Qur'an&Sunnahالقرآن

Fahreddin Râzî - Mefâtîhu'l-Gayb

Fahreddin Râzî · AR

Sección V08/P086–V08/P087Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P086–V08/P087)
Orijinal Metin (AR)

فأجاب عنه بقوله { قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء } والمراد بالفضل الرسالة ، وهو في اللغة عبارة عن الزيادة ، وأكثر ما يستعمل في زيادة الإحسان ، والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير ، ثم كثر استعمال الفضل لكل نفع قصد به فاعله الإحسان إلى الغير وقوله { بيد الله } أي إنه مالك له قادر عليه / وقوله { يؤتيه من يشاء } أي هو تفضل موقوف على مشيئته ، وهذا يدل على أن النبوة تحصل بالتفضل لا بالاستحقاق ، لأنه تعالى جعلها من باب الفضل الذي لفاعله أن يفعله وأن لا يفعله ، ولا يصح ذلك في المستحق إلا على وجه المجاز وقوله { والله واسع عليم } مؤكد لهذا المعنى ، لأن كونه واسعا ، يدل على كمال القدرة ، وكونه عليما على كمال العلم ، فيصح منه لمكان القدرة أن يتفضل على أي عبد شاء بأي تفضل شاء ، ويصح منه لمكان كمال العلم أن لا يكون شيء من أفعاله إلا على وجه الحكمة والصواب . ثم قال : { يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم } وهذا كالتأكيد لما تقدم ، والفرق بين هذه الآية وبين ما قبلها أن الفضل عبارة عن الزيادة ، ثم إن الزيادة من جنس المزيد عليه ، فبين بقوله { إن الفضل بيد الله } إنه قادر على أن يؤتى بعض عباده مثل ما آتاهم من المناصب العالية ويزيد عليها من جنسها ، ثم قال : { يختص برحمته من يشاء } والرحمة المضافة إلى الله سبحانه أمر أعلى من ذلك الفضل ، فإن هذه الرحمة ربما بلغت في الشرف وعلو الرتبة إلى أن لا تكون من جنس ما آتاهم ، بل تكون أعلى وأجل من أن تقاس إلى ما آتاهم ، ويحصل من مجموع الآيتين إنه لا نهاية لمراتب إعزاز الله وإكرامه لعباده ، وأن قصر إنعامه وإكرامه على مراتب معينة ، وعلى أشخاص معينين جهل بكمال الله في القدرة والحكمة . ! 7 < { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قآئما ذالك بأنهم قالوا ليس علينا فى الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين } . > 7 < آل عمران : ( 75 - 76 ) ومن أهل الكتاب . . . . . > > اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجهين الأول : أنه تعالى حكى عنهم في الآية المتقدمة أنهم ادعوا أنهم أوتوا من المناصب الدينية ، ما لم يؤت أحد غيرهم مثله ، ثم إنه تعالى بين أن الخيانة مستقبحة عند جميع أرباب الأديان ، وهم مصرون عليها ، فدل هذا على كذبهم والثاني : أنه تعالى لما حكى عنهم في الآية المتقدمة قبائح أحوالهم فيما يتعلق بالأديان وهو أنهم قالوا { لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } ( آل عمران : 73 ) حكى في هذه الآية بعض قبائح أحوالهم فيما يتعلق بمعاملة الناس ، وهو إصرارهم على الخيانة والظلم وأخذ أموال الناس في القليل والكثير وههنا مسائل :

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

فأجاب عنه بقوله { قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء } والمراد بالفضل الرسالة ، وهو في اللغة عبارة عن الزيادة ، وأكثر ما يستعمل في زيادة الإحسان ، والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير ، ثم كثر استعمال الفضل لكل نفع قصد به فاعله الإحسان إلى الغير وقوله { بيد الله } أي إنه مالك له قادر عليه / وقوله { يؤتيه من يشاء } أي هو تفضل موقوف على مشيئته ، وهذا يدل على أن النبوة تحصل بالتفضل لا بالاستحقاق ، لأنه تعالى جعلها من باب الفضل الذي لفاعله أن يفعله وأن لا يفعله ، ولا يصح ذلك في المستحق إلا على وجه المجاز وقوله { والله واسع عليم } مؤكد لهذا المعنى ، لأن كونه واسعا ، يدل على كمال القدرة ، وكونه عليما على كمال العلم ، فيصح منه لمكان القدرة أن يتفضل على أي عبد شاء بأي تفضل شاء ، ويصح منه لمكان كمال العلم أن لا يكون شيء من أفعاله إلا على وجه الحكمة والصواب . ثم قال : { يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم } وهذا كالتأكيد لما تقدم ، والفرق بين هذه الآية وبين ما قبلها أن الفضل عبارة عن الزيادة ، ثم إن الزيادة من جنس المزيد عليه ، فبين بقوله { إن الفضل بيد الله } إنه قادر على أن يؤتى بعض عباده مثل ما آتاهم من المناصب العالية ويزيد عليها من جنسها ، ثم قال : { يختص برحمته من يشاء } والرحمة المضافة إلى الله سبحانه أمر أعلى من ذلك الفضل ، فإن هذه الرحمة ربما بلغت في الشرف وعلو الرتبة إلى أن لا تكون من جنس ما آتاهم ، بل تكون أعلى وأجل من أن تقاس إلى ما آتاهم ، ويحصل من مجموع الآيتين إنه لا نهاية لمراتب إعزاز الله وإكرامه لعباده ، وأن قصر إنعامه وإكرامه على مراتب معينة ، وعلى أشخاص معينين جهل بكمال الله في القدرة والحكمة . ! 7 < { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قآئما ذالك بأنهم قالوا ليس علينا فى الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين } . > 7 < آل عمران : ( 75 - 76 ) ومن أهل الكتاب . . . . . > > اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجهين الأول : أنه تعالى حكى عنهم في الآية المتقدمة أنهم ادعوا أنهم أوتوا من المناصب الدينية ، ما لم يؤت أحد غيرهم مثله ، ثم إنه تعالى بين أن الخيانة مستقبحة عند جميع أرباب الأديان ، وهم مصرون عليها ، فدل هذا على كذبهم والثاني : أنه تعالى لما حكى عنهم في الآية المتقدمة قبائح أحوالهم فيما يتعلق بالأديان وهو أنهم قالوا { لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } ( آل عمران : 73 ) حكى في هذه الآية بعض قبائح أحوالهم فيما يتعلق بمعاملة الناس ، وهو إصرارهم على الخيانة والظلم وأخذ أموال الناس في القليل والكثير وههنا مسائل :

Sección V08/P087–V08/P088Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P087–V08/P088)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الأولى : الآية دالة على انقسامهم إلى قسمين : بعضهم أهل الأمانة ، وبعضهم أهل الخيانة وفيه أقوال الأول : أن أهل الأمانة منهم هم الذين أسلموا ، أما الذين بقوا على اليهودية فهم مصرون على الخيانة لأن مذهبهم أن يحل لهم قتل كل من خالفهم في الدين وأخذ أموالهم ونظير هذه الآية قوله تعالى : { ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون ءايات الله ءاناء اليل وهم يسجدون } ( آل عمران : 113 ) مع قوله { منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } ( آل عمران : 110 ) الثاني : أن أهل الأمانة هم النصارى ، وأهل الخيانة هم اليهود ، والدليل عليه ما ذكرنا ، أن مذهب اليهود أنه يحل قتل المخالف ويحل أخذ ماله بأي طريق كان الثالث : قال ابن عباس : أودع رجل عبد الله بن سلام ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأدى إليه ، وأودع آخر فنحاص بن عازوراء دينارا فخانه فنزلت الآية . المسألة الثانية : يقال أمنته بكذا وعلى كذا ، كما يقال مررت به وعليه ، فمعنى الباء إلصاق الأمانة ، ومعنى : على استعلاء الأمانة ، فمن اؤتمن على شيء فقد صار ذلك الشيء في معنى الملتصق به لقربه منه ، واتصاله بحفظه وحياطته ، وأيضا صار المودع كالمستعلي على تلك الأمانة والمستولي عليها ، فلهذا حسن التعبير عن هذا المعنى بكلتا العبارتين ، وقيل إن معنى قولك أمنتك بدينار أي وثقت بك فيه ، وقولك أمنتك عليه ، أي جعلتك أمينا عليه وحافظا له . المسألة الثالثة : المراد من ذكر القنطار والدينار ههنا العدد الكثير والعدد القليل ، يعني أن فيهم من هو في غاية الأمانة حتى لو اؤتمن على الأموال الكثيرة أدى الأمانة فيها ، ومنهم من هو في غاية الخيانة حتى لو اؤتمن على الشيء القليل ، فإنه يجوز فيه الخيانة ، ونظيره قوله تعالى : { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وءاتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا } ( النساء : 20 ) وعلى هذا الوجه ، / فلا حاجة بنا إلى ذكر مقدار القنطار وذكروا فيه وجوها الأول : إن القنطار ألف ومائتا أوقية قالوا : لأن الآية نزلت في عبد الله بن سلام حين استودعه رجل من قريش ألفا ومائتي أوقية من الذهب فرده ولم يخن فيه ، فهذا يدل على القنطار هو ذلك المقدار الثاني : روي عن ابن عباس أنه ملء جلد ثور من المال الثالث : قيل القنطار هو ألف ألف دينار أو ألف ألف درهم / وقد تقدم القول في تفسير القنطار . المسألة الرابعة : قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر { يؤده } بسكون الهاء ، وروي ذلك عن أبي عمرو ، وقال الزجاج : هذا غلط من الراوي عن أبي عمرو كما غلط في { بارئكم } بإسكان الهمزة وإنما كان أبو عمرو يختلس الحركة ، واحتج الزجاج على فساد هذه القراءة بأن قال : الجزاء ليس في الهاء وإنما هو فيما قبل الهاء والهاء اسم المكنى والأسماء لا تجزم في الوصل ، وقال الفراء : من العرب من يجزم الهاء إذا تحرك ما قبلها . فيقول : ضربته ضربا شديدا كما يسكنون ( ميم ) أنتم وقمتم وأصلها الرفع ، وأنشد : لما رأى أن لا دعه ولا شبع وقرىء أيضا باختلاس حركة الهاء اكتفاء بالكسرة من الياء ، وقرىء بإشباع الكسرة في الهاء وهو الأصل . ثم قال تعالى : { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما } وفيه مسألتان :

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الأولى : الآية دالة على انقسامهم إلى قسمين : بعضهم أهل الأمانة ، وبعضهم أهل الخيانة وفيه أقوال الأول : أن أهل الأمانة منهم هم الذين أسلموا ، أما الذين بقوا على اليهودية فهم مصرون على الخيانة لأن مذهبهم أن يحل لهم قتل كل من خالفهم في الدين وأخذ أموالهم ونظير هذه الآية قوله تعالى : { ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون ءايات الله ءاناء اليل وهم يسجدون } ( آل عمران : 113 ) مع قوله { منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } ( آل عمران : 110 ) الثاني : أن أهل الأمانة هم النصارى ، وأهل الخيانة هم اليهود ، والدليل عليه ما ذكرنا ، أن مذهب اليهود أنه يحل قتل المخالف ويحل أخذ ماله بأي طريق كان الثالث : قال ابن عباس : أودع رجل عبد الله بن سلام ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأدى إليه ، وأودع آخر فنحاص بن عازوراء دينارا فخانه فنزلت الآية . المسألة الثانية : يقال أمنته بكذا وعلى كذا ، كما يقال مررت به وعليه ، فمعنى الباء إلصاق الأمانة ، ومعنى : على استعلاء الأمانة ، فمن اؤتمن على شيء فقد صار ذلك الشيء في معنى الملتصق به لقربه منه ، واتصاله بحفظه وحياطته ، وأيضا صار المودع كالمستعلي على تلك الأمانة والمستولي عليها ، فلهذا حسن التعبير عن هذا المعنى بكلتا العبارتين ، وقيل إن معنى قولك أمنتك بدينار أي وثقت بك فيه ، وقولك أمنتك عليه ، أي جعلتك أمينا عليه وحافظا له . المسألة الثالثة : المراد من ذكر القنطار والدينار ههنا العدد الكثير والعدد القليل ، يعني أن فيهم من هو في غاية الأمانة حتى لو اؤتمن على الأموال الكثيرة أدى الأمانة فيها ، ومنهم من هو في غاية الخيانة حتى لو اؤتمن على الشيء القليل ، فإنه يجوز فيه الخيانة ، ونظيره قوله تعالى : { وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وءاتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا } ( النساء : 20 ) وعلى هذا الوجه ، / فلا حاجة بنا إلى ذكر مقدار القنطار وذكروا فيه وجوها الأول : إن القنطار ألف ومائتا أوقية قالوا : لأن الآية نزلت في عبد الله بن سلام حين استودعه رجل من قريش ألفا ومائتي أوقية من الذهب فرده ولم يخن فيه ، فهذا يدل على القنطار هو ذلك المقدار الثاني : روي عن ابن عباس أنه ملء جلد ثور من المال الثالث : قيل القنطار هو ألف ألف دينار أو ألف ألف درهم / وقد تقدم القول في تفسير القنطار . المسألة الرابعة : قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر { يؤده } بسكون الهاء ، وروي ذلك عن أبي عمرو ، وقال الزجاج : هذا غلط من الراوي عن أبي عمرو كما غلط في { بارئكم } بإسكان الهمزة وإنما كان أبو عمرو يختلس الحركة ، واحتج الزجاج على فساد هذه القراءة بأن قال : الجزاء ليس في الهاء وإنما هو فيما قبل الهاء والهاء اسم المكنى والأسماء لا تجزم في الوصل ، وقال الفراء : من العرب من يجزم الهاء إذا تحرك ما قبلها . فيقول : ضربته ضربا شديدا كما يسكنون ( ميم ) أنتم وقمتم وأصلها الرفع ، وأنشد : لما رأى أن لا دعه ولا شبع وقرىء أيضا باختلاس حركة الهاء اكتفاء بالكسرة من الياء ، وقرىء بإشباع الكسرة في الهاء وهو الأصل . ثم قال تعالى : { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما } وفيه مسألتان :

Sección V08/P088–V08/P089Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P088–V08/P089)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الأولى : في لفظ ( القائم ) وجهان : منهم من حمله على حقيقته ، قال السدي : يعني إلا ما دمت قائما على رأسه بالاجتماع معه والملازمة له ، والمعنى : أنه إنما يكون معترفا بما دفعت إليه ما دمت قائما على رأسه ، فإن أنظرت وأخرت أنكر ، ومنهم من حمل لفظ ( القائم ) على مجازه ثم ذكروا فيه وجوها الأول : قال ابن عباس المراد من هذا القيام الإلحاح والخصومة والتقاضي والمطالبة ، قال ابن قتيبة : أصله أن المطالب للشيء يقوم فيه والتارك له يقعد عنه ، دليل قوله تعالى : { أمة قائمة } ( آل عمران : 113 ) أي عامله بأمر الله غير تاركه ، ثم قيل : لكل من واظب على مطالبة أمر أنه قام به وإن لم يكن ثم قيام الثاني : قال أبو علي الفارسي : القيام في اللغة بمعنى الدوام والثبات ، وذكرنا ذلك في قوله تعالى : { يقيمون الصلواة } ( البقرة : 3 ) ومنه قوله { دينا قيما } ( الأنعام : 161 ) أي دائما ثابتا لا ينسخ فمعنى قوله { إلا ما دمت عليه قائما } أي دائما ثابتا في مطالبتك إياه بذلك المال . المسألة الثانية : يدخل تحت قوله { من إن تأمنه بقنطار } و { بدينار } العين والدين ، لأن الإنسان قد يأتمن غيره على الوديعة وعلى المبايعة وعلى المقاوضة وليس في الآية ما يدل على التعيين والمنقول عن ابن عباس أنه حمله على المبايعة ، فقال منهم من تبايعه بثمن القنطار فيؤده إليك ومنهم من تبايعه بثمن الدينار فلا يؤده إليك ونقلنا أيضا أن الآية نزلت في أن رجلا أودع مالا كثيرا / عند عبد الله بن سلام ، ومالا قليلا عند فنحاص بن عازوراء ، فخان هذا اليهودي في القليل ، وعبد الله بن سلام أدى الأمانة ، فثبت أن اللفظ محتمل لكل الأقسام . ثم قال تعالى : { ذالك بأنهم قالوا ليس علينا فى الاميين سبيل } والمعنى إن ذلك الاستحلال والخيانة هو بسبب أنهم يقولون ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل . وههنا مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في السبب الذي لأجله اعتقد اليهود هذا الاستحلال وجوها الأول : أنهم مبالغون في التعصب لدينهم ، فلا جرم يقولون : يحل قتل المخالف ويحل أخذ ماله بأي طريق كان وروي في الخبر أنه لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام : ( كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي ، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر ) الثاني : أن اليهود قالوا { نحن أبناء الله وأحباؤه } ( المائدة : 18 ) والخلق لنا عبيد فلا سبيل لأحد علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا الثالث : أن اليهود إنما ذكروا هذا الكلام لا مطلقا لكل من خالفهم / بل للعرب الذين آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم ، روي أن اليهود بايعوا رجالا في الجاهلية فلما أسلموا طالبوهم بالأموال فقالوا : ليس لكم علينا حق لأنكم تركتم دينكم ، وأقول : من المحتمل أنه كان من مذهب اليهود أن من انتقل من دين باطل إلى دين آخر باطل كان في حكم المرتد ، فهم وإن اعتقدوا أن العرب كفار إلا أنهم لما اعتقدوا في الإسلام أنه كفر حكموا على العرب الذين أسلموا بالردة . المسألة الثانية : نفي السبيل المراد منه نفي القدرة على المطالبة والإلزام . قال تعالى : { ما على المحسنين من سبيل } ( التوبة : 91 ) وقال : { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } ( النساء : 141 ) وقال : { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } ( الشورى : 41 / 42 ) .

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الأولى : في لفظ ( القائم ) وجهان : منهم من حمله على حقيقته ، قال السدي : يعني إلا ما دمت قائما على رأسه بالاجتماع معه والملازمة له ، والمعنى : أنه إنما يكون معترفا بما دفعت إليه ما دمت قائما على رأسه ، فإن أنظرت وأخرت أنكر ، ومنهم من حمل لفظ ( القائم ) على مجازه ثم ذكروا فيه وجوها الأول : قال ابن عباس المراد من هذا القيام الإلحاح والخصومة والتقاضي والمطالبة ، قال ابن قتيبة : أصله أن المطالب للشيء يقوم فيه والتارك له يقعد عنه ، دليل قوله تعالى : { أمة قائمة } ( آل عمران : 113 ) أي عامله بأمر الله غير تاركه ، ثم قيل : لكل من واظب على مطالبة أمر أنه قام به وإن لم يكن ثم قيام الثاني : قال أبو علي الفارسي : القيام في اللغة بمعنى الدوام والثبات ، وذكرنا ذلك في قوله تعالى : { يقيمون الصلواة } ( البقرة : 3 ) ومنه قوله { دينا قيما } ( الأنعام : 161 ) أي دائما ثابتا لا ينسخ فمعنى قوله { إلا ما دمت عليه قائما } أي دائما ثابتا في مطالبتك إياه بذلك المال . المسألة الثانية : يدخل تحت قوله { من إن تأمنه بقنطار } و { بدينار } العين والدين ، لأن الإنسان قد يأتمن غيره على الوديعة وعلى المبايعة وعلى المقاوضة وليس في الآية ما يدل على التعيين والمنقول عن ابن عباس أنه حمله على المبايعة ، فقال منهم من تبايعه بثمن القنطار فيؤده إليك ومنهم من تبايعه بثمن الدينار فلا يؤده إليك ونقلنا أيضا أن الآية نزلت في أن رجلا أودع مالا كثيرا / عند عبد الله بن سلام ، ومالا قليلا عند فنحاص بن عازوراء ، فخان هذا اليهودي في القليل ، وعبد الله بن سلام أدى الأمانة ، فثبت أن اللفظ محتمل لكل الأقسام . ثم قال تعالى : { ذالك بأنهم قالوا ليس علينا فى الاميين سبيل } والمعنى إن ذلك الاستحلال والخيانة هو بسبب أنهم يقولون ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل . وههنا مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في السبب الذي لأجله اعتقد اليهود هذا الاستحلال وجوها الأول : أنهم مبالغون في التعصب لدينهم ، فلا جرم يقولون : يحل قتل المخالف ويحل أخذ ماله بأي طريق كان وروي في الخبر أنه لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام : ( كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي ، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر ) الثاني : أن اليهود قالوا { نحن أبناء الله وأحباؤه } ( المائدة : 18 ) والخلق لنا عبيد فلا سبيل لأحد علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا الثالث : أن اليهود إنما ذكروا هذا الكلام لا مطلقا لكل من خالفهم / بل للعرب الذين آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم ، روي أن اليهود بايعوا رجالا في الجاهلية فلما أسلموا طالبوهم بالأموال فقالوا : ليس لكم علينا حق لأنكم تركتم دينكم ، وأقول : من المحتمل أنه كان من مذهب اليهود أن من انتقل من دين باطل إلى دين آخر باطل كان في حكم المرتد ، فهم وإن اعتقدوا أن العرب كفار إلا أنهم لما اعتقدوا في الإسلام أنه كفر حكموا على العرب الذين أسلموا بالردة . المسألة الثانية : نفي السبيل المراد منه نفي القدرة على المطالبة والإلزام . قال تعالى : { ما على المحسنين من سبيل } ( التوبة : 91 ) وقال : { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } ( النساء : 141 ) وقال : { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } ( الشورى : 41 / 42 ) .

Sección V08/P089–V08/P090Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P089–V08/P090)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثالثة : { الامى } منسوب إلى الأم ، وسمي النبي صلى الله عليه وسلم أميا قيل لأنه كان لا يكتب وذلك لأن الأم أصل الشيء فمن لا يكتب فقد بقي على أصله في أن لا يكتب ، وقيل : نسب إلى مكة وهي أم القرى . ثم قال تعالى : { ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } وفيه وجوه الأول : أنهم قالوا : إن جواز الخيانة مع المخالف مذكور في التوراة وكانوا كاذبين في ذلك وعالمين بكونهم كاذبين فيه ومن كان كذلك كانت خيانته أعظم وجرمه أفحش الثاني : أنهم يعلمون كون الخيانة محرمة الثالث : أنهم يعلمون ما على الخائن من الإثم . ثم قال تعالى : { بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين } . اعلم أن في { بلى } وجهين أحدهما : أنه لمجرد نفي ما قبله ، وهو قوله { ليس علينا فى الاميين سبيل } فقال الله تعالى رادا عليهم { بلى } عليهم سبيل في ذلك وهذا اختيار الزجاج ، قال : وعندي وقف التمام على { بلى } وبعده استئناف والثاني : أن كلمة { بلى } كلمة تذكر ابتداء لكلام آخر / يذكر بعده ، وذلك لأن قولهم : ليس علينا فيما نفعل جناح قائم مقام قولهم : نحن أحباء الله تعالى ، فذكر الله تعالى أن أهل الوفاء بالعهد والتقى هم الذين يحبهم الله تعالى لا غيرهم ، وعلى هذا الوجه فإنه لا يحسن الوقف على { بلى } وقوله { من أوفى بعهده } مضى الكلام في معنى الوفاء بالعهد والضمير في { بعهده } يجوز أن يعود على اسم { الله } في قوله { ويقولون على الله الكذب } ويجوز أن يعود على { من } لأن العهد مصدر فيضاف إلى المفعول وإلى الفاعل وههنا سؤالان : السؤال الأول : بتقدير { ءان } يكون الضمير عائدا إلى الفاعل وهو { من } فإنه يحتمل أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة ، فإنهم يكتسبون محبة الله تعالى . الجواب : الأمر كذلك ، فإنهم إذا أوفوا بالعهود أوفوا أول كل شيء بالعهد الأعظم ، وهو ما أخذ الله عليهم في كتابهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ولو اتقوا الله في ترك الخيانة ، لاتقوه في ترك الكذب على الله ، وفي ترك تحريف التوراة . السؤال الثاني : أين الضمير الراجع من الجزاء إلى { من } ؟ . الجواب : عموم المتقين قام مقام رجوع الضمير . واعلم أن هذه الآية دالة على تعظيم أمر الوفاء بالعهد ، وذلك لأن الطاعات محصورة في أمرين التعظيم لأمر الله ، والشفقة على خلق الله ، فالوفاء بالعهد مشتمل عليهما معا ، لأن ذلك سبب لمنفعة الخلق ، فهو شفقة على خلق الله ، ولما أمر الله به ، كان الوفاء به تعظيما لأمر الله ، فثبت أن العبارة مشتملة على جميع أنواع الطاعات والوفاء بالعهد / كما يمكن في حق الغير يمكن أيضا في حق النفس لأن الوافي بعهد النفس هو الآتي بالطاعات والتارك للمحرمات ، لأن عند ذلك تفوز النفس بالثواب وتبعد عن العقاب . ! 7 < { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولائك لا خلاق لهم فى الا خرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم } . > 7 < آل عمران : ( 77 ) إن الذين يشترون . . . . . > >

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثالثة : { الامى } منسوب إلى الأم ، وسمي النبي صلى الله عليه وسلم أميا قيل لأنه كان لا يكتب وذلك لأن الأم أصل الشيء فمن لا يكتب فقد بقي على أصله في أن لا يكتب ، وقيل : نسب إلى مكة وهي أم القرى . ثم قال تعالى : { ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } وفيه وجوه الأول : أنهم قالوا : إن جواز الخيانة مع المخالف مذكور في التوراة وكانوا كاذبين في ذلك وعالمين بكونهم كاذبين فيه ومن كان كذلك كانت خيانته أعظم وجرمه أفحش الثاني : أنهم يعلمون كون الخيانة محرمة الثالث : أنهم يعلمون ما على الخائن من الإثم . ثم قال تعالى : { بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين } . اعلم أن في { بلى } وجهين أحدهما : أنه لمجرد نفي ما قبله ، وهو قوله { ليس علينا فى الاميين سبيل } فقال الله تعالى رادا عليهم { بلى } عليهم سبيل في ذلك وهذا اختيار الزجاج ، قال : وعندي وقف التمام على { بلى } وبعده استئناف والثاني : أن كلمة { بلى } كلمة تذكر ابتداء لكلام آخر / يذكر بعده ، وذلك لأن قولهم : ليس علينا فيما نفعل جناح قائم مقام قولهم : نحن أحباء الله تعالى ، فذكر الله تعالى أن أهل الوفاء بالعهد والتقى هم الذين يحبهم الله تعالى لا غيرهم ، وعلى هذا الوجه فإنه لا يحسن الوقف على { بلى } وقوله { من أوفى بعهده } مضى الكلام في معنى الوفاء بالعهد والضمير في { بعهده } يجوز أن يعود على اسم { الله } في قوله { ويقولون على الله الكذب } ويجوز أن يعود على { من } لأن العهد مصدر فيضاف إلى المفعول وإلى الفاعل وههنا سؤالان : السؤال الأول : بتقدير { ءان } يكون الضمير عائدا إلى الفاعل وهو { من } فإنه يحتمل أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة ، فإنهم يكتسبون محبة الله تعالى . الجواب : الأمر كذلك ، فإنهم إذا أوفوا بالعهود أوفوا أول كل شيء بالعهد الأعظم ، وهو ما أخذ الله عليهم في كتابهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ولو اتقوا الله في ترك الخيانة ، لاتقوه في ترك الكذب على الله ، وفي ترك تحريف التوراة . السؤال الثاني : أين الضمير الراجع من الجزاء إلى { من } ؟ . الجواب : عموم المتقين قام مقام رجوع الضمير . واعلم أن هذه الآية دالة على تعظيم أمر الوفاء بالعهد ، وذلك لأن الطاعات محصورة في أمرين التعظيم لأمر الله ، والشفقة على خلق الله ، فالوفاء بالعهد مشتمل عليهما معا ، لأن ذلك سبب لمنفعة الخلق ، فهو شفقة على خلق الله ، ولما أمر الله به ، كان الوفاء به تعظيما لأمر الله ، فثبت أن العبارة مشتملة على جميع أنواع الطاعات والوفاء بالعهد / كما يمكن في حق الغير يمكن أيضا في حق النفس لأن الوافي بعهد النفس هو الآتي بالطاعات والتارك للمحرمات ، لأن عند ذلك تفوز النفس بالثواب وتبعد عن العقاب . ! 7 < { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولائك لا خلاق لهم فى الا خرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم } . > 7 < آل عمران : ( 77 ) إن الذين يشترون . . . . . > >

Sección V08/P090–V08/P091Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P090–V08/P091)
Orijinal Metin (AR)

اعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوها الأول : أنه تعالى لما وصف اليهود بالخيانة في / أموال الناس ، ثم من المعلوم أن الخيانة في أموال الناس لا تتمشى إلا بالأيمان الكاذبة لا جرم ذكر عقيب تلك الآية هذه الآية المشتملة على وعيد من يقدم على الأيمان الكاذبة الثاني : أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم { يقولون على الله الكذب وهم يعلمون } ( آل عمران : 75 ) ولا شك أن عهد الله على كل مكلف أن لا يكذب على الله ولا يخون في دينه ، لا جرم ذكر هذا الوعيد عقيب ذلك الثالث : أنه تعالى ذكر في الآية السابقة خيانتهم في أموال الناس ، ثم ذكر في هذه الآية خيانتهم في عهد الله وخيانتهم في تعظيم أسمائه حين يحلفون بها كذبا ، ومن الناس من قال : هذه الآية ابتداء كلام مستقل بنفسه في المنع عن الأيمان الكاذبة ، وذلك لأن اللفظ عام والروايات الكثيرة دلت على أنها إنما نزلت في أقوام أقدموا على الأيمان الكاذبة ، وإذا كان كذلك وجب اعتقاد كون هذا الوعيد عاما في حق كل من يفعل هذا الفعل وأنه غير مخصوص باليهود . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفت الروايات في سبب النزول ، فمنهم من خصها باليهود الذين شرح الله أحوالهم في الآيات المتقدمة ، ومنهم من خصها بغيرهم . أما الأول ففيه وجهان الأول : قال عكرمة إنها نزلت في أحبار اليهود ، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا بأنه من عند الله لئلا يفوتهم الرشا ، واحتج هؤلاء بقوله تعالى في سورة البقرة { وأوفوا بعهدى أوف بعدكم } ( البقرة : 40 ) الثاني : أنها نزلت في ادعائهم أنه { ليس علينا فى الاميين سبيل } ( آل عمران : 75 ) كتبوا بأيديهم كتابا في ذلك وحلفوا أنه من عند الله وهو قول الحسن . وأما الاحتمال الثاني : ففيه وجوه الأول : أنها نزلت في الأشعث بن قيس ، وخصم له في أرض ، اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال للرجل : ( أقم بينتك ) فقال الرجل : ليس لي بينة فقال للأشعث ( فعليك اليمين ) فهم الأشعث باليمين فأنزل الله تعالى هذه الآية فنكل الأشعث عن اليمين ورد الأرض إلى الخصم واعترف بالحق ، وهو قول ابن جريج الثاني : قال مجاهد : نزلت في رجل حلف يمينا فاجرة في تنفيق سلعته الثالث : نزلت في عبدان وامرىء القيس اختصما إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في أرض ، فتوجه اليمين على امرىء القيس ، فقال : أنظرني إلى الغد ، ثم جاء من الغد وأقر له بالأرض ، والأقرب الحمل على الكل . فقوله : { إن الذين يشترون بعهد الله } يدخل فيه جميع ما أمر الله به ويدخل فيه ما نصب عليه الأدلة ويدخل فيه المواثيق المأخوذة من جهة الرسول ، ويدخل فيه ما يلزم الرجل نفسه ، لأن كل ذلك من عهد الله الذي يلزم الوفاء به . قال تعالى : { ومنهم من عاهد الله لئن ءاتانا من فضله لنصدقن } ( التوبة : 75 ) الآية وقال : { وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا } ( الإسراء : 34 ) وقال : { يوفون بالنذر } ( الإنسان : 7 ) وقال : { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه } ( الأحزاب : 23 ) وقد ذكرنا في سورة البقرة معنى الشراء ، وذلك لأن المشتري يأخذ شيئا ويعطي شيئا فكل واحد من المعطى والمأخوذ ثمن للآخر ، وأما الأيمان فحالها معلوم وهي الحلف التي يؤكد بها الإنسان خبره من وعد ، أو وعيد ، أو إنكار ، أو إثبات .

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

اعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوها الأول : أنه تعالى لما وصف اليهود بالخيانة في / أموال الناس ، ثم من المعلوم أن الخيانة في أموال الناس لا تتمشى إلا بالأيمان الكاذبة لا جرم ذكر عقيب تلك الآية هذه الآية المشتملة على وعيد من يقدم على الأيمان الكاذبة الثاني : أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم { يقولون على الله الكذب وهم يعلمون } ( آل عمران : 75 ) ولا شك أن عهد الله على كل مكلف أن لا يكذب على الله ولا يخون في دينه ، لا جرم ذكر هذا الوعيد عقيب ذلك الثالث : أنه تعالى ذكر في الآية السابقة خيانتهم في أموال الناس ، ثم ذكر في هذه الآية خيانتهم في عهد الله وخيانتهم في تعظيم أسمائه حين يحلفون بها كذبا ، ومن الناس من قال : هذه الآية ابتداء كلام مستقل بنفسه في المنع عن الأيمان الكاذبة ، وذلك لأن اللفظ عام والروايات الكثيرة دلت على أنها إنما نزلت في أقوام أقدموا على الأيمان الكاذبة ، وإذا كان كذلك وجب اعتقاد كون هذا الوعيد عاما في حق كل من يفعل هذا الفعل وأنه غير مخصوص باليهود . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفت الروايات في سبب النزول ، فمنهم من خصها باليهود الذين شرح الله أحوالهم في الآيات المتقدمة ، ومنهم من خصها بغيرهم . أما الأول ففيه وجهان الأول : قال عكرمة إنها نزلت في أحبار اليهود ، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا بأنه من عند الله لئلا يفوتهم الرشا ، واحتج هؤلاء بقوله تعالى في سورة البقرة { وأوفوا بعهدى أوف بعدكم } ( البقرة : 40 ) الثاني : أنها نزلت في ادعائهم أنه { ليس علينا فى الاميين سبيل } ( آل عمران : 75 ) كتبوا بأيديهم كتابا في ذلك وحلفوا أنه من عند الله وهو قول الحسن . وأما الاحتمال الثاني : ففيه وجوه الأول : أنها نزلت في الأشعث بن قيس ، وخصم له في أرض ، اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال للرجل : ( أقم بينتك ) فقال الرجل : ليس لي بينة فقال للأشعث ( فعليك اليمين ) فهم الأشعث باليمين فأنزل الله تعالى هذه الآية فنكل الأشعث عن اليمين ورد الأرض إلى الخصم واعترف بالحق ، وهو قول ابن جريج الثاني : قال مجاهد : نزلت في رجل حلف يمينا فاجرة في تنفيق سلعته الثالث : نزلت في عبدان وامرىء القيس اختصما إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في أرض ، فتوجه اليمين على امرىء القيس ، فقال : أنظرني إلى الغد ، ثم جاء من الغد وأقر له بالأرض ، والأقرب الحمل على الكل . فقوله : { إن الذين يشترون بعهد الله } يدخل فيه جميع ما أمر الله به ويدخل فيه ما نصب عليه الأدلة ويدخل فيه المواثيق المأخوذة من جهة الرسول ، ويدخل فيه ما يلزم الرجل نفسه ، لأن كل ذلك من عهد الله الذي يلزم الوفاء به . قال تعالى : { ومنهم من عاهد الله لئن ءاتانا من فضله لنصدقن } ( التوبة : 75 ) الآية وقال : { وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا } ( الإسراء : 34 ) وقال : { يوفون بالنذر } ( الإنسان : 7 ) وقال : { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه } ( الأحزاب : 23 ) وقد ذكرنا في سورة البقرة معنى الشراء ، وذلك لأن المشتري يأخذ شيئا ويعطي شيئا فكل واحد من المعطى والمأخوذ ثمن للآخر ، وأما الأيمان فحالها معلوم وهي الحلف التي يؤكد بها الإنسان خبره من وعد ، أو وعيد ، أو إنكار ، أو إثبات .

Sección V08/P091–V08/P092Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P091–V08/P092)
Orijinal Metin (AR)

ثم قال تعالى : { أولئك لا خلاق لهم فى الاخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم } واعلم أنه تعالى فرع على ذلك الشرط وهو الشراء بعهد الله والأيمان ثمنا قليلا ، خمسة أنواع من الجزاء أربعة منها في بيان صيرورتهم محرومين عن الثواب والخامس : في بيان وقوعهم في أشد العذاب ، أما المنع من الثواب فاعلم أن الثواب عبارة عن المنفعة الخالصة المقرونة بالتعظيم . فالأول : وهو قوله { أولئك لا خلاق لهم فى الاخرة } إشارة إلى حرمانهم عن منافع الآخرة . وأما الثلاثة الباقية : وهي قوله { ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم } فهو إشارة إلى حرمانهم عن التعظيم والإعزاز . وأما الخامس : وهو قوله { ولهم عذاب أليم } فهو إشارة إلى العقاب ، ولما نبهت لهذا الترتيب فلنتكلم في شرح كل واحد من هذه الخمسة : أما الأول : وهو قوله { لا خلاق لهم فى الاخرة } فالمعنى لا نصيب لهم في خير الآخرة ونعيمها واعلم أن هذا العموم مشروط بإجماع الأمة بعدم التوبة ، فإنه إن تاب عنها سقط الوعيد بالإجماع وعلى مذهبنا مشروط أيضا بعدم العفو فإنه تعالى قال : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) . وأما الثاني : وهو قوله { ولا يكلمهم الله } ففيه سؤال ، وهو أنه تعالى قال : { فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون } ( الحجر : 92 ، 93 ) وقال : { فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين } ( الأعراف : 6 ) فكيف الجمع بين هاتين الآيتين ، وبين تلك الآية ؟ قال القفال في الجواب : المقصود من كل هذه الكلمات بيان شدة سخط الله عليهم ، لأن من منع غيره كلامه في الدنيا ، فإنما ذلك بسخط الله عليه وإذا سخط إنسان على آخر ، قال له لا أكلمك ، وقد يأمر بحجبه عنه ويقول لا أرى وجه فلان ، وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل فثبت أن هذه الكلمات كنايات عن شدة الغضب نعوذ بالله منه . وهذا هو الجواب الصحيح ، ومنهم من قال : لا يبعد أن يكون إسماع الله جل جلاله أولياءه كلامه بغير سفير تشريفا عاليا يختص به أولياءه ، ولا يكلم هؤلاء الكفرة والفساق ، وتكون المحاسبة معهم بكلام الملائكة ومنهم من قال معنى هذه الآية أنه تعالى لا يكلمهم بكلام يسرهم وينفعهم والمعتد هو الجواب الأول . وأما الثالث : وهو قوله تعالى : { ولا ينظر إليهم } فالمراد إنه لا ينظر إليهم بالإحسان ، يقال فلان لا ينظر إلى فلان ، والمراد به نفي الاعتداد به وترك الإحسان إليه ، والسبب لهذا المجاز أن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاد نظره إليه مرة بعد أخرى ، فهلذا السبب صار نظر الله عبارة عن الاعتداد والإحسان ، وإن لم يكن ثم نظر ، ولا يجوز أن يكون المراد من هذا النظر الرؤية ، لأنه تعالى يراهم كما يرى غيرهم ، ولا يجوز أن يكون المراد من النظر تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التماسا لرؤيته لأن هذا من صفات الأجسام ، وتعالى إلاهنا عن أن يكون جسما ، وقد احتج المخالف بهذه الآية على أن النظر المقرون بحرف ( إلى ) ليس للرؤية وإلا لزم في هذه الآية أن لا يكون الله تعالى رائيا لهم وذلك باطل . وأما الرابع : وهو قوله { ولا يزكيهم } ففيه وجوه الأول : أن لا يطهرهم من دنس ذنوبهم بالمغفرة بل يعاقبهم عليها والثاني : لا يزكيهم أي لا يثني عليهم كما يثني على أوليائه الأزكياء والتزكية من المزكى للشاهد مدح منه له .

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ثم قال تعالى : { أولئك لا خلاق لهم فى الاخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم } واعلم أنه تعالى فرع على ذلك الشرط وهو الشراء بعهد الله والأيمان ثمنا قليلا ، خمسة أنواع من الجزاء أربعة منها في بيان صيرورتهم محرومين عن الثواب والخامس : في بيان وقوعهم في أشد العذاب ، أما المنع من الثواب فاعلم أن الثواب عبارة عن المنفعة الخالصة المقرونة بالتعظيم . فالأول : وهو قوله { أولئك لا خلاق لهم فى الاخرة } إشارة إلى حرمانهم عن منافع الآخرة . وأما الثلاثة الباقية : وهي قوله { ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم } فهو إشارة إلى حرمانهم عن التعظيم والإعزاز . وأما الخامس : وهو قوله { ولهم عذاب أليم } فهو إشارة إلى العقاب ، ولما نبهت لهذا الترتيب فلنتكلم في شرح كل واحد من هذه الخمسة : أما الأول : وهو قوله { لا خلاق لهم فى الاخرة } فالمعنى لا نصيب لهم في خير الآخرة ونعيمها واعلم أن هذا العموم مشروط بإجماع الأمة بعدم التوبة ، فإنه إن تاب عنها سقط الوعيد بالإجماع وعلى مذهبنا مشروط أيضا بعدم العفو فإنه تعالى قال : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 ) . وأما الثاني : وهو قوله { ولا يكلمهم الله } ففيه سؤال ، وهو أنه تعالى قال : { فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون } ( الحجر : 92 ، 93 ) وقال : { فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين } ( الأعراف : 6 ) فكيف الجمع بين هاتين الآيتين ، وبين تلك الآية ؟ قال القفال في الجواب : المقصود من كل هذه الكلمات بيان شدة سخط الله عليهم ، لأن من منع غيره كلامه في الدنيا ، فإنما ذلك بسخط الله عليه وإذا سخط إنسان على آخر ، قال له لا أكلمك ، وقد يأمر بحجبه عنه ويقول لا أرى وجه فلان ، وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل فثبت أن هذه الكلمات كنايات عن شدة الغضب نعوذ بالله منه . وهذا هو الجواب الصحيح ، ومنهم من قال : لا يبعد أن يكون إسماع الله جل جلاله أولياءه كلامه بغير سفير تشريفا عاليا يختص به أولياءه ، ولا يكلم هؤلاء الكفرة والفساق ، وتكون المحاسبة معهم بكلام الملائكة ومنهم من قال معنى هذه الآية أنه تعالى لا يكلمهم بكلام يسرهم وينفعهم والمعتد هو الجواب الأول . وأما الثالث : وهو قوله تعالى : { ولا ينظر إليهم } فالمراد إنه لا ينظر إليهم بالإحسان ، يقال فلان لا ينظر إلى فلان ، والمراد به نفي الاعتداد به وترك الإحسان إليه ، والسبب لهذا المجاز أن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاد نظره إليه مرة بعد أخرى ، فهلذا السبب صار نظر الله عبارة عن الاعتداد والإحسان ، وإن لم يكن ثم نظر ، ولا يجوز أن يكون المراد من هذا النظر الرؤية ، لأنه تعالى يراهم كما يرى غيرهم ، ولا يجوز أن يكون المراد من النظر تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التماسا لرؤيته لأن هذا من صفات الأجسام ، وتعالى إلاهنا عن أن يكون جسما ، وقد احتج المخالف بهذه الآية على أن النظر المقرون بحرف ( إلى ) ليس للرؤية وإلا لزم في هذه الآية أن لا يكون الله تعالى رائيا لهم وذلك باطل . وأما الرابع : وهو قوله { ولا يزكيهم } ففيه وجوه الأول : أن لا يطهرهم من دنس ذنوبهم بالمغفرة بل يعاقبهم عليها والثاني : لا يزكيهم أي لا يثني عليهم كما يثني على أوليائه الأزكياء والتزكية من المزكى للشاهد مدح منه له .

Sección V08/P092–V08/P094Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P092–V08/P094)
Orijinal Metin (AR)

واعلم أن تزكية الله عباده قد تكون على ألسنة الملائكة كما قال : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } ( الرعد : 23 ، 24 ) وقال : { وتتلقاهم الملئكة هاذا يومكم الذى كنتم توعدون } ( الأنبياء : 103 ) { نحن أولياؤكم فى الحيواة الدنيا وفى الاخرة } ( فصلت : 21 ) وقد تكون بغير واسطة ، أما في الدنيا فكقوله { التائبون العابدون } ( التوبة : 112 ) وأما في الآخرة فكقوله { سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) . وأما الخامس : وهو قوله { ولهم عذاب أليم } فاعلم أنه تعالى لما بين حرمانهم من الثواب بين كونهم في العقاب الشديد المؤلم . ! 7 < { وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } . > 7 ! < < آل عمران : ( 78 ) وإن منهم لفريقا . . . . . > > اعلم أن هذه الآية تدل على أن الآية المتقدمة نازلة في اليهود بلا شك لأن هذه الآية نازلة في حق اليهود وهي معطوفة على ما قبلها فهذا يقتضي كون تلك الآية المتقدمة نازلة في اليهود أيضا / واعلم أن { اللي } عبارة عن عطف الشيء ورده عن الاستقامة إلى الاعوجاج ، يقال : لويت يده ، والتوى الشيء إذا انحرف والتوى فلان على إذا غير أخلافه عن الاستواء إلى ضده ، ولوى لسانه عن كذا إذا غيره ، ولوى فلانا عن رأيه إذا أماله عنه ، وفي الحديث : ( لي الواجد ظلم ) وقال تعالى : { مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا فى الدين } ( النساء : 46 ) . إذا عرفت هذا الأصل ففي تأويل الآية وجوه الأول : قال القفال رحمه الله قوله { يلوون ألسنتهم } معناه وأن يعمدوا إلى اللفظة فيحرفونها في حركات الإعراب تحريفا يتغير به المعنى ، وهذا كثير في لسان العرب فلا يبعد مثله في العبرانية ، فلما فعلوا مثل ذلك في الآيات الدالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام من التوراة كان ذلك هو المراد من قوله تعالى : { يلوون ألسنتهم } وهذا تأويل في غاية الحسن الثاني : نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن النفر الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم كتبوا كتابا شوشوا فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم وخلطوه بالكتاب الذي كان فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم ثم قالوا { هاذا من عند الله } . إذا عرفت هذا فنقول : إن لي اللسان تثنيه بالتشدق والتنطع والتكلف وذلك مذموم فعبر الله تعالى عن قراءتهم لذلك الكتاب الباطل بلى اللسان ذما لهم وعيبا ولم يعبر عنها بالقراءة ، والعرب تفرق بين ألفاظ المدح والذم في الشيء الواحد ، فيقولون في المدح : خطيب مصقع ، وفي الذم : مكثار ثرثار . فقوله { وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب } المراد قراءة ذلك الكتاب الباطل ، وهو الذي ذكره الله تعالى في قوله { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هاذا من عند الله } ( البقرة : 79 ) ثم قال : { وما هو من الكتاب } أي وما هو الكتاب الحق المنزل من عند الله ، بقي ههنا سؤالان : السؤال الأول : إلى ما يرجع الضمير في قوله { لتحسبوه } ؟ . الجواب : إلى ما دل عليه قوله { يلوون ألسنتهم } وهو المحرف . السؤال الثاني : كيف يمكن إدخال التحريف في التوراة مع شهرتها العظيمة بين الناس ؟ .

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

واعلم أن تزكية الله عباده قد تكون على ألسنة الملائكة كما قال : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } ( الرعد : 23 ، 24 ) وقال : { وتتلقاهم الملئكة هاذا يومكم الذى كنتم توعدون } ( الأنبياء : 103 ) { نحن أولياؤكم فى الحيواة الدنيا وفى الاخرة } ( فصلت : 21 ) وقد تكون بغير واسطة ، أما في الدنيا فكقوله { التائبون العابدون } ( التوبة : 112 ) وأما في الآخرة فكقوله { سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) . وأما الخامس : وهو قوله { ولهم عذاب أليم } فاعلم أنه تعالى لما بين حرمانهم من الثواب بين كونهم في العقاب الشديد المؤلم . ! 7 < { وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } . > 7 ! < < آل عمران : ( 78 ) وإن منهم لفريقا . . . . . > > اعلم أن هذه الآية تدل على أن الآية المتقدمة نازلة في اليهود بلا شك لأن هذه الآية نازلة في حق اليهود وهي معطوفة على ما قبلها فهذا يقتضي كون تلك الآية المتقدمة نازلة في اليهود أيضا / واعلم أن { اللي } عبارة عن عطف الشيء ورده عن الاستقامة إلى الاعوجاج ، يقال : لويت يده ، والتوى الشيء إذا انحرف والتوى فلان على إذا غير أخلافه عن الاستواء إلى ضده ، ولوى لسانه عن كذا إذا غيره ، ولوى فلانا عن رأيه إذا أماله عنه ، وفي الحديث : ( لي الواجد ظلم ) وقال تعالى : { مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا فى الدين } ( النساء : 46 ) . إذا عرفت هذا الأصل ففي تأويل الآية وجوه الأول : قال القفال رحمه الله قوله { يلوون ألسنتهم } معناه وأن يعمدوا إلى اللفظة فيحرفونها في حركات الإعراب تحريفا يتغير به المعنى ، وهذا كثير في لسان العرب فلا يبعد مثله في العبرانية ، فلما فعلوا مثل ذلك في الآيات الدالة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام من التوراة كان ذلك هو المراد من قوله تعالى : { يلوون ألسنتهم } وهذا تأويل في غاية الحسن الثاني : نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن النفر الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم كتبوا كتابا شوشوا فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم وخلطوه بالكتاب الذي كان فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم ثم قالوا { هاذا من عند الله } . إذا عرفت هذا فنقول : إن لي اللسان تثنيه بالتشدق والتنطع والتكلف وذلك مذموم فعبر الله تعالى عن قراءتهم لذلك الكتاب الباطل بلى اللسان ذما لهم وعيبا ولم يعبر عنها بالقراءة ، والعرب تفرق بين ألفاظ المدح والذم في الشيء الواحد ، فيقولون في المدح : خطيب مصقع ، وفي الذم : مكثار ثرثار . فقوله { وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب } المراد قراءة ذلك الكتاب الباطل ، وهو الذي ذكره الله تعالى في قوله { فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هاذا من عند الله } ( البقرة : 79 ) ثم قال : { وما هو من الكتاب } أي وما هو الكتاب الحق المنزل من عند الله ، بقي ههنا سؤالان : السؤال الأول : إلى ما يرجع الضمير في قوله { لتحسبوه } ؟ . الجواب : إلى ما دل عليه قوله { يلوون ألسنتهم } وهو المحرف . السؤال الثاني : كيف يمكن إدخال التحريف في التوراة مع شهرتها العظيمة بين الناس ؟ .

Sección V08/P094Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P094)
Orijinal Metin (AR)

الجواب : لعله صدر هذا العمل عن نفر قليل ، يجوز عليهم التواطؤ على التحريف ، ثم إنهم عرضوا ذلك المحرف على بعض العوام وعلى هذا التقدير يكون هذا التحريف ممكنا ، والأصوب عندي في تفسير الآية وجه آخر وهو أن الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كان يحتاج فيها إلى تدقيق النظر وتأمل القلب ، والقوم كانوا يوردون عليها الأسئلة المشوشة والاعتراضات المظلمة فكانت تصير تلك الدلائل مشتبهة على السامعين ، واليهود كانوا يقولون : مراد الله من هذه الآيات ما ذكرناه لا ما ذكرتم ، فكان هذا هو المراد بالتحريف وبلي الألسنة وهذا مثل ما أن المحق في زماننا إذا استدل بآية من كتاب الله تعالى ، فالمبطل يورد عليه الأسئلة والشبهات ويقول : ليس / مراد الله ما ذكرت ، فكذا في هذه الصورة . ثم قال تعالى : { ويقولون هو من عند الله } واعلم أن من الناس من قال : إنه لا فرق بين قوله { لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب } وبين قوله { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله } ( آل عمران : 78 ) وكرر هذا الكلام بلفظين مختلفين لأجل التأكيد ، أما المحققون فقالوا : المغايرة حاصلة ، وذلك لأنه ليس كل ما لم يكن في الكتاب لم يكن من عند الله ، فإن الحكم الشرعي قد ثبت تارة بالكتاب ، وتارة بالسنة ، وتارة بالإجماع ، وتارة بالقياس والكل من عند الله . فقوله { لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب } هذا نفي خاص ، ثم عطف عليه النفي العام فقال : { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله } وأيضا يجوز أن يكون المراد من الكتاب التوراة ، ويكون المراد من قولهم : هو من عند الله ، أنه موجود في كتب سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثل أشعياء ، وأرمياء ، وحيقوق ، وذلك لأن القوم في نسبة التحريف إلى الله كانوا متحيرين ، فإن وجدوا قوما من الأغمار والبله الجاهلين بالتوراة نسبوا ذلك المحرف إلى أنه من التوراة ، وإن وجدوا قوما عقلاء أذكياء زعموا أنه موجود في كتب سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين جاؤا بعد موسى عليه السلام ، واحتج الجبائي والكعبي به على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى فقالا : لو كان لي اللسان بالتحريف والكذب خلقا لله تعالى لصدق اليهود في قولهم : إنه من عند الله ولزم الكذب في قوله تعالى : إنه ليس من عند الله ، وذلك لأنهم أضافوا إلى الله ما هو من عنده ، والله ينفي عن نفسه ما هو من عنده ، ثم قال : وكفى خزيا لقوم يجعلون اليهود أولى بالصدق من الله قال : ليس لأحد أن يقول المراد من قولهم { لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب } وبين قوله { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله } فرق ، وإذا لم يبق الفرق لم يحسن العطف ، وأجاب الكعبي عن هذا السؤال أيضا من وجهين آخرين الأول : أن كون المخلوق من عند الخالق أوكد من كون المأمور به من عند الآمر به ، وحمل الكلام على الوجه الأقوى أولى والثاني : أن قوله { وما هو من عند الله } نفي مطلق لكونه من عند الله وهذا ينفي كونه من عند الله بوجه من الوجوه ، فوجب أن لا يكون من عنده لا بالخلق ولا بالحكم .

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

الجواب : لعله صدر هذا العمل عن نفر قليل ، يجوز عليهم التواطؤ على التحريف ، ثم إنهم عرضوا ذلك المحرف على بعض العوام وعلى هذا التقدير يكون هذا التحريف ممكنا ، والأصوب عندي في تفسير الآية وجه آخر وهو أن الآيات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كان يحتاج فيها إلى تدقيق النظر وتأمل القلب ، والقوم كانوا يوردون عليها الأسئلة المشوشة والاعتراضات المظلمة فكانت تصير تلك الدلائل مشتبهة على السامعين ، واليهود كانوا يقولون : مراد الله من هذه الآيات ما ذكرناه لا ما ذكرتم ، فكان هذا هو المراد بالتحريف وبلي الألسنة وهذا مثل ما أن المحق في زماننا إذا استدل بآية من كتاب الله تعالى ، فالمبطل يورد عليه الأسئلة والشبهات ويقول : ليس / مراد الله ما ذكرت ، فكذا في هذه الصورة . ثم قال تعالى : { ويقولون هو من عند الله } واعلم أن من الناس من قال : إنه لا فرق بين قوله { لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب } وبين قوله { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله } ( آل عمران : 78 ) وكرر هذا الكلام بلفظين مختلفين لأجل التأكيد ، أما المحققون فقالوا : المغايرة حاصلة ، وذلك لأنه ليس كل ما لم يكن في الكتاب لم يكن من عند الله ، فإن الحكم الشرعي قد ثبت تارة بالكتاب ، وتارة بالسنة ، وتارة بالإجماع ، وتارة بالقياس والكل من عند الله . فقوله { لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب } هذا نفي خاص ، ثم عطف عليه النفي العام فقال : { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله } وأيضا يجوز أن يكون المراد من الكتاب التوراة ، ويكون المراد من قولهم : هو من عند الله ، أنه موجود في كتب سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثل أشعياء ، وأرمياء ، وحيقوق ، وذلك لأن القوم في نسبة التحريف إلى الله كانوا متحيرين ، فإن وجدوا قوما من الأغمار والبله الجاهلين بالتوراة نسبوا ذلك المحرف إلى أنه من التوراة ، وإن وجدوا قوما عقلاء أذكياء زعموا أنه موجود في كتب سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين جاؤا بعد موسى عليه السلام ، واحتج الجبائي والكعبي به على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى فقالا : لو كان لي اللسان بالتحريف والكذب خلقا لله تعالى لصدق اليهود في قولهم : إنه من عند الله ولزم الكذب في قوله تعالى : إنه ليس من عند الله ، وذلك لأنهم أضافوا إلى الله ما هو من عنده ، والله ينفي عن نفسه ما هو من عنده ، ثم قال : وكفى خزيا لقوم يجعلون اليهود أولى بالصدق من الله قال : ليس لأحد أن يقول المراد من قولهم { لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب } وبين قوله { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله } فرق ، وإذا لم يبق الفرق لم يحسن العطف ، وأجاب الكعبي عن هذا السؤال أيضا من وجهين آخرين الأول : أن كون المخلوق من عند الخالق أوكد من كون المأمور به من عند الآمر به ، وحمل الكلام على الوجه الأقوى أولى والثاني : أن قوله { وما هو من عند الله } نفي مطلق لكونه من عند الله وهذا ينفي كونه من عند الله بوجه من الوجوه ، فوجب أن لا يكون من عنده لا بالخلق ولا بالحكم .

Sección V08/P094–V08/P096Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P094–V08/P096)
Orijinal Metin (AR)

والجواب : أما قول الجبائي لو حملنا قوله تعالى : { ويقولون هو من عند الله } على أنه كلام الله لزم التكرار ، فجوابه ما ذكرنا أن قوله { وما هو من الكتاب } معناه أنه غير موجود في الكتاب وهذا لا يمنع من كونه حكما لله تعالى ثابتا بقول الرسول أو بطريق آخر فلما قال : { وما هو من عند الله } ثبت نفي كونه حكما لله تعالى وعلى هذا الوجه زال التكرار . وأما الوجه الأول : من الوجهين اللذين ذكرهما الكعبي فجوابه ، أن الجواب لا بد وأن يكون منطبقا على السؤال ، والقوم ما كانوا في ادعاء أن ما ذكروه وفعلوه خلق الله تعالى ، بل كانوا / يدعون أنه حكم الله ونازل في كتابه . فوجب أن يكون قوله { وما هو من عند الله } عائدا إلى هذا المعنى لا إلى غيره ، وبهذا الطريق يظهر فساد ما ذكره في الوجه الثاني والله أعلم . ثم قال تعالى : { ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } والمعنى أنهم يتعمدون ذلك الكذب مع العلم . واعلم أنه إن كان المراد من التحريف تغيير ألفاظ التوراة ، وإعراب ألفاظها ، فالمقدمون عليه يجب أن يكونوا طائفة يسيرة يجوز التواطؤ منهم على الكذب / وإن كان المراد منه تشويش دلالة تلك الآيات على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بسبب إلقاء الشكوك والشبهات في وجوه الاستدلالات لم يبعد إطباق الخلق الكثير عليه والله أعلم . ! 7 < { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله ولاكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } . > 7 < آل عمران : ( 79 - 80 ) ما كان لبشر . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين أن عادة علماء أهل الكتاب التحريف والتبديل أتبعه بما يدل على أن من جملة ما حرفوه ما زعموا أن عيسى عليه السلام كان يدعي الإلاهية ، وأنه كان يأمر قومه بعبادته فلهذا قال : { ما كان لبشر } الآية ، وههنا مسائل : المسألة الأولى : في سبب نزول هذه الآية وجوه الأول : قال ابن عباس : لما قالت اليهود عزير ابن الله ، وقالت النصارى : المسيح ابن الله نزلت هذه الآية الثاني : قيل إن أبا رافع القرظي من اليهود ورئيس وفد نجران من النصارى قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أتريد أن نعبدك ونتخذك ربا ، فقال عليه الصلاة والسلام ( معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله / فما بذلك بعثني ؛ ولا بذلك أمرني ) فنزلت هذه الآية الثالث : قال رجل يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض ، أفلا نسجد لك ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ( لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد من دون الله ، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله ) الرابع : أن اليهود لما ادعوا أن أحدا لا ينال من درجات الفضل والمنزلة ما نالوه ، فالله تعالى قال لهم : إن كان الأمر كما قلتم ، وجب أن لا تشتغلوا باستعباد الناس واستخدامهم ولكن يجب أن تأمروا الناس بالطاعة لله والانقياد لتكاليفه وحينئذ يلزمكم أن تحثوا الناس على الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، لأن ظهور المعجزات عليه يوجب ذلك ، وهذا الوجه يحتمله لفظ الآية فإن قوله { ثم يقول للناس كونوا عبادا من دون الله } مثل قوله { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } ( التوبة : 31 ) .

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

والجواب : أما قول الجبائي لو حملنا قوله تعالى : { ويقولون هو من عند الله } على أنه كلام الله لزم التكرار ، فجوابه ما ذكرنا أن قوله { وما هو من الكتاب } معناه أنه غير موجود في الكتاب وهذا لا يمنع من كونه حكما لله تعالى ثابتا بقول الرسول أو بطريق آخر فلما قال : { وما هو من عند الله } ثبت نفي كونه حكما لله تعالى وعلى هذا الوجه زال التكرار . وأما الوجه الأول : من الوجهين اللذين ذكرهما الكعبي فجوابه ، أن الجواب لا بد وأن يكون منطبقا على السؤال ، والقوم ما كانوا في ادعاء أن ما ذكروه وفعلوه خلق الله تعالى ، بل كانوا / يدعون أنه حكم الله ونازل في كتابه . فوجب أن يكون قوله { وما هو من عند الله } عائدا إلى هذا المعنى لا إلى غيره ، وبهذا الطريق يظهر فساد ما ذكره في الوجه الثاني والله أعلم . ثم قال تعالى : { ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } والمعنى أنهم يتعمدون ذلك الكذب مع العلم . واعلم أنه إن كان المراد من التحريف تغيير ألفاظ التوراة ، وإعراب ألفاظها ، فالمقدمون عليه يجب أن يكونوا طائفة يسيرة يجوز التواطؤ منهم على الكذب / وإن كان المراد منه تشويش دلالة تلك الآيات على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بسبب إلقاء الشكوك والشبهات في وجوه الاستدلالات لم يبعد إطباق الخلق الكثير عليه والله أعلم . ! 7 < { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله ولاكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } . > 7 < آل عمران : ( 79 - 80 ) ما كان لبشر . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين أن عادة علماء أهل الكتاب التحريف والتبديل أتبعه بما يدل على أن من جملة ما حرفوه ما زعموا أن عيسى عليه السلام كان يدعي الإلاهية ، وأنه كان يأمر قومه بعبادته فلهذا قال : { ما كان لبشر } الآية ، وههنا مسائل : المسألة الأولى : في سبب نزول هذه الآية وجوه الأول : قال ابن عباس : لما قالت اليهود عزير ابن الله ، وقالت النصارى : المسيح ابن الله نزلت هذه الآية الثاني : قيل إن أبا رافع القرظي من اليهود ورئيس وفد نجران من النصارى قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أتريد أن نعبدك ونتخذك ربا ، فقال عليه الصلاة والسلام ( معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله / فما بذلك بعثني ؛ ولا بذلك أمرني ) فنزلت هذه الآية الثالث : قال رجل يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض ، أفلا نسجد لك ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ( لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد من دون الله ، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله ) الرابع : أن اليهود لما ادعوا أن أحدا لا ينال من درجات الفضل والمنزلة ما نالوه ، فالله تعالى قال لهم : إن كان الأمر كما قلتم ، وجب أن لا تشتغلوا باستعباد الناس واستخدامهم ولكن يجب أن تأمروا الناس بالطاعة لله والانقياد لتكاليفه وحينئذ يلزمكم أن تحثوا الناس على الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، لأن ظهور المعجزات عليه يوجب ذلك ، وهذا الوجه يحتمله لفظ الآية فإن قوله { ثم يقول للناس كونوا عبادا من دون الله } مثل قوله { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } ( التوبة : 31 ) .

Sección V08/P096–V08/P097Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P096–V08/P097)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بقوله { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله } على وجوه الأول : قال الأصم : معناه ، أنهم لو أرادوا أن يقولوا ذلك لمنعهم الدليل عليه قوله تعالى : { ولو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين } ( الحاقه : 44 ) قال : { لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحيواة وضعف الممات } ( الاسراء : 74 ، 75 ) الثاني : أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام موصوفون بصفات لا يحسن مع تلك الصفات ادعاء الإلاهية والربوبية منها أن الله تعالى آتاهم الكتاب والوحي وهذا لا يكون إلا في النفوس الطاهرة والأرواح الطيبة ، كما قال الله تعالى : { الله أعلم حيث يجعل } ( الأنعام : 124 ) وقال : { المسرفين ولقد اخترناهم على علم على العالمين } ( الدخان : 32 ) وقال الله تعالى : { الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس } ( الحج : 75 ) والنفس الطاهرة يمتنع أن يصدر عنها هذه الدعوى ، ومنها أن إيتاء النبوة لا يكون إلا بعد كمال العلم وذلك لا يمنع من هذه الدعوى ، وبالجملة فللإنسان قوتان : نظرية وعملية ، وما لم تكن القوة النظرية كاملة بالعلوم والمعارف الحقيقية ولم تكن القوة العملية مطهرة عن الأخلاق الذميمة لا تكون النفس مستعدة لقبول الوحي والنبوة ، وحصول الكمالات في القوة النظرية والعملية يمنع من مثل هذا القول والاعتقاد ، الثالث : أن الله تعالى لا يشرف عبده بالنبوة والرسالة إلا إذا علم منه أنه لا يقول مثل هذا الكلام الرابع : أن الرسول ادعى أنه يبلغ الأحكام عن الله تعالى ، واحتج على صدقه في هذه الدعوى فلو أمرهم بعبادة نفسه فحينئذ تبطل دلالة المعجزة على كونه صادقا ، وذلك غير جائز ، واعلم أنه ليس المراد من قوله { ما كان لبشر } ذلك أنه يحرم عليه هذا الكلام لأن ذلك محرم على كل الخلق ، وظاهر الآية يدل على أنه إنما لم يكن له ذلك لأجل أن الله آتاه الكتاب والحكم والنبوة ، وأيضا لو كان المراد منه التحريم لما كان ذلك تكذيبا للنصارى في ادعائهم ذلك على المسيح عليه السلام لأن من ادعى على رجل فعلا فقيل له إن فلان لا يحل له أن يفعل ذلك لم يكن تكذيبا له فيما ادعى عليه وإنما أراد في ادعائهم أن عيسى عليه السلام قال لهم : اتخذوني إلاها / من دون الله فالمراد إذن ما قدمناه ، ونظيره قوله تعالى : { ما كان الله أن يتخذ من ولد } ( مريم : 35 ) على سبيل النفي لذلك عن نفسه ، لا على وجه التحريم والحظر ، وكذا قوله تعالى : { ما كان لنبى أن يغل } ( آل عمران : 161 ) والمراد النفي لا النهي والله أعلم . المسألة الثالثة : قوله { أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة } إشارة إلى ثلاثة أشياء ذكرها على ترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأن الكتاب السماوي ينزل أولا ثم إنه يحصل في عقل النبي فهم ذلك الكتاب وإليه الإشارة بالحكم ، فإن أهل اللغة والتفسير اتفقوا على أن هذا الحكم هو العلم ، قال تعالى : { واتيناه الحكم صبيا } ( مريم : 12 ) يعني العلم والفهم ، ثم إذا حصل فهم الكتاب ، فحينئذ يبلغ ذلك إلى الخلق وهو النبوة فما أحسن هذا الترتيب . ثم قال تعالى : { ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله } وفيه مسألتان :

Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثانية : اختلفوا في المراد بقوله { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله } على وجوه الأول : قال الأصم : معناه ، أنهم لو أرادوا أن يقولوا ذلك لمنعهم الدليل عليه قوله تعالى : { ولو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين } ( الحاقه : 44 ) قال : { لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحيواة وضعف الممات } ( الاسراء : 74 ، 75 ) الثاني : أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام موصوفون بصفات لا يحسن مع تلك الصفات ادعاء الإلاهية والربوبية منها أن الله تعالى آتاهم الكتاب والوحي وهذا لا يكون إلا في النفوس الطاهرة والأرواح الطيبة ، كما قال الله تعالى : { الله أعلم حيث يجعل } ( الأنعام : 124 ) وقال : { المسرفين ولقد اخترناهم على علم على العالمين } ( الدخان : 32 ) وقال الله تعالى : { الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس } ( الحج : 75 ) والنفس الطاهرة يمتنع أن يصدر عنها هذه الدعوى ، ومنها أن إيتاء النبوة لا يكون إلا بعد كمال العلم وذلك لا يمنع من هذه الدعوى ، وبالجملة فللإنسان قوتان : نظرية وعملية ، وما لم تكن القوة النظرية كاملة بالعلوم والمعارف الحقيقية ولم تكن القوة العملية مطهرة عن الأخلاق الذميمة لا تكون النفس مستعدة لقبول الوحي والنبوة ، وحصول الكمالات في القوة النظرية والعملية يمنع من مثل هذا القول والاعتقاد ، الثالث : أن الله تعالى لا يشرف عبده بالنبوة والرسالة إلا إذا علم منه أنه لا يقول مثل هذا الكلام الرابع : أن الرسول ادعى أنه يبلغ الأحكام عن الله تعالى ، واحتج على صدقه في هذه الدعوى فلو أمرهم بعبادة نفسه فحينئذ تبطل دلالة المعجزة على كونه صادقا ، وذلك غير جائز ، واعلم أنه ليس المراد من قوله { ما كان لبشر } ذلك أنه يحرم عليه هذا الكلام لأن ذلك محرم على كل الخلق ، وظاهر الآية يدل على أنه إنما لم يكن له ذلك لأجل أن الله آتاه الكتاب والحكم والنبوة ، وأيضا لو كان المراد منه التحريم لما كان ذلك تكذيبا للنصارى في ادعائهم ذلك على المسيح عليه السلام لأن من ادعى على رجل فعلا فقيل له إن فلان لا يحل له أن يفعل ذلك لم يكن تكذيبا له فيما ادعى عليه وإنما أراد في ادعائهم أن عيسى عليه السلام قال لهم : اتخذوني إلاها / من دون الله فالمراد إذن ما قدمناه ، ونظيره قوله تعالى : { ما كان الله أن يتخذ من ولد } ( مريم : 35 ) على سبيل النفي لذلك عن نفسه ، لا على وجه التحريم والحظر ، وكذا قوله تعالى : { ما كان لنبى أن يغل } ( آل عمران : 161 ) والمراد النفي لا النهي والله أعلم . المسألة الثالثة : قوله { أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة } إشارة إلى ثلاثة أشياء ذكرها على ترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأن الكتاب السماوي ينزل أولا ثم إنه يحصل في عقل النبي فهم ذلك الكتاب وإليه الإشارة بالحكم ، فإن أهل اللغة والتفسير اتفقوا على أن هذا الحكم هو العلم ، قال تعالى : { واتيناه الحكم صبيا } ( مريم : 12 ) يعني العلم والفهم ، ثم إذا حصل فهم الكتاب ، فحينئذ يبلغ ذلك إلى الخلق وهو النبوة فما أحسن هذا الترتيب . ثم قال تعالى : { ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله } وفيه مسألتان :

%0
10 Bölüm

Preguntas