغراض ، ونحن نرى العاقل يستحسن ما لا فائدة له فيه ويستقبح ما له فيه فائدة . أما الاستحسان فمن رأى إنسانا أو حيوانا مشرفا على الهلاك استحسن إنقاذه ولو بشربة ماء معأنه ربما لا يعتقد الشرع ولا يتوقع منه غرضا في الدنيا ولا هو بمرآى من الناس حتى ينتظر عليه ثناء بل يمكن أن يقدر انتفاء كل غرض ومع ذلك يرجح جهة الانقاذ على جهة الاهمال بتحسين هذا وتقبيح ذلك . وأما الذي يستقبح مع الأغراض ، كالذي يحمل على كلمة الكفر بالسيف والشرع قد رخص له في اطلاقها ، فإنه قد يستحسن منه الصبر على السيف وترك النطق به . أو الذي لا يعتقد الشرع وحمل بالسيف على نقض عهد ، ولا ضرر عليه في نقضه وفي الوفاء به هلاكه ، فإنه يستحسن الوفاء بالعهد والامتناع من النقض . فبان أن الحسن والقبح معنى سوى ما ذكرتموه . والجواب أن في الوقوف على الغلطات المذكورة ما يشفي هذا الغليل . أما ترجيح الانقاذ على الاهمال في حق من لا يعتقد الشرع فهو دفع للأذى الذي يلحق الانسان في رقة الجنسية ، وهو طبع يستحيل الانفكاك عنه . ولأن الانسان يقدر نفسه في تلك البلية ويقدر غيره قادرا على انقاذه مع الإعراض عنه ، ويجد من نفسه استقباح ذلك فيعود عليه ويقدر ذلك من المشرف على الهلاك في حق نفسه فينفره طبعه عما يعتقده من أن المشرف على الهلاك في حقه ، فيندفع ذلك عن نفسه بالانقاذ ، فإن فرض ذلك في بهيمة لا يتوهم استقباحها أو فرض في شخص لا رقة فيه ولا رحمة فهذا مجال تصوره ، إذ الانسان لا ينفك عنه فإن فرض على الاستحالة فيبقى أمر آخر وهو الثناء بحسن الخلق والشفقة على الخلق ، فإن فرض حيث لا يعلمه أحد فهو ممكن أن يعلمه ، فإن فرض في موضع يستحيل أن يعلم فيبقى أيضا ترجيح في نفسه وميل يضاهي نفرة طبع السليم عن الخبل ، وذلك أنه رأى الثناء مقرونا بمثل هذا الفعل على الاطراد ، وهو يميل إلى الثناء فيميل إلى المقرون به . وإن علم بعقله عدم الثناء . كما إنه لما رأى الأذى مقرونا بصورة الخبل . وطبعه ينفر عن الأذى فينفر عن المقرون به ، وإن علم بعقله عدم الأذى بل الطبع إذا رأى من يعشقه في موضع وطال معه أنسه فيه فإنه يحس من نفسه تفرقة بين ذلك الموضع وحيطانه وبين سائر المواضع ولذلك قال الشاعر : تصوره ، إذ الانسان لا ينفك عنه فإن فرض على الاستحالة فيبقى أمر آخر وهو الثناء بحسن الخلق والشفقة على الخلق ، فإن فرض حيث لا يعلمه أحد فهو ممكن أن يعلمه ، فإن فرض في موضع يستحيل أن يعلم فيبقى أيضا ترجيح في نفسه وميل يضاهي نفرة طبع السليم عن الخبل ، وذلك أنه رأى الثناء مقرونا بمثل هذا الفعل على الاطراد ، وهو يميل إلى الثناء فيميل إلى المقرون به . وإن علم بعقله عدم الثناء .

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ولست أقول هذا طبع العوام بل طبع أكثر من رأيته من المتوسمين باسم العلم ؛ فإنهم لم يفارقوا العوام في أصل التقليد بل أضافوا إلى تقليد المذهب تقليد الدليل فهم في نظرهم لا يطلبون الحق بل يطلبون طريق الحيلة في نصرة ما اعتقدوه حقا بالسماع والتقليد ، فإن صادفوا في نظرهم ما يؤكد عقائدهم قالوا قد ظفرنا بالدليل ، وإن ظهر لهم ما يضعف مذهبهم قالوا قد عرضت لنا شبهة ، فيضعون الإعتقاد المتلقف بالتقليد أصلا وينبزون بالشبهة كل ما يخالفه ، وبالدليل كلى ما يوافقه ، وإنما الحق ضده ؛ وهو أن لا يعتقد شيئا أصلا وينظر إلى الدليل ويسمي مقتضاه حقا ونقيضه باطلا وكل ذلك منشؤه الاستحسان والاستقباح بتقديم الإلفه والتخلق بأخلاق منذ الصبا . فإذا وقفت على هذه المثارات سهل عليك دفع الاشكالات . فإن قيل : فقد رجع كلامكم إلى أن الحسن والقبيح يرجعان إلى الموافقة والمخالفة للأغراض ، ونحن نرى العاقل يستحسن ما لا فائدة له فيه ويستقبح ما له فيه فائدة . أما الاستحسان فمن رأى إنسانا أو حيوانا مشرفا على الهلاك استحسن إنقاذه ولو بشربة ماء معأنه ربما لا يعتقد الشرع ولا يتوقع منه غرضا في الدنيا ولا هو بمرآى من الناس حتى ينتظر عليه ثناء بل يمكن أن يقدر انتفاء كل غرض ومع ذلك يرجح جهة الانقاذ على جهة الاهمال بتحسين هذا وتقبيح ذلك . وأما الذي يستقبح مع الأغراض ، كالذي يحمل على كلمة الكفر بالسيف والشرع قد رخص له في اطلاقها ، فإنه قد يستحسن منه الصبر على السيف وترك النطق به . أو الذي لا يعتقد الشرع وحمل بالسيف على نقض عهد ، ولا ضرر عليه في نقضه وفي الوفاء به هلاكه ، فإنه يستحسن الوفاء بالعهد والامتناع من النقض . فبان أن الحسن والقبح معنى سوى ما ذكرتموه . والجواب أن في الوقوف على الغلطات المذكورة ما يشفي هذا الغليل . أما ترجيح الانقاذ على الاهمال في حق من لا يعتقد الشرع فهو دفع للأذى الذي يلحق الانسان في رقة الجنسية ، وهو طبع يستحيل الانفكاك عنه . ولأن الانسان يقدر نفسه في تلك البلية ويقدر غيره قادرا على انقاذه مع الإعراض عنه ، ويجد من نفسه استقباح ذلك فيعود عليه ويقدر ذلك من المشرف على الهلاك في حق نفسه فينفره طبعه عما يعتقده من أن المشرف على الهلاك في حقه ، فيندفع ذلك عن نفسه بالانقاذ ، فإن فرض ذلك في بهيمة لا يتوهم استقباحها أو فرض في شخص لا رقة فيه ولا رحمة فهذا مجال تصوره ، إذ الانسان لا ينفك عنه فإن فرض على الاستحالة فيبقى أمر آخر وهو الثناء بحسن الخلق والشفقة على الخلق ، فإن فرض حيث لا يعلمه أحد فهو ممكن أن يعلمه ، فإن فرض في موضع يستحيل أن يعلم فيبقى أيضا ترجيح في نفسه وميل يضاهي نفرة طبع السليم عن الخبل ، وذلك أنه رأى الثناء مقرونا بمثل هذا الفعل على الاطراد ، وهو يميل إلى الثناء فيميل إلى المقرون به . وإن علم بعقله عدم الثناء . كما إنه لما رأى الأذى مقرونا بصورة الخبل . وطبعه ينفر عن الأذى فينفر عن المقرون به ، وإن علم بعقله عدم الأذى بل الطبع إذا رأى من يعشقه في موضع وطال معه أنسه فيه فإنه يحس من نفسه تفرقة بين ذلك الموضع وحيطانه وبين سائر المواضع ولذلك قال الشاعر : تصوره ، إذ الانسان لا ينفك عنه فإن فرض على الاستحالة فيبقى أمر آخر وهو الثناء بحسن الخلق والشفقة على الخلق ، فإن فرض حيث لا يعلمه أحد فهو ممكن أن يعلمه ، فإن فرض في موضع يستحيل أن يعلم فيبقى أيضا ترجيح في نفسه وميل يضاهي نفرة طبع السليم عن الخبل ، وذلك أنه رأى الثناء مقرونا بمثل هذا الفعل على الاطراد ، وهو يميل إلى الثناء فيميل إلى المقرون به . وإن علم بعقله عدم الثناء .

Sección V01/P194Gazâlî — el-İktisâd fi'l-İ'tikâd (akaid/kelam) (s. V01/P194)
Orijinal Metin (AR)

كما إنه لما رأى الأذى مقرونا بصورة الخبل . وطبعه ينفر عن الأذى فينفر عن المقرون به ، وإن علم بعقله عدم الأذى بل الطبع إذا رأى من يعشقه في موضع وطال معه أنسه فيه فإنه يحس من نفسه تفرقة بين ذلك الموضع وحيطانه وبين سائر المواضع ولذلك قال الشاعر :

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

كما إنه لما رأى الأذى مقرونا بصورة الخبل . وطبعه ينفر عن الأذى فينفر عن المقرون به ، وإن علم بعقله عدم الأذى بل الطبع إذا رأى من يعشقه في موضع وطال معه أنسه فيه فإنه يحس من نفسه تفرقة بين ذلك الموضع وحيطانه وبين سائر المواضع ولذلك قال الشاعر :

Sección V01/P194–V01/P196Gazâlî — el-İktisâd fi'l-İ'tikâd (akaid/kelam) (s. V01/P194–V01/P196)
Orijinal Metin (AR)

أمر على جدار ديار ليلى . . . أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما تلك الديار شغفن قلبي . . . ولكن حب من سكن الديارا وقال ابن الرومي منبها على سبب حب الناس الأوطان ونعم ما قال : وحبب أوطان الرجال إليهم . . . مآرب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم . . . عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا وإذا تتبع الانسان الأخلاق والعادات رأى شواهد هذا خارجة عن الحصر ، فهذا هو السبب الذي هو غلط المغترين بظاهر الأمور ، الذاهلين عن أسرار أخلاق النفوس ، الجاهلين بأن هذا الميل وأمثاله يرجع إلى طاعة النفس بحكم الفطرة والطبع بمجرد الوهم . والخيال الذي هو غلط يحكم العقل ولكن خلقت قوى النفس مطيعة للأوهام والتخيلات بحكم اجراء العادات ، حتى إذا تخيل الإنسان طعاما طيبا بالتذكر أو بالرؤية سال في الحال لعابه وتحلبت أشداقه ، وذلك بطاعة القوة التي سخرها الله تعالى لإفاضة اللعاب المعين على المضغ للتخيل والوهم ، فإن شأنها أن تنبعث بحسب التخيل وإن كان الشخص عالما بأنه ليس يريد الإقدام على الأكل بصوم أو بسبب آخر وكذلك يتخيل الصورة الجميلة التي يشتهي مجامعتها ، فكما ثبت ذلك في الخيال انبعثت القوة الناشرة لآلة الفعل وساقت الرياح إلى تجاويف الأعصاب وملأتها ، وثارت القوة المأمورة بصب المذي الرطب المعين على الوقاع ، وذلك كله مع التحقيق بحكم العقل للامتناع عن الفعل في ذلك الوقت . ولكن الله تعالى خلق هذه القوى بحكم طرد العادة مطيعة مسخرة تحت حكم الخيال ، والوهم ساعد العقل الوهم أو لم يساعده ، فهذا وأمثاله منشأ الغلط في سبب ترجيح أحد جانبي الفعل على الآخر . وكل ذلك راجع إلى الأغراض ، فأما النطق بكلمة الكفر وإن كان كذلك فلا يستقبحه العاقل تحت السيف البتة بل ربما يستقبح الاصرار ، فإن استحسن الاصرار فله سببان : أحدهما ، اعتقاده أن الثواب على الصبر والاستسلام أكثر ، والآخر ، ما ينتظر من الثناء عليه بصلابته في الدين ، فكم من شجاع يمتطي متن الخطر ويتهجم على عدد يعلم أنه لا يطيقهم ويستحقر ما يناله بما يعتاضه عنه من لذة الثناء والحمد بعد موته وكذلك الامتناع عن نقض العهد بسببه ثناء الخلق على من يفي بالعهد ، وتواصيهم به على مر الأوقات لما فيها من مصالح الناس . فإن قدر حيث لا ينتظر ثناء فسببه حكم الوهم من حيث أنه لم يزل مقرونا بالثناء الذي هو لذيذ ، والمقرون باللذيذ لذيذ ، كما أن المقرون بالمكروه مكروه كما سبق في الأمثلة ، فهذا ما يحتمله هذا المختصر من بث أسرار هذا الفصل ، وإنما يعرف قدره من طال في المعقولات نظره ، وقد استفدنا بهذه المقدمة إيجاز الكلام في الدعاوى فلنرجع إليها . الدعوى الأولى التكليف غير واجب على الله

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

أمر على جدار ديار ليلى . . . أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما تلك الديار شغفن قلبي . . . ولكن حب من سكن الديارا وقال ابن الرومي منبها على سبب حب الناس الأوطان ونعم ما قال : وحبب أوطان الرجال إليهم . . . مآرب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم . . . عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا وإذا تتبع الانسان الأخلاق والعادات رأى شواهد هذا خارجة عن الحصر ، فهذا هو السبب الذي هو غلط المغترين بظاهر الأمور ، الذاهلين عن أسرار أخلاق النفوس ، الجاهلين بأن هذا الميل وأمثاله يرجع إلى طاعة النفس بحكم الفطرة والطبع بمجرد الوهم . والخيال الذي هو غلط يحكم العقل ولكن خلقت قوى النفس مطيعة للأوهام والتخيلات بحكم اجراء العادات ، حتى إذا تخيل الإنسان طعاما طيبا بالتذكر أو بالرؤية سال في الحال لعابه وتحلبت أشداقه ، وذلك بطاعة القوة التي سخرها الله تعالى لإفاضة اللعاب المعين على المضغ للتخيل والوهم ، فإن شأنها أن تنبعث بحسب التخيل وإن كان الشخص عالما بأنه ليس يريد الإقدام على الأكل بصوم أو بسبب آخر وكذلك يتخيل الصورة الجميلة التي يشتهي مجامعتها ، فكما ثبت ذلك في الخيال انبعثت القوة الناشرة لآلة الفعل وساقت الرياح إلى تجاويف الأعصاب وملأتها ، وثارت القوة المأمورة بصب المذي الرطب المعين على الوقاع ، وذلك كله مع التحقيق بحكم العقل للامتناع عن الفعل في ذلك الوقت . ولكن الله تعالى خلق هذه القوى بحكم طرد العادة مطيعة مسخرة تحت حكم الخيال ، والوهم ساعد العقل الوهم أو لم يساعده ، فهذا وأمثاله منشأ الغلط في سبب ترجيح أحد جانبي الفعل على الآخر . وكل ذلك راجع إلى الأغراض ، فأما النطق بكلمة الكفر وإن كان كذلك فلا يستقبحه العاقل تحت السيف البتة بل ربما يستقبح الاصرار ، فإن استحسن الاصرار فله سببان : أحدهما ، اعتقاده أن الثواب على الصبر والاستسلام أكثر ، والآخر ، ما ينتظر من الثناء عليه بصلابته في الدين ، فكم من شجاع يمتطي متن الخطر ويتهجم على عدد يعلم أنه لا يطيقهم ويستحقر ما يناله بما يعتاضه عنه من لذة الثناء والحمد بعد موته وكذلك الامتناع عن نقض العهد بسببه ثناء الخلق على من يفي بالعهد ، وتواصيهم به على مر الأوقات لما فيها من مصالح الناس . فإن قدر حيث لا ينتظر ثناء فسببه حكم الوهم من حيث أنه لم يزل مقرونا بالثناء الذي هو لذيذ ، والمقرون باللذيذ لذيذ ، كما أن المقرون بالمكروه مكروه كما سبق في الأمثلة ، فهذا ما يحتمله هذا المختصر من بث أسرار هذا الفصل ، وإنما يعرف قدره من طال في المعقولات نظره ، وقد استفدنا بهذه المقدمة إيجاز الكلام في الدعاوى فلنرجع إليها . الدعوى الأولى التكليف غير واجب على الله

Sección V01/P196–V01/P199Gazâlî — el-İktisâd fi'l-İ'tikâd (akaid/kelam) (s. V01/P196–V01/P199)
Orijinal Metin (AR)

: ندعي أنه يجوز لله تعالى أن لا يخلق الخلق ، وإذا خلق فلم يكن ذلك واجبا عليه ، وإذا خلقهم فله أن لا يكلفهم ، وإذا كلفهم فلم يكن ذلك واجبا عليه . وقالت طائفة من المعتزلة يجب عليه الخلق والتكليف واجب ، غير مفهوم ؛ فإنا بينا أن المفهوم عندنا من لفظ الواجب ما ينال تاركه ضرر ، إما عاجلا وإما آجلا ، أو ما يكون نقيضه محال ، والضرر محال في حق الله تعالى . وليس في ترك التكليف وترك الخلق لزوم محال ، إلا أن يقال كان يؤدي ذلك إلى خلاف ما سبق به العلم في الأزل وما سبقت به المشيئة في الأزل ، فهذا حق وهو بهذا التأويل واجب ، فإن الإرادة إذا فرضت موجودة ، أو العلم إذا فرض متعلقا بالشيء ، كان حصول المراد والمعلوم واجبا لا محالة . فإن قيل : إنما يجب عليه ذلك لفائدة الخلق لا لفائدة ترجع إلى الخالق سبحانه وتعالى ، قلنا : الكلام في قولكم لفائدة الخلق للتعليل ، والحكم المعلل هو الوجوب ، ونحن نطالبكم بتفهيم الحكم فلا يعنيكم ذكر العلة ؛ فما معنى قولكم إنه يجب لفائدة الخلق وما معنى الوجوب ونحن لا نفهم من الوجوب إلا المعاني الثلاثة ، وهي منعدمة ، فإن أردتم معنى رابعا ففسروه أولا ثم اذكروا علته ، فإنا ربما لا ننكر أن للخلق في الخلق فائدة ، وكذا في التكليف ، ولكن ما فيه فائدة غيره لم يجب عليه إذا لم يكن له فائدة في فائدة غيره . وهذا لا مخرج عنه أبدا ، على أنا نقول إنما يستقيم هذا الكلام في الخلق لا في التكليف ، ولا يستقيم في هذا الخلق الموجود بل في أن يخلقهم في الجنة متنعمين ، من غير هم وضرر وغم وألم ، وأما هذا الخلق الموجود فالعقلاء كلهم قد تمنوا العدم ، وقال بعضهم : ليتني كنت نسيا منسيا ، وقال آخر ليتني لم أك شيئا ، وقال آخر ليتني كنت تبنة رفعها من الأرض ، قال آخر يشير إلى طائر ليتني كنت ذلك الطائر . وهذا قول الأنبياء والأولياء وهم العقلاء ، فبعضهم يتمنى عدم الخلق وبعضهم يتمنى عدم التكليف بأن يكون جمادا أو طائرا ، فليت شعري كيف يستجيز العاقل في أن يقول : للخلق في التكليف فائدة وإنما معنى الفائدة نفي الكلفة ، والتكليف في عينه إلزام كلفة وهو ألم ، وإن نظر إلى الثواب فهو الفائدة ، وكان قادرا على إيصاله إليهم بغير تكليف ، فإن قيل : الثواب إذا كان باستحقاق كان ألذ وأوقع من أن يكون بالامتنان والابتداء ، والجواب : أن الاستعاذة بالله تعالى من عقل ينتهي إلى التكبر على الله عز وجل والترفع من احتمال منته وتقدير اللذة في الخروج من نعمته أولى من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ؛ وليت شعري كيف يعد من العقلاء من يخطر بباله مثل هذه الوساوس ، ومن يستثقل المقام أبد الآباد في الجنة من غير تقدم تعب وتكليف أخس من أن يناظر أو يخاطب . هذا لو سلم أن الثواب بعد التكليف يكون مستحقا ، وسنبين نقيضه . ثم ليت شعري الطاعة التي بها يستحق الثواب من أين وجدها العبد ؟ وهل لها سبب سوى وجوده وقدرته وإرادته وصحة أعضائه وحضور أسبابه ؟ وهل لكل ذلك مصدر إلا فضل الله ونعمته ؛ فنعوذ بالله من الانخلاع عن غريزة العقل بالكلية ، فإن هذا الكلام من هذا النمط ، فينبغي أن يسترزق الله تعالى عقلا لصاحبه ولا يشتغل بمناظرته .

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

: ندعي أنه يجوز لله تعالى أن لا يخلق الخلق ، وإذا خلق فلم يكن ذلك واجبا عليه ، وإذا خلقهم فله أن لا يكلفهم ، وإذا كلفهم فلم يكن ذلك واجبا عليه . وقالت طائفة من المعتزلة يجب عليه الخلق والتكليف واجب ، غير مفهوم ؛ فإنا بينا أن المفهوم عندنا من لفظ الواجب ما ينال تاركه ضرر ، إما عاجلا وإما آجلا ، أو ما يكون نقيضه محال ، والضرر محال في حق الله تعالى . وليس في ترك التكليف وترك الخلق لزوم محال ، إلا أن يقال كان يؤدي ذلك إلى خلاف ما سبق به العلم في الأزل وما سبقت به المشيئة في الأزل ، فهذا حق وهو بهذا التأويل واجب ، فإن الإرادة إذا فرضت موجودة ، أو العلم إذا فرض متعلقا بالشيء ، كان حصول المراد والمعلوم واجبا لا محالة . فإن قيل : إنما يجب عليه ذلك لفائدة الخلق لا لفائدة ترجع إلى الخالق سبحانه وتعالى ، قلنا : الكلام في قولكم لفائدة الخلق للتعليل ، والحكم المعلل هو الوجوب ، ونحن نطالبكم بتفهيم الحكم فلا يعنيكم ذكر العلة ؛ فما معنى قولكم إنه يجب لفائدة الخلق وما معنى الوجوب ونحن لا نفهم من الوجوب إلا المعاني الثلاثة ، وهي منعدمة ، فإن أردتم معنى رابعا ففسروه أولا ثم اذكروا علته ، فإنا ربما لا ننكر أن للخلق في الخلق فائدة ، وكذا في التكليف ، ولكن ما فيه فائدة غيره لم يجب عليه إذا لم يكن له فائدة في فائدة غيره . وهذا لا مخرج عنه أبدا ، على أنا نقول إنما يستقيم هذا الكلام في الخلق لا في التكليف ، ولا يستقيم في هذا الخلق الموجود بل في أن يخلقهم في الجنة متنعمين ، من غير هم وضرر وغم وألم ، وأما هذا الخلق الموجود فالعقلاء كلهم قد تمنوا العدم ، وقال بعضهم : ليتني كنت نسيا منسيا ، وقال آخر ليتني لم أك شيئا ، وقال آخر ليتني كنت تبنة رفعها من الأرض ، قال آخر يشير إلى طائر ليتني كنت ذلك الطائر . وهذا قول الأنبياء والأولياء وهم العقلاء ، فبعضهم يتمنى عدم الخلق وبعضهم يتمنى عدم التكليف بأن يكون جمادا أو طائرا ، فليت شعري كيف يستجيز العاقل في أن يقول : للخلق في التكليف فائدة وإنما معنى الفائدة نفي الكلفة ، والتكليف في عينه إلزام كلفة وهو ألم ، وإن نظر إلى الثواب فهو الفائدة ، وكان قادرا على إيصاله إليهم بغير تكليف ، فإن قيل : الثواب إذا كان باستحقاق كان ألذ وأوقع من أن يكون بالامتنان والابتداء ، والجواب : أن الاستعاذة بالله تعالى من عقل ينتهي إلى التكبر على الله عز وجل والترفع من احتمال منته وتقدير اللذة في الخروج من نعمته أولى من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ؛ وليت شعري كيف يعد من العقلاء من يخطر بباله مثل هذه الوساوس ، ومن يستثقل المقام أبد الآباد في الجنة من غير تقدم تعب وتكليف أخس من أن يناظر أو يخاطب . هذا لو سلم أن الثواب بعد التكليف يكون مستحقا ، وسنبين نقيضه . ثم ليت شعري الطاعة التي بها يستحق الثواب من أين وجدها العبد ؟ وهل لها سبب سوى وجوده وقدرته وإرادته وصحة أعضائه وحضور أسبابه ؟ وهل لكل ذلك مصدر إلا فضل الله ونعمته ؛ فنعوذ بالله من الانخلاع عن غريزة العقل بالكلية ، فإن هذا الكلام من هذا النمط ، فينبغي أن يسترزق الله تعالى عقلا لصاحبه ولا يشتغل بمناظرته .

%0
10 Bölüm