Section V08/P146–V08/P147Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P146–V08/P147)
Orijinal Metin (AR)المسألة الثالثة : قال الله سبحانه وتعالى : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر } ( الحجرات : 9 ) قدم الإصلاح على القتال ، وهذا يقتضي أن يبدأ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأرفق مترقيا إلى الأغلظ فالأغلظ ، وكذا قوله تعالى : { واهجروهن فى المضاجع واضربوهن } ( النساء : 34 ) يدل على ما ذكرناه ، ثم إذا لم يتم الأمر بالتغليظ والتشديد وجب عليه القهر باليد ، فإن عجز فباللسان ، فإن عجز فبالقلب ، وأحوال الناس مختلفة في هذا الباب . ثم قال تعالى : { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات } . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في النظم وجهان الأول : أنه تعالى ذكر في الآيات المتقدمة أنه بين في / التوراة والإنجيل ما يدل على صحة دين الإسلام وصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر أن أهل الكتاب حسدوا محمدا صلى الله عليه وسلم واحتالوا في إلقاء الشكوك والشبهات في تلك النصوص الظاهرة ، ثم إنه تعالى أمر المؤمنين بالإيمان بالله والدعوة إلى الله ، ثم ختم ذلك بأن حذر المؤمنين من مثل فعل أهل الكتاب ، وهو إلقاء الشبهات في هذه النصوص واستخراج التأويلات الفاسدة الرافعة لدلالة هذه النصوص فقال : { ولا تكونوا } أيها المؤمنون عند سماع هذه البينات { كالذين تفرقوا واختلفوا } من أهل الكتاب { من بعد ما جاءهم } في التوراة والإنجيل تلك النصوص الظاهرة ، فعلى هذا الوجه تكون الآية من تتمة جملة الآيات المتقدمة والثاني : وهو أنه تعالى لما أمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وذلك مما لا يتم إلا إذا كان الآمر بالمعروف قادرا على تنفيذ هذا التكليف على الظلمة والمتغالين ، ولا تحصل هذه القدرة إلا إذا حصلت الإلفة والمحبة بين أهل الحق والدين ، لا جرم حذرهم تعالى من الفرقة والاختلاف لكي لا يصير ذلك سببا لعجزهم عن القيام بهذا التكليف ، وعلى هذا الوجه تكون هذه الآية من تتمة الآية السابقة فقط . المسألة الثانية : قوله { تفرقوا واختلفوا } فيه وجوه الأول : تفرقوا واختلفوا بسبب اتباع الهوى وطاعة النفس والحسد ، كما أن إبليس ترك نص الله تعالى بسبب حسده لآدم الثاني : تفرقوا حتى صار كل فريق منهم يصدق من الأنبياء بعضا دون بعض ، فصاروا بذلك إلى العداوة والفرقة الثالث : صاروا مثل مبتدعة هذه الأمة ، مثل المشبهة والقدرية والحشوية . المسألة الثالثة : قال بعضهم { تفرقوا واختلفوا } معناهما واحد وذكرهما للتأكيد وقيل : بل معناهما مختلف ، ثم اختلفوا فقيل : تفرقوا بالعداوة واختلفوا في الدين ، وقيل : تفرقوا بسبب استخراج التأويلات الفاسدة من تلك النصوص ، ثم اختلفوا بأن حاول كل واحد منهم نصرة قوله ومذهبه والثالث : تفرقوا بأبدانهم بأن صار كل واحد من أولئك الأحبار رئيسا في بلد ، ثم اختلفوا بأن صار كل واحد منهم يدعي أنه على الحق وأن صاحبه على الباطل ، وأقول : إنك إذا أنصفت علمت أن أكثر علماء هذا الزمان صاروا موصوفين بهذه الصفة فنسأل الله العفو والرحمة . المسألة الرابعة : إنما قال : { من بعد ما جاءهم البينات } ولم يقل { جاءتهم } لجواز حذف علامة من الفعل إذا كان فعل المؤنث متقدما . ثم قال تعالى : { وأولئك لهم عذاب عظيم } يعني الذين تفرقوا لهم عذاب عظيم في الآخرة بسبب تفرقهم ، فكان ذلك زجرا للمؤمنين عن التفرق . ثم قال تعالى : { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } اعلم أنه تعالى لما أمر اليهود ببعض الأشياء ونهاهم عن بعض ، ثم أمر المسلمين بالبعض ونهاهم عن البعض أتبع ذلك بذكر أحوال الآخرة ، تأكيدا للأمر ، وفي الآية مسائل :
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الثالثة : قال الله سبحانه وتعالى : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر } ( الحجرات : 9 ) قدم الإصلاح على القتال ، وهذا يقتضي أن يبدأ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأرفق مترقيا إلى الأغلظ فالأغلظ ، وكذا قوله تعالى : { واهجروهن فى المضاجع واضربوهن } ( النساء : 34 ) يدل على ما ذكرناه ، ثم إذا لم يتم الأمر بالتغليظ والتشديد وجب عليه القهر باليد ، فإن عجز فباللسان ، فإن عجز فبالقلب ، وأحوال الناس مختلفة في هذا الباب . ثم قال تعالى : { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات } . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في النظم وجهان الأول : أنه تعالى ذكر في الآيات المتقدمة أنه بين في / التوراة والإنجيل ما يدل على صحة دين الإسلام وصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر أن أهل الكتاب حسدوا محمدا صلى الله عليه وسلم واحتالوا في إلقاء الشكوك والشبهات في تلك النصوص الظاهرة ، ثم إنه تعالى أمر المؤمنين بالإيمان بالله والدعوة إلى الله ، ثم ختم ذلك بأن حذر المؤمنين من مثل فعل أهل الكتاب ، وهو إلقاء الشبهات في هذه النصوص واستخراج التأويلات الفاسدة الرافعة لدلالة هذه النصوص فقال : { ولا تكونوا } أيها المؤمنون عند سماع هذه البينات { كالذين تفرقوا واختلفوا } من أهل الكتاب { من بعد ما جاءهم } في التوراة والإنجيل تلك النصوص الظاهرة ، فعلى هذا الوجه تكون الآية من تتمة جملة الآيات المتقدمة والثاني : وهو أنه تعالى لما أمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وذلك مما لا يتم إلا إذا كان الآمر بالمعروف قادرا على تنفيذ هذا التكليف على الظلمة والمتغالين ، ولا تحصل هذه القدرة إلا إذا حصلت الإلفة والمحبة بين أهل الحق والدين ، لا جرم حذرهم تعالى من الفرقة والاختلاف لكي لا يصير ذلك سببا لعجزهم عن القيام بهذا التكليف ، وعلى هذا الوجه تكون هذه الآية من تتمة الآية السابقة فقط . المسألة الثانية : قوله { تفرقوا واختلفوا } فيه وجوه الأول : تفرقوا واختلفوا بسبب اتباع الهوى وطاعة النفس والحسد ، كما أن إبليس ترك نص الله تعالى بسبب حسده لآدم الثاني : تفرقوا حتى صار كل فريق منهم يصدق من الأنبياء بعضا دون بعض ، فصاروا بذلك إلى العداوة والفرقة الثالث : صاروا مثل مبتدعة هذه الأمة ، مثل المشبهة والقدرية والحشوية . المسألة الثالثة : قال بعضهم { تفرقوا واختلفوا } معناهما واحد وذكرهما للتأكيد وقيل : بل معناهما مختلف ، ثم اختلفوا فقيل : تفرقوا بالعداوة واختلفوا في الدين ، وقيل : تفرقوا بسبب استخراج التأويلات الفاسدة من تلك النصوص ، ثم اختلفوا بأن حاول كل واحد منهم نصرة قوله ومذهبه والثالث : تفرقوا بأبدانهم بأن صار كل واحد من أولئك الأحبار رئيسا في بلد ، ثم اختلفوا بأن صار كل واحد منهم يدعي أنه على الحق وأن صاحبه على الباطل ، وأقول : إنك إذا أنصفت علمت أن أكثر علماء هذا الزمان صاروا موصوفين بهذه الصفة فنسأل الله العفو والرحمة . المسألة الرابعة : إنما قال : { من بعد ما جاءهم البينات } ولم يقل { جاءتهم } لجواز حذف علامة من الفعل إذا كان فعل المؤنث متقدما . ثم قال تعالى : { وأولئك لهم عذاب عظيم } يعني الذين تفرقوا لهم عذاب عظيم في الآخرة بسبب تفرقهم ، فكان ذلك زجرا للمؤمنين عن التفرق . ثم قال تعالى : { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } اعلم أنه تعالى لما أمر اليهود ببعض الأشياء ونهاهم عن بعض ، ثم أمر المسلمين بالبعض ونهاهم عن البعض أتبع ذلك بذكر أحوال الآخرة ، تأكيدا للأمر ، وفي الآية مسائل :
Section V08/P147–V08/P148Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P147–V08/P148)
Orijinal Metin (AR)/ المسألة الأولى : في نصب { يوم } وجهان الأول : أنه نصب على الظرف ، والتقدير : ولهم عذاب عظيم في هذا اليوم ، وعلى هذا التقدير ففيه فائدتان إحداهما : أن ذلك العذاب في هذا اليوم ، والأخرى أن من حكم هذا اليوم أن تبيض فيه وجوه وتسود وجوه والثاني : أنه منصوب بإضمار ( اذكر ) . المسألة الثانية : هذه الآية لها نظائر منها قوله تعالى : { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة } ( الزمر : 60 ) ومنها قوله { ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة } ( يونس : 26 ) ومنها قوله { وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة } ( عبسى : 38 41 ) ومنها قوله { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة } ( القيامة : 22 25 ) ومنها قوله { تعرف فى وجوههم نضرة النعيم } ( المطففين : 24 ) ومنها قوله { يعرف المجرمون بسيماهم } ( الرحمن : 41 ) . إذا عرفت هذا فنقول : في هذا البياض والسواد والغبرة والقترة والنضرة للمفسرين قولان أحدهما : أن البياض مجاز عن الفرح والسرور ، والسواد عن الغم ، وهذا مجاز مستعمل ، قال تعالى : { وإذا بشر أحدهم بالانثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم } ( النحل : 58 ) ويقال : لفلان عندي يد بيضاء ، أي جلية سارة ، ولما سلم الحسن بن علي رضي الله عنه الأمر لمعاوية قال له بعضهم : يا مسود وجوه المؤمنين ، ولبعضهم في الشيب . يا بياض القرون سودت وجهي عند بيض الوجوه سود القرون فلعمري لأخفينك جهدي عن عياني وعن عيان العيون بسواد فيه بياض لوجهي وسواد لوجهك الملعون وتقول العرب لمن نال بغيته وفاز بمطلوبه : ابيض وجهه ومعناه الاستبشار والتهلل وعند التهنئة بالسرور يقولون : الحمد لله الذي بيض وجهك ، ويقال لمن وصل إليه مكروه : إربد وجهه واغبر لونه وتبدلت صورته ، فعلى هذا معنى الآية أن المؤمن يرد يوم القيامة على ما قدمت يداه فإن كان ذلك من الحسنات ابيض وجهه بمعنى استبشر بنعم الله وفضله ، وعلى ضد ذلك إذا رأى الكافر أعماله القبيحة محصاة اسود وجهه بمعنى شدة الحزن والغم وهذا قول أبي مسلم الأصفهاني .
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)/ المسألة الأولى : في نصب { يوم } وجهان الأول : أنه نصب على الظرف ، والتقدير : ولهم عذاب عظيم في هذا اليوم ، وعلى هذا التقدير ففيه فائدتان إحداهما : أن ذلك العذاب في هذا اليوم ، والأخرى أن من حكم هذا اليوم أن تبيض فيه وجوه وتسود وجوه والثاني : أنه منصوب بإضمار ( اذكر ) . المسألة الثانية : هذه الآية لها نظائر منها قوله تعالى : { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة } ( الزمر : 60 ) ومنها قوله { ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة } ( يونس : 26 ) ومنها قوله { وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة } ( عبسى : 38 41 ) ومنها قوله { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة } ( القيامة : 22 25 ) ومنها قوله { تعرف فى وجوههم نضرة النعيم } ( المطففين : 24 ) ومنها قوله { يعرف المجرمون بسيماهم } ( الرحمن : 41 ) . إذا عرفت هذا فنقول : في هذا البياض والسواد والغبرة والقترة والنضرة للمفسرين قولان أحدهما : أن البياض مجاز عن الفرح والسرور ، والسواد عن الغم ، وهذا مجاز مستعمل ، قال تعالى : { وإذا بشر أحدهم بالانثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم } ( النحل : 58 ) ويقال : لفلان عندي يد بيضاء ، أي جلية سارة ، ولما سلم الحسن بن علي رضي الله عنه الأمر لمعاوية قال له بعضهم : يا مسود وجوه المؤمنين ، ولبعضهم في الشيب . يا بياض القرون سودت وجهي عند بيض الوجوه سود القرون فلعمري لأخفينك جهدي عن عياني وعن عيان العيون بسواد فيه بياض لوجهي وسواد لوجهك الملعون وتقول العرب لمن نال بغيته وفاز بمطلوبه : ابيض وجهه ومعناه الاستبشار والتهلل وعند التهنئة بالسرور يقولون : الحمد لله الذي بيض وجهك ، ويقال لمن وصل إليه مكروه : إربد وجهه واغبر لونه وتبدلت صورته ، فعلى هذا معنى الآية أن المؤمن يرد يوم القيامة على ما قدمت يداه فإن كان ذلك من الحسنات ابيض وجهه بمعنى استبشر بنعم الله وفضله ، وعلى ضد ذلك إذا رأى الكافر أعماله القبيحة محصاة اسود وجهه بمعنى شدة الحزن والغم وهذا قول أبي مسلم الأصفهاني .
Section V08/P148–V08/P149Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P148–V08/P149)
Orijinal Metin (AR)والقول الثاني : إن هذا البياض والسواد يحصلان في وجوه المؤمنين والكافرين ، وذلك لأن اللفظ حقيقة فيهما ، ولا دليل يوجب ترك الحقيقة ، فوجب المصير إليه ، قلت : ولأبي مسلم أن يقول : الدليل دل على ما قلناه ، وذلك لأنه تعالى قال : { وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة } فجعل الغبرة والقترة في مقابلة الضحك والاستبشار / فلو لم يكن المراد بالغبرة والقترة ما ذكرنا من المجاز لما صح جعله مقابلا ، فعلمنا أن المراد من هذه الغبرة والقترة الغم والحزن حتى يصح هذا التقابل ، ثم قال القائلون بهذا القول : الحكمة في ذلك أن أهل / الموقف إذا رأوا البياض في وجه إنسان عرفوا أنه من أهل الثواب فزادوا في تعظيمه فيحصل له الفرح بذلك من وجهين أحدهما : أن السعيد يفرح بأن يعلم قومه أنه من أهل السعادة ، قال تعالى مخبرا عنهم { قال ياليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين } ( يس : 26 ، 27 ) الثاني : أنهم إذا عرفوا ذلك خصوه بمزيد التعظيم فثبت أن ظهور البياض في وجه المكلف سبب لمزيد سروره في الآخرة وبهذا الطريق يكون ظهور السواد في وجه الكفار سببا لمزيد غمهم في الآخرة ، فهذا وجه الحكمة في الآخرة ، وأما في الدنيا فالمكلف حين يكون في الدنيا إذا عرف حصول هذه الحالة في الآخرة صار ذلك مرغبا له في الطاعات وترك المحرمات لكي يكون في الآخرة من قبيل من يبيض وجهه لا من قبيل من يسود وجهه ، فهذا تقرير هذين القولين . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المكلف إما مؤمن وإما كافر ، وأنه ليس ههنا منزلة بين المنزلتين كما يذهب إليه المعتزلة ، فقالوا : إنه تعالى قسم أهل القيامة إلى قسمين منهم من يبيض وجهه وهم المؤمنون ، ومنهم من يسود وجهه وهم الكافرون ولم يذكر الثالث ، فلو كان ههنا قسم ثالث لذكره الله تعالى قالوا وهذا أيضا متأكد بقوله تعالى : { وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة } ( عبسى : 38 42 ) . أجاب القاضي عنه بأن عدم ذكر القسم الثالث لا يدل على عدمه ، يبين ذلك أنه تعالى إنما قال : { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } فذكرهما على سبيل التنكير ، وذلك لا يفيد العموم ، وأيضا المذكور في الآية المؤمنون والذين كفروا بعد الإيمان ولا شبهة أن الكافر الأصلي من أهل النار مع أنه غير داخل تحت هذين القسمين ، فكذا القول في الفساق . واعلم أن وجه الاستدلال بالآية هو أنا نقول : الآيات المتقدمة ما كانت إلا في الترغيب في الإيمان بالتوحيد والنبوة وفي الزجر عن الكفر بهما ثم إنه تعالى اتبع ذلك بهذه الآية فظاهرها يقتضي أن يكون ابيضاض الوجه نصيبا لمن آمن بالتوحيد والنبوة ، واسوداد الوجه يكون نصيبا لمن أنكر ذلك ، ثم دل ما بعد هذه الآية على أن صاحب البياض من أهل الجنة ، وصاحب السواد من أهل النار ، فحينئذ يلزم نفي المنزلة بين المنزلتين ، وأما قوله يشكل هذا بالكافر الأصلي فجوابنا عنه من وجهين الأول : أن نقول لم لا يجوز أن يكون المراد منه أن كل أحد أسلم وقت استخراج الذرية من صلب آدم ؟ وإذا كان كذلك كان الكل داخلا فيه والثاني : وهو أنه تعالى قال في آخر الآية { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } فجعل موجب العذاب هو الكفر من حيث إنه كفر لا الكفر من حيث أنه بعد الإيمان ، وإذا وقع التعليل بمطلق الكفر دخل كل الكفار فيه سواء كفر بعد الإيمان ، أو كان كافرا أصليا والله أعلم . ثم قال : { فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم } وفي الآية سؤالات :
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)والقول الثاني : إن هذا البياض والسواد يحصلان في وجوه المؤمنين والكافرين ، وذلك لأن اللفظ حقيقة فيهما ، ولا دليل يوجب ترك الحقيقة ، فوجب المصير إليه ، قلت : ولأبي مسلم أن يقول : الدليل دل على ما قلناه ، وذلك لأنه تعالى قال : { وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة } فجعل الغبرة والقترة في مقابلة الضحك والاستبشار / فلو لم يكن المراد بالغبرة والقترة ما ذكرنا من المجاز لما صح جعله مقابلا ، فعلمنا أن المراد من هذه الغبرة والقترة الغم والحزن حتى يصح هذا التقابل ، ثم قال القائلون بهذا القول : الحكمة في ذلك أن أهل / الموقف إذا رأوا البياض في وجه إنسان عرفوا أنه من أهل الثواب فزادوا في تعظيمه فيحصل له الفرح بذلك من وجهين أحدهما : أن السعيد يفرح بأن يعلم قومه أنه من أهل السعادة ، قال تعالى مخبرا عنهم { قال ياليت قومى يعلمون بما غفر لى ربى وجعلنى من المكرمين } ( يس : 26 ، 27 ) الثاني : أنهم إذا عرفوا ذلك خصوه بمزيد التعظيم فثبت أن ظهور البياض في وجه المكلف سبب لمزيد سروره في الآخرة وبهذا الطريق يكون ظهور السواد في وجه الكفار سببا لمزيد غمهم في الآخرة ، فهذا وجه الحكمة في الآخرة ، وأما في الدنيا فالمكلف حين يكون في الدنيا إذا عرف حصول هذه الحالة في الآخرة صار ذلك مرغبا له في الطاعات وترك المحرمات لكي يكون في الآخرة من قبيل من يبيض وجهه لا من قبيل من يسود وجهه ، فهذا تقرير هذين القولين . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن المكلف إما مؤمن وإما كافر ، وأنه ليس ههنا منزلة بين المنزلتين كما يذهب إليه المعتزلة ، فقالوا : إنه تعالى قسم أهل القيامة إلى قسمين منهم من يبيض وجهه وهم المؤمنون ، ومنهم من يسود وجهه وهم الكافرون ولم يذكر الثالث ، فلو كان ههنا قسم ثالث لذكره الله تعالى قالوا وهذا أيضا متأكد بقوله تعالى : { وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة } ( عبسى : 38 42 ) . أجاب القاضي عنه بأن عدم ذكر القسم الثالث لا يدل على عدمه ، يبين ذلك أنه تعالى إنما قال : { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } فذكرهما على سبيل التنكير ، وذلك لا يفيد العموم ، وأيضا المذكور في الآية المؤمنون والذين كفروا بعد الإيمان ولا شبهة أن الكافر الأصلي من أهل النار مع أنه غير داخل تحت هذين القسمين ، فكذا القول في الفساق . واعلم أن وجه الاستدلال بالآية هو أنا نقول : الآيات المتقدمة ما كانت إلا في الترغيب في الإيمان بالتوحيد والنبوة وفي الزجر عن الكفر بهما ثم إنه تعالى اتبع ذلك بهذه الآية فظاهرها يقتضي أن يكون ابيضاض الوجه نصيبا لمن آمن بالتوحيد والنبوة ، واسوداد الوجه يكون نصيبا لمن أنكر ذلك ، ثم دل ما بعد هذه الآية على أن صاحب البياض من أهل الجنة ، وصاحب السواد من أهل النار ، فحينئذ يلزم نفي المنزلة بين المنزلتين ، وأما قوله يشكل هذا بالكافر الأصلي فجوابنا عنه من وجهين الأول : أن نقول لم لا يجوز أن يكون المراد منه أن كل أحد أسلم وقت استخراج الذرية من صلب آدم ؟ وإذا كان كذلك كان الكل داخلا فيه والثاني : وهو أنه تعالى قال في آخر الآية { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } فجعل موجب العذاب هو الكفر من حيث إنه كفر لا الكفر من حيث أنه بعد الإيمان ، وإذا وقع التعليل بمطلق الكفر دخل كل الكفار فيه سواء كفر بعد الإيمان ، أو كان كافرا أصليا والله أعلم . ثم قال : { فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم } وفي الآية سؤالات :
Section V08/P149–V08/P150Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P149–V08/P150)
Orijinal Metin (AR)/ السؤال الأول : أنه تعالى ذكر القسمين أولا فقال : { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } فقدم البياض على السواد في اللفظ ، ثم لما شرع في حكم هذين القسمين قدم حكم السواد ، وكان حق الترتيب أن يقدم حكم البياض . والجواب عنه من وجوه : أحدها : أن الواو للجمع المطلق لا للترتيب وثانيها : أن المقصود من الخلق إيصال الرحمة لا إيصال العذاب قال عليه الصلاة والسلام حاكيا عن رب العزة سبحانه : ( خلقتهم ليربحوا علي لا لأربح عليهم ) وإذا كان كذلك فهو تعالى ابتدأ بذكر أهل الثواب وهم أهل البياض ، لأن تقديم الأشرف على الأخس في الذكر أحسن ، ثم ختم بذكرهم أيضا تنبيها على أن إرادة الرحمة أكثر من إرادة الغضب كما قال : ( سبقت رحمتي غضبي ) وثالثها : أن الفصحاء والشعراء قالوا : يجب أن يكون مطلع الكلام ومقطعه شيئا يسر الطبع ويشرح الصدر ولا شك أن ذكر رحمة الله هو الذي يكون كذلك فلا جرم وقع الابتداء بذكر أهل الثواب والاختتام بذكرهم . السؤال الثاني : أين جواب ( أما ) ؟ . والجواب : هو محذوف ، والتقدير فيقال لهم : أكفرتم بعد إيمانكم ، وإنما حسن الحذف لدلالة الكلام عليه ومثله في التنزيل كثير قال تعالى : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم } ( الرعد : 23 ، 24 ) وقال : { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا } ( البقرة : 127 ) وقال : { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا } ( السجدة : 12 ) . السؤال الثالث : من المراد بهؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم ؟ . والجواب : للمفسرين فيه أقوال أحدها : قال أبي بن كعب : الكل آمنوا حال ما استخرجهم من صلب آدم عليه السلام ، فكل من كفر في الدنيا ، فقد كفر بعد الإيمان ، ورواه الواحدي في ( البسيط ) بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم وثانيها : أن المراد : أكفرتم بعد ما ظهر لكم ما يوجب الإيمان وهو الدلائل التي نصبها الله تعالى على التوحيد والنبوة ، والدليل على صحة هذا التأويل ، قوله تعالى فيما قبل هذه الآية { يشعرون يأهل الكتاب لم تكفرون بأيات الله وأنتم تشهدون } ( آل عمران : 70 ) فذمهم على الكفر بعد وضوح الآيات ، وقال للمؤمنين { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات } ( آل عمران : 105 ) . ثم قال ههنا { أكفرتم بعد إيمانكم } فكان ذلك محمولا على ما ذكرناه حتى تصير هذه الآية مقررة لما قبلها ، وعلى هذين الوجهين تكون الآية عامة في حق كل الكفار ، وأما الذين خصصوا هذه الآية ببعض الكفار فلهم وجوه الأول : قال عكرمة والأصم والزجاج المراد أهل الكتاب فإنهم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين به ، فلما بعث صلى الله عليه وسلم كفروا به الثاني : قال قتادة : المراد الذين كفروا بعد الإيمان بسبب الارتداد الثالث : قال الحسن : / الذين كفروا بعد الإيمان بالنفاق الرابع : قيل هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة الخامس : قيل هم الخوارج ، فإنه عليه الصلاة والسلام قال فيهم : ( إنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ) وهذان الوجهان الأخيران في غاية البعد لأنهما لا يليقان بما قبل هذه الآية ، ولأنه تخصيص لغير دليل ، ولأن الخروج على الإمام لا يوجب الكفر ألبتة . السؤال الرابع : ما الفائدة في همزة الاستفهام في قوله { أكفرتم } ؟ .
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)/ السؤال الأول : أنه تعالى ذكر القسمين أولا فقال : { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه } فقدم البياض على السواد في اللفظ ، ثم لما شرع في حكم هذين القسمين قدم حكم السواد ، وكان حق الترتيب أن يقدم حكم البياض . والجواب عنه من وجوه : أحدها : أن الواو للجمع المطلق لا للترتيب وثانيها : أن المقصود من الخلق إيصال الرحمة لا إيصال العذاب قال عليه الصلاة والسلام حاكيا عن رب العزة سبحانه : ( خلقتهم ليربحوا علي لا لأربح عليهم ) وإذا كان كذلك فهو تعالى ابتدأ بذكر أهل الثواب وهم أهل البياض ، لأن تقديم الأشرف على الأخس في الذكر أحسن ، ثم ختم بذكرهم أيضا تنبيها على أن إرادة الرحمة أكثر من إرادة الغضب كما قال : ( سبقت رحمتي غضبي ) وثالثها : أن الفصحاء والشعراء قالوا : يجب أن يكون مطلع الكلام ومقطعه شيئا يسر الطبع ويشرح الصدر ولا شك أن ذكر رحمة الله هو الذي يكون كذلك فلا جرم وقع الابتداء بذكر أهل الثواب والاختتام بذكرهم . السؤال الثاني : أين جواب ( أما ) ؟ . والجواب : هو محذوف ، والتقدير فيقال لهم : أكفرتم بعد إيمانكم ، وإنما حسن الحذف لدلالة الكلام عليه ومثله في التنزيل كثير قال تعالى : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم } ( الرعد : 23 ، 24 ) وقال : { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا } ( البقرة : 127 ) وقال : { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا } ( السجدة : 12 ) . السؤال الثالث : من المراد بهؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم ؟ . والجواب : للمفسرين فيه أقوال أحدها : قال أبي بن كعب : الكل آمنوا حال ما استخرجهم من صلب آدم عليه السلام ، فكل من كفر في الدنيا ، فقد كفر بعد الإيمان ، ورواه الواحدي في ( البسيط ) بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم وثانيها : أن المراد : أكفرتم بعد ما ظهر لكم ما يوجب الإيمان وهو الدلائل التي نصبها الله تعالى على التوحيد والنبوة ، والدليل على صحة هذا التأويل ، قوله تعالى فيما قبل هذه الآية { يشعرون يأهل الكتاب لم تكفرون بأيات الله وأنتم تشهدون } ( آل عمران : 70 ) فذمهم على الكفر بعد وضوح الآيات ، وقال للمؤمنين { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات } ( آل عمران : 105 ) . ثم قال ههنا { أكفرتم بعد إيمانكم } فكان ذلك محمولا على ما ذكرناه حتى تصير هذه الآية مقررة لما قبلها ، وعلى هذين الوجهين تكون الآية عامة في حق كل الكفار ، وأما الذين خصصوا هذه الآية ببعض الكفار فلهم وجوه الأول : قال عكرمة والأصم والزجاج المراد أهل الكتاب فإنهم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين به ، فلما بعث صلى الله عليه وسلم كفروا به الثاني : قال قتادة : المراد الذين كفروا بعد الإيمان بسبب الارتداد الثالث : قال الحسن : / الذين كفروا بعد الإيمان بالنفاق الرابع : قيل هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة الخامس : قيل هم الخوارج ، فإنه عليه الصلاة والسلام قال فيهم : ( إنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ) وهذان الوجهان الأخيران في غاية البعد لأنهما لا يليقان بما قبل هذه الآية ، ولأنه تخصيص لغير دليل ، ولأن الخروج على الإمام لا يوجب الكفر ألبتة . السؤال الرابع : ما الفائدة في همزة الاستفهام في قوله { أكفرتم } ؟ .
Section V08/P150–V08/P151Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P150–V08/P151)
Orijinal Metin (AR)الجواب : هذا استفهام بمعنى الإنكار ، وهو مؤكد لما ذكر قبل هذه الآية وهو قوله { قل ياأهل أهل الكتاب لمن تكفرون بئيات الله والله شهيد على ما تعملون قل ياأهل أهل الكتاب لمن تصدون عن سبيل الله } ( آل عمران : 98 / 99 ) . ثم قال تعالى : { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } . وفيه فوائد الأولى : أنه لو لم يذكر ذلك لكان الوعيد مختصا بمن كفر بعد إيمانه ، فلما ذكر هذا ثبت الوعيد لمن كفر بعد إيمانه ولمن كان كافرا أصليا الثانية : قال القاضي قوله { أكفرتم بعد إيمانكم } يدل على أن الكفر منه لا من الله وكذا قوله { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } الثالثة : قالت المرجئة : الآية تدل على أن كل نوع من أنواع العذاب وقع معللا بالكفر ، وهذا ينفي حصول العذاب لغير الكافر . ثم قال تعالى : { وأما الذين ابيضت وجوههم ففى رحمة الله هم فيها خالدون } وفيه سؤالات : السؤال الأول : ما المراد برحمة الله ؟ . الجواب : قال ابن عباس : المراد الجنة ، وقال المحققون من أصحابنا : هذا إشارة إلى أن العبد وإن كثرت طاعته فإنه لا يدخل الجنة إلا برحمة الله ، وكيف لا نقول ذلك والعبد ما دامت داعيته إلى الفعل وإلى الترك على السوية يمتنع منه الفعل ؟ فإذن ما لم يحصل رجحان داعية الطاعة امتنع أن يحصل منه الطاعة وذلك الرجحان لا يكون إلا بخلق الله تعالى ، فإذن صدور تلك الطاعة من العبد نعمة من الله في حق العبد فكيف يصير ذلك موجبا على الله شيئا ، فثبت أن دخول الجنة لا يكون إلا بفضل الله وبرحمته وبكرمه لا باستحقاقنا . السؤال الثاني : كيف موقع قوله { هم فيها خالدون } بعد قوله { ففى رحمة الله } . الجواب : كأنه قيل : كيف يكونون فيها ؟ فقيل هم فيها خالدون لا يظعنون عنها ولا يموتون . السؤال الثالث : الكفار مخلدون في النار كما أن المؤمنين مخلدون في الجنة ، ثم إنه تعالى لم ينص على خلود أهل النار في هذه الآية مع أنه نص على خلود أهل الجنة فيها فما الفائدة ؟ . والجواب : كل ذلك إشعارات بأن جانب الرحمة أغلب ، وذلك لأنه ابتدأ في الذكر بأهل الرحمة وختم بأهل الرحمة ، ولما ذكر العذاب ما أضافه إلى نفسه ، بل قال : { فذوقوا العذاب } مع أنه ذكر / الرحمة مضافة إلى نفسه حيث قال : { ففى رحمة الله } ولما ذكر العذاب ما نص على الخلود مع أنه نص على الخلود في جانب الثواب ، ولما ذكر العذاب علله بفعلهم فقال : { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } ولما ذكر الثواب علله برحمته فقال : { ففى رحمة الله } ثم قال في آخر الآية { وما الله يريد ظلما للعالمين } وهذا جار مجرى الاعتذار عن الوعيد بالعقاب ، وكل ذلك مما يشعر بأن جانب الرحمة مغلب ، يا أرحم الراحمين لا تحرمنا من برد رحمتك ومن كرامة غفرانك وإحسانك .
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)الجواب : هذا استفهام بمعنى الإنكار ، وهو مؤكد لما ذكر قبل هذه الآية وهو قوله { قل ياأهل أهل الكتاب لمن تكفرون بئيات الله والله شهيد على ما تعملون قل ياأهل أهل الكتاب لمن تصدون عن سبيل الله } ( آل عمران : 98 / 99 ) . ثم قال تعالى : { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } . وفيه فوائد الأولى : أنه لو لم يذكر ذلك لكان الوعيد مختصا بمن كفر بعد إيمانه ، فلما ذكر هذا ثبت الوعيد لمن كفر بعد إيمانه ولمن كان كافرا أصليا الثانية : قال القاضي قوله { أكفرتم بعد إيمانكم } يدل على أن الكفر منه لا من الله وكذا قوله { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } الثالثة : قالت المرجئة : الآية تدل على أن كل نوع من أنواع العذاب وقع معللا بالكفر ، وهذا ينفي حصول العذاب لغير الكافر . ثم قال تعالى : { وأما الذين ابيضت وجوههم ففى رحمة الله هم فيها خالدون } وفيه سؤالات : السؤال الأول : ما المراد برحمة الله ؟ . الجواب : قال ابن عباس : المراد الجنة ، وقال المحققون من أصحابنا : هذا إشارة إلى أن العبد وإن كثرت طاعته فإنه لا يدخل الجنة إلا برحمة الله ، وكيف لا نقول ذلك والعبد ما دامت داعيته إلى الفعل وإلى الترك على السوية يمتنع منه الفعل ؟ فإذن ما لم يحصل رجحان داعية الطاعة امتنع أن يحصل منه الطاعة وذلك الرجحان لا يكون إلا بخلق الله تعالى ، فإذن صدور تلك الطاعة من العبد نعمة من الله في حق العبد فكيف يصير ذلك موجبا على الله شيئا ، فثبت أن دخول الجنة لا يكون إلا بفضل الله وبرحمته وبكرمه لا باستحقاقنا . السؤال الثاني : كيف موقع قوله { هم فيها خالدون } بعد قوله { ففى رحمة الله } . الجواب : كأنه قيل : كيف يكونون فيها ؟ فقيل هم فيها خالدون لا يظعنون عنها ولا يموتون . السؤال الثالث : الكفار مخلدون في النار كما أن المؤمنين مخلدون في الجنة ، ثم إنه تعالى لم ينص على خلود أهل النار في هذه الآية مع أنه نص على خلود أهل الجنة فيها فما الفائدة ؟ . والجواب : كل ذلك إشعارات بأن جانب الرحمة أغلب ، وذلك لأنه ابتدأ في الذكر بأهل الرحمة وختم بأهل الرحمة ، ولما ذكر العذاب ما أضافه إلى نفسه ، بل قال : { فذوقوا العذاب } مع أنه ذكر / الرحمة مضافة إلى نفسه حيث قال : { ففى رحمة الله } ولما ذكر العذاب ما نص على الخلود مع أنه نص على الخلود في جانب الثواب ، ولما ذكر العذاب علله بفعلهم فقال : { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } ولما ذكر الثواب علله برحمته فقال : { ففى رحمة الله } ثم قال في آخر الآية { وما الله يريد ظلما للعالمين } وهذا جار مجرى الاعتذار عن الوعيد بالعقاب ، وكل ذلك مما يشعر بأن جانب الرحمة مغلب ، يا أرحم الراحمين لا تحرمنا من برد رحمتك ومن كرامة غفرانك وإحسانك .
Section V08/P151–V08/P152Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P151–V08/P152)
Orijinal Metin (AR)ثم قال تعالى : { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق } فقوله { تلك } فيه وجهان الأول : المراد أن هذه الآيات التي ذكرناها هي دلائل الله ، وإنما جاز إقامة { تلك } مقام { هاذه } لأن هذه الآيات المذكورة قد انقضت بعد الذكر ، فصار كأنها بعدت فقيل فيها { تلك } والثاني : إن الله تعالى وعده أن ينزل عليه كتابا مشتملا على كل ما لابد منه في الدين ، فلما أنزل هذه الآيات قال : تلك الآيات الموعودة هي التي نتلوها عليك بالحق ، وتمام الكلام في هذه المسألة قد تقدم في سورة البقرة في تفسير قوله { ذالك الكتاب } ( البقرة : 2 ) وقوله { بالحق } فيه وجهان الأول : أي ملتبسة بالحق والعدل من إجزاء المحسن والمسيء بما يستوجبانه الثاني : بالحق ، أي بالمعنى الحق ، لأن معنى التلو حق . ثم قال تعالى : { وما الله يريد ظلما للعالمين } وفيه مسائل : المسألة الأولى : إنما حسن ذكر الظلم ههنا لأنه تقدم ذكر العقوبة الشديدة وهو سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين ، فكأنه تعال يعتذر عن ذلك وقال إنهم ما وقعوا فيه إلا بسبب أفعالهم المنكرة / فإن مصالح العالم لا تستقيم إلا بتهديد المذنبين ، وإذا حصل هذا التهديد فلا بد من التحقيق دفعا للكذب ، فصار هذا الاعتذار من أدل الدلائل ، على أن جانب الرحمة غالب ، ونظيره قوله تعالى في سورة ( عم ) بعد أن ذكر وعيد الكفار { إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بئاياتنا كذابا } ( النبأ : 27 ، 28 ) أي هذا الوعيد الشديد إنما حصل بسبب هذه الأفعال المنكرة . المسألة الثانية : قال الجبائي : هذه الآية تدل على أنه سبحانه لا يريد شيئا من القبائح لا من أفعاله ولا من أفعال عباده ، ولا يفعل شيئا من ذلك ، وبيانه : وهو أن الظلم إما أن يفرض صدوره من الله تعالى ، أو من العبد ، وبتقدير صدوره من العبد ، فإما أن يظلم نفسه وذلك بسبب إقدامه على المعاصي أو يظلم غيره ، فأقسام الظلم هي هذه الثلاثة ، وقوله تعالى : { وما الله يريد ظلما للعالمين } نكرة في سياق النفي ، فوجب أن لا يريد شيئا مما يكون ظلما ، سواء كان ذلك صادرا عنه أو صادرا عن غيره ، فثبت أن هذه الآية تدل على أنه لا يريد شيئا من هذه الأقسام الثلاثة ، وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يكون فاعلا لشيء من هذه الأقسام ، ويلزم منه أن لا يكون فاعلا للظلم أصلا ويلزم أن لا يكون فاعلا لأعمال العباد ، لأن من جملة أعمالهم ظلمهم لأنفسهم وظلم بعضهم بعضا ، وإنما قلنا : إن الآية تدل على كونه تعالى غير فاعل للظلم ألبتة لأنها دلت على أنه غير مريد لشيء منها ، / ولو كان فاعلا لشيء من أقسام الظلم لكان مريدا لها ، وقد بطل ذلك ، قالوا : فثبت بهذه الآية أنه تعالى غير فاعل للظلم ، وغير فاعل لأعمال العباد ، وغير مريد للقبائح من أفعال العباد ، ثم قالوا : إنه تعالى تمدح بأنه لا يريد ذلك ، والتمدح إنما يصح لو صح منه فعل ذلك الشيء وصح منه كونه مريدا له ، فدلت هذه الآية على كونه تعالى قادرا على الظلم وعند هذا تبجحوا وقالوا : هذه الآية الواحدة وافية بتقرير جميع أصول المعتزلة في مسائل العدل ، ثم قالوا : ولما ذكر تعالى أنه لا يريد الظلم ولا يفعل الظلم قال بعده { ولله ما فى السماوات وما في الارض وإلى الله ترجع الامور } وإنما ذكر هذه الآية عقيب ما تقدم لوجهين الأول : أنه تعالى لما ذكر أنه لا يريد الظلم والقبائح استدل عليه بأن فاعل القبيح إنما يفعل القبيح إما للجهل ، أو العجز ، أو الحاجة ، وكل ذلك على الله محال لأنه مالك لكل ما في السماوات وما في الأرض ، وهذه المالكية تنافي الجهل والعجز والحاجة ، وإذا امتنع ثبوت هذه الصفات في حقه تعالى امتنع كونه فاعلا للقبيح والثاني : أنه تعالى لما ذكر أنه لا يريد الظلم بوجه من الوجوه كان لقائل أن يقول : إنا نشاهد وجود الظلم في العالم ، فإذا لم يكن وقوعه بإرادته كان على خلاف إرادته ، فيلزم كونه ضعيفا عاجزا مغلوبا وذلك محال .
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)ثم قال تعالى : { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق } فقوله { تلك } فيه وجهان الأول : المراد أن هذه الآيات التي ذكرناها هي دلائل الله ، وإنما جاز إقامة { تلك } مقام { هاذه } لأن هذه الآيات المذكورة قد انقضت بعد الذكر ، فصار كأنها بعدت فقيل فيها { تلك } والثاني : إن الله تعالى وعده أن ينزل عليه كتابا مشتملا على كل ما لابد منه في الدين ، فلما أنزل هذه الآيات قال : تلك الآيات الموعودة هي التي نتلوها عليك بالحق ، وتمام الكلام في هذه المسألة قد تقدم في سورة البقرة في تفسير قوله { ذالك الكتاب } ( البقرة : 2 ) وقوله { بالحق } فيه وجهان الأول : أي ملتبسة بالحق والعدل من إجزاء المحسن والمسيء بما يستوجبانه الثاني : بالحق ، أي بالمعنى الحق ، لأن معنى التلو حق . ثم قال تعالى : { وما الله يريد ظلما للعالمين } وفيه مسائل : المسألة الأولى : إنما حسن ذكر الظلم ههنا لأنه تقدم ذكر العقوبة الشديدة وهو سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين ، فكأنه تعال يعتذر عن ذلك وقال إنهم ما وقعوا فيه إلا بسبب أفعالهم المنكرة / فإن مصالح العالم لا تستقيم إلا بتهديد المذنبين ، وإذا حصل هذا التهديد فلا بد من التحقيق دفعا للكذب ، فصار هذا الاعتذار من أدل الدلائل ، على أن جانب الرحمة غالب ، ونظيره قوله تعالى في سورة ( عم ) بعد أن ذكر وعيد الكفار { إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بئاياتنا كذابا } ( النبأ : 27 ، 28 ) أي هذا الوعيد الشديد إنما حصل بسبب هذه الأفعال المنكرة . المسألة الثانية : قال الجبائي : هذه الآية تدل على أنه سبحانه لا يريد شيئا من القبائح لا من أفعاله ولا من أفعال عباده ، ولا يفعل شيئا من ذلك ، وبيانه : وهو أن الظلم إما أن يفرض صدوره من الله تعالى ، أو من العبد ، وبتقدير صدوره من العبد ، فإما أن يظلم نفسه وذلك بسبب إقدامه على المعاصي أو يظلم غيره ، فأقسام الظلم هي هذه الثلاثة ، وقوله تعالى : { وما الله يريد ظلما للعالمين } نكرة في سياق النفي ، فوجب أن لا يريد شيئا مما يكون ظلما ، سواء كان ذلك صادرا عنه أو صادرا عن غيره ، فثبت أن هذه الآية تدل على أنه لا يريد شيئا من هذه الأقسام الثلاثة ، وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يكون فاعلا لشيء من هذه الأقسام ، ويلزم منه أن لا يكون فاعلا للظلم أصلا ويلزم أن لا يكون فاعلا لأعمال العباد ، لأن من جملة أعمالهم ظلمهم لأنفسهم وظلم بعضهم بعضا ، وإنما قلنا : إن الآية تدل على كونه تعالى غير فاعل للظلم ألبتة لأنها دلت على أنه غير مريد لشيء منها ، / ولو كان فاعلا لشيء من أقسام الظلم لكان مريدا لها ، وقد بطل ذلك ، قالوا : فثبت بهذه الآية أنه تعالى غير فاعل للظلم ، وغير فاعل لأعمال العباد ، وغير مريد للقبائح من أفعال العباد ، ثم قالوا : إنه تعالى تمدح بأنه لا يريد ذلك ، والتمدح إنما يصح لو صح منه فعل ذلك الشيء وصح منه كونه مريدا له ، فدلت هذه الآية على كونه تعالى قادرا على الظلم وعند هذا تبجحوا وقالوا : هذه الآية الواحدة وافية بتقرير جميع أصول المعتزلة في مسائل العدل ، ثم قالوا : ولما ذكر تعالى أنه لا يريد الظلم ولا يفعل الظلم قال بعده { ولله ما فى السماوات وما في الارض وإلى الله ترجع الامور } وإنما ذكر هذه الآية عقيب ما تقدم لوجهين الأول : أنه تعالى لما ذكر أنه لا يريد الظلم والقبائح استدل عليه بأن فاعل القبيح إنما يفعل القبيح إما للجهل ، أو العجز ، أو الحاجة ، وكل ذلك على الله محال لأنه مالك لكل ما في السماوات وما في الأرض ، وهذه المالكية تنافي الجهل والعجز والحاجة ، وإذا امتنع ثبوت هذه الصفات في حقه تعالى امتنع كونه فاعلا للقبيح والثاني : أنه تعالى لما ذكر أنه لا يريد الظلم بوجه من الوجوه كان لقائل أن يقول : إنا نشاهد وجود الظلم في العالم ، فإذا لم يكن وقوعه بإرادته كان على خلاف إرادته ، فيلزم كونه ضعيفا عاجزا مغلوبا وذلك محال .
Section V08/P152–V08/P153Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P152–V08/P153)
Orijinal Metin (AR)فأجاب الله تعالى عنه بقوله { ولله ما فى السماوات وما في الارض } أي أنه تعالى قادر على أن يمنع الظلمة من الظلم على سبيل الإلجاء والقهر ، ولما كان قادرا على ذلك خرج عن كونه عاجزا ضعيفا لا أنه تعالى أراد منهم ترك المعصية اختيارا وطوعا ليصيروا بسبب ذلك مستحقين للثواب فلو قهرهم على ترك المعصية لبطلت هذه الفائدة ، فهذا تلخيص كلام المعتزلة في هذه الآية ، وربما أوردوا هذا الكلام من وجه آخر ، فقالوا : المراد من قوله { وما الله يريد ظلما للعالمين } إما أن يكون هو لا يريد أن يظلمهم أو أنه لا يريد منهم أن يظلم بعضهم بعضا فإن كان الأول فهذا لا يستقيم على قولكم ، لأن مذهبكم أنه تعالى لو عذب البريء عن الذنب بأشد العذاب لم يكن ظلما / بل كان عادلا ، لأن الظلم تصرف في ملك الغير ، وهو تعالى إنما يتصرف في ملك نفسه فاستحال كونه ظالما وإذا كان كذلك لم يكن حمل الآية على أنه لا يريد أن يظلم الخلق وإن حملتم الآية على أنه لا يريد أن يظلم بعض العباد بعضا ، فهذا أيضا لا يتم على قولكم لأن كل ذلك بإرادة الله وتكوينه على قولكم ، فثبت أن على مذهبكم لا يمكن حمل الآية على وجه صحيح والجواب : لم لا يجوز أن يكون المراد أنه تعالى لا يريد أن يظلم أحدا من عباده ؟ قوله الظلم منه محال على مذهبكم فامتنع التمدح به قلنا : الكلام عليه من وجهين الأول : أنه تعالى تمدح بقوله { لا تأخذه سنة ولا نوم } ( البقرة : 255 ) وبقوله { وهو يطعم ولا يطعم } ( الأنعام : 14 ) ولا يلزم من ذلك صحة النوم والأكل عليه فكذا ههنا الثاني : أنه تعالى إن عذب من لم يكن مستحقا للعذاب فهو وإن لم يكن ظلما في نفسه لكنه في صور الظلم ، وقد يطلق اسم أحد المتشابهين على الآخر كقوله { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) ونظائره كثيرة في القرآن هذا تمام / الكلام في هذه المناظرة . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بقوله { ولله ما فى السماوات وما في الارض } على كونه خالقا لأعمال العباد ، فقالوا لا شك أن أفعال العباد من جملة ما في السماوات والأرض ، فوجب كونها له بقوله { ولله ما فى السماوات وما في الارض } وإنما يصح قولنا : إنها له لو كانت مخلوقة له فدلت هذه الآية على أنه خالق لأفعال العباد . أجاب الجبائي عنه بأن قوله { لله } إضافة ملك لا إضافة فعل ، ألا ترى أنه يقال : هذا البناء لفلان فيريدون أنه مملوكه لا أنه مفعوله ، وأيضا المقصود من الآية تعظيم الله لنفسه ومدحه لإلاهية نفسه ، ولا يجوز أن يتمدح بأن ينسب إلى نفسه الفواحش والقبائح ، وأيضا فقوله { ما في السماوات وما في الارض } إنما يتناول ما كان مظروفا في السماوات والأرض وذلك من صفات الأجسام لا من صفات الأفعال التي هي أعراض . أجاب أصحابنا عنه بأن هذه الإضافة إضافة الفعل بدليل أن القادر على القبيح والحسن لا يرجح الحسن على القبيح إلا إذا حصل في قلبه ما يدعوه إلى فعل الحسن ، وتلك الداعية حاصلة بتخليق الله تعالى دفعا للتسلسل ، وإذا كان المؤثر في حصول فعل العبد هو مجموع القدرة والداعية ، وثبت أن مجموع القدرة والداعية بخلق الله تعالى ثبت أن فعل العبد مستند إلى الله تعالى خلقا وتكوينا بواسطة فعل السبب ، فهذا تمام القول في هذه المناظرة .
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)فأجاب الله تعالى عنه بقوله { ولله ما فى السماوات وما في الارض } أي أنه تعالى قادر على أن يمنع الظلمة من الظلم على سبيل الإلجاء والقهر ، ولما كان قادرا على ذلك خرج عن كونه عاجزا ضعيفا لا أنه تعالى أراد منهم ترك المعصية اختيارا وطوعا ليصيروا بسبب ذلك مستحقين للثواب فلو قهرهم على ترك المعصية لبطلت هذه الفائدة ، فهذا تلخيص كلام المعتزلة في هذه الآية ، وربما أوردوا هذا الكلام من وجه آخر ، فقالوا : المراد من قوله { وما الله يريد ظلما للعالمين } إما أن يكون هو لا يريد أن يظلمهم أو أنه لا يريد منهم أن يظلم بعضهم بعضا فإن كان الأول فهذا لا يستقيم على قولكم ، لأن مذهبكم أنه تعالى لو عذب البريء عن الذنب بأشد العذاب لم يكن ظلما / بل كان عادلا ، لأن الظلم تصرف في ملك الغير ، وهو تعالى إنما يتصرف في ملك نفسه فاستحال كونه ظالما وإذا كان كذلك لم يكن حمل الآية على أنه لا يريد أن يظلم الخلق وإن حملتم الآية على أنه لا يريد أن يظلم بعض العباد بعضا ، فهذا أيضا لا يتم على قولكم لأن كل ذلك بإرادة الله وتكوينه على قولكم ، فثبت أن على مذهبكم لا يمكن حمل الآية على وجه صحيح والجواب : لم لا يجوز أن يكون المراد أنه تعالى لا يريد أن يظلم أحدا من عباده ؟ قوله الظلم منه محال على مذهبكم فامتنع التمدح به قلنا : الكلام عليه من وجهين الأول : أنه تعالى تمدح بقوله { لا تأخذه سنة ولا نوم } ( البقرة : 255 ) وبقوله { وهو يطعم ولا يطعم } ( الأنعام : 14 ) ولا يلزم من ذلك صحة النوم والأكل عليه فكذا ههنا الثاني : أنه تعالى إن عذب من لم يكن مستحقا للعذاب فهو وإن لم يكن ظلما في نفسه لكنه في صور الظلم ، وقد يطلق اسم أحد المتشابهين على الآخر كقوله { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ( الشورى : 40 ) ونظائره كثيرة في القرآن هذا تمام / الكلام في هذه المناظرة . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بقوله { ولله ما فى السماوات وما في الارض } على كونه خالقا لأعمال العباد ، فقالوا لا شك أن أفعال العباد من جملة ما في السماوات والأرض ، فوجب كونها له بقوله { ولله ما فى السماوات وما في الارض } وإنما يصح قولنا : إنها له لو كانت مخلوقة له فدلت هذه الآية على أنه خالق لأفعال العباد . أجاب الجبائي عنه بأن قوله { لله } إضافة ملك لا إضافة فعل ، ألا ترى أنه يقال : هذا البناء لفلان فيريدون أنه مملوكه لا أنه مفعوله ، وأيضا المقصود من الآية تعظيم الله لنفسه ومدحه لإلاهية نفسه ، ولا يجوز أن يتمدح بأن ينسب إلى نفسه الفواحش والقبائح ، وأيضا فقوله { ما في السماوات وما في الارض } إنما يتناول ما كان مظروفا في السماوات والأرض وذلك من صفات الأجسام لا من صفات الأفعال التي هي أعراض . أجاب أصحابنا عنه بأن هذه الإضافة إضافة الفعل بدليل أن القادر على القبيح والحسن لا يرجح الحسن على القبيح إلا إذا حصل في قلبه ما يدعوه إلى فعل الحسن ، وتلك الداعية حاصلة بتخليق الله تعالى دفعا للتسلسل ، وإذا كان المؤثر في حصول فعل العبد هو مجموع القدرة والداعية ، وثبت أن مجموع القدرة والداعية بخلق الله تعالى ثبت أن فعل العبد مستند إلى الله تعالى خلقا وتكوينا بواسطة فعل السبب ، فهذا تمام القول في هذه المناظرة .
Section V08/P153–V08/P154Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P153–V08/P154)
Orijinal Metin (AR)المسألة الرابعة : قوله تعالى { ولله ما فى السماوات وما في الارض } زعمت الفلاسفة أنه إنما قدم ذكر ما في السماوات على ذكر ما في الأرض لأن الأحوال السماوية أسباب للأحوال الأرضية ، فقدم السبب على المسبب ، وهذا يدل على أن جميع الأحوال الأرضية مستندة إلى الأحوال السماوية ، ولا شك أن الأحوال السماوية مستندة إلى خلق الله وتكوينه فيكون الجبر لازما أيضا من هذا الوجه . المسألة الخامسة : قال تعالى : { ولله ما فى السماوات وما في الارض وإلى الله ترجع الامور } فأعاد ذكر الله في أول الآيتين والغرض منه تأكيد التعظيم ، والمقصود أن تمنه مبدأ المخلوقات وإليه معادهم ، فقوله { ولله ما فى السماوات وما في الارض } إشارة إلى أنه سبحانه هو الأول وقوله { وإلى الله ترجع الامور } إشارة إلى أنه هو الآخر ، وذلك يدل إحاطة حكمه وتصرفه وتدبيره بأولهم وآخرهم ، وأن الأسباب منتسبة إليه وأن الحاجات منقطعة عنده . المسألة السادسة : كلمة { إلى } في قوله { وإلى الله ترجع الامور } لا تدل على كونه تعالى في مكان وجهة / بل المراد أن رجوع الخلق إلى موضع لا ينفذ فيه حكم أحد إلا حكمه ولا يجري فيه قضاء أحد إلا قضاؤه . ! 7 < { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو ءامن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الا دبار ثم لا ينصرون } . > 7 < آل عمران : ( 110 - 111 ) كنتم خير أمة . . . . . > > @155@ / في النظم وجهان الأول : أنه تعالى لما أمر المؤمنين ببعض الأشياء ونهاهم عن بعضها وحذرهم من أن يكونوا مثل أهل الكتاب في التمرد والعصيان ، وذكر عقيبه ثواب المطيعين وعقاب الكافرين ، كان الغرض من كل هذه الآيات حمل المؤمنين المكلفين على الانقياد والطاعة ومنعهم عن التمرد والمعصية ، ثم إنه تعالى أردف ذلك بطريق آخر يقتضي حمل المؤمنين على الانقياد والطاعة فقال { كنتم خير أمة } والمعنى أنكم كنتم في اللوح المحفوظ خير الأمم وأفضلهم ، فاللائق بهذا أن لا تبطلوا على أنفسكم هذه الفضيلة ، وأن لا تزيلوا عن أنفسكم هذه الخصلة المحمودة ، وأن تكونوا منقادين مطيعين في كل ما يتوجه عليكم من التكاليف الثاني : أن الله تعالى لما ذكر كمال حال الأشقياء وهو قوله { فأما الذين اسودت وجوههم } ( آل عمران : 106 ) وكمال حال السعداء وهو قوله { وأما الذين ابيضت وجوههم } ( آل عمران : 107 ) نبه على ما هو السبب لوعيد الأشقياء بقوله { وما الله يريد ظلما للعالمين } ( آل عمران : 108 ) يعني أنهم إنما استحقوا ذلك بأفعالهم القبيحة ، ثم نبه في هذه الآية على ما هو السبب لوعد السعداء بقوله { كنتم خير أمة أخرجت للناس } أي تلك السعادات والكمالات والكرامات إنما فازوا بها في الآخرة لأنهم كانوا في الدنيا { خير أمة أخرجت للناس } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : لفظة { كان } قد تكون تامة وناقصة وزائدة على ما هو مشروح في النحو واختلف المفسرون في قوله { كنتم } على وجوه الأول : أن ( كان ) ههنا تامة بمعنى الوقوع والحدوث وهو لا يحتاج إلى خبر ، والمعنى : حدثتم خير أمة ووجدتم وخلقتم خير أمة ، ويكون قوله { خير أمة } بمعنى الحال وهذا قول جمع من المفسرين الثاني : أن ( كان ) ههنا ناقصة وفيه سؤال : / وهو أن هذا يوهم أنهم كانوا موصوفين بهذه الصفة وأنهم ما بقوا الآن عليها .
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الرابعة : قوله تعالى { ولله ما فى السماوات وما في الارض } زعمت الفلاسفة أنه إنما قدم ذكر ما في السماوات على ذكر ما في الأرض لأن الأحوال السماوية أسباب للأحوال الأرضية ، فقدم السبب على المسبب ، وهذا يدل على أن جميع الأحوال الأرضية مستندة إلى الأحوال السماوية ، ولا شك أن الأحوال السماوية مستندة إلى خلق الله وتكوينه فيكون الجبر لازما أيضا من هذا الوجه . المسألة الخامسة : قال تعالى : { ولله ما فى السماوات وما في الارض وإلى الله ترجع الامور } فأعاد ذكر الله في أول الآيتين والغرض منه تأكيد التعظيم ، والمقصود أن تمنه مبدأ المخلوقات وإليه معادهم ، فقوله { ولله ما فى السماوات وما في الارض } إشارة إلى أنه سبحانه هو الأول وقوله { وإلى الله ترجع الامور } إشارة إلى أنه هو الآخر ، وذلك يدل إحاطة حكمه وتصرفه وتدبيره بأولهم وآخرهم ، وأن الأسباب منتسبة إليه وأن الحاجات منقطعة عنده . المسألة السادسة : كلمة { إلى } في قوله { وإلى الله ترجع الامور } لا تدل على كونه تعالى في مكان وجهة / بل المراد أن رجوع الخلق إلى موضع لا ينفذ فيه حكم أحد إلا حكمه ولا يجري فيه قضاء أحد إلا قضاؤه . ! 7 < { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو ءامن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الا دبار ثم لا ينصرون } . > 7 < آل عمران : ( 110 - 111 ) كنتم خير أمة . . . . . > > @155@ / في النظم وجهان الأول : أنه تعالى لما أمر المؤمنين ببعض الأشياء ونهاهم عن بعضها وحذرهم من أن يكونوا مثل أهل الكتاب في التمرد والعصيان ، وذكر عقيبه ثواب المطيعين وعقاب الكافرين ، كان الغرض من كل هذه الآيات حمل المؤمنين المكلفين على الانقياد والطاعة ومنعهم عن التمرد والمعصية ، ثم إنه تعالى أردف ذلك بطريق آخر يقتضي حمل المؤمنين على الانقياد والطاعة فقال { كنتم خير أمة } والمعنى أنكم كنتم في اللوح المحفوظ خير الأمم وأفضلهم ، فاللائق بهذا أن لا تبطلوا على أنفسكم هذه الفضيلة ، وأن لا تزيلوا عن أنفسكم هذه الخصلة المحمودة ، وأن تكونوا منقادين مطيعين في كل ما يتوجه عليكم من التكاليف الثاني : أن الله تعالى لما ذكر كمال حال الأشقياء وهو قوله { فأما الذين اسودت وجوههم } ( آل عمران : 106 ) وكمال حال السعداء وهو قوله { وأما الذين ابيضت وجوههم } ( آل عمران : 107 ) نبه على ما هو السبب لوعيد الأشقياء بقوله { وما الله يريد ظلما للعالمين } ( آل عمران : 108 ) يعني أنهم إنما استحقوا ذلك بأفعالهم القبيحة ، ثم نبه في هذه الآية على ما هو السبب لوعد السعداء بقوله { كنتم خير أمة أخرجت للناس } أي تلك السعادات والكمالات والكرامات إنما فازوا بها في الآخرة لأنهم كانوا في الدنيا { خير أمة أخرجت للناس } وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : لفظة { كان } قد تكون تامة وناقصة وزائدة على ما هو مشروح في النحو واختلف المفسرون في قوله { كنتم } على وجوه الأول : أن ( كان ) ههنا تامة بمعنى الوقوع والحدوث وهو لا يحتاج إلى خبر ، والمعنى : حدثتم خير أمة ووجدتم وخلقتم خير أمة ، ويكون قوله { خير أمة } بمعنى الحال وهذا قول جمع من المفسرين الثاني : أن ( كان ) ههنا ناقصة وفيه سؤال : / وهو أن هذا يوهم أنهم كانوا موصوفين بهذه الصفة وأنهم ما بقوا الآن عليها .
Section V08/P154–V08/P155Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P154–V08/P155)
Orijinal Metin (AR)والجواب عنه : أن قوله ( كان ) عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإبهام ، ولا يدل ذلك على انقطاع طارىء بدليل قوله { استغفروا ربكم إنه كان غفارا } ( نوح : 10 ) قوله { وكان الله غفورا رحيما } ( الفتح : 14 ) إذا ثبت هذا فنقول : للمفسرين على هذا التقدير أقوال أحدها : كنتم في علم الله خير أمة وثانيها : كنتم في الأمم الذين كانوا قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة وهو كقوله { أشداء على الكفار رحماء بينهم } ( الفتح : 29 ) إلى قوله { ذلك مثلهم فى التوراة } ( الفتح : 29 ) فشدتهم على الكفار أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وثالثها : كنتم في اللوح المحفوظ موصوفين بأنكم خير أمة ورابعها : كنتم منذ آمنتم خير أمة أخرجت للناس وخامسها : قال أبو مسلم قوله { كنتم خير أمة } تابع لقوله { وأما الذين ابيضت وجوههم } ( آل عمران : 107 ) والتقدير : أنه يقال لهم عند الخلود في الجنة : كنتم في دنياكم خير أمة فاستحقيتم ما أنتم فيه من الرحمة وبياض الوجه بسببه ، ويكون ما عرض بين أول القصة وآخرها كما لا يزال يعرض في القرآن من مثله وسادسها : قال بعضهم : لو شاء الله تعالى لقال ( أنتم ) وكان هذا التشريف حاصلا لكلنا ولكن قوله { كنتم } مخصوص بقوم معينين من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وهم السابقون الأولون ، ومن صنع مثل ما صنعوا وسابعها : كنتم مذ آمنتم خير أمة تنبيها على أنهم كانوا موصوفين بهذه الصفة مذ كانوا . الاحتمال الثالث : أن يقال ( كان ) ههنا زائدة ، وقال بعضهم قوله { كنتم خير أمة } هو كقوله { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } ( الأعراف : 86 ) وقال في موضع آخر { واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون } ( الأنفال : 26 ) وإضمار كان وإظهارها سواء إلا أنها تذكر للتأكيد ووقوع الأمر لا محالة : قال ابن الأنباري : هذا القول ظاهر الاختلال ، لأن ( كان ) تلغى متوسطة ومؤخرة ، ولا تلغى متقدمة ، تقول العرب : عبد الله كان قائم ، وعبد الله قائم كان على أن كان ملغاة ، ولا يقولون : كان عبد الله قائم على إلغائها ، لأن سبيلهم أن يبدؤا بما تنصرف العناية إليه ، والمعنى لا يكون في محل العناية ، وأيضا لا يجوز إلغاء الكون في الآية لانتصاب خبره ، وإذا عمل الكون في الخبر فنصبه لم يكن ملغى . الاحتمال الرابع : أن تكون ( كان ) بمعنى صار ، فقوله { كنتم خير أمة } معناه صرتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ، أي صرتم خير أمة بسبب كونكم آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر ومؤمنين بالله . ثم قال : { ولو ءامن أهل الكتاب لكان خيرا لهم } يعني كما أنكم اكتسبتم هذه الخيرية بسبب هذه الخصال ، فأهل الكتاب لو آمنوا لحصلت لهم أيضا صفة الخيرية والله أعلم .
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)والجواب عنه : أن قوله ( كان ) عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإبهام ، ولا يدل ذلك على انقطاع طارىء بدليل قوله { استغفروا ربكم إنه كان غفارا } ( نوح : 10 ) قوله { وكان الله غفورا رحيما } ( الفتح : 14 ) إذا ثبت هذا فنقول : للمفسرين على هذا التقدير أقوال أحدها : كنتم في علم الله خير أمة وثانيها : كنتم في الأمم الذين كانوا قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة وهو كقوله { أشداء على الكفار رحماء بينهم } ( الفتح : 29 ) إلى قوله { ذلك مثلهم فى التوراة } ( الفتح : 29 ) فشدتهم على الكفار أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وثالثها : كنتم في اللوح المحفوظ موصوفين بأنكم خير أمة ورابعها : كنتم منذ آمنتم خير أمة أخرجت للناس وخامسها : قال أبو مسلم قوله { كنتم خير أمة } تابع لقوله { وأما الذين ابيضت وجوههم } ( آل عمران : 107 ) والتقدير : أنه يقال لهم عند الخلود في الجنة : كنتم في دنياكم خير أمة فاستحقيتم ما أنتم فيه من الرحمة وبياض الوجه بسببه ، ويكون ما عرض بين أول القصة وآخرها كما لا يزال يعرض في القرآن من مثله وسادسها : قال بعضهم : لو شاء الله تعالى لقال ( أنتم ) وكان هذا التشريف حاصلا لكلنا ولكن قوله { كنتم } مخصوص بقوم معينين من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وهم السابقون الأولون ، ومن صنع مثل ما صنعوا وسابعها : كنتم مذ آمنتم خير أمة تنبيها على أنهم كانوا موصوفين بهذه الصفة مذ كانوا . الاحتمال الثالث : أن يقال ( كان ) ههنا زائدة ، وقال بعضهم قوله { كنتم خير أمة } هو كقوله { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم } ( الأعراف : 86 ) وقال في موضع آخر { واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون } ( الأنفال : 26 ) وإضمار كان وإظهارها سواء إلا أنها تذكر للتأكيد ووقوع الأمر لا محالة : قال ابن الأنباري : هذا القول ظاهر الاختلال ، لأن ( كان ) تلغى متوسطة ومؤخرة ، ولا تلغى متقدمة ، تقول العرب : عبد الله كان قائم ، وعبد الله قائم كان على أن كان ملغاة ، ولا يقولون : كان عبد الله قائم على إلغائها ، لأن سبيلهم أن يبدؤا بما تنصرف العناية إليه ، والمعنى لا يكون في محل العناية ، وأيضا لا يجوز إلغاء الكون في الآية لانتصاب خبره ، وإذا عمل الكون في الخبر فنصبه لم يكن ملغى . الاحتمال الرابع : أن تكون ( كان ) بمعنى صار ، فقوله { كنتم خير أمة } معناه صرتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ، أي صرتم خير أمة بسبب كونكم آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر ومؤمنين بالله . ثم قال : { ولو ءامن أهل الكتاب لكان خيرا لهم } يعني كما أنكم اكتسبتم هذه الخيرية بسبب هذه الخصال ، فأهل الكتاب لو آمنوا لحصلت لهم أيضا صفة الخيرية والله أعلم .
Section V08/P155–V08/P156Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V08/P155–V08/P156)
Orijinal Metin (AR)المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن إجماع الأمة حجة ، وتقريره من وجهين الأول : قوله تعالى : { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق } ( الأعراف : 159 ) ثم قال في هذه الآية { كنتم خير أمة } فوجب / بحكم هذه الآية أن تكون هذه الآية أفضل من أولئك الذين يهدون بالحق من قوم موسى ، وإذا كان هؤلاء أفضل منهم وجب أن تكون هذه الأمة لا تحكم إلا بالحق إذ لو جاز في هذه الآية أن تحكم بما ليس بحق لامتنع كون هذه الأمة أفضل من الأمة التي تهدي بالحق ، لأن المبطل يمتنع أن يكون خيرا من المحق ، فثبت أن هذه الأمة لا تحكم إلا بالحق ، وإذا كان كذلك كان إجماعهم حجة . الوجه الثاني : وهو ( أن الألف واللام ) في لفظ { المعروف } ولفظ { المنكر } يفيدان الاستغراق ، وهذا يقتضي كونهم آمرين بكل معروف ، وناهين عن كل منكر ومتى كانوا كذلك كان إجماعهم حقا وصدقا لا محالة فكان حجة ، والمباحث الكثيرة فيه ذكرناها في الأصول . المسألة الثالثة : قال الزجاج : قوله { كنتم خير أمة } ظاهر الخطاب فيه مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكنه عام في كل الأمة ، ونظيره قوله { كتب عليكم الصيام } ( البقرة : 183 ) { كتاب عليم القصاص } ( البقرة : 178 ) فإن كل ذلك خطاب مع الحاضرين بحسب اللفظ ، ولكنه عام في حق الكل كذا ههنا . المسألة الرابعة : قال القفال رحمه الله : أصل الأمة الطائفة المجتمعة على الشيء الواحد فأمة نبينا صلى الله عليه وسلم هم الجماعة الموصوفون بالإيمان به والإقرار بنبوته ، وقد يقال لكل من جمعتهم دعوته أنهم أمته إلا أن لفظ الأمة إذا أطلقت وحدها وقع على الأول ، ألا ترى أنه إذا قيل أجمعت الأمة على كذا فهم منه الأول وقال عليه الصلاة والسلام : ( أمتي لا تجتمع على ضلالة ) وروي أنه عليه الصلاة والسلام يقول يوم القيامة ( أمتي أمتي ) فلفظ الأمة في هذه المواضع وأشباهها يفهم منه المقرون بنبوته / فأما أهل دعوته فإنه إنما يقال لهم : إنهم أمة الدعوة ولا يطلق عليهم إلا لفظ الأمة بهذا الشرط . أما قوله { أخرجت للناس } ففيه قولان الأول : أن المعنى كنتم خير الأمم المخرجة للناس في جميع الأعصار ، فقوله { أخرجت للناس } أي أظهرت للناس حتى تميزت وعرفت وفصل بينها وبين غيرها والثاني : أن قوله { للناس } من تمام قوله { كنتم } والتقدير : كنتم للناس خير أمة ، ومنهم من قال : { أخرجت } صلة ، والتقدير : كنتم خير أمة للناس . ثم قال : { تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } . واعلم أن هذا كلام مستأنف ، والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية ، كما تقول : زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما يصلحهم ، وتحقيق الكلام أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم مقرونا بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف ، فههنا حكم تعالى بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة ، ثم ذكر عقيبه هذا الحكم وهذه الطاعات ، أعني الأمر / بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان ، فوجب كون تلك الخيرية معللة بهذه العبادات . وههنا سؤالات : السؤال الأول : من أي وجه يقتضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله كون هذه الأمة خير الأمم مع أن هذه الصفات الثلاثة كانت حاصلة في سائر الأمم ؟ .
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن إجماع الأمة حجة ، وتقريره من وجهين الأول : قوله تعالى : { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق } ( الأعراف : 159 ) ثم قال في هذه الآية { كنتم خير أمة } فوجب / بحكم هذه الآية أن تكون هذه الآية أفضل من أولئك الذين يهدون بالحق من قوم موسى ، وإذا كان هؤلاء أفضل منهم وجب أن تكون هذه الأمة لا تحكم إلا بالحق إذ لو جاز في هذه الآية أن تحكم بما ليس بحق لامتنع كون هذه الأمة أفضل من الأمة التي تهدي بالحق ، لأن المبطل يمتنع أن يكون خيرا من المحق ، فثبت أن هذه الأمة لا تحكم إلا بالحق ، وإذا كان كذلك كان إجماعهم حجة . الوجه الثاني : وهو ( أن الألف واللام ) في لفظ { المعروف } ولفظ { المنكر } يفيدان الاستغراق ، وهذا يقتضي كونهم آمرين بكل معروف ، وناهين عن كل منكر ومتى كانوا كذلك كان إجماعهم حقا وصدقا لا محالة فكان حجة ، والمباحث الكثيرة فيه ذكرناها في الأصول . المسألة الثالثة : قال الزجاج : قوله { كنتم خير أمة } ظاهر الخطاب فيه مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكنه عام في كل الأمة ، ونظيره قوله { كتب عليكم الصيام } ( البقرة : 183 ) { كتاب عليم القصاص } ( البقرة : 178 ) فإن كل ذلك خطاب مع الحاضرين بحسب اللفظ ، ولكنه عام في حق الكل كذا ههنا . المسألة الرابعة : قال القفال رحمه الله : أصل الأمة الطائفة المجتمعة على الشيء الواحد فأمة نبينا صلى الله عليه وسلم هم الجماعة الموصوفون بالإيمان به والإقرار بنبوته ، وقد يقال لكل من جمعتهم دعوته أنهم أمته إلا أن لفظ الأمة إذا أطلقت وحدها وقع على الأول ، ألا ترى أنه إذا قيل أجمعت الأمة على كذا فهم منه الأول وقال عليه الصلاة والسلام : ( أمتي لا تجتمع على ضلالة ) وروي أنه عليه الصلاة والسلام يقول يوم القيامة ( أمتي أمتي ) فلفظ الأمة في هذه المواضع وأشباهها يفهم منه المقرون بنبوته / فأما أهل دعوته فإنه إنما يقال لهم : إنهم أمة الدعوة ولا يطلق عليهم إلا لفظ الأمة بهذا الشرط . أما قوله { أخرجت للناس } ففيه قولان الأول : أن المعنى كنتم خير الأمم المخرجة للناس في جميع الأعصار ، فقوله { أخرجت للناس } أي أظهرت للناس حتى تميزت وعرفت وفصل بينها وبين غيرها والثاني : أن قوله { للناس } من تمام قوله { كنتم } والتقدير : كنتم للناس خير أمة ، ومنهم من قال : { أخرجت } صلة ، والتقدير : كنتم خير أمة للناس . ثم قال : { تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } . واعلم أن هذا كلام مستأنف ، والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية ، كما تقول : زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما يصلحهم ، وتحقيق الكلام أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم مقرونا بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف ، فههنا حكم تعالى بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة ، ثم ذكر عقيبه هذا الحكم وهذه الطاعات ، أعني الأمر / بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان ، فوجب كون تلك الخيرية معللة بهذه العبادات . وههنا سؤالات : السؤال الأول : من أي وجه يقتضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله كون هذه الأمة خير الأمم مع أن هذه الصفات الثلاثة كانت حاصلة في سائر الأمم ؟ .