Qur'an&Sunnahالقرآن

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

محمد بن علي بن عطية الحارثي المشهور بأبي طالب المكي · AR

Sección V02/P044Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P044)
Orijinal Metin (AR)

أن كل من جمع كرامات الأولياء واجبات الصديقين ذكر فيها ما ظهر لهم عن القدرة ، وما ظهر لهم على أيدي الخلق من الإنفاق عند وقت الفاقات عن غير مسألة ولا استشراف نفس ، فسووا بينهما في الكرامات وجعلوهما واحد من الإجابات ، وحسبوا كل ذلك من الآيات ، على أن العارفين يشهدون ما يوصل العبيد إليهم من أقسام رزقهم ، إنها ودائع لهم عندهم وإنه حق لهم بأيديهم يؤدونه إليهم قليلا قليلا ، ويوفونهم إياه شيئا فشيئا إلا أنهم لا يسألونهم إياه ولا يطالبونهم به ، وإن كان لهم عندهم حسن أدب فيهم وحسن اقتضاء لأن من حسن الاقتضاء ترك الطلب ، ولقوة يقينهم برازقهم أنه يوفيهم نصيبهم غير منقوص ، فقد سكنوا إلى قديم وعده كما نظروا إلى بسط يده ، وكذلك مشاهدة العالمين الموصلين إليهم قسمهم الدافعين إليهم حقوقهم ، يشهدون أنهم قد خرجوا إليهم من حقهم وأدوا إليهم ودائعهم ، فيستريحون إلى إخراج ذلك ، ويفرحون بأدائه إلى أربابه ويشكرون الله على حسن توفيقه وإعانتهم على سقوط ذلك عنهم ، كما يفرح من عليه الدين الثقيل إذا أداه فسقط عنه حكمه وقضاؤه ، وهذا مقام للموصلين في المعرفة وحال لهم من اليقين حسنة ، وهو مشاهدة عالية للآخذين من المتوكلين . ذكر تشبيه التوكل بالزهد اعلم أن التوكل لا ينقص من الرزق شيئا ، ولكنه يزيد في الفقر ويزيد في الجوع والفاقة ، فيكون هذا رزق المتوكل ورزق الزاهد من الآخرة ، على هذا الوصف الخصوص من حرمان نصيب الدنيا وحمايته عن التكاثر منها ، والتوسع فيها فيكون التوكل والزهد سبب ذلك ، فيكون ما صرفه عنه من الدنيا زيادة له في الآخرة من الدرجات العلى ، وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : نقصان الدنيا زيادة الآخرة ، وزيادة الدنيا نقصان الآخرة ، ومن أعطى من الدنيا شيئا نقص ذلك من منزلته في الآخرة ، وإن كان على الله كريما ، وقيل إن الدنيا والآخرة مثل ضرتين ، من أرضى إحداهما أسخط الأخرى ، وقال رجل لبعض العلماء : كنت في محلة ليس فيها بقال غيري ، ففتح إلى جنبي بقال آخر فأخاف أن ينقص ذلك من رزقي شيئا ، فقال : ليس ينقص من رزقك شيئا ولكن يزيد في بطالتك ، تقعد كثيرا لا تبيع شيئا ، وقد غلط في هذا الطريق قوم ادعوا التوكل والزهد واتسعوا في المآكل والملابس ، على أن ذلك لا ينقصهم من رزقهم شيئا ، فموهوا على دونهم ممن لا يعرف طريق الزهد والتوكل . ذكر كتم الأمراض وجواز إظهارها

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

أن كل من جمع كرامات الأولياء واجبات الصديقين ذكر فيها ما ظهر لهم عن القدرة ، وما ظهر لهم على أيدي الخلق من الإنفاق عند وقت الفاقات عن غير مسألة ولا استشراف نفس ، فسووا بينهما في الكرامات وجعلوهما واحد من الإجابات ، وحسبوا كل ذلك من الآيات ، على أن العارفين يشهدون ما يوصل العبيد إليهم من أقسام رزقهم ، إنها ودائع لهم عندهم وإنه حق لهم بأيديهم يؤدونه إليهم قليلا قليلا ، ويوفونهم إياه شيئا فشيئا إلا أنهم لا يسألونهم إياه ولا يطالبونهم به ، وإن كان لهم عندهم حسن أدب فيهم وحسن اقتضاء لأن من حسن الاقتضاء ترك الطلب ، ولقوة يقينهم برازقهم أنه يوفيهم نصيبهم غير منقوص ، فقد سكنوا إلى قديم وعده كما نظروا إلى بسط يده ، وكذلك مشاهدة العالمين الموصلين إليهم قسمهم الدافعين إليهم حقوقهم ، يشهدون أنهم قد خرجوا إليهم من حقهم وأدوا إليهم ودائعهم ، فيستريحون إلى إخراج ذلك ، ويفرحون بأدائه إلى أربابه ويشكرون الله على حسن توفيقه وإعانتهم على سقوط ذلك عنهم ، كما يفرح من عليه الدين الثقيل إذا أداه فسقط عنه حكمه وقضاؤه ، وهذا مقام للموصلين في المعرفة وحال لهم من اليقين حسنة ، وهو مشاهدة عالية للآخذين من المتوكلين . ذكر تشبيه التوكل بالزهد اعلم أن التوكل لا ينقص من الرزق شيئا ، ولكنه يزيد في الفقر ويزيد في الجوع والفاقة ، فيكون هذا رزق المتوكل ورزق الزاهد من الآخرة ، على هذا الوصف الخصوص من حرمان نصيب الدنيا وحمايته عن التكاثر منها ، والتوسع فيها فيكون التوكل والزهد سبب ذلك ، فيكون ما صرفه عنه من الدنيا زيادة له في الآخرة من الدرجات العلى ، وكذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : نقصان الدنيا زيادة الآخرة ، وزيادة الدنيا نقصان الآخرة ، ومن أعطى من الدنيا شيئا نقص ذلك من منزلته في الآخرة ، وإن كان على الله كريما ، وقيل إن الدنيا والآخرة مثل ضرتين ، من أرضى إحداهما أسخط الأخرى ، وقال رجل لبعض العلماء : كنت في محلة ليس فيها بقال غيري ، ففتح إلى جنبي بقال آخر فأخاف أن ينقص ذلك من رزقي شيئا ، فقال : ليس ينقص من رزقك شيئا ولكن يزيد في بطالتك ، تقعد كثيرا لا تبيع شيئا ، وقد غلط في هذا الطريق قوم ادعوا التوكل والزهد واتسعوا في المآكل والملابس ، على أن ذلك لا ينقصهم من رزقهم شيئا ، فموهوا على دونهم ممن لا يعرف طريق الزهد والتوكل . ذكر كتم الأمراض وجواز إظهارها

Sección V02/P044–V02/P046Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P044–V02/P046)
Orijinal Metin (AR)

الأفضل لمن لم يتداو أن يخفي علله لأن ذلك من كنوز البر ولأنها معاملات بينه وبين خالقه ، فسترها أفضل وأسلم له إلا أن يكون له نية في الإظهار أو يكون إماما يستمع إليه ويقتبس منه الآثار ، ويكون مكينا في المعرفة يخبر بعلته وقلبه راض عن الله فيما قدره ، أو يكون ممن يشهد البلاء نعمة فيكون إخباره بمثابة التحدث بنعمة الله ، وإلا فإظهار العلل لمن لا يتداوى نقص لحاله ، وداخل في الشكاية لمولاه ، لأن في الشكوى استراحة النفس من البلوى كالاستراحة بالدواء ، وهذا لا يفعله عالم لأن الاستراحة بالدواء الذي أباحه له المولي خير من استراحته إلى العبيد بالشكوى ، على أنه لا يأمن دخول الآفات عليه في الأخبار من التصنع أو التزيد في العلة وغير ذلك ، وقيل في قوله عز وجل : ( فصبر جميل ) يوسف : 18 ، قال : لا شكوى فيه ، وقال بعضهم : من بث شكواه فلم يصبر ، وقيل ليعقوب عليه السلام : ما الذي أذهب بصرك ؟ فقال : من الزمان وطول الأحزان ، فأوحى الله إليه : تفرغت تشكوني إلى خلقي ؟ فقال : يا رب ، أتوب إليك ، وعن طاووس ومجاهد : يكتب على المريض أنينه في مرضه ، قال : وكانوا يكرهون أنين المريض لأنه إظهار معنى يدل على شكوى ، قيل : ما أصاب إبليس من أيوب إلا أنينه في مرضه ، فجعل الأنين حظه منه ، وفي الخبر : إذا مرض العبد أوحى الله تعالى إلى الملكين : انظرا إلى عبدي ما يقول لعواده فإن حمد الله وأنثى عليه بخير ، ادعوا له وإن شكا وذكر شرا قالا : لا ، كذلك يكون ، وإنما كره بعض العباد العيادة خشية الشكاية وخوف الزيارة في القول أن يخبر عن العلة بأكثر منها فيكون في ذلك كفرا لنعمة بين بلاءين ، وكان بعضهم إذا مرض أغلق بابه فلم يدخل عليه أحد حتى يبرأ ، فيخرج إليهم ، منهم فضيل ووهيب ، وبشر كان يقول : أشتهي أن أمرض بلا عواد ، وقال فضيل : ما أكره العلة إلا لأجل العواد ، وقد رأينا من الصالحين من فعل ذلك ممن هو إمام وقدوة ، ولا ينقص توكل المتوكل إخباره بعلته على معنى التحدث بها مع فقد آفات النفوس ، إذا كان قلبه شاكرا لله راضيا بقضائه ، ويكون بذلك مظهرا للافتقار والعجز بين يدي مولاه أو راغبا في دعاء إخوانه المؤمنين ، أو يشهد ذلك نعمة فيحدث بها شكرا ، وقد حكي أن بشر بن الحرث كان يخبر عبد الرحمن المتطبب بأوجاعه ، فيصف له أشياء ، وقيل عن أحمد بن حنبل أنه كان يخبر بأمراضه ويقول : إنما أصف قدرة الله تعالى في . وروي عن الحسن البصري : إذا حمد المريض الله عز وجل وشكره ثم ذكر علته ، لم يكن ذلك شكوى ، وقد كان أحمد بن حنبل لا يخبر بأمراضه إذا سئل عنها ، ثم رجع إلى قول الحسن هذا ، فكان بعد ذلك يحمد الله ويثني عليه ويقول : أجد كذا وأجد كذا ، وروي أنه قيل لعلي رضي الله عنه في مرضه : كيف أنت ؟

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

الأفضل لمن لم يتداو أن يخفي علله لأن ذلك من كنوز البر ولأنها معاملات بينه وبين خالقه ، فسترها أفضل وأسلم له إلا أن يكون له نية في الإظهار أو يكون إماما يستمع إليه ويقتبس منه الآثار ، ويكون مكينا في المعرفة يخبر بعلته وقلبه راض عن الله فيما قدره ، أو يكون ممن يشهد البلاء نعمة فيكون إخباره بمثابة التحدث بنعمة الله ، وإلا فإظهار العلل لمن لا يتداوى نقص لحاله ، وداخل في الشكاية لمولاه ، لأن في الشكوى استراحة النفس من البلوى كالاستراحة بالدواء ، وهذا لا يفعله عالم لأن الاستراحة بالدواء الذي أباحه له المولي خير من استراحته إلى العبيد بالشكوى ، على أنه لا يأمن دخول الآفات عليه في الأخبار من التصنع أو التزيد في العلة وغير ذلك ، وقيل في قوله عز وجل : ( فصبر جميل ) يوسف : 18 ، قال : لا شكوى فيه ، وقال بعضهم : من بث شكواه فلم يصبر ، وقيل ليعقوب عليه السلام : ما الذي أذهب بصرك ؟ فقال : من الزمان وطول الأحزان ، فأوحى الله إليه : تفرغت تشكوني إلى خلقي ؟ فقال : يا رب ، أتوب إليك ، وعن طاووس ومجاهد : يكتب على المريض أنينه في مرضه ، قال : وكانوا يكرهون أنين المريض لأنه إظهار معنى يدل على شكوى ، قيل : ما أصاب إبليس من أيوب إلا أنينه في مرضه ، فجعل الأنين حظه منه ، وفي الخبر : إذا مرض العبد أوحى الله تعالى إلى الملكين : انظرا إلى عبدي ما يقول لعواده فإن حمد الله وأنثى عليه بخير ، ادعوا له وإن شكا وذكر شرا قالا : لا ، كذلك يكون ، وإنما كره بعض العباد العيادة خشية الشكاية وخوف الزيارة في القول أن يخبر عن العلة بأكثر منها فيكون في ذلك كفرا لنعمة بين بلاءين ، وكان بعضهم إذا مرض أغلق بابه فلم يدخل عليه أحد حتى يبرأ ، فيخرج إليهم ، منهم فضيل ووهيب ، وبشر كان يقول : أشتهي أن أمرض بلا عواد ، وقال فضيل : ما أكره العلة إلا لأجل العواد ، وقد رأينا من الصالحين من فعل ذلك ممن هو إمام وقدوة ، ولا ينقص توكل المتوكل إخباره بعلته على معنى التحدث بها مع فقد آفات النفوس ، إذا كان قلبه شاكرا لله راضيا بقضائه ، ويكون بذلك مظهرا للافتقار والعجز بين يدي مولاه أو راغبا في دعاء إخوانه المؤمنين ، أو يشهد ذلك نعمة فيحدث بها شكرا ، وقد حكي أن بشر بن الحرث كان يخبر عبد الرحمن المتطبب بأوجاعه ، فيصف له أشياء ، وقيل عن أحمد بن حنبل أنه كان يخبر بأمراضه ويقول : إنما أصف قدرة الله تعالى في . وروي عن الحسن البصري : إذا حمد المريض الله عز وجل وشكره ثم ذكر علته ، لم يكن ذلك شكوى ، وقد كان أحمد بن حنبل لا يخبر بأمراضه إذا سئل عنها ، ثم رجع إلى قول الحسن هذا ، فكان بعد ذلك يحمد الله ويثني عليه ويقول : أجد كذا وأجد كذا ، وروي أنه قيل لعلي رضي الله عنه في مرضه : كيف أنت ؟

Sección V02/P046Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P046)
Orijinal Metin (AR)

فقال : بشر ، فنظر بعضهم إلى بعض كأنهم كرهوا ذلك فقال : أتجلد على الله ، كأنه أحب أن يظهر افتقاره إلى الله ، وأراد أيضا أن يعلمهم أنه لا بأس بذلك لأن من يقول : بخير إذا سئل كثير ، كما قال الثوري : إنما العلم الرخصة من ثقة ، فأما التشديد فكل أحد يحسنه ، فكان علي رضي الله عنه أراد أن يتحقق بتأديب النبي صلى الله عليه وسلم له ونهيه إياه عن إظهار القوى ، لأنه روي أنه مرض فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم ، صبرني على البلاء فقال : لقد سألت الله البلاء ولكن سل الله العافية ، ومن هنا قال مطرف : لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلي فأصبر ، لأن البلاء طريق الأقوياء ، وكره أهل الإشفاق والخشية إظهار الجلد والقوة بين يدي القوي العزيز ، وقد حكي أن الشافعي مرض مرضة شديدة بمصر فكان يقول : اللهم ، إن كان في هذا رضاك فزدني منه ، فكتب إليه بعض العلماء وهو إدريس بن يحيي المعافري ، يا أبا عبد الله ، لست من رجال البلاء فسل الله العافية ، فرجع عن قوله هذا واستغفر منه ، فبعد هذا والله أعلم ، لعله ما حكي عنه أنه كان يقول في دعائه : اللهم إجعل خيرتي فيما أحببت .

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

فقال : بشر ، فنظر بعضهم إلى بعض كأنهم كرهوا ذلك فقال : أتجلد على الله ، كأنه أحب أن يظهر افتقاره إلى الله ، وأراد أيضا أن يعلمهم أنه لا بأس بذلك لأن من يقول : بخير إذا سئل كثير ، كما قال الثوري : إنما العلم الرخصة من ثقة ، فأما التشديد فكل أحد يحسنه ، فكان علي رضي الله عنه أراد أن يتحقق بتأديب النبي صلى الله عليه وسلم له ونهيه إياه عن إظهار القوى ، لأنه روي أنه مرض فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم ، صبرني على البلاء فقال : لقد سألت الله البلاء ولكن سل الله العافية ، ومن هنا قال مطرف : لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلي فأصبر ، لأن البلاء طريق الأقوياء ، وكره أهل الإشفاق والخشية إظهار الجلد والقوة بين يدي القوي العزيز ، وقد حكي أن الشافعي مرض مرضة شديدة بمصر فكان يقول : اللهم ، إن كان في هذا رضاك فزدني منه ، فكتب إليه بعض العلماء وهو إدريس بن يحيي المعافري ، يا أبا عبد الله ، لست من رجال البلاء فسل الله العافية ، فرجع عن قوله هذا واستغفر منه ، فبعد هذا والله أعلم ، لعله ما حكي عنه أنه كان يقول في دعائه : اللهم إجعل خيرتي فيما أحببت .

Sección V02/P046Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P046)
Orijinal Metin (AR)

ذكر فضل التارك للتكسب

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ذكر فضل التارك للتكسب

Sección V02/P046–V02/P047Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P046–V02/P047)
Orijinal Metin (AR)

قد يفضل التارك للتكسب شغلا بالعبادة عن المتكسب ، من حيث فضل المتقدمون الزاهد في الدنيا على كاسب المال حلالا ومنفقه في سبيل الله ، وسئل الحسن عن رجلين ، أحدهما محترف والآخر مشغول بالتعبد : أيهما أفضل ؟ فقال سبحان الله ما اعتدل الرجلان المتفرغ لعبادة أفضلهما ، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كفى بالموت واعطا وبالتقوى غنى وبالعبادة شغلا ، وقد علم التارك للتكسب توكلا على الله وثقة به ورعاية لمقامه وصبرا على فقره وشغلا بمعاده عن معاشه ومقاساة الفتنة ، إن مولاه قد تكلل له برزقه في الدنيا وقد وكل إليه عمل الآخرة ، وأنه إن شغل بما وكله إليه من عمل آخرته أقام له من يقوم بكفايته من دنياه ، فلو لم يتصرف المتوكل تصرف له غيره ، وإن عمل آخرته الذي وكله إليه هذا فلم إن لم يعمله لم يقم غيره مقامه ، وإن الله تكفل له بعمل الدنيا ، فإن لم يعمل لعمل له سواه كيف شاء ، فهذا هو الفرق بين ماتكفل له به من عمل الدنيا وبين ما وكله به من عمل الآخرة ، قال الله سبحانه في رزق الدنيا الذي تكفل به : ( وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم ) العنكبوت : 60 وقال تعالى في رزق الآخرة الذي وكل به : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) النجم : 39 ، ثم قد علم المتوكل بعدتوحيده أن هذه الأربعة الأشياء منتظمة في سلك واحد ، كشيء واحد يقع وقعة واحدة رزق مقسوم لا يزاد فيه في وقت معلوم ولا يتقدم ولايتأخر بسبب محكوم ، لا ينقلب عند أثر مكتوب ولايتغير ، فالرزق بفضل الرازق والوقت الذي يظهر فضل العطاء لا يقع إلا في ظرف ، والسبب حكمة القاسم والأثر حد المرزوق ، فلما أيقن المتوكل بهذا كان إن تصرف بحكم ، وإن قعد قعد بعلم ، فاستوى تصرفه وقعوده لأنه قائم بحكم ما يقتضي منه في علم حاله عالم بحكم مصرفه ومقعده ، فإن شغله مولاه بخدمته عن خدمة من سواه ، فصرفه في معاملته دون معاملة العبيد ساق إليه رزقه كيف شاء من الوجوه وبيد من شاء من العبيد ، يحفظه له عن مجاوزة الحدود ، كما قال تعالى : ( حافظات للغيب بما حفظ الله ) النساء : 34 ، وبتوليه له وعصمته إياه عن التورط في محظور ، كما أخبر عن أوليائه في قوله عز وجل : ( وهو يتولى الصالحين ) الأعراف : 196 ، وكان العبد فاضلا في قعوده لشغله عن العبيد بمعبوده ، بانقطاعه إلى معاملة الملك دون ما يقطعه من معاملة الملوك ، وبهمة الآخرة عن الدنيا ، وكان داخلا في وصف ما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل كفاية الله ، فيما روي عنه من جعل الهموم هما واحدا ، كفاه الله آخرته ، وخارجا عن وصف من قطعه عن الله بهمة غيره وعرضه للهلكة في أودية الهموم ، في قوله عليه السلام : من أصبح وهمه غير الله فليس من الله ، وفي قوله : ومن تشعبت به الهموم لم يبال الله في أي أوديتها هلك ، فإن كان حال المتوكل أن يجري رزقه على يد نفسه وكسب جارحته فهو خزانة من خزائن الملك وهو عبد من عبيد الملك ، يوصل إليه عن يد نفسه بما يوصله إليه عن يد غيره وسواه ، ساق إليه الرزق أو ساقه إلى الرزق بعد أن يرزقه ، لأن ما لقيته فقد لقيك ، والعبد متوكل على الله في الحالين ، ناظر إليه بالمعنيين ، قائم بحكم حاله في الأمرين ، عارف بحسن اختيار الله له في الحكمين ، ومن ترك التكسب لأجل الله ثقة به وسكونا إليه أو لدخول الآثام وتعذر القيام بالأحكام ، فحسنه كحسن من عمل شيئا لأجل الله لأن الترك عمل يحتاج إلى نية صالحة وأفضل الناس عندالله أتقاهم له وأتقاهم له أعرفهم به متصرفا كان أو قاعدا ، هذا هو فصل الخطاب .

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

قد يفضل التارك للتكسب شغلا بالعبادة عن المتكسب ، من حيث فضل المتقدمون الزاهد في الدنيا على كاسب المال حلالا ومنفقه في سبيل الله ، وسئل الحسن عن رجلين ، أحدهما محترف والآخر مشغول بالتعبد : أيهما أفضل ؟ فقال سبحان الله ما اعتدل الرجلان المتفرغ لعبادة أفضلهما ، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كفى بالموت واعطا وبالتقوى غنى وبالعبادة شغلا ، وقد علم التارك للتكسب توكلا على الله وثقة به ورعاية لمقامه وصبرا على فقره وشغلا بمعاده عن معاشه ومقاساة الفتنة ، إن مولاه قد تكلل له برزقه في الدنيا وقد وكل إليه عمل الآخرة ، وأنه إن شغل بما وكله إليه من عمل آخرته أقام له من يقوم بكفايته من دنياه ، فلو لم يتصرف المتوكل تصرف له غيره ، وإن عمل آخرته الذي وكله إليه هذا فلم إن لم يعمله لم يقم غيره مقامه ، وإن الله تكفل له بعمل الدنيا ، فإن لم يعمل لعمل له سواه كيف شاء ، فهذا هو الفرق بين ماتكفل له به من عمل الدنيا وبين ما وكله به من عمل الآخرة ، قال الله سبحانه في رزق الدنيا الذي تكفل به : ( وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم ) العنكبوت : 60 وقال تعالى في رزق الآخرة الذي وكل به : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) النجم : 39 ، ثم قد علم المتوكل بعدتوحيده أن هذه الأربعة الأشياء منتظمة في سلك واحد ، كشيء واحد يقع وقعة واحدة رزق مقسوم لا يزاد فيه في وقت معلوم ولا يتقدم ولايتأخر بسبب محكوم ، لا ينقلب عند أثر مكتوب ولايتغير ، فالرزق بفضل الرازق والوقت الذي يظهر فضل العطاء لا يقع إلا في ظرف ، والسبب حكمة القاسم والأثر حد المرزوق ، فلما أيقن المتوكل بهذا كان إن تصرف بحكم ، وإن قعد قعد بعلم ، فاستوى تصرفه وقعوده لأنه قائم بحكم ما يقتضي منه في علم حاله عالم بحكم مصرفه ومقعده ، فإن شغله مولاه بخدمته عن خدمة من سواه ، فصرفه في معاملته دون معاملة العبيد ساق إليه رزقه كيف شاء من الوجوه وبيد من شاء من العبيد ، يحفظه له عن مجاوزة الحدود ، كما قال تعالى : ( حافظات للغيب بما حفظ الله ) النساء : 34 ، وبتوليه له وعصمته إياه عن التورط في محظور ، كما أخبر عن أوليائه في قوله عز وجل : ( وهو يتولى الصالحين ) الأعراف : 196 ، وكان العبد فاضلا في قعوده لشغله عن العبيد بمعبوده ، بانقطاعه إلى معاملة الملك دون ما يقطعه من معاملة الملوك ، وبهمة الآخرة عن الدنيا ، وكان داخلا في وصف ما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل كفاية الله ، فيما روي عنه من جعل الهموم هما واحدا ، كفاه الله آخرته ، وخارجا عن وصف من قطعه عن الله بهمة غيره وعرضه للهلكة في أودية الهموم ، في قوله عليه السلام : من أصبح وهمه غير الله فليس من الله ، وفي قوله : ومن تشعبت به الهموم لم يبال الله في أي أوديتها هلك ، فإن كان حال المتوكل أن يجري رزقه على يد نفسه وكسب جارحته فهو خزانة من خزائن الملك وهو عبد من عبيد الملك ، يوصل إليه عن يد نفسه بما يوصله إليه عن يد غيره وسواه ، ساق إليه الرزق أو ساقه إلى الرزق بعد أن يرزقه ، لأن ما لقيته فقد لقيك ، والعبد متوكل على الله في الحالين ، ناظر إليه بالمعنيين ، قائم بحكم حاله في الأمرين ، عارف بحسن اختيار الله له في الحكمين ، ومن ترك التكسب لأجل الله ثقة به وسكونا إليه أو لدخول الآثام وتعذر القيام بالأحكام ، فحسنه كحسن من عمل شيئا لأجل الله لأن الترك عمل يحتاج إلى نية صالحة وأفضل الناس عندالله أتقاهم له وأتقاهم له أعرفهم به متصرفا كان أو قاعدا ، هذا هو فصل الخطاب .

Sección V02/P047–V02/P050Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P047–V02/P050)
Orijinal Metin (AR)

وروينا في حديث عبد الله بن دينار عن عمرو بن ميمون عن النبي صلى الله عليه وسلم : أتدرون ما قال ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : حين استوى على عرشه ونظر إلى خلقه : عبادي ، أنتم خلقي وأنا ربكم أرزاقكم بيدي فلا تتعبوا أنفسكم فيما تكفلت لكم به ، واطلبوا أرزاقكم مني وانصبوا أنفسكم لي ، وارفعوا حوائجكم إلي أصب عليكم أرزاقكم ، أتدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : عبدي أنفق أنفق عليك ووسع أوسع عليك ، ولا تضيق فأضيق عليك ، إن أبواب الرزق بالعرش لا تغلق ليلا ولا نهارا ، فأنزل الرزق منها لكل عبد على قدر نيته وعالته وصدقته ونفقته ، فمن أكثر أكثر له ومن أقلل أقلل له ، ومن أمسك أمسك عليه ، يا زبير إن الله يحب الإنفاق ويبغض الإقتار ، فكل وأطعم ولاتقتر فيقتر الله عليك ولا تعسر فيعسر عليك ، أطعم الإخوان ووقرالأخبار وصل الجار ولاتماش الفجار تدخل الجنة بغير حساب ، فهذه وصبة الله لي ووصيتي لك يا زبير بن العوام : والأسواق موائد الآباق يطعم المولى منها من أبق من خدمته وهرب من مجالسته ووهن عن معاملته وجبن في متاجرته ، قال الله تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ( ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ) الذاريات : 56 - 57 ، وقال بعض أهل العربية من القدماء : ما أريد أن يرزقوا خلقي إن الله هو الرزاق ، أي لهم لا يطالبهم أن يرزقوا نفوسهم إذا خدموه ، فذكر الله الوجوه الثلاثة واختار لنفسه أحدها وهي الخدمة ، وعليه الكفاية ، واختار من العبيد أحدهم فجعله عابده وتنزه عن أحدهما وتعالى عنه وهو الإطعام من العبيد له ، وصرف عموم العبيد في الوجه الثالث من الإطعام لأنفسهم وهو التكسب ، وضرب هذا مثلا بينه وبين خلقه في الأرض وله المثل الأعلى في السموات والأرض ، فبقي العبيد مع الله تعالى بحكمين ، أحدهما ما اختاره لنفسه من العبادة وهي المعاملة وعليه الرزق كيف شاء ومتى شاء وهؤلاء عباد الرحمن لا عبيد الدنيا ، والثاني ماصرف العبيد فيه من التكسب لأنفسهم وجعل ذلك رزقا منه لهم بجوارحهم ومدحهم على هذا الوصف ، وهؤلاء عموم العبيد منهم عبيد الدنيا وعبيد الهوى وبقي المولى مع العبيد على الأحكام الثلاثة التي أباحها الله تعالى لهم وضرب بها المثل بينه وبينهم ، أيها اختاره كان ذلك لهم ، وتفسير ذلك أن للمولى من الخلق أن يقول لعبده : اذهب فأطعمني لأنك عبدي وملك يدي ، فأنا أملك كسبك كما أملك نفسك ، وهذا هو الوجه الذي ذكرناه أن الله تنزه عنه وتعالى علوا كبيرا فقال تعالى : ( ما أريد أن يطعمون ) الذاريات : 57 ، كما يريد الموالي من عبيدهم هذا ثم يقول المولى منا لعبده : اذهب فأطعم نفسك واسع في قوتك فقد أبحت لك ذلك ، ووهبت لك كسبك فهو رزق مني لك وتفضل مني عليك ، وبهذا صار المكاتب لعبده في فكاك عتقه كالمعتق بأن كان له الولاء وقد يكون له الميراث في حال ، لأنه منعم عليه بالكتابة له كالمعتق ، وإن كان العبد هو الذي سعى في فكاك رقبة نفسه بكسبه من قبل أن المولى يستحق عليه كسبه ويملك رقبته ، فلما ملك عبده ذلك صار محسنا إليه فهذا حال عموم العبيد مع الله تعالى ، لأنه مولاهم الحق وهم عبيده ، قن فقال : اذهبوا فتكسبوا ، وأطعموا أنفسكم فقد رزقتكم ذلك ووهبته لكم ، وهذا هو الوجه الثاني الذي نزه الخصوص عنه تفضيلا لهم ، فلم يستسعهم وقطعهم فشغلهم بخدمته عن خدمة نفوسهم وخليقته ، وتوكل لهم بكفايتهم ولم يوكلهم فيها كما وكل غيرهم ، بل وكل بأرزاقهم من يشاء من عباده وهو معنى قوله تعالى ( ما أريد منهم من رزق ) الذاريات : 57 لنفوسهم بدليل قوله تعالى ( إن الله هو الرزاق ) الذاريات : 58 ، أي لهم بإقامة غيرهم وبإظهاره في قوله : وما أريد أن يطعمون ، فكانت هذه الياء اسمه مكنى بها وهذه إرداة مخصوصة لا عامة لكل مراد ، فهي إرادة ابتلاء ومحبة بمعنى ما أحب : ومخصوصة بمخصوصين من عباده ، كما كان قوله تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) الذاريات : 56 ، كانت هذه الآية مخصوصة لمن عبده منهم معناها : مؤمني الجن والإنس لا عامة لجميع خلقه ، والوجه الثالث أن يقول المولى منا لعبده : اخدمني وعلي طعمتك ، تقوم خدمتك لي مقام كسبك لنفسك ، وهذا هو الوجه الأعلى الذي اختاره الله تعالى ، وأحبه لمن يحبه واختار له من عبده من العبيد من خصوص العاملين له ، وهم العالمون به دون من صرفه في رزق نفسه بنفسه ، وهو قوله تعالى : ( إلا ليعبدون ) ( ما أريد منهم من رزق ) الذاريات : 56 - 57 ، أي أن يرزقوا نفوسهم بكسبهم الذي أبحته لهم ، فيكونوا كغيرهم ممن قلت له : اذهب فتكسب ، فقد أردت منك الرزق لنفسك بكسبك وقد وهبته لك ، أي أنا أريد من هؤلاء العبادة ولها خلقتهم فكل ميسر لما خلق له ، فمن كانت صنعته العبادة وخلق لها ، يسرت له ، ومن كانت صنعته الدنيا وخلق لها ، يسرت له ، وفي الخبر أن الله تعالى خلق كل صانع وصنعته ، ويقال إن الله تعالى لما أظهرالخلق في العدم أظهر لهم الصنائع كلها ، ثم خيرهم فاختار كل واحد صنعته ، فلما أبداهم في الوجود أجرى على كل واحد ما اختار لنفسه قال : وانفردت طائفة فلم تختر شيئا ، فقال لها : اختاري فقالت : ما أعجبنا شيء رأيناه فنختاره قال : فأظهر مقامات العبادات فقالت : قد اخترنا خدمتك فقال : وعزتي وجلالي لأخدمنكم إياهم ولأسخرنهم لكم ، وفي الخبر : أوحى الله تعالى إلى الدنيا : اخدمي من خدمني ، وأتعبي من خدمك فالعبادة هي الخدمة ، ومن ذلك قولهم : إياك نعيد ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعي ونحفد ، أي إليك نعمل ونخدم مثل قوله تعالى : ( بنين وحفدة ) النحل : 72 أي خدما في أحد الوجوه والعبادة هي الخدمة بذل وتواضع ، والعرب تقول : طريق معبد إذا كان مذللا ممهدا وموطوءا بالأقدام ، ويقولون : بعير معبد إذا كان ممتهنا بالكد نضوا من السير والحمل عليه ، ومنه قول القبط : أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون ، يعنون بني إسرائيل ، خدمنا نستذلهم ونمتهنهم بالكد والعمل ، وقال بعض العارفين : إن الله سبحانه وتعالى اطلع على قلوب طائفة من عباده فلم يرها تصلح لمعرفته ولا موضعا لمشاهدته ، فرحمها فوهب لها العبادات والأعمال الصالحات ، ثم إطلع على قلوب طائفة أخرى من خلقه فلم ير جوارحهم تصلح لخدمته ولا موضعا لمعاملته ، فاستعملهم للدنيا وعبدهم لأهلها ، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : تعس عبد الدينار والدرهم ، تعس عبد الزوجة ، تعس عبد الخميصة ؛ أي الذين يذلون لهذه الأشياء ويسعون لها ، وفي أخبار داود عليه السلام : إني خلقت محمدا لأجلي وخلقت آدم لأجل محمد ، وخلقت جميع ما خلقت لأجل ولد آدم ، فمن اشتغل منهم بما خلقته لأجله حجبته عني ، ومن اشتغل منهم بي سقت له ما خلقته لأجله .

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وروينا في حديث عبد الله بن دينار عن عمرو بن ميمون عن النبي صلى الله عليه وسلم : أتدرون ما قال ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : حين استوى على عرشه ونظر إلى خلقه : عبادي ، أنتم خلقي وأنا ربكم أرزاقكم بيدي فلا تتعبوا أنفسكم فيما تكفلت لكم به ، واطلبوا أرزاقكم مني وانصبوا أنفسكم لي ، وارفعوا حوائجكم إلي أصب عليكم أرزاقكم ، أتدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : عبدي أنفق أنفق عليك ووسع أوسع عليك ، ولا تضيق فأضيق عليك ، إن أبواب الرزق بالعرش لا تغلق ليلا ولا نهارا ، فأنزل الرزق منها لكل عبد على قدر نيته وعالته وصدقته ونفقته ، فمن أكثر أكثر له ومن أقلل أقلل له ، ومن أمسك أمسك عليه ، يا زبير إن الله يحب الإنفاق ويبغض الإقتار ، فكل وأطعم ولاتقتر فيقتر الله عليك ولا تعسر فيعسر عليك ، أطعم الإخوان ووقرالأخبار وصل الجار ولاتماش الفجار تدخل الجنة بغير حساب ، فهذه وصبة الله لي ووصيتي لك يا زبير بن العوام : والأسواق موائد الآباق يطعم المولى منها من أبق من خدمته وهرب من مجالسته ووهن عن معاملته وجبن في متاجرته ، قال الله تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ( ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ) الذاريات : 56 - 57 ، وقال بعض أهل العربية من القدماء : ما أريد أن يرزقوا خلقي إن الله هو الرزاق ، أي لهم لا يطالبهم أن يرزقوا نفوسهم إذا خدموه ، فذكر الله الوجوه الثلاثة واختار لنفسه أحدها وهي الخدمة ، وعليه الكفاية ، واختار من العبيد أحدهم فجعله عابده وتنزه عن أحدهما وتعالى عنه وهو الإطعام من العبيد له ، وصرف عموم العبيد في الوجه الثالث من الإطعام لأنفسهم وهو التكسب ، وضرب هذا مثلا بينه وبين خلقه في الأرض وله المثل الأعلى في السموات والأرض ، فبقي العبيد مع الله تعالى بحكمين ، أحدهما ما اختاره لنفسه من العبادة وهي المعاملة وعليه الرزق كيف شاء ومتى شاء وهؤلاء عباد الرحمن لا عبيد الدنيا ، والثاني ماصرف العبيد فيه من التكسب لأنفسهم وجعل ذلك رزقا منه لهم بجوارحهم ومدحهم على هذا الوصف ، وهؤلاء عموم العبيد منهم عبيد الدنيا وعبيد الهوى وبقي المولى مع العبيد على الأحكام الثلاثة التي أباحها الله تعالى لهم وضرب بها المثل بينه وبينهم ، أيها اختاره كان ذلك لهم ، وتفسير ذلك أن للمولى من الخلق أن يقول لعبده : اذهب فأطعمني لأنك عبدي وملك يدي ، فأنا أملك كسبك كما أملك نفسك ، وهذا هو الوجه الذي ذكرناه أن الله تنزه عنه وتعالى علوا كبيرا فقال تعالى : ( ما أريد أن يطعمون ) الذاريات : 57 ، كما يريد الموالي من عبيدهم هذا ثم يقول المولى منا لعبده : اذهب فأطعم نفسك واسع في قوتك فقد أبحت لك ذلك ، ووهبت لك كسبك فهو رزق مني لك وتفضل مني عليك ، وبهذا صار المكاتب لعبده في فكاك عتقه كالمعتق بأن كان له الولاء وقد يكون له الميراث في حال ، لأنه منعم عليه بالكتابة له كالمعتق ، وإن كان العبد هو الذي سعى في فكاك رقبة نفسه بكسبه من قبل أن المولى يستحق عليه كسبه ويملك رقبته ، فلما ملك عبده ذلك صار محسنا إليه فهذا حال عموم العبيد مع الله تعالى ، لأنه مولاهم الحق وهم عبيده ، قن فقال : اذهبوا فتكسبوا ، وأطعموا أنفسكم فقد رزقتكم ذلك ووهبته لكم ، وهذا هو الوجه الثاني الذي نزه الخصوص عنه تفضيلا لهم ، فلم يستسعهم وقطعهم فشغلهم بخدمته عن خدمة نفوسهم وخليقته ، وتوكل لهم بكفايتهم ولم يوكلهم فيها كما وكل غيرهم ، بل وكل بأرزاقهم من يشاء من عباده وهو معنى قوله تعالى ( ما أريد منهم من رزق ) الذاريات : 57 لنفوسهم بدليل قوله تعالى ( إن الله هو الرزاق ) الذاريات : 58 ، أي لهم بإقامة غيرهم وبإظهاره في قوله : وما أريد أن يطعمون ، فكانت هذه الياء اسمه مكنى بها وهذه إرداة مخصوصة لا عامة لكل مراد ، فهي إرادة ابتلاء ومحبة بمعنى ما أحب : ومخصوصة بمخصوصين من عباده ، كما كان قوله تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) الذاريات : 56 ، كانت هذه الآية مخصوصة لمن عبده منهم معناها : مؤمني الجن والإنس لا عامة لجميع خلقه ، والوجه الثالث أن يقول المولى منا لعبده : اخدمني وعلي طعمتك ، تقوم خدمتك لي مقام كسبك لنفسك ، وهذا هو الوجه الأعلى الذي اختاره الله تعالى ، وأحبه لمن يحبه واختار له من عبده من العبيد من خصوص العاملين له ، وهم العالمون به دون من صرفه في رزق نفسه بنفسه ، وهو قوله تعالى : ( إلا ليعبدون ) ( ما أريد منهم من رزق ) الذاريات : 56 - 57 ، أي أن يرزقوا نفوسهم بكسبهم الذي أبحته لهم ، فيكونوا كغيرهم ممن قلت له : اذهب فتكسب ، فقد أردت منك الرزق لنفسك بكسبك وقد وهبته لك ، أي أنا أريد من هؤلاء العبادة ولها خلقتهم فكل ميسر لما خلق له ، فمن كانت صنعته العبادة وخلق لها ، يسرت له ، ومن كانت صنعته الدنيا وخلق لها ، يسرت له ، وفي الخبر أن الله تعالى خلق كل صانع وصنعته ، ويقال إن الله تعالى لما أظهرالخلق في العدم أظهر لهم الصنائع كلها ، ثم خيرهم فاختار كل واحد صنعته ، فلما أبداهم في الوجود أجرى على كل واحد ما اختار لنفسه قال : وانفردت طائفة فلم تختر شيئا ، فقال لها : اختاري فقالت : ما أعجبنا شيء رأيناه فنختاره قال : فأظهر مقامات العبادات فقالت : قد اخترنا خدمتك فقال : وعزتي وجلالي لأخدمنكم إياهم ولأسخرنهم لكم ، وفي الخبر : أوحى الله تعالى إلى الدنيا : اخدمي من خدمني ، وأتعبي من خدمك فالعبادة هي الخدمة ، ومن ذلك قولهم : إياك نعيد ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعي ونحفد ، أي إليك نعمل ونخدم مثل قوله تعالى : ( بنين وحفدة ) النحل : 72 أي خدما في أحد الوجوه والعبادة هي الخدمة بذل وتواضع ، والعرب تقول : طريق معبد إذا كان مذللا ممهدا وموطوءا بالأقدام ، ويقولون : بعير معبد إذا كان ممتهنا بالكد نضوا من السير والحمل عليه ، ومنه قول القبط : أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون ، يعنون بني إسرائيل ، خدمنا نستذلهم ونمتهنهم بالكد والعمل ، وقال بعض العارفين : إن الله سبحانه وتعالى اطلع على قلوب طائفة من عباده فلم يرها تصلح لمعرفته ولا موضعا لمشاهدته ، فرحمها فوهب لها العبادات والأعمال الصالحات ، ثم إطلع على قلوب طائفة أخرى من خلقه فلم ير جوارحهم تصلح لخدمته ولا موضعا لمعاملته ، فاستعملهم للدنيا وعبدهم لأهلها ، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : تعس عبد الدينار والدرهم ، تعس عبد الزوجة ، تعس عبد الخميصة ؛ أي الذين يذلون لهذه الأشياء ويسعون لها ، وفي أخبار داود عليه السلام : إني خلقت محمدا لأجلي وخلقت آدم لأجل محمد ، وخلقت جميع ما خلقت لأجل ولد آدم ، فمن اشتغل منهم بما خلقته لأجله حجبته عني ، ومن اشتغل منهم بي سقت له ما خلقته لأجله .

Sección V02/P050Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P050)
Orijinal Metin (AR)

وأحبه لمن يحبه واختار له من عبده من العبيد من خصوص العاملين له ، وهم العالمون به دون من صرفه في رزق نفسه بنفسه ، وهو قوله تعالى : ( إلا ليعبدون ) ( ما أريد منهم من رزق ) الذاريات : 56 - 57 ، أي أن يرزقوا نفوسهم بكسبهم الذي أبحته لهم ، فيكونوا كغيرهم ممن قلت له : اذهب فتكسب ، فقد أردت منك الرزق لنفسك بكسبك وقد وهبته لك ، أي أنا أريد من هؤلاء العبادة ولها خلقتهم فكل ميسر لما خلق له ، فمن كانت صنعته العبادة وخلق لها ، يسرت له ، ومن كانت صنعته الدنيا وخلق لها ، يسرت له ، وفي الخبر أن الله تعالى خلق كل صانع وصنعته ، ويقال إن الله تعالى لما أظهرالخلق في العدم أظهر لهم الصنائع كلها ، ثم خيرهم فاختار كل واحد صنعته ، فلما أبداهم في الوجود أجرى على كل واحد ما اختار لنفسه قال : وانفردت طائفة فلم تختر شيئا ، فقال لها : اختاري فقالت : ما أعجبنا شيء رأيناه فنختاره قال : فأظهر مقامات العبادات فقالت : قد اخترنا خدمتك فقال : وعزتي وجلالي لأخدمنكم إياهم ولأسخرنهم لكم ، وفي الخبر : أوحى الله تعالى إلى الدنيا : اخدمي من خدمني ، وأتعبي من خدمك فالعبادة هي الخدمة ، ومن ذلك قولهم : إياك نعيد ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعي ونحفد ، أي إليك نعمل ونخدم مثل قوله تعالى : ( بنين وحفدة ) النحل : 72 أي خدما في أحد الوجوه والعبادة هي الخدمة بذل وتواضع ، والعرب تقول : طريق معبد إذا كان مذللا ممهدا وموطوءا بالأقدام ، ويقولون : بعير معبد إذا كان ممتهنا بالكد نضوا من السير والحمل عليه ، ومنه قول القبط : أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون ، يعنون بني إسرائيل ، خدمنا نستذلهم ونمتهنهم بالكد والعمل ، وقال بعض العارفين : إن الله سبحانه وتعالى اطلع على قلوب طائفة من عباده فلم يرها تصلح لمعرفته ولا موضعا لمشاهدته ، فرحمها فوهب لها العبادات والأعمال الصالحات ، ثم إطلع على قلوب طائفة أخرى من خلقه فلم ير جوارحهم تصلح لخدمته ولا موضعا لمعاملته ، فاستعملهم للدنيا وعبدهم لأهلها ، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : تعس عبد الدينار والدرهم ، تعس عبد الزوجة ، تعس عبد الخميصة ؛ أي الذين يذلون لهذه الأشياء ويسعون لها ، وفي أخبار داود عليه السلام : إني خلقت محمدا لأجلي وخلقت آدم لأجل محمد ، وخلقت جميع ما خلقت لأجل ولد آدم ، فمن اشتغل منهم بما خلقته لأجله حجبته عني ، ومن اشتغل منهم بي سقت له ما خلقته لأجله .

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وأحبه لمن يحبه واختار له من عبده من العبيد من خصوص العاملين له ، وهم العالمون به دون من صرفه في رزق نفسه بنفسه ، وهو قوله تعالى : ( إلا ليعبدون ) ( ما أريد منهم من رزق ) الذاريات : 56 - 57 ، أي أن يرزقوا نفوسهم بكسبهم الذي أبحته لهم ، فيكونوا كغيرهم ممن قلت له : اذهب فتكسب ، فقد أردت منك الرزق لنفسك بكسبك وقد وهبته لك ، أي أنا أريد من هؤلاء العبادة ولها خلقتهم فكل ميسر لما خلق له ، فمن كانت صنعته العبادة وخلق لها ، يسرت له ، ومن كانت صنعته الدنيا وخلق لها ، يسرت له ، وفي الخبر أن الله تعالى خلق كل صانع وصنعته ، ويقال إن الله تعالى لما أظهرالخلق في العدم أظهر لهم الصنائع كلها ، ثم خيرهم فاختار كل واحد صنعته ، فلما أبداهم في الوجود أجرى على كل واحد ما اختار لنفسه قال : وانفردت طائفة فلم تختر شيئا ، فقال لها : اختاري فقالت : ما أعجبنا شيء رأيناه فنختاره قال : فأظهر مقامات العبادات فقالت : قد اخترنا خدمتك فقال : وعزتي وجلالي لأخدمنكم إياهم ولأسخرنهم لكم ، وفي الخبر : أوحى الله تعالى إلى الدنيا : اخدمي من خدمني ، وأتعبي من خدمك فالعبادة هي الخدمة ، ومن ذلك قولهم : إياك نعيد ولك نصلي ونسجد ، وإليك نسعي ونحفد ، أي إليك نعمل ونخدم مثل قوله تعالى : ( بنين وحفدة ) النحل : 72 أي خدما في أحد الوجوه والعبادة هي الخدمة بذل وتواضع ، والعرب تقول : طريق معبد إذا كان مذللا ممهدا وموطوءا بالأقدام ، ويقولون : بعير معبد إذا كان ممتهنا بالكد نضوا من السير والحمل عليه ، ومنه قول القبط : أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون ، يعنون بني إسرائيل ، خدمنا نستذلهم ونمتهنهم بالكد والعمل ، وقال بعض العارفين : إن الله سبحانه وتعالى اطلع على قلوب طائفة من عباده فلم يرها تصلح لمعرفته ولا موضعا لمشاهدته ، فرحمها فوهب لها العبادات والأعمال الصالحات ، ثم إطلع على قلوب طائفة أخرى من خلقه فلم ير جوارحهم تصلح لخدمته ولا موضعا لمعاملته ، فاستعملهم للدنيا وعبدهم لأهلها ، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : تعس عبد الدينار والدرهم ، تعس عبد الزوجة ، تعس عبد الخميصة ؛ أي الذين يذلون لهذه الأشياء ويسعون لها ، وفي أخبار داود عليه السلام : إني خلقت محمدا لأجلي وخلقت آدم لأجل محمد ، وخلقت جميع ما خلقت لأجل ولد آدم ، فمن اشتغل منهم بما خلقته لأجله حجبته عني ، ومن اشتغل منهم بي سقت له ما خلقته لأجله .

Sección V02/P050Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P050)
Orijinal Metin (AR)

ذكر حكم المتوكل إذا كان ذا بيت

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ذكر حكم المتوكل إذا كان ذا بيت

Sección V02/P050–V02/P051Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P050–V02/P051)
Orijinal Metin (AR)

فإن كان المتوكل ذا بيت فليغلقه إذا خرج ، إحرازا له لأجل الأمر بالحذر ولإتباع السنة والأثر قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنواخذوا حذركم ) النساء : 71 ، وقال تعالى : ( واحذرهم أن يفتنوك ) المائدة : 49 ، وقد يروي في خبر اعقلها وتوكل ولاينقص ذلك توكله إذا كان ساكن القلب إلى الله لا إلى خلقه ، ناظرا إلى حسن تدبيره في تبقية رحله أو إذهابه لا إلى إحرازه ، غير مختار لبقاء ما في بيته على اختيار الله له لحسن أحكامه عنده ، لأن الله تعالى إذا رفع عبدا إلى مقام التوكل عليه في شيء أعطاه التوكل في كل شيء ، كما لا يكون توابا يحبه الله حتى يتوب إلى الله بكل شيء وفي كل شيء أي يرجع إليه بالأشياء وفيها ، فلذلك قال الله تعالى : ( إن الله يحب المتوكلين ) آل عمران : 159 ، كما قال : ( إن الله يحب التوابين ) البقرة : 222 ، مع قوله : ( وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) إبراهيم : 12 ، أي ليتوكل عليه في كل شيء ، من توكل عليه في شيء ، هذا أحسن وجوهه ، والوجه الآخر وعليه فليتوكل في كل توكله من توكل عليه في الأشياء لأن الوكيل في شيء واحد ، فينبغي أن يكون التوكل عليه واحدا في كل شيء ، فالتوكل مقام رفيع من مقامات الأنبياء ومن أعالي درج الصديقين والشهداء ؛ من تحقق به فقد تحقق بالتوحيد وكمل إيمانه وكان على مزيد ، وانتفى عنه دقائق الشرك وخفايا تولي العدو فانقطع سلطانه عنه ، قال الله سبحانه وتعالى : ( إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) ( إنما سلطانه على الذين يتولونه ) النحل : 99 - 100 يعني العدو ، والذين هم به مشركون يعني الله سبحانه ، فلم يشترط نفي سلطان العدو بالإيمان مجردا حتى يقيمه في مقام التوكل في اليقين ، فلذلك فصلنا شرحه وأطلقنا تفصيله لأن من أعطى مقاما من التوكل على حقيقة مشاهدة الوكيل انتظم له جمل مقامات اليقين وأحوال المتقين ، كما قال عبد الله بن مسعود : التوكل جماع الإيمان وقد يبتلى المتوكل في توكله بالأسباب والأشخاص والأغراض وضروب المعاني ، كما يبتلى سائر أهل المقامات ويبقى عليه من العدو نزغ وطيف لا غير دون الاقتران والاستحواذ ، يختبر بذلك صدقه في توكله حتى يرد في جميع ذلك نظره إلى وكيله ليجزى جزاء الصادقين المقربين ، أو ليكشف له دعواه فيعلم كذب نفسه ، فيكون مردودا إلى التوبة ، كما قال تعالى : ( ليجزي الله الصادقين بصدقهم ) الأحزاب : 24 ، وحسب جزاء المتوكلين أن يكون الصادق حسبهم وأن يكون خلعة الصدق شعارهم ثم قال تعالى : ( ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم ) الأحزاب : 24 ، فأحسن حال المدعين التوبة بها يخرجون من ظلمهم ، وقال تعالى : ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) العنكبوت : 2 ، ثم أخبر بسنته التي قد خلت في عباده فقال : ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ، ولن تجد لسنة الله تبديلا ، فليقل المتوكل عند خروجه من منزله معتقدا لذلك بعد غلق بابه للأمر والسنة : اللهم إن جميع ما في منزلي إن سلطت عليه من يأخذه فهو في سبيلك صدقة مني على من أخذه ، فإن أخذ ما في منزله كان له في ذلك سبع معاملات : إحداهما قبول توكله على الله بتدبير الله أمره كيف شاء ، واختيار الله له نقصان الدنيا ، وإذهاب ما لعله يفتتن بتبقيته ، والثانية اختيار الله تعالى لعبده وابتلاؤه إياه بفقد محبوبه ليظهر صدقه ومسألته ، أو ليستيبن للعبد كذبه ، فإن حمد الله وشكره على حسن بلائه ولم تضطرب نفسه أعطي ثواب الشاكرين الراضين ، كما جاء في العلم المكنون عن بعض أنبيائه قال : يا رب من أولياؤك ؟

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

فإن كان المتوكل ذا بيت فليغلقه إذا خرج ، إحرازا له لأجل الأمر بالحذر ولإتباع السنة والأثر قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنواخذوا حذركم ) النساء : 71 ، وقال تعالى : ( واحذرهم أن يفتنوك ) المائدة : 49 ، وقد يروي في خبر اعقلها وتوكل ولاينقص ذلك توكله إذا كان ساكن القلب إلى الله لا إلى خلقه ، ناظرا إلى حسن تدبيره في تبقية رحله أو إذهابه لا إلى إحرازه ، غير مختار لبقاء ما في بيته على اختيار الله له لحسن أحكامه عنده ، لأن الله تعالى إذا رفع عبدا إلى مقام التوكل عليه في شيء أعطاه التوكل في كل شيء ، كما لا يكون توابا يحبه الله حتى يتوب إلى الله بكل شيء وفي كل شيء أي يرجع إليه بالأشياء وفيها ، فلذلك قال الله تعالى : ( إن الله يحب المتوكلين ) آل عمران : 159 ، كما قال : ( إن الله يحب التوابين ) البقرة : 222 ، مع قوله : ( وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) إبراهيم : 12 ، أي ليتوكل عليه في كل شيء ، من توكل عليه في شيء ، هذا أحسن وجوهه ، والوجه الآخر وعليه فليتوكل في كل توكله من توكل عليه في الأشياء لأن الوكيل في شيء واحد ، فينبغي أن يكون التوكل عليه واحدا في كل شيء ، فالتوكل مقام رفيع من مقامات الأنبياء ومن أعالي درج الصديقين والشهداء ؛ من تحقق به فقد تحقق بالتوحيد وكمل إيمانه وكان على مزيد ، وانتفى عنه دقائق الشرك وخفايا تولي العدو فانقطع سلطانه عنه ، قال الله سبحانه وتعالى : ( إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) ( إنما سلطانه على الذين يتولونه ) النحل : 99 - 100 يعني العدو ، والذين هم به مشركون يعني الله سبحانه ، فلم يشترط نفي سلطان العدو بالإيمان مجردا حتى يقيمه في مقام التوكل في اليقين ، فلذلك فصلنا شرحه وأطلقنا تفصيله لأن من أعطى مقاما من التوكل على حقيقة مشاهدة الوكيل انتظم له جمل مقامات اليقين وأحوال المتقين ، كما قال عبد الله بن مسعود : التوكل جماع الإيمان وقد يبتلى المتوكل في توكله بالأسباب والأشخاص والأغراض وضروب المعاني ، كما يبتلى سائر أهل المقامات ويبقى عليه من العدو نزغ وطيف لا غير دون الاقتران والاستحواذ ، يختبر بذلك صدقه في توكله حتى يرد في جميع ذلك نظره إلى وكيله ليجزى جزاء الصادقين المقربين ، أو ليكشف له دعواه فيعلم كذب نفسه ، فيكون مردودا إلى التوبة ، كما قال تعالى : ( ليجزي الله الصادقين بصدقهم ) الأحزاب : 24 ، وحسب جزاء المتوكلين أن يكون الصادق حسبهم وأن يكون خلعة الصدق شعارهم ثم قال تعالى : ( ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم ) الأحزاب : 24 ، فأحسن حال المدعين التوبة بها يخرجون من ظلمهم ، وقال تعالى : ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) العنكبوت : 2 ، ثم أخبر بسنته التي قد خلت في عباده فقال : ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ، ولن تجد لسنة الله تبديلا ، فليقل المتوكل عند خروجه من منزله معتقدا لذلك بعد غلق بابه للأمر والسنة : اللهم إن جميع ما في منزلي إن سلطت عليه من يأخذه فهو في سبيلك صدقة مني على من أخذه ، فإن أخذ ما في منزله كان له في ذلك سبع معاملات : إحداهما قبول توكله على الله بتدبير الله أمره كيف شاء ، واختيار الله له نقصان الدنيا ، وإذهاب ما لعله يفتتن بتبقيته ، والثانية اختيار الله تعالى لعبده وابتلاؤه إياه بفقد محبوبه ليظهر صدقه ومسألته ، أو ليستيبن للعبد كذبه ، فإن حمد الله وشكره على حسن بلائه ولم تضطرب نفسه أعطي ثواب الشاكرين الراضين ، كما جاء في العلم المكنون عن بعض أنبيائه قال : يا رب من أولياؤك ؟

Sección V02/P051–V02/P053Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P051–V02/P053)
Orijinal Metin (AR)

قال : الذين إذا أخذت منه المحبوب سالمني ، والثانية إن اضطربت نفسه وجزعت جاهدها بالصبر والصمت وحسن الثناء على الله وترك الشكاية إلى عبيده ، فأعطي ثواب الصابرين المجاهدين ، والرابعة إن لم يكن في هذا المقام ولا في المقام الأول انكشف له بطلان دعواه وظهر له خفي كذبه في حياته ، فاعترف بذلك واعتذر إلى الله واستكان وخضع ، فيكون هذا أيضا مزيد مثله على معنى الإعلام والبيان ، فيعلم إنه كذاب لكراهية ما قضى الله وقلة صبره أو بسخطه ما حوله الله من خزانته التي هي في يده إلى خزانته الأخرى التي هي في يد غيره ، إذ قد علم أن يده خزانة مولاه ، وأن ما حوله منها لم يكن له وإنما كان قد استودعه ، فحزن وساءه حين استرجع منه ما أودعه وأعاره وأودعها غيره أو دفعها إلى من هي رزقه ، وكانت له من قبل ، أن المتوكل قد علم أن الله تعالى ، إذا وهب شيئا من الدنيا للأجسام من الملك وشيئا من الآخرة من الملكوت وصار ذلك رزقا للمتوكل في آخرته ، فآثر لضعف يقينه رزق دنياه على رزق آخرته لنقصان زهده ، ليس ذلك ، إلا للطمع فيه ، وفضل الرغبة والشره إذ قد علم أن ما أخذ منه كان وديعة لغيره عنده ، فهذه كلها ذنوب عند المتوكلين موجبات للتوبة والاستغفار عند الموقنين ، من قبل أن المتوكل قد علم أن الله إذا وهب شيئا من الملك في الدنيا للأجسام أو شيئا من ملكوت الآخرة في القلوب ، لم يأخذه أبدا ؛ فما كان في الدنيا بقي لصاحبه إلى آخر أثره حتى يفنيه ويبليه ، وما وهبه من الآخرة من الإيمان والعلم والعمل لم يأخذه أبدا بل ينميه ويزيده فيه إلى أبد الأبد في دار الأبد ، ولكن قد يعير ويستودع من أمور الدنيا وأمور الآخرة ، فهذا النوع لا بد أن يسترده ويسترجعه في الدنيا لأن حكمته أوجبت رده كما أوجب كرمه تبقية ما وهبه ، فلا ينبغي للمتوكل الموقن ما ذكرناه أن يحزنه ما حول الله من خزانته التي في يده مما أعاره واستودعه إلى خزانته الأخرى التي هي يد غيره ، ممن لعله يهبه له أو يبتليه بأحكامه فيه ، فيخرج أيضا من يده إلى يد غيره لأنه ما خرج من الدار شيء ، ولله حكمة وابتلاء في كل شيء ؛ فالحزن والأسف على فوت مثل هذا عند العارفين جناية ، ومن المؤمنين خيانة ، يستغفرون الله ويتوبون إليه كما يتوبون من المعاصي ، لأنهم قد شهدوا ما بيناه ولأنه قد أمرهم بترك الأسى على فائت الدنيا وقلة الفرح بما أتى منها ، إذ لا بد من كونهما لأنه قد علمه وبعد علمه قد كتبه وبعد كتبه قد أعلم به ، فكشف لهم اليقين عن الكتاب المستبين ؛ أن ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ، فما ظهر من المصائب في الأموال والأنفس فقد سبق قبل خلق الخلق ، وهذا قوله تعالى : ( من قبل أن نبرأها ) الحديد : 22 ، قيل : من قبل أن نخلق الخليقة وقبل أن نبرأ الأرض وقيل : من قبل أن نبرأ الأنفس ، وقيل : من قبل أن نبرأ المصيبة ، ثم قال تعالى : ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) الحديد : 32 ، فالأسى على فقد الشيء على قدر الفرح بوجوده ، أفلا يستحي العبد أن يكون على ضد ما أمر به أو بخلاف ما يحبه منه مولاه ؟

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

قال : الذين إذا أخذت منه المحبوب سالمني ، والثانية إن اضطربت نفسه وجزعت جاهدها بالصبر والصمت وحسن الثناء على الله وترك الشكاية إلى عبيده ، فأعطي ثواب الصابرين المجاهدين ، والرابعة إن لم يكن في هذا المقام ولا في المقام الأول انكشف له بطلان دعواه وظهر له خفي كذبه في حياته ، فاعترف بذلك واعتذر إلى الله واستكان وخضع ، فيكون هذا أيضا مزيد مثله على معنى الإعلام والبيان ، فيعلم إنه كذاب لكراهية ما قضى الله وقلة صبره أو بسخطه ما حوله الله من خزانته التي هي في يده إلى خزانته الأخرى التي هي في يد غيره ، إذ قد علم أن يده خزانة مولاه ، وأن ما حوله منها لم يكن له وإنما كان قد استودعه ، فحزن وساءه حين استرجع منه ما أودعه وأعاره وأودعها غيره أو دفعها إلى من هي رزقه ، وكانت له من قبل ، أن المتوكل قد علم أن الله تعالى ، إذا وهب شيئا من الدنيا للأجسام من الملك وشيئا من الآخرة من الملكوت وصار ذلك رزقا للمتوكل في آخرته ، فآثر لضعف يقينه رزق دنياه على رزق آخرته لنقصان زهده ، ليس ذلك ، إلا للطمع فيه ، وفضل الرغبة والشره إذ قد علم أن ما أخذ منه كان وديعة لغيره عنده ، فهذه كلها ذنوب عند المتوكلين موجبات للتوبة والاستغفار عند الموقنين ، من قبل أن المتوكل قد علم أن الله إذا وهب شيئا من الملك في الدنيا للأجسام أو شيئا من ملكوت الآخرة في القلوب ، لم يأخذه أبدا ؛ فما كان في الدنيا بقي لصاحبه إلى آخر أثره حتى يفنيه ويبليه ، وما وهبه من الآخرة من الإيمان والعلم والعمل لم يأخذه أبدا بل ينميه ويزيده فيه إلى أبد الأبد في دار الأبد ، ولكن قد يعير ويستودع من أمور الدنيا وأمور الآخرة ، فهذا النوع لا بد أن يسترده ويسترجعه في الدنيا لأن حكمته أوجبت رده كما أوجب كرمه تبقية ما وهبه ، فلا ينبغي للمتوكل الموقن ما ذكرناه أن يحزنه ما حول الله من خزانته التي في يده مما أعاره واستودعه إلى خزانته الأخرى التي هي يد غيره ، ممن لعله يهبه له أو يبتليه بأحكامه فيه ، فيخرج أيضا من يده إلى يد غيره لأنه ما خرج من الدار شيء ، ولله حكمة وابتلاء في كل شيء ؛ فالحزن والأسف على فوت مثل هذا عند العارفين جناية ، ومن المؤمنين خيانة ، يستغفرون الله ويتوبون إليه كما يتوبون من المعاصي ، لأنهم قد شهدوا ما بيناه ولأنه قد أمرهم بترك الأسى على فائت الدنيا وقلة الفرح بما أتى منها ، إذ لا بد من كونهما لأنه قد علمه وبعد علمه قد كتبه وبعد كتبه قد أعلم به ، فكشف لهم اليقين عن الكتاب المستبين ؛ أن ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ، فما ظهر من المصائب في الأموال والأنفس فقد سبق قبل خلق الخلق ، وهذا قوله تعالى : ( من قبل أن نبرأها ) الحديد : 22 ، قيل : من قبل أن نخلق الخليقة وقبل أن نبرأ الأرض وقيل : من قبل أن نبرأ الأنفس ، وقيل : من قبل أن نبرأ المصيبة ، ثم قال تعالى : ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) الحديد : 32 ، فالأسى على فقد الشيء على قدر الفرح بوجوده ، أفلا يستحي العبد أن يكون على ضد ما أمر به أو بخلاف ما يحبه منه مولاه ؟

%0
10 Bölüm

Preguntas