Qur'an&Sunnahالقرآن

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

محمد بن علي بن عطية الحارثي المشهور بأبي طالب المكي · AR

Section V01/P414Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V01/P414)
Orijinal Metin (AR)

ذكر وصف الزاهد وفضل الزهد

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ذكر وصف الزاهد وفضل الزهد

Section V01/P414–V01/P416Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V01/P414–V01/P416)
Orijinal Metin (AR)

قوت الزهد الذي لابد منه وبه تظهر صفة الزاهد وينفصل به عن الراغب هو أن لا يفرح بعاجل موجود من حظ النفس ولا يحزن على مفقود من ذلك وأن يأخذ الحاجة من كل شيء عند الحاجة إلى الشيء ولا يتناول عند الحاجة إلا سد الفاقة ولا يطلب الشيء قبل الحاجة ، وأول الزهد دخول غم الآخرة في القلب ثم وجود حلاوة المعاملة لله تعالى ولا يدخل غم الآخرة حتى يخرج هم الدنيا ولا تدخل حلاوة المعاملة حتى تخرج حلاوة الهوى ، وكل من تاب من ذنب ولم يجد حلاوة الطاعة لم يؤمن عليه الرجوع فيه وكل من ترك الدنيا ولم يذق حلاوة الزهد رجع في الدنيا ولا يدخل حلاوة المعاملة حتى يخرج حلاوة الهوى وخالص الزهد إخراج الموجود من القلب ، ثم إخراج ما خرج من القلب عن اليد وهو عدم الموجود على الاستصغار له والاحتقار والتقالل لهوان الدنيا عنده وصغرها في عينه فبهذا يتم الزهد ، ثم ينسى زهده في زهده فيكون حينئذ زاهدا في زهده لرغبته في مزهده ، وبهذا يكمل الزهد ؛ وهذا لبه وحقيقته ؛ وهو أعز الأحوال في مقامات اليقين ، وهوالزهد في النفس لا الزهد لأجل النفس ولا للرغبة في الزهد للزهد ؛ وهذه مشاهدة الصديقين ، وزهد المقربين عند وجد عين اليقين ، ودون هذا مقامات إخراج المرغوب فيه عن اليد مع نظره إليه وعلى مجاهدة النفس فيه ؛ وهو زهد المؤمنين ، وذلك العمل بالزهد عقد وعمل إذ كان الزهد عن الإيمان ، والإيمان قول وعمل ، وكذلك الزهد عقد وعمل ، فعقده خروج حب الدنيا من القلب بدخول حب الآخرة في القلب ، والعمل بالزهد إخراج المحبوب من اليد في سبيل الله تعالى معتاضا منه ما عنده سبحانه وتعالى من وجهه الكريم جل وتعالى أو قرب جواره في داره وإن لم تكن الدنيا موجودة فإن ترك الأسف عليها وقلة الحرص فيها ، وترك الطلب والتمني لها ، وسكون القلب مع العدم ورضاه بيسير القسم بحسب للعبد زهدا لأن ذلك حال الفقير ، فإذا قام بحكمه لم يجب عليه أكثر من القيام به ، والورع هو من الزهد كما الزهد من الإيمان والحياء والإيمان في قرن واحد ، كما جاء في الخبر إذا نزع أحدهما تبعه الآخر . وروينا في ذلك حديثا من طرق أهل البيت : الزهد والورع يجولان في القلب كل ليلة ، فإن صادفا قلبا فيه الإيمان والحياء أقاما فيه وإلا ارتحلا ، والقناعة باب من الزهد أيضا ، والرضا باليسير من الأشياء حال من الزهد والتقلل في الأشياء مفتاح الزهد ، وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله : قد حجبت قلوبنا بثلاثة أعطية فلن يكشف للعبد اليقين حتى ترفع هذه الحجب الفرح بالموجود والحزن على المفقود والسرور بالمدح ، فإذا فرحت بالموجود فأنت حريص والحريص محروم ، وإذا حزنت على المفقود فأنت ساخط والساخط معذب ، وإذا سررت بالمدح فأنت معجب والعجب يحبط العمل ، وقال الله تعالى : ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) الحديد : 23 أي منها وهذان الوصفان هما أتم حال في الزهد من أعطي أحدهما تبعه الآخرة لأن الذي لايأسى على ما فاته من الدنيا ، هو الذي لا يفرح بما أتاه منها لأنه مثله والذي لا يفرح بما أتاه منها هو الذي لا يحزن على ما فاته ، وهذا وصف عبد غير متملك لملك وسيما عبد قائم بحكم رب ونعت عبد موقن محب قد شغلته مشاهدة الآخرة عن التفرغ لمتعة الدنيا وقد فرغته معاينة الآخرة من الاشتغال بما يغني ، وفي أحد الوجوه من قوله تعالى : ( وأنه هو أغنى وأقنى ) النجم : 48 قيل : أغنى أهل الآخرة بالله سبحانه وتعالى وأغناهم عن الدنيا بالآخرة وأقنى أهل الدنيا من الدنيا أي جعل لهم قنية ومدخرا وعدة كما وصف من ذمه من قوله تعالى : ( جمع مالا وعدده ) الهمزة : 2 أي قال هذا عدة لكذا وهذه عدة لكذا فهدده بالويل فحصل من ذلك أن الزاهد في المال عدته الله تعالى في كل الأحوال وكنزه وذخره وطوبى له وحسن مآب .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

قوت الزهد الذي لابد منه وبه تظهر صفة الزاهد وينفصل به عن الراغب هو أن لا يفرح بعاجل موجود من حظ النفس ولا يحزن على مفقود من ذلك وأن يأخذ الحاجة من كل شيء عند الحاجة إلى الشيء ولا يتناول عند الحاجة إلا سد الفاقة ولا يطلب الشيء قبل الحاجة ، وأول الزهد دخول غم الآخرة في القلب ثم وجود حلاوة المعاملة لله تعالى ولا يدخل غم الآخرة حتى يخرج هم الدنيا ولا تدخل حلاوة المعاملة حتى تخرج حلاوة الهوى ، وكل من تاب من ذنب ولم يجد حلاوة الطاعة لم يؤمن عليه الرجوع فيه وكل من ترك الدنيا ولم يذق حلاوة الزهد رجع في الدنيا ولا يدخل حلاوة المعاملة حتى يخرج حلاوة الهوى وخالص الزهد إخراج الموجود من القلب ، ثم إخراج ما خرج من القلب عن اليد وهو عدم الموجود على الاستصغار له والاحتقار والتقالل لهوان الدنيا عنده وصغرها في عينه فبهذا يتم الزهد ، ثم ينسى زهده في زهده فيكون حينئذ زاهدا في زهده لرغبته في مزهده ، وبهذا يكمل الزهد ؛ وهذا لبه وحقيقته ؛ وهو أعز الأحوال في مقامات اليقين ، وهوالزهد في النفس لا الزهد لأجل النفس ولا للرغبة في الزهد للزهد ؛ وهذه مشاهدة الصديقين ، وزهد المقربين عند وجد عين اليقين ، ودون هذا مقامات إخراج المرغوب فيه عن اليد مع نظره إليه وعلى مجاهدة النفس فيه ؛ وهو زهد المؤمنين ، وذلك العمل بالزهد عقد وعمل إذ كان الزهد عن الإيمان ، والإيمان قول وعمل ، وكذلك الزهد عقد وعمل ، فعقده خروج حب الدنيا من القلب بدخول حب الآخرة في القلب ، والعمل بالزهد إخراج المحبوب من اليد في سبيل الله تعالى معتاضا منه ما عنده سبحانه وتعالى من وجهه الكريم جل وتعالى أو قرب جواره في داره وإن لم تكن الدنيا موجودة فإن ترك الأسف عليها وقلة الحرص فيها ، وترك الطلب والتمني لها ، وسكون القلب مع العدم ورضاه بيسير القسم بحسب للعبد زهدا لأن ذلك حال الفقير ، فإذا قام بحكمه لم يجب عليه أكثر من القيام به ، والورع هو من الزهد كما الزهد من الإيمان والحياء والإيمان في قرن واحد ، كما جاء في الخبر إذا نزع أحدهما تبعه الآخر . وروينا في ذلك حديثا من طرق أهل البيت : الزهد والورع يجولان في القلب كل ليلة ، فإن صادفا قلبا فيه الإيمان والحياء أقاما فيه وإلا ارتحلا ، والقناعة باب من الزهد أيضا ، والرضا باليسير من الأشياء حال من الزهد والتقلل في الأشياء مفتاح الزهد ، وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله : قد حجبت قلوبنا بثلاثة أعطية فلن يكشف للعبد اليقين حتى ترفع هذه الحجب الفرح بالموجود والحزن على المفقود والسرور بالمدح ، فإذا فرحت بالموجود فأنت حريص والحريص محروم ، وإذا حزنت على المفقود فأنت ساخط والساخط معذب ، وإذا سررت بالمدح فأنت معجب والعجب يحبط العمل ، وقال الله تعالى : ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) الحديد : 23 أي منها وهذان الوصفان هما أتم حال في الزهد من أعطي أحدهما تبعه الآخرة لأن الذي لايأسى على ما فاته من الدنيا ، هو الذي لا يفرح بما أتاه منها لأنه مثله والذي لا يفرح بما أتاه منها هو الذي لا يحزن على ما فاته ، وهذا وصف عبد غير متملك لملك وسيما عبد قائم بحكم رب ونعت عبد موقن محب قد شغلته مشاهدة الآخرة عن التفرغ لمتعة الدنيا وقد فرغته معاينة الآخرة من الاشتغال بما يغني ، وفي أحد الوجوه من قوله تعالى : ( وأنه هو أغنى وأقنى ) النجم : 48 قيل : أغنى أهل الآخرة بالله سبحانه وتعالى وأغناهم عن الدنيا بالآخرة وأقنى أهل الدنيا من الدنيا أي جعل لهم قنية ومدخرا وعدة كما وصف من ذمه من قوله تعالى : ( جمع مالا وعدده ) الهمزة : 2 أي قال هذا عدة لكذا وهذه عدة لكذا فهدده بالويل فحصل من ذلك أن الزاهد في المال عدته الله تعالى في كل الأحوال وكنزه وذخره وطوبى له وحسن مآب .

Section V01/P416–V01/P417Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V01/P416–V01/P417)
Orijinal Metin (AR)

وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه قال : كفى باليقين غنى وكفى بالعبادة شغلا وكفى بالموت واعظا ؛ وهذا جملة وصف الزاهد الموقن ، الذي هو للموت مرتقب مع الخبر المشهور ، ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس ، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الزهد في الدنيا علما لحقيقة الإيمان وقربه بمشاهدة الإيقان في قوله عليه الصلاة والسلام لحارثة : عرفت فالزم عبد نور الله قلبه لما قال أنا مؤمن حقا قال : وما حقيقة إيمانك ، فابتدأ بالزهد فقال : عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حجرها وذهبها وكأني بالجنة والنار وكأني بعرش ربي بارزا ، وأشد من هذا الخبر الآخر الذي جعل النبي الزهد من علامة شرح الصدر بالنور ، وهو نور التصديق الذي هو عموم وصف المؤمنين لأنه هو في التحقيق الإسلام ، ففسر قوله تعالى : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) الأنعام : 521 قيل : يا رسول الله ما هذا الشرح ؟ قال : إن النو إذا دخل القلب انشرح له الصدر وانفتح ، قيل يا رسول الله هل لذلك من علامة ؟ قال : نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله ؛ فهذا هو الزهد جعله شرطا لحقيقة الإسلام . وأشد من هذين الخبرين الخبر الثالث الذي فسر الحياء من الله تعالى بالزهد في الدنيا فقال : استحيوا من الله تعالى حق الحياء قلنا : إنا لنستحي قال : تبنون ما لا تسكنون وتجمعون ما لا تأكلون ، وبمعنى هذا تمم إيمان الوفد الذي سألهم ما أنتم ؟ فقالوا : مؤمنون ، قال : وما علامة إيمانكم ؟ فذكروا الصبر على البلاء والشكر عند الرخاء والرضا بمواقع القضاء وترك الشماتة بالمصيبة إذا نزلت بالأعداء فقال عليه الصلاة والسلام : إن كنتم كذلك فلا تجمعوا ما لا تأكلون ولا تبنوا ما لا تسكنون ولا تنافسوا فيما عنه ترحلون ؛ فهذا هو الزهدجعله تكملة إيمانهم وعلو مقامهم وتماما على إحسانهم وأعظم من هذه كلها الخبر الرابع الذي جعل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الزهد من شرط إخلاص التوحيد في حديث رويناه عن ابن المنكدر عن جابر قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من جاء بلا إله إلا الله لا يخلط معها غيرها وجبت له الجنة ، فقام إليه علي كرم الله وجهه فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما لا يخلط بها غيرها صفه لنا فسر ه لنا فقال : حب الدنيا وطلبا لها واتباعا لها وقوم يقولون قول الأنبياء ، ويعملون أعمال الجبابرة ، فمن جاء بلا إله إلا الله ليس شيء فيها من هذا وجبت له الجنة ، فلذلك كان علي رضي الله عنه يجعل الزهد مقاما في الصبر ، ويجعل الصبر عمدة الإيمان في حديثين رويناهما عنه ؛ أولهما قوله في الحديث الطويل الذي رواه عكرمة وعتبة بن حميد والحرث الأعور وقبيصة بن جابر الأسدي في مباني الإيمان أنه قال : الإيمان على أربع دعائم ، على الصبر ، واليقين ، والعدل ، والجهاد ، ثم قال فيه : والصبر منها على أربع شعب ؛ على الشوق ، والشفق ، والزهادة ، والترقب ، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات ، ومن ترقب الموت سارع في الخيرات .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه قال : كفى باليقين غنى وكفى بالعبادة شغلا وكفى بالموت واعظا ؛ وهذا جملة وصف الزاهد الموقن ، الذي هو للموت مرتقب مع الخبر المشهور ، ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس ، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الزهد في الدنيا علما لحقيقة الإيمان وقربه بمشاهدة الإيقان في قوله عليه الصلاة والسلام لحارثة : عرفت فالزم عبد نور الله قلبه لما قال أنا مؤمن حقا قال : وما حقيقة إيمانك ، فابتدأ بالزهد فقال : عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حجرها وذهبها وكأني بالجنة والنار وكأني بعرش ربي بارزا ، وأشد من هذا الخبر الآخر الذي جعل النبي الزهد من علامة شرح الصدر بالنور ، وهو نور التصديق الذي هو عموم وصف المؤمنين لأنه هو في التحقيق الإسلام ، ففسر قوله تعالى : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) الأنعام : 521 قيل : يا رسول الله ما هذا الشرح ؟ قال : إن النو إذا دخل القلب انشرح له الصدر وانفتح ، قيل يا رسول الله هل لذلك من علامة ؟ قال : نعم التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله ؛ فهذا هو الزهد جعله شرطا لحقيقة الإسلام . وأشد من هذين الخبرين الخبر الثالث الذي فسر الحياء من الله تعالى بالزهد في الدنيا فقال : استحيوا من الله تعالى حق الحياء قلنا : إنا لنستحي قال : تبنون ما لا تسكنون وتجمعون ما لا تأكلون ، وبمعنى هذا تمم إيمان الوفد الذي سألهم ما أنتم ؟ فقالوا : مؤمنون ، قال : وما علامة إيمانكم ؟ فذكروا الصبر على البلاء والشكر عند الرخاء والرضا بمواقع القضاء وترك الشماتة بالمصيبة إذا نزلت بالأعداء فقال عليه الصلاة والسلام : إن كنتم كذلك فلا تجمعوا ما لا تأكلون ولا تبنوا ما لا تسكنون ولا تنافسوا فيما عنه ترحلون ؛ فهذا هو الزهدجعله تكملة إيمانهم وعلو مقامهم وتماما على إحسانهم وأعظم من هذه كلها الخبر الرابع الذي جعل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الزهد من شرط إخلاص التوحيد في حديث رويناه عن ابن المنكدر عن جابر قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من جاء بلا إله إلا الله لا يخلط معها غيرها وجبت له الجنة ، فقام إليه علي كرم الله وجهه فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما لا يخلط بها غيرها صفه لنا فسر ه لنا فقال : حب الدنيا وطلبا لها واتباعا لها وقوم يقولون قول الأنبياء ، ويعملون أعمال الجبابرة ، فمن جاء بلا إله إلا الله ليس شيء فيها من هذا وجبت له الجنة ، فلذلك كان علي رضي الله عنه يجعل الزهد مقاما في الصبر ، ويجعل الصبر عمدة الإيمان في حديثين رويناهما عنه ؛ أولهما قوله في الحديث الطويل الذي رواه عكرمة وعتبة بن حميد والحرث الأعور وقبيصة بن جابر الأسدي في مباني الإيمان أنه قال : الإيمان على أربع دعائم ، على الصبر ، واليقين ، والعدل ، والجهاد ، ثم قال فيه : والصبر منها على أربع شعب ؛ على الشوق ، والشفق ، والزهادة ، والترقب ، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات ، ومن ترقب الموت سارع في الخيرات .

Section V01/P417–V01/P418Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V01/P417–V01/P418)
Orijinal Metin (AR)

والخبر الآخر في الصبر الذي جعله عمود الإيمان ينهدم الإيمان بهدمه هو قوله : والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، لا جسد لمن لا رأس له ، ولا إيمان لمن لا صبر له ، وروينا في خبر مقطوع : السخاء من اليقين ولا يدخل النار موقن ، والبخل من الشك ولا يدخل الجنة من شك ، فكان هذا الحديث مفسرا للخبر المجمل السخي ، قريب من الله ، قريب من الناس ، قريب من الجنة ، بعيد من النار ، والبخيل بعيد من الله ، بعيد من الناس ، قريب من النار ، فسر في ذلك الخبر بأي معنى يكون السخي قريبا من الله تعالى ، قريبا من الجنة لأن السخاء من اليقين وبأي معنى يكون البخيل بعيدا من الله تعالى ، قريبا من النار لأن البخل من الشك ، فالسخاء وصف الزاهد ولا يكون الزاهد إلا سخيا ، والبخل وصف الراغب ، ولا يكون الحريص إلا بخيلا ولايكون البخيل زاهدا لأن الزهد يدعو إلى إخراج الشيء ، والبخل يدعو إلى إمساكه ، فنفس السخاء زهد ، فلذلك ذم البخل لأنه رغبة في الدنيا ، ثم إن الحرص علامة البخل لأنه دليل الرغبة ، والقناعة علامة السخاء لأنها باب الزهد ، فلذلك قيل : سخاء النفس عما في أيدي النفس أفضل من سخاء البذل ، ثم يفترقان في الحكم بعد اجتماعهما في الإسم ، فمن جاد بملكه لله تعالى كان زاهدا فيه لله تعالى ووقع أجره على الله ، ومن جاد بما له لأجل الناس كان أيضا زاهدا في ذلك موصوفا بالسخاء ، ولكن ذلك لنفسه ولأجل هواه ولا أجر له عند الله تعالى إذ لم يكن من عمال الله تعالى فبطل أجره لأنه عمل لنفسه وحصل شكره وذكره في الدنيا لأنه عمل لأجل الناس . كما قال ابن المبارك رحمه الله : ما رأيت بين الفتوة والقراءة فرقا إلا في شيء واحد ماحظرت القراءة شيئا إلا قبحته الفتوة وإنما يفترقان في أن القراءة يراد بها وجه الله تعالى ، والفتوة يراد بها وجوه الناس ومدحهم وقد كان أستاذه سفيان الثوري رحمه الله يقول : من لم يحسن يتفتى لم يحسن يقترى أي من لم يعرف أحكام التفتي فيقوم بها حتى يستحق وصف فتى لم يحكم أوصاف التقري حتى يوصف بأنه قارئ ، ثم إن العبد قد يجاهد نفسه على الزهد كما يجاهدها على مخالفة الهوى وكما يجاهدها بالصبر على الحق بأن يهرج المرغوب وينفق المحبوب على كراهة من النفس وجمل بالزهدعليها فيكون له مقام في الزهد ينال البر ويستوجب مدحا من البر ، والمتزهد غير الزاهد ، وهو الذي يتصنع للزهد ويعمل في أسبابه من التقلل ورثاثة الحال في كل شيء ، فمثله مثل المتصبرين من الصابر الذي يجهل على نفسه بالصبر ويصابرها على العلم ، فيكون له مقام من الصبر ، وصفوة الزهد انتظارالموت وقصر الأمل لأن فيهما ترك الادخار وتحسين الأعمال . وقال ابن عيينة : حد الزهد أن يكون شاكرا عند الرخاء صابرا عند البلاء . وقال بشر بن الحارث رحمه الله : الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس ، من زهد فيهم فقد زهد في الدنيا ، وكذلك قال بعض الحكماء : إذا طلب الزاهد الناس فاهرب منه ، وإذا هرب من الناس فاطلبه ، وقيل ليحيى بن معاذ رحمه الله : متى يكون الرجل زاهدا ؟

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

والخبر الآخر في الصبر الذي جعله عمود الإيمان ينهدم الإيمان بهدمه هو قوله : والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، لا جسد لمن لا رأس له ، ولا إيمان لمن لا صبر له ، وروينا في خبر مقطوع : السخاء من اليقين ولا يدخل النار موقن ، والبخل من الشك ولا يدخل الجنة من شك ، فكان هذا الحديث مفسرا للخبر المجمل السخي ، قريب من الله ، قريب من الناس ، قريب من الجنة ، بعيد من النار ، والبخيل بعيد من الله ، بعيد من الناس ، قريب من النار ، فسر في ذلك الخبر بأي معنى يكون السخي قريبا من الله تعالى ، قريبا من الجنة لأن السخاء من اليقين وبأي معنى يكون البخيل بعيدا من الله تعالى ، قريبا من النار لأن البخل من الشك ، فالسخاء وصف الزاهد ولا يكون الزاهد إلا سخيا ، والبخل وصف الراغب ، ولا يكون الحريص إلا بخيلا ولايكون البخيل زاهدا لأن الزهد يدعو إلى إخراج الشيء ، والبخل يدعو إلى إمساكه ، فنفس السخاء زهد ، فلذلك ذم البخل لأنه رغبة في الدنيا ، ثم إن الحرص علامة البخل لأنه دليل الرغبة ، والقناعة علامة السخاء لأنها باب الزهد ، فلذلك قيل : سخاء النفس عما في أيدي النفس أفضل من سخاء البذل ، ثم يفترقان في الحكم بعد اجتماعهما في الإسم ، فمن جاد بملكه لله تعالى كان زاهدا فيه لله تعالى ووقع أجره على الله ، ومن جاد بما له لأجل الناس كان أيضا زاهدا في ذلك موصوفا بالسخاء ، ولكن ذلك لنفسه ولأجل هواه ولا أجر له عند الله تعالى إذ لم يكن من عمال الله تعالى فبطل أجره لأنه عمل لنفسه وحصل شكره وذكره في الدنيا لأنه عمل لأجل الناس . كما قال ابن المبارك رحمه الله : ما رأيت بين الفتوة والقراءة فرقا إلا في شيء واحد ماحظرت القراءة شيئا إلا قبحته الفتوة وإنما يفترقان في أن القراءة يراد بها وجه الله تعالى ، والفتوة يراد بها وجوه الناس ومدحهم وقد كان أستاذه سفيان الثوري رحمه الله يقول : من لم يحسن يتفتى لم يحسن يقترى أي من لم يعرف أحكام التفتي فيقوم بها حتى يستحق وصف فتى لم يحكم أوصاف التقري حتى يوصف بأنه قارئ ، ثم إن العبد قد يجاهد نفسه على الزهد كما يجاهدها على مخالفة الهوى وكما يجاهدها بالصبر على الحق بأن يهرج المرغوب وينفق المحبوب على كراهة من النفس وجمل بالزهدعليها فيكون له مقام في الزهد ينال البر ويستوجب مدحا من البر ، والمتزهد غير الزاهد ، وهو الذي يتصنع للزهد ويعمل في أسبابه من التقلل ورثاثة الحال في كل شيء ، فمثله مثل المتصبرين من الصابر الذي يجهل على نفسه بالصبر ويصابرها على العلم ، فيكون له مقام من الصبر ، وصفوة الزهد انتظارالموت وقصر الأمل لأن فيهما ترك الادخار وتحسين الأعمال . وقال ابن عيينة : حد الزهد أن يكون شاكرا عند الرخاء صابرا عند البلاء . وقال بشر بن الحارث رحمه الله : الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس ، من زهد فيهم فقد زهد في الدنيا ، وكذلك قال بعض الحكماء : إذا طلب الزاهد الناس فاهرب منه ، وإذا هرب من الناس فاطلبه ، وقيل ليحيى بن معاذ رحمه الله : متى يكون الرجل زاهدا ؟

Section V01/P418–V01/P419Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V01/P418–V01/P419)
Orijinal Metin (AR)

فقال : إذا بلغ حرصه في ترك الدنيا حرص الطالب لها كان زاهدا ، وقال قاسم الجوعي : الزهد في الدنيا هو الزهد في الجوف بقدر ما تملك من بطنك ، كذلك تملك من الزهد فكانت الدنيا عنده الشبع وأكل الشهوات ، وقال فضيل بن عياض رحمه الله : الزهد هو القناعة فكانت الدنيا عنده هو الحرص والشره ، وقال الثوري : الزهد هو قصر الأمل فكانت الدنيا عنده طول الأمل ، وكان أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى يقول : الدنيا كل ما يشغلك عن الله تعالى فكان الزهد عنده التفرغ لله تعالى ، وقد قال : إنما الزاهد من تخلى عن الدنيا واشتغل بالعبادة والاجتهاد ، فأما من تركها وتبطل فإنما طلب الراحة لنفسه ، وكان داود الطائي رحمه الله تعالى يقول : كل ما شغلك عن الله تعالى من أهل أو مال فهوعليك شؤم . وقال أبو سليمان : من تزوج أو كتب الحديث أو طلب معاشا فقد ركن إلى الدنيا وقرأ قوله تعالى : ( إلامن أتى الله بقلب سليم ) الشعراء : 89 قال : هو القلب الذي ليس فيه غير الله تعالى ، وقال : إنما زهدوا في الدنيا لتفرغ قلوبهم من همومها للآخرة ، وقد قال أويس القرني رحمه الله تعالى : إذا خرج يطلب ذهب الزهد وكان إمامنا وشيخ شيخنا أبومحمد سهل بن عبد الله رحمه الله يقول : أول الزهد التوكل وأوسطه إظهار القدرة وقال : لا يزهدالعبد زهدا حقيقيا لا رجعة بعده إلابعد مشاهدة قدرة ، فإن أول القدرة عندي أن يشهد ما سمع من كلام القادر المزهد إذ يقول تبارك وتعالى : ( ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ) الرعد : 71 ، فالحلية الذهب والفضة ؛ وهما قيم الأشياء اللذان ملكا النفوس ونكسا الرؤوس فالمتاع ما سواهما من معادن الأرض ، فإذا شهد العبد الذهب الذي هو سبب الدنيا و لأجله أشرك من أشرك وبحبائله ارتبك من ارتبك ولوقوع حلاوته في القلب وقع من وقع ، فإذا شهد جوهر الذهب والفضة زبدا طافيا على وجه الماء لا نفع فيه ولا غنية به ولا قيمة له زهد فيه حينئذ زهدا صادقا فكان زهده معاينة لا خبرا وكان من المؤمنين حقا الذين وصفهم الحق بالحق في قوله تعالى : ( اذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ) الأنفال : 2 فالزهد مزيد الإيمان ثم قال : وعلى ربهم يتوكلون ، فالزهد يدخل في التوكل ثم قال : فاتخذه وكيلا واصبر على ما يقولون ، فالتوكل يوقف على الصبر ، وكان هذا قد سمع من كلام الله تعالى ففعله فأبلغه الله تعالى مأمنه في المقام الأمين في جنات وعيون ، واستحق وصف الله تعالى بالإيمان إذا تلا القرآن بحقيقة الإيقان فقال عز وجل : ( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ) البقرة : 121 وذلك أن هذا الزبد تشبيه من الله تعالى لمثل ضربه للحق و الباطل ، فالمثل هو الماء والزبد فمثل الحق في نفعه وبقائه بالماء ، ومثل الباطل في ذهابه وقلة نفعه بالزبد ، ثم شبه الذهب لذهابه عن الحقيقة بالزبد تشبيه مماثلة لا تشبيه مجاز لقوله : زبد مثله ، والمماثلة مستقصاة ، ثم قال : كذلك يضرب الله الأمثال للذين استجابوا لربهم الحسنى أي الجنة والبقاء .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

فقال : إذا بلغ حرصه في ترك الدنيا حرص الطالب لها كان زاهدا ، وقال قاسم الجوعي : الزهد في الدنيا هو الزهد في الجوف بقدر ما تملك من بطنك ، كذلك تملك من الزهد فكانت الدنيا عنده الشبع وأكل الشهوات ، وقال فضيل بن عياض رحمه الله : الزهد هو القناعة فكانت الدنيا عنده هو الحرص والشره ، وقال الثوري : الزهد هو قصر الأمل فكانت الدنيا عنده طول الأمل ، وكان أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى يقول : الدنيا كل ما يشغلك عن الله تعالى فكان الزهد عنده التفرغ لله تعالى ، وقد قال : إنما الزاهد من تخلى عن الدنيا واشتغل بالعبادة والاجتهاد ، فأما من تركها وتبطل فإنما طلب الراحة لنفسه ، وكان داود الطائي رحمه الله تعالى يقول : كل ما شغلك عن الله تعالى من أهل أو مال فهوعليك شؤم . وقال أبو سليمان : من تزوج أو كتب الحديث أو طلب معاشا فقد ركن إلى الدنيا وقرأ قوله تعالى : ( إلامن أتى الله بقلب سليم ) الشعراء : 89 قال : هو القلب الذي ليس فيه غير الله تعالى ، وقال : إنما زهدوا في الدنيا لتفرغ قلوبهم من همومها للآخرة ، وقد قال أويس القرني رحمه الله تعالى : إذا خرج يطلب ذهب الزهد وكان إمامنا وشيخ شيخنا أبومحمد سهل بن عبد الله رحمه الله يقول : أول الزهد التوكل وأوسطه إظهار القدرة وقال : لا يزهدالعبد زهدا حقيقيا لا رجعة بعده إلابعد مشاهدة قدرة ، فإن أول القدرة عندي أن يشهد ما سمع من كلام القادر المزهد إذ يقول تبارك وتعالى : ( ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ) الرعد : 71 ، فالحلية الذهب والفضة ؛ وهما قيم الأشياء اللذان ملكا النفوس ونكسا الرؤوس فالمتاع ما سواهما من معادن الأرض ، فإذا شهد العبد الذهب الذي هو سبب الدنيا و لأجله أشرك من أشرك وبحبائله ارتبك من ارتبك ولوقوع حلاوته في القلب وقع من وقع ، فإذا شهد جوهر الذهب والفضة زبدا طافيا على وجه الماء لا نفع فيه ولا غنية به ولا قيمة له زهد فيه حينئذ زهدا صادقا فكان زهده معاينة لا خبرا وكان من المؤمنين حقا الذين وصفهم الحق بالحق في قوله تعالى : ( اذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ) الأنفال : 2 فالزهد مزيد الإيمان ثم قال : وعلى ربهم يتوكلون ، فالزهد يدخل في التوكل ثم قال : فاتخذه وكيلا واصبر على ما يقولون ، فالتوكل يوقف على الصبر ، وكان هذا قد سمع من كلام الله تعالى ففعله فأبلغه الله تعالى مأمنه في المقام الأمين في جنات وعيون ، واستحق وصف الله تعالى بالإيمان إذا تلا القرآن بحقيقة الإيقان فقال عز وجل : ( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ) البقرة : 121 وذلك أن هذا الزبد تشبيه من الله تعالى لمثل ضربه للحق و الباطل ، فالمثل هو الماء والزبد فمثل الحق في نفعه وبقائه بالماء ، ومثل الباطل في ذهابه وقلة نفعه بالزبد ، ثم شبه الذهب لذهابه عن الحقيقة بالزبد تشبيه مماثلة لا تشبيه مجاز لقوله : زبد مثله ، والمماثلة مستقصاة ، ثم قال : كذلك يضرب الله الأمثال للذين استجابوا لربهم الحسنى أي الجنة والبقاء .

Section V01/P419–V01/P420Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V01/P419–V01/P420)
Orijinal Metin (AR)

وقال تعالى : ( للذين لايؤمنون بالآخرة مثل السوء ) النحل : 06 هم المريدون للحياة الدنيا وزينتها ، الراضون المطمئنون بها ، ليس لهم في الآخرة إلا النار ، فسبحان من نفد بصره الأبصار وسبحان مقلب الليل والنهار ، وسبحان من كل شيء عنده بمقدار ، يبصر ما لا نبصر ، كما يقدر على ما لا نقدر ، خص المشاهدين بمعنى مشاهدته كما خصهم بالإحاطة بشيء من علمه فأحاط عليهم بما شاء ، لما أحاط لهم ما شاء فكان الذهب والفضة زبدا طافيا تفرقه الرياح فيكون فوق الماء متجافيا ؛ وهما من معادن الجبال فكانت الجبال عندهم أمواجا ثابتة بإثبات وساكنة بتسكين تحسبها جامدة ، وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء وصارت الأرض بحرا عجاجا يضرب بالأمواج فيظهر بينهما من المدن والقفار للاستواء والاعوجاج وصار الأنام يسبحون في الأسراب يدبون بين المناكب والأحداب ، أظهر فيهما من كل شيء موزون بمقدار ، كتنفس النهار في الليل وكالغشاء على السيل ، ذلك لظهور حكمته وخفي قدرته ولطيف صنعه ودقيق صنعته ذلك لشهود نعمته من القيام بشكره وجعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وهم من كل حدب ينسلون ، إن ربي لطيف لما يشاء فاجتمع الفرق وارتتق الفتق وغاب كل متفرق ونطق وكان عرشه على الماء ليبلوكم ، فهذه مشاهدة أبناء الآخرة هي أعلى من زهدهم في الدنيا ، وافترق الجمع وافتتق الرتق وظهر من الماء كل شيء حي ظاهر واتسع الفضاء واستتر الغطاء ووجد التفصيل وحكم الحسبان بالتحصيل ، كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي ، أفلايؤمنون هذه مشاهدة أبناء الدنيا هي أعظم عليهم إذا تيقظوا من غيبهم وجاءت سكرة الموت بالحق ، ذلك ماكنت منه تحيد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك عطاءك فبصرك اليوم حديد ، والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا ؛ هذه مشاهدة العموم عند الموت فيعظمه عليهم بالحسرة والفوت ، وقد فرغ الخصوص من نصيبهم لمشاهدته فهم ناظرون إلى مستقبل المزيد مشغولون به عن العبيد قائمون بشاهد الحق لهم متصرفون بإشهاده إياهم ظاهرا وباطنا ولطيفا ومستترا ومعروفا ومنكرا والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون فما غلب عليه لا يظهر وما غلبه عليهم إيامهم قهر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق كلمة قالها الشاعر : ألا كل شيء ماخلا الله باطل وقال : فالحق والحق أقول : خلق سبع سموات ومن الأرض مثهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله علي كل شيء قدير ، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول : لو فسرت لكم هذه لآية لكفرتم قيل : وكيف ؟

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وقال تعالى : ( للذين لايؤمنون بالآخرة مثل السوء ) النحل : 06 هم المريدون للحياة الدنيا وزينتها ، الراضون المطمئنون بها ، ليس لهم في الآخرة إلا النار ، فسبحان من نفد بصره الأبصار وسبحان مقلب الليل والنهار ، وسبحان من كل شيء عنده بمقدار ، يبصر ما لا نبصر ، كما يقدر على ما لا نقدر ، خص المشاهدين بمعنى مشاهدته كما خصهم بالإحاطة بشيء من علمه فأحاط عليهم بما شاء ، لما أحاط لهم ما شاء فكان الذهب والفضة زبدا طافيا تفرقه الرياح فيكون فوق الماء متجافيا ؛ وهما من معادن الجبال فكانت الجبال عندهم أمواجا ثابتة بإثبات وساكنة بتسكين تحسبها جامدة ، وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء وصارت الأرض بحرا عجاجا يضرب بالأمواج فيظهر بينهما من المدن والقفار للاستواء والاعوجاج وصار الأنام يسبحون في الأسراب يدبون بين المناكب والأحداب ، أظهر فيهما من كل شيء موزون بمقدار ، كتنفس النهار في الليل وكالغشاء على السيل ، ذلك لظهور حكمته وخفي قدرته ولطيف صنعه ودقيق صنعته ذلك لشهود نعمته من القيام بشكره وجعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وهم من كل حدب ينسلون ، إن ربي لطيف لما يشاء فاجتمع الفرق وارتتق الفتق وغاب كل متفرق ونطق وكان عرشه على الماء ليبلوكم ، فهذه مشاهدة أبناء الآخرة هي أعلى من زهدهم في الدنيا ، وافترق الجمع وافتتق الرتق وظهر من الماء كل شيء حي ظاهر واتسع الفضاء واستتر الغطاء ووجد التفصيل وحكم الحسبان بالتحصيل ، كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي ، أفلايؤمنون هذه مشاهدة أبناء الدنيا هي أعظم عليهم إذا تيقظوا من غيبهم وجاءت سكرة الموت بالحق ، ذلك ماكنت منه تحيد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك عطاءك فبصرك اليوم حديد ، والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا ؛ هذه مشاهدة العموم عند الموت فيعظمه عليهم بالحسرة والفوت ، وقد فرغ الخصوص من نصيبهم لمشاهدته فهم ناظرون إلى مستقبل المزيد مشغولون به عن العبيد قائمون بشاهد الحق لهم متصرفون بإشهاده إياهم ظاهرا وباطنا ولطيفا ومستترا ومعروفا ومنكرا والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون فما غلب عليه لا يظهر وما غلبه عليهم إيامهم قهر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق كلمة قالها الشاعر : ألا كل شيء ماخلا الله باطل وقال : فالحق والحق أقول : خلق سبع سموات ومن الأرض مثهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله علي كل شيء قدير ، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول : لو فسرت لكم هذه لآية لكفرتم قيل : وكيف ؟

Section V01/P420–V01/P421Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V01/P420–V01/P421)
Orijinal Metin (AR)

قال : كنتم تنكرونها وإنكاركم له كفر بها ، وفي لفظ آخر : لو فسرت الآية التي في سورة النساء القصري لرجمتموني بالحجارة معناه لكفرتموني لأنهم لا يقتلون إلا كافرا عندهم ، وروينا عنه قي قوله تعالى جميعا منه قال : في كل شيء اسم حرف من أسمائه ، فاسم كل شيء من اسمه فإنما أنت بين أسمائه وصفاته وأفعاله ناطقا بقدرته وظاهرا بحكمته وبمعناه ، كان أبو محمد رحمه الله تعالى يتأول قوله : ما نزل من السماء أعز من اليقين فغابت السبع سبعا في السبع العلي والسبع السفلي لما طوى نفس الهوى وغابت العليا والسفلى في ملكوت العرش والثرى لما طوي طي النفس وغاب العرض والثرى في جبروت الأعلى لما محي طي الطي وحضر الأزلي الأول إذا غاب الحدثان الثاني وظهرالباطن الآخير حين بطن الظاهر الساتر فصار العبد شهيدا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ألا كل شيء ماخلا الله باطل ، وأراه الآيات في الأفاق فتبين الحق بقول الحق سبحانه وتعالى : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم ىكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) فصلت : 53 ، ( ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط ) فصلت : 54 وكذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال : اللهم أرني الدنيا كما تراها فقال : لا تقل هكذا فإن الله تعالى لايرى الدنيا كما تراها ولكن قل أرني الدنيا كما يراها الصالح من عبادك ؛ وهذه شهادة أهل الله تعالى ، وغابت فيه الشهادة الأولى كما غيبت تلك الأولى مشاهدة أهل الدنيا فكشف هذا المقام وإظهار هذه الشهادة لا تحل إلا لشهيد ذي مقام في الصديقين عتيد ، وقال الحكيم : لقد عزت معانيه فغابت عن الأبصار : إلا الشهيد وهم أولو المطلع في القرآن الذين سلموا من هول المطلع في العيان ، وإفشاء سر الربوبية معصية وإعلان سر السر كفر ولكن يحتاج هذا الزاهد أن يشهد المزهود بمنزلة الزبد إن لم يبلغ نظره شهادة المزهد الأحد ليكون من أهل السمع والشهادة فينسى بذكر قلبه معارفه والعادة يكون عند الله شهيدا له أجره ونوره كما قال الشاهد الأعلى والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم فكيف يكون شهيدا من لم يشهد بشهادته بل كيف يشهد وصف الأولية بغير نورها أم كيف يقوم بشهادته من لم يشهد قيوميته بل كيف يرى قيوميته بغير نور وحدانيته ؟ فإن لم يقرب في هذا المكان فكما قال أو ألقى السمع وهو شهيد فيسمع من مكان هو إلى جنب القرب بعيد ويكون من أهل البيان والفكر كقول الحق المبين : ( كذلك يبين لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة ) البقرة 219 - 220 أي تتفكرون في فناء الدنيا وزوالها وبقاء الآخرة ودوامها فتؤثرون الباقي الدائم وترغبون فيه على الزائل الفاني وتزهدون فيه لأن ما يكون آخره فناء يشبه آخره أول أمره وأوله لم يكن ومايكون آخره بفاء فكأنه لم يزل فأشبه أوله آخره في البقاء ، وكذلك قال العليم الحكيم : ( والآخرة خير وأبقى ) الأعلى : 17 فوصفها لبقائها في المآل بوصفين من صفاته .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

قال : كنتم تنكرونها وإنكاركم له كفر بها ، وفي لفظ آخر : لو فسرت الآية التي في سورة النساء القصري لرجمتموني بالحجارة معناه لكفرتموني لأنهم لا يقتلون إلا كافرا عندهم ، وروينا عنه قي قوله تعالى جميعا منه قال : في كل شيء اسم حرف من أسمائه ، فاسم كل شيء من اسمه فإنما أنت بين أسمائه وصفاته وأفعاله ناطقا بقدرته وظاهرا بحكمته وبمعناه ، كان أبو محمد رحمه الله تعالى يتأول قوله : ما نزل من السماء أعز من اليقين فغابت السبع سبعا في السبع العلي والسبع السفلي لما طوى نفس الهوى وغابت العليا والسفلى في ملكوت العرش والثرى لما طوي طي النفس وغاب العرض والثرى في جبروت الأعلى لما محي طي الطي وحضر الأزلي الأول إذا غاب الحدثان الثاني وظهرالباطن الآخير حين بطن الظاهر الساتر فصار العبد شهيدا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ألا كل شيء ماخلا الله باطل ، وأراه الآيات في الأفاق فتبين الحق بقول الحق سبحانه وتعالى : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم ىكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) فصلت : 53 ، ( ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط ) فصلت : 54 وكذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال : اللهم أرني الدنيا كما تراها فقال : لا تقل هكذا فإن الله تعالى لايرى الدنيا كما تراها ولكن قل أرني الدنيا كما يراها الصالح من عبادك ؛ وهذه شهادة أهل الله تعالى ، وغابت فيه الشهادة الأولى كما غيبت تلك الأولى مشاهدة أهل الدنيا فكشف هذا المقام وإظهار هذه الشهادة لا تحل إلا لشهيد ذي مقام في الصديقين عتيد ، وقال الحكيم : لقد عزت معانيه فغابت عن الأبصار : إلا الشهيد وهم أولو المطلع في القرآن الذين سلموا من هول المطلع في العيان ، وإفشاء سر الربوبية معصية وإعلان سر السر كفر ولكن يحتاج هذا الزاهد أن يشهد المزهود بمنزلة الزبد إن لم يبلغ نظره شهادة المزهد الأحد ليكون من أهل السمع والشهادة فينسى بذكر قلبه معارفه والعادة يكون عند الله شهيدا له أجره ونوره كما قال الشاهد الأعلى والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم فكيف يكون شهيدا من لم يشهد بشهادته بل كيف يشهد وصف الأولية بغير نورها أم كيف يقوم بشهادته من لم يشهد قيوميته بل كيف يرى قيوميته بغير نور وحدانيته ؟ فإن لم يقرب في هذا المكان فكما قال أو ألقى السمع وهو شهيد فيسمع من مكان هو إلى جنب القرب بعيد ويكون من أهل البيان والفكر كقول الحق المبين : ( كذلك يبين لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة ) البقرة 219 - 220 أي تتفكرون في فناء الدنيا وزوالها وبقاء الآخرة ودوامها فتؤثرون الباقي الدائم وترغبون فيه على الزائل الفاني وتزهدون فيه لأن ما يكون آخره فناء يشبه آخره أول أمره وأوله لم يكن ومايكون آخره بفاء فكأنه لم يزل فأشبه أوله آخره في البقاء ، وكذلك قال العليم الحكيم : ( والآخرة خير وأبقى ) الأعلى : 17 فوصفها لبقائها في المآل بوصفين من صفاته .

Section V01/P421–V01/P422Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V01/P421–V01/P422)
Orijinal Metin (AR)

كما قال تعالى : ( والله خير وأبقى ) طه : 73 ، ولأنه قال تعالى : ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ) النحل : 96 فنسب الدنيا إلينا ليذلنا بها لأنا أهل الغناء وليزهدنا فيها ، وأضاف الآخرة إليه ليعزها به لأنه أهل البقاء وليرغبنا فيها ، فإذا شهد العبد بعين قلبه ويقين إيمانه ما صدق به مما عقله الذي هو فهم سمعه وإدراك خبره ما يفنى آخره كأنه لم يكن وما يبقى آخره كأنه لم يزل كان من المتفكرين في هذه الآية المشاهدين لها ، وممن تلاها حق تلاوتها فآمن حقيقة الإيمان وزهد في الدنيا حقيقة الزهد ورغب في الآخرة حق الرغبة وكان من أولي الأيدي والأبصار أي من ذوي القوى في الدين والبصائر في اليقين ، فلما أبصر بقواه عبر الدنيا إلى الله تعالى وكان زاده تقواه ، كما قال تعالى : ( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ) الذاريات : 49 أي تذكرون الفرد ففروا إلى الله أي من الأشكال والأضداد ، وكما قال : فاعتبروا يا أولي الأبصار فعبر لما أبصر معه عندها كان ممن أخذ الكتاب بقوة قيل : بعمل فيه وقيل : بيقين فيه ويقال : بجد واجتهاد ، فكان من المحسنين الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ) آل عمران : 191 الآية ، وقال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ويل لمن تلاها ومسبح بها سبلنه و ذلك أن السموات والأرض عبر بهما عما وراءهما من درجات الجنات ودركات النيران ، وهو الملكوت إلى الملك الباطن والملك الكبير فكشف هذان عما علا وسفل وأحاط بهما من العرش والثرى لمن تفكر فيهما ثم كشف ذلك له ورآه من العزة وجاوز الأفكار الملكوت لما شرحت القلوب بأنوار اليقين إلى الأفق الأعلى والجبروت فنفذت أبصار المتفكرين بقواها إلى مشاهدة ذلك وبقيت أنوار يقنيهم معاينة ما أحاط بذلك وهو ما قدمنا ذكره آنفا مما لم يظهر كشفه كنحوما نبه الله تعالى العباد بما يشهدون إلى ما وراءه مما به أيقنوا وللمؤمنين مشاهدة للدنيا قريبة دون هذه من طريق العقول يشهدون أنها عقوبة كما قيل : ما فتحت الدنيا على عبد إلا مكرا به ولا زويت عنه إلا نظرا له . وسمعنا في أخبار داود عليه السلام : أن الله تعالى أوحى إليه : تدري لم ابتليت آدم بأكل الشجرة لأني جعلت معصيته سببا لعمارة الدنيا فينبغي في دليل لخطاب أن تكون الطاعة سبب خرابها وهو الزهد فيها ، فصح بذلك الخبر المشهور : حب الدنيا رأس كل خطئة لأنه كان أساسها ولكن لايسع ذلك العامة لأنهم مرادون بالعمارة وصلح لنفرمن الخاصة لأن نقصان عددهم من الكافة لا ينقص عمارة الدنيا إذ المراد عمارتها بأهلها ، ويقال عن آدم عليه السلام : لما أكل الشجرة تحركت معدته لخروج الثفل ولم يكن ذلك مجعولا في شيء من أطعمة الجنة إلا في هذه الشجرة ، فلذلك نهيا عن أكلها قال : فجعل يدور في الجنة فأمر الله تعالى ملكا يخاطبه فقال له : أي شيء تريد ؟ فقال آدم عليه السلام : أريد أن أضع ما في بطني من أذى فقيل للملك : قل له في أي مكان تضعه علي الفرش أم على السرر أم على الأنهار أم تحت ظلال الأشجار هل ترى ههنا موضعا يصلح لذلك ولكن اهبط إلى الدنيا ، قال : وتلطف الله تعالى له بهذا المعنى فأهبطه إلى الأرض وقد نغص الله تعالى فاكهة الدنيا وغيرها بحشو العجم والثفل ليزهد فيها وأخبر أنها مقطوعة ممنوعة ليرغب في الدائم الموهوب .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

كما قال تعالى : ( والله خير وأبقى ) طه : 73 ، ولأنه قال تعالى : ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ) النحل : 96 فنسب الدنيا إلينا ليذلنا بها لأنا أهل الغناء وليزهدنا فيها ، وأضاف الآخرة إليه ليعزها به لأنه أهل البقاء وليرغبنا فيها ، فإذا شهد العبد بعين قلبه ويقين إيمانه ما صدق به مما عقله الذي هو فهم سمعه وإدراك خبره ما يفنى آخره كأنه لم يكن وما يبقى آخره كأنه لم يزل كان من المتفكرين في هذه الآية المشاهدين لها ، وممن تلاها حق تلاوتها فآمن حقيقة الإيمان وزهد في الدنيا حقيقة الزهد ورغب في الآخرة حق الرغبة وكان من أولي الأيدي والأبصار أي من ذوي القوى في الدين والبصائر في اليقين ، فلما أبصر بقواه عبر الدنيا إلى الله تعالى وكان زاده تقواه ، كما قال تعالى : ( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ) الذاريات : 49 أي تذكرون الفرد ففروا إلى الله أي من الأشكال والأضداد ، وكما قال : فاعتبروا يا أولي الأبصار فعبر لما أبصر معه عندها كان ممن أخذ الكتاب بقوة قيل : بعمل فيه وقيل : بيقين فيه ويقال : بجد واجتهاد ، فكان من المحسنين الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ) آل عمران : 191 الآية ، وقال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ويل لمن تلاها ومسبح بها سبلنه و ذلك أن السموات والأرض عبر بهما عما وراءهما من درجات الجنات ودركات النيران ، وهو الملكوت إلى الملك الباطن والملك الكبير فكشف هذان عما علا وسفل وأحاط بهما من العرش والثرى لمن تفكر فيهما ثم كشف ذلك له ورآه من العزة وجاوز الأفكار الملكوت لما شرحت القلوب بأنوار اليقين إلى الأفق الأعلى والجبروت فنفذت أبصار المتفكرين بقواها إلى مشاهدة ذلك وبقيت أنوار يقنيهم معاينة ما أحاط بذلك وهو ما قدمنا ذكره آنفا مما لم يظهر كشفه كنحوما نبه الله تعالى العباد بما يشهدون إلى ما وراءه مما به أيقنوا وللمؤمنين مشاهدة للدنيا قريبة دون هذه من طريق العقول يشهدون أنها عقوبة كما قيل : ما فتحت الدنيا على عبد إلا مكرا به ولا زويت عنه إلا نظرا له . وسمعنا في أخبار داود عليه السلام : أن الله تعالى أوحى إليه : تدري لم ابتليت آدم بأكل الشجرة لأني جعلت معصيته سببا لعمارة الدنيا فينبغي في دليل لخطاب أن تكون الطاعة سبب خرابها وهو الزهد فيها ، فصح بذلك الخبر المشهور : حب الدنيا رأس كل خطئة لأنه كان أساسها ولكن لايسع ذلك العامة لأنهم مرادون بالعمارة وصلح لنفرمن الخاصة لأن نقصان عددهم من الكافة لا ينقص عمارة الدنيا إذ المراد عمارتها بأهلها ، ويقال عن آدم عليه السلام : لما أكل الشجرة تحركت معدته لخروج الثفل ولم يكن ذلك مجعولا في شيء من أطعمة الجنة إلا في هذه الشجرة ، فلذلك نهيا عن أكلها قال : فجعل يدور في الجنة فأمر الله تعالى ملكا يخاطبه فقال له : أي شيء تريد ؟ فقال آدم عليه السلام : أريد أن أضع ما في بطني من أذى فقيل للملك : قل له في أي مكان تضعه علي الفرش أم على السرر أم على الأنهار أم تحت ظلال الأشجار هل ترى ههنا موضعا يصلح لذلك ولكن اهبط إلى الدنيا ، قال : وتلطف الله تعالى له بهذا المعنى فأهبطه إلى الأرض وقد نغص الله تعالى فاكهة الدنيا وغيرها بحشو العجم والثفل ليزهد فيها وأخبر أنها مقطوعة ممنوعة ليرغب في الدائم الموهوب .

Section V01/P422–V01/P423Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V01/P422–V01/P423)
Orijinal Metin (AR)

وكان بعض العلماء يقول : ما سطع لي زينة من زخرف الدنيا إلا كشف لي باطنه فظهر لي عزوف عنه فهذه عناية من الله تعالى بمن وليه من أوليائه المقربين منه ، فمن شهد الدنيا بأول وصفها لم يغتر بآخره ، ومن عرفها بباطن حقيقتها لم يعجب بظاهرها ، ومن كوشف بعاقتبها لم يستهوه زخرفها ، وكان عيسى عليه السلام يقول : ويلكم علماء السوء مثلكم مثل قناة حش ظاهرها جص وباطنها نتن ، وقال مالك بن دينار رحمه الله : اتقوا السحارة فإنها تسحر قلوب العلماء يعني الدنيا ، فمن حرص على الدنيا بالباطل فقد قتل نفسه ، فإن قوى حرصه عليها واشتد عشقه لها قتل غيره ، قال الله تعالى : ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم ) النساء : 29 وقال في قتل غيره بصده إياه عن سبيل الله : ( إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ) التوبة : 43 وروينا في أخبار عيسى عليه السلام : إنه مر في سياحته ومعه طائفة من الحواريين بذهب مصبوب في الأرض فوقف عليه ثم قال : هذا القاتول فاحذروه ، ثم عبروا أصحابه فتخلف ثلاثة لأجل الذهب فأقام اثنان ودفعا إلى واحد شيئا منه يشتري لهم من الطيبات من أقرب الأمصار إليهم فوسوس إليهما العدو : ترضيان أن يكون هذا المال بينكم أثلاثا اقتلوا هذا فيكون المال بينكم نصفين ، فأجمعا على قتله إذارجع إليهما ، قال : وجاء الشيطان إلى الثالث فوسوس إليه أرضيت لنفسك أن تأخذ ثلث المال اقتلهما فيكون المال كله لك قال : فاشترى سما فجعله في الطعام فلما جاءهما به وثبا عليه فقتلاه ثم قعدا يأكلان الطعام فلما فرغا ماتا ، فرجع عيسى عليه السلام من سياحته فنظر إليهم حول الذهب صرعى والذهب بحاله فعجب أصحابه وقالوا : ما شأن هؤلاء فأخبرهم بهذه القصة ، وقيل لابن المبارك : من الناس ؟ قال : العلماء ؟ قيل : فمن الملوك ؟ قال : الزاهدون ، وروينا عن ابن المسيب عن أبي ذر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من زهد في الدنيا أدخل الله تبارك وتعالى الحكمة قلبه وأنطق بها لسلانه وبصره داء الدنيا ودواءها وأخرجه منها سالما إلى دار السلام .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وكان بعض العلماء يقول : ما سطع لي زينة من زخرف الدنيا إلا كشف لي باطنه فظهر لي عزوف عنه فهذه عناية من الله تعالى بمن وليه من أوليائه المقربين منه ، فمن شهد الدنيا بأول وصفها لم يغتر بآخره ، ومن عرفها بباطن حقيقتها لم يعجب بظاهرها ، ومن كوشف بعاقتبها لم يستهوه زخرفها ، وكان عيسى عليه السلام يقول : ويلكم علماء السوء مثلكم مثل قناة حش ظاهرها جص وباطنها نتن ، وقال مالك بن دينار رحمه الله : اتقوا السحارة فإنها تسحر قلوب العلماء يعني الدنيا ، فمن حرص على الدنيا بالباطل فقد قتل نفسه ، فإن قوى حرصه عليها واشتد عشقه لها قتل غيره ، قال الله تعالى : ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم ) النساء : 29 وقال في قتل غيره بصده إياه عن سبيل الله : ( إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ) التوبة : 43 وروينا في أخبار عيسى عليه السلام : إنه مر في سياحته ومعه طائفة من الحواريين بذهب مصبوب في الأرض فوقف عليه ثم قال : هذا القاتول فاحذروه ، ثم عبروا أصحابه فتخلف ثلاثة لأجل الذهب فأقام اثنان ودفعا إلى واحد شيئا منه يشتري لهم من الطيبات من أقرب الأمصار إليهم فوسوس إليهما العدو : ترضيان أن يكون هذا المال بينكم أثلاثا اقتلوا هذا فيكون المال بينكم نصفين ، فأجمعا على قتله إذارجع إليهما ، قال : وجاء الشيطان إلى الثالث فوسوس إليه أرضيت لنفسك أن تأخذ ثلث المال اقتلهما فيكون المال كله لك قال : فاشترى سما فجعله في الطعام فلما جاءهما به وثبا عليه فقتلاه ثم قعدا يأكلان الطعام فلما فرغا ماتا ، فرجع عيسى عليه السلام من سياحته فنظر إليهم حول الذهب صرعى والذهب بحاله فعجب أصحابه وقالوا : ما شأن هؤلاء فأخبرهم بهذه القصة ، وقيل لابن المبارك : من الناس ؟ قال : العلماء ؟ قيل : فمن الملوك ؟ قال : الزاهدون ، وروينا عن ابن المسيب عن أبي ذر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من زهد في الدنيا أدخل الله تبارك وتعالى الحكمة قلبه وأنطق بها لسلانه وبصره داء الدنيا ودواءها وأخرجه منها سالما إلى دار السلام .

Section V01/P423–V01/P424Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V01/P423–V01/P424)
Orijinal Metin (AR)

وروينا في الخبر : الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له ، وكان الحسن البصري رحمه الله تعالى يقول : رأيت سبعين بدريا كانوا والله فيما أحل تعالى لهم أزهد منكم فيماحرم الله تعالى عليكم ، وفي حديث آخر : كانوا بالبلاء والشدة تصيبهم أشد فرحا منكم بالخصب والرخاء لو رأيتموهم قلتم مجانين ، ولو رأوا خياركم قالوا : ما لهؤلاء من خلاق ولو رأوا أشراركم قالوا ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب قال : وكان أحدهم يعرض له المال الحلال فلا يأخذه ويقول : أخاف أن يفسد على قلبي ، فمن كان له قلب حفظه من فساده وخاف من تغيره وإبعاده وعمل في صلاحه وإرشاده ، ومن لم يكن له قلب فهو يتقلب في ظلمات الهوى فربما انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ، أو يكون من أهل الرضا بالدنيا وأهل الغفلة عن آيات الله تعالى فيكون قد رضي بلاشيء وآثره على من ليس كمثله شيء كوصف من أخبر الله تعالى عنه قي قوله تعالى : ( ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون ) يونس : 7 فيستحق الإعراض من الحبيب ويستوجب المقت من القريب كمثل من أمر الله تعالى بالإعراض عنهم وترك القبول منهم إذ يقول عز من قائل : ( فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ) ( ذلك مبلغهم من العلم ) النجم : 29 - 30 وقال عز وجل : ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) الكهف : 28 أي مجاوزا لما نهي عنه مقصرا عما أمر به وقيل : مقدما إلى الهلاك ، وقد نهى الله تعالى رسوله أن يوسع نظره إلى أهل الدنيا مقتا لهم وأخبر أن ما أظهره من زهرة الدنيا فتنة لهم وأعلمه أن القناعة والزهد خير وأبقى ، تنتظم هذه المعاني في قوله تعالى : ( ولاتمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى ) طه : 131 ، قيل : القناعة وقيل : فوت يوم بيوم ويقال : الزهد في الدنيا وهذا الوجه أشبه بكتاب الله تعالى بدليل قوله تعالى : ( والآخرة خير وأبقى ) الأعلى : 17 وكذلك قوله تعالى : ( ورزق ربك خىر وأبقى ) طه : 131 يعني الزهد في الدنيا ، وقال أيضا في مثله : ( بقية الله خير لكم ) هود : 86 يعني القناعة وقيل : الحلال ، وفي خبر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في أصحابه بعشار من النوق حفل وهي الحوامل وكانت من أحب أموالهم إليهم وأنفسه عندهم لأنها تجمع الظهر واللحم واللبن والولد والوبر ؛ وهي الرواحل من الإبل التي ضرب النبي عليه السلام بها مثل خيار الناس فقال عليه السلام الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة أي الإبل كثيرة والراحلة التي تجمع هذه الأوصاف الخمسة من الإبل قليل وهي العشار التي ذكر الله تعالى في قوله : ( وإذا العشار عطلت ) التكوير : 4 أي تركها أهلها وهربوا لهول قيام الساعة شغلا بنفوسهم عنها قال : فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وغض بصره فقيل له : يا رسول الله هذه أنفس أموالنا لما تنظر إليها ؟

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

وروينا في الخبر : الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له ، وكان الحسن البصري رحمه الله تعالى يقول : رأيت سبعين بدريا كانوا والله فيما أحل تعالى لهم أزهد منكم فيماحرم الله تعالى عليكم ، وفي حديث آخر : كانوا بالبلاء والشدة تصيبهم أشد فرحا منكم بالخصب والرخاء لو رأيتموهم قلتم مجانين ، ولو رأوا خياركم قالوا : ما لهؤلاء من خلاق ولو رأوا أشراركم قالوا ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب قال : وكان أحدهم يعرض له المال الحلال فلا يأخذه ويقول : أخاف أن يفسد على قلبي ، فمن كان له قلب حفظه من فساده وخاف من تغيره وإبعاده وعمل في صلاحه وإرشاده ، ومن لم يكن له قلب فهو يتقلب في ظلمات الهوى فربما انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ، أو يكون من أهل الرضا بالدنيا وأهل الغفلة عن آيات الله تعالى فيكون قد رضي بلاشيء وآثره على من ليس كمثله شيء كوصف من أخبر الله تعالى عنه قي قوله تعالى : ( ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون ) يونس : 7 فيستحق الإعراض من الحبيب ويستوجب المقت من القريب كمثل من أمر الله تعالى بالإعراض عنهم وترك القبول منهم إذ يقول عز من قائل : ( فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ) ( ذلك مبلغهم من العلم ) النجم : 29 - 30 وقال عز وجل : ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) الكهف : 28 أي مجاوزا لما نهي عنه مقصرا عما أمر به وقيل : مقدما إلى الهلاك ، وقد نهى الله تعالى رسوله أن يوسع نظره إلى أهل الدنيا مقتا لهم وأخبر أن ما أظهره من زهرة الدنيا فتنة لهم وأعلمه أن القناعة والزهد خير وأبقى ، تنتظم هذه المعاني في قوله تعالى : ( ولاتمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى ) طه : 131 ، قيل : القناعة وقيل : فوت يوم بيوم ويقال : الزهد في الدنيا وهذا الوجه أشبه بكتاب الله تعالى بدليل قوله تعالى : ( والآخرة خير وأبقى ) الأعلى : 17 وكذلك قوله تعالى : ( ورزق ربك خىر وأبقى ) طه : 131 يعني الزهد في الدنيا ، وقال أيضا في مثله : ( بقية الله خير لكم ) هود : 86 يعني القناعة وقيل : الحلال ، وفي خبر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في أصحابه بعشار من النوق حفل وهي الحوامل وكانت من أحب أموالهم إليهم وأنفسه عندهم لأنها تجمع الظهر واللحم واللبن والولد والوبر ؛ وهي الرواحل من الإبل التي ضرب النبي عليه السلام بها مثل خيار الناس فقال عليه السلام الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة أي الإبل كثيرة والراحلة التي تجمع هذه الأوصاف الخمسة من الإبل قليل وهي العشار التي ذكر الله تعالى في قوله : ( وإذا العشار عطلت ) التكوير : 4 أي تركها أهلها وهربوا لهول قيام الساعة شغلا بنفوسهم عنها قال : فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وغض بصره فقيل له : يا رسول الله هذه أنفس أموالنا لما تنظر إليها ؟

%0
10 Bölüm

Questions