Qur'an&Sunnahالقرآن

Fahreddin Râzî - Mefâtîhu'l-Gayb

Fahreddin Râzî · AR

Section V11/P075–V11/P077Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V11/P075–V11/P077)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثانية : قرأ نافع { لا تعدوا } ساكنة العين مشددة الدال ، وأراد : لا تعتدوا ، وحجته قوله { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت } ( البقرة : 65 ) فجاء في هذه القصة بعينها افتعلوا ، ثم أدغم التاء في الدال لتقاربهما ولأن الدال تزيد على التاء في الجهر ، وكثير من النحويين ينكرون الجمع بين الساكنين إذا كان الثاني منهما مدغما ولم يكن الأول حرف لين نحو دابة وشابة ، وقيل لهم ، ويقولون : إن المد يصير عوضا عن الحركة ، وروى ورش عن نافع { لا تعدوا } بفتح العين وتشديد الدال ، وذلك لأنه لما أدغم التاء في الدال نقل حركتها إلى العين ، والباقون { تعدوا } بضم الدال وسكون العين حقيقة . المسألة الثالثة : قال القفال : الميثاق الغليط هو العهد المؤكد غاية التوكيد ، وذلك بين فيما يدعونه من التوراة ثم قال تعالى : ! 7 < { فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بأايات الله وقتلهم الا نبيآء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } . > 7 ! < < النساء : ( 155 ) فبما نقضهم ميثاقهم . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : في متعلق الباء في قوله { فبما نقضهم } قولان الأول : أنه محذوف تقديره فيما نقضهم ميثاقهم وكذا ، لعنادهم وسخطنا عليهم ، والحذف أفخم لأن عند الحذف يذهب الوهم كل مذهب ، ودليل المحذوف أن هذه الأشياء المذكورة من صفات الذم فيدل على اللعن . الثاني : أن متعلق الباء هو قوله { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } ( النساء : 160 ) وهذا قول الزجاج ورغم أن قوله { فبظلم من الذين هادوا } بدل من قوله { فيما نقضهم } . واعلم أن القول الأول أولى ، ويدل عليه وجهان : أحدهما : أن من قوله { فبما نقضهم ميثاقهم } إلى قوله { فبظلم } الآيتين بعيد جدا ، فجعل أحدهما بدلا عن الآخر بعيد . الثاني : أن تلك الجنايات المذكورة عظيمة جدا لأن كفرهم بالله وقتلهم الأنبياء وإنكارهم للتكليف بقولهم : قلوبنا غلف أعظم الذنوب ، وذكر الذنوب العظيمة إنما يليق أن يفرع عليه العقوبة العظيمة ، وتحريم بعض المأكولات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقه بتلك الجنايات العظيمة . المسألة الثانية : اتفقوا على أن ( ما في قوله { فبما نقضهم ميثاقهم } صلة زائدة ، والتقدير : فبنقضهم ميثاقهم ، وقد استقصينا هذه المسألة في تفسير قوله { فبما رحمة من الله لنت لهم } ( آل عمران : 159 ) . المسألة الثالثة : أنه تعالى أدخل حرف الباء على أمور : أولها : نقض الميثاق . وثانيها : كفرهم بآيات الله ، والمراد منه كفرهم بالمعجزات ، وقد بينا فيما تقدم أن من أنكر معجزة رسول واحد فقد أنكر جميع معجزات الرسل ، فلهذا السبب حكم الله عليهم بالكفر بآيات الله . وثالثها : قتلهم الأنبياء بغير حق ، وذكرنا تفسيره في سورة البقرة . ورابعها : قولهم { قلوبنا غلف } وذكر القفال فيه وجهين : أحدهما : أن غلفا جمع غلاف والأصل غلف بتحريك اللام فخفف بالتسكين ، كما قيل كتب ورسل بتسكين التاء والسين ، والمعنى على هذا أنهم قالوا قلوبنا غلف ، أي أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما عندنا ، فكذبوا الأنبياء بهذا القول . والثاني : أن غلفا جمع أغلف وهو المتغطى بالغلاف أي بالغطاء ، والمعنى على هذا أنهم قالوا قلوبنا في أغطية فهي لا تفقه ما تقولون ، نظيره ما حكى الله في قوله { وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب } ( فصلت : 5 ) .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثانية : قرأ نافع { لا تعدوا } ساكنة العين مشددة الدال ، وأراد : لا تعتدوا ، وحجته قوله { ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت } ( البقرة : 65 ) فجاء في هذه القصة بعينها افتعلوا ، ثم أدغم التاء في الدال لتقاربهما ولأن الدال تزيد على التاء في الجهر ، وكثير من النحويين ينكرون الجمع بين الساكنين إذا كان الثاني منهما مدغما ولم يكن الأول حرف لين نحو دابة وشابة ، وقيل لهم ، ويقولون : إن المد يصير عوضا عن الحركة ، وروى ورش عن نافع { لا تعدوا } بفتح العين وتشديد الدال ، وذلك لأنه لما أدغم التاء في الدال نقل حركتها إلى العين ، والباقون { تعدوا } بضم الدال وسكون العين حقيقة . المسألة الثالثة : قال القفال : الميثاق الغليط هو العهد المؤكد غاية التوكيد ، وذلك بين فيما يدعونه من التوراة ثم قال تعالى : ! 7 < { فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بأايات الله وقتلهم الا نبيآء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } . > 7 ! < < النساء : ( 155 ) فبما نقضهم ميثاقهم . . . . . > > وفيه مسائل : المسألة الأولى : في متعلق الباء في قوله { فبما نقضهم } قولان الأول : أنه محذوف تقديره فيما نقضهم ميثاقهم وكذا ، لعنادهم وسخطنا عليهم ، والحذف أفخم لأن عند الحذف يذهب الوهم كل مذهب ، ودليل المحذوف أن هذه الأشياء المذكورة من صفات الذم فيدل على اللعن . الثاني : أن متعلق الباء هو قوله { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } ( النساء : 160 ) وهذا قول الزجاج ورغم أن قوله { فبظلم من الذين هادوا } بدل من قوله { فيما نقضهم } . واعلم أن القول الأول أولى ، ويدل عليه وجهان : أحدهما : أن من قوله { فبما نقضهم ميثاقهم } إلى قوله { فبظلم } الآيتين بعيد جدا ، فجعل أحدهما بدلا عن الآخر بعيد . الثاني : أن تلك الجنايات المذكورة عظيمة جدا لأن كفرهم بالله وقتلهم الأنبياء وإنكارهم للتكليف بقولهم : قلوبنا غلف أعظم الذنوب ، وذكر الذنوب العظيمة إنما يليق أن يفرع عليه العقوبة العظيمة ، وتحريم بعض المأكولات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقه بتلك الجنايات العظيمة . المسألة الثانية : اتفقوا على أن ( ما في قوله { فبما نقضهم ميثاقهم } صلة زائدة ، والتقدير : فبنقضهم ميثاقهم ، وقد استقصينا هذه المسألة في تفسير قوله { فبما رحمة من الله لنت لهم } ( آل عمران : 159 ) . المسألة الثالثة : أنه تعالى أدخل حرف الباء على أمور : أولها : نقض الميثاق . وثانيها : كفرهم بآيات الله ، والمراد منه كفرهم بالمعجزات ، وقد بينا فيما تقدم أن من أنكر معجزة رسول واحد فقد أنكر جميع معجزات الرسل ، فلهذا السبب حكم الله عليهم بالكفر بآيات الله . وثالثها : قتلهم الأنبياء بغير حق ، وذكرنا تفسيره في سورة البقرة . ورابعها : قولهم { قلوبنا غلف } وذكر القفال فيه وجهين : أحدهما : أن غلفا جمع غلاف والأصل غلف بتحريك اللام فخفف بالتسكين ، كما قيل كتب ورسل بتسكين التاء والسين ، والمعنى على هذا أنهم قالوا قلوبنا غلف ، أي أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما عندنا ، فكذبوا الأنبياء بهذا القول . والثاني : أن غلفا جمع أغلف وهو المتغطى بالغلاف أي بالغطاء ، والمعنى على هذا أنهم قالوا قلوبنا في أغطية فهي لا تفقه ما تقولون ، نظيره ما حكى الله في قوله { وقالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه وفىءاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب } ( فصلت : 5 ) .

Section V11/P077–V11/P078Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V11/P077–V11/P078)
Orijinal Metin (AR)

ثم قال تعالى : { بل طبع الله عليها بكفرهم } . فإن حملنا الآية المتقدمة على التأويل الأول كان المراد من هذه الآية أنه تعالى كذبهم في ادعائهم أن قلوبهم أوعية للعلم وبين أنه تعالى طبع عليها وختم عليها فلا يصل أثر الدعوة والبيان إليها ، وهذا يليق بمذهبنا ، وإن حملنا الآية المتقدمة على التأويل الثاني كان المراد من هذه الآية أنه تعالى كذبهم في ادعائهم أن قلوبهم في الأكنة والأغطية ، وهذا يليق بمذهب المعتزلة ، إلا أن الوجه الأول أولى ، وهو المطابق لقوله { بل طبع الله عليها بكفرهم } . ثم قال : { فلا يؤمنون إلا قليلا } أي لا يؤمنون إلا بموسى والتوراة ، وهذا إخبار منهم على حسب دعواهم وزعمهم ، وإلا فقد بينا أن من يكفر برسول واحد وبمعجزة واحدة فإنه لا يمكنه الإيمان بأحد من الرسل البتة . ! 7 < { وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما } . > 7 < النساء : ( 156 ) وبكفرهم وقولهم على . . . . . > > وخامسها : قوله : { وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما } . اعلم أنهم لما نسبوا مريم إلى الزنا لإنكارهم قدرة الله تعالى على خلق الولد من دون الأب ومنكر قدرة الله على ذلك كافر لأنه يلزمه أن يقول : كل ولد ولد فهو مسبوق بوالد لا إلى أول ، وذلك يوجب القول بقدم العالم والدهر ، والقدح في وجود الصانع المختار ، فالقوم لا شك أنهم أولا : أنكروا قدرة الله تعالى على خلق الولد من دون الأب ، وثانيا : نسبوا مريم إلى الزنا ، فالمراد بقوله { وبكفرهم } هو إنكارهم قدرة الله تعالى ، وبقوله { وقولهم على مريم بهتانا عظيما } نسبتهم إياها إلى الزنا ، ولما حصل التغير لا جرم حسن العطف ، وإنما صار هذا الطعن بهتانا عظيما لأنه ظهر عند ولادة عيسى عليه السلام من الكرامات والمعجزات ما دل على براءتها من كل عيب ، نحو قوله { وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا } ( مريم : 25 ) ونحو كلام عيسى عليه السلام حال كونه طفلا منفصلا عن أمه ، فإن كل ذلك دلائل قاطعة على براءة مريم عليها السلام من كل ريبة ، فلا جرم وصف الله تعالى طعن اليهود فيها بأنه بهتان عظيم ، وكذلك وصف طعن المنافقين في عائشة بأنه بهتان عظيم حيث قال : { سبحانك هاذا بهتان عظيم } ( النور : 16 ) وذلك يدل على أن الروافض الذين يطعنون في عائشة بمنزلة اليهود الذين يطعنون في مريم عليها السلام . ! 7 < { وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولاكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفى شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما } . > 7 < النساء : ( 157 ) وقولهم إنا قتلنا . . . . . > > وسادسها : قوله تعالى : { وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله } . وهذا يدل على كفر عظيم منهم لأنهم قالوا فعلنا ذلك ، وهذا يدل على أنهك كانوا راغبين في قتله مجتهدين في ذلك ، فلا شك أن هذا القدر كفر عظيم . فإن قيل : اليهود كانوا كافرين بعيسى أعداء له عامدين لقتله يسمونه الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة ، فكيف قالوا : إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ؟

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ثم قال تعالى : { بل طبع الله عليها بكفرهم } . فإن حملنا الآية المتقدمة على التأويل الأول كان المراد من هذه الآية أنه تعالى كذبهم في ادعائهم أن قلوبهم أوعية للعلم وبين أنه تعالى طبع عليها وختم عليها فلا يصل أثر الدعوة والبيان إليها ، وهذا يليق بمذهبنا ، وإن حملنا الآية المتقدمة على التأويل الثاني كان المراد من هذه الآية أنه تعالى كذبهم في ادعائهم أن قلوبهم في الأكنة والأغطية ، وهذا يليق بمذهب المعتزلة ، إلا أن الوجه الأول أولى ، وهو المطابق لقوله { بل طبع الله عليها بكفرهم } . ثم قال : { فلا يؤمنون إلا قليلا } أي لا يؤمنون إلا بموسى والتوراة ، وهذا إخبار منهم على حسب دعواهم وزعمهم ، وإلا فقد بينا أن من يكفر برسول واحد وبمعجزة واحدة فإنه لا يمكنه الإيمان بأحد من الرسل البتة . ! 7 < { وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما } . > 7 < النساء : ( 156 ) وبكفرهم وقولهم على . . . . . > > وخامسها : قوله : { وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما } . اعلم أنهم لما نسبوا مريم إلى الزنا لإنكارهم قدرة الله تعالى على خلق الولد من دون الأب ومنكر قدرة الله على ذلك كافر لأنه يلزمه أن يقول : كل ولد ولد فهو مسبوق بوالد لا إلى أول ، وذلك يوجب القول بقدم العالم والدهر ، والقدح في وجود الصانع المختار ، فالقوم لا شك أنهم أولا : أنكروا قدرة الله تعالى على خلق الولد من دون الأب ، وثانيا : نسبوا مريم إلى الزنا ، فالمراد بقوله { وبكفرهم } هو إنكارهم قدرة الله تعالى ، وبقوله { وقولهم على مريم بهتانا عظيما } نسبتهم إياها إلى الزنا ، ولما حصل التغير لا جرم حسن العطف ، وإنما صار هذا الطعن بهتانا عظيما لأنه ظهر عند ولادة عيسى عليه السلام من الكرامات والمعجزات ما دل على براءتها من كل عيب ، نحو قوله { وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا } ( مريم : 25 ) ونحو كلام عيسى عليه السلام حال كونه طفلا منفصلا عن أمه ، فإن كل ذلك دلائل قاطعة على براءة مريم عليها السلام من كل ريبة ، فلا جرم وصف الله تعالى طعن اليهود فيها بأنه بهتان عظيم ، وكذلك وصف طعن المنافقين في عائشة بأنه بهتان عظيم حيث قال : { سبحانك هاذا بهتان عظيم } ( النور : 16 ) وذلك يدل على أن الروافض الذين يطعنون في عائشة بمنزلة اليهود الذين يطعنون في مريم عليها السلام . ! 7 < { وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولاكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفى شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما } . > 7 < النساء : ( 157 ) وقولهم إنا قتلنا . . . . . > > وسادسها : قوله تعالى : { وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله } . وهذا يدل على كفر عظيم منهم لأنهم قالوا فعلنا ذلك ، وهذا يدل على أنهك كانوا راغبين في قتله مجتهدين في ذلك ، فلا شك أن هذا القدر كفر عظيم . فإن قيل : اليهود كانوا كافرين بعيسى أعداء له عامدين لقتله يسمونه الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة ، فكيف قالوا : إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ؟

Section V11/P078Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V11/P078)
Orijinal Metin (AR)

والجواب عنه من وجهين : الأول : أنهم قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون { إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون } ( الشعراء : 27 ) وكقول كفار قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم : { وقالوا يأيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ( الحجز : 6 ) ، والثاني : أنه يجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعا لعيسى عليه السلام عما كانوا يذكرونه به . ثم قال تعالى { وما قتلوه وما صلبوه ولاكن شبه لهم } . واعلم أنه تعالى لما حكى عن اليهود أنهم زعموا أنهم قتلوا عيسى عليه السلام فالله تعالى كذبهم في هذه الدعوى وقال { وما قتلوه وما صلبوه ولاكن شبه لهم } وفي الآية سؤالان : السؤال الأول : قوله { شبه } مسند إلى ماذا ؟ إن جعلته مسندا إلى المسيح فهو مشبه به وليس بمشبه ، وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر . والجواب من وجهين : الأول : أنه مسند إلى الجار والمجرور ، وهو كقولك : خيل إليه كأنه قيل : ولكن وقع لهم الشبه . الثاني : أن يسند إلى ضمير المقتول لأن قوله { وما قتلوه } يدل على أنه وقع القتل على غيره فصار ذلك الغير مذكورا بهذا الطريق ، فحسن إسناد { شبه } إليه . السؤال الثاني : أنه إن جاز أن يقال : أن الله تعالى يلقي شبه إنسان على إنسان آخر فهذا يفتح باب السفسطة ، فإنا إذا رأينا زيدا فلعله ليس بزيد ، ولكنه ألقى شبه زيد عليه ، وعند ذلك لا يبقى النكاح والطلاق والملك ، وثوقا به ، وأيضا يفضي إلى القدح في التواتر لأن خبر التواتر إنما يفيد العلم بشرط انتهائه في الآخرة إلى المحسوس ، فإذا جوزنا حصول مثل هذه الشبهة في المحسوسات توجه الطعن في التواتر ، وذلك يوجب القدح في جميع الشرائع ، وليس لمجيب أن يجيب عنه بأن ذلك مختص بزمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، لأنا نقول : لو صح ما ذكرتم فذاك إنما يعرف بالدليل والبرهان ، فمن لم يعلم ذلك الدليل وذلك البرهان وجب أن لا يقطع بشيء من المحسوسات ووجب أن لا يعتمد على شيء من الأخبار المتواترة ، وأيضا ففي زماننا إن انسدت المعجزات فطريق الكرامات مفتوح ، وحينئذ يعود الاحتمال المذكور في جميع الأزمنة : وبالجملة ففتح هذا الباب يوجب الطعن في التواتر ، والطعن فيه يوجب الطعن في نبوة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فهذا فرع يوجب الطعن في الأصول فكان مردودا . والجواب : اختلفت مذاهب العلماء في هذا الموضع وذكروا وجوها : الأول : قال كثير من المتكلمين : إن اليهود لما قصدوا قتله رفعه الله تعالى إلى السماء فخاف رؤساء اليهود من وقوع الفتنة من عوامهم / فأخذوا إنسانا وقتلوه وصلبوه ولبسوا على الناس أنه المسيح ، والناس ما كانوا يعرفون المسيح إلا بالاسم لأنه كان قليل المخالطة للناس ، وبهذا الطريق زال السؤال . لا يقال : إن النصارى ينقلون عن أسلافهم أنهم شاهدوه مقتولا ، لأنا نقول : إن تواتر النصارى ينتهي إلى أقوام قليلين لا يبعد اتفاقهم على الكذب .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

والجواب عنه من وجهين : الأول : أنهم قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون { إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون } ( الشعراء : 27 ) وكقول كفار قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم : { وقالوا يأيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون } ( الحجز : 6 ) ، والثاني : أنه يجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعا لعيسى عليه السلام عما كانوا يذكرونه به . ثم قال تعالى { وما قتلوه وما صلبوه ولاكن شبه لهم } . واعلم أنه تعالى لما حكى عن اليهود أنهم زعموا أنهم قتلوا عيسى عليه السلام فالله تعالى كذبهم في هذه الدعوى وقال { وما قتلوه وما صلبوه ولاكن شبه لهم } وفي الآية سؤالان : السؤال الأول : قوله { شبه } مسند إلى ماذا ؟ إن جعلته مسندا إلى المسيح فهو مشبه به وليس بمشبه ، وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر . والجواب من وجهين : الأول : أنه مسند إلى الجار والمجرور ، وهو كقولك : خيل إليه كأنه قيل : ولكن وقع لهم الشبه . الثاني : أن يسند إلى ضمير المقتول لأن قوله { وما قتلوه } يدل على أنه وقع القتل على غيره فصار ذلك الغير مذكورا بهذا الطريق ، فحسن إسناد { شبه } إليه . السؤال الثاني : أنه إن جاز أن يقال : أن الله تعالى يلقي شبه إنسان على إنسان آخر فهذا يفتح باب السفسطة ، فإنا إذا رأينا زيدا فلعله ليس بزيد ، ولكنه ألقى شبه زيد عليه ، وعند ذلك لا يبقى النكاح والطلاق والملك ، وثوقا به ، وأيضا يفضي إلى القدح في التواتر لأن خبر التواتر إنما يفيد العلم بشرط انتهائه في الآخرة إلى المحسوس ، فإذا جوزنا حصول مثل هذه الشبهة في المحسوسات توجه الطعن في التواتر ، وذلك يوجب القدح في جميع الشرائع ، وليس لمجيب أن يجيب عنه بأن ذلك مختص بزمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، لأنا نقول : لو صح ما ذكرتم فذاك إنما يعرف بالدليل والبرهان ، فمن لم يعلم ذلك الدليل وذلك البرهان وجب أن لا يقطع بشيء من المحسوسات ووجب أن لا يعتمد على شيء من الأخبار المتواترة ، وأيضا ففي زماننا إن انسدت المعجزات فطريق الكرامات مفتوح ، وحينئذ يعود الاحتمال المذكور في جميع الأزمنة : وبالجملة ففتح هذا الباب يوجب الطعن في التواتر ، والطعن فيه يوجب الطعن في نبوة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فهذا فرع يوجب الطعن في الأصول فكان مردودا . والجواب : اختلفت مذاهب العلماء في هذا الموضع وذكروا وجوها : الأول : قال كثير من المتكلمين : إن اليهود لما قصدوا قتله رفعه الله تعالى إلى السماء فخاف رؤساء اليهود من وقوع الفتنة من عوامهم / فأخذوا إنسانا وقتلوه وصلبوه ولبسوا على الناس أنه المسيح ، والناس ما كانوا يعرفون المسيح إلا بالاسم لأنه كان قليل المخالطة للناس ، وبهذا الطريق زال السؤال . لا يقال : إن النصارى ينقلون عن أسلافهم أنهم شاهدوه مقتولا ، لأنا نقول : إن تواتر النصارى ينتهي إلى أقوام قليلين لا يبعد اتفاقهم على الكذب .

Section V11/P078–V11/P080Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V11/P078–V11/P080)
Orijinal Metin (AR)

والطريق الثاني : أنه تعالى ألقى شبهه على إنسان آخر ثم فيه وجوه : الأول : أن اليهود لما علموا أنه حاضر في البيت الفلاني مع أصحابه أمر يهوذا رأس اليهود رجلا من أصحابه يقال له طيطايوس أن يدخل على عيسى عليه السلام ويخرجه ليقتله ، فلما دخل عليه أخرج الله عيسى عليه السلام من سقف البيت وألقى على ذلك الرجل شبه عيسى فظنوه هو فصلبوه وقتلوه . الثاني : وكلوا بعيسى رجلا يحرسه وصعد عيسى عليه السلام في الجبل ورفع إلى السماء ، وألقى الله شبهه على ذلك الرقيب فقتلوه وهو يقول لست بعيسى . الثالث : أن اليهود لما هموا بأخذه وكان مع عيسى عشرة من أصحابه فقال لهم : من يشتري الجنة بأن يلقى عليه شبهي ؟ فقال واحد منهم أنا ، فألقى الله شبه عيسى عليه فأخرج وقتل ، ورفع الله عيسى عليه السلام . الرابع : كان رجل يدعي أنه من أصحاب عيسى عليه السلام ، وكان منافقا فذهب إلى اليهود ودلهم عليه ، فلما دخل مع اليهود لأخذه ألقى الله تعالى شبهه عليه فقتل وصلب . وهذه الوجوه متعارضة متدافعة والله أعلم بحقائق الأمور . ثم قال تعالى : { أعلم أن فى قوله وإن الذين اختلفوا فيه } قولين : الأول : أنهم هم النصارى وذلك لأنهم بأسرهم متفقون على أن اليهود قتلوه ، إلا أن كبار فرق النصارى ثلاثة : النسطورية ، والملكانية ، واليعقوبية . أما النسطورية فقد زعموا أن المسيح صلب من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته ، وأكثر الحكماء يرون ما يقرب من هذا القول ، قالوا : لأنه ثبت أن الإنسان ليس عبارة عن هذا الهيكل بل هو إما جسم شريف منساب في هذا البدن ، وءما جوهر روحاني مجرد في ذاته وهو مدبر في هذا البدن ، فالقتل إنما ورد على هذا الهيكل ، وأما النفس التي هي في الحقيقة عيسى عليه السلام فالقتل ما ورد عليه ، لا يقال : فكل إنسان كذلك فما الوجه لهذا التخصيص ؟ لأنا نقول : إن نفسه كانت قدسية علوية سماوية شديدة الاشراق بالأنوار الإلهية عظيمة القرب من أرواح الملائكة ، والنفس متى كانت كذلك لم يعظم تألمها بسبب القتل وتخريب البدن ، ثم إنها بعد الانفصال عن ظلمة البدن تتخلص إلى فسحة السموات وأنوار عالم الجلال فيعظم بهجتها وسعادتها هناك ، ومعلوم أن هذه الأحوال غير حاصلة لكل الناس بل هي غير حاصلة من مبدأ خلقة آدم عليه السلام إلى قيام القيامة إلا لأشخاص قليلين ، فهذا هو الفائدة في تخصيص عيسى عليه السلام بهذه الحالة . وأما الملكانية فقالوا : القتل والصلب وصلا إلى الاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة . وقالت اليعقوبية : القتل واللصلب وقعا بالمسيح الذي هو جوهر متولد من جوهرين ، فهذا هو شرح مذاهب النصارى في هذا الباب ، وهو المراد من قوله { وإن الذين اختلفوا فيه لفى شك منه } . القول الثاني : أن المراد بالذين اختلفوا هم اليهود ، وفيه وجهان : الأول : أنهم لما قتلوا الشخص المشبه به كان الشبه قد ألقى على وجهه ولم يلق عليه شبه جسد عيسى عليه السلام ، فلما قتلوه ونظروا إلى بدنه قالوا : الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره . الثاني : قال السدي : إن اليهود حبسوا عيسى مع عشرة من الحواريين في بيت ، فدخل عليه رجل من اليهود ليخرجه ويقتله ، فألقى الله شبه عيسى عليه ورفع إلى السماء ، فأخذوا ذلك الرجل وقتلوه على أنه عيسى عليه السلام ، ثم قالوا : إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا / وإن كان صاحبنا فأين عيسى ؟ فذلك اختلافهم فيه .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

والطريق الثاني : أنه تعالى ألقى شبهه على إنسان آخر ثم فيه وجوه : الأول : أن اليهود لما علموا أنه حاضر في البيت الفلاني مع أصحابه أمر يهوذا رأس اليهود رجلا من أصحابه يقال له طيطايوس أن يدخل على عيسى عليه السلام ويخرجه ليقتله ، فلما دخل عليه أخرج الله عيسى عليه السلام من سقف البيت وألقى على ذلك الرجل شبه عيسى فظنوه هو فصلبوه وقتلوه . الثاني : وكلوا بعيسى رجلا يحرسه وصعد عيسى عليه السلام في الجبل ورفع إلى السماء ، وألقى الله شبهه على ذلك الرقيب فقتلوه وهو يقول لست بعيسى . الثالث : أن اليهود لما هموا بأخذه وكان مع عيسى عشرة من أصحابه فقال لهم : من يشتري الجنة بأن يلقى عليه شبهي ؟ فقال واحد منهم أنا ، فألقى الله شبه عيسى عليه فأخرج وقتل ، ورفع الله عيسى عليه السلام . الرابع : كان رجل يدعي أنه من أصحاب عيسى عليه السلام ، وكان منافقا فذهب إلى اليهود ودلهم عليه ، فلما دخل مع اليهود لأخذه ألقى الله تعالى شبهه عليه فقتل وصلب . وهذه الوجوه متعارضة متدافعة والله أعلم بحقائق الأمور . ثم قال تعالى : { أعلم أن فى قوله وإن الذين اختلفوا فيه } قولين : الأول : أنهم هم النصارى وذلك لأنهم بأسرهم متفقون على أن اليهود قتلوه ، إلا أن كبار فرق النصارى ثلاثة : النسطورية ، والملكانية ، واليعقوبية . أما النسطورية فقد زعموا أن المسيح صلب من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته ، وأكثر الحكماء يرون ما يقرب من هذا القول ، قالوا : لأنه ثبت أن الإنسان ليس عبارة عن هذا الهيكل بل هو إما جسم شريف منساب في هذا البدن ، وءما جوهر روحاني مجرد في ذاته وهو مدبر في هذا البدن ، فالقتل إنما ورد على هذا الهيكل ، وأما النفس التي هي في الحقيقة عيسى عليه السلام فالقتل ما ورد عليه ، لا يقال : فكل إنسان كذلك فما الوجه لهذا التخصيص ؟ لأنا نقول : إن نفسه كانت قدسية علوية سماوية شديدة الاشراق بالأنوار الإلهية عظيمة القرب من أرواح الملائكة ، والنفس متى كانت كذلك لم يعظم تألمها بسبب القتل وتخريب البدن ، ثم إنها بعد الانفصال عن ظلمة البدن تتخلص إلى فسحة السموات وأنوار عالم الجلال فيعظم بهجتها وسعادتها هناك ، ومعلوم أن هذه الأحوال غير حاصلة لكل الناس بل هي غير حاصلة من مبدأ خلقة آدم عليه السلام إلى قيام القيامة إلا لأشخاص قليلين ، فهذا هو الفائدة في تخصيص عيسى عليه السلام بهذه الحالة . وأما الملكانية فقالوا : القتل والصلب وصلا إلى الاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة . وقالت اليعقوبية : القتل واللصلب وقعا بالمسيح الذي هو جوهر متولد من جوهرين ، فهذا هو شرح مذاهب النصارى في هذا الباب ، وهو المراد من قوله { وإن الذين اختلفوا فيه لفى شك منه } . القول الثاني : أن المراد بالذين اختلفوا هم اليهود ، وفيه وجهان : الأول : أنهم لما قتلوا الشخص المشبه به كان الشبه قد ألقى على وجهه ولم يلق عليه شبه جسد عيسى عليه السلام ، فلما قتلوه ونظروا إلى بدنه قالوا : الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره . الثاني : قال السدي : إن اليهود حبسوا عيسى مع عشرة من الحواريين في بيت ، فدخل عليه رجل من اليهود ليخرجه ويقتله ، فألقى الله شبه عيسى عليه ورفع إلى السماء ، فأخذوا ذلك الرجل وقتلوه على أنه عيسى عليه السلام ، ثم قالوا : إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا / وإن كان صاحبنا فأين عيسى ؟ فذلك اختلافهم فيه .

Section V11/P080–V11/P081Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V11/P080–V11/P081)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الثانية : احتج نفاة القياس بهذه الآية وقالوا : العمل بالقياس اتباع للظن ، واتباع الظن مذموم في كتاب الله بدليل أنه إنما ذكره في معرض الذم ، ألا ترى أنه تعالى وصف اليهود والنصارى ههنا في معرض الذم بهذا فقال { ما لهم به من علم إلا اتباع الظن } وقال في سورة الأنعام في مذمة الكفار { إن يتبعون إلا الظن وإن هم لا يخرصون } ( الأنعام : 116 ) وقال في آية أخرى { وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا } ( يونس : 36 ) وكل ذلك يدل على أن اتباع الظن مذموم . والجواب : لا نسلم أن العمل بالقياس اتباع الظن ، فإن الدليل القاطع لما دل على العمل بالقياس كان الحكم المستفاد من القياس معلوما لا مظنونا ، وهذا الكلام له غور وفيه بحث . ثم قال تعالى : { وما قتلوه بل رفعه الله إليه } . واعلم أن هذا اللفظ يحتمل وجهين : أحدهما : يقين عدم القتل ، والآخر يقين عدم الفعل ، فعلى التقدير الأول يكون المعنى : أنه تعالى أخبر أنهم شاكون في أنه هل قتلوه أم لا ، ثم أخبر محمدا بأن اليقين حاصل بأنهم ما قتلوه ، وعلى التقدير الثاني يكون المعنى أنهم شاكون في أنه هل قتلوه أم لا ، ثم أخبر محمدا بأن اليقين حاصل بأنهم ما قتلوه ، وعلى التقدير الثاني يكون المعنى أنهم شاكون في أنه هل قتلوه ؟ ثم أكد ذلك بأنهم قتلوا ذلك الشخص الذي قتلوه لا على يقين أنه عيسى عليه السلام ، بلحين ما قتلوه كانوا شاكين في أنه هل هو عيسى أم لا ، والاحتمال الأول أولى لأنه تعالى قال بعده { بل رفعه الله إليه } وهذا الكلام إنما يصح إذا تقدم القطع واليقين بعدم القتل . < < النساء : ( 158 ) بل رفعه الله . . . . . > > أما قوله : { بل رفعه الله إليه } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو والكسائي { بل رفعه الله إليه } بإدغام اللام في الراء والباقون بترك الإدغام ، حجتهما قرب مخرج اللام من الراء والراء أقوى من اللام بحصول التكرير فيها ، ولهذا لم يجز إدغام الراء في اللام لأن الأنقص يدغم في الأفضل ، وحجة الباقين أن الراء واللام حرفان من كلمتين فالأولى ترك الإدغام . المسألة الثانية : المشبهة احتجوا بقوله تعالى : { بل رفعه الله إليه } في إثبات الجهة . والجواب : المراد الرفع إلى موضع لا يجرى فيه حكم غير الله تعالى كقوله { وإلى الله ترجع الامور } ( البقرة : 210 ) وقال تعالى : { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله } ( النساء : 100 ) وكانت الهجرة في ذلك الوقت إلى المدينة ، وقال إبراهيم { إنى ذاهب إلى ربى } ( الصافات : 99 ) . المسألة الثالثة : رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ثابت بهذه الآية ، ونظير هذه الآية قوله في آل عمران { إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا } ( آل عمران : 55 ) واعلم أنه تعالى لما ذكر عقيب ما شرح أنه وصل إلى عيسى أنواع كثيرة من البلاء والمحنة أنه رفعه إليه دل ذلك على أن رفعه إليه أعظم في باب الثواب من الجنة ومن كل ما فيها من اللذات الجسمانية ، وهذه الآية تفتح عليك باب معرفة السعادات الروحانية . ثم قال تعالى : { وكان الله عزيزا حكيما } .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الثانية : احتج نفاة القياس بهذه الآية وقالوا : العمل بالقياس اتباع للظن ، واتباع الظن مذموم في كتاب الله بدليل أنه إنما ذكره في معرض الذم ، ألا ترى أنه تعالى وصف اليهود والنصارى ههنا في معرض الذم بهذا فقال { ما لهم به من علم إلا اتباع الظن } وقال في سورة الأنعام في مذمة الكفار { إن يتبعون إلا الظن وإن هم لا يخرصون } ( الأنعام : 116 ) وقال في آية أخرى { وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا } ( يونس : 36 ) وكل ذلك يدل على أن اتباع الظن مذموم . والجواب : لا نسلم أن العمل بالقياس اتباع الظن ، فإن الدليل القاطع لما دل على العمل بالقياس كان الحكم المستفاد من القياس معلوما لا مظنونا ، وهذا الكلام له غور وفيه بحث . ثم قال تعالى : { وما قتلوه بل رفعه الله إليه } . واعلم أن هذا اللفظ يحتمل وجهين : أحدهما : يقين عدم القتل ، والآخر يقين عدم الفعل ، فعلى التقدير الأول يكون المعنى : أنه تعالى أخبر أنهم شاكون في أنه هل قتلوه أم لا ، ثم أخبر محمدا بأن اليقين حاصل بأنهم ما قتلوه ، وعلى التقدير الثاني يكون المعنى أنهم شاكون في أنه هل قتلوه أم لا ، ثم أخبر محمدا بأن اليقين حاصل بأنهم ما قتلوه ، وعلى التقدير الثاني يكون المعنى أنهم شاكون في أنه هل قتلوه ؟ ثم أكد ذلك بأنهم قتلوا ذلك الشخص الذي قتلوه لا على يقين أنه عيسى عليه السلام ، بلحين ما قتلوه كانوا شاكين في أنه هل هو عيسى أم لا ، والاحتمال الأول أولى لأنه تعالى قال بعده { بل رفعه الله إليه } وهذا الكلام إنما يصح إذا تقدم القطع واليقين بعدم القتل . < < النساء : ( 158 ) بل رفعه الله . . . . . > > أما قوله : { بل رفعه الله إليه } ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو والكسائي { بل رفعه الله إليه } بإدغام اللام في الراء والباقون بترك الإدغام ، حجتهما قرب مخرج اللام من الراء والراء أقوى من اللام بحصول التكرير فيها ، ولهذا لم يجز إدغام الراء في اللام لأن الأنقص يدغم في الأفضل ، وحجة الباقين أن الراء واللام حرفان من كلمتين فالأولى ترك الإدغام . المسألة الثانية : المشبهة احتجوا بقوله تعالى : { بل رفعه الله إليه } في إثبات الجهة . والجواب : المراد الرفع إلى موضع لا يجرى فيه حكم غير الله تعالى كقوله { وإلى الله ترجع الامور } ( البقرة : 210 ) وقال تعالى : { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله } ( النساء : 100 ) وكانت الهجرة في ذلك الوقت إلى المدينة ، وقال إبراهيم { إنى ذاهب إلى ربى } ( الصافات : 99 ) . المسألة الثالثة : رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ثابت بهذه الآية ، ونظير هذه الآية قوله في آل عمران { إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا } ( آل عمران : 55 ) واعلم أنه تعالى لما ذكر عقيب ما شرح أنه وصل إلى عيسى أنواع كثيرة من البلاء والمحنة أنه رفعه إليه دل ذلك على أن رفعه إليه أعظم في باب الثواب من الجنة ومن كل ما فيها من اللذات الجسمانية ، وهذه الآية تفتح عليك باب معرفة السعادات الروحانية . ثم قال تعالى : { وكان الله عزيزا حكيما } .

Section V11/P081–V11/P082Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V11/P081–V11/P082)
Orijinal Metin (AR)

والمراد من العزة كمال القدرة ، ومن الحكمة كمال العلم ، فنبجه بهذا على أن رفع عيسى من الدنيا إلى السموات وإن كان كالمعتذر على البشر لكنه لا تعذر فيه بالنسبة إلى قدرتي وإلى حكمتي ، وهو نظير قوله تعالى : { سبحان الذى أسرى بعبده ليلا } ( الإسراء : 1 ) فإن الإسراء وإن كان متعذرا بالنسبة إلى قدرة محمد إلا أنه سهل بالنسبة إلى قدرة الحق سبحانه ثم قال تعالى : ! 7 < { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا } . > 7 ! < < النساء : ( 159 ) وإن من أهل . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما ذكر فضائح اليهود وقبائح أفعالهم وشرح أنهم قصدوا قتل عيسى عليه السلام وبين أنه ما حصل لهم ذلك المقصود ، وأنه حصل لعيسى أعظم المناصب وأجل المراتب بين تعالى أن هؤلاء اليهود الذين كانوا مبالغين في عداواته لا يخرج أحد منهم من الدنيا إلا بعد أن يؤمن به فقال : { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } . واعلم أن كلمة { ءان } بمعنى ( ما ) النافية كقوله { وإن منكم إلا واردها } ( مريم : 71 ) فصار التقدير : وما أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به . ثم إنا نرى أكثر اليهود يموتون ولا يؤمنون بعيسى عليه السلام . والجواب من وجهين : الأول : ما روي عن شهر بن حوشب قال : قال الحجاج إني ما قرأتها إلا وفي نفسي منها شيء ، يعني هذه الآية فإني أضرب عنق اليهودي ولا أسمع منه ذلك . فقلت : إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودبره ، وقالوا يا عدو الله أتاك عيسى نبيا فكذبت به ، فيقول آمنت أنه عبدالله ، وتقول للنصراني : أتاك عيسى نبيا فزعمت أنه هو الله وابن الله ، فيقول : آمنت أنه عبدالله فأهل الكتاب يؤمنون به ، ولكن حيث لا ينفعهم ذلك الإيمان ، فاستوى الحجاج جالسا وقال : عمن نقلت هذا ؟ فقلت : حدثني به محمد بن علي بن الحنفية فأخذ ينكت في الأرض بقضيب ثم قال : لقد أخذتها من عين صافية . وعن ابن عباس أنه فسره كذلك فقال له عكرمة : فإن خر من سفق بيت أو احترق أو أكله سبع قال : يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به ، ويدل عليه قراءة أبي { إلا ليؤمنن به قبل موته } بضم النون على معنى وإن منهم أحد إلا سيؤمنون به قبل موتهم لأن أحدا يصلح للجميع ، قال صاحب ( الكشاف ) : والفائدة في أخبار الله تعالى بإيمانهم بعيسى قبل موتهم أنهم متى علموا أنه لا بد من الإيمان به لا محالة فلأن يؤمنوا به حال ما ينفعهم ذلك الإيمان أولى من أن يؤمنوا به حال ما لا ينفعهم ذلك الإيمان . والوجه الثاني : في الجواب عن أصل السؤال : أن قوله { قبل موته } أي قبل موت عيسى ، والمراد أن أهل الكتاب الذين يكونون موجودين في زمان نزوله لا بد وأن يؤمنوا به : قال بعض المتكلمين : إنه لا يمنع نزوله من السماء إلى الدنيا إلا أنه إنما ينزل عند ارتفاع التكاليف أو بحيث لا يعرف ، إذ لو نزل مع بقاء التكاليف على وجه يعرف أنه عيسى عليه السلام لكان إما أن يكون نبيا ولا نبي بعد محمد عليه الصلاة والسلام ، أو غير نبي وذلك غير جائز على الأنبياء ، وهذا الاشكال عندي ضعيف لأن انتهاء الأنبياء إلى مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، فعند مبعثه انتهت تلك المدة ، فلا يبعد أن يصير بعد نزوله تبعا لمحمد عليه الصلاة والسلام .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

والمراد من العزة كمال القدرة ، ومن الحكمة كمال العلم ، فنبجه بهذا على أن رفع عيسى من الدنيا إلى السموات وإن كان كالمعتذر على البشر لكنه لا تعذر فيه بالنسبة إلى قدرتي وإلى حكمتي ، وهو نظير قوله تعالى : { سبحان الذى أسرى بعبده ليلا } ( الإسراء : 1 ) فإن الإسراء وإن كان متعذرا بالنسبة إلى قدرة محمد إلا أنه سهل بالنسبة إلى قدرة الحق سبحانه ثم قال تعالى : ! 7 < { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا } . > 7 ! < < النساء : ( 159 ) وإن من أهل . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما ذكر فضائح اليهود وقبائح أفعالهم وشرح أنهم قصدوا قتل عيسى عليه السلام وبين أنه ما حصل لهم ذلك المقصود ، وأنه حصل لعيسى أعظم المناصب وأجل المراتب بين تعالى أن هؤلاء اليهود الذين كانوا مبالغين في عداواته لا يخرج أحد منهم من الدنيا إلا بعد أن يؤمن به فقال : { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } . واعلم أن كلمة { ءان } بمعنى ( ما ) النافية كقوله { وإن منكم إلا واردها } ( مريم : 71 ) فصار التقدير : وما أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به . ثم إنا نرى أكثر اليهود يموتون ولا يؤمنون بعيسى عليه السلام . والجواب من وجهين : الأول : ما روي عن شهر بن حوشب قال : قال الحجاج إني ما قرأتها إلا وفي نفسي منها شيء ، يعني هذه الآية فإني أضرب عنق اليهودي ولا أسمع منه ذلك . فقلت : إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودبره ، وقالوا يا عدو الله أتاك عيسى نبيا فكذبت به ، فيقول آمنت أنه عبدالله ، وتقول للنصراني : أتاك عيسى نبيا فزعمت أنه هو الله وابن الله ، فيقول : آمنت أنه عبدالله فأهل الكتاب يؤمنون به ، ولكن حيث لا ينفعهم ذلك الإيمان ، فاستوى الحجاج جالسا وقال : عمن نقلت هذا ؟ فقلت : حدثني به محمد بن علي بن الحنفية فأخذ ينكت في الأرض بقضيب ثم قال : لقد أخذتها من عين صافية . وعن ابن عباس أنه فسره كذلك فقال له عكرمة : فإن خر من سفق بيت أو احترق أو أكله سبع قال : يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به ، ويدل عليه قراءة أبي { إلا ليؤمنن به قبل موته } بضم النون على معنى وإن منهم أحد إلا سيؤمنون به قبل موتهم لأن أحدا يصلح للجميع ، قال صاحب ( الكشاف ) : والفائدة في أخبار الله تعالى بإيمانهم بعيسى قبل موتهم أنهم متى علموا أنه لا بد من الإيمان به لا محالة فلأن يؤمنوا به حال ما ينفعهم ذلك الإيمان أولى من أن يؤمنوا به حال ما لا ينفعهم ذلك الإيمان . والوجه الثاني : في الجواب عن أصل السؤال : أن قوله { قبل موته } أي قبل موت عيسى ، والمراد أن أهل الكتاب الذين يكونون موجودين في زمان نزوله لا بد وأن يؤمنوا به : قال بعض المتكلمين : إنه لا يمنع نزوله من السماء إلى الدنيا إلا أنه إنما ينزل عند ارتفاع التكاليف أو بحيث لا يعرف ، إذ لو نزل مع بقاء التكاليف على وجه يعرف أنه عيسى عليه السلام لكان إما أن يكون نبيا ولا نبي بعد محمد عليه الصلاة والسلام ، أو غير نبي وذلك غير جائز على الأنبياء ، وهذا الاشكال عندي ضعيف لأن انتهاء الأنبياء إلى مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، فعند مبعثه انتهت تلك المدة ، فلا يبعد أن يصير بعد نزوله تبعا لمحمد عليه الصلاة والسلام .

Section V11/P082–V11/P083Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V11/P082–V11/P083)
Orijinal Metin (AR)

ثم قال تعالى : { ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا } قيل : يشهد على اليهود أنهم كذبوه وطعنوا فيه ، وعلى النصارى أنهم أشركوا به ، وكذلك كل نبي شاهد على أمته ثم قال تعالى : ! 7 < { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما } . > 7 < النساء : ( 160 - 161 ) فبظلم من الذين . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما شرح فضائح أعمال اليهود وقبائح الكافرين وأفعالهم ذكر عقيبه تشديده تعالى عليهم في الدنيا وفي الآخرة ، أما تشديده عليهم في الدنيا فهو أنه تعالى حرم عليهم طيبات كانت محللة لهم قبل ذلك ، كما قال تعالى في موضع آخر { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا } ( الأنعام : 146 ) ثم إنه تعالى بين ما هو كالعلة الموجبة لهذه التشديدات . واعلم أن أنواع الذنوب محصورة في نوعين : الظلم للخلق ، والإعراض عن الدين الحق ، أما ظلم الخلق فإليه الإشارة بقوله { وبصدهم عن سبيل الله } ثم إنهم مع ذلك في غاية الحرص في طلب المال ، فتارة يحصلونه بالربا مع أنهم نهوا عنه ، وتارة بطريق الرشوة وهو المراد بقوله { وأكلهم أموال الناس بالباطل } ونظيره قوله تعالى : { سماعون الكذب أكالون للسحت } ( المائدة : 43 ) فهذه الأربعة هي الذنوب الموجبة للتشديد عليهم في الدنيا وفي الآخرة ، أما التشديد في الدنيا فهو الذي تقدنم ذكره من تحريم الطيبات عليهم ، وأما التشديد في الآخرة فهو المراد من قوله { وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما } . واعلم أنه تعالى لما وصف طريقة الكفار والجهال من اليهود وصف طريقة المؤمنين منهم . ! 7 < { لاكن الراسخون فى العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك والمقيمين الصلواة والمؤتون الزكواة والمؤمنون بالله واليوم الا خر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما } . > 7 < النساء : ( 162 ) لكن الراسخون في . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن المراد من ذلك عبدالله بن سلام وأصحابه الراسخون في العلم الثابتون فيه ، وهم في الحقيقة المستدلون بأن المقلد يكون بحيث إذا شكك يشك ، وأما المستدل فإنه لا يتشكك البتة ، فالراسخون هم المستدلون والمؤمنون ، يعني المؤمنين منهم أو المؤمنين من المهاجرين والأنصار وارتفع الراسخون على الابتداء و { يؤمنون } خبره ، وأما قوله { والمقيمين الصلواة والمؤتون الزكواة } ففيه أقوال : الأول : روي عن عثمان وعائشة أنهما قالا : إن في المصحف لحنا وستقيمه العرب بألسنتها . واعلم أن هذا بعيد لأن هذا المصحف منقول بالنقل المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه ، الثاني : وهو قول البصريين : أنه نصب على المدح لبيان فضل الصلاة ، قالوا إذا قلت : مررت بزيد الكريم فلك أن تجر الكريم لكونه صفة لزيد ، ولك أن تنصبه على تقدير أعني ، وءن شئت رفعت على تقدير هو الكريم ، وعلى هذا يقال : جاءني قومك المطعمين في المحل والمغيثون في الشدائد ، والتقدير جاءني قومك أعني المطعمين في المحل وهم المغيثون في الشدائد فكذا ههنا تقدير الآية : أعني المقيمين اللاة وهم المؤتون الزكاة ، طعن الكسائي في هذا القول وقال : النصب على المدح إنما يكون بعد تمام الكلام ، وههنا لم يتم الكلام ، لأن قوله { لاكن الراسخون فى العلم } منتظر للخبر ، والخبر هو قوله { أولائك سنؤتيهم أجرا عظيما } .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ثم قال تعالى : { ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا } قيل : يشهد على اليهود أنهم كذبوه وطعنوا فيه ، وعلى النصارى أنهم أشركوا به ، وكذلك كل نبي شاهد على أمته ثم قال تعالى : ! 7 < { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما } . > 7 < النساء : ( 160 - 161 ) فبظلم من الذين . . . . . > > واعلم أنه تعالى لما شرح فضائح أعمال اليهود وقبائح الكافرين وأفعالهم ذكر عقيبه تشديده تعالى عليهم في الدنيا وفي الآخرة ، أما تشديده عليهم في الدنيا فهو أنه تعالى حرم عليهم طيبات كانت محللة لهم قبل ذلك ، كما قال تعالى في موضع آخر { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذى ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا } ( الأنعام : 146 ) ثم إنه تعالى بين ما هو كالعلة الموجبة لهذه التشديدات . واعلم أن أنواع الذنوب محصورة في نوعين : الظلم للخلق ، والإعراض عن الدين الحق ، أما ظلم الخلق فإليه الإشارة بقوله { وبصدهم عن سبيل الله } ثم إنهم مع ذلك في غاية الحرص في طلب المال ، فتارة يحصلونه بالربا مع أنهم نهوا عنه ، وتارة بطريق الرشوة وهو المراد بقوله { وأكلهم أموال الناس بالباطل } ونظيره قوله تعالى : { سماعون الكذب أكالون للسحت } ( المائدة : 43 ) فهذه الأربعة هي الذنوب الموجبة للتشديد عليهم في الدنيا وفي الآخرة ، أما التشديد في الدنيا فهو الذي تقدنم ذكره من تحريم الطيبات عليهم ، وأما التشديد في الآخرة فهو المراد من قوله { وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما } . واعلم أنه تعالى لما وصف طريقة الكفار والجهال من اليهود وصف طريقة المؤمنين منهم . ! 7 < { لاكن الراسخون فى العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك والمقيمين الصلواة والمؤتون الزكواة والمؤمنون بالله واليوم الا خر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما } . > 7 < النساء : ( 162 ) لكن الراسخون في . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن المراد من ذلك عبدالله بن سلام وأصحابه الراسخون في العلم الثابتون فيه ، وهم في الحقيقة المستدلون بأن المقلد يكون بحيث إذا شكك يشك ، وأما المستدل فإنه لا يتشكك البتة ، فالراسخون هم المستدلون والمؤمنون ، يعني المؤمنين منهم أو المؤمنين من المهاجرين والأنصار وارتفع الراسخون على الابتداء و { يؤمنون } خبره ، وأما قوله { والمقيمين الصلواة والمؤتون الزكواة } ففيه أقوال : الأول : روي عن عثمان وعائشة أنهما قالا : إن في المصحف لحنا وستقيمه العرب بألسنتها . واعلم أن هذا بعيد لأن هذا المصحف منقول بالنقل المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه ، الثاني : وهو قول البصريين : أنه نصب على المدح لبيان فضل الصلاة ، قالوا إذا قلت : مررت بزيد الكريم فلك أن تجر الكريم لكونه صفة لزيد ، ولك أن تنصبه على تقدير أعني ، وءن شئت رفعت على تقدير هو الكريم ، وعلى هذا يقال : جاءني قومك المطعمين في المحل والمغيثون في الشدائد ، والتقدير جاءني قومك أعني المطعمين في المحل وهم المغيثون في الشدائد فكذا ههنا تقدير الآية : أعني المقيمين اللاة وهم المؤتون الزكاة ، طعن الكسائي في هذا القول وقال : النصب على المدح إنما يكون بعد تمام الكلام ، وههنا لم يتم الكلام ، لأن قوله { لاكن الراسخون فى العلم } منتظر للخبر ، والخبر هو قوله { أولائك سنؤتيهم أجرا عظيما } .

Section V11/P083–V11/P084Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V11/P083–V11/P084)
Orijinal Metin (AR)

والجواب : لا نسلم أن الكلام لا يتم إلا عند قوله { أولائك } لأنا بينا أن الخبر هو قوله { يؤمنون } وأيضا لم لا يجوز الاعتراض بالمدح بين الاسم والخبر ؛ وما الدليل على امتناعه ؟ فهذا القول هو المعتمد في هذه الآية . والقول الثالث : وهو اختيار الكسائي ، وهو أن المقيمين خفض بالعطف على ( ما ) في قوله { بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } والمعنى : والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالمقيمين الصلاة ، ثم عطف على قوله { والمؤمنون } قوله { والمؤتون الزكواة } والمراد بالمقيمين الصلاة الأنبياء ، وذلك لأنه لم يخل شرع أحد منهم من الصلاة . قال تعالى في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعد ذكر أعدادا منهم { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم } ( الأنبياء : 73 ) وقيل : المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة الذين وصفهم الله بأنهم الصافون وهم المسبحون وأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، فقوله { يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } يعني يؤمنون بالكتب ، وقوله { والمقيمين الصلواة } يعني يؤمنون بالرسل . الرابع : جاء في مصحف عبدالله بن مسعود { إلى الصلواة } بالواو ، وهي قراءة مالك بن دينار والجحدري وعيسى الثقفي . المسألة الثانية : اعلم أن العلماء على ثلاثة أقسام : الأول : العلماء بأحكام الله تعالى فقط . والثاني : العلماء بذات الله وصفات الله فقط . والثالث : العلماء بأحكام الله وبذات الله ، أما الفريق الأول فهم العالمون بأحكام الله وتاليفه وشرائعه ، وأما الثاني : فهم العالمون بذات الله وبصفاته الواجبة والجائزة والممتنعة / وأما الثالث : فهم الموصوفون بالعاملين وهم أكابر العلماء ، وإلى هذه الأقسام الثلاثة أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( جالس العلماء وخالط الحكماء ورافق الكبراء ) . وإذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى وصفهم بكونهم راسخين في العلم ، ثم شرح ذلك فبين أولا : كونهم عالمين بأحكام الله تعالى وعاملين بتلك الأحكام ، فأما علمهم بأحكام الله فهو المراد من قوله { والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } وأما عملهم بتلك الأحكام فهو المراد بقوله { والمقيمين الصلواة والمؤتون الزكواة } وخصهما بالذكر لكونهما أشرف الطاعات لأن الصلاة أشرف الطاعات البدينة ، والزكاة أشرف الطاعات المالية ، ولما شرح كونهم عالمين بأحكام الله وعاملين بها شرح بعد ذلك كونهم عالمين بالله ، وأشرف المعارف العلم بالمبدأ والمعاد ، فالعلم بالمبدأ هو المراد بقوله { والمؤمنون بالله } والعلم بالمعاد هو المراد من قوله { واليوم الاخر } ولما شرح هذه الأقسام ظهر كون هؤلاء المذكورين عالمين بأحكام الله تعالى وعاملين بها وظهر كونهم عالمين بالله وبأحوال المعاد ، وإذا حصلت هذه العلوم والمعارف ظهر كونهم راسخين في العلم لأن الإنسان لا يمكنه أن يتجاوز هذا المقام في الكمال وعلو الدرجة ، ثم أخبر عنهم بقوله { أولائك سنؤتيهم أجرا عظيما } . ! 7 < { إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينآ إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والا سباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وءاتينا داوود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما } . > 7 < النساء : ( 163 - 165 ) إنا أوحينا إليك . . . . . > > في الآية مسائل :

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

والجواب : لا نسلم أن الكلام لا يتم إلا عند قوله { أولائك } لأنا بينا أن الخبر هو قوله { يؤمنون } وأيضا لم لا يجوز الاعتراض بالمدح بين الاسم والخبر ؛ وما الدليل على امتناعه ؟ فهذا القول هو المعتمد في هذه الآية . والقول الثالث : وهو اختيار الكسائي ، وهو أن المقيمين خفض بالعطف على ( ما ) في قوله { بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } والمعنى : والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالمقيمين الصلاة ، ثم عطف على قوله { والمؤمنون } قوله { والمؤتون الزكواة } والمراد بالمقيمين الصلاة الأنبياء ، وذلك لأنه لم يخل شرع أحد منهم من الصلاة . قال تعالى في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعد ذكر أعدادا منهم { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم } ( الأنبياء : 73 ) وقيل : المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة الذين وصفهم الله بأنهم الصافون وهم المسبحون وأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، فقوله { يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } يعني يؤمنون بالكتب ، وقوله { والمقيمين الصلواة } يعني يؤمنون بالرسل . الرابع : جاء في مصحف عبدالله بن مسعود { إلى الصلواة } بالواو ، وهي قراءة مالك بن دينار والجحدري وعيسى الثقفي . المسألة الثانية : اعلم أن العلماء على ثلاثة أقسام : الأول : العلماء بأحكام الله تعالى فقط . والثاني : العلماء بذات الله وصفات الله فقط . والثالث : العلماء بأحكام الله وبذات الله ، أما الفريق الأول فهم العالمون بأحكام الله وتاليفه وشرائعه ، وأما الثاني : فهم العالمون بذات الله وبصفاته الواجبة والجائزة والممتنعة / وأما الثالث : فهم الموصوفون بالعاملين وهم أكابر العلماء ، وإلى هذه الأقسام الثلاثة أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( جالس العلماء وخالط الحكماء ورافق الكبراء ) . وإذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى وصفهم بكونهم راسخين في العلم ، ثم شرح ذلك فبين أولا : كونهم عالمين بأحكام الله تعالى وعاملين بتلك الأحكام ، فأما علمهم بأحكام الله فهو المراد من قوله { والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } وأما عملهم بتلك الأحكام فهو المراد بقوله { والمقيمين الصلواة والمؤتون الزكواة } وخصهما بالذكر لكونهما أشرف الطاعات لأن الصلاة أشرف الطاعات البدينة ، والزكاة أشرف الطاعات المالية ، ولما شرح كونهم عالمين بأحكام الله وعاملين بها شرح بعد ذلك كونهم عالمين بالله ، وأشرف المعارف العلم بالمبدأ والمعاد ، فالعلم بالمبدأ هو المراد بقوله { والمؤمنون بالله } والعلم بالمعاد هو المراد من قوله { واليوم الاخر } ولما شرح هذه الأقسام ظهر كون هؤلاء المذكورين عالمين بأحكام الله تعالى وعاملين بها وظهر كونهم عالمين بالله وبأحوال المعاد ، وإذا حصلت هذه العلوم والمعارف ظهر كونهم راسخين في العلم لأن الإنسان لا يمكنه أن يتجاوز هذا المقام في الكمال وعلو الدرجة ، ثم أخبر عنهم بقوله { أولائك سنؤتيهم أجرا عظيما } . ! 7 < { إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينآ إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والا سباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وءاتينا داوود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما } . > 7 < النساء : ( 163 - 165 ) إنا أوحينا إليك . . . . . > > في الآية مسائل :

Section V11/P084–V11/P085Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V11/P084–V11/P085)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حكى أن اليهود سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء ، وذكر تعالى بعده أنهم لا يطلبون ذلك لأجل الاسترشاد ولكن لأجل العناد وللجاج ، وحكى أنواعا كثيرة من فضائحهم وقبائحهم ، وامتد الكلام إلى هذا المقام ، شرع الآن في الجواب عن تلك الشبهة فقال : { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } والمعنى : أنا توافقنا على نبوة نوح وإبراهيم وإسماعيل وجميع المذكورين في هذه الآية ، وعلى أن الله تعالى أوحى إليهم ، ولا طريق إلى العلم بكونهم أنبياء الله ورسله إلا ظهور المعجزات عليهم ولكل واحد منهم نوع آخر من المعجزات على التعيين ، وما أنزل الله على كل واحد من أنواع المعجزات عليهم ، علمنا أن هذه الشبهة زائلة ، وأن إصرار اليهود على طلب هذه المعجزة باطل ، وتحقيق القول فيه أن إثبات المدلول يتوقف على ثبوت الدليل ، ثم إذا حصل الدليل وتم فالمطالبة بدليل آخر تكون طلبا للزيادة وإظهارا للتعنت واللجاج ، والله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فلا اعتراض عليه لأحد بأنه لم أعطى هذا الرسول هذه المعجزة وذلك الرسول الآخر معجزا آخر ، وهذا الجواب المذكور ههنا هو الجواب المذكور في قوله تعالى : { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) إلى قوله { قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا } ( الإسراء : 93 ) يعني أنك إنما ادعيت الرسالة ، والرسول لا بد له من معجزة تدل على صدقه ، وذلك قد حصل ، وأما أن تأتي بكل ما يطلب منك فذاك ليس من شرط الرسالة ، فهذا جواب معتمد عن الشبهة التي أوردها اليهود ، وهو المقصود الأصلي من هذه الآية . المسألة الثانية : قال الزجاج : الإيحاء الإعلام على سبيل الخفاء ، قال تعالى : { فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا } ( مريم : 11 ) أي أشار إليهم ، وقال { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن ءامنوا بى } ( المائدة : 111 ) وقال { وأوحى ربك إلى النحل } ( النحل : 68 ) { وأوحينا إلى أم موسى } ( القصص : 7 ) والمراد بالوحي في هذه الآيات الثلاثة الإلهام . المسألة الثالثة : قالوا إنما بدأ تعالى بذكر نوح لأنه أول نبي شرع الله تعالى على لسانه الأحكام والحلال والحرام ، ثم قال تعالى : { والنبيين من بعده } ثم خص بعض النبيين بالذكر لكونهم أفضل من غيرهم كقوله { وملئكته ورسله وجبريل وميكال } ( البقرة : 98 ) . واعلم أن الأنبياء المذكورين في هذه الآية سوى موسى عليه السلام إثنا عشر ولم يذكر موسى معهم ، وذلك لأن اليهود قالوا : إن كنت يا محمد نبيا فأتنا بكتاب من السماء دفعة واحدة كما أتى موسى عليه السلام بالتوراة دفعة واحدة / فالله تعالى أجاب عن هذه الشبهة بأن هؤلاء الأنبياء الأثنى عشر كلهم كانوا أنبياء ورسلا مع أن واحدا منهم ما أتى بكتاب مثل التوراة دفعة واحدة ، ثم ختم ذكر الأنبياء بقوله { وءاتينا داوود زبورا } يعني أنكم اعترفتم بأن الزبور من عند الله ، ثم إنه ما نزل على داود دفعة واحدة في ألواح مثل ما نزلت التوراة دفعة واحدة على موسى عليه السلام في الألواح ، فدل هذا على أن نزول الكتاب لا على الوجه الذي نزلت التوراة لا يقدح في كون الكتاب من عند الله ، وهذا إلزام حسن قوي .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حكى أن اليهود سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء ، وذكر تعالى بعده أنهم لا يطلبون ذلك لأجل الاسترشاد ولكن لأجل العناد وللجاج ، وحكى أنواعا كثيرة من فضائحهم وقبائحهم ، وامتد الكلام إلى هذا المقام ، شرع الآن في الجواب عن تلك الشبهة فقال : { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } والمعنى : أنا توافقنا على نبوة نوح وإبراهيم وإسماعيل وجميع المذكورين في هذه الآية ، وعلى أن الله تعالى أوحى إليهم ، ولا طريق إلى العلم بكونهم أنبياء الله ورسله إلا ظهور المعجزات عليهم ولكل واحد منهم نوع آخر من المعجزات على التعيين ، وما أنزل الله على كل واحد من أنواع المعجزات عليهم ، علمنا أن هذه الشبهة زائلة ، وأن إصرار اليهود على طلب هذه المعجزة باطل ، وتحقيق القول فيه أن إثبات المدلول يتوقف على ثبوت الدليل ، ثم إذا حصل الدليل وتم فالمطالبة بدليل آخر تكون طلبا للزيادة وإظهارا للتعنت واللجاج ، والله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فلا اعتراض عليه لأحد بأنه لم أعطى هذا الرسول هذه المعجزة وذلك الرسول الآخر معجزا آخر ، وهذا الجواب المذكور ههنا هو الجواب المذكور في قوله تعالى : { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا } ( الإسراء : 90 ) إلى قوله { قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا } ( الإسراء : 93 ) يعني أنك إنما ادعيت الرسالة ، والرسول لا بد له من معجزة تدل على صدقه ، وذلك قد حصل ، وأما أن تأتي بكل ما يطلب منك فذاك ليس من شرط الرسالة ، فهذا جواب معتمد عن الشبهة التي أوردها اليهود ، وهو المقصود الأصلي من هذه الآية . المسألة الثانية : قال الزجاج : الإيحاء الإعلام على سبيل الخفاء ، قال تعالى : { فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا } ( مريم : 11 ) أي أشار إليهم ، وقال { وإذ أوحيت إلى الحواريين أن ءامنوا بى } ( المائدة : 111 ) وقال { وأوحى ربك إلى النحل } ( النحل : 68 ) { وأوحينا إلى أم موسى } ( القصص : 7 ) والمراد بالوحي في هذه الآيات الثلاثة الإلهام . المسألة الثالثة : قالوا إنما بدأ تعالى بذكر نوح لأنه أول نبي شرع الله تعالى على لسانه الأحكام والحلال والحرام ، ثم قال تعالى : { والنبيين من بعده } ثم خص بعض النبيين بالذكر لكونهم أفضل من غيرهم كقوله { وملئكته ورسله وجبريل وميكال } ( البقرة : 98 ) . واعلم أن الأنبياء المذكورين في هذه الآية سوى موسى عليه السلام إثنا عشر ولم يذكر موسى معهم ، وذلك لأن اليهود قالوا : إن كنت يا محمد نبيا فأتنا بكتاب من السماء دفعة واحدة كما أتى موسى عليه السلام بالتوراة دفعة واحدة / فالله تعالى أجاب عن هذه الشبهة بأن هؤلاء الأنبياء الأثنى عشر كلهم كانوا أنبياء ورسلا مع أن واحدا منهم ما أتى بكتاب مثل التوراة دفعة واحدة ، ثم ختم ذكر الأنبياء بقوله { وءاتينا داوود زبورا } يعني أنكم اعترفتم بأن الزبور من عند الله ، ثم إنه ما نزل على داود دفعة واحدة في ألواح مثل ما نزلت التوراة دفعة واحدة على موسى عليه السلام في الألواح ، فدل هذا على أن نزول الكتاب لا على الوجه الذي نزلت التوراة لا يقدح في كون الكتاب من عند الله ، وهذا إلزام حسن قوي .

Section V11/P085–V11/P086Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V11/P085–V11/P086)
Orijinal Metin (AR)

المسألة الرابعة : قال أهل اللغة : الزبور الكتاب ، وكل كتاب زبور ، وهو مفعول بمعنى مفعول ، كالرسول والركوب والحلوب ، وأصله من زبرت بمعنى كتبت ، وقد ذكرنا ما فيه عند قوله { جاءوا بالبينات والزبر } ( آل عمران : 184 ) . المسألة الخامسة : قرأ حمزة { زبورا } بضم الزاي في كل القرآن ، والباقون بفتحها ، حجة حمزة أن الزبور مصدر في الأصل ، ثم استعمل في المفعول كقولهم : ضرب الأمير ، ونسج فلان فصار اسما ثم جمع على زبر كشهود وشهد ، والمصدر إذا أقيم مقام المفعول فإنه يجوز جمعه كما يجمع الكتاب على كتب ، فعلى هذا ، الزبور الكتاب ، والزبر بضم الزاي الكتب ، أما قراءة الباقين فهي أولى لأنها أشهر ، والقراءة بها أكثر . ثم قال تعالى : { ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك } . وأعلم أنه انتصب قوله { رسلا } بمضمر يفسره قوله { قد قصصناهم عليك } والمعنى أنه تعالى إنما ذكر أحوال بعض الأنبياء في القرآن ، والأكثرون غير مذكورين على سبيل التفصيل . ثم قال { وكلم الله موسى تكليما } والمراد أنه بعث كل هؤلاء الأنبياء والرسل وخص موسى عليه السلام بالتكلم معه ، ولم يلزم من تخصيص موسى عليه السلام بهذا التشريف الطعن في نبوة سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فكذلك لم يلزم من تخصيص موسى بإنزال التوراة عليه دفعة واحدة طعن فيمن أنزل الله عليه الكتاب لا على هذا الوجه ، وعن إبراهيم ويحيى بن وثاب أنهما قرأ { وكلم الله } بالنصب ، وقال بعضهم : وكلم الله معناه وجرح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن وهذا تفسير باطل . ثم قال تعالى : { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما } وفيه مسائل : المسألة الأولى : في انتصاب قوله { رسلا } وجوه : الأول : قال صاحب ( الكشاف ) : الأوجه أن ينتصب على المدح . والثاني : أنه انتصب على البدل من قوله { ورسلا } الثالث : أن يكون التقدير : أوحينا إليهم رسلا فيكون منصوبا على الحال والله أعلم . المسألة الثانية : أعلم أن هذا الكلام أيضا جواب عن شبهة اليهود ، وتقريره أن المقصود من بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يبشروا الخلق على اشتغالهم بعبودية الله ، وأن ينذروهم على الإعراض عن العبودية ، فهذا هو المقصود الأصلي من البعثة ، فإذا حصل هذا المقصود فقد كمل الغرض وتم المطلوب ، وهذا المقصود الأصلي حاصل بإنزال الكتاب المشتمل على بيان هذا المطلوب ، ومن المعلوم أنه لا يختلف حال هذا المطلوب بأن يكون ذلك الكتاب مكتوباف في الألواح أو لم يكن ، وبأن يكون نازلا دفعة واحدة أو منجما مفرقا ، بل لو قيل : إن إنزال الكتاب منجما مفرقا أقرب إلى المصلحة لكان أولى لأن الكتاب إذا نزل دفعة واحدة كثرت التكاليف وتوجهت بأسرها على المكلفين فيثقل عليهم قبولها ، ولهذا السبب أصر قوم موسى عليه السلام على التمرد ولم يقبلوا تلك التكاليف ، أما إذا نزل الكتاب منجما مفرقا لم يكن كذلك / بل ينزل التكاليف شيئا فشيئا وجزءا فجزءا ، فحينئذ يحصل الانقياد والطاعة من القوم وحاصل هذا لجواب أن المقصود من بعثة الرسل وإنزال الكتب هو الإعذار والإنذار ، وهذا المقصود حاصل سواء نزل الكتاب دفعة واحدة أو لم يكن كذلك ، فكان اقتراح اليهود في أنزال الكتاب دفعة واحدة اقتراحا فاسدا . وهذا أيضا جواب عن تلك الشبهة في غاية الحسن ، ثم ختم الآية بقوله { وكان الله عزيزا حكيما } يعني هذا الذي يطلبونه من الرسول أمر هين في القدرة ، ولكنكم طلبتموه على سبيل اللجاج وهو تعالى عزيز ، وعزته تقتضي أن لا يجاب المتعنت إلى مطلوبه فكذلك حكمته تقتضي هذا الامتناع لعلمه تعالى بأنه لو فعل ذلك لبقوا مصرين على لجاجهم ، وذلك لأنه تعالى أعطى موسى عليه السلام هذا التشريف ومع ذلك فقومه بقوا معه على المكابرة والإصرار وللجاج والله أعلم .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

المسألة الرابعة : قال أهل اللغة : الزبور الكتاب ، وكل كتاب زبور ، وهو مفعول بمعنى مفعول ، كالرسول والركوب والحلوب ، وأصله من زبرت بمعنى كتبت ، وقد ذكرنا ما فيه عند قوله { جاءوا بالبينات والزبر } ( آل عمران : 184 ) . المسألة الخامسة : قرأ حمزة { زبورا } بضم الزاي في كل القرآن ، والباقون بفتحها ، حجة حمزة أن الزبور مصدر في الأصل ، ثم استعمل في المفعول كقولهم : ضرب الأمير ، ونسج فلان فصار اسما ثم جمع على زبر كشهود وشهد ، والمصدر إذا أقيم مقام المفعول فإنه يجوز جمعه كما يجمع الكتاب على كتب ، فعلى هذا ، الزبور الكتاب ، والزبر بضم الزاي الكتب ، أما قراءة الباقين فهي أولى لأنها أشهر ، والقراءة بها أكثر . ثم قال تعالى : { ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك } . وأعلم أنه انتصب قوله { رسلا } بمضمر يفسره قوله { قد قصصناهم عليك } والمعنى أنه تعالى إنما ذكر أحوال بعض الأنبياء في القرآن ، والأكثرون غير مذكورين على سبيل التفصيل . ثم قال { وكلم الله موسى تكليما } والمراد أنه بعث كل هؤلاء الأنبياء والرسل وخص موسى عليه السلام بالتكلم معه ، ولم يلزم من تخصيص موسى عليه السلام بهذا التشريف الطعن في نبوة سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فكذلك لم يلزم من تخصيص موسى بإنزال التوراة عليه دفعة واحدة طعن فيمن أنزل الله عليه الكتاب لا على هذا الوجه ، وعن إبراهيم ويحيى بن وثاب أنهما قرأ { وكلم الله } بالنصب ، وقال بعضهم : وكلم الله معناه وجرح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن وهذا تفسير باطل . ثم قال تعالى : { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما } وفيه مسائل : المسألة الأولى : في انتصاب قوله { رسلا } وجوه : الأول : قال صاحب ( الكشاف ) : الأوجه أن ينتصب على المدح . والثاني : أنه انتصب على البدل من قوله { ورسلا } الثالث : أن يكون التقدير : أوحينا إليهم رسلا فيكون منصوبا على الحال والله أعلم . المسألة الثانية : أعلم أن هذا الكلام أيضا جواب عن شبهة اليهود ، وتقريره أن المقصود من بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يبشروا الخلق على اشتغالهم بعبودية الله ، وأن ينذروهم على الإعراض عن العبودية ، فهذا هو المقصود الأصلي من البعثة ، فإذا حصل هذا المقصود فقد كمل الغرض وتم المطلوب ، وهذا المقصود الأصلي حاصل بإنزال الكتاب المشتمل على بيان هذا المطلوب ، ومن المعلوم أنه لا يختلف حال هذا المطلوب بأن يكون ذلك الكتاب مكتوباف في الألواح أو لم يكن ، وبأن يكون نازلا دفعة واحدة أو منجما مفرقا ، بل لو قيل : إن إنزال الكتاب منجما مفرقا أقرب إلى المصلحة لكان أولى لأن الكتاب إذا نزل دفعة واحدة كثرت التكاليف وتوجهت بأسرها على المكلفين فيثقل عليهم قبولها ، ولهذا السبب أصر قوم موسى عليه السلام على التمرد ولم يقبلوا تلك التكاليف ، أما إذا نزل الكتاب منجما مفرقا لم يكن كذلك / بل ينزل التكاليف شيئا فشيئا وجزءا فجزءا ، فحينئذ يحصل الانقياد والطاعة من القوم وحاصل هذا لجواب أن المقصود من بعثة الرسل وإنزال الكتب هو الإعذار والإنذار ، وهذا المقصود حاصل سواء نزل الكتاب دفعة واحدة أو لم يكن كذلك ، فكان اقتراح اليهود في أنزال الكتاب دفعة واحدة اقتراحا فاسدا . وهذا أيضا جواب عن تلك الشبهة في غاية الحسن ، ثم ختم الآية بقوله { وكان الله عزيزا حكيما } يعني هذا الذي يطلبونه من الرسول أمر هين في القدرة ، ولكنكم طلبتموه على سبيل اللجاج وهو تعالى عزيز ، وعزته تقتضي أن لا يجاب المتعنت إلى مطلوبه فكذلك حكمته تقتضي هذا الامتناع لعلمه تعالى بأنه لو فعل ذلك لبقوا مصرين على لجاجهم ، وذلك لأنه تعالى أعطى موسى عليه السلام هذا التشريف ومع ذلك فقومه بقوا معه على المكابرة والإصرار وللجاج والله أعلم .

%0
10 Bölüm

Questions