Sección V10/P154–V10/P155Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V10/P154–V10/P155)
Orijinal Metin (AR)واعلم أنا بينا كيفية دلالة الآية على أنه لا طاعة ألبتة للرسول ، وإنما الطاعة لله . أما قوله : { ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا } ففيه قولان : أحدهما : أن المراد من التولي هو التولي بالقلب ، يعني يا محمد حكمك على الظواهر ، أما البواطن فلا تتعرض لها . والثاني : أن المراد به التولي بالظاهر ، ثم ههنا ففي قوله : { فما أرسلناك عليهم حفيظا } قولان : الأول : معناه فلا ينبغي أن تغتم بسبب ذلك التولي وأن تحزن ، فما أرسلناك لتحفظ الناس عن المعاصي ، والسبب في ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان يشتد حزنه بسبب كفرهم وإعراضهم ، فالله تعالى ذكر هذا الكلام تسلية له عليه الصلاة والسلام عن ذلك الحزن . الثاني : أن المعنى فما أرسلناك لتشتغل بزجرهم عن ذلك لتولى وهو كقوله : { لا إكراه فى الدين } ( البقرة : 256 ) ثم نسخ هذا بعده بآية الجهاد . ! 7 < { ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طآئفة منهم غير الذى تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا } . > 7 ! < < النساء : ( 81 ) ويقولون طاعة فإذا . . . . . > > أي ويقولون إذا أمرتهم بشيء { طاعة } بالرفع ، أي أمرنا وشأننا طاعة ، ويجوز النصب بمعنى أطعناك طاعة ، وهذا كما إذا قال الرجل المطيع المنقاد : سمعا وطاعة ، وسمع وطاعة . قال سيبويه : سمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال لهم كيف أصبحت ؟ فيقول : حمدالله وثناء عليه ، كأنه قال : أمرى وشأني حمدا لله . واعلم أن النصب يدل على مجرد الفعل . وأما الرفع فانه يدل على ثبات الطاعة واستقرارها { فإذا برزوا من عندك } أي خرجوا من عندك { بيت طائفة منهم غير الذى تقول } وفيه مسائل : / المسألة الأولى : قال الزجاج : كل أمر تفكروا فيه كثيرا وتأملوا في مصالحه ومفاسده كثيرا قيل هذا أمر مبيت ، قال تعالى : { إذ يبيتون ما لا يرضى من القول } ( النساء : 108 ) وفي اشتقاقه وجهان : الأول : اشتقاقه من البيتوتة ، لأن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس الانسان في بيته بالليل ، فهناك تكون الخواطر أخلى والشواغل أقل ، فلما كان الغالب أن الانسان وقت الليل يكون في البيت ، والغالب له أنه إنما يستقصي في الأفكار في الليل ، لا جرم سمي الفكر المستقصى مبيتا . الثاني : اشتقاقه من بيت الشعر . قال الأخفش : العرب إذا أرادوا قرض الشعر بالغوا في التفكر فيه فسموا المتفكر فيه المستقصى مبيتا ، تشبيها له ببيت الشعر من حيث أنه يسوى ويدبر . المسألة الثانية : أنه تعالى خص طائفة من جملة المنافقين بالتبييت ، وفي هذا التخصيص وجهان : أحدهما : أنه تعالى ذكر من علم أنه يبقى على كفره ونفاقه ، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فانه لم يذكرهم . والثاني : أن هذه الطائفة كانوا قد أسهروا ليلهم في التبييت ، وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم يبيتوا ، فلا جرم لم يذكروا . المسألة الثالثة : قرأ أبو عمرو وحمزة { بيت طائفة } بادغام التاء في الطاء ، والباقون بالاظهار أما من أدغم فله فيه وجهان : الأول : قال الفراء : جزموا لكثرة الحركات ، فلما سكنت التاء أدغمت في الطاء ، والثاني : أن الطاء والدال والتاء من حيز واحد ، فالتقارب الذي بينها يجريها مجرى الأمثال في الادغام ، ومما يحسن هذا الادغام أن الطاء تزيد على التاء بالاطباق ، فحسن إدغام الأنقص صوتا في الأزيد صوتا . أما من لم يدغم فعلته أنهما حرفان من مخرجين في كلمتين متفاصلتين ، فوجب إبقاء كل واحد منهما بحاله .
Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)واعلم أنا بينا كيفية دلالة الآية على أنه لا طاعة ألبتة للرسول ، وإنما الطاعة لله . أما قوله : { ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا } ففيه قولان : أحدهما : أن المراد من التولي هو التولي بالقلب ، يعني يا محمد حكمك على الظواهر ، أما البواطن فلا تتعرض لها . والثاني : أن المراد به التولي بالظاهر ، ثم ههنا ففي قوله : { فما أرسلناك عليهم حفيظا } قولان : الأول : معناه فلا ينبغي أن تغتم بسبب ذلك التولي وأن تحزن ، فما أرسلناك لتحفظ الناس عن المعاصي ، والسبب في ذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان يشتد حزنه بسبب كفرهم وإعراضهم ، فالله تعالى ذكر هذا الكلام تسلية له عليه الصلاة والسلام عن ذلك الحزن . الثاني : أن المعنى فما أرسلناك لتشتغل بزجرهم عن ذلك لتولى وهو كقوله : { لا إكراه فى الدين } ( البقرة : 256 ) ثم نسخ هذا بعده بآية الجهاد . ! 7 < { ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طآئفة منهم غير الذى تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا } . > 7 ! < < النساء : ( 81 ) ويقولون طاعة فإذا . . . . . > > أي ويقولون إذا أمرتهم بشيء { طاعة } بالرفع ، أي أمرنا وشأننا طاعة ، ويجوز النصب بمعنى أطعناك طاعة ، وهذا كما إذا قال الرجل المطيع المنقاد : سمعا وطاعة ، وسمع وطاعة . قال سيبويه : سمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال لهم كيف أصبحت ؟ فيقول : حمدالله وثناء عليه ، كأنه قال : أمرى وشأني حمدا لله . واعلم أن النصب يدل على مجرد الفعل . وأما الرفع فانه يدل على ثبات الطاعة واستقرارها { فإذا برزوا من عندك } أي خرجوا من عندك { بيت طائفة منهم غير الذى تقول } وفيه مسائل : / المسألة الأولى : قال الزجاج : كل أمر تفكروا فيه كثيرا وتأملوا في مصالحه ومفاسده كثيرا قيل هذا أمر مبيت ، قال تعالى : { إذ يبيتون ما لا يرضى من القول } ( النساء : 108 ) وفي اشتقاقه وجهان : الأول : اشتقاقه من البيتوتة ، لأن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس الانسان في بيته بالليل ، فهناك تكون الخواطر أخلى والشواغل أقل ، فلما كان الغالب أن الانسان وقت الليل يكون في البيت ، والغالب له أنه إنما يستقصي في الأفكار في الليل ، لا جرم سمي الفكر المستقصى مبيتا . الثاني : اشتقاقه من بيت الشعر . قال الأخفش : العرب إذا أرادوا قرض الشعر بالغوا في التفكر فيه فسموا المتفكر فيه المستقصى مبيتا ، تشبيها له ببيت الشعر من حيث أنه يسوى ويدبر . المسألة الثانية : أنه تعالى خص طائفة من جملة المنافقين بالتبييت ، وفي هذا التخصيص وجهان : أحدهما : أنه تعالى ذكر من علم أنه يبقى على كفره ونفاقه ، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فانه لم يذكرهم . والثاني : أن هذه الطائفة كانوا قد أسهروا ليلهم في التبييت ، وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم يبيتوا ، فلا جرم لم يذكروا . المسألة الثالثة : قرأ أبو عمرو وحمزة { بيت طائفة } بادغام التاء في الطاء ، والباقون بالاظهار أما من أدغم فله فيه وجهان : الأول : قال الفراء : جزموا لكثرة الحركات ، فلما سكنت التاء أدغمت في الطاء ، والثاني : أن الطاء والدال والتاء من حيز واحد ، فالتقارب الذي بينها يجريها مجرى الأمثال في الادغام ، ومما يحسن هذا الادغام أن الطاء تزيد على التاء بالاطباق ، فحسن إدغام الأنقص صوتا في الأزيد صوتا . أما من لم يدغم فعلته أنهما حرفان من مخرجين في كلمتين متفاصلتين ، فوجب إبقاء كل واحد منهما بحاله .
Sección V10/P155Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V10/P155)
Orijinal Metin (AR)المسألة الرابعة : قال : { بيت } بالتذكير ولم يقل : بيتت بالتأنيث ، لأن تأنيث الطائفة غير حقيقي ، ولأنها في معنى الفريق والفوج . قال صاحب ( الكشاف ) : { بيت طائفة } أي زورت وزينت خلاف ما قلت وما أمرت به ، أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة ، لأنهم أبطنوا الرد لا القبول والعصيان لا الطاعة . ثم قال تعالى : { والله يكتب ما يبيتون } ذكر الزجاج فيه وجهين : أحدهما : أن معناه ينزل اليك في كتابه . والثاني : يكتب ذلك في صحائف أعمالهم ليجازوا به . ثم قال تعالى : { فأعرض عنهم } والمعنى لا تهتك سترهم ولا تفضحهم ولا تذكرهم بأسمائهم ، وإنما أمر الله بستر أمر المنافقين إلى أن يستقيم أمر الاسلام . ثم قال : { وتوكل على الله } في شأنهم ، فان الله يكفيك شرهم وينتقم منهم { وكفى بالله وكيلا } لمن توكل عليه . قال المفسرون : كان الأمر بالاعراض عن / المنافقين في ابتداء الاسلام / ثم نسخ ذلك بقوله : { جاهد الكفار والمنافقين } ( التوبة : 73 ، التحريم : 9 ) وهذا الكلام فيه نظر ، لأن الأمر بالصفح مطلق فلا يفيد إلا المرة الواحدة ، فورود الأمر بعد ذلك بالجهاد لا يكون ناسخا له . ! 7 < { أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } . > 7 ! < < النساء : ( 82 ) أفلا يتدبرون القرآن . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافقين أنواع مكرهم وكيدهم ، وكان كل ذلك لأجل أنهم ما كانوا يعتقدون كونه محقا في ادعاء الرسالة صادقا فيه ، بل كانوا يعتقدون أنه مفتر متخرص ، فلا جرم أمرهم الله تعالى بأن ينظروا ويتفكروا في الدلائل الدالة على صحة نبوته . فقال : { أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } فاحتج تعالى بالقرآن على صحة نبوته وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : التدبير والتدبر عبارة عن النظر في عواقب الأمور وأدبارها ، ومنه قوله : إلام تدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها ، ويقال في فصيح الكلام : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، أي لو عرفت في صدر أمري ما عرفت من عاقبته .
Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الرابعة : قال : { بيت } بالتذكير ولم يقل : بيتت بالتأنيث ، لأن تأنيث الطائفة غير حقيقي ، ولأنها في معنى الفريق والفوج . قال صاحب ( الكشاف ) : { بيت طائفة } أي زورت وزينت خلاف ما قلت وما أمرت به ، أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة ، لأنهم أبطنوا الرد لا القبول والعصيان لا الطاعة . ثم قال تعالى : { والله يكتب ما يبيتون } ذكر الزجاج فيه وجهين : أحدهما : أن معناه ينزل اليك في كتابه . والثاني : يكتب ذلك في صحائف أعمالهم ليجازوا به . ثم قال تعالى : { فأعرض عنهم } والمعنى لا تهتك سترهم ولا تفضحهم ولا تذكرهم بأسمائهم ، وإنما أمر الله بستر أمر المنافقين إلى أن يستقيم أمر الاسلام . ثم قال : { وتوكل على الله } في شأنهم ، فان الله يكفيك شرهم وينتقم منهم { وكفى بالله وكيلا } لمن توكل عليه . قال المفسرون : كان الأمر بالاعراض عن / المنافقين في ابتداء الاسلام / ثم نسخ ذلك بقوله : { جاهد الكفار والمنافقين } ( التوبة : 73 ، التحريم : 9 ) وهذا الكلام فيه نظر ، لأن الأمر بالصفح مطلق فلا يفيد إلا المرة الواحدة ، فورود الأمر بعد ذلك بالجهاد لا يكون ناسخا له . ! 7 < { أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } . > 7 ! < < النساء : ( 82 ) أفلا يتدبرون القرآن . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافقين أنواع مكرهم وكيدهم ، وكان كل ذلك لأجل أنهم ما كانوا يعتقدون كونه محقا في ادعاء الرسالة صادقا فيه ، بل كانوا يعتقدون أنه مفتر متخرص ، فلا جرم أمرهم الله تعالى بأن ينظروا ويتفكروا في الدلائل الدالة على صحة نبوته . فقال : { أفلا يتدبرون القرءان ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } فاحتج تعالى بالقرآن على صحة نبوته وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : التدبير والتدبر عبارة عن النظر في عواقب الأمور وأدبارها ، ومنه قوله : إلام تدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها ، ويقال في فصيح الكلام : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، أي لو عرفت في صدر أمري ما عرفت من عاقبته .
Sección V10/P155–V10/P156Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V10/P155–V10/P156)
Orijinal Metin (AR)المسألة الثانية : اعلم أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى احتج بالقرآن على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، إذ لو تحمل الآية على ذلك لم يبق لها تعلق بما قبلها ألبتة ، والعلماء قالوا : دلالة القرآن على صدق محمد صلى الله عليه وسلم من ثلاثة أوجه : أولها : فصاحته . وثانيها : اشتماله على الاخبار عن الغيوب . والثالث : سلامته عن الاختلاف ، وهذا هو المذكور في هذه الآية ، ثم القائلون بهذا القول ذكروا في تفسير سلامته عن الاختلاف ثلاثة أوجه : الأول : قال أبو بكر الأصم : معناه أن هؤلاء المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكر والكيد ، والله تعالى كان يطلع الرسول عليه الصلاة والسلام على تلك الأحوال حالا فحالا : ويخبره عنها على سبيل التفصيل ، وما كانوا يجدون في كل ذلك إلا الصدق ، فقيل لهم : إن ذلك لو لم يحصل باخبار الله تعالى وإلا لما اطرد الصدق فيه ، ولظهر في قول محمد أنواع الاختلاف والتفاوت ، فلما لم يظهر ذلك علمنا أن ذلك ليس إلا باعلام الله تعالى ، والثاني : وهو الذي ذهب اليه أكثر / المتكلمين أن المراد منه أن القرآن كتاب كبير ، وهو مشتمل على أنواع كثيرة من العلوم ، فلو كان ذلك من عند غير الله لوقع فيه أنواع من الكلمات المتناقضة ، لأن الكتاب الكبير الطويل لا ينفك عن ذلك ، ولما لم يوجد فيه ذلك علمنا أنه ليس من عند غير الله . فان قيل : أليس أن قوله : { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } ( القيامة : 23 ) كالمناقض لقوله تعالى : { لا تدركه الابصار } ( الأنعام : 103 ) وآيات الجبر كالمناقضة لآيات القدر ، وقوله : { فوربك لنسئلنهم أجمعين } ( الحجر : 92 ) كالمناقض لقوله : { فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان } ( الرحمن : 39 ) . قلنا : قد شرحنا في هذا التفسير أنه لا منافاة ولا مناقضة بين شيء منها ألبتة . الوجه الثالث : في تفسير قولنا : القرآن سليم عن الاختلاف ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني ، وهو أن المراد منه الاختلاف في رتبة الفصاحة ، حتى لا يكون في جملته ما يعد في الكلام الركيك ، بل بقيت الفصاحة فيه من أوله إلى آخره على نهج واحد ، ومن المعلوم أن الانسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة ، فاذا كتب كتابا طويلا مشتملا على المعاني الكبيرة ، فلا بد وأن يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون بعضه قويا متينا وبعضه سخيفا نازلا ، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه لمعجز من عند الله تعالى ، وضرب القاضي لهذا مثلا فقال : ان الواحد منا لا يمكنه أن يكتب الطوامير الطويلة بحيث لا يقع في شيء من تلك الحروف خلل ونقصان / حتى لو رأينا الطوامير الطويلة مصونة عن مثل هذا الخلل والنقصان لكان ذلك معدودا في الاعجاز فكذا ههنا . المسألة الثالثة : دلت الآية على أن القرآن معلوم المعنى خلاف ما يقوله من يذهب إلى أنه لا يعلم معناه إلا النبي والامام المعصوم ، لأنه لو كان كذلك لما تهيأ للمنافقين معرفة ذلك بالتدبر ، ولما جاز أن يأمرهم الله تعالى به وأن يجعل القرآن حجة في صحة نبوته ، ولا أن يجعل عجزهم عن مثله حجة عليهم ، كما لا يجوز أن يحتج على كفار الزنج بمثل ذلك . المسألة الرابعة : دلت الآية على وجوب النظر والاستدلال ، وعلى القول بفساد التقليد ، لأنه تعالى أمر المنافقين بالاستدلال بهذا الدليل على صحة نبوته ، واذا كان لا بد في صحة نبوته من الاستدلال ، فبأن يحتاج في معرفة ذات الله وصفاته إلى الاستدلال كان أولى .
Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الثانية : اعلم أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى احتج بالقرآن على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، إذ لو تحمل الآية على ذلك لم يبق لها تعلق بما قبلها ألبتة ، والعلماء قالوا : دلالة القرآن على صدق محمد صلى الله عليه وسلم من ثلاثة أوجه : أولها : فصاحته . وثانيها : اشتماله على الاخبار عن الغيوب . والثالث : سلامته عن الاختلاف ، وهذا هو المذكور في هذه الآية ، ثم القائلون بهذا القول ذكروا في تفسير سلامته عن الاختلاف ثلاثة أوجه : الأول : قال أبو بكر الأصم : معناه أن هؤلاء المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكر والكيد ، والله تعالى كان يطلع الرسول عليه الصلاة والسلام على تلك الأحوال حالا فحالا : ويخبره عنها على سبيل التفصيل ، وما كانوا يجدون في كل ذلك إلا الصدق ، فقيل لهم : إن ذلك لو لم يحصل باخبار الله تعالى وإلا لما اطرد الصدق فيه ، ولظهر في قول محمد أنواع الاختلاف والتفاوت ، فلما لم يظهر ذلك علمنا أن ذلك ليس إلا باعلام الله تعالى ، والثاني : وهو الذي ذهب اليه أكثر / المتكلمين أن المراد منه أن القرآن كتاب كبير ، وهو مشتمل على أنواع كثيرة من العلوم ، فلو كان ذلك من عند غير الله لوقع فيه أنواع من الكلمات المتناقضة ، لأن الكتاب الكبير الطويل لا ينفك عن ذلك ، ولما لم يوجد فيه ذلك علمنا أنه ليس من عند غير الله . فان قيل : أليس أن قوله : { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } ( القيامة : 23 ) كالمناقض لقوله تعالى : { لا تدركه الابصار } ( الأنعام : 103 ) وآيات الجبر كالمناقضة لآيات القدر ، وقوله : { فوربك لنسئلنهم أجمعين } ( الحجر : 92 ) كالمناقض لقوله : { فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان } ( الرحمن : 39 ) . قلنا : قد شرحنا في هذا التفسير أنه لا منافاة ولا مناقضة بين شيء منها ألبتة . الوجه الثالث : في تفسير قولنا : القرآن سليم عن الاختلاف ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني ، وهو أن المراد منه الاختلاف في رتبة الفصاحة ، حتى لا يكون في جملته ما يعد في الكلام الركيك ، بل بقيت الفصاحة فيه من أوله إلى آخره على نهج واحد ، ومن المعلوم أن الانسان وإن كان في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة ، فاذا كتب كتابا طويلا مشتملا على المعاني الكبيرة ، فلا بد وأن يظهر التفاوت في كلامه بحيث يكون بعضه قويا متينا وبعضه سخيفا نازلا ، ولما لم يكن القرآن كذلك علمنا أنه لمعجز من عند الله تعالى ، وضرب القاضي لهذا مثلا فقال : ان الواحد منا لا يمكنه أن يكتب الطوامير الطويلة بحيث لا يقع في شيء من تلك الحروف خلل ونقصان / حتى لو رأينا الطوامير الطويلة مصونة عن مثل هذا الخلل والنقصان لكان ذلك معدودا في الاعجاز فكذا ههنا . المسألة الثالثة : دلت الآية على أن القرآن معلوم المعنى خلاف ما يقوله من يذهب إلى أنه لا يعلم معناه إلا النبي والامام المعصوم ، لأنه لو كان كذلك لما تهيأ للمنافقين معرفة ذلك بالتدبر ، ولما جاز أن يأمرهم الله تعالى به وأن يجعل القرآن حجة في صحة نبوته ، ولا أن يجعل عجزهم عن مثله حجة عليهم ، كما لا يجوز أن يحتج على كفار الزنج بمثل ذلك . المسألة الرابعة : دلت الآية على وجوب النظر والاستدلال ، وعلى القول بفساد التقليد ، لأنه تعالى أمر المنافقين بالاستدلال بهذا الدليل على صحة نبوته ، واذا كان لا بد في صحة نبوته من الاستدلال ، فبأن يحتاج في معرفة ذات الله وصفاته إلى الاستدلال كان أولى .
Sección V10/P156–V10/P158Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V10/P156–V10/P158)
Orijinal Metin (AR)المسألة الخامسة : قال أبو علي الجبائي : دلت الآية على أن أفعال العباد غير مخلوقة لله تعالى لأن قوله تعالى : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } يقتضي أن فعل العبد لا ينفك عن الاختلاف ، والاختلاف والتفاوت شيء واحد ، فاذا كان فعل العبد لا ينفك عن الاختلاف والتفاوت ، وفعل الله لا يوجد فيه التفاوت لقوله تعالى : { ما ترى فى خلق الرحمان من تفاوت } ( الملك : 3 ) فهذا / يقتضي أن فعل العبد لا يكون فعلا لله . والجواب أن قوله : { ما ترى فى خلق الرحمان من تفاوت } معناه نفي التفاوت في أنه يقع على وفق مشيئته بخلاف غيره ، فان فعل غيره لا يقع على وفق مشيئته على الاطلاق . ! 7 < { وإذا جآءهم أمر من الا من أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الا مر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } . > 7 ! < < النساء : ( 83 ) وإذا جاءهم أمر . . . . . > > اعلم أنه تعالى حكى عن المنافقين في هذه الآية نوعا آخر من الأعمال الفاسدة ، وهو أنه إذا جاءهم الخبر بأمر من الأمور سواء كان ذلك الأمر من باب الأمن أو من باب الخوف أذاعوه وأفشوه ، وكان ذلك سبب الضرر من وجوه : الأول : أن مثل هذه الارجافات لا تنفك عن الكذب الكثير . والثاني : أنه إن كان ذلك الخبر في جانب الأمن زادوا فيه زيادات كثيرة ، فاذا لم توجد تلك الزيادات أورث ذلك شبهة للضعفاء في صدق الرسول عليه السلام ، لأن المنافقين كانوا يروون تلك الارجافات عن الرسول ، وإن كان ذلك في جانب الخوف تشوش الأمر بسببه على ضعفاء المسلمين ، ووقعوا عنده في الحيرة والاضطراب ، فكانت تلك الارجافات سببا للفتنة من هذا الوجه . الوجه الثالث : وهو أن الارجاف سبب لتوفير الدواعي على البحث الشديد والاستقصاء التام ، وذلك سبب لظهور الأسرار ، وذلك مما لا يوافق مصلحة المدينة . الرابع : أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين وبين الكفار ، وكان كل واحد من الفريقين في إعداد آلات الحرب وفي انتهاز الفرصة فيه ، فكل ما كان آمنا لأحد الفريقين كان خوفا للفريق الثاني ، فان وقع خبر الأمن للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم أرجف المنافقون بذلك فوصل الخبر في أسرع مدة إلى الكفار ، فأخذوا في التحصن من المسلمين ، وفي الاحتراز عن استيلائهم عليهم ، / وإن وقع خبر الخوف للمسلمين بالغوا في ذلك ، وزادوا فيه وألقوا الرعب في قلوب الضعفة والمساكين ، فظهر من هذا أن ذلك الارجاف كان منشأ للفتن والآفات من كل الوجوه ، ولما كان الأمر كذلك ذم الله تلك الاذاعة وذلك التشهير ، ومنعهم منه . واعلم أن قوله : أذاعه به لغتان . ثم قال تعالى : { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } . وفيه مسائل : المسألة الأولى : في { أولى الامر } قولان : أحدهما : إلى ذوي العلم والرأي منهم . والثاني : إلى أمراء السرايا ، وهؤلاء رجحوا هذا القول على الأول ، قالوا لأن أولي الأمر الذين لهم أمر على الناس ، وأهل العلم ليسوا كذلك ، إنما الأمراء هم الموصوفون بأن لهم أمرا على الناس .
Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الخامسة : قال أبو علي الجبائي : دلت الآية على أن أفعال العباد غير مخلوقة لله تعالى لأن قوله تعالى : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } يقتضي أن فعل العبد لا ينفك عن الاختلاف ، والاختلاف والتفاوت شيء واحد ، فاذا كان فعل العبد لا ينفك عن الاختلاف والتفاوت ، وفعل الله لا يوجد فيه التفاوت لقوله تعالى : { ما ترى فى خلق الرحمان من تفاوت } ( الملك : 3 ) فهذا / يقتضي أن فعل العبد لا يكون فعلا لله . والجواب أن قوله : { ما ترى فى خلق الرحمان من تفاوت } معناه نفي التفاوت في أنه يقع على وفق مشيئته بخلاف غيره ، فان فعل غيره لا يقع على وفق مشيئته على الاطلاق . ! 7 < { وإذا جآءهم أمر من الا من أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الا مر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } . > 7 ! < < النساء : ( 83 ) وإذا جاءهم أمر . . . . . > > اعلم أنه تعالى حكى عن المنافقين في هذه الآية نوعا آخر من الأعمال الفاسدة ، وهو أنه إذا جاءهم الخبر بأمر من الأمور سواء كان ذلك الأمر من باب الأمن أو من باب الخوف أذاعوه وأفشوه ، وكان ذلك سبب الضرر من وجوه : الأول : أن مثل هذه الارجافات لا تنفك عن الكذب الكثير . والثاني : أنه إن كان ذلك الخبر في جانب الأمن زادوا فيه زيادات كثيرة ، فاذا لم توجد تلك الزيادات أورث ذلك شبهة للضعفاء في صدق الرسول عليه السلام ، لأن المنافقين كانوا يروون تلك الارجافات عن الرسول ، وإن كان ذلك في جانب الخوف تشوش الأمر بسببه على ضعفاء المسلمين ، ووقعوا عنده في الحيرة والاضطراب ، فكانت تلك الارجافات سببا للفتنة من هذا الوجه . الوجه الثالث : وهو أن الارجاف سبب لتوفير الدواعي على البحث الشديد والاستقصاء التام ، وذلك سبب لظهور الأسرار ، وذلك مما لا يوافق مصلحة المدينة . الرابع : أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين وبين الكفار ، وكان كل واحد من الفريقين في إعداد آلات الحرب وفي انتهاز الفرصة فيه ، فكل ما كان آمنا لأحد الفريقين كان خوفا للفريق الثاني ، فان وقع خبر الأمن للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم أرجف المنافقون بذلك فوصل الخبر في أسرع مدة إلى الكفار ، فأخذوا في التحصن من المسلمين ، وفي الاحتراز عن استيلائهم عليهم ، / وإن وقع خبر الخوف للمسلمين بالغوا في ذلك ، وزادوا فيه وألقوا الرعب في قلوب الضعفة والمساكين ، فظهر من هذا أن ذلك الارجاف كان منشأ للفتن والآفات من كل الوجوه ، ولما كان الأمر كذلك ذم الله تلك الاذاعة وذلك التشهير ، ومنعهم منه . واعلم أن قوله : أذاعه به لغتان . ثم قال تعالى : { ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } . وفيه مسائل : المسألة الأولى : في { أولى الامر } قولان : أحدهما : إلى ذوي العلم والرأي منهم . والثاني : إلى أمراء السرايا ، وهؤلاء رجحوا هذا القول على الأول ، قالوا لأن أولي الأمر الذين لهم أمر على الناس ، وأهل العلم ليسوا كذلك ، إنما الأمراء هم الموصوفون بأن لهم أمرا على الناس .
Sección V10/P158–V10/P159Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V10/P158–V10/P159)
Orijinal Metin (AR)وأجيب عنه : بأن العلماء اذا كانوا عالمين بأوامر الله ونواهيه ، وكان يجب على غيرهم قبول قولهم لم يبعد أن يسموا أولي الأمر من هذا الوجه ، والذي يدل عليه قوله تعالى : { ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } ( التوبة : 122 ) فأوجب الحذر بانذراهم وألزم المنذرين قبول قولهم ، فجاز لهذا المعنى إطلاق اسم أولي الأمر عليهم . المسألة الثانية : الاستنباط في اللغة الاستخراج ؛ يقال : استنبط الفقيه اذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمه ، وأصله من النبط وهو الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفر ، والنبط إنما سموا نبطا لاستنباطهم الماء من الأرض . المسألة الثالثة : في قوله : { الذين يستنبطونه منهم } قولان : الأول : أنهم هم أولئك المنافقون المذيعون ، والتقدير : ولو أن هؤلاء المنافقين المذيعين ردوا أمر الأمن والخوف إلى الرسول وإلى أولي الأمر ، وطلبوا معرفة الحال فيه من جهتهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم / وهم هؤلاء المنافقون المذيعون منهم ، أي من جانب الرسول ومن جانب أولي الأمر . القول الثاني : أنهم طائفة من أولي الأمر ، والتقدير : ولو أن المنافقين ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لكان علمه حاصلا عند من يستنبط هذه الوقائع من أولي الأمر ، وذلك لأن أولي الأمر فريقان ، بعضهم من يكون مستنبطا ، وبعضهم من لا يكون كذلك ، فقوله : { منهم } يعني لعلمه الذين يستنبطون المخفيات من طوائف أولي الأمر . فان قيل : إذا كان الذين أمرهم الله برد هذه الأخبار إلى الرسول وإلى أولي الأمر هم المنافقون ، فكيف جعل أولي الأمر منهم في قوله : { وإلى أولى الامر منهم } . / قلنا : إنما جعل أولي الأمر منهم على حسب الظاهر ، لأن المنافقين يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون ، ونظيره قوله تعالى : { وإن منكم لمن ليبطئن } وقوله : { ما فعلوه إلا قليل منهم } والله أعلم . المسألة الرابعة : دلت هذه الآية على أن القياس حجة في الشرع ، وذلك لأن قوله : { الذين يستنبطونه منهم } صفة لأولي الأمر ، وقد أوجب الله تعالى على الذين يجيئهم أمر من الأمن أو الخوف أن يرجعوا في معرفته إليهم ، ولا يخلوا إما أن يرجعوا اليهم في معرفة هذه الوقائع مع حصول النص فيها ، أولا مع حصول النص فيها ، والأول باطل ، لأن على هذا التقدير لا يبقى الاستنباط لأن من روى النص في واقعة لا يقال : إنه استنبط الحكم ، فثبت أن الله أمر المكلف برد الواقعة إلى من يستنبط الحكم فيها ، ولولا أن الاستنباط حجة لما أمر المكلف بذلك ، فثبت أن الاستنباط حجة ، والقياس إما استنباط أو داخل فيه ، فوجب أن يكون حجة . إذا ثبت هذا فنقول : الآية دالة على أمور : أحدها : أن في أحكام الحوادث ما لا يعرف بالنص بل بالاستنباط . وثانيها : أن الاستنباط حجة : وثالثها : أن العامي يجب عليه تقليد العلماء في أحكام الحوادث . ورابعها : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مكلفا باستنباط الأحكام لأنه تعالى أمر بالرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر . ثم قال تعالى : { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ولم يخصص أولي الأمر بذلك دون الرسول وذلك يوجب أن الرسول وأولي الأمر كلهم مكلفون بالاستنباط .
Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وأجيب عنه : بأن العلماء اذا كانوا عالمين بأوامر الله ونواهيه ، وكان يجب على غيرهم قبول قولهم لم يبعد أن يسموا أولي الأمر من هذا الوجه ، والذي يدل عليه قوله تعالى : { ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } ( التوبة : 122 ) فأوجب الحذر بانذراهم وألزم المنذرين قبول قولهم ، فجاز لهذا المعنى إطلاق اسم أولي الأمر عليهم . المسألة الثانية : الاستنباط في اللغة الاستخراج ؛ يقال : استنبط الفقيه اذا استخرج الفقه الباطن باجتهاده وفهمه ، وأصله من النبط وهو الماء الذي يخرج من البئر أول ما تحفر ، والنبط إنما سموا نبطا لاستنباطهم الماء من الأرض . المسألة الثالثة : في قوله : { الذين يستنبطونه منهم } قولان : الأول : أنهم هم أولئك المنافقون المذيعون ، والتقدير : ولو أن هؤلاء المنافقين المذيعين ردوا أمر الأمن والخوف إلى الرسول وإلى أولي الأمر ، وطلبوا معرفة الحال فيه من جهتهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم / وهم هؤلاء المنافقون المذيعون منهم ، أي من جانب الرسول ومن جانب أولي الأمر . القول الثاني : أنهم طائفة من أولي الأمر ، والتقدير : ولو أن المنافقين ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر لكان علمه حاصلا عند من يستنبط هذه الوقائع من أولي الأمر ، وذلك لأن أولي الأمر فريقان ، بعضهم من يكون مستنبطا ، وبعضهم من لا يكون كذلك ، فقوله : { منهم } يعني لعلمه الذين يستنبطون المخفيات من طوائف أولي الأمر . فان قيل : إذا كان الذين أمرهم الله برد هذه الأخبار إلى الرسول وإلى أولي الأمر هم المنافقون ، فكيف جعل أولي الأمر منهم في قوله : { وإلى أولى الامر منهم } . / قلنا : إنما جعل أولي الأمر منهم على حسب الظاهر ، لأن المنافقين يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون ، ونظيره قوله تعالى : { وإن منكم لمن ليبطئن } وقوله : { ما فعلوه إلا قليل منهم } والله أعلم . المسألة الرابعة : دلت هذه الآية على أن القياس حجة في الشرع ، وذلك لأن قوله : { الذين يستنبطونه منهم } صفة لأولي الأمر ، وقد أوجب الله تعالى على الذين يجيئهم أمر من الأمن أو الخوف أن يرجعوا في معرفته إليهم ، ولا يخلوا إما أن يرجعوا اليهم في معرفة هذه الوقائع مع حصول النص فيها ، أولا مع حصول النص فيها ، والأول باطل ، لأن على هذا التقدير لا يبقى الاستنباط لأن من روى النص في واقعة لا يقال : إنه استنبط الحكم ، فثبت أن الله أمر المكلف برد الواقعة إلى من يستنبط الحكم فيها ، ولولا أن الاستنباط حجة لما أمر المكلف بذلك ، فثبت أن الاستنباط حجة ، والقياس إما استنباط أو داخل فيه ، فوجب أن يكون حجة . إذا ثبت هذا فنقول : الآية دالة على أمور : أحدها : أن في أحكام الحوادث ما لا يعرف بالنص بل بالاستنباط . وثانيها : أن الاستنباط حجة : وثالثها : أن العامي يجب عليه تقليد العلماء في أحكام الحوادث . ورابعها : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مكلفا باستنباط الأحكام لأنه تعالى أمر بالرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر . ثم قال تعالى : { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } ولم يخصص أولي الأمر بذلك دون الرسول وذلك يوجب أن الرسول وأولي الأمر كلهم مكلفون بالاستنباط .
Sección V10/P159Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V10/P159)
Orijinal Metin (AR)فان قيل : لا نسلم أن المراد بقوله : { الذين يستنبطونه منهم } هم أولوا الأمر ، بل المراد منهم المنافقون المذيعون على ما رويتم هذا القول في تفسير الآية ، سلمنا أن المراد بالذين يستنبطونه منهم أولو الأمر لكن هذه الآية إنما نزلت في شأن الوقائع المتعلقة بالحروب والجهاد ، فهب أن الرجوع إلى الاستنباط جائز فيها ، فلم قلتم إنه يلزم جوازه في الوقائع الشرعية ؟ فان قيس أحد البابين على الآخر كان ذلك إثباتا للقياس الشرعي بالقياس الشرعي وإنه لا يجوز ، سلمنا أن الاستنباط في الأحكام الشرعية داخل تحت الآية . فلم قلتم : إنه يلزم أيكون القياس حجة ؟ بيانه أنه يمكن أن يكون المراد من الاستنباط استخراج الأحكام من النصوص الخفية أو من تركيبات النصوص ، أو المراد من استخراج الأحكام من البراءة الاصلية ، أو مما ثبت بحكم العقل كما يقول الاكثرون : ان الاصل في المنافع الاباحة ، وفي المضار الحرمة ، سلمنا أن القياس من الشرعي داخل في الآية ، لكن بشرط أن يكون ذلك القياس مفيدا للعلم بدليل قوله تعالى : { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } فاخبر تعالى في هذه الآية أنه يحصل العلم / من هذا الاستنباط ، ولا نزاع في مثل هذا القياس ، انما النزاع في أن القياس الذي يفيد الظن هل هو حجة في الشرع أم لا ؟ والجواب : أما في السؤال الأول : فمدفوع لانه لو كان المراد بالذين يستنبطونه المنافقين لكان الأولى أن يقال : ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلموه ، لأن عطف المظهر على المضمر ، وهو قوله : { ولو ردوه } قبيح مستكره . وأما السؤال الثاني : فمدفوع لوجهين : الأول : أن قوله : { وإذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف } النساء : 83 ) عام في كل ما يتعلق بالحروب وفيما يتعلق بسائر الوقائع الشرعية ، لأن الامن والخوف حاصل في كل ما يتعلق بباب التكليف ، فثبت انه ليس في الآية ما يوجب تخصيصها بأمر الحروب . الثاني : هب أن الامر كما ذكرتم لكن تعرف أحكام الحروب بالقياس الشرعي ، ولما ثبت جوازه وجب أن يجوز التمسك بالقياس الشرعي في سائر الوقائع لأنه لا قائل بالفرق ، ألا ترى أن من قال : القياس حجة في باب البيع لا في باب النكاح لم يلتفت اليه ، فكذا ههنا . وأما السؤال الثالث : وهو حمل الاستنباط على النصوص الخفية أو على تركيبات النصوص فجوابه : أن كل ذلك لا يخرج عن كونه منصوصا ، والتمسك بالنص لا يسمى استنباطا . قوله : لم لا يجوز حمله على التمسك بالبراءة الاصلية ؟ قلنا ليس هذا استنباطا بل هو إبقاء لما كان على ما كان ، ومثل هذا لا يسمى استنباطا ألبتة . وأما السؤال الرابع : وهو قوله ان هذا الاستنباط إنما يجوز عند حصول العلم ، والقياس الشرعي لا يفيد العلم .
Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)فان قيل : لا نسلم أن المراد بقوله : { الذين يستنبطونه منهم } هم أولوا الأمر ، بل المراد منهم المنافقون المذيعون على ما رويتم هذا القول في تفسير الآية ، سلمنا أن المراد بالذين يستنبطونه منهم أولو الأمر لكن هذه الآية إنما نزلت في شأن الوقائع المتعلقة بالحروب والجهاد ، فهب أن الرجوع إلى الاستنباط جائز فيها ، فلم قلتم إنه يلزم جوازه في الوقائع الشرعية ؟ فان قيس أحد البابين على الآخر كان ذلك إثباتا للقياس الشرعي بالقياس الشرعي وإنه لا يجوز ، سلمنا أن الاستنباط في الأحكام الشرعية داخل تحت الآية . فلم قلتم : إنه يلزم أيكون القياس حجة ؟ بيانه أنه يمكن أن يكون المراد من الاستنباط استخراج الأحكام من النصوص الخفية أو من تركيبات النصوص ، أو المراد من استخراج الأحكام من البراءة الاصلية ، أو مما ثبت بحكم العقل كما يقول الاكثرون : ان الاصل في المنافع الاباحة ، وفي المضار الحرمة ، سلمنا أن القياس من الشرعي داخل في الآية ، لكن بشرط أن يكون ذلك القياس مفيدا للعلم بدليل قوله تعالى : { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } فاخبر تعالى في هذه الآية أنه يحصل العلم / من هذا الاستنباط ، ولا نزاع في مثل هذا القياس ، انما النزاع في أن القياس الذي يفيد الظن هل هو حجة في الشرع أم لا ؟ والجواب : أما في السؤال الأول : فمدفوع لانه لو كان المراد بالذين يستنبطونه المنافقين لكان الأولى أن يقال : ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلموه ، لأن عطف المظهر على المضمر ، وهو قوله : { ولو ردوه } قبيح مستكره . وأما السؤال الثاني : فمدفوع لوجهين : الأول : أن قوله : { وإذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف } النساء : 83 ) عام في كل ما يتعلق بالحروب وفيما يتعلق بسائر الوقائع الشرعية ، لأن الامن والخوف حاصل في كل ما يتعلق بباب التكليف ، فثبت انه ليس في الآية ما يوجب تخصيصها بأمر الحروب . الثاني : هب أن الامر كما ذكرتم لكن تعرف أحكام الحروب بالقياس الشرعي ، ولما ثبت جوازه وجب أن يجوز التمسك بالقياس الشرعي في سائر الوقائع لأنه لا قائل بالفرق ، ألا ترى أن من قال : القياس حجة في باب البيع لا في باب النكاح لم يلتفت اليه ، فكذا ههنا . وأما السؤال الثالث : وهو حمل الاستنباط على النصوص الخفية أو على تركيبات النصوص فجوابه : أن كل ذلك لا يخرج عن كونه منصوصا ، والتمسك بالنص لا يسمى استنباطا . قوله : لم لا يجوز حمله على التمسك بالبراءة الاصلية ؟ قلنا ليس هذا استنباطا بل هو إبقاء لما كان على ما كان ، ومثل هذا لا يسمى استنباطا ألبتة . وأما السؤال الرابع : وهو قوله ان هذا الاستنباط إنما يجوز عند حصول العلم ، والقياس الشرعي لا يفيد العلم .
Sección V10/P159–V10/P160Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V10/P159–V10/P160)
Orijinal Metin (AR)قلنا : الجواب عنه من وجهين : الأول : ان القياس الشرعي عندنا يفيد العلم ، وذلك لان بعد ثبوت أن القياس حجة نقطع بانه مهما غلب على الظن أن حكم الله في الاصل معلل بكذا ، ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في الفرع ، فههنا يحصل ظن أن حكم الله في الفرع مساو لحكمه في الاصل ، وعند هذا الظن نقطع بأنه مكلف بأن يعمل على وفق هذا الظن ، فالحاصل أن الظن واقع في طريق الحكم ، وأما الحكم فمقطوع به ، وهو يجري مجرى ما إذا قال الله : مهما غلب على ظنك كذا فاعلم ان في الواقعة الفلانية حكمي كذا فاذا حصل الظن قطعنا بثبوت ذلك الحكم . والثاني : وهو ان العلم قد يطلق ويراد به الظن ، قال عليه الصلاة والسلام : ( إذا علمت مثل الشمس فاشهد ) شرط العلم في جواز الشهادة ، وأجمعنا على أن عند الظن تجوز الشهادة ، فثبت أن الظن قد يسمى بالعلم والله أعلم . / ثم قال تعالى : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : ان ظاهر هذا الاستنثاء يوهم أن ذلك القليل وقع لا بفضل الله ولا برحمته ومعلوم ان ذلك محال . فعند هذا اختلف المفسرون وذكروا وجوها ، قال بعضهم : هذا الاستثناء راجع إلى قوله : { أذاعوا } وقال قوم : راجع إلى قوله : { لعلمه الذين يستنبطونه } وقال آخرون : إنه راجع إلى قوله : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } . واعلم أن الوجوه لا يمكن أن تزيد على هذه الثلاثة لأن الآية متضمنة للاخبار عن هذه الأحكام الثلاثة ، ويصح صرف الاستثناء إلى كل واحد منها ، فثبت أن كل واحد من هذه الأقوال محتمل . أما القول الأول : فالتقدير : وإذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلا ، فأخرج تعالى بعض المنافقين عن هذه الاذاعة كما أخرجهم في قوله : { بيت طائفة منهم غير الذى تقول النساء } . والقول الثاني : الاستنثاء عائد إلى قوله : { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } يعني لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا القليل : قال الفراء والمبرد : القول الأول أولى لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه ، والأكثر يجهله ، وصرف الاستثناء إلى ما ذكره يقتضي ضد ذلك . قال الزجاج : هذا غلط لأنه ليس المراد من هذا الاستثناء شيئا يستخرجه بنظر دقيق وفكر غامض / إنما هو استنباط خبر ، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه ، إنما البالغ في البلادة والجهالة هو الذي لا يعرفه ويمكن أن يقال : كلام الزجاج إنما يصح لو حملنا الاستنباط على مجرد تعرف الاخبار والاراجيف ، أما إذا حملناه على الاستنباط في جميع الأحكام كما صححنا ذلك بالدليل كان الحق كما ذكره الفراء والمبرد . القول الثالث : انه متعلق بقوله : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } ومعلوم أن صرف الاستثناء إلى ما يليه ويتصل به أولى من صرفه إلى الشيء البعيد عنه . واعلم أن هذا القول لا يتمشى الا إذا فسرنا الفضل والرحمة بشيء خاص ، وفيه وجهان : الأول : وهو قول جماعة من المفسرين ، أن المراد بفضل الله وبرحمته في هذه الآية إنزال القرآن وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم ، والتقدير : ولولا بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان وكفرتم بالله الا قليلا منكم ، فان ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وعدم إنزال القرآن ما كان يتبع الشيطان ، وما كان يكفر بالله ، وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل ، وزيد بن عمرو بن نفيل ، وهم الذين كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم .
Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)قلنا : الجواب عنه من وجهين : الأول : ان القياس الشرعي عندنا يفيد العلم ، وذلك لان بعد ثبوت أن القياس حجة نقطع بانه مهما غلب على الظن أن حكم الله في الاصل معلل بكذا ، ثم غلب على الظن أن ذلك المعنى قائم في الفرع ، فههنا يحصل ظن أن حكم الله في الفرع مساو لحكمه في الاصل ، وعند هذا الظن نقطع بأنه مكلف بأن يعمل على وفق هذا الظن ، فالحاصل أن الظن واقع في طريق الحكم ، وأما الحكم فمقطوع به ، وهو يجري مجرى ما إذا قال الله : مهما غلب على ظنك كذا فاعلم ان في الواقعة الفلانية حكمي كذا فاذا حصل الظن قطعنا بثبوت ذلك الحكم . والثاني : وهو ان العلم قد يطلق ويراد به الظن ، قال عليه الصلاة والسلام : ( إذا علمت مثل الشمس فاشهد ) شرط العلم في جواز الشهادة ، وأجمعنا على أن عند الظن تجوز الشهادة ، فثبت أن الظن قد يسمى بالعلم والله أعلم . / ثم قال تعالى : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : ان ظاهر هذا الاستنثاء يوهم أن ذلك القليل وقع لا بفضل الله ولا برحمته ومعلوم ان ذلك محال . فعند هذا اختلف المفسرون وذكروا وجوها ، قال بعضهم : هذا الاستثناء راجع إلى قوله : { أذاعوا } وقال قوم : راجع إلى قوله : { لعلمه الذين يستنبطونه } وقال آخرون : إنه راجع إلى قوله : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } . واعلم أن الوجوه لا يمكن أن تزيد على هذه الثلاثة لأن الآية متضمنة للاخبار عن هذه الأحكام الثلاثة ، ويصح صرف الاستثناء إلى كل واحد منها ، فثبت أن كل واحد من هذه الأقوال محتمل . أما القول الأول : فالتقدير : وإذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلا ، فأخرج تعالى بعض المنافقين عن هذه الاذاعة كما أخرجهم في قوله : { بيت طائفة منهم غير الذى تقول النساء } . والقول الثاني : الاستنثاء عائد إلى قوله : { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } يعني لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا القليل : قال الفراء والمبرد : القول الأول أولى لأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه ، والأكثر يجهله ، وصرف الاستثناء إلى ما ذكره يقتضي ضد ذلك . قال الزجاج : هذا غلط لأنه ليس المراد من هذا الاستثناء شيئا يستخرجه بنظر دقيق وفكر غامض / إنما هو استنباط خبر ، وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه ، إنما البالغ في البلادة والجهالة هو الذي لا يعرفه ويمكن أن يقال : كلام الزجاج إنما يصح لو حملنا الاستنباط على مجرد تعرف الاخبار والاراجيف ، أما إذا حملناه على الاستنباط في جميع الأحكام كما صححنا ذلك بالدليل كان الحق كما ذكره الفراء والمبرد . القول الثالث : انه متعلق بقوله : { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } ومعلوم أن صرف الاستثناء إلى ما يليه ويتصل به أولى من صرفه إلى الشيء البعيد عنه . واعلم أن هذا القول لا يتمشى الا إذا فسرنا الفضل والرحمة بشيء خاص ، وفيه وجهان : الأول : وهو قول جماعة من المفسرين ، أن المراد بفضل الله وبرحمته في هذه الآية إنزال القرآن وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم ، والتقدير : ولولا بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن لاتبعتم الشيطان وكفرتم بالله الا قليلا منكم ، فان ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وعدم إنزال القرآن ما كان يتبع الشيطان ، وما كان يكفر بالله ، وهم مثل قس بن ساعدة وورقة بن نوفل ، وزيد بن عمرو بن نفيل ، وهم الذين كانوا مؤمنين بالله قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم .
Sección V10/P160–V10/P162Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V10/P160–V10/P162)
Orijinal Metin (AR)/ الوجه الثاني : ما ذكره أبو مسلم ، وهو أن المراد بفضل الله وبرحمته في هذه الآية هو نصرته تعالى ومعونته اللذان عناهما المنافقون بقولهم : { فأفوز فوزا عظيما } ( النساء : 73 ) فبين تعالى أنه لولا حصول النصر والظفر على سبيل التتابع لاتبعتم الشيطان وتركتم الدين الا اقليل منكم ، وهم أهل البصائر الناقدة والنيات القوية والعزائم المتمكنة من أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كونه حقا حصول الدولة في الدنيا ، فلأجل تواتر الفتح والظفر يدل على كونه حقا ، ولأجل تواتر الانهزام والانكسار يدل على كونه باطلا ، بل الامر في كونه حقا وباطلا على الدليل ، وهذا أصح الوجوه وأقربها إلى التحقيق . المسألة الثانية : دلت الآية على أن الذين اتبعوا الشيطان فقد منعهم الله فضله ورحمته ، والا ما كان يتبع ، وهذا يدل على فساد قول المعتزلة في أنه يجب على الله رعاية الاصلح في الدين . أجاب الكعبي عنه بأن فضل الله ورحمته عامان في حق الكل ، لكن المؤمنين انتفعوا به ، والكافرين لم ينتفعوا به ، فصح على سبيل المجاز أنه لم يحصل للكافر من الله فضل ورحمة في الدين . والجواب : أن حمل اللفظ على المجاز خلاف الاصل . ! 7 < { فقاتل فى سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا } . > 7 ! < < النساء : ( 84 ) فقاتل في سبيل . . . . . > > اعلم انه تعالى لما أمر بالجهاد ورغب فيه أشد الترغيب في الآيات المتقدمة ، وذكر في المنافقين قلة رغبتهم في الجهاد ، بل ذكر عنهم شدة سعيهم في تثبيط المسلمين عن الجهاد ، عاد في هذه الآية إلى الامر بالجهاد فقال : { فقاتل فى سبيل الله } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : الفاء في قوله : { فقاتل } بماذا تتعلق ؟ فيه وجوه : الأول : أنها جواب لقوله : { ومن يقاتل فى سبيل الله فيقتل } ( النساء : 74 ) من طريق المعنى لأنه يدل على معنى ان أردت الفوز فقاتل الثاني : أن يكون متصلا بقوله : { وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله } ( النساء : 75 ) { فقاتل فى سبيل الله } ( النساء : 84 ) والثالث : أن يكون متصلا بمعنى ما ذكر من قصص المنافقين ، والمعنى أن من أخلاق هؤلاء المنافقين كذا وكذا ، فلا تعتد بهم ولا تلتفت إلى أفعالهم ، بل قاتل . / المسألة الثانية : دلت الآية على أن الله تعالى أمره بالجهاد ولو وحده قبل دعاء الناس في بدر الصغرى إلى الخروج ، وكان أبو سفيان واعد الرسول صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها ، فكره بعض الناس أن يخرجوا ، فنزلت هذه الآية ، فخرج وما معه الا سبعون رجلا ولم يلتفت إلى أحد ، ولو لم يتبعوه لخرج وحده . المسألة الثالثة : دلت الآية على أنه صلى الله عليه وسلم كان أشجع الخلق وأعرفهم بكيفية القتال لأنه تعالى ما كان يأمره بذلك إلا وهو صلى الله عليه وسلم موصوف بهذه الصفات ، ولقد اقتدى به أبو بكر رضي الله عنه حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة ، ومن علم ان الأمر كله بيد الله وأنه لا يحصل أمر من الأمور إلا بقضاء الله سهل ذلك عليه . ثم قال تعالى : { لا تكلف إلا نفسك } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { لا تكلف } بالجزم على النهي . و { لا نكلف } بالنون وكسر اللام ، أي لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها .
Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)/ الوجه الثاني : ما ذكره أبو مسلم ، وهو أن المراد بفضل الله وبرحمته في هذه الآية هو نصرته تعالى ومعونته اللذان عناهما المنافقون بقولهم : { فأفوز فوزا عظيما } ( النساء : 73 ) فبين تعالى أنه لولا حصول النصر والظفر على سبيل التتابع لاتبعتم الشيطان وتركتم الدين الا اقليل منكم ، وهم أهل البصائر الناقدة والنيات القوية والعزائم المتمكنة من أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كونه حقا حصول الدولة في الدنيا ، فلأجل تواتر الفتح والظفر يدل على كونه حقا ، ولأجل تواتر الانهزام والانكسار يدل على كونه باطلا ، بل الامر في كونه حقا وباطلا على الدليل ، وهذا أصح الوجوه وأقربها إلى التحقيق . المسألة الثانية : دلت الآية على أن الذين اتبعوا الشيطان فقد منعهم الله فضله ورحمته ، والا ما كان يتبع ، وهذا يدل على فساد قول المعتزلة في أنه يجب على الله رعاية الاصلح في الدين . أجاب الكعبي عنه بأن فضل الله ورحمته عامان في حق الكل ، لكن المؤمنين انتفعوا به ، والكافرين لم ينتفعوا به ، فصح على سبيل المجاز أنه لم يحصل للكافر من الله فضل ورحمة في الدين . والجواب : أن حمل اللفظ على المجاز خلاف الاصل . ! 7 < { فقاتل فى سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا } . > 7 ! < < النساء : ( 84 ) فقاتل في سبيل . . . . . > > اعلم انه تعالى لما أمر بالجهاد ورغب فيه أشد الترغيب في الآيات المتقدمة ، وذكر في المنافقين قلة رغبتهم في الجهاد ، بل ذكر عنهم شدة سعيهم في تثبيط المسلمين عن الجهاد ، عاد في هذه الآية إلى الامر بالجهاد فقال : { فقاتل فى سبيل الله } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : الفاء في قوله : { فقاتل } بماذا تتعلق ؟ فيه وجوه : الأول : أنها جواب لقوله : { ومن يقاتل فى سبيل الله فيقتل } ( النساء : 74 ) من طريق المعنى لأنه يدل على معنى ان أردت الفوز فقاتل الثاني : أن يكون متصلا بقوله : { وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله } ( النساء : 75 ) { فقاتل فى سبيل الله } ( النساء : 84 ) والثالث : أن يكون متصلا بمعنى ما ذكر من قصص المنافقين ، والمعنى أن من أخلاق هؤلاء المنافقين كذا وكذا ، فلا تعتد بهم ولا تلتفت إلى أفعالهم ، بل قاتل . / المسألة الثانية : دلت الآية على أن الله تعالى أمره بالجهاد ولو وحده قبل دعاء الناس في بدر الصغرى إلى الخروج ، وكان أبو سفيان واعد الرسول صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها ، فكره بعض الناس أن يخرجوا ، فنزلت هذه الآية ، فخرج وما معه الا سبعون رجلا ولم يلتفت إلى أحد ، ولو لم يتبعوه لخرج وحده . المسألة الثالثة : دلت الآية على أنه صلى الله عليه وسلم كان أشجع الخلق وأعرفهم بكيفية القتال لأنه تعالى ما كان يأمره بذلك إلا وهو صلى الله عليه وسلم موصوف بهذه الصفات ، ولقد اقتدى به أبو بكر رضي الله عنه حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة ، ومن علم ان الأمر كله بيد الله وأنه لا يحصل أمر من الأمور إلا بقضاء الله سهل ذلك عليه . ثم قال تعالى : { لا تكلف إلا نفسك } وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب ( الكشاف ) : قرىء { لا تكلف } بالجزم على النهي . و { لا نكلف } بالنون وكسر اللام ، أي لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها .
Sección V10/P162–V10/P163Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V10/P162–V10/P163)
Orijinal Metin (AR)المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه الله . انتصاب قوله : { نفسك } على مفعول ما لم يسم فاعله . المسألة الثالثة : دلت الآية على أنه لو لم يساعده على القتال غيره لم يجز له التخلف عن الجهاد البتة ، والمعنى لا تؤاخذ إلا بفعلك دون فعل غيرك ، فاذا أديت فعلك لا تكلف بفرض غيرك . واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول عليه السلام من فروض الكفايات ، فما لم يغلب على الظن أنه يفيد لم يجب ، بخلاف الرسول عليه الصلاة والسلام فانه على ثقة من النصر والظفر بدليل قوله تعالى : { والله يعصمك من الناس } ( المائدة : 67 ) وبدليل قوله ههنا : { عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا } و ( عسى ) من الله جزم ، فلزمه الجهاد وان كان وحده . ثم قال تعالى : { وحرض المؤمنين } والمعنى ان الواجب على الرسول عليه الصلاة والسلام إنما هو الجهاد وتحريض الناس في الجهاد ، فان أتى بهذين الأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركا للجهاد شيء . ثم قال : { عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : عسى : حرف من حروف المقاربة وفيه ترج وطمع ، وذلك على الله تعالى محال . والجواب عنه ان ( عسى ) معناها الاطماع ، وليس في الاطماع أنه شك أو يقين ، وقال بعضهم : إطماع الكريم إيجاب . / المسألة الثانية : الكف المنع ، والبأس أصله المكروه ، يقال ما عليك من هذا الأمر بأس أي مكروه ، ويقال بئس الشيء هذا إذا وصف بالرداءة ، وقوله : { بعذاب بئيس } ( الأعراف : 165 ) أي مكروه ، ويقال بئس الشيء هذا إذا وصف بالرداءة ، وقوله : { بعذاب بئيس } أي مكروه ، والعذاب قد يسمى بأسا لكونه مكروها ، قال تعالى : { فمن ينصرنا من بأس الله } ( غافر : 9 ) { فلما أحسوا بأسنا فلما رأوا بأسنا } ( الأنبياء : 12 ) قال المفسرون : عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ، وقد كف بأسهم ، فقد بدا لأبي سفيان وقال هذا عام مجدب وما كان معهم زاد إلا السويق ، فترك الذهاب إلى محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم قال تعالى : { والله أشد بأسا وأشد تنكيلا } يقال : نكلت فلانا إذا عاقبته عقوبة تنكل غيره عن ارتكاب مثله ، من قولهم : نكل الرجل عن الشيء إذا جبن عنه وامتنع منه ، قال تعالى : { فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها } ( البقرة : 66 ) وقال في السرقة : { بما كسبا نكالا من الله } ( المائدة : 38 ) ويقال : نكل فلان عن اليمين إذا خافه ولم يقدم عليه : إذا عرفت هذا فنقول : الآية دالة على أن عذاب الله وتنكيله أشد من عذاب غيره ومن تنكيله ، وأقبل الوجوه في بيان هذا التفاوت أن عذاب غير الله لا يكون دائما ، وعذاب الله دائم في الآخرة ، وعذاب غير الله قد يخلص الله منه ، وعذاب الله لا يقدر أحد على التخلص منه ، وأيضا عذاب غير الله لا يكون إلا من وجه واحد ، وعذاب الله قد يصل إلى جميع الأجزاء والابعاض والروح والبدن . ! 7 < { من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شىء مقيتا } . > 7 ! < < النساء : ( 85 ) من يشفع شفاعة . . . . . > > وفي الآية مسائل :
Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه الله . انتصاب قوله : { نفسك } على مفعول ما لم يسم فاعله . المسألة الثالثة : دلت الآية على أنه لو لم يساعده على القتال غيره لم يجز له التخلف عن الجهاد البتة ، والمعنى لا تؤاخذ إلا بفعلك دون فعل غيرك ، فاذا أديت فعلك لا تكلف بفرض غيرك . واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول عليه السلام من فروض الكفايات ، فما لم يغلب على الظن أنه يفيد لم يجب ، بخلاف الرسول عليه الصلاة والسلام فانه على ثقة من النصر والظفر بدليل قوله تعالى : { والله يعصمك من الناس } ( المائدة : 67 ) وبدليل قوله ههنا : { عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا } و ( عسى ) من الله جزم ، فلزمه الجهاد وان كان وحده . ثم قال تعالى : { وحرض المؤمنين } والمعنى ان الواجب على الرسول عليه الصلاة والسلام إنما هو الجهاد وتحريض الناس في الجهاد ، فان أتى بهذين الأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركا للجهاد شيء . ثم قال : { عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : عسى : حرف من حروف المقاربة وفيه ترج وطمع ، وذلك على الله تعالى محال . والجواب عنه ان ( عسى ) معناها الاطماع ، وليس في الاطماع أنه شك أو يقين ، وقال بعضهم : إطماع الكريم إيجاب . / المسألة الثانية : الكف المنع ، والبأس أصله المكروه ، يقال ما عليك من هذا الأمر بأس أي مكروه ، ويقال بئس الشيء هذا إذا وصف بالرداءة ، وقوله : { بعذاب بئيس } ( الأعراف : 165 ) أي مكروه ، ويقال بئس الشيء هذا إذا وصف بالرداءة ، وقوله : { بعذاب بئيس } أي مكروه ، والعذاب قد يسمى بأسا لكونه مكروها ، قال تعالى : { فمن ينصرنا من بأس الله } ( غافر : 9 ) { فلما أحسوا بأسنا فلما رأوا بأسنا } ( الأنبياء : 12 ) قال المفسرون : عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ، وقد كف بأسهم ، فقد بدا لأبي سفيان وقال هذا عام مجدب وما كان معهم زاد إلا السويق ، فترك الذهاب إلى محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم قال تعالى : { والله أشد بأسا وأشد تنكيلا } يقال : نكلت فلانا إذا عاقبته عقوبة تنكل غيره عن ارتكاب مثله ، من قولهم : نكل الرجل عن الشيء إذا جبن عنه وامتنع منه ، قال تعالى : { فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها } ( البقرة : 66 ) وقال في السرقة : { بما كسبا نكالا من الله } ( المائدة : 38 ) ويقال : نكل فلان عن اليمين إذا خافه ولم يقدم عليه : إذا عرفت هذا فنقول : الآية دالة على أن عذاب الله وتنكيله أشد من عذاب غيره ومن تنكيله ، وأقبل الوجوه في بيان هذا التفاوت أن عذاب غير الله لا يكون دائما ، وعذاب الله دائم في الآخرة ، وعذاب غير الله قد يخلص الله منه ، وعذاب الله لا يقدر أحد على التخلص منه ، وأيضا عذاب غير الله لا يكون إلا من وجه واحد ، وعذاب الله قد يصل إلى جميع الأجزاء والابعاض والروح والبدن . ! 7 < { من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شىء مقيتا } . > 7 ! < < النساء : ( 85 ) من يشفع شفاعة . . . . . > > وفي الآية مسائل :
Sección V10/P163Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V10/P163)
Orijinal Metin (AR)المسألة الأولى : اعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوها : الأول : أن الله تعالى أمر الرسول عليه السلام بأن يحرض الأمة على الجهاد ، والجهاد من الأعمال الحسنة والطاعات الشريفة ، فكان تحريض النبي عليه الصلاة والسلام للأمة على الجهاد تحريضا منه لهم على الفعل الحسن والطاعة الحسنة ، فبين تعالى في هذه الآية أن من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ، والغرض / منه بيان أنه عليه الصلاة والسلام لما حرضهم على الجهاد فقد استحق بذلك التحريض أجرا عظيما . الثاني : أنه تعالى لما أمره بتحريضهم على الجهاد ذكر أنهم لو لم يقبلوا أمره لم يرجع إليه من عصيانهم وتمردهم عيب ، ثم بين في هذه الآية أنهم لما أطاعوا وقبلوا التكليف رجع إليهم من طاعتهم خير كثير ، فكأنه تعالى قال للرسول عليه الصلاة والسلام : حرضهم على الجهاد ، فان لم يقبلوا قولك لم يكن من عصيانهم عتاب لك ، وإن أطاعوك حصل لك من طاعتهم أعظم الثواب ، فكان هذا ترغيبا من الله لرسوله في أن يجتهد في تحريض الأمة على الجهاد ، والسبب في أنه عليه الصلاة والسلام كان يرجع اليه عند طاعتهم أجر عظيم ، وما كان يرجع اليه من معصيتهم شيء من الوزر ، هو أنه عليه السلام بذل الجهد في ترغيبهم في الطاعة وما رغبهم ألبتة في المعصية ، فلا جرم يرجع اليه من طاعتهم أجر ولا يرجع اليه من معصيتهم وزر . الثالث : يجوز أن يقال : إنه عليه الصلاة والسلام لما كان يرغبهم في القتال ويبالغ في تحريضهم عليه ، فكان بعض المنافقين يشفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أن يأذن لبعضهم في التخلف عن الغزو ، فنهى الله عن مثل هذه الشفاعة وبين أن الشفاعة إنما تحسن اذا كانت وسيلة إلى إقامة طاعة الله ، فأما اذا كانت وسيلة إلى معصيته كانت محرمة منكرة . الرابع : يجوز أن يكون بعض المؤمنين راغبا في الجهاد ، إلا أنه لم يجد أهبة الجهاد ، فصار غيره من المؤمنين شفيعا له إلى مؤمن آخر ليعينه على الجهاد ، فكانت هذه الشفاعة سعيا في إقامة الطاعة ، فرغب الله تعالى في مثل هذه الشفاعة ، وعلى جميع الوجوه فالآية حسنة الاتصال بما قبلها . المسألة الثانية : الشفاعة مأخوذة من الشفع ، وهو أن يصير الانسان نفسه شفعا لصاحب الحاجة حتى يجتمع معه على المسألة فيها .
Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الأولى : اعلم أن في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوها : الأول : أن الله تعالى أمر الرسول عليه السلام بأن يحرض الأمة على الجهاد ، والجهاد من الأعمال الحسنة والطاعات الشريفة ، فكان تحريض النبي عليه الصلاة والسلام للأمة على الجهاد تحريضا منه لهم على الفعل الحسن والطاعة الحسنة ، فبين تعالى في هذه الآية أن من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ، والغرض / منه بيان أنه عليه الصلاة والسلام لما حرضهم على الجهاد فقد استحق بذلك التحريض أجرا عظيما . الثاني : أنه تعالى لما أمره بتحريضهم على الجهاد ذكر أنهم لو لم يقبلوا أمره لم يرجع إليه من عصيانهم وتمردهم عيب ، ثم بين في هذه الآية أنهم لما أطاعوا وقبلوا التكليف رجع إليهم من طاعتهم خير كثير ، فكأنه تعالى قال للرسول عليه الصلاة والسلام : حرضهم على الجهاد ، فان لم يقبلوا قولك لم يكن من عصيانهم عتاب لك ، وإن أطاعوك حصل لك من طاعتهم أعظم الثواب ، فكان هذا ترغيبا من الله لرسوله في أن يجتهد في تحريض الأمة على الجهاد ، والسبب في أنه عليه الصلاة والسلام كان يرجع اليه عند طاعتهم أجر عظيم ، وما كان يرجع اليه من معصيتهم شيء من الوزر ، هو أنه عليه السلام بذل الجهد في ترغيبهم في الطاعة وما رغبهم ألبتة في المعصية ، فلا جرم يرجع اليه من طاعتهم أجر ولا يرجع اليه من معصيتهم وزر . الثالث : يجوز أن يقال : إنه عليه الصلاة والسلام لما كان يرغبهم في القتال ويبالغ في تحريضهم عليه ، فكان بعض المنافقين يشفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أن يأذن لبعضهم في التخلف عن الغزو ، فنهى الله عن مثل هذه الشفاعة وبين أن الشفاعة إنما تحسن اذا كانت وسيلة إلى إقامة طاعة الله ، فأما اذا كانت وسيلة إلى معصيته كانت محرمة منكرة . الرابع : يجوز أن يكون بعض المؤمنين راغبا في الجهاد ، إلا أنه لم يجد أهبة الجهاد ، فصار غيره من المؤمنين شفيعا له إلى مؤمن آخر ليعينه على الجهاد ، فكانت هذه الشفاعة سعيا في إقامة الطاعة ، فرغب الله تعالى في مثل هذه الشفاعة ، وعلى جميع الوجوه فالآية حسنة الاتصال بما قبلها . المسألة الثانية : الشفاعة مأخوذة من الشفع ، وهو أن يصير الانسان نفسه شفعا لصاحب الحاجة حتى يجتمع معه على المسألة فيها .