Sección V13/P004–V13/P005Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P004–V13/P005)
Orijinal Metin (AR)المسألة الرابعة : من الناس من قال : إنه تعالى لما أمر الرسول بأن يقول لهم : { سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة } كان هذا من قول الله تعالى ومن كلامه ، فهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى قال لهم في الدنيا : { سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة } وتحقيق هذا الكلام أنه تعالى وعد أقواما بأنه يقول لهم بعد الموت { سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) ثم إن أقواما أفنوا أعمارهم في العبودية حتى صاروا في حياتهم الدنيوية كأنهم انتقلوا إلى عالم القيامة ، لا جرم صار التسليم الموعود به بعد الموت في حق هؤلاء حال كونهم في الدنيا ، ومنهم من قال : لا ، بل هذا كلام الرسول عليه الصلاة والسلام . وقوله : وعلى التقديرين فهو درجة عالية . ثم قال تعالى : { أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح } وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن هذا لا يتناول التوبة من الكفر ، لأن هذا الكلام خطاب مع الذين / وصفهم بقوله : { وإذا جاءك الذين يؤمنون بئاياتنا } فثبت أن المراد منه توبة المسلم عن المعصية / والمراد من قوله { بجهالة } ليس هو الخطأ والغلط ، لأن ذلك لا حاجة به إلى التوبة ، بل المراد منه ، أن تقدم على المعصية بسبب الشهوة ، فكان المراد منه بيان أن المسلم إذا أقدم على الذنب مع العلم بكونه ذنبا ثم تاب منه توبة حقيقية فإن الله تعالى يقبل توبته . المسألة الثانية : قرأ نافع { أنه من عمل منكم } بفتح الألف { فأنه غفور } بكسر الألف ، وقرأ عاصم وابن عامر بالفتح فيهما ، والباقون بالكسر فيهما . أما فتح الأولى فعلى التفسير للرحمة ، كأنه قيل : كتب ربكم على نفسه أنه من عمل منكم . وأما فتح الثانية فعلى أن يجعله بدلا من الأولى كقوله { أيعدكم أنكم إذا مت م وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون } ( المؤمنون : 85 ) وقوله { كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله } ( الحج : 4 ) وقوله { ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم } ( التوبة : 63 ) قال أبو علي الفارسي : من فتح الأولى فقد جعلها بدلا من الرحمة ، وأما التي بعد الفاء فعلى أنه أضمر له خبرا تقديره ، فله أنه غفور رحيم ، أي فله غفرانه ، أو أضمر مبتدأ يكون ( أن ) خبره كأنه قيل : فأمره أنه غفور رحيم . وأما من كسرهما جميعا فلأنه لما قال { كتب ربكم على نفسه الرحمة } فقد تم هذا الكلام ، ثم ابتدأ وقال { أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم } فدخلت الفاء جوابا للجزاء ، وكسرت إن لأنها دخلت على مبتدأ وخبر كأنك قلت فهو غفور رحيم . إلا أن الكلام بأن أوكد هذا قول الزجاج . وقرأ نافع الأولى بالفتح والثانية بالكسر ، لأنه أبدل الأولى من الرحمة ، واستأنف ما بعد الفاء . والله أعلم . المسألة الثالثة : قوله : { من عمل منكم سوءا بجهالة } قال الحسن : كل من عمل معصية فهو جاهل ، ثم اختلفوا فقيل : إنه جاهل بمقدار ما فاته من الثواب وما استحقه من العقاب ، وقيل : إنه وإن علم أن عاقبة ذلك الفعل مذمومة ، إلا أنه آثر اللذة العاجلة على الخير الكثير الآجل ، ومن آثر القليل على الكثير قيل في العرف إنه جاهل .
Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الرابعة : من الناس من قال : إنه تعالى لما أمر الرسول بأن يقول لهم : { سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة } كان هذا من قول الله تعالى ومن كلامه ، فهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى قال لهم في الدنيا : { سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة } وتحقيق هذا الكلام أنه تعالى وعد أقواما بأنه يقول لهم بعد الموت { سلام قولا من رب رحيم } ( يس : 58 ) ثم إن أقواما أفنوا أعمارهم في العبودية حتى صاروا في حياتهم الدنيوية كأنهم انتقلوا إلى عالم القيامة ، لا جرم صار التسليم الموعود به بعد الموت في حق هؤلاء حال كونهم في الدنيا ، ومنهم من قال : لا ، بل هذا كلام الرسول عليه الصلاة والسلام . وقوله : وعلى التقديرين فهو درجة عالية . ثم قال تعالى : { أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح } وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن هذا لا يتناول التوبة من الكفر ، لأن هذا الكلام خطاب مع الذين / وصفهم بقوله : { وإذا جاءك الذين يؤمنون بئاياتنا } فثبت أن المراد منه توبة المسلم عن المعصية / والمراد من قوله { بجهالة } ليس هو الخطأ والغلط ، لأن ذلك لا حاجة به إلى التوبة ، بل المراد منه ، أن تقدم على المعصية بسبب الشهوة ، فكان المراد منه بيان أن المسلم إذا أقدم على الذنب مع العلم بكونه ذنبا ثم تاب منه توبة حقيقية فإن الله تعالى يقبل توبته . المسألة الثانية : قرأ نافع { أنه من عمل منكم } بفتح الألف { فأنه غفور } بكسر الألف ، وقرأ عاصم وابن عامر بالفتح فيهما ، والباقون بالكسر فيهما . أما فتح الأولى فعلى التفسير للرحمة ، كأنه قيل : كتب ربكم على نفسه أنه من عمل منكم . وأما فتح الثانية فعلى أن يجعله بدلا من الأولى كقوله { أيعدكم أنكم إذا مت م وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون } ( المؤمنون : 85 ) وقوله { كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله } ( الحج : 4 ) وقوله { ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم } ( التوبة : 63 ) قال أبو علي الفارسي : من فتح الأولى فقد جعلها بدلا من الرحمة ، وأما التي بعد الفاء فعلى أنه أضمر له خبرا تقديره ، فله أنه غفور رحيم ، أي فله غفرانه ، أو أضمر مبتدأ يكون ( أن ) خبره كأنه قيل : فأمره أنه غفور رحيم . وأما من كسرهما جميعا فلأنه لما قال { كتب ربكم على نفسه الرحمة } فقد تم هذا الكلام ، ثم ابتدأ وقال { أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم } فدخلت الفاء جوابا للجزاء ، وكسرت إن لأنها دخلت على مبتدأ وخبر كأنك قلت فهو غفور رحيم . إلا أن الكلام بأن أوكد هذا قول الزجاج . وقرأ نافع الأولى بالفتح والثانية بالكسر ، لأنه أبدل الأولى من الرحمة ، واستأنف ما بعد الفاء . والله أعلم . المسألة الثالثة : قوله : { من عمل منكم سوءا بجهالة } قال الحسن : كل من عمل معصية فهو جاهل ، ثم اختلفوا فقيل : إنه جاهل بمقدار ما فاته من الثواب وما استحقه من العقاب ، وقيل : إنه وإن علم أن عاقبة ذلك الفعل مذمومة ، إلا أنه آثر اللذة العاجلة على الخير الكثير الآجل ، ومن آثر القليل على الكثير قيل في العرف إنه جاهل .
Sección V13/P005–V13/P006Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P005–V13/P006)
Orijinal Metin (AR)وحاصل الكلام أنه وإن لم يكن جاهلا إلا أنه لما فعل ما يليق بالجهال أطلق عليه لفظ الجاهل ، وقيل نزلت هذه الآية في عمر حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما اقترحوه ، ولم يعلم بأنها مفسدة ونظير هذه الآية قوله : { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة } ( النساء : 17 ) . المسألة الرابعة : قوله تعالى : { ثم تاب من بعده وأصلح } فقوله { تاب } إشارة إلى الندم على الماضي وقوله { وأصلح } إشارة إلى كونه آتيا بالأعمال الصالحة في الزمان المستقبل . ثم قال : { فأنه غفور رحيم } فهو غفور بسبب إزالة العقاب ، رحيم بسبب إيصال الثواب الذي هو النهاية في الرحمة . والله أعلم . ! 7 < { وكذلك نفصل الا يات ولتستبين سبيل المجرمين قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهوآءكم قد ضللت إذا ومآ أنا من المهتدين قل إنى على بينة من ربى وكذبتم به ما عندى ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين } . > 7 < الأنعام : ( 55 - 57 ) وكذلك نفصل الآيات . . . . . > > / قوله تعالى : { وكذلك نفصل الايات ولتستبين سبيل المجرمين } . المراد كما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا على صحة التوحيد والنبوة والقضاء والقدر ، فكذلك نميز ونفصل لك دلائلنا وحججنا في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل وقوله : { ولتستبين سبيل المجرمين } عطف على المعنى كأنه قيل ليظهر الحق وليستبين ، وحسن هذا الحذف لكونه معلوما واختلف القراء في قوله { ليستبين } فقرأ نافع { لتستبين } بالتاء { وسبيل } بالنصب والمعنى لتستبين يا محمد سبيل هؤلاء المجرمين . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم { ليستبين } بالياء { من سبيل } بالرفع والباقون بالتاء { وسبيل } بالرفع على تأنيث سبيل . وأهل الحجاز يؤنثون السبيل ، وبنو تميم يذكرونه . وقد نطق القرآن بهما فقال سبحانه { بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا } ( الأعراف : 146 ) وقال { ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا } ( إبراهيم : 3 ) . فإن قيل : لم قال { ولتستبين سبيل المجرمين } ولم يذكر سبيل المؤمنين . قلنا : ذكر أحد القسمين يدل على الثاني . كقوله { سرابيل القتلى الحر } ( النحل : 81 ) ولم يذكر البرد . وأيضا فالضدان إذا كانا بحيث لا يحصل بينهما واسطة ، فمتى بانت خاصية أحد القسمين بانت خاصية القسم الآخر والحق والباطل لا واسطة بينهما ، فمتى استبانت طريقة المجرمين فقد استبانت طريقة المحقين أيضا لا محالة . قوله تعالى : { قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا } .
Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وحاصل الكلام أنه وإن لم يكن جاهلا إلا أنه لما فعل ما يليق بالجهال أطلق عليه لفظ الجاهل ، وقيل نزلت هذه الآية في عمر حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما اقترحوه ، ولم يعلم بأنها مفسدة ونظير هذه الآية قوله : { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة } ( النساء : 17 ) . المسألة الرابعة : قوله تعالى : { ثم تاب من بعده وأصلح } فقوله { تاب } إشارة إلى الندم على الماضي وقوله { وأصلح } إشارة إلى كونه آتيا بالأعمال الصالحة في الزمان المستقبل . ثم قال : { فأنه غفور رحيم } فهو غفور بسبب إزالة العقاب ، رحيم بسبب إيصال الثواب الذي هو النهاية في الرحمة . والله أعلم . ! 7 < { وكذلك نفصل الا يات ولتستبين سبيل المجرمين قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهوآءكم قد ضللت إذا ومآ أنا من المهتدين قل إنى على بينة من ربى وكذبتم به ما عندى ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين } . > 7 < الأنعام : ( 55 - 57 ) وكذلك نفصل الآيات . . . . . > > / قوله تعالى : { وكذلك نفصل الايات ولتستبين سبيل المجرمين } . المراد كما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا على صحة التوحيد والنبوة والقضاء والقدر ، فكذلك نميز ونفصل لك دلائلنا وحججنا في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل وقوله : { ولتستبين سبيل المجرمين } عطف على المعنى كأنه قيل ليظهر الحق وليستبين ، وحسن هذا الحذف لكونه معلوما واختلف القراء في قوله { ليستبين } فقرأ نافع { لتستبين } بالتاء { وسبيل } بالنصب والمعنى لتستبين يا محمد سبيل هؤلاء المجرمين . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم { ليستبين } بالياء { من سبيل } بالرفع والباقون بالتاء { وسبيل } بالرفع على تأنيث سبيل . وأهل الحجاز يؤنثون السبيل ، وبنو تميم يذكرونه . وقد نطق القرآن بهما فقال سبحانه { بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا } ( الأعراف : 146 ) وقال { ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا } ( إبراهيم : 3 ) . فإن قيل : لم قال { ولتستبين سبيل المجرمين } ولم يذكر سبيل المؤمنين . قلنا : ذكر أحد القسمين يدل على الثاني . كقوله { سرابيل القتلى الحر } ( النحل : 81 ) ولم يذكر البرد . وأيضا فالضدان إذا كانا بحيث لا يحصل بينهما واسطة ، فمتى بانت خاصية أحد القسمين بانت خاصية القسم الآخر والحق والباطل لا واسطة بينهما ، فمتى استبانت طريقة المجرمين فقد استبانت طريقة المحقين أيضا لا محالة . قوله تعالى : { قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا } .
Sección V13/P006Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P006)
Orijinal Metin (AR)اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة ما يدل على أنه يفصل الآيات ليظهر الحق وليستبين سبيل المجرمين ، ذكر في هذه الآية أنه تعالى نهى عن سلوك سبيلهم . فقال : { قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله وبين إن الذين عليهم من شىء فتطردهم فتكون من الظالمين وكذالك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين وإذا جاءك الذين يؤمنون بئاياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم وكذلك نفصل الايات ولتستبين سبيل المجرمين قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم } ثم قال : { قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين } أي إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال وما أنا من المهتدين في شيء . والمقصود كأنه يقول لهم أنتم كذلك . ولما نفى أن يكون الهوى متبعا / على ما يجب اتباعه بقوله : { قل إنى على بينة من ربى } أي في أنه لا معبود سواه . وكذبتم أنتم حيث أشركتم به غيره . واعلم أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم بسبب هذا الشرك . والقوم لإصرارهم على الكفر كانوا يستعجلون نزول ذلك العذاب . فقال تعالى قل يا محمد : { ما عندى ما تستعجلون به } يعني قولهم { اللهم إن كان هاذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } ( الأنفال : 32 ) والمراد أن ذلك العذاب ينزله الله في الوقت الذي أراد إنزاله فيه . ولا قدرة لي على تقديمه أو تأخيره . ثم قال : { إن الحكم إلا لله } وهذا مطلق يتناول الكل . والمراد ههنا إن الحكم إلا لله فقط في تأخير عذابهم { يقضى الحق } أي القضاء الحق في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل { وهو خير الفاصلين } أي القاضين ، وفيه مسألتان : المسألة الأولى : احتج أصحابنا بقوله : { إن الحكم إلا لله } على أنه لا يقدر العبد على أمر من الأمور إلا إذا قضى الله به ، فيمتنع منه فعل الكفر إلا إذا قضى الله به وحكم به . وكذلك في جميع الأفعال . والدليل عليه أنه تعالى قال : { إن الحكم إلا لله } وهذا يفيد الحصر ، بمعنى أنه لا حكم إلا لله . واحتج المعتزلة بقوله : { يقضى الحق } ومعناه أن كل ما قضى به فهو الحق . وهذا يقتضي أن لا يريد الكفر من الكافر . ولا المعصية من العاصي لأن ذلك ليس الحق . والله أعلم . المسألة الثانية : قرأ ابن كثير ونافع وعاصم { يقص الحق } بالصاد من القصص ، يعني أن كل ما أنبأ الله به وأمر به فهو من أقاصيص الحق ، كقوله : { نحن نقص عليك أحسن القصص } ( يوسف : 3 ) وقرأ الباقون { يقض الحق } والمكتوب في المصاحف ( يقض ) بغير ياء لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين كما كتبوا { سندع الزبانية } ( العلق : 18 ) فما تغن النذر } وقوله : { } وقوله : { يقضى الحق } قال الزجاج : فيه وجهان : جائز أن يكون { الحق } صفة المصدر والتقدير : يقض القضاء الحق . ويجوز أن يكون { يقض الحق } يصنع الحق ، لأن كل شيء صنعه الله فهو حق . وعلى هذا التقدير { الحق } يكون مفعولا به وقضى / بمعنى صنع . قال الهذلي : وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع
Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة ما يدل على أنه يفصل الآيات ليظهر الحق وليستبين سبيل المجرمين ، ذكر في هذه الآية أنه تعالى نهى عن سلوك سبيلهم . فقال : { قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله وبين إن الذين عليهم من شىء فتطردهم فتكون من الظالمين وكذالك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين وإذا جاءك الذين يؤمنون بئاياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم وكذلك نفصل الايات ولتستبين سبيل المجرمين قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم } ثم قال : { قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين } أي إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال وما أنا من المهتدين في شيء . والمقصود كأنه يقول لهم أنتم كذلك . ولما نفى أن يكون الهوى متبعا / على ما يجب اتباعه بقوله : { قل إنى على بينة من ربى } أي في أنه لا معبود سواه . وكذبتم أنتم حيث أشركتم به غيره . واعلم أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم بسبب هذا الشرك . والقوم لإصرارهم على الكفر كانوا يستعجلون نزول ذلك العذاب . فقال تعالى قل يا محمد : { ما عندى ما تستعجلون به } يعني قولهم { اللهم إن كان هاذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } ( الأنفال : 32 ) والمراد أن ذلك العذاب ينزله الله في الوقت الذي أراد إنزاله فيه . ولا قدرة لي على تقديمه أو تأخيره . ثم قال : { إن الحكم إلا لله } وهذا مطلق يتناول الكل . والمراد ههنا إن الحكم إلا لله فقط في تأخير عذابهم { يقضى الحق } أي القضاء الحق في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل { وهو خير الفاصلين } أي القاضين ، وفيه مسألتان : المسألة الأولى : احتج أصحابنا بقوله : { إن الحكم إلا لله } على أنه لا يقدر العبد على أمر من الأمور إلا إذا قضى الله به ، فيمتنع منه فعل الكفر إلا إذا قضى الله به وحكم به . وكذلك في جميع الأفعال . والدليل عليه أنه تعالى قال : { إن الحكم إلا لله } وهذا يفيد الحصر ، بمعنى أنه لا حكم إلا لله . واحتج المعتزلة بقوله : { يقضى الحق } ومعناه أن كل ما قضى به فهو الحق . وهذا يقتضي أن لا يريد الكفر من الكافر . ولا المعصية من العاصي لأن ذلك ليس الحق . والله أعلم . المسألة الثانية : قرأ ابن كثير ونافع وعاصم { يقص الحق } بالصاد من القصص ، يعني أن كل ما أنبأ الله به وأمر به فهو من أقاصيص الحق ، كقوله : { نحن نقص عليك أحسن القصص } ( يوسف : 3 ) وقرأ الباقون { يقض الحق } والمكتوب في المصاحف ( يقض ) بغير ياء لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين كما كتبوا { سندع الزبانية } ( العلق : 18 ) فما تغن النذر } وقوله : { } وقوله : { يقضى الحق } قال الزجاج : فيه وجهان : جائز أن يكون { الحق } صفة المصدر والتقدير : يقض القضاء الحق . ويجوز أن يكون { يقض الحق } يصنع الحق ، لأن كل شيء صنعه الله فهو حق . وعلى هذا التقدير { الحق } يكون مفعولا به وقضى / بمعنى صنع . قال الهذلي : وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع
Sección V13/P006–V13/P008Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P006–V13/P008)
Orijinal Metin (AR)أي صنعهما داود واحتج أبو عمرو على هذه القراءة بقوله : { وهو خير الفاصلين } قال والفصل يكون في القضاء ، لا في القصص . أجاب أبو علي الفارسي فقال القصص ههنا بمعنى القول . وقد جاء الفصل في القول قال تعالى : { إنه لقول فصل } وقال : { الر كتاب أحكمت ءاياته } ( هود : 1 ) وقال : { نفصل الآيات } ( الأعراف : 32 ) . ! 7 < { قل لو أن عندى ما تستعجلون به لقضى الا مر بينى وبينكم والله أعلم بالظالمين وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ويعلم ما فى البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة فى ظلمات الا رض ولا رطب ولا يابس إلا فى كتاب مبين } . > 7 < الأنعام : ( 58 - 59 ) قل لو أن . . . . . > > قوله تعالى : { قل لو أن عندى ما تستعجلون به لقضى الامر بينى وبينكم والله أعلم بالظالمين } . اعلم أن المعنى { لو أن عندى } أي في قدرتي وإمكاني { ما تستعجلون به } من العذاب { لقضى الامر بينى وبينكم } لأهلكتكم عاجلا غضبا لربي ، واقتصاصا من تكذيبكم به . ولتخلصت سريعا { والله أعلم بالظالمين } وبما يجب في الحكمة من وقت عقابهم ومقداره ، والمعنى : إني لا أعلم وقت عقوبة الظالمين . والله تعالى يعلم ذلك فهو يؤخره إلى وقته ، والله أعلم . قوله تعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما فى البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا } . اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى { والله أعلم بالظالمين } يعني أنه سبحانه هو العالم بكل شيء فهو يعجل ما تعجيله أصلح ويؤخر ما تأخيره أصلح . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : المفاتح جمع مفتح . ومفتح ، والمفتح بالكسر المفتاح الذي يفتح به والمفتح بفتح الميم الخزانة وكل خزانة كانت لصنف من الأشياء فهو مفتح ، قال الفراء في قوله تعالى : { ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة } ( القصص : 76 ) يعني خزائنه فلفظ المفاتح يمكن أن يكون المراد منه المفاتيح ويمكن أن يراد / منه الخزائن ، أما على التقدير الأول . فقد جعل للغيب مفاتيح على طريق الاستعارة لأن المفاتيح يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالأغلاق والأقفال فالعالم بتلك المفاتيح وكيفية استعمالها في فتح تلك الأغلاق والأقفال يمكنه أن يتوصل بتلك المفاتيح إلى ما في تلك الخزائن فكذلك ههنا الحق سبحانه لما كان عالما بجميع المعلومات عبر عن هذا المعنى بالعبارة المذكورة وقرىء { مفاتيح } وأما على التقدير الثاني فالمعنى وعنده خزائن الغيب . فعلى التقدير الأول يكون المراد العلم بالغيب ، وعلى التقدير الثاني المراد منه القدرة على كل الممكنات في قوله : { برازقين وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } ( الحجر : 21 ) وللحكماء في تفسير هذه الآية كلام عجيب مفرع على أصولهم فإنهم قالوا : ثبت أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول وأن العلم بالمعلول لا يكون علة للعلم بالعلة . قالوا : وإذا ثبت هذا فنقول : الموجود إما أن يكون واجبا لذاته ، وإما أن يكون ممكنا لذاته ، والواجب لذاته ليس إلا الله سبحانه وتعالى . وكل ما سواه فهو ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يوجد إلا بتأثير الواجب لذاته وكل ما سوى الحق سبحانه فهو موجود بإيجاده كائن بتكوينه واقع بإيقاعه . إما بغير واسطة وإما بواسطة واحدة وإما بوسائط كثيرة على الترتيب النازل من عنده طولا وعرضا . إذا ثبت هذا فنقول : علمه بذاته يوجب عمله بالأثر الأول الصادر منه ، ثم علمه بذلك الأثر الأول يوجب عمله بالأثر الثاني لأن الأثر الأول علة قريبة للأثر الثاني . وقد ذكرنا أن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فبهذا علم الغيب ليس إلا علم الحق بذاته المخصوصة ثم يحصل له من علمه بذاته علمه بالآثار الصادرة عنه على ترتيبها المعتبر / ولما كان علمه بذاته لم يحصل إلا لذاته لا جرم صح أن يقال : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } فهذا هو طريقة هؤلاء الفرقة الذين فسروا هذه الآية بناء على هذه الطريقة .
Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)أي صنعهما داود واحتج أبو عمرو على هذه القراءة بقوله : { وهو خير الفاصلين } قال والفصل يكون في القضاء ، لا في القصص . أجاب أبو علي الفارسي فقال القصص ههنا بمعنى القول . وقد جاء الفصل في القول قال تعالى : { إنه لقول فصل } وقال : { الر كتاب أحكمت ءاياته } ( هود : 1 ) وقال : { نفصل الآيات } ( الأعراف : 32 ) . ! 7 < { قل لو أن عندى ما تستعجلون به لقضى الا مر بينى وبينكم والله أعلم بالظالمين وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ويعلم ما فى البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة فى ظلمات الا رض ولا رطب ولا يابس إلا فى كتاب مبين } . > 7 < الأنعام : ( 58 - 59 ) قل لو أن . . . . . > > قوله تعالى : { قل لو أن عندى ما تستعجلون به لقضى الامر بينى وبينكم والله أعلم بالظالمين } . اعلم أن المعنى { لو أن عندى } أي في قدرتي وإمكاني { ما تستعجلون به } من العذاب { لقضى الامر بينى وبينكم } لأهلكتكم عاجلا غضبا لربي ، واقتصاصا من تكذيبكم به . ولتخلصت سريعا { والله أعلم بالظالمين } وبما يجب في الحكمة من وقت عقابهم ومقداره ، والمعنى : إني لا أعلم وقت عقوبة الظالمين . والله تعالى يعلم ذلك فهو يؤخره إلى وقته ، والله أعلم . قوله تعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما فى البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا } . اعلم أنه تعالى قال في الآية الأولى { والله أعلم بالظالمين } يعني أنه سبحانه هو العالم بكل شيء فهو يعجل ما تعجيله أصلح ويؤخر ما تأخيره أصلح . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : المفاتح جمع مفتح . ومفتح ، والمفتح بالكسر المفتاح الذي يفتح به والمفتح بفتح الميم الخزانة وكل خزانة كانت لصنف من الأشياء فهو مفتح ، قال الفراء في قوله تعالى : { ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة } ( القصص : 76 ) يعني خزائنه فلفظ المفاتح يمكن أن يكون المراد منه المفاتيح ويمكن أن يراد / منه الخزائن ، أما على التقدير الأول . فقد جعل للغيب مفاتيح على طريق الاستعارة لأن المفاتيح يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالأغلاق والأقفال فالعالم بتلك المفاتيح وكيفية استعمالها في فتح تلك الأغلاق والأقفال يمكنه أن يتوصل بتلك المفاتيح إلى ما في تلك الخزائن فكذلك ههنا الحق سبحانه لما كان عالما بجميع المعلومات عبر عن هذا المعنى بالعبارة المذكورة وقرىء { مفاتيح } وأما على التقدير الثاني فالمعنى وعنده خزائن الغيب . فعلى التقدير الأول يكون المراد العلم بالغيب ، وعلى التقدير الثاني المراد منه القدرة على كل الممكنات في قوله : { برازقين وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } ( الحجر : 21 ) وللحكماء في تفسير هذه الآية كلام عجيب مفرع على أصولهم فإنهم قالوا : ثبت أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول وأن العلم بالمعلول لا يكون علة للعلم بالعلة . قالوا : وإذا ثبت هذا فنقول : الموجود إما أن يكون واجبا لذاته ، وإما أن يكون ممكنا لذاته ، والواجب لذاته ليس إلا الله سبحانه وتعالى . وكل ما سواه فهو ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يوجد إلا بتأثير الواجب لذاته وكل ما سوى الحق سبحانه فهو موجود بإيجاده كائن بتكوينه واقع بإيقاعه . إما بغير واسطة وإما بواسطة واحدة وإما بوسائط كثيرة على الترتيب النازل من عنده طولا وعرضا . إذا ثبت هذا فنقول : علمه بذاته يوجب عمله بالأثر الأول الصادر منه ، ثم علمه بذلك الأثر الأول يوجب عمله بالأثر الثاني لأن الأثر الأول علة قريبة للأثر الثاني . وقد ذكرنا أن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فبهذا علم الغيب ليس إلا علم الحق بذاته المخصوصة ثم يحصل له من علمه بذاته علمه بالآثار الصادرة عنه على ترتيبها المعتبر / ولما كان علمه بذاته لم يحصل إلا لذاته لا جرم صح أن يقال : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } فهذا هو طريقة هؤلاء الفرقة الذين فسروا هذه الآية بناء على هذه الطريقة .
Sección V13/P008–V13/P009Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P008–V13/P009)
Orijinal Metin (AR)ثم اعلم أن ههنا دقيقة أخرى ، وهي : أن القضايا العقلية المحضة يصعب تحصيل العلم بها على سبيل التمام والكمال إلا للعقلاء الكاملين الذين تعودوا الإعراض عن قضايا الحس والخيال وألفوا استحضار المعقولات المجردة ، ومثل هذا الإنسان يكون كالنادر وقوله : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } قضية عقلية محضة مجردة فالإنسان الذي يقوى عقله على الإحاطة بمعنى هذه القضية نادر جدا . والقرآن إنما أنزل لينتفع به جميع الخلق . فههنا طريق آخر وهو أن من ذكر القضية العقلية المحضة المجردة ، فإذا أراد إيصالها إلى عقل كل أحد ذكر لها مثالا من الأمور المحسوسة الداخلة تحت القضية العقلية الكلية ليصير ذلك المعقول بمعاونة هذا المثال المحسوس مفهوما لكل أحد ، والأمر في هذه الآية ورد على هذا القانون ، لأنه قال أولا : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } ثم أكد هذا المعقول الكلي المجرد بجزئي محسوس فقال : { ويعلم ما فى البر والبحر } وذلك لأن أحد أقسام معلومات الله هو جميع دواب البر ، والبحر ، والحس ، والخيال قد وقف على عظمة أحوال البر والبحر ، فذكر هذا المحسوس يكشف عن حقيقة عظمة ذلك المعقول . وفيه دقيقة أخرى وهي : إنه تعالى قدم ذكر البر ، لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر ، وكثرة ما فيه من المدن والقرى والمفاوز والجبال والتلال ، وكثرة ما فيها من الحيوان والنبات والمعادن . وأما البحر فإحاطة العقل بأحواله أقل إلا أن الحس يدل على أن عجائب البحار في الجملة أكثر وطولها وعرضها أعظم وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب . فإذا استحضر الخيال صورة البحر والبر على هذه الوجوه . ثم عرف أن مجموعها قسم حقير من الأقسام الداخلة تحت قوله : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } فيصير هذا المثال المحسوس مقويا ومكملا للعظمة الحاصلة تحت قوله : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } ثم إنه تعالى كما كشف عن عظمة قوله { وعنده مفاتح الغيب } بذكر البر والبحر كشف عن عظمة البر والبحر بقوله : { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } وذلك لأن العقل يستحضر جميع ما في وجه الأرض من المدن والقرى والمفاوز والجبال والتلال ، ثم يستحضركم فيها من النجم والشجر ثم يستحضر أنه لا يتغير حال ورقة إلا والحق سبحانه يعلمها ثم يتجاوز من هذا المثال إلى مثال آخر أشد هيئة منه وهو قوله : { ولا حبة فى ظلمات الارض } وذلك لأن الحبة في غاية الغصر وظلمات الأرض موضع يبقى أكبر الأجسام وأعظمها مخفيا فيها فإذا سمع أن تلك الحبة الصغيرة الملقاة في ظمات الأرض على اتساعها وعظمتها لا تخرج عن علم الله تعالى البتة ، صارت هذه الأمثلة منبهة على عظمة عظيمة وجلالة عالية من المعنى المشار إليه بقوله : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } بحيث تتحير العقول فيها وتتقاصر الأفكار والألباب عن الوصول إلى مباديها ، ثم إنه تعالى لما قوى أمر ذلك المعقول المحض المجرد بذكر هذه الجزئيات المحسوسة فبعد ذكرها عاد إلى ذكر تلك القضية العقلية المحضة المجردة بعبارة أخرى فقال : { ولا رطب ولا يابس إلا فى كتاب مبين } وهو عين المذكور في قوله : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } فهذا ما عقلناه في تفسير هذه الآية الشريفة العالية . ومن الله التوفيق . المسألة الثانية : المتكلمون قالوا إنه تعالى فاعل العالم بجواهره وأعراضه على سبيل الإحكام والإتقان ، ومن كان كذلك كان عالما بها فوجب كونه تعالى عالما بها والحكماء قالوا : إنه تعالى مبدأ لجميع الممكنات ، والعلم بالمبدأ يوجب العلم بالأثر فوجب كونه تعالى عالما بكلها :
Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)ثم اعلم أن ههنا دقيقة أخرى ، وهي : أن القضايا العقلية المحضة يصعب تحصيل العلم بها على سبيل التمام والكمال إلا للعقلاء الكاملين الذين تعودوا الإعراض عن قضايا الحس والخيال وألفوا استحضار المعقولات المجردة ، ومثل هذا الإنسان يكون كالنادر وقوله : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } قضية عقلية محضة مجردة فالإنسان الذي يقوى عقله على الإحاطة بمعنى هذه القضية نادر جدا . والقرآن إنما أنزل لينتفع به جميع الخلق . فههنا طريق آخر وهو أن من ذكر القضية العقلية المحضة المجردة ، فإذا أراد إيصالها إلى عقل كل أحد ذكر لها مثالا من الأمور المحسوسة الداخلة تحت القضية العقلية الكلية ليصير ذلك المعقول بمعاونة هذا المثال المحسوس مفهوما لكل أحد ، والأمر في هذه الآية ورد على هذا القانون ، لأنه قال أولا : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } ثم أكد هذا المعقول الكلي المجرد بجزئي محسوس فقال : { ويعلم ما فى البر والبحر } وذلك لأن أحد أقسام معلومات الله هو جميع دواب البر ، والبحر ، والحس ، والخيال قد وقف على عظمة أحوال البر والبحر ، فذكر هذا المحسوس يكشف عن حقيقة عظمة ذلك المعقول . وفيه دقيقة أخرى وهي : إنه تعالى قدم ذكر البر ، لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر ، وكثرة ما فيه من المدن والقرى والمفاوز والجبال والتلال ، وكثرة ما فيها من الحيوان والنبات والمعادن . وأما البحر فإحاطة العقل بأحواله أقل إلا أن الحس يدل على أن عجائب البحار في الجملة أكثر وطولها وعرضها أعظم وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب . فإذا استحضر الخيال صورة البحر والبر على هذه الوجوه . ثم عرف أن مجموعها قسم حقير من الأقسام الداخلة تحت قوله : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } فيصير هذا المثال المحسوس مقويا ومكملا للعظمة الحاصلة تحت قوله : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } ثم إنه تعالى كما كشف عن عظمة قوله { وعنده مفاتح الغيب } بذكر البر والبحر كشف عن عظمة البر والبحر بقوله : { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } وذلك لأن العقل يستحضر جميع ما في وجه الأرض من المدن والقرى والمفاوز والجبال والتلال ، ثم يستحضركم فيها من النجم والشجر ثم يستحضر أنه لا يتغير حال ورقة إلا والحق سبحانه يعلمها ثم يتجاوز من هذا المثال إلى مثال آخر أشد هيئة منه وهو قوله : { ولا حبة فى ظلمات الارض } وذلك لأن الحبة في غاية الغصر وظلمات الأرض موضع يبقى أكبر الأجسام وأعظمها مخفيا فيها فإذا سمع أن تلك الحبة الصغيرة الملقاة في ظمات الأرض على اتساعها وعظمتها لا تخرج عن علم الله تعالى البتة ، صارت هذه الأمثلة منبهة على عظمة عظيمة وجلالة عالية من المعنى المشار إليه بقوله : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } بحيث تتحير العقول فيها وتتقاصر الأفكار والألباب عن الوصول إلى مباديها ، ثم إنه تعالى لما قوى أمر ذلك المعقول المحض المجرد بذكر هذه الجزئيات المحسوسة فبعد ذكرها عاد إلى ذكر تلك القضية العقلية المحضة المجردة بعبارة أخرى فقال : { ولا رطب ولا يابس إلا فى كتاب مبين } وهو عين المذكور في قوله : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } فهذا ما عقلناه في تفسير هذه الآية الشريفة العالية . ومن الله التوفيق . المسألة الثانية : المتكلمون قالوا إنه تعالى فاعل العالم بجواهره وأعراضه على سبيل الإحكام والإتقان ، ومن كان كذلك كان عالما بها فوجب كونه تعالى عالما بها والحكماء قالوا : إنه تعالى مبدأ لجميع الممكنات ، والعلم بالمبدأ يوجب العلم بالأثر فوجب كونه تعالى عالما بكلها :
Sección V13/P009–V13/P010Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P009–V13/P010)
Orijinal Metin (AR)واعلم أن هذا الكلام من أدل الدلائل على كونه تعالى عالما بجميع الجزئيات الزمانية وذلك / لأنه لما ثبت أنه تعالى مبدأ لكل ما سواه وجب كونه مبدأ لهذه الجزئيات بالأثر . فوجب كونه تعالى عالما بهذه التغيرات والزمانيات من حيث إنها متغيرة وزمانية وذلك هو المطلوب . المسألة الثالثة : قوله تعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } يدل على كونه تعالى منزها عن الضد والند وتقريره : أن قوله : { وعنده مفاتح الغيب } يفيد الحصر ، أي عنده لا عند غيره . ولو حصل وجود آخر واجب الوجود لكان مفاتح الغيب حاصلة أيضا عند ذلك الآخر ، وحينئذ يبطل الحصر . وأيضا فكما أن لفظ الآية يدل على هذا التوحيد ، فكذلك البرهان العقلي يساعد عليه . وتقريره : أن المبدأ لحصول العلم بالآثار والنتائج والصنائع هو العلم بالمؤثر والمؤثر الأول في كل الممكنات هو الحق سبحانه . فالمفتح الأول للعلم بجميع المعلومات هو العلم به سبحانه لكن العلم به ليس إلا له لأن ما سواه أثر والعلم بالأثر لا يفيد العلم بالمؤثر . فظهر بهذا البرهان أن مفاتح الغيب ليست إلا عند الحق سبحانه . والله أعلم . المسألة الرابعة : قرىء { الارض ولا رطب ولا يابس } بالرفع وفيه وجهان : الأول : أن يكون عطفا على محل من ورقة وأن يكون رفعا على الابتداء وخبره { إلا فى كتاب مبين } كقولك : لا رجل منهم ولا امرأة إلا في الدار . المسألة الخامسة : قوله : { إلا فى كتاب مبين } فيه قولان : الأول : أن ذلك الكتاب المبين هو علم الله تعالى لا غير . وهذا هو الصواب . والثاني : قال الزجاج : يجوز أن يكون الله جل ثناؤه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق كما قال عز وجل : { ما أصاب من مصيبة فى الارض ولا فى أنفسكم إلا فى كتاب من قبل أن نبرأها } ( الحديد : 22 ) وفائدة هذا الكتاب أمور : أحدها : أنه تعالى إنما كتب هذه الأحوال في اللوح المحفوظ لتقف الملائكة على نفاذ علم الله تعالى في المعلومات وأنه لا يغيب عنه مما في السموات والأرض شيء . فيكون في ذلك عبرة تامة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في صحيفة هذا العالم فيجدونه موافقا له . وثانيها : يجوز أن يقال إنه تعالى ذكر ما ذكر من الورقة والحبة تنبيها للمكلفين على أمر الحساب وإعلاما بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون في الدنيا شيء : لأنه إذا كان لا يهمل الأحوال التي ليس فيها ثواب ولا عقاب ولا تكليف فبأن لا يهمل الأحول المشتملة على الثواب والعقاب أولى . وثالثها : أنه تعالى علم أحوال جميع الموجودات فيمتنع تغييرها عن مقتضى ذلك العلم ، وإلا لزم الجهل . فإذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع أيضا تغييرها وإلا لزم الكذب فتصير كتبة جملة الأحوال في ذلك الكتاب موجبا تاما وسببا كاملا في أنه يمتنع تقدم ما تأخر وتأخر / ما تقدم كما قال صلوات الله عليه : ( جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ) والله أعلم . ! 7 < { وهو الذى يتوفاكم باليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 60 ) وهو الذي يتوفاكم . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين كمال علمه بالآية الأولى بين كمال قدرته بهذه الآية وهو كونه قادرا على نقل الذوات من الموت إلى الحياة ومن النوم إلى اليقظة واستقلاله بحفظها في جميع الأحوال وتدبيرها على أحسن الوجوه حالة النوم واليقظة .
Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)واعلم أن هذا الكلام من أدل الدلائل على كونه تعالى عالما بجميع الجزئيات الزمانية وذلك / لأنه لما ثبت أنه تعالى مبدأ لكل ما سواه وجب كونه مبدأ لهذه الجزئيات بالأثر . فوجب كونه تعالى عالما بهذه التغيرات والزمانيات من حيث إنها متغيرة وزمانية وذلك هو المطلوب . المسألة الثالثة : قوله تعالى : { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } يدل على كونه تعالى منزها عن الضد والند وتقريره : أن قوله : { وعنده مفاتح الغيب } يفيد الحصر ، أي عنده لا عند غيره . ولو حصل وجود آخر واجب الوجود لكان مفاتح الغيب حاصلة أيضا عند ذلك الآخر ، وحينئذ يبطل الحصر . وأيضا فكما أن لفظ الآية يدل على هذا التوحيد ، فكذلك البرهان العقلي يساعد عليه . وتقريره : أن المبدأ لحصول العلم بالآثار والنتائج والصنائع هو العلم بالمؤثر والمؤثر الأول في كل الممكنات هو الحق سبحانه . فالمفتح الأول للعلم بجميع المعلومات هو العلم به سبحانه لكن العلم به ليس إلا له لأن ما سواه أثر والعلم بالأثر لا يفيد العلم بالمؤثر . فظهر بهذا البرهان أن مفاتح الغيب ليست إلا عند الحق سبحانه . والله أعلم . المسألة الرابعة : قرىء { الارض ولا رطب ولا يابس } بالرفع وفيه وجهان : الأول : أن يكون عطفا على محل من ورقة وأن يكون رفعا على الابتداء وخبره { إلا فى كتاب مبين } كقولك : لا رجل منهم ولا امرأة إلا في الدار . المسألة الخامسة : قوله : { إلا فى كتاب مبين } فيه قولان : الأول : أن ذلك الكتاب المبين هو علم الله تعالى لا غير . وهذا هو الصواب . والثاني : قال الزجاج : يجوز أن يكون الله جل ثناؤه أثبت كيفية المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق كما قال عز وجل : { ما أصاب من مصيبة فى الارض ولا فى أنفسكم إلا فى كتاب من قبل أن نبرأها } ( الحديد : 22 ) وفائدة هذا الكتاب أمور : أحدها : أنه تعالى إنما كتب هذه الأحوال في اللوح المحفوظ لتقف الملائكة على نفاذ علم الله تعالى في المعلومات وأنه لا يغيب عنه مما في السموات والأرض شيء . فيكون في ذلك عبرة تامة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ لأنهم يقابلون به ما يحدث في صحيفة هذا العالم فيجدونه موافقا له . وثانيها : يجوز أن يقال إنه تعالى ذكر ما ذكر من الورقة والحبة تنبيها للمكلفين على أمر الحساب وإعلاما بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون في الدنيا شيء : لأنه إذا كان لا يهمل الأحوال التي ليس فيها ثواب ولا عقاب ولا تكليف فبأن لا يهمل الأحول المشتملة على الثواب والعقاب أولى . وثالثها : أنه تعالى علم أحوال جميع الموجودات فيمتنع تغييرها عن مقتضى ذلك العلم ، وإلا لزم الجهل . فإذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع أيضا تغييرها وإلا لزم الكذب فتصير كتبة جملة الأحوال في ذلك الكتاب موجبا تاما وسببا كاملا في أنه يمتنع تقدم ما تأخر وتأخر / ما تقدم كما قال صلوات الله عليه : ( جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ) والله أعلم . ! 7 < { وهو الذى يتوفاكم باليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون } . > 7 ! < < الأنعام : ( 60 ) وهو الذي يتوفاكم . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما بين كمال علمه بالآية الأولى بين كمال قدرته بهذه الآية وهو كونه قادرا على نقل الذوات من الموت إلى الحياة ومن النوم إلى اليقظة واستقلاله بحفظها في جميع الأحوال وتدبيرها على أحسن الوجوه حالة النوم واليقظة .
Sección V13/P010–V13/P011Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P010–V13/P011)
Orijinal Metin (AR)فأما قوله : { وهو الذى يتوفاكم } فالمعنى أنه تعالى ينيمكم فيتوفى أنفسكم التي بها تقدرون على الإدراك والتمييز كما قال جل جلاله { الله يتوفى الانفس حين موتها والتى لم تمت فى منامها فيمسك التى قضى عليها الموت ويرسل الاخرى إلى أجل } ( الزمر : 42 ) ، فالله جل جلاله يقبض الأرواح عن التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت ، وههنا بحث : وهو أن النائم لا شك أنه حي ومتى كان حيا لم تكن روحه مقبوضة البتة ، وإذا كان كذلك لم يصح أن يقال إن الله توفاه فلا بد ههنا من تأويل وهو أن حال النوم تغور الأرواح الحساسة من الظاهر في الباطن فصارت الحواس الظاهرة معطلة عن أعمالها ، فعند النوم صار ظاهر الجسد معطلا عن بعض الأعمال ، وعند الموت صارت جملة البدن معطلة عن كل الأعمال ، فحصل بين النوم وبين الموت مشابهة من هذا الاعتبار ، فصح إطلاق لفظ الوفاة والموت على النوم من هذا الوجه . ثم قال : { ويعلم ما جرحتم بالنهار } يريد ما كسبتم من العمل بالنهار قال تعالى : { وما علمتم من الجوارح } والمراد منها الكواسب من الطير والسباع واحدتها جارحة . قال تعالى : { والذين اجترحوا } أي اكتسبوا . وبالجملة فالمراد منه أعمال الجوارح . ثم قال تعالى : { بالنهار ثم يبعثكم فيه } أي يرد إليكم أرواحكم في النهار ، والبعث ههنا اليقظة . ثم قال : { ليقضي أجل مسمى } أي أعماركم المكتوبة ، وهي قوله : { وأجل مسمى عنده } والمعنى يبعثكم من نومكم إلى أن تبلغوا آجالكم ، ومعنى القضاء فصل الأمر على سبيل التمام ، ومعنى قضاء الأجل فصل مدة العمر من غيرها بالموت . / واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه ينيمهم أولا ثم يوقظهم ثانيا كان ذلك جاريا مجرى الإحياء بعد الإماتة ، لا جرم استدل بذلك على صحة البعث والقيامة . فقال : { ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون } في ليلكم ونهاركم وفي جميع أحوالكم وأعمالكم . ! 7 < { وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين } . > 7 < الأنعام : ( 61 - 62 ) وهو القاهر فوق . . . . . > > اعلم أن هذا نوع آخر من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله تعالى وكمال حكمته . وتقريره أنا بينا فيما سبق أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية الفوقية بالمكان والجهة بل يجب أن يكون المراد منها الفوقية بالقهر والقدرة ، كما يقال أمر فلان فوق أمر فلان بمعنى أنه أعلى وأنفذ ومنه قوله تعالى : { يد الله فوق أيديهم } ( الفتح : 10 ) ومما يؤكد أن المراد ذلك أن قوله : { وهو القاهر فوق عباده } مشعر بأن هذا القهر إنما حصل بسبب هذه الفوقية ، والفوقية المفيدة لصفة القهر هي الفوقية بالقدرة لا الفوقية بالجهة ، إذ المعلوم أن المرتفع في المكان قد يكون مقهورا . وتقرير هذا القهر من وجوه : الأول : إنه قهار للعدم بالتكوين والإيجاد ، والثاني : أنه قهار للوجود بالإفناء والإفساد فإنه تعالى هو الذي ينقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة ومن الوجود إلى العدم أخرى . فلا وجود إلا بإيجاده ولا عدم إلا بإعدامه في الممكنات . والثالث : أنه قهار لكل ضده بضده فيقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور ، والنهار بالليل والليل بالنهار . وتمام تقريره في قوله : { قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء } ( آل عمران : 26 ) .
Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)فأما قوله : { وهو الذى يتوفاكم } فالمعنى أنه تعالى ينيمكم فيتوفى أنفسكم التي بها تقدرون على الإدراك والتمييز كما قال جل جلاله { الله يتوفى الانفس حين موتها والتى لم تمت فى منامها فيمسك التى قضى عليها الموت ويرسل الاخرى إلى أجل } ( الزمر : 42 ) ، فالله جل جلاله يقبض الأرواح عن التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت ، وههنا بحث : وهو أن النائم لا شك أنه حي ومتى كان حيا لم تكن روحه مقبوضة البتة ، وإذا كان كذلك لم يصح أن يقال إن الله توفاه فلا بد ههنا من تأويل وهو أن حال النوم تغور الأرواح الحساسة من الظاهر في الباطن فصارت الحواس الظاهرة معطلة عن أعمالها ، فعند النوم صار ظاهر الجسد معطلا عن بعض الأعمال ، وعند الموت صارت جملة البدن معطلة عن كل الأعمال ، فحصل بين النوم وبين الموت مشابهة من هذا الاعتبار ، فصح إطلاق لفظ الوفاة والموت على النوم من هذا الوجه . ثم قال : { ويعلم ما جرحتم بالنهار } يريد ما كسبتم من العمل بالنهار قال تعالى : { وما علمتم من الجوارح } والمراد منها الكواسب من الطير والسباع واحدتها جارحة . قال تعالى : { والذين اجترحوا } أي اكتسبوا . وبالجملة فالمراد منه أعمال الجوارح . ثم قال تعالى : { بالنهار ثم يبعثكم فيه } أي يرد إليكم أرواحكم في النهار ، والبعث ههنا اليقظة . ثم قال : { ليقضي أجل مسمى } أي أعماركم المكتوبة ، وهي قوله : { وأجل مسمى عنده } والمعنى يبعثكم من نومكم إلى أن تبلغوا آجالكم ، ومعنى القضاء فصل الأمر على سبيل التمام ، ومعنى قضاء الأجل فصل مدة العمر من غيرها بالموت . / واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه ينيمهم أولا ثم يوقظهم ثانيا كان ذلك جاريا مجرى الإحياء بعد الإماتة ، لا جرم استدل بذلك على صحة البعث والقيامة . فقال : { ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون } في ليلكم ونهاركم وفي جميع أحوالكم وأعمالكم . ! 7 < { وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين } . > 7 < الأنعام : ( 61 - 62 ) وهو القاهر فوق . . . . . > > اعلم أن هذا نوع آخر من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله تعالى وكمال حكمته . وتقريره أنا بينا فيما سبق أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية الفوقية بالمكان والجهة بل يجب أن يكون المراد منها الفوقية بالقهر والقدرة ، كما يقال أمر فلان فوق أمر فلان بمعنى أنه أعلى وأنفذ ومنه قوله تعالى : { يد الله فوق أيديهم } ( الفتح : 10 ) ومما يؤكد أن المراد ذلك أن قوله : { وهو القاهر فوق عباده } مشعر بأن هذا القهر إنما حصل بسبب هذه الفوقية ، والفوقية المفيدة لصفة القهر هي الفوقية بالقدرة لا الفوقية بالجهة ، إذ المعلوم أن المرتفع في المكان قد يكون مقهورا . وتقرير هذا القهر من وجوه : الأول : إنه قهار للعدم بالتكوين والإيجاد ، والثاني : أنه قهار للوجود بالإفناء والإفساد فإنه تعالى هو الذي ينقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة ومن الوجود إلى العدم أخرى . فلا وجود إلا بإيجاده ولا عدم إلا بإعدامه في الممكنات . والثالث : أنه قهار لكل ضده بضده فيقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور ، والنهار بالليل والليل بالنهار . وتمام تقريره في قوله : { قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء } ( آل عمران : 26 ) .
Sección V13/P011–V13/P012Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P011–V13/P012)
Orijinal Metin (AR)وإذا عرفت منهج الكلام . فاعلم أنه بحر لا ساحل له لأن كل مخلوق فله ضد ، فالفوق ضده التحت ، والماضي ضده المستقبل ، والنور ضده الظلمة ، والحياة ضدها الموت ، والقدرة ضدها العجز . وتأمل في سائل الأحوال والصفات لتعرف أن حصول التضاد بينها يقضي عليها بالمقهورية والعجز والنقصان ، وحصول هذه الصفات في الممكنات يدل على أن لها مدبرا قادرا قاهرا منزها عن الضد والند ، مقدسا عن الشبيه والشكل . كما قال : { وهو القاهر فوق عباده } والرابع : أن هذا / البدن مؤلف من الطبائع الأربع . وهي متنافرة متباغضة متباعدة بالطبع والخاصة فاجتماعها لا بد وأن يكون بقسر قاسر وأخطأ من قال إن ذلك القاسر هو النفس الإنسانية ، وهو الذي ذكره ابن سينا في الإشارات لأن تعلق النفس بالبدن إنما يكون بعد حصول المزاج واعتدال الأمشاج ، والقاهر لهذه الطبائع على الاجتماع سابق على هذا الاجتماع ، والسابق على حصول الاجتماع مغاير للمتأخر عن حصول الاجتماع . فثبت أن القاهر لهذه الطبائع على الاجتماع ليس إلا الله تعالى ، كما قال : { وهو القاهر فوق عباده } وأيضا فالجسد كثيف سفلي ظلماني فاسد عفن ، والروح لطيف علوي نوراني مشرق باق طاهر نظيف ، فبينهما أشد المنافرة والمباعدة . ثم إنه سبحانه جمع بينهما على سبيل القهر والقدرة ، وجعل كل واحد منهما مستكملا بصاحبه منتفعا بالآخر . فالروح تصون البدن عن العفونة والفساد والتفرق ، والبدن يصير آلة للروح في تحصيل السعادات الأبدية ، والمعارف الإلهية ، فهذا الاجتماع وهذا الانتفاع ليس إلا بقهر الله تعالى لهذه الطبائع ، كما قال { وهو القاهر فوق عباده } وأيضا فعند دخول الروح في الجسد أعطى الروح قدرة على فعل الضدين ، ومكنة من الطرفين إلا أنه يمتنع رجحان الفعل على الترك تارة والترك على الفعل أخرى إلا عند حصول الداعية الجازمة الخالية عن المعارض . فلما لم تحصل تلك الداعية امتنع الفعل والترك فكان إقدام الفاعل على الفعل تارة وعلى الترك أخرى بسبب حصول تلك الداعية في قلبه من الله يجري مجرى القهر فكان قاهرا لعباده من هذه الجهة ، وإذا تأملت هذه الأبواب علمت أن الممكنات والمبدعات والعلويات والسفليات والذوات والصفات كلها مقهورة تحت قهر الله مسخرة تحت تسخير الله تعالى ، كما قال : { وهو القاهر فوق عباده } . وأما قوله تعالى : { ويرسل عليكم حفظة } فالمراد أن من جملة قهره لعباده إرسال الحفظة عليهم وهؤلاء الحفظة هم المشار إليهم بقوله تعالى : { له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } ( الرعد : 11 ) وقوله : { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } ( ق: 18 ) وقوله : { وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين } ( الانفطار : 10 ، 11 ) واتفقوا على أن المقصود من حضور هؤلاء الحفظة ضبط الأعمال . ثم اختلفوا فمنهم من يقول : إنهم يكتبون الطاعات والمعاصي والمباحات بأسرها بدليل قوله تعالى : { ما لهاذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } ( الكهف : 49 ) وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن مع كل إنسان ملكين : أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ، فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين ، وإذا تكلم بسيئة قال من على اليمين لمن على اليسار انتظره لعله يتوب منها ، فإن لم يتب كتب عليه . والقول الأول : أقوى لأن قوله تعالى : { ويرسل عليكم حفظة } يفيد حفظة الكل من غير تخصيص .
Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وإذا عرفت منهج الكلام . فاعلم أنه بحر لا ساحل له لأن كل مخلوق فله ضد ، فالفوق ضده التحت ، والماضي ضده المستقبل ، والنور ضده الظلمة ، والحياة ضدها الموت ، والقدرة ضدها العجز . وتأمل في سائل الأحوال والصفات لتعرف أن حصول التضاد بينها يقضي عليها بالمقهورية والعجز والنقصان ، وحصول هذه الصفات في الممكنات يدل على أن لها مدبرا قادرا قاهرا منزها عن الضد والند ، مقدسا عن الشبيه والشكل . كما قال : { وهو القاهر فوق عباده } والرابع : أن هذا / البدن مؤلف من الطبائع الأربع . وهي متنافرة متباغضة متباعدة بالطبع والخاصة فاجتماعها لا بد وأن يكون بقسر قاسر وأخطأ من قال إن ذلك القاسر هو النفس الإنسانية ، وهو الذي ذكره ابن سينا في الإشارات لأن تعلق النفس بالبدن إنما يكون بعد حصول المزاج واعتدال الأمشاج ، والقاهر لهذه الطبائع على الاجتماع سابق على هذا الاجتماع ، والسابق على حصول الاجتماع مغاير للمتأخر عن حصول الاجتماع . فثبت أن القاهر لهذه الطبائع على الاجتماع ليس إلا الله تعالى ، كما قال : { وهو القاهر فوق عباده } وأيضا فالجسد كثيف سفلي ظلماني فاسد عفن ، والروح لطيف علوي نوراني مشرق باق طاهر نظيف ، فبينهما أشد المنافرة والمباعدة . ثم إنه سبحانه جمع بينهما على سبيل القهر والقدرة ، وجعل كل واحد منهما مستكملا بصاحبه منتفعا بالآخر . فالروح تصون البدن عن العفونة والفساد والتفرق ، والبدن يصير آلة للروح في تحصيل السعادات الأبدية ، والمعارف الإلهية ، فهذا الاجتماع وهذا الانتفاع ليس إلا بقهر الله تعالى لهذه الطبائع ، كما قال { وهو القاهر فوق عباده } وأيضا فعند دخول الروح في الجسد أعطى الروح قدرة على فعل الضدين ، ومكنة من الطرفين إلا أنه يمتنع رجحان الفعل على الترك تارة والترك على الفعل أخرى إلا عند حصول الداعية الجازمة الخالية عن المعارض . فلما لم تحصل تلك الداعية امتنع الفعل والترك فكان إقدام الفاعل على الفعل تارة وعلى الترك أخرى بسبب حصول تلك الداعية في قلبه من الله يجري مجرى القهر فكان قاهرا لعباده من هذه الجهة ، وإذا تأملت هذه الأبواب علمت أن الممكنات والمبدعات والعلويات والسفليات والذوات والصفات كلها مقهورة تحت قهر الله مسخرة تحت تسخير الله تعالى ، كما قال : { وهو القاهر فوق عباده } . وأما قوله تعالى : { ويرسل عليكم حفظة } فالمراد أن من جملة قهره لعباده إرسال الحفظة عليهم وهؤلاء الحفظة هم المشار إليهم بقوله تعالى : { له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } ( الرعد : 11 ) وقوله : { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } ( ق: 18 ) وقوله : { وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين } ( الانفطار : 10 ، 11 ) واتفقوا على أن المقصود من حضور هؤلاء الحفظة ضبط الأعمال . ثم اختلفوا فمنهم من يقول : إنهم يكتبون الطاعات والمعاصي والمباحات بأسرها بدليل قوله تعالى : { ما لهاذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } ( الكهف : 49 ) وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن مع كل إنسان ملكين : أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ، فإذا تكلم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين ، وإذا تكلم بسيئة قال من على اليمين لمن على اليسار انتظره لعله يتوب منها ، فإن لم يتب كتب عليه . والقول الأول : أقوى لأن قوله تعالى : { ويرسل عليكم حفظة } يفيد حفظة الكل من غير تخصيص .
Sección V13/P012–V13/P013Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P012–V13/P013)
Orijinal Metin (AR)/ والبحث الثاني : أن ظاهر هذه الآيات يدل على أن اطلاع هؤلاء الحفظة على الأقوال والأفعال ، أما على صفات القلوب وهي العلم والجهل فليس في هذه الآيات ما يدل على اطلاعهم عليها . أما في الأقوال ، فلقوله تعالى : { ما يلفظ من قوله إلا لديه رقيب عتيد } وأما في الأعمال فلقوله تعالى : { وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون } ( الانفطار : 10 ، 11 ، 12 ) فأما الإيمان والكفر والإخلاص والإشراك فلم يدل الدليل على اطلاع الملائكة عليها . البحث الثالث : ذكروا في فائدة جعل الملائكة موكلين على بني آدم وجوها : الأول : أن المكلف إذا علم أن الملائكة موكلون به يحصون عليه أعماله ويكتبونها في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة كان ذلك أزجر له عن القبائح . الثاني : يحتمل في الكتابة أن يكون الفائدة فيها أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة لأن وزن الأعمال غير ممكن ، أما وزن الصحائف فممكن . الثالث : يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد . ويجب علينا الإيمان بكل ما ورد به الشرع سواء عقلنا الوجه فيه أو لم نعقل ، فهذا حاصل ما قاله أهل الشريعة وأما أهل الحكمة فقد اختلفت أقوالهم في هذا الباب على وجوه : الوجه الأول : قال المتأخرون منهم : { وهو القاهر فوق عباده } ومن جملة ذلك القهر أنه خلط الطبائع المتضادة ومزج بين العناصر المتنافرة ، فلما حصل بينها امتزاج استعد ذلك الممتزج بسبب ذلك الامتزاج لقبول النفس المدبرة والقوى الحسية والحركية والنطقية فقالوا المراد من قوله : { ويرسل عليكم حفظة } تلك النفوس والقوى ، فإنها هى التي تحفظ تلك الطبائع المقهورة على امتزاجاتها . والوجه الثاني : وهو قول بعض القدماء أن هذه النفوس البشرية والأرواح الإنسانية مختلفة بجواهرها متباينة بماهياتها ، فبعضها خيرة وبعضها شريرة وكذا القول في الذكاء والبلادة والحرية والنذالة والشرف والدناءة وغيرها من الصفات ولكل طائفة من هذه الأرواح السفلية روح سماوي هو لها كالأب الشفيق والسيد الرحيم يعينها على مهماتها في يقظاتها ومناماتها تارة على سبيل الرؤيا / وأخرى على سبيل الإلهامات فالأرواح الشريرة لها مبادىء من عالم الأفلاك ، وكذا الأرواح الخيرة وتلك المبادىء تسمى في مصطلحهم بالطباع التام يعني تلك الأرواح الفلكية في تلك الطبائع والأخلاق تامة كاملة ، وهذه الأرواح السفلية المتولدة منها أضعف منها لأن المعلول في كل باب أضعف من علته ولأصحاب الطلسمات والعزائم الروحانية في هذا الباب كلام كثير . والقول الثالث : النفس المتعلقة بهذا الجسد . لا شك في أن النفوس المفارقة عن الأجساد / لما كانت مساوية لهذه في الطبيعة والماهية فتلك النفوس المفارقة تميل إلى هذه النفس بسبب ما بينهما من المشاكلة والموافقة وهي أيضا تتعلق بوجه ما بهذا البدن وتصير معاونة لهذه النفس على مقتضيات طبيعتها فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الذي جاءت الشريعة الحقة به ليس للفلاسفة أن يمتنعوا عنها لأن كلهم قد أقروا بما يقرب منه وإذا كان الأمر كذلك كان إصرار الجهال منهم على التكذيب باطلا والله أعلم . أما قوله تعالى : { حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا } فهنا بحثان : البحث الأول : أنه تعالى قال : { الله يتوفى الانفس حين موتها } ( الزمر : 42 ) وقال : { الذى خلق الموت والحيواة } ( الملك : 2 ) فهذا النصان يدلان على أن توفي الأرواح ليس إلا من الله تعالى . ثم قال : { قل يتوفاكم ملك الموت } ( السجدة : 11 ) وهذا يقتضي أن الوفاة لا تحصل إلا من ملك الموت . ثم قال في هذه الآية : { توفته رسلنا } فهذه النصوص الثلاثة كالمتناقضة .
Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)/ والبحث الثاني : أن ظاهر هذه الآيات يدل على أن اطلاع هؤلاء الحفظة على الأقوال والأفعال ، أما على صفات القلوب وهي العلم والجهل فليس في هذه الآيات ما يدل على اطلاعهم عليها . أما في الأقوال ، فلقوله تعالى : { ما يلفظ من قوله إلا لديه رقيب عتيد } وأما في الأعمال فلقوله تعالى : { وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون } ( الانفطار : 10 ، 11 ، 12 ) فأما الإيمان والكفر والإخلاص والإشراك فلم يدل الدليل على اطلاع الملائكة عليها . البحث الثالث : ذكروا في فائدة جعل الملائكة موكلين على بني آدم وجوها : الأول : أن المكلف إذا علم أن الملائكة موكلون به يحصون عليه أعماله ويكتبونها في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة كان ذلك أزجر له عن القبائح . الثاني : يحتمل في الكتابة أن يكون الفائدة فيها أن توزن تلك الصحائف يوم القيامة لأن وزن الأعمال غير ممكن ، أما وزن الصحائف فممكن . الثالث : يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد . ويجب علينا الإيمان بكل ما ورد به الشرع سواء عقلنا الوجه فيه أو لم نعقل ، فهذا حاصل ما قاله أهل الشريعة وأما أهل الحكمة فقد اختلفت أقوالهم في هذا الباب على وجوه : الوجه الأول : قال المتأخرون منهم : { وهو القاهر فوق عباده } ومن جملة ذلك القهر أنه خلط الطبائع المتضادة ومزج بين العناصر المتنافرة ، فلما حصل بينها امتزاج استعد ذلك الممتزج بسبب ذلك الامتزاج لقبول النفس المدبرة والقوى الحسية والحركية والنطقية فقالوا المراد من قوله : { ويرسل عليكم حفظة } تلك النفوس والقوى ، فإنها هى التي تحفظ تلك الطبائع المقهورة على امتزاجاتها . والوجه الثاني : وهو قول بعض القدماء أن هذه النفوس البشرية والأرواح الإنسانية مختلفة بجواهرها متباينة بماهياتها ، فبعضها خيرة وبعضها شريرة وكذا القول في الذكاء والبلادة والحرية والنذالة والشرف والدناءة وغيرها من الصفات ولكل طائفة من هذه الأرواح السفلية روح سماوي هو لها كالأب الشفيق والسيد الرحيم يعينها على مهماتها في يقظاتها ومناماتها تارة على سبيل الرؤيا / وأخرى على سبيل الإلهامات فالأرواح الشريرة لها مبادىء من عالم الأفلاك ، وكذا الأرواح الخيرة وتلك المبادىء تسمى في مصطلحهم بالطباع التام يعني تلك الأرواح الفلكية في تلك الطبائع والأخلاق تامة كاملة ، وهذه الأرواح السفلية المتولدة منها أضعف منها لأن المعلول في كل باب أضعف من علته ولأصحاب الطلسمات والعزائم الروحانية في هذا الباب كلام كثير . والقول الثالث : النفس المتعلقة بهذا الجسد . لا شك في أن النفوس المفارقة عن الأجساد / لما كانت مساوية لهذه في الطبيعة والماهية فتلك النفوس المفارقة تميل إلى هذه النفس بسبب ما بينهما من المشاكلة والموافقة وهي أيضا تتعلق بوجه ما بهذا البدن وتصير معاونة لهذه النفس على مقتضيات طبيعتها فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الذي جاءت الشريعة الحقة به ليس للفلاسفة أن يمتنعوا عنها لأن كلهم قد أقروا بما يقرب منه وإذا كان الأمر كذلك كان إصرار الجهال منهم على التكذيب باطلا والله أعلم . أما قوله تعالى : { حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا } فهنا بحثان : البحث الأول : أنه تعالى قال : { الله يتوفى الانفس حين موتها } ( الزمر : 42 ) وقال : { الذى خلق الموت والحيواة } ( الملك : 2 ) فهذا النصان يدلان على أن توفي الأرواح ليس إلا من الله تعالى . ثم قال : { قل يتوفاكم ملك الموت } ( السجدة : 11 ) وهذا يقتضي أن الوفاة لا تحصل إلا من ملك الموت . ثم قال في هذه الآية : { توفته رسلنا } فهذه النصوص الثلاثة كالمتناقضة .
Sección V13/P013–V13/P014Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V13/P013–V13/P014)
Orijinal Metin (AR)والجواب : أن التوفي في الحقيقة يحصل بقدرة الله تعالى ، وهو في عالم الظاهر مفوض إلى ملك الموت ، وهو الرئيس المطلق في هذا الباب ، وله أعوان وخدم وأنصار ، فحسنت إضافة التوفي إلى هذه الثلاثة بحسب الاعتبارات الثلاثة والله أعلم . البحث الثاني : من الناس من قال : هؤلاء الرسل الذين بهم تحصل الوفاة ، وهم أعيان أولئك الحفظة فهم في مدة الحياة يحفظونهم من أمر الله ، وعند مجيء الموت يتوفونهم ، والأكثرون أن الذين يتولون الحفظ غير الذين يتولون أمر الوفاة ، ولا دلالة في لفظ الآية تدل على الفرق ، إلا أن الذي مال إليه الأكثرون هو القول الثاني ، وأيضا فقد ثبت بالمقاييس العقلية أن الملائكة الذين هم معادن الرحمة والخير والراحة مغايرون للذين هم أصول الحزن والغم فطائفة من الملائكة هم المسمون بالروحانيين لإفادتهم الروح والراحة والريحان ، وبعضهم يسمون بالكروبيين لكونهم مبادىء الكرب والغم والأحزان . البحث الثالث : الظاهر من قوله تعالى : { قل يتوفاكم ملك الموت } أنه ملك واحد هو رئيس الملائكة الموكلين بقبض الأرواح ، والمراد بالحفظة المذكورين في هذه الآية : أتباعه ، وأشياعه عن مجاهد : جعل الأرض مثل الطست لملك الموت يتناول من يتناوله ، وما من أهل بيت إلا ويطوف عليهم في كل يوم مرتين ، وجاء في الأخبار من صفات ملك الموت ومن كيفية موته عند فناء الدنيا وانقضائها أحوال عجيبة . والبحث الرابع : قرأ حمزة : توفاه بالألف ممالة والباقون بالتاء ، فالأول لتقديم الفعل ، / ولأن الجمع قد يذكر ، والثاني على تأنيث الجمع . أما قوله تعالى : { وهم لا يفرطون } أي لا يقصرون فيما أمرهم الله تعالى به ، وهذا يدل على أن الملائكة الموكلين بقبض الأرواح لا يقصرون فيما أمروا به . وقوله في صفة ملائكة النار : { لا يعصون الله ما أمرهم } يدل على أن ملائكة العذاب لا يقصرون في تلك التكاليف ، وكل من أثبت عصمة الملائكة في هذه الأحوال أثبت عصمتهم على الإطلاق ، فدلت هذه الآية على ثبوت عصمة الملائكة على الإطلاق . أما قوله تعالى : { ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق } ففيه مباحث : الأول : قيل المردودون هم الملائكة يعني كما يموت بنو آدم يموت أيضا أولئك الملائكة . وقيل : بل المردودون البشر ، يعني أنهم بعد موتهم يردون إلى الله . واعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن الإنسان ليس عبارة عن مجرد هذه البنية ، لأن صريح هذه الآية يدل على حصول الموت للعبد ويدل على أنه بعد الموت يرد إلى الله ، والميت مع كونه ميتا لا يمكن أن يرد إلى الله لأن ذلك الرد ليس بالمكان والجهة ، لكونه تعالى متعاليا عن المكان والجهة ، بل يجب أن يكون ذلك الرد مفسرا بكونه منقادا لحكم الله مطيعا لقضاء الله ، وما لم يكن حيا لم يصح هذا المعنى فيه ، فثبت أنه حصل ههنا موت وحياة أما الموت ، فنصيب البدن : فبقي أن تكون الحياة نصيبا للنفس والروح ولما قال تعالى : { ثم ردوا إلى الله } وثبت أن المرد وهو النفس والروح ، ثبت أن الإنسان ليس إلا النفس والروح ، وهو المطلوب .
Español Tercümesi (Ehl-i Sünnet)والجواب : أن التوفي في الحقيقة يحصل بقدرة الله تعالى ، وهو في عالم الظاهر مفوض إلى ملك الموت ، وهو الرئيس المطلق في هذا الباب ، وله أعوان وخدم وأنصار ، فحسنت إضافة التوفي إلى هذه الثلاثة بحسب الاعتبارات الثلاثة والله أعلم . البحث الثاني : من الناس من قال : هؤلاء الرسل الذين بهم تحصل الوفاة ، وهم أعيان أولئك الحفظة فهم في مدة الحياة يحفظونهم من أمر الله ، وعند مجيء الموت يتوفونهم ، والأكثرون أن الذين يتولون الحفظ غير الذين يتولون أمر الوفاة ، ولا دلالة في لفظ الآية تدل على الفرق ، إلا أن الذي مال إليه الأكثرون هو القول الثاني ، وأيضا فقد ثبت بالمقاييس العقلية أن الملائكة الذين هم معادن الرحمة والخير والراحة مغايرون للذين هم أصول الحزن والغم فطائفة من الملائكة هم المسمون بالروحانيين لإفادتهم الروح والراحة والريحان ، وبعضهم يسمون بالكروبيين لكونهم مبادىء الكرب والغم والأحزان . البحث الثالث : الظاهر من قوله تعالى : { قل يتوفاكم ملك الموت } أنه ملك واحد هو رئيس الملائكة الموكلين بقبض الأرواح ، والمراد بالحفظة المذكورين في هذه الآية : أتباعه ، وأشياعه عن مجاهد : جعل الأرض مثل الطست لملك الموت يتناول من يتناوله ، وما من أهل بيت إلا ويطوف عليهم في كل يوم مرتين ، وجاء في الأخبار من صفات ملك الموت ومن كيفية موته عند فناء الدنيا وانقضائها أحوال عجيبة . والبحث الرابع : قرأ حمزة : توفاه بالألف ممالة والباقون بالتاء ، فالأول لتقديم الفعل ، / ولأن الجمع قد يذكر ، والثاني على تأنيث الجمع . أما قوله تعالى : { وهم لا يفرطون } أي لا يقصرون فيما أمرهم الله تعالى به ، وهذا يدل على أن الملائكة الموكلين بقبض الأرواح لا يقصرون فيما أمروا به . وقوله في صفة ملائكة النار : { لا يعصون الله ما أمرهم } يدل على أن ملائكة العذاب لا يقصرون في تلك التكاليف ، وكل من أثبت عصمة الملائكة في هذه الأحوال أثبت عصمتهم على الإطلاق ، فدلت هذه الآية على ثبوت عصمة الملائكة على الإطلاق . أما قوله تعالى : { ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق } ففيه مباحث : الأول : قيل المردودون هم الملائكة يعني كما يموت بنو آدم يموت أيضا أولئك الملائكة . وقيل : بل المردودون البشر ، يعني أنهم بعد موتهم يردون إلى الله . واعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن الإنسان ليس عبارة عن مجرد هذه البنية ، لأن صريح هذه الآية يدل على حصول الموت للعبد ويدل على أنه بعد الموت يرد إلى الله ، والميت مع كونه ميتا لا يمكن أن يرد إلى الله لأن ذلك الرد ليس بالمكان والجهة ، لكونه تعالى متعاليا عن المكان والجهة ، بل يجب أن يكون ذلك الرد مفسرا بكونه منقادا لحكم الله مطيعا لقضاء الله ، وما لم يكن حيا لم يصح هذا المعنى فيه ، فثبت أنه حصل ههنا موت وحياة أما الموت ، فنصيب البدن : فبقي أن تكون الحياة نصيبا للنفس والروح ولما قال تعالى : { ثم ردوا إلى الله } وثبت أن المرد وهو النفس والروح ، ثبت أن الإنسان ليس إلا النفس والروح ، وهو المطلوب .