Qur'an&Sunnahالقرآن

Fahreddin Râzî - Mefâtîhu'l-Gayb

Fahreddin Râzî · AR

Section V07/P098–V07/P099Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V07/P098–V07/P099)
Orijinal Metin (AR)

ثم قال تعالى : { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان } وفي ارتفاع رجل وامرأتان أربعة أوجه الأول : فليكن رجل وامرأتان والثاني : فليشهد رجل وامرأتان والثالث : فالشاهد رجل وامرأتان والرابع : فرجل وامرأتان يشهدون كل هذه التقديرات جائز حسن ، ذكرها علي بن عيسى رحمه الله . ثم قال : { ممن ترضون من الشهداء } وهو كقوله تعالى في الطلاق { وأشهدوا ذوى عدل منكم } ( الطلاق : 2 ) واعلم أن هذه الآية تدل على أنه ليس كل أحد صالحا للشهادة والفقهاء قالوا : شرائط قبول الشهادة عشرة أن يكون حرا بالغا مسلما عدلا عالما بما شهد به ولم يجر بتلك الشهادة منفعة إلى نفسه ولا يدفع بها مضرة عن نفسه ، ولا يكون معروفا بكثرة الغلط ، ولا بترك المروأة ، ولا يكون بينه وبين من يشهد عليه عداوة . ثم قال : { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الاخرى } والمعنى أن النسيان غالب طباع النساء لكثرة البرد والرطوبة في أمزجتهن واجتماع المرأتين على النسيان أبعد في العقل من صدور النسيان على المرأة الواحدة فأقيمت المرأتان مقام الرجل الواحد حتى أن إحداهما لو نسيت ذكرتها الأخرى فهذا هو المقصود من الآية ثم فيها مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة { أن تضل } بكسر إن { فتذكر } بالرفع والتشديد ، ومعناه : الجزاء موضع { تضل } جزم إلا أنه لا يتبين في التضعيف { فتذكر } رفع لأن ما بعد الجزاء مبتدأ / وأما سائر القراء فقرؤا بنصب { ءان } وفيه وجهان أحدهما : التقدير : لأن تضل ، فحذف منه الخافض والثاني : على أنه مفعول له ، أي إرادة أن تضل . فإن قيل : كيف يصح هذا الكلام والإشهاد للاذكار لا الإضلال . قلنا : هاهنا غرضان أحدهما : حصول الإشهاد ، وذلك لا يأتي إلا بتذكير إحدى المرأتين الثانية والثاني : بيان تفضيل الرجل على المرأة حتى يبين أن إقامة المرأتين مقام الرجل الواحد هو العدل في القضية ، وذلك لا يأتي إلا في ضلال إحدى المرأتين ، فإذا كان كل واحد من هذين الأمرين أعني الإشهاد ، وبيان فضل الرجل على المرأة مقصودا ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بضلال إحداهما وتذكر الأخرى ، لا جرم صار هذان الأمران مطلوبين ، هذا ما خطر ببالي من الجواب عن هذا السؤال وقت كتبه هذا الموضع وللنحويين أجوبة أخرى ما استحسنتها والكتب مشتملة عليها ، والله أعلم . المسألة الثانية : الضلال في قوله { أن تضل إحداهما } فيه وجهان أحدهما : أنه بمعنى النسيان ، قال تعالى : { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي ذهب عنهم الثاني : أن يكون ذلك من ضل في الطريق إذا لم يهتد له ، والوجهان متقاربان ، وقال أبو عمرو : أصل الضلال في اللغة الغيبوبة .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ثم قال تعالى : { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان } وفي ارتفاع رجل وامرأتان أربعة أوجه الأول : فليكن رجل وامرأتان والثاني : فليشهد رجل وامرأتان والثالث : فالشاهد رجل وامرأتان والرابع : فرجل وامرأتان يشهدون كل هذه التقديرات جائز حسن ، ذكرها علي بن عيسى رحمه الله . ثم قال : { ممن ترضون من الشهداء } وهو كقوله تعالى في الطلاق { وأشهدوا ذوى عدل منكم } ( الطلاق : 2 ) واعلم أن هذه الآية تدل على أنه ليس كل أحد صالحا للشهادة والفقهاء قالوا : شرائط قبول الشهادة عشرة أن يكون حرا بالغا مسلما عدلا عالما بما شهد به ولم يجر بتلك الشهادة منفعة إلى نفسه ولا يدفع بها مضرة عن نفسه ، ولا يكون معروفا بكثرة الغلط ، ولا بترك المروأة ، ولا يكون بينه وبين من يشهد عليه عداوة . ثم قال : { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الاخرى } والمعنى أن النسيان غالب طباع النساء لكثرة البرد والرطوبة في أمزجتهن واجتماع المرأتين على النسيان أبعد في العقل من صدور النسيان على المرأة الواحدة فأقيمت المرأتان مقام الرجل الواحد حتى أن إحداهما لو نسيت ذكرتها الأخرى فهذا هو المقصود من الآية ثم فيها مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة { أن تضل } بكسر إن { فتذكر } بالرفع والتشديد ، ومعناه : الجزاء موضع { تضل } جزم إلا أنه لا يتبين في التضعيف { فتذكر } رفع لأن ما بعد الجزاء مبتدأ / وأما سائر القراء فقرؤا بنصب { ءان } وفيه وجهان أحدهما : التقدير : لأن تضل ، فحذف منه الخافض والثاني : على أنه مفعول له ، أي إرادة أن تضل . فإن قيل : كيف يصح هذا الكلام والإشهاد للاذكار لا الإضلال . قلنا : هاهنا غرضان أحدهما : حصول الإشهاد ، وذلك لا يأتي إلا بتذكير إحدى المرأتين الثانية والثاني : بيان تفضيل الرجل على المرأة حتى يبين أن إقامة المرأتين مقام الرجل الواحد هو العدل في القضية ، وذلك لا يأتي إلا في ضلال إحدى المرأتين ، فإذا كان كل واحد من هذين الأمرين أعني الإشهاد ، وبيان فضل الرجل على المرأة مقصودا ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بضلال إحداهما وتذكر الأخرى ، لا جرم صار هذان الأمران مطلوبين ، هذا ما خطر ببالي من الجواب عن هذا السؤال وقت كتبه هذا الموضع وللنحويين أجوبة أخرى ما استحسنتها والكتب مشتملة عليها ، والله أعلم . المسألة الثانية : الضلال في قوله { أن تضل إحداهما } فيه وجهان أحدهما : أنه بمعنى النسيان ، قال تعالى : { وضل عنهم ما كانوا يفترون } أي ذهب عنهم الثاني : أن يكون ذلك من ضل في الطريق إذا لم يهتد له ، والوجهان متقاربان ، وقال أبو عمرو : أصل الضلال في اللغة الغيبوبة .

Section V07/P099–V07/P100Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V07/P099–V07/P100)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثالثة : قرأ نافع وابن عامر وعاصم والكسائي { فتذكر } بالتشديد والنصب ، وقرأ حمزة بالتشديد والرفع ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف والنصب ، وهما لغتان ذكر وأذكر نحو نزل وأنزل ، والتشديد أكثر استعمالا ، قال تعالى : { فذكر إنما أنت مذكر } ( الغاشية : 21 ) ومن قرأ بالتخفيف فقد جعل الفعل متعديا بهمزة الأفعال ، وعامة المفسرين على أن هذا التذكير والإذكار من النسيان إلا ما يروى عن سفيان بن عيينة أنه قال في قوله { فتذكر إحداهما الاخرى } أن تجعلها ذكرا يعني أن مجموع شهادة المرأتين مثل شهادة الرجل الواحد ، وهذا الوجه منقول عن أبي عمرو بن العلاء ، قال : إذا شهدت المرأة ثم جاءت الأخرى فشهدت معها أذكرتها ، لأنهما يقومان مقام رجل واحد وهذا الوجه باطل باتفاق عامة المفسرين ، ويدل على ضعفه وجهان الأول : أن النساء لو بلغن ما بلغن ، ولم يكن معهن رجل لم تجز شهادتهن ، فإذا كان كذلك فالمرأة الثانية ما ذكرت الأولى . الوجه الثاني : أن قوله { فتذكر } مقابل لما قبله من قوله { أن تضل إحداهما } فلما كان الضلال مفسر بالنسيان كان الإذكار مفسرا بما يقابل النسيان . ثم قال تعالى : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : في هذه الآية وجوه الأول : وهو الأصح : أنه نهى الشاهد عن الامتناع عن أداء الشهادة عند احتياج صاحب الحق إليها والثاني : أن المراد تحمل الشهادة على الإطلاق ، / وهو قول قتادة واختيار القفال ، قال : كما أمر الكاتب أن لا يأبى الكتابة ، كذلك أمر الشاهد أن لا يأبى عن تحمل الشهادة ، لأن كل واحد منهما يتعلق بالآخر ، وفي عدمهما ضياع الحقوق الثالث : أن المراد تحمل الشهادة إذا لم يوجد غيره الرابع : وهو قول الزجاج : أن المراد بمجموع الأمرين التحمل أولا ، والأداء ثانيا ، واحتج القائلون بالقول الأول من وجوه الأول : أن قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } يقتضي تقديم كونهم شهداء ، وذلك لا يصح إلا عند أداء الشهادة ، فأما وقت التحمل فإنه لم يتقدم ذلك الوقت كونهم شهداء . فإن قيل : يشكل هذا بقوله { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } وكذلك سماه كاتبا قبل أن يكتب . قلنا : الدليل الذي ذكرناه صار متروكا بالضرورة في هذه الآية فلا يجوز أن نتركه لعلة ضرورة في تلك الآية والثاني : أن ظاهر قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } النهي عن الامتناع ، والأمر بالفعل ، وذلك للوجوب في حق الكل ، ومعلوم أن التحمل غير واجب على الكل ، فلم يجز حمله عليه ، وأما الأداء بعد التحمل فإنه واجب على الكل ، ومتأكد بقوله تعالى : { ولا تكتموا الشهادة } فكان هذا أولى الثالث : أن الأمر بالإشهاد يفيد أمر الشاهد بالتحمل من بعض الوجوه ، فصار الأمرر بتحمل الشهادة داخلا في قوله { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } فكان صرف قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } إلى الأمر بالأداء حملا له على فائدة جديدة ، فكان ذلك أولى ، فقد ظهر بما ذكرنا دلالة الآية على أنه يجب على الشاهد أن لا يمتنع من إقامة الشهادة إذا دعي إليها . واعلم أن الشاهد إما أن يكون متعينا ، وإما أن يكون فيهم كثرة ، فإن كان متعينا وجب عليه أداء الشهادة / وإن كان فيهم كثرة صار ذلك فرضا على الكفاية .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثالثة : قرأ نافع وابن عامر وعاصم والكسائي { فتذكر } بالتشديد والنصب ، وقرأ حمزة بالتشديد والرفع ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف والنصب ، وهما لغتان ذكر وأذكر نحو نزل وأنزل ، والتشديد أكثر استعمالا ، قال تعالى : { فذكر إنما أنت مذكر } ( الغاشية : 21 ) ومن قرأ بالتخفيف فقد جعل الفعل متعديا بهمزة الأفعال ، وعامة المفسرين على أن هذا التذكير والإذكار من النسيان إلا ما يروى عن سفيان بن عيينة أنه قال في قوله { فتذكر إحداهما الاخرى } أن تجعلها ذكرا يعني أن مجموع شهادة المرأتين مثل شهادة الرجل الواحد ، وهذا الوجه منقول عن أبي عمرو بن العلاء ، قال : إذا شهدت المرأة ثم جاءت الأخرى فشهدت معها أذكرتها ، لأنهما يقومان مقام رجل واحد وهذا الوجه باطل باتفاق عامة المفسرين ، ويدل على ضعفه وجهان الأول : أن النساء لو بلغن ما بلغن ، ولم يكن معهن رجل لم تجز شهادتهن ، فإذا كان كذلك فالمرأة الثانية ما ذكرت الأولى . الوجه الثاني : أن قوله { فتذكر } مقابل لما قبله من قوله { أن تضل إحداهما } فلما كان الضلال مفسر بالنسيان كان الإذكار مفسرا بما يقابل النسيان . ثم قال تعالى : { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } وفيه مسائل : المسألة الأولى : في هذه الآية وجوه الأول : وهو الأصح : أنه نهى الشاهد عن الامتناع عن أداء الشهادة عند احتياج صاحب الحق إليها والثاني : أن المراد تحمل الشهادة على الإطلاق ، / وهو قول قتادة واختيار القفال ، قال : كما أمر الكاتب أن لا يأبى الكتابة ، كذلك أمر الشاهد أن لا يأبى عن تحمل الشهادة ، لأن كل واحد منهما يتعلق بالآخر ، وفي عدمهما ضياع الحقوق الثالث : أن المراد تحمل الشهادة إذا لم يوجد غيره الرابع : وهو قول الزجاج : أن المراد بمجموع الأمرين التحمل أولا ، والأداء ثانيا ، واحتج القائلون بالقول الأول من وجوه الأول : أن قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } يقتضي تقديم كونهم شهداء ، وذلك لا يصح إلا عند أداء الشهادة ، فأما وقت التحمل فإنه لم يتقدم ذلك الوقت كونهم شهداء . فإن قيل : يشكل هذا بقوله { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } وكذلك سماه كاتبا قبل أن يكتب . قلنا : الدليل الذي ذكرناه صار متروكا بالضرورة في هذه الآية فلا يجوز أن نتركه لعلة ضرورة في تلك الآية والثاني : أن ظاهر قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } النهي عن الامتناع ، والأمر بالفعل ، وذلك للوجوب في حق الكل ، ومعلوم أن التحمل غير واجب على الكل ، فلم يجز حمله عليه ، وأما الأداء بعد التحمل فإنه واجب على الكل ، ومتأكد بقوله تعالى : { ولا تكتموا الشهادة } فكان هذا أولى الثالث : أن الأمر بالإشهاد يفيد أمر الشاهد بالتحمل من بعض الوجوه ، فصار الأمرر بتحمل الشهادة داخلا في قوله { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } فكان صرف قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } إلى الأمر بالأداء حملا له على فائدة جديدة ، فكان ذلك أولى ، فقد ظهر بما ذكرنا دلالة الآية على أنه يجب على الشاهد أن لا يمتنع من إقامة الشهادة إذا دعي إليها . واعلم أن الشاهد إما أن يكون متعينا ، وإما أن يكون فيهم كثرة ، فإن كان متعينا وجب عليه أداء الشهادة / وإن كان فيهم كثرة صار ذلك فرضا على الكفاية .

Section V07/P100–V07/P101Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V07/P100–V07/P101)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثانية : قد شرحنا دلالة هذه الآية على أن العبد لا يجوز أن يكون شاهدا فلا نعيده الثالثة : قال الشافعي رضي الله عنه : يجوز القضاء بالشاهد واليمين ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يجوز ، واحتج أبو حنيفة بهذه الآية فقال : إن الله تعالى أوجب عند عدم شهادة رجلين شهادة الرجل والمرأتين على التعيين ، فلو جوزنا الاكتفاء بالشاهد واليمين لبطل ذلك التعيين ، وحجة الشافعي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين ، وتمام الكلام فيه مذكور في خلافيات الفقه . واعلم أنه تعالى لما أمر عند المداينة بالكتبة أولا ، ثم بالإشهاد ثانيا ، أعاد ذلك مرة أخرى على سبيل التأكيد ، فأمر بالكتبة ، فقال : { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب } وفيه مسائل : المسألة الأولى : السآمة الملال والضجر ، يقال : سئمت الشيء سأما وسآمة ، والمقصود من / الآية البعث على الكتابة قل المال أو كثر ، فإن القليل من المال في هذا الاحتياط كالكثير ، فإن النزاع الحاصل بسبب القليل من المال ربما أدى إلى فساد عظيم ولجاج شديد ، فأمر تعالى في الكثير والقليل بالكتابة ، فقال : { ولا يأب } أي ولا تملوا فتتركوا ثم تندموا . فإن قيل : فهل تدخل الحبة والقيراط في هذا الأمر ؟ . قلنا : لا لأن هذا محمول على العادة ، ليس في العادة أن يكتبوا التافه . المسألة الثانية : { ءان } في محل النصب لوجهين : إن شئت جعلته مع الفعل مصدرا فتقديره : ولا تسأموا كتابته ، وإن شئت بنزع الخافض تقديره : ولا تسأموا من أن تكتبوه إلى أجله . المسألة الثالثة : الضمير في قوله { أن تكتبوه } لا بد وأن يعود إلى المذكورر سابقا ، وهو هاهنا إما الدين وإما الحق . المسألة الرابعة : قرىء { ولا } بالياء فيهما . ثم قال تعالى : { ذالكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا } اعلم أن الله تعالى بين أن الكتبة مشتملة على هذه الفوائد الثلاث : الفائدة الأولى : قوله { ذالكم أقسط عند الله } وفي قوله { ذالكم } وجهان الأول : أنه إشارة إلى قوله { أن تكتبوه } لأنه في معنى المصدر ، أي ذلك الكتب أقسط والثاني : قال القفال رحمه الله : ذلاكم الذي أمرتكم به من الكتب والإشهاد لأهل الرضا ومعنى { أقسط عند الله } أعدل عند الله ، والقسط اسم ، والإقساط مصدر ، يقال : أقسط فلان في الحكم يقسط إقساطا إذا عدل فهو مقسط ، قال تعالى : { إن الله يحب المقسطين } ( الممتحنة : 8 ) ( الحجرات : 9 ) ويقال : هو قاسط إذا جار ، قال تعالى : { وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا } ( الجن : 15 ) وإنما كان هذا أعدل عند الله ، لأنه إذا كان مكتوبا كان إلى اليقين والصدق أقرب ، وعن الجهل والكذب أبعد ، فكان أعدل عند الله وهو كقوله تعالى : { ادعوهم لابائهم هو أقسط عند الله } ( الأحزاب : 5 ) أي أعدل عند الله ، وأقرب إلى الحقيقة من أن تنسبوهم إلى غير آبائهم . والفائدة الثانية : قوله { أقوم للشهادة } معنى { أقوم } أبلغ في الاستقامة ، التي هي ضد الاعوجاج ، وذلك لأن المنتصب القائم ، ضد المنحني المعوج . فإن قيل : مم بنى أفعل التفضيل ؟ أعني : أقسط وأقوم . قلنا : يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام ، ويجوز أن يكون أقسط من قاسط ، وأقوم من قويم .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثانية : قد شرحنا دلالة هذه الآية على أن العبد لا يجوز أن يكون شاهدا فلا نعيده الثالثة : قال الشافعي رضي الله عنه : يجوز القضاء بالشاهد واليمين ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يجوز ، واحتج أبو حنيفة بهذه الآية فقال : إن الله تعالى أوجب عند عدم شهادة رجلين شهادة الرجل والمرأتين على التعيين ، فلو جوزنا الاكتفاء بالشاهد واليمين لبطل ذلك التعيين ، وحجة الشافعي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين ، وتمام الكلام فيه مذكور في خلافيات الفقه . واعلم أنه تعالى لما أمر عند المداينة بالكتبة أولا ، ثم بالإشهاد ثانيا ، أعاد ذلك مرة أخرى على سبيل التأكيد ، فأمر بالكتبة ، فقال : { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب } وفيه مسائل : المسألة الأولى : السآمة الملال والضجر ، يقال : سئمت الشيء سأما وسآمة ، والمقصود من / الآية البعث على الكتابة قل المال أو كثر ، فإن القليل من المال في هذا الاحتياط كالكثير ، فإن النزاع الحاصل بسبب القليل من المال ربما أدى إلى فساد عظيم ولجاج شديد ، فأمر تعالى في الكثير والقليل بالكتابة ، فقال : { ولا يأب } أي ولا تملوا فتتركوا ثم تندموا . فإن قيل : فهل تدخل الحبة والقيراط في هذا الأمر ؟ . قلنا : لا لأن هذا محمول على العادة ، ليس في العادة أن يكتبوا التافه . المسألة الثانية : { ءان } في محل النصب لوجهين : إن شئت جعلته مع الفعل مصدرا فتقديره : ولا تسأموا كتابته ، وإن شئت بنزع الخافض تقديره : ولا تسأموا من أن تكتبوه إلى أجله . المسألة الثالثة : الضمير في قوله { أن تكتبوه } لا بد وأن يعود إلى المذكورر سابقا ، وهو هاهنا إما الدين وإما الحق . المسألة الرابعة : قرىء { ولا } بالياء فيهما . ثم قال تعالى : { ذالكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا } اعلم أن الله تعالى بين أن الكتبة مشتملة على هذه الفوائد الثلاث : الفائدة الأولى : قوله { ذالكم أقسط عند الله } وفي قوله { ذالكم } وجهان الأول : أنه إشارة إلى قوله { أن تكتبوه } لأنه في معنى المصدر ، أي ذلك الكتب أقسط والثاني : قال القفال رحمه الله : ذلاكم الذي أمرتكم به من الكتب والإشهاد لأهل الرضا ومعنى { أقسط عند الله } أعدل عند الله ، والقسط اسم ، والإقساط مصدر ، يقال : أقسط فلان في الحكم يقسط إقساطا إذا عدل فهو مقسط ، قال تعالى : { إن الله يحب المقسطين } ( الممتحنة : 8 ) ( الحجرات : 9 ) ويقال : هو قاسط إذا جار ، قال تعالى : { وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا } ( الجن : 15 ) وإنما كان هذا أعدل عند الله ، لأنه إذا كان مكتوبا كان إلى اليقين والصدق أقرب ، وعن الجهل والكذب أبعد ، فكان أعدل عند الله وهو كقوله تعالى : { ادعوهم لابائهم هو أقسط عند الله } ( الأحزاب : 5 ) أي أعدل عند الله ، وأقرب إلى الحقيقة من أن تنسبوهم إلى غير آبائهم . والفائدة الثانية : قوله { أقوم للشهادة } معنى { أقوم } أبلغ في الاستقامة ، التي هي ضد الاعوجاج ، وذلك لأن المنتصب القائم ، ضد المنحني المعوج . فإن قيل : مم بنى أفعل التفضيل ؟ أعني : أقسط وأقوم . قلنا : يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام ، ويجوز أن يكون أقسط من قاسط ، وأقوم من قويم .

Section V07/P101–V07/P102Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V07/P101–V07/P102)
Orijinal Metin (AR)

واعلم أن الكتابة إنما كانت أقوم للشهادة ، لأنها سبب للحفظ والذكر ، فكانت أقرب إلى الاستقامة ، والفرق بين الفائدة الأولى والثانية أن الأولى : تتعلق بتحصيل مرضاة الله تعالى ، والثانية : / بتحصيل مصلحة الدنيا ، وإنما قدمت الأولى على الثانية إشعارا بأن الدين يجب تقديمه على الدنيا . والفائدة الثالثة : هي قوله { وأدنى أن لا ترتابوا } يعني أقرب إلى زوال الشك والارتياب عن قلوب المتداينين ، والفرق بين الوجهين الأولين ، وهذا الثالث الوجهين الأولين يشيران إلى تحصيل المصلحة ، فالأول : إشارة إلى تحصيل مصلحة الدين ، والثاني : إشارة إلى تحصيل مصلحة الدنيا وهذا الثالث : إشارة إلى دفع الضرر عن النفس وعن الغير ، أما عن النفس فإنه لا يبقى في الفكر أن هذا الأمر كيف كان ، وهذا الذي قلت هل كان صدقا أو كذبا ، وأما دفع الضر عن الغير فلأن ذلك الغير ربما نسبه إلى الكذب والتقصير فيقع في عقاب الغيبة والبهتان ، فما أحسن هذه الفوائد وما أدخلها في القسط ، وما أحسن ما فيها من الترتيب . ثم قال تعالى : { إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : { إلا } فيه وجهان أحدهما : أنه استثناء متصل والثاني : أنه منقطع ، أما الأول ففيه وجهان الأول : أنه راجع إلى قوله تعالى : { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } وذلك لأن البيع بالدين قد يكون إلى أجل قريب ، وقد يكون إلى أجل بعيد ، فلما أمر بالكتبة عند المداينة ، استثنى عنها ما إذا كان الأجل قريبا ، والتقدير : إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلا أن يكون الأجل قريبا ، وهو المراد من التجارة الحاضرة والثاني : أن هذا استثناء من قوله { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه } وأما الاحتمال الثاني ، وهو أن يكون هذا استثناء منقطعا فالتقدير : لكنه إذا كانت التجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها ، فهذا يكون كلاما مستأنفا ، وإنما رخص تعالى في ترك الكتبة والإشهاد في هذا النوع من التجارة ، لكثرة ما يجري بين الناس ، فلو تكلف فيها الكتبة والإشهاد لشق الأمر على الخلق ، ولأنه إذا أخذ كل واحد من المتعاملين حقه من صاحبه في ذلك المجلس ، لم يكن هناك خوف التجاحد ، فلم يكن هناك حاجة إلى الكتبة والإشهاد . المسألة الثانية : قوله { أن تكون } فيه قولان أحدهما : أنه من الكون بمعنى الحدوث والوقوع كما ذكرناه في قوله { وإن كان ذو عسرة } والثاني : قال الفراء : إن شئت جعلت { كان } ههنا ناقصة على أن الاسم تجارة حاضرة ، والخبر تديرونها ، والتقدير : إلا أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم . المسألة الثالثة : قرأ عاصم { تجارة } بالنصب ، والباقون بالرفع ، أما القراءة بالنصب فعلى أنه خبر كان ، ولا بد فيه من إضمار الاسم ، وفيه وجوه أحدها : التقدير : إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كتبة الكتاب ، ومنه قول الشاعر : بني أسد هل تعلمون بلاءنا إذا كان يوما ذا كواكب أشهبا / أي إذا كان اليوم وثانيها : أن يكون التقدير : إلا أن يكون الأمر والشأن تجارة وثالثها : قال الزجاج : التقدير إلا أن تكون المداينة تجارة حاضر ، قال أبو علي الفارسي : هذا غير جائز لأن المداينة لا تكون تجارة حاضرة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن المداين إذا كانت إلى أجل ساعة ، صح تسميتها بالتجارة الحاضرة ، فإن من باع ثوبا بدرهم في الذمة بشرط أن تؤدي الدرهم في هذه الساعة كان ذلك مداينة وتجارة حاضرة ، وأما القراءة بالرفع ، فالوجه فيها ما ذكرناه في المسألة الثانية والله أعلم .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

واعلم أن الكتابة إنما كانت أقوم للشهادة ، لأنها سبب للحفظ والذكر ، فكانت أقرب إلى الاستقامة ، والفرق بين الفائدة الأولى والثانية أن الأولى : تتعلق بتحصيل مرضاة الله تعالى ، والثانية : / بتحصيل مصلحة الدنيا ، وإنما قدمت الأولى على الثانية إشعارا بأن الدين يجب تقديمه على الدنيا . والفائدة الثالثة : هي قوله { وأدنى أن لا ترتابوا } يعني أقرب إلى زوال الشك والارتياب عن قلوب المتداينين ، والفرق بين الوجهين الأولين ، وهذا الثالث الوجهين الأولين يشيران إلى تحصيل المصلحة ، فالأول : إشارة إلى تحصيل مصلحة الدين ، والثاني : إشارة إلى تحصيل مصلحة الدنيا وهذا الثالث : إشارة إلى دفع الضرر عن النفس وعن الغير ، أما عن النفس فإنه لا يبقى في الفكر أن هذا الأمر كيف كان ، وهذا الذي قلت هل كان صدقا أو كذبا ، وأما دفع الضر عن الغير فلأن ذلك الغير ربما نسبه إلى الكذب والتقصير فيقع في عقاب الغيبة والبهتان ، فما أحسن هذه الفوائد وما أدخلها في القسط ، وما أحسن ما فيها من الترتيب . ثم قال تعالى : { إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم } وفيه مسائل : المسألة الأولى : { إلا } فيه وجهان أحدهما : أنه استثناء متصل والثاني : أنه منقطع ، أما الأول ففيه وجهان الأول : أنه راجع إلى قوله تعالى : { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } وذلك لأن البيع بالدين قد يكون إلى أجل قريب ، وقد يكون إلى أجل بعيد ، فلما أمر بالكتبة عند المداينة ، استثنى عنها ما إذا كان الأجل قريبا ، والتقدير : إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلا أن يكون الأجل قريبا ، وهو المراد من التجارة الحاضرة والثاني : أن هذا استثناء من قوله { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه } وأما الاحتمال الثاني ، وهو أن يكون هذا استثناء منقطعا فالتقدير : لكنه إذا كانت التجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها ، فهذا يكون كلاما مستأنفا ، وإنما رخص تعالى في ترك الكتبة والإشهاد في هذا النوع من التجارة ، لكثرة ما يجري بين الناس ، فلو تكلف فيها الكتبة والإشهاد لشق الأمر على الخلق ، ولأنه إذا أخذ كل واحد من المتعاملين حقه من صاحبه في ذلك المجلس ، لم يكن هناك خوف التجاحد ، فلم يكن هناك حاجة إلى الكتبة والإشهاد . المسألة الثانية : قوله { أن تكون } فيه قولان أحدهما : أنه من الكون بمعنى الحدوث والوقوع كما ذكرناه في قوله { وإن كان ذو عسرة } والثاني : قال الفراء : إن شئت جعلت { كان } ههنا ناقصة على أن الاسم تجارة حاضرة ، والخبر تديرونها ، والتقدير : إلا أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم . المسألة الثالثة : قرأ عاصم { تجارة } بالنصب ، والباقون بالرفع ، أما القراءة بالنصب فعلى أنه خبر كان ، ولا بد فيه من إضمار الاسم ، وفيه وجوه أحدها : التقدير : إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كتبة الكتاب ، ومنه قول الشاعر : بني أسد هل تعلمون بلاءنا إذا كان يوما ذا كواكب أشهبا / أي إذا كان اليوم وثانيها : أن يكون التقدير : إلا أن يكون الأمر والشأن تجارة وثالثها : قال الزجاج : التقدير إلا أن تكون المداينة تجارة حاضر ، قال أبو علي الفارسي : هذا غير جائز لأن المداينة لا تكون تجارة حاضرة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن المداين إذا كانت إلى أجل ساعة ، صح تسميتها بالتجارة الحاضرة ، فإن من باع ثوبا بدرهم في الذمة بشرط أن تؤدي الدرهم في هذه الساعة كان ذلك مداينة وتجارة حاضرة ، وأما القراءة بالرفع ، فالوجه فيها ما ذكرناه في المسألة الثانية والله أعلم .

Section V07/P102–V07/P103Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V07/P102–V07/P103)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الرابعة : التجارة عبارة عن التصرف في المال سواء كان حاضرا أو في الذمة لطلب الربح ، يقال : تجر الرجل يتجر تجارة فهو تاجر ، واعلم أنه سواء كانت المبايعة بدين أو بعين / فالتجارة تجارة حاضرة ، فقوله { إلا أن تكون تجارة حاضرة } لا يمكن حمله على ظاهره ، بل المراد من التجارة ما يتجر فيه من الإبدال ، ألا ومعنى إدارتها بينهم معاملتهم فيها يدا بيد ، ثم قال : { فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها } ( البقرة : 282 ) معناه : لا مضرة عليكم في ترك الكتابة ، ولم يرد الإثم عليكم لأنه لو أراد الإثم لكانت الكتابة المذكورة واجبة عليهم ، ويأثم صاحب الحق بتركها ، وقد ثبت خلاف ذلك وبيان أنه لا مضرة عليهم في تركها ما قدمناه . ثم قال تعالى : { وأشهدوا إذا تبايعتم } وأكثر المفسرين قالوا : المراد أن الكتابة وإن رفعت عنهم في التجارة إلا أن الاشهاد ما رفع عنهم ، لأن الإشهاد بلا كتابة أخف مؤنة ، ولأن الحاجة إذا وقعت إليها لا يخاف فيها النسيان . واعلم أنه لا شك أن المقصود من هذا الأمر الإرشاد إلى طريق الاحتياط . ثم قال تعالى : { ولا يضار كاتب ولا شهيد } واعلم أنه يحتمل أن يكون هذا نهيا للكاتب والشهيد عن إضرار من له الحق ، أما الكاتب فبأن يزيد أو ينقص أو يترك الاحتياط ، وأما الشهيد فبأن لا يشهد أو يشهد بحيث لا يحصل معه نفع ، ويحتمل أن يكون نهيا لصاحب الحق عن إضرار الكاتب والشهيد ، بأن يضرهما أو يمنعهما عن مهماتهما والأول : قول أكثر المفسرين والحسن وطاوس وقتادة ، والثاني : قول ابن مسعود وعطاء ومجاهد . واعلم أن كلا الوجهين جائز في اللغة ، وإنما احتمل الوجهين بسبب الإدغام الواقع في { لا يضار } أحدهما : أن يكون أصله لا يضارر ، بكسر الراء الأولى ، فيكون الكاتب والشهيد هما الفاعلان للضرار والثاني : أن يكون أصله لا يضارر بفتح الراء الأولى ، فيكون هما المفعول بهما الضرار ونظير هذه الآية التي تقدمت في هذه السورة ، وهو قوله { لا تضار والدة بولدها } وقد أحكمنا بيان هذا اللفظ هناك ، والدليل على ما ذكرنا من احتمال الوجهين قراءة عمر رضي الله عنه { ولا } بالإظهار والكسر ، وقراءة ابن عباس { ولا } بالإظهار والفتح ، واختار الزجاج القول / الأول ، واحتج عليه بقوله تعالى بعد ذلك { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم قال وذلك لان اسم بكل شيء عليم وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه } ( البقرة : 283 ) والإثم والفاسق متقاربان ، واحتج من نصر القول الثاني بأن هذا لو كان خطابا للكاتب والشهيد لقيل : وإن تفعلا فإنه فسوق بكم ، وإذا كان هذا خطابا للذين يقدمون على المداينة فالمنهيون عن الضرار هم والله أعلم . ثم قال : { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم } وفيه وجهان أحدهما : يحتمل أنه يحمل على هذا الموضع خاصة والمعنى : فإن تفعلوا ما نهيتكم عنه من الضرار والثاني : أنه عام في جميع التكليف ، والمعنى : وإن تفعلوا شيئا مما نهيتكم عنه أو تتركوا شيئا مما أمرتكم به فإنه فسوق بكم ، أي خروج عن أمر الله تعالى وطاعته . ثم قال تعالى : { واتقوا الله } يعني فيما حذر منه هاهنا ، وهو المضارة ، أو يكون عاما ، والمعنى اتقوا الله في جميع أوامره ونواهيه .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الرابعة : التجارة عبارة عن التصرف في المال سواء كان حاضرا أو في الذمة لطلب الربح ، يقال : تجر الرجل يتجر تجارة فهو تاجر ، واعلم أنه سواء كانت المبايعة بدين أو بعين / فالتجارة تجارة حاضرة ، فقوله { إلا أن تكون تجارة حاضرة } لا يمكن حمله على ظاهره ، بل المراد من التجارة ما يتجر فيه من الإبدال ، ألا ومعنى إدارتها بينهم معاملتهم فيها يدا بيد ، ثم قال : { فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها } ( البقرة : 282 ) معناه : لا مضرة عليكم في ترك الكتابة ، ولم يرد الإثم عليكم لأنه لو أراد الإثم لكانت الكتابة المذكورة واجبة عليهم ، ويأثم صاحب الحق بتركها ، وقد ثبت خلاف ذلك وبيان أنه لا مضرة عليهم في تركها ما قدمناه . ثم قال تعالى : { وأشهدوا إذا تبايعتم } وأكثر المفسرين قالوا : المراد أن الكتابة وإن رفعت عنهم في التجارة إلا أن الاشهاد ما رفع عنهم ، لأن الإشهاد بلا كتابة أخف مؤنة ، ولأن الحاجة إذا وقعت إليها لا يخاف فيها النسيان . واعلم أنه لا شك أن المقصود من هذا الأمر الإرشاد إلى طريق الاحتياط . ثم قال تعالى : { ولا يضار كاتب ولا شهيد } واعلم أنه يحتمل أن يكون هذا نهيا للكاتب والشهيد عن إضرار من له الحق ، أما الكاتب فبأن يزيد أو ينقص أو يترك الاحتياط ، وأما الشهيد فبأن لا يشهد أو يشهد بحيث لا يحصل معه نفع ، ويحتمل أن يكون نهيا لصاحب الحق عن إضرار الكاتب والشهيد ، بأن يضرهما أو يمنعهما عن مهماتهما والأول : قول أكثر المفسرين والحسن وطاوس وقتادة ، والثاني : قول ابن مسعود وعطاء ومجاهد . واعلم أن كلا الوجهين جائز في اللغة ، وإنما احتمل الوجهين بسبب الإدغام الواقع في { لا يضار } أحدهما : أن يكون أصله لا يضارر ، بكسر الراء الأولى ، فيكون الكاتب والشهيد هما الفاعلان للضرار والثاني : أن يكون أصله لا يضارر بفتح الراء الأولى ، فيكون هما المفعول بهما الضرار ونظير هذه الآية التي تقدمت في هذه السورة ، وهو قوله { لا تضار والدة بولدها } وقد أحكمنا بيان هذا اللفظ هناك ، والدليل على ما ذكرنا من احتمال الوجهين قراءة عمر رضي الله عنه { ولا } بالإظهار والكسر ، وقراءة ابن عباس { ولا } بالإظهار والفتح ، واختار الزجاج القول / الأول ، واحتج عليه بقوله تعالى بعد ذلك { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم قال وذلك لان اسم بكل شيء عليم وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه } ( البقرة : 283 ) والإثم والفاسق متقاربان ، واحتج من نصر القول الثاني بأن هذا لو كان خطابا للكاتب والشهيد لقيل : وإن تفعلا فإنه فسوق بكم ، وإذا كان هذا خطابا للذين يقدمون على المداينة فالمنهيون عن الضرار هم والله أعلم . ثم قال : { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم } وفيه وجهان أحدهما : يحتمل أنه يحمل على هذا الموضع خاصة والمعنى : فإن تفعلوا ما نهيتكم عنه من الضرار والثاني : أنه عام في جميع التكليف ، والمعنى : وإن تفعلوا شيئا مما نهيتكم عنه أو تتركوا شيئا مما أمرتكم به فإنه فسوق بكم ، أي خروج عن أمر الله تعالى وطاعته . ثم قال تعالى : { واتقوا الله } يعني فيما حذر منه هاهنا ، وهو المضارة ، أو يكون عاما ، والمعنى اتقوا الله في جميع أوامره ونواهيه .

Section V07/P103–V07/P104Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V07/P103–V07/P104)
Orijinal Metin (AR)

ثم قال : { ويعلمكم الله } والمعنى : أنه يعلمكم ما يكون إرشادا واحتياطا في أمر الدنيا ، كما يعلمكم ما يكون إرشادا في أمر الدين { والله بكل شيء عليم } إشارة إلى كونه سبحانه وتعالى عالما بجميع مصالح الدنيا والآخرة . ! 7 < { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه والله بما تعملون عليم } . > 7 ! < < البقرة : ( 283 ) وإن كنتم على . . . . . > > إعلم أنه تعالى جعل البياعات في هذه الآية على ثلاثة أقسام : بيع بكتاب وشهود ، وبيع برهان مقبوضة ، وبيع الأمانة ، ولما أمر في آخر الآية المتقدمة بالكتبة والإشهاد ، واعلم أنه ربما تعذر ذلك في السفر إما بأن لا يوجد الكاتب ، أو إن وجد لكنه لا توجد آلات الكتابة ذكر نوعا / آخر من الاستيثاق وهو أخذ الرهن فهذا وجه النظم وهذا أبلغ في الاحتياط من الكتبة والإشهاد ثم في الآية مسائل : المسألة الأولى : ذكرنا اشتقاق في السفر في قوله تعالى : { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } ( البقرة : 184 ) ونعيده هاهنا قال أهل اللغة : تركيب هذه الحروف للظهور والكشف فالسفر هو الكتاب ، لأنه يبين الشيء ويوضحه ، وسمي السفر سفرا ، لأنه يسفر عن أخلاق الرجال ، أي يكشف ، أو لأنه لما خرج من الكن إلى الصحراء فقد انكشف للناس ، أو لأنه لما خرج إلى الصحراء ، فقد صارت أرض البيت منكشفة خالية ، وأسفر الصبح إذا ظهر ، وأسفرت المرأة عن وجهها ، أي كشفت وسفرت عن القوم أسفر سفارة إذا كشفت ما في قلوبهم ، وسفرت أسفر إذا كنست ، والسفر الكنس ، وذلك لأنك إذا كنست ، فقد أظهرت ما كان تحت الغبار والسفر من الورق ما سفر به الريح ، ويقال لبقية بياض النهار بعد مغيب الشمس سفر لوضوحه والله أعلم . المسألة الثانية : أصل الرهن من الدوام ، يقال : رهن الشيء إذا دام وثبت ، ونعمة راهنة أي دائمة ثابتة . إذا عرفت أصل المعنى فنقول : أصل الرهن مصدر . يقال : رهنت عند الرجل أرهنه رهنا إذا وضعت عنده ، قال الشاعر : يراهنني فيرهنني بنيه وأرهنه بني بما أقول إذا عرفت هذا فنقول : إن المصادر قد تنقل فتجعل أسماء ويزول عنها عمل الفعل ، فإذا قال : رهنت عند زيد رهنا لم يكن انتصابه انتصاب المصدر ، لكن انتصاب المفعول به كما تقول : رهنت عند زيد ثوبا ، ولما جعل اسما بهذا الطريق جمع كما تجعل الأسماء وله جمعان : رهن ورهان ، ومما جاء على رهن قول الأعشى : آليت لا أعطيه من أبنائنا رهنا فيفسدهم كمن قد أفسدا وقال بعيث : بانت سعاد وأمسى دونها عدن وغلقت عندها من قبلك الرهن ونظيره قولنا : رهن ورهن ، سقف وسقف ، ونشر ونشر ، وخلق وخلق ، قال الزجاج : فعل وفعلى قليل ، وزعم الفراء أن الرهن جمعه رهان ، ثم الرهان جمعه رهن فيكون رهن جمع الجمع وهو كقولهم ثمار وثمر ، ومن الناس من عكس هذا فقال : الرهن جمعه رهن ، والرهن جمعه رهان ، واعلم أنهما لما تعارضا تساقطا لا سيما وسيبويه لا يرى جمع الجمع مطردا ، فوجب أن لا يقال به إلا عند الاتفاق ، وأما أن الرهان جمع رهن فهو قياس ظاهر ، مثل نعل ونعال ، وكبش وكباش / وكعب وكعاب ، وكلب وكلاب .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ثم قال : { ويعلمكم الله } والمعنى : أنه يعلمكم ما يكون إرشادا واحتياطا في أمر الدنيا ، كما يعلمكم ما يكون إرشادا في أمر الدين { والله بكل شيء عليم } إشارة إلى كونه سبحانه وتعالى عالما بجميع مصالح الدنيا والآخرة . ! 7 < { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه والله بما تعملون عليم } . > 7 ! < < البقرة : ( 283 ) وإن كنتم على . . . . . > > إعلم أنه تعالى جعل البياعات في هذه الآية على ثلاثة أقسام : بيع بكتاب وشهود ، وبيع برهان مقبوضة ، وبيع الأمانة ، ولما أمر في آخر الآية المتقدمة بالكتبة والإشهاد ، واعلم أنه ربما تعذر ذلك في السفر إما بأن لا يوجد الكاتب ، أو إن وجد لكنه لا توجد آلات الكتابة ذكر نوعا / آخر من الاستيثاق وهو أخذ الرهن فهذا وجه النظم وهذا أبلغ في الاحتياط من الكتبة والإشهاد ثم في الآية مسائل : المسألة الأولى : ذكرنا اشتقاق في السفر في قوله تعالى : { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } ( البقرة : 184 ) ونعيده هاهنا قال أهل اللغة : تركيب هذه الحروف للظهور والكشف فالسفر هو الكتاب ، لأنه يبين الشيء ويوضحه ، وسمي السفر سفرا ، لأنه يسفر عن أخلاق الرجال ، أي يكشف ، أو لأنه لما خرج من الكن إلى الصحراء فقد انكشف للناس ، أو لأنه لما خرج إلى الصحراء ، فقد صارت أرض البيت منكشفة خالية ، وأسفر الصبح إذا ظهر ، وأسفرت المرأة عن وجهها ، أي كشفت وسفرت عن القوم أسفر سفارة إذا كشفت ما في قلوبهم ، وسفرت أسفر إذا كنست ، والسفر الكنس ، وذلك لأنك إذا كنست ، فقد أظهرت ما كان تحت الغبار والسفر من الورق ما سفر به الريح ، ويقال لبقية بياض النهار بعد مغيب الشمس سفر لوضوحه والله أعلم . المسألة الثانية : أصل الرهن من الدوام ، يقال : رهن الشيء إذا دام وثبت ، ونعمة راهنة أي دائمة ثابتة . إذا عرفت أصل المعنى فنقول : أصل الرهن مصدر . يقال : رهنت عند الرجل أرهنه رهنا إذا وضعت عنده ، قال الشاعر : يراهنني فيرهنني بنيه وأرهنه بني بما أقول إذا عرفت هذا فنقول : إن المصادر قد تنقل فتجعل أسماء ويزول عنها عمل الفعل ، فإذا قال : رهنت عند زيد رهنا لم يكن انتصابه انتصاب المصدر ، لكن انتصاب المفعول به كما تقول : رهنت عند زيد ثوبا ، ولما جعل اسما بهذا الطريق جمع كما تجعل الأسماء وله جمعان : رهن ورهان ، ومما جاء على رهن قول الأعشى : آليت لا أعطيه من أبنائنا رهنا فيفسدهم كمن قد أفسدا وقال بعيث : بانت سعاد وأمسى دونها عدن وغلقت عندها من قبلك الرهن ونظيره قولنا : رهن ورهن ، سقف وسقف ، ونشر ونشر ، وخلق وخلق ، قال الزجاج : فعل وفعلى قليل ، وزعم الفراء أن الرهن جمعه رهان ، ثم الرهان جمعه رهن فيكون رهن جمع الجمع وهو كقولهم ثمار وثمر ، ومن الناس من عكس هذا فقال : الرهن جمعه رهن ، والرهن جمعه رهان ، واعلم أنهما لما تعارضا تساقطا لا سيما وسيبويه لا يرى جمع الجمع مطردا ، فوجب أن لا يقال به إلا عند الاتفاق ، وأما أن الرهان جمع رهن فهو قياس ظاهر ، مثل نعل ونعال ، وكبش وكباش / وكعب وكعاب ، وكلب وكلاب .

Section V07/P104–V07/P105Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V07/P104–V07/P105)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير أبو عمرو { فرهان } بضم الراء والهاء ، وروي عنهما أيضا { فرهان } برفع الراء وإسكان الهاء والباقون { فرهان } قال أبو عمرو : لا أعرف الرهان إلا في الخيل ، فقرأت { فرهان } للفصل بين الرهان في الخيل وبين جمع الرهن ، وأما قراءة أبي عمرو بضم الراء وسكون الهاء ، فقال الأخفش : إنها قبيحة لأن فعلا لا يجمع على فعل إلا قليلا شاذا كما يقال : سقف وسقف تارة بضم القاف وأخرى بتسكينها ، وقلب للنخل ولحد ولحد وبسط وبسط وفرس ورد ، وخيل ورد . المسأل الرابعة : في الآية حذف فإن شئنا جعلناه مبتدأ وأضمرنا الخبر ، والتقدير : فرهن مقبوضة بدل من الشاهدين ، أو ما يقوم مقامهما ، أو فعليه رهن مقبوضة ، وإن شئنا جعلناه خبرا وأضمرنا المبتدأ ، والتقدير : فالوثيقة رهن مقبوضة . المسألة الخامسة : اتفقت الفقهاء اليوم على أن الرهن في السفر والحضر سواء في حال وجود الكاتب وعدمه ، وكان مجاهد يذهب إلى أن الرهن لا يجوز إلا في السفر أخذا بظاهر الآية ، ولا يعمل بقوله اليوم وإنما تقيدت الآية بذكر السفر على سبيل الغالب ، كقوله { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلواة إن خفتم } ( النساء : 101 ) وليس الخوف من شرط جواز القصر . المسألة السادسة : مسائل الرهن كثيرة ، واحتج من قال بأن رهن المشاع لا يجوز بأن الآية دلت على أن الرهن يجب أن يكون مقبوضا والعقل أيضا يدل عليه لأن المقصود من الرهن استيثاق جانب صاحب الحق بمنع الجحود ، وذلك لا يحصل إلا بالقبض والمشاع لا يمكن أن يكون مقبوضا فوجب ألا يصح رهن المشاع . ثم قال تعالى : { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته } واعلم أن هذا هو القسم الثالث من البياعات المذكورة في الآية ، وهو بيع الأمانة ، أعني ما لا يكون فيه كتابة ولا شهود ولا يكون فيه رهن ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : أمن فلان غيره إذا لم يكن خائفا منه ، قال تعالى : { هل امنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه } ( يوسف : 64 ) فقوله { فإن أمن بعضكم بعضا } أي لم يخف خيانته وجحوده { فليؤد الذى اؤتمن أمانته } أي فليؤد المديون الذي كان أمينا ومؤتمنا في ظن الدائن ، فلا يخلف ظنه في أداء أمانته وحقه إليه ، يقال : أمنته وائتمنته فهو مأمون ومؤتمن . ثم قال : { وليتق الله ربه } أي هذا المديون يجب أن يتقي الله ولا يجحد ، لأن الدائن لما عامله المعاملة الحسنة حيث عول على أمانته ولم يطالبه بالوثائق من الكتابة والإشهاد والرهن فينبغي لهذا المديون أن يتقي الله ويعامله بالمعاملة الحسنة في أن لا ينكر ذلك الحق ، وفي أن يؤديه إليه عند / حلول الأجل ، وفي الآية قول آخر ، وهو أنه خطاب للمرتهن بأن يؤدي الرهن عند استيفاء المال فإنه أمانة في يده ، والوجه هو الأول . المسألة الثانية : من الناس من قال : هذه الآية ناسخة للآيات المتقدمة الدالة على وجوب الكتابة والإشهاد وأخذ الرهن ، واعلم أن التزام وقوع النسخ من غير دليل يلجىء إليه خطأ ، بل تلك الأوامر محمولة على الإرشاد ورعاية الاحتياط ، وهذه الآية محمولة على الرخصة ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ليس في آية المداينة نسخ ، ثم قال : { ولا تكتموا الشهادة } وفي التأويل وجوه :

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير أبو عمرو { فرهان } بضم الراء والهاء ، وروي عنهما أيضا { فرهان } برفع الراء وإسكان الهاء والباقون { فرهان } قال أبو عمرو : لا أعرف الرهان إلا في الخيل ، فقرأت { فرهان } للفصل بين الرهان في الخيل وبين جمع الرهن ، وأما قراءة أبي عمرو بضم الراء وسكون الهاء ، فقال الأخفش : إنها قبيحة لأن فعلا لا يجمع على فعل إلا قليلا شاذا كما يقال : سقف وسقف تارة بضم القاف وأخرى بتسكينها ، وقلب للنخل ولحد ولحد وبسط وبسط وفرس ورد ، وخيل ورد . المسأل الرابعة : في الآية حذف فإن شئنا جعلناه مبتدأ وأضمرنا الخبر ، والتقدير : فرهن مقبوضة بدل من الشاهدين ، أو ما يقوم مقامهما ، أو فعليه رهن مقبوضة ، وإن شئنا جعلناه خبرا وأضمرنا المبتدأ ، والتقدير : فالوثيقة رهن مقبوضة . المسألة الخامسة : اتفقت الفقهاء اليوم على أن الرهن في السفر والحضر سواء في حال وجود الكاتب وعدمه ، وكان مجاهد يذهب إلى أن الرهن لا يجوز إلا في السفر أخذا بظاهر الآية ، ولا يعمل بقوله اليوم وإنما تقيدت الآية بذكر السفر على سبيل الغالب ، كقوله { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلواة إن خفتم } ( النساء : 101 ) وليس الخوف من شرط جواز القصر . المسألة السادسة : مسائل الرهن كثيرة ، واحتج من قال بأن رهن المشاع لا يجوز بأن الآية دلت على أن الرهن يجب أن يكون مقبوضا والعقل أيضا يدل عليه لأن المقصود من الرهن استيثاق جانب صاحب الحق بمنع الجحود ، وذلك لا يحصل إلا بالقبض والمشاع لا يمكن أن يكون مقبوضا فوجب ألا يصح رهن المشاع . ثم قال تعالى : { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته } واعلم أن هذا هو القسم الثالث من البياعات المذكورة في الآية ، وهو بيع الأمانة ، أعني ما لا يكون فيه كتابة ولا شهود ولا يكون فيه رهن ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : أمن فلان غيره إذا لم يكن خائفا منه ، قال تعالى : { هل امنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه } ( يوسف : 64 ) فقوله { فإن أمن بعضكم بعضا } أي لم يخف خيانته وجحوده { فليؤد الذى اؤتمن أمانته } أي فليؤد المديون الذي كان أمينا ومؤتمنا في ظن الدائن ، فلا يخلف ظنه في أداء أمانته وحقه إليه ، يقال : أمنته وائتمنته فهو مأمون ومؤتمن . ثم قال : { وليتق الله ربه } أي هذا المديون يجب أن يتقي الله ولا يجحد ، لأن الدائن لما عامله المعاملة الحسنة حيث عول على أمانته ولم يطالبه بالوثائق من الكتابة والإشهاد والرهن فينبغي لهذا المديون أن يتقي الله ويعامله بالمعاملة الحسنة في أن لا ينكر ذلك الحق ، وفي أن يؤديه إليه عند / حلول الأجل ، وفي الآية قول آخر ، وهو أنه خطاب للمرتهن بأن يؤدي الرهن عند استيفاء المال فإنه أمانة في يده ، والوجه هو الأول . المسألة الثانية : من الناس من قال : هذه الآية ناسخة للآيات المتقدمة الدالة على وجوب الكتابة والإشهاد وأخذ الرهن ، واعلم أن التزام وقوع النسخ من غير دليل يلجىء إليه خطأ ، بل تلك الأوامر محمولة على الإرشاد ورعاية الاحتياط ، وهذه الآية محمولة على الرخصة ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ليس في آية المداينة نسخ ، ثم قال : { ولا تكتموا الشهادة } وفي التأويل وجوه :

Section V07/P105–V07/P106Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V07/P105–V07/P106)
Orijinal Metin (AR)

الوجه الأول : قال القفال رحمه الله : إنه تعالى لما أباح ترك الكتابة والإشهاد والرهن عند اعتقاد كون المديون أمينا ، ثم كان من الجائز في هذا المديون أن يخلف هذا الظن ، وأن يخرج خائنا جاحدا للحق ، إلا أنه من الجائز أن يكون بعض الناس مطلعا على أحوالهم ، فههنا ندب الله تعالى ذلك الإنسان إلى أن يسعى في إحياء ذلك الحق ، وأن يشهد لصاحب الحق بحقه ، ومنعه من كتمان تلك الشهادة سواء عرف صاحب الحق تلك الشهادة / أو لم يعرف وشدد فيه بأن جعله آثم القلب لو تركها ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر يدل على صحة هذا التأويل ، وهو قوله ( خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد ) . الوجه الثاني : في تأويل أن يكون المراد من كتمان الشهادة أن ينكر العلم بتلك الواقعة ، ونظيره قوله تعالى : { أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط كانوا هودا أو نصارى قل ءأنتم أعلم أم الله ومن أظلم } ( البقرة : 140 ) والمراد الجحود وإنكار العلم . الوجه الثالث : في كتمان الشهادة والامتناع من أدائها عند الحاجة إلى إقامتها ، وقد تقدم ذلك في قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } ( البقرة : 282 ) وذلك لأنه متى امتنع عن إقامة الشهادة فقد بطل حقه ، وكان هو بالامتناع من الشهادة كالمبطل لحقه ، وحرمة مال المسلم كحرمة دمه ، فهذا بالغ في الوعيد . ثم قال : { ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه } وفيه مسائل : المسألة الأولى : الآثم الفاجر ، روي أن عمر كان يعلم أعرابيا { إن شجرة الزقوم طعام الاثيم } ( الدخان : 43 ، 44 ) فكان يقول : طعام اليتيم ، فقال له عمر : طعام الفاجر . فهذا يدل على أن الآثم بمعنى الفجور . المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : آثم خبر إن وقلبه رفع بآثم على الفاعلية كأنه قيل فإنه يأثم قلبه وقرىء { قلبه } بالفتح كقوله { سفه نفسه } ( البقرة : 130 ) وقرأ ابن أبي عبلة { قلبه والله } أي جعله آثما . / المسألة الثالثة : إعلم أن كثيرا من المتكلمين قالوا . إن الفاعل والعارف والمأمور والمنهي هو القلب ، وقد استقصينا هذه المسألة في سورة الشعراء في تفسير قوله تعالى : { نزل به الروح الامين على قلبك } ( الشعراء : 193 ) وذكرنا طرفا منه في تفسير قوله { قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك } ( البقرة : 97 ) وهؤلاء يتمسكون بهذه الآية ويقولون : إنه تعالى أضاف الآثم إلى القلب فلولا أن القلب هو الفاعل وإلا لما كان آثما . وأجاب من خالف في هذا القول بأن إضافة الفعل إلى جزء من أجزاء البدن إنما يكون لأجل أن أعظم أسباب الإعانة على ذلك الفعل إنما يحصل من ذلك العضو ، فيقال : هذا مما أبصرته عيني وسمعته أذني وعرفه قلبي ، ويقال : فلان خبيث الفرج ومن المعلوم أن أفعال الجوارح تابعة لأفعال القلوب ومتولدة مما يحدث في القلوب من الدواعي والصوارف ، فلما كان الأمر كذلك فلهذا السبب أضيف الآثم ههنا إلى القلب . ثم قال عز وجل : { والله بما تعملون عليم } وهو تحذير من الإقدام على هذا الكتمان ، لأن المكلف إذا علم أنه لا يعزب عن علم الله ضمير قلبه كان خائفا حذرا من مخالفة أمر الله تعالى ، فإنه يعلم أنه تعالى يحاسبه على كل تلك الأفعال ، ويجازيه عليها إن خيرا فخيرا ، وإن شرا فشرا .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

الوجه الأول : قال القفال رحمه الله : إنه تعالى لما أباح ترك الكتابة والإشهاد والرهن عند اعتقاد كون المديون أمينا ، ثم كان من الجائز في هذا المديون أن يخلف هذا الظن ، وأن يخرج خائنا جاحدا للحق ، إلا أنه من الجائز أن يكون بعض الناس مطلعا على أحوالهم ، فههنا ندب الله تعالى ذلك الإنسان إلى أن يسعى في إحياء ذلك الحق ، وأن يشهد لصاحب الحق بحقه ، ومنعه من كتمان تلك الشهادة سواء عرف صاحب الحق تلك الشهادة / أو لم يعرف وشدد فيه بأن جعله آثم القلب لو تركها ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر يدل على صحة هذا التأويل ، وهو قوله ( خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد ) . الوجه الثاني : في تأويل أن يكون المراد من كتمان الشهادة أن ينكر العلم بتلك الواقعة ، ونظيره قوله تعالى : { أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط كانوا هودا أو نصارى قل ءأنتم أعلم أم الله ومن أظلم } ( البقرة : 140 ) والمراد الجحود وإنكار العلم . الوجه الثالث : في كتمان الشهادة والامتناع من أدائها عند الحاجة إلى إقامتها ، وقد تقدم ذلك في قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } ( البقرة : 282 ) وذلك لأنه متى امتنع عن إقامة الشهادة فقد بطل حقه ، وكان هو بالامتناع من الشهادة كالمبطل لحقه ، وحرمة مال المسلم كحرمة دمه ، فهذا بالغ في الوعيد . ثم قال : { ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه } وفيه مسائل : المسألة الأولى : الآثم الفاجر ، روي أن عمر كان يعلم أعرابيا { إن شجرة الزقوم طعام الاثيم } ( الدخان : 43 ، 44 ) فكان يقول : طعام اليتيم ، فقال له عمر : طعام الفاجر . فهذا يدل على أن الآثم بمعنى الفجور . المسألة الثانية : قال صاحب ( الكشاف ) : آثم خبر إن وقلبه رفع بآثم على الفاعلية كأنه قيل فإنه يأثم قلبه وقرىء { قلبه } بالفتح كقوله { سفه نفسه } ( البقرة : 130 ) وقرأ ابن أبي عبلة { قلبه والله } أي جعله آثما . / المسألة الثالثة : إعلم أن كثيرا من المتكلمين قالوا . إن الفاعل والعارف والمأمور والمنهي هو القلب ، وقد استقصينا هذه المسألة في سورة الشعراء في تفسير قوله تعالى : { نزل به الروح الامين على قلبك } ( الشعراء : 193 ) وذكرنا طرفا منه في تفسير قوله { قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك } ( البقرة : 97 ) وهؤلاء يتمسكون بهذه الآية ويقولون : إنه تعالى أضاف الآثم إلى القلب فلولا أن القلب هو الفاعل وإلا لما كان آثما . وأجاب من خالف في هذا القول بأن إضافة الفعل إلى جزء من أجزاء البدن إنما يكون لأجل أن أعظم أسباب الإعانة على ذلك الفعل إنما يحصل من ذلك العضو ، فيقال : هذا مما أبصرته عيني وسمعته أذني وعرفه قلبي ، ويقال : فلان خبيث الفرج ومن المعلوم أن أفعال الجوارح تابعة لأفعال القلوب ومتولدة مما يحدث في القلوب من الدواعي والصوارف ، فلما كان الأمر كذلك فلهذا السبب أضيف الآثم ههنا إلى القلب . ثم قال عز وجل : { والله بما تعملون عليم } وهو تحذير من الإقدام على هذا الكتمان ، لأن المكلف إذا علم أنه لا يعزب عن علم الله ضمير قلبه كان خائفا حذرا من مخالفة أمر الله تعالى ، فإنه يعلم أنه تعالى يحاسبه على كل تلك الأفعال ، ويجازيه عليها إن خيرا فخيرا ، وإن شرا فشرا .

Section V07/P106–V07/P107Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V07/P106–V07/P107)
Orijinal Metin (AR)

! 7 < { لله ما في السماوات وما فى الا رض وإن تبدوا ما فيأنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء والله على كل شيء قدير } . > 7 < البقرة : ( 284 ) لله ما في . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : في كيفية النظم وجوه الأول : قال الأصم : إنه تعالى لما جمع في هذه السورة أشياء كثيرة من علم الأصول ، وهو دليل التوحيد والنبوة ، وأشياء كثيرة من علم الأصول ببيان الشرائع والتكاليف ، وهي في الصلاة ، والزكاة ، والقصاص ، والصوم ، والحج ، والجهاد ، والحيض ، والطلاق ، والعدة ، والصداق ، والخلع ، والإيلاء ، والرضاع ، والبيع ، والربا ، وكيفية المداينة ختم الله تعالى هذه السورة بهذه الآية على سبيل التهديد . / وأقول إنه قد ثبت أن الصفات التي هي كمالات حقيقية ليست إلا القدرة والعلم ، فعبر سبحانه عن كمال القدرة بقوله { لله ما فى السماوات وما في الارض } ملكا وملكا ، وعبر عن كمال العلم المحيط بالكليات والجزئيات بقوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } وإذا حصل كمال القدرة والعلم ، فكان كل من في السماوات والأرض عبيدا مربوبين وجدوا بتخليقه وتكوينه كان ذلك غاية الوعد للمطيعين ، ونهاية الوعيد للمذنبين ، فلهذا السبب ختم الله هذه السورة بهذه الآية . والوجه الثاني : في كيفية النظم ، قال أبو مسلم : إنه تعالى لما قال في آخر الآية المتقدمة { والله بما تعملون عليم } ( البقرة : 283 ) ذكر عقيبه ما يجري مجرى الدليل العقلي فقال : { لله ما فى السماوات وما في الارض } ومعنى هذا الملك أن هذه الأشياء لما كانت محدثة فقد وجدت بتخليقه وتكوينه وإبداعه ومن كان فاعلا لهذه الأفعال المحكمة المتقنة العجيبة الغريبة المشتملة على الحكم المتكاثرة والمنافع العظيمة لا بد وأن يكون عالما بها إذ من المحال صدور الفعل المحكم المتقن عن الجاهل به ، فكان الله تعالى احتج بخلقه السماوات والأرض مع ما فيهما من وجوه الإحكام والإتقان على كونه تعالى عالما بها محيطا بأجزائها وجزئياتها . الوجه الثالث : في كيفية النظم ، قال القاضي : إنه تعالى لما أمر بهذه الوثائق أعني الكتبة والإشهاد والرهن ، فكان المقصود من الأمر بها صيانة الأموال ، والاحتياط في حفظها بين الله تعالى أنه إنما المقصود لمنفعة ترجع إلى الخلق لا لمنفعة تعود إليه سبحانه منها فإنه له ملك السماوات والأرض . الوجه الرابع : قال الشعبي وعكرمة ومجاهد : إنه تعالى لما نهى عن كتمان الشهادة وأوعد عليه بين أنه له ملك السماوات والأرض فيجازي على الكتمان والإظهار . المسألة الثانية : احتج الأصحاب بقوله { لله ما فى السماوات وما في الارض } على أن فعل العبد خلق الله تعالى ، لأنه من جملة ما في السماوات والأرض بدليل صحة الاستثناء ، واللام في قوله { لله } ليس لام الغرض ، فإنه ليس غرض الفاسق من فسقه طاعة الله ، فلا بد وأن يكون المراد منه لام الملك والتخليق . المسألة الثالثة : احتج الأصحاب بهذه الآية على أن المعدوم ليس بشيء لأن من جملة ما في السماوات والأرض حقائق الأشياء وماهياتها فهي لا بد وأن تكون تحت قدرة الله سبحانه وتعالى وإنما تكون الحقائق والماهيات تحت قدرته لو كان قادرا على تحقيق تلك الحقائق ، وتكوين تلك الماهيات ، فإذا كان كذلك كانت قدرة الله تعالى مكونة للذوات ، ومحققة للحقاق ، فكان القول بأن المعدوم شيء باطلا .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

! 7 < { لله ما في السماوات وما فى الا رض وإن تبدوا ما فيأنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء والله على كل شيء قدير } . > 7 < البقرة : ( 284 ) لله ما في . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : في كيفية النظم وجوه الأول : قال الأصم : إنه تعالى لما جمع في هذه السورة أشياء كثيرة من علم الأصول ، وهو دليل التوحيد والنبوة ، وأشياء كثيرة من علم الأصول ببيان الشرائع والتكاليف ، وهي في الصلاة ، والزكاة ، والقصاص ، والصوم ، والحج ، والجهاد ، والحيض ، والطلاق ، والعدة ، والصداق ، والخلع ، والإيلاء ، والرضاع ، والبيع ، والربا ، وكيفية المداينة ختم الله تعالى هذه السورة بهذه الآية على سبيل التهديد . / وأقول إنه قد ثبت أن الصفات التي هي كمالات حقيقية ليست إلا القدرة والعلم ، فعبر سبحانه عن كمال القدرة بقوله { لله ما فى السماوات وما في الارض } ملكا وملكا ، وعبر عن كمال العلم المحيط بالكليات والجزئيات بقوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } وإذا حصل كمال القدرة والعلم ، فكان كل من في السماوات والأرض عبيدا مربوبين وجدوا بتخليقه وتكوينه كان ذلك غاية الوعد للمطيعين ، ونهاية الوعيد للمذنبين ، فلهذا السبب ختم الله هذه السورة بهذه الآية . والوجه الثاني : في كيفية النظم ، قال أبو مسلم : إنه تعالى لما قال في آخر الآية المتقدمة { والله بما تعملون عليم } ( البقرة : 283 ) ذكر عقيبه ما يجري مجرى الدليل العقلي فقال : { لله ما فى السماوات وما في الارض } ومعنى هذا الملك أن هذه الأشياء لما كانت محدثة فقد وجدت بتخليقه وتكوينه وإبداعه ومن كان فاعلا لهذه الأفعال المحكمة المتقنة العجيبة الغريبة المشتملة على الحكم المتكاثرة والمنافع العظيمة لا بد وأن يكون عالما بها إذ من المحال صدور الفعل المحكم المتقن عن الجاهل به ، فكان الله تعالى احتج بخلقه السماوات والأرض مع ما فيهما من وجوه الإحكام والإتقان على كونه تعالى عالما بها محيطا بأجزائها وجزئياتها . الوجه الثالث : في كيفية النظم ، قال القاضي : إنه تعالى لما أمر بهذه الوثائق أعني الكتبة والإشهاد والرهن ، فكان المقصود من الأمر بها صيانة الأموال ، والاحتياط في حفظها بين الله تعالى أنه إنما المقصود لمنفعة ترجع إلى الخلق لا لمنفعة تعود إليه سبحانه منها فإنه له ملك السماوات والأرض . الوجه الرابع : قال الشعبي وعكرمة ومجاهد : إنه تعالى لما نهى عن كتمان الشهادة وأوعد عليه بين أنه له ملك السماوات والأرض فيجازي على الكتمان والإظهار . المسألة الثانية : احتج الأصحاب بقوله { لله ما فى السماوات وما في الارض } على أن فعل العبد خلق الله تعالى ، لأنه من جملة ما في السماوات والأرض بدليل صحة الاستثناء ، واللام في قوله { لله } ليس لام الغرض ، فإنه ليس غرض الفاسق من فسقه طاعة الله ، فلا بد وأن يكون المراد منه لام الملك والتخليق . المسألة الثالثة : احتج الأصحاب بهذه الآية على أن المعدوم ليس بشيء لأن من جملة ما في السماوات والأرض حقائق الأشياء وماهياتها فهي لا بد وأن تكون تحت قدرة الله سبحانه وتعالى وإنما تكون الحقائق والماهيات تحت قدرته لو كان قادرا على تحقيق تلك الحقائق ، وتكوين تلك الماهيات ، فإذا كان كذلك كانت قدرة الله تعالى مكونة للذوات ، ومحققة للحقاق ، فكان القول بأن المعدوم شيء باطلا .

Section V07/P107–V07/P108Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V07/P107–V07/P108)
Orijinal Metin (AR)

/ ثم قال تعالى : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } يروى عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الآية جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ وناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله كلفنا من العمل ما لا نطيق إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه ، وإن له الدنيا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل سمعنا وعصينا قولوا : سمعنا وأطعنا ، فقالوا سمعنا وأطعنا ، واشتد ذلك عليهم فمكثوا في ذلك حولا فأنزل الله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ( البقرة : 286 ) فنسخت هذه الآية ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثوا به أنفسهم مالم يعملوا أو يتكلموا به ) . واعلم أن محل البحث في هذه الآية أن قوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } يتناول حديث النفس ، والخواطر الفاسدة التي ترد على القلب ، ولا يتمكن من دفعها ، فالمؤاخذة بها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق ، والعلماء أجابوا عنه من وجوه : الوجه الأول : أن الخواطر الحاصلة في القلب على قسمين ، فمنها ما يوطن الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله في الوجود ، ومنها ما لا يكون كذلك بل تكون أمورا خاطرة بالبال مع أن الإنسان يكرهها ولكنه لا يمكنه دفعها عن النفس ، فالقسم الأول : يكون مؤاخذا به ، والثاني : لا يكون مؤاخذا به ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولاكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } ( البقرة : 225 ) وقال في آخر هذه السورة { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ( البقرة : 286 ) وقال : { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين ءامنوا } ( النور : 19 ) هذا هو الجواب المعتمد . والوجه الثاني : أن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل ، فهو في محل العفو وقوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } فالمراد منه أنه يدخل ذلك العمل في الوجود إما ظاهرا وإما على سبيل الخفية وأما ما وجد في القلب من العزائم والإرادات ولم يتصل بالعمل فكل ذلك في محل العفو وهذا الجواب ضعيف ، لأن أكثر المؤاخذات إنما تكون بأفعال القلوب ألا ترى أن اعتقاد الكفر والبدع ليس إلا من أعمال القلوب : وأعظم أنواع العقاب مرتب عليه ، وأيضا فأفعال الجوارح إذا خلت عن أفعال القلوب لا يترتب عليها عقاب كأفعال النائم والساهي فثبت ضعف هذا الجواب . والوجه الثالث في الجواب : أن الله تعالى يؤاخذه بها لكن مؤاخذتها هي العموم والغموم في الدنيا ، روى الضحاك عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ما حدث العبد به نفسه من شر كانت محاسبة الله عليه بغم يبتليه به في الدنيا أو حزن أو أذى ، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ولم يعاقب عليه ، وروت أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه . فإن قيل : المؤاخذة كيف تحصل في الدنيا مع قوله تعالى : { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } ( غافر : 17 ) . / قلنا : هذا خاص فيكون مقدما على ذلك العام .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

/ ثم قال تعالى : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } يروى عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت هذه الآية جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ وناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله كلفنا من العمل ما لا نطيق إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه ، وإن له الدنيا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل سمعنا وعصينا قولوا : سمعنا وأطعنا ، فقالوا سمعنا وأطعنا ، واشتد ذلك عليهم فمكثوا في ذلك حولا فأنزل الله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ( البقرة : 286 ) فنسخت هذه الآية ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثوا به أنفسهم مالم يعملوا أو يتكلموا به ) . واعلم أن محل البحث في هذه الآية أن قوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } يتناول حديث النفس ، والخواطر الفاسدة التي ترد على القلب ، ولا يتمكن من دفعها ، فالمؤاخذة بها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق ، والعلماء أجابوا عنه من وجوه : الوجه الأول : أن الخواطر الحاصلة في القلب على قسمين ، فمنها ما يوطن الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله في الوجود ، ومنها ما لا يكون كذلك بل تكون أمورا خاطرة بالبال مع أن الإنسان يكرهها ولكنه لا يمكنه دفعها عن النفس ، فالقسم الأول : يكون مؤاخذا به ، والثاني : لا يكون مؤاخذا به ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولاكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } ( البقرة : 225 ) وقال في آخر هذه السورة { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ( البقرة : 286 ) وقال : { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين ءامنوا } ( النور : 19 ) هذا هو الجواب المعتمد . والوجه الثاني : أن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل ، فهو في محل العفو وقوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } فالمراد منه أنه يدخل ذلك العمل في الوجود إما ظاهرا وإما على سبيل الخفية وأما ما وجد في القلب من العزائم والإرادات ولم يتصل بالعمل فكل ذلك في محل العفو وهذا الجواب ضعيف ، لأن أكثر المؤاخذات إنما تكون بأفعال القلوب ألا ترى أن اعتقاد الكفر والبدع ليس إلا من أعمال القلوب : وأعظم أنواع العقاب مرتب عليه ، وأيضا فأفعال الجوارح إذا خلت عن أفعال القلوب لا يترتب عليها عقاب كأفعال النائم والساهي فثبت ضعف هذا الجواب . والوجه الثالث في الجواب : أن الله تعالى يؤاخذه بها لكن مؤاخذتها هي العموم والغموم في الدنيا ، روى الضحاك عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ما حدث العبد به نفسه من شر كانت محاسبة الله عليه بغم يبتليه به في الدنيا أو حزن أو أذى ، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ولم يعاقب عليه ، وروت أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه . فإن قيل : المؤاخذة كيف تحصل في الدنيا مع قوله تعالى : { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } ( غافر : 17 ) . / قلنا : هذا خاص فيكون مقدما على ذلك العام .

%0
10 Bölüm

Questions