Qur'an&Sunnahالقرآن

Fakhr al-Din al-Razi - Mafatih al-Ghayb (Le Grand Commentaire)

Fakhr al-Din Muhammad ibn Umar al-Razi · AR

Section V16/P031–V16/P032Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V16/P031–V16/P032)
Orijinal Metin (AR)

فإن قيل : كيف جاز أبى الله إلا كذا ، ولا يقال كرهت أو أبغضت إلا زيدا ؟ قلنا : أجرى { أبى } مجرى لم يرد ، والتقدير : ما أراد الله إلا ذلك ، إلا أن الإباء يفيد زيادة عدم الإرادة وهي المنع والامتناع ، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : ( وإن أرادوا ظلمنا أبينا ) فامتدح بذلك ، ولا يجوز أن يمتدح بأنه يكره الظلم ، لأن ذلك يصح من القوي والضعيف ، ويقال : فلان أبى الضيم ، والمعنى ما ذكرناه ، وإنما سمى الدلائل بالنور لأن النور يهدي إلى الصواب . فكذلك الدلائل تهدي إلى الصواب في الأديان . ! 7 < { هو الذيأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون } . > 7 ! < < التوبة : ( 33 ) هو الذي أرسل . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما حكى عن الأعداء أنهم يحاولون إبطال أمر محمد صلى الله عليه وسلم وبين تعالى أنه يأبى ذلك الإبطال وأنه يتم أمره ، بين كيفية ذلك الإتمام فقال : { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق } . / واعلم أن كمال حال الأنبياء صلوات الله عليهم لا تحصل إلا بمجموع أمور : أولها : كثرة الدلائل والمعجزات ، وهو المراد من قوله : { أرسل رسوله بالهدى } وثانيها : كون دينه مشتملا على أمور يظهر لكل أحد كونها موصوفة بالصواب والصلاح ومطابقة الحكمة وموافقة المنفعة في الدنيا والآخرة ، وهو المراد من قوله : { ودين الحق } وثالثها : صيرورة دينه مستعليا على سائر الأديان غالبا عليها غالبا لأضدادها قاهرا لمنكريها ، وهو المراد من قوله : { ليظهره على الدين كله } . واعلم أن ظهور الشيء على غيره قد يكون بالحجة ، وقد يكون بالكثرة والوفور ، وقد يكون بالغلبة والاستيلاء ، ومعلوم أنه تعالى بشر بذلك ، ولا يجوز أن يبشر إلا بأمر مستقبل غير حاصل ، وظهور هذا الدين بالحجة مقرر معلوم ، فالواجب حمله على الظهور بالغلبة . فإن قيل : ظاهر قوله : { ليظهره على الدين كله } يقتضي كونه غالبا لكل الأديان ، وليس الأمر كذلك ، فإن الإسلام لم يصر غالبا لسائر الأديان في أرض الهند والصين والروم ، وسائر أراضي الكفرة . قلنا أجابوا عنه من وجوه : الوجه الأول : أنه لا دين بخلاف الإسلام إلا وقد قهرهم المسلمون وظهروا عليهم في بعض المواضع ، وإن لم يكن كذلك في جميع مواضعهم ، فقهروا اليهود وأخرجوهم من بلاد العرب ، وغلبوا النصارى على بلاد الشام وما والاها إلى ناحية الروم والغرب ، وغلبوا المجوس على ملكهم ، وغلبوا عباد الأصنام على كثير من بلادهم مما يلي الترك والهند ، وكذلك سائر الأديان . فثبت أن الذي أخبر الله عنه في هذه الآية قد وقع وحصل وكان ذلك إخبارا عن الغيب فكان معجزا . الوجه الثاني : في الجواب أن نقول : روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : هذا وعد من الله بأنه تعالى يجعل الإسلام عاليا على جميع الأديان . وتمام هذا إنما يحصل عند خروج عيسى ، وقال السدي : ذلك عند خروج المهدي ، لا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام أو أدى الخراج . الوجه الثالث : المراد : ليظهر الإسلام على الدين كله في جزيرة العرب ، وقد حصل ذلك فإنه تعالى ما أبقى فيها أحدا من الكفار . الوجه الرابع : أن المراد من قوله : { ليظهره على الدين كله } أن يوقفه على جميع شرائع الدين ويطلعه عليها بالكلية حتى لا يخفى عليه منها شيء .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

فإن قيل : كيف جاز أبى الله إلا كذا ، ولا يقال كرهت أو أبغضت إلا زيدا ؟ قلنا : أجرى { أبى } مجرى لم يرد ، والتقدير : ما أراد الله إلا ذلك ، إلا أن الإباء يفيد زيادة عدم الإرادة وهي المنع والامتناع ، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : ( وإن أرادوا ظلمنا أبينا ) فامتدح بذلك ، ولا يجوز أن يمتدح بأنه يكره الظلم ، لأن ذلك يصح من القوي والضعيف ، ويقال : فلان أبى الضيم ، والمعنى ما ذكرناه ، وإنما سمى الدلائل بالنور لأن النور يهدي إلى الصواب . فكذلك الدلائل تهدي إلى الصواب في الأديان . ! 7 < { هو الذيأرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون } . > 7 ! < < التوبة : ( 33 ) هو الذي أرسل . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما حكى عن الأعداء أنهم يحاولون إبطال أمر محمد صلى الله عليه وسلم وبين تعالى أنه يأبى ذلك الإبطال وأنه يتم أمره ، بين كيفية ذلك الإتمام فقال : { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق } . / واعلم أن كمال حال الأنبياء صلوات الله عليهم لا تحصل إلا بمجموع أمور : أولها : كثرة الدلائل والمعجزات ، وهو المراد من قوله : { أرسل رسوله بالهدى } وثانيها : كون دينه مشتملا على أمور يظهر لكل أحد كونها موصوفة بالصواب والصلاح ومطابقة الحكمة وموافقة المنفعة في الدنيا والآخرة ، وهو المراد من قوله : { ودين الحق } وثالثها : صيرورة دينه مستعليا على سائر الأديان غالبا عليها غالبا لأضدادها قاهرا لمنكريها ، وهو المراد من قوله : { ليظهره على الدين كله } . واعلم أن ظهور الشيء على غيره قد يكون بالحجة ، وقد يكون بالكثرة والوفور ، وقد يكون بالغلبة والاستيلاء ، ومعلوم أنه تعالى بشر بذلك ، ولا يجوز أن يبشر إلا بأمر مستقبل غير حاصل ، وظهور هذا الدين بالحجة مقرر معلوم ، فالواجب حمله على الظهور بالغلبة . فإن قيل : ظاهر قوله : { ليظهره على الدين كله } يقتضي كونه غالبا لكل الأديان ، وليس الأمر كذلك ، فإن الإسلام لم يصر غالبا لسائر الأديان في أرض الهند والصين والروم ، وسائر أراضي الكفرة . قلنا أجابوا عنه من وجوه : الوجه الأول : أنه لا دين بخلاف الإسلام إلا وقد قهرهم المسلمون وظهروا عليهم في بعض المواضع ، وإن لم يكن كذلك في جميع مواضعهم ، فقهروا اليهود وأخرجوهم من بلاد العرب ، وغلبوا النصارى على بلاد الشام وما والاها إلى ناحية الروم والغرب ، وغلبوا المجوس على ملكهم ، وغلبوا عباد الأصنام على كثير من بلادهم مما يلي الترك والهند ، وكذلك سائر الأديان . فثبت أن الذي أخبر الله عنه في هذه الآية قد وقع وحصل وكان ذلك إخبارا عن الغيب فكان معجزا . الوجه الثاني : في الجواب أن نقول : روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : هذا وعد من الله بأنه تعالى يجعل الإسلام عاليا على جميع الأديان . وتمام هذا إنما يحصل عند خروج عيسى ، وقال السدي : ذلك عند خروج المهدي ، لا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام أو أدى الخراج . الوجه الثالث : المراد : ليظهر الإسلام على الدين كله في جزيرة العرب ، وقد حصل ذلك فإنه تعالى ما أبقى فيها أحدا من الكفار . الوجه الرابع : أن المراد من قوله : { ليظهره على الدين كله } أن يوقفه على جميع شرائع الدين ويطلعه عليها بالكلية حتى لا يخفى عليه منها شيء .

Section V16/P032–V16/P033Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V16/P032–V16/P033)
Orijinal Metin (AR)

الوجه الخامس : أن المراد من قوله : { ليظهره على الدين كله } بالحجة والبيان إلا أن هذا ضعيف ؛ لأن هذا وعد بأنه تعالى سيفعله . والتقوية بالحجة والبيان كانت حاصلة من أول الأمر ، ويمكن أن يجاب عنه بأن في مبدأ الأمر كثرت الشبهات بسبب ضعف المؤمنين / واستيلاء الكفار ، ومنع الكفار سائر الناس من التأمل في تلك الدلائل . أما بعد قوة دولة الإسلام عجزت الكفار فضعفت الشبهات ، فقوي ظهور دلائل الإسلام ، فكان المراد من تلك البشارة هذه الزيادة . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إن كثيرا من الا حبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هاذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون } . > 7 < التوبة : ( 34 - 35 ) يا أيها الذين . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما وصف رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وادعاء الربوبية والترفع على الخلق ، وصفهم في هذه الآية بالطمع والحرص على أخذ أموال الناس ، تنبيها على أن المقصود من إظهار تلك الربوبية والتجبر والفخر ، أخذ أموال الناس بالباطل ، ولعمري من تأمل أحوال أهل الناموس والتزوير في زماننا وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم وفي شرح أحوالهم ، فترى الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يتعلق خاطره بجميع المخلوقات وأنه في الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك عليه ويتحمل نهاية الذل والدناءة في تحصيله وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قد عرفت أن الأحبار من اليهود ، والرهبان من النصارى بحسب العرف ، فالله تعالى حكى عن كثير منهم أنهم ليأكلون أموال الناس بالباطل ، وفيه أبحاث : البحث الأول : أنه تعالى قيد ذلك بقوله : { كثيرا } ليدل بذلك على أن هذه الطريقة طريقة / بعضهم لا طريقة الكل ، فإن العالم لا يخلو عن الحق وإطباق الكل على الباطل كالممتنع هذا يوهم أنه كما أن إجماع هذه الأمة على الباطل لا يحصل ، فكذلك سائر الأمم . البحث الثاني : أنه تعالى عبر عن أخذ الأموال بالأكل وهو قوله : { ليأكلون } والسبب في هذه الاستعارة ، أن المقصود الأعظم من جمع الأموال هو الأكل ، فسمى الشيء باسم ما هو أعظم مقاصده ، أو يقال من أكل شيئا فقد ضمنه إلى نفسه ومنعه من الوصول إلى غيره ، ومن جمع المال فقد ضم تلك الأموال إلى نفسه ، ومنعها من الوصول إلى غيره ، فلما حصلت المشابهة بين الأكل وبين الأخذ من هذا الوجه ، سمى الأخذ بالأكل . أو يقال : إن من أخذ أموال الناس ، فإذا طولب بردها ، قال أكلتها وما بقيت ، فلا أقدر على ردها ، فلهذا السبب سمى الأخذ بالأكل .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

الوجه الخامس : أن المراد من قوله : { ليظهره على الدين كله } بالحجة والبيان إلا أن هذا ضعيف ؛ لأن هذا وعد بأنه تعالى سيفعله . والتقوية بالحجة والبيان كانت حاصلة من أول الأمر ، ويمكن أن يجاب عنه بأن في مبدأ الأمر كثرت الشبهات بسبب ضعف المؤمنين / واستيلاء الكفار ، ومنع الكفار سائر الناس من التأمل في تلك الدلائل . أما بعد قوة دولة الإسلام عجزت الكفار فضعفت الشبهات ، فقوي ظهور دلائل الإسلام ، فكان المراد من تلك البشارة هذه الزيادة . ! 7 < { ياأيها الذين ءامنوا إن كثيرا من الا حبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هاذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون } . > 7 < التوبة : ( 34 - 35 ) يا أيها الذين . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما وصف رؤساء اليهود والنصارى بالتكبر والتجبر وادعاء الربوبية والترفع على الخلق ، وصفهم في هذه الآية بالطمع والحرص على أخذ أموال الناس ، تنبيها على أن المقصود من إظهار تلك الربوبية والتجبر والفخر ، أخذ أموال الناس بالباطل ، ولعمري من تأمل أحوال أهل الناموس والتزوير في زماننا وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم وفي شرح أحوالهم ، فترى الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يتعلق خاطره بجميع المخلوقات وأنه في الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك عليه ويتحمل نهاية الذل والدناءة في تحصيله وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قد عرفت أن الأحبار من اليهود ، والرهبان من النصارى بحسب العرف ، فالله تعالى حكى عن كثير منهم أنهم ليأكلون أموال الناس بالباطل ، وفيه أبحاث : البحث الأول : أنه تعالى قيد ذلك بقوله : { كثيرا } ليدل بذلك على أن هذه الطريقة طريقة / بعضهم لا طريقة الكل ، فإن العالم لا يخلو عن الحق وإطباق الكل على الباطل كالممتنع هذا يوهم أنه كما أن إجماع هذه الأمة على الباطل لا يحصل ، فكذلك سائر الأمم . البحث الثاني : أنه تعالى عبر عن أخذ الأموال بالأكل وهو قوله : { ليأكلون } والسبب في هذه الاستعارة ، أن المقصود الأعظم من جمع الأموال هو الأكل ، فسمى الشيء باسم ما هو أعظم مقاصده ، أو يقال من أكل شيئا فقد ضمنه إلى نفسه ومنعه من الوصول إلى غيره ، ومن جمع المال فقد ضم تلك الأموال إلى نفسه ، ومنعها من الوصول إلى غيره ، فلما حصلت المشابهة بين الأكل وبين الأخذ من هذا الوجه ، سمى الأخذ بالأكل . أو يقال : إن من أخذ أموال الناس ، فإذا طولب بردها ، قال أكلتها وما بقيت ، فلا أقدر على ردها ، فلهذا السبب سمى الأخذ بالأكل .

Section V16/P033–V16/P034Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V16/P033–V16/P034)
Orijinal Metin (AR)

البحث الثالث : أنه قال : { ليأكلون أموال الناس بالباطل } وقد اختلفوا في تفسير هذا الباطل على وجوه : الأول : أنهم كانوا يأخذون الرشا في تخفيف الأحكام والمسامحة في الشرائع . والثاني : أنهم كانوا يدعون عند الحشرات والعوام منهم ، أنه لا سبيل لأحد إلى الفوز بمرضاة الله تعالى إلا بخدمتهم وطاعتهم ، وبذل الأموال في طلب مرضاتهم والعوام كانوا يغترون بتلك الأكاذيب . الثالث : التوراة كانت مشتملة على آيات دالة على مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، فأولئك الأحبار والرهبان ، كانوا يذكرون في تأويلها وجوها فاسدة ، ويحملونها على محامل باطلة ، وكانوا يطيبون قلوب عوامهم بهذا السبب ، ويأخذون الرشوة . والرابع : أنهم كانوا يقررون عند عوامهم أن الدين الحق هو الذي هم عليه . فإذا قرروا ذلك قالوا وتقوية الدين الحق واجب . ثم قالوا : ولا طريق إلى تقويته إلا إذا كان أولئك الفقهاء أقواما عظماء أصحاب الأموال الكثيرة والجمع العظيم ، فبهذا الطريق يحملون العوام على أن يبذلوا في خدمتهم نفوسهم وأموالهم ، فهذا هو الباطل الذي كانوا به يأكلون أموال الناس ، وهي بأسرها حاضرة في زماننا / وهو الطريق لأكثر الجهال والمزورين إلى أخذ أموال العوام والحمقى من الخلق . ثم قال : { ويصدون عن سبيل الله } لأنهم كانوا يقتلون على متابعتهم ويمنعون عن متابعة الأخيار من الخلق والعلماء في الزمان ، وفي زمان محمد عليه الصلاة والسلام كانوا يبالغون في المنع عن متابعته بجميع وجوه المكر والخداع . قال المصنف رضي الله عنه : غاية مطلوب الخلق في الدنيا المال والجاه ، فبين تعالى في صفة الأحبار والرهبان كونهم مشغوفين بهذين الأمرين ، فالمال هو المراد بقوله : { ليأكلون أموال الناس بالباطل } وأما الجاه فهو المراد بقوله : { ويصدون عن سبيل الله } فإنهم لو أقروا بأن محمدا على الحق لزمهم / متابعته ، وحينئذ فكان يبطل حكمهم وتزول حرمتهم فلأجل الخوف من هذا المحذور كانوا يبالغون في المنع من متابعة محمد صلى الله عليه وسلم ، ويبالغون في إلقاء الشبهات وفي استخراج وجوه المكر والخديعة ، وفي منع الخلق من قبول دينه الحق والإتباع لمنهجه الصحيح . ثم قال : { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في قوله : { والذين } احتمالات ثلاثة : لأنه يحتمل أن يكون المراد بقوله : { الذين } أولئك الأحبار والرهبان ، ويحتمل أن يكون المراد كلاما مبتدأ على ما قال بعضهم المراد منه مانعو الزكاة من المسلمين ، ويحتمل أن يكون المراد منه كل من كنز المال ولم يخرج منه الحقوق الواجبة سواء كان من الأحبار والرهبان أو كان من المسلمين ، فلا شك أن اللفظ محتمل لكل واحد من هذه الوجوه الثلاثة ، وروي عن زيد بن وهب قال : مررت بأبي ذر فقلت يا أبا ذر ما أنزلك هذه البلاد ؟ فقال : كنت بالشام فقرأت { والذين يكنزون الذهب والفضة } فقال معاوية : هذه الآية نزلت في أهل الكتاب فقلت : إنها فيهم وفينا ، فصار ذلك سببا للوحشة بيني وبينه ، فكتب إلى عثمان أن أقبل إلي ، فلما قدمت المدينة انحرف الناس عني ، كأنهم لم يروني من قبل ، فشكوت ذلك إلى عثمان فقال لي تنح قريبا إني والله لن أدع ما كنت أقول . وعن الأحنف ، قال : لما قدمت المدينة رأيت أبا ذر يقول : بشر الكافرين برضف يحمى عليه في نار جهنم فتوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى تخرج من نغض كتفه حتى يرفض بدنه ، وتوضع على نغض كتفه حتى تخرج من حلمة ثديه ، فلما سمع القوم ذلك تركوه فاتبعته وقلت : ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم : فقال ما عسى أن يصنع في قريش .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

البحث الثالث : أنه قال : { ليأكلون أموال الناس بالباطل } وقد اختلفوا في تفسير هذا الباطل على وجوه : الأول : أنهم كانوا يأخذون الرشا في تخفيف الأحكام والمسامحة في الشرائع . والثاني : أنهم كانوا يدعون عند الحشرات والعوام منهم ، أنه لا سبيل لأحد إلى الفوز بمرضاة الله تعالى إلا بخدمتهم وطاعتهم ، وبذل الأموال في طلب مرضاتهم والعوام كانوا يغترون بتلك الأكاذيب . الثالث : التوراة كانت مشتملة على آيات دالة على مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، فأولئك الأحبار والرهبان ، كانوا يذكرون في تأويلها وجوها فاسدة ، ويحملونها على محامل باطلة ، وكانوا يطيبون قلوب عوامهم بهذا السبب ، ويأخذون الرشوة . والرابع : أنهم كانوا يقررون عند عوامهم أن الدين الحق هو الذي هم عليه . فإذا قرروا ذلك قالوا وتقوية الدين الحق واجب . ثم قالوا : ولا طريق إلى تقويته إلا إذا كان أولئك الفقهاء أقواما عظماء أصحاب الأموال الكثيرة والجمع العظيم ، فبهذا الطريق يحملون العوام على أن يبذلوا في خدمتهم نفوسهم وأموالهم ، فهذا هو الباطل الذي كانوا به يأكلون أموال الناس ، وهي بأسرها حاضرة في زماننا / وهو الطريق لأكثر الجهال والمزورين إلى أخذ أموال العوام والحمقى من الخلق . ثم قال : { ويصدون عن سبيل الله } لأنهم كانوا يقتلون على متابعتهم ويمنعون عن متابعة الأخيار من الخلق والعلماء في الزمان ، وفي زمان محمد عليه الصلاة والسلام كانوا يبالغون في المنع عن متابعته بجميع وجوه المكر والخداع . قال المصنف رضي الله عنه : غاية مطلوب الخلق في الدنيا المال والجاه ، فبين تعالى في صفة الأحبار والرهبان كونهم مشغوفين بهذين الأمرين ، فالمال هو المراد بقوله : { ليأكلون أموال الناس بالباطل } وأما الجاه فهو المراد بقوله : { ويصدون عن سبيل الله } فإنهم لو أقروا بأن محمدا على الحق لزمهم / متابعته ، وحينئذ فكان يبطل حكمهم وتزول حرمتهم فلأجل الخوف من هذا المحذور كانوا يبالغون في المنع من متابعة محمد صلى الله عليه وسلم ، ويبالغون في إلقاء الشبهات وفي استخراج وجوه المكر والخديعة ، وفي منع الخلق من قبول دينه الحق والإتباع لمنهجه الصحيح . ثم قال : { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في قوله : { والذين } احتمالات ثلاثة : لأنه يحتمل أن يكون المراد بقوله : { الذين } أولئك الأحبار والرهبان ، ويحتمل أن يكون المراد كلاما مبتدأ على ما قال بعضهم المراد منه مانعو الزكاة من المسلمين ، ويحتمل أن يكون المراد منه كل من كنز المال ولم يخرج منه الحقوق الواجبة سواء كان من الأحبار والرهبان أو كان من المسلمين ، فلا شك أن اللفظ محتمل لكل واحد من هذه الوجوه الثلاثة ، وروي عن زيد بن وهب قال : مررت بأبي ذر فقلت يا أبا ذر ما أنزلك هذه البلاد ؟ فقال : كنت بالشام فقرأت { والذين يكنزون الذهب والفضة } فقال معاوية : هذه الآية نزلت في أهل الكتاب فقلت : إنها فيهم وفينا ، فصار ذلك سببا للوحشة بيني وبينه ، فكتب إلى عثمان أن أقبل إلي ، فلما قدمت المدينة انحرف الناس عني ، كأنهم لم يروني من قبل ، فشكوت ذلك إلى عثمان فقال لي تنح قريبا إني والله لن أدع ما كنت أقول . وعن الأحنف ، قال : لما قدمت المدينة رأيت أبا ذر يقول : بشر الكافرين برضف يحمى عليه في نار جهنم فتوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى تخرج من نغض كتفه حتى يرفض بدنه ، وتوضع على نغض كتفه حتى تخرج من حلمة ثديه ، فلما سمع القوم ذلك تركوه فاتبعته وقلت : ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم : فقال ما عسى أن يصنع في قريش .

Section V16/P034–V16/P035Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V16/P034–V16/P035)
Orijinal Metin (AR)

قال مولانا رضي الله عنه : إن كان المراد تخصيص هذا الوعيد بمن سبق ذكرهم وهم أهل الكتاب ، كان التقدير أنه تعالى وصفهم بالحرص الشديد على أخذ أموال الناس بقوله : { ليأكلون أموال الناس بالباطل } ووصفهم أيضا بالبخل الشديد والامتناع عن إخراج الواجبات عن أموال أنفسهم بقوله : { والذين يكنزون الذهب والفضة } وإن كان المراد مانعي الزكاة من المؤمنين ، كان التقدير أنه تعالى وصف قبح طريقتهم في الحرص على أخذ أموال الناس بالباطل ، ثم ندب المسلمين إلى إخراج الحقوق الواجبة من أموالهم ، وبين ما في تركه من الوعيد الشديد ، وإن كان المراد الكل ، كان التقدير أنه تعالى وصفهم بالحرص على أخذ أموال الناس بالباطل ، ثم أردفه بوعيد كل من امتنع عن إخراج الحقوق الواجبة من ماله . تنبيها على أنه لما كان حال من أمسك مال نفسه بالباطل كذلك / فما ظنك بحال من سعى في أخذ مال غيره بالباطل والتزوير والمكر . المسألة الثانية : أصل الكنز في كلام العرب هو الجمع ، وكل شيء جمع بعضه إلى بعض فهو مكنوز / يقال : هذا جسم مكتنز الأجزاء إذا كان مجتمع الأجزاء ، واختلف علماء الصحابة في المراد بهذا الكنز المذموم فقال الأكثرون : هو المال الذي لم تؤد زكاته ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما أديت زكاته فليس بكنز . وقال ابن عمر : كل ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين ، وكل ما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض ، وقال جابر : إذا أخرجت الصدقة من تلك فقد أذهبت عنه شره وليس بكنز . وقال ابن عباس : في قوله : { ولا ينفقونها في سبيل الله } يريد الذين لا يؤدون زكاة أموالهم . قال القاضي : تخصيص هذا المعنى بمنع الزكاة لا سبيل إليه ، بل الواجب أن يقال : الكنز هو المال الذي ما أخرج عنه ما وجب إخراجه عنه ، ولا فرق بين الزكاة وبين ما يجب من الكفارات ، وبين ما يلزم من نفقة الحج أو الجمعة ، وبين ما يجب إخراجه في الدين والحقوق والإنفاق على الأهل أو العيال وضمان المتلفات وأروش الجنايات فيجب في كل هذه الأقسام أن يكون داخلا في الوعيد .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

قال مولانا رضي الله عنه : إن كان المراد تخصيص هذا الوعيد بمن سبق ذكرهم وهم أهل الكتاب ، كان التقدير أنه تعالى وصفهم بالحرص الشديد على أخذ أموال الناس بقوله : { ليأكلون أموال الناس بالباطل } ووصفهم أيضا بالبخل الشديد والامتناع عن إخراج الواجبات عن أموال أنفسهم بقوله : { والذين يكنزون الذهب والفضة } وإن كان المراد مانعي الزكاة من المؤمنين ، كان التقدير أنه تعالى وصف قبح طريقتهم في الحرص على أخذ أموال الناس بالباطل ، ثم ندب المسلمين إلى إخراج الحقوق الواجبة من أموالهم ، وبين ما في تركه من الوعيد الشديد ، وإن كان المراد الكل ، كان التقدير أنه تعالى وصفهم بالحرص على أخذ أموال الناس بالباطل ، ثم أردفه بوعيد كل من امتنع عن إخراج الحقوق الواجبة من ماله . تنبيها على أنه لما كان حال من أمسك مال نفسه بالباطل كذلك / فما ظنك بحال من سعى في أخذ مال غيره بالباطل والتزوير والمكر . المسألة الثانية : أصل الكنز في كلام العرب هو الجمع ، وكل شيء جمع بعضه إلى بعض فهو مكنوز / يقال : هذا جسم مكتنز الأجزاء إذا كان مجتمع الأجزاء ، واختلف علماء الصحابة في المراد بهذا الكنز المذموم فقال الأكثرون : هو المال الذي لم تؤد زكاته ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما أديت زكاته فليس بكنز . وقال ابن عمر : كل ما أديت زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين ، وكل ما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض ، وقال جابر : إذا أخرجت الصدقة من تلك فقد أذهبت عنه شره وليس بكنز . وقال ابن عباس : في قوله : { ولا ينفقونها في سبيل الله } يريد الذين لا يؤدون زكاة أموالهم . قال القاضي : تخصيص هذا المعنى بمنع الزكاة لا سبيل إليه ، بل الواجب أن يقال : الكنز هو المال الذي ما أخرج عنه ما وجب إخراجه عنه ، ولا فرق بين الزكاة وبين ما يجب من الكفارات ، وبين ما يلزم من نفقة الحج أو الجمعة ، وبين ما يجب إخراجه في الدين والحقوق والإنفاق على الأهل أو العيال وضمان المتلفات وأروش الجنايات فيجب في كل هذه الأقسام أن يكون داخلا في الوعيد .

Section V16/P035–V16/P036Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V16/P035–V16/P036)
Orijinal Metin (AR)

والقول الثاني : أن المال الكثير إذا جمع فهو الكنز المذموم ، سواء أديت زكاته أو لم تؤد . واحتج الذاهبون إلى القول الأول على صحة قولهم بأمور : الأول : عموم قوله تعالى : { لها ما كسبت } فإن ذلك يدل على أن كل ما اكتسبه الإنسان فهو حقه . وكذا قوله تعالى : { ولا يسئلكم أموالكم } ( محمد : 36 ) وقوله عليه الصلاة والسلام : ( نعم المال الصالح للرجل الصالح ) وقوله عليه السلام : ( كل امرىء أحق بكسبه ) وقوله عليه السلام : ( ما أدى زكاته فليس بكنز وإن كان باطنا ، وما بلغ أن يزكى ولم يزك فهو كنز ) وإن كان ظاهرا . الثاني : أنه كان في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام جماعة كعثمان وعبد الرحمن بن عوف ، وكان عليه السلام يعدهم من أكابر المؤمنين . الثالث : أنه عليه السلام ندب إلى إخراج الثلث أو أقل في المرض ، ولو كان جمع المال محرما لكان عليه السلام أقر المريض بالتصدق بكله ، بل كان يأمر الصحيح في حال صحته بذلك . واحتج الذاهبون إلى القول الثاني بوجوه : الأول : عموم هذه الآية ، ولا شك أن ظاهرها دليل على المنع من جمع المال ، فالمصير إلى أن الجمع مباح بعد إخراج الزكاة ترك لظاهر هذه الآية ، فلا يصار إليه إلا بدليل منفصل . والثاني : ما روى سالم بن الجعد أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تبا للذهب تبا للفضة ، قالها ثلاثا ، فقالوا له أي مال نتخذ ؟ قال : لسانا ذاكرا ، وقلبا خاشعا ، وزوجة تعين أحدكم على دينه . وقال عليه السلام : ( من برك صفراء أو بيضاء كوى بها ، وتوفى رجل فوجد في مئزره دينار . فقال / عليه السلام : ( كية ) وتوفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال عليه الصلاة والسلام : ( كيتان ) والثالث : ما روي عن الصحابة في هذا الباب فقال علي : كل مال زاد على أربعة آلاف فهو كنز أديت منه الزكاة أو لم تؤد ، وعن أبي هريرة كل صفراء أو بيضاء أوكى عليها صاحبها فهي كنز . وعن أبي الدرداء أنه كان إذا رأى أن العسير تقدم بالمال صعد على موضع مرتفع ويقول جاءت القطار تحمل النار وبشر الكنازين بكى في الجباه والجنوب والظهور والبطون . والرابع : أنه تعالى إنما خلق الأموال ليتوسل بها إلى دفع الحاجات ، فإذا حصل للإنسان قدر ما يدفع به حاجته ثم جمع الأموال الزائدة عليه فهو لا ينتفع بها لكونها زائدة على قدر حاجته ومنعها من الغير الذي يمكنه أن يدفع حاجته بها ، فكان هذا الإنسان بهذا المنع مانعا من ظهور حكمته ومانعا من وصول إحسان الله إلى عبيده . واعلم أن الطريق الحق أن يقال الأولى أن لا يجمع الرجل الطالب للدين المال الكثير ، إلا أنه لم يمنع عنه في ظاهر الشرع ، فالأول محمول على التقوى والثاني على ظاهر الفتوى / أما بيان أن الأولى الاحتراز عن طلب المال الكثير فبوجوه :

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

والقول الثاني : أن المال الكثير إذا جمع فهو الكنز المذموم ، سواء أديت زكاته أو لم تؤد . واحتج الذاهبون إلى القول الأول على صحة قولهم بأمور : الأول : عموم قوله تعالى : { لها ما كسبت } فإن ذلك يدل على أن كل ما اكتسبه الإنسان فهو حقه . وكذا قوله تعالى : { ولا يسئلكم أموالكم } ( محمد : 36 ) وقوله عليه الصلاة والسلام : ( نعم المال الصالح للرجل الصالح ) وقوله عليه السلام : ( كل امرىء أحق بكسبه ) وقوله عليه السلام : ( ما أدى زكاته فليس بكنز وإن كان باطنا ، وما بلغ أن يزكى ولم يزك فهو كنز ) وإن كان ظاهرا . الثاني : أنه كان في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام جماعة كعثمان وعبد الرحمن بن عوف ، وكان عليه السلام يعدهم من أكابر المؤمنين . الثالث : أنه عليه السلام ندب إلى إخراج الثلث أو أقل في المرض ، ولو كان جمع المال محرما لكان عليه السلام أقر المريض بالتصدق بكله ، بل كان يأمر الصحيح في حال صحته بذلك . واحتج الذاهبون إلى القول الثاني بوجوه : الأول : عموم هذه الآية ، ولا شك أن ظاهرها دليل على المنع من جمع المال ، فالمصير إلى أن الجمع مباح بعد إخراج الزكاة ترك لظاهر هذه الآية ، فلا يصار إليه إلا بدليل منفصل . والثاني : ما روى سالم بن الجعد أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تبا للذهب تبا للفضة ، قالها ثلاثا ، فقالوا له أي مال نتخذ ؟ قال : لسانا ذاكرا ، وقلبا خاشعا ، وزوجة تعين أحدكم على دينه . وقال عليه السلام : ( من برك صفراء أو بيضاء كوى بها ، وتوفى رجل فوجد في مئزره دينار . فقال / عليه السلام : ( كية ) وتوفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال عليه الصلاة والسلام : ( كيتان ) والثالث : ما روي عن الصحابة في هذا الباب فقال علي : كل مال زاد على أربعة آلاف فهو كنز أديت منه الزكاة أو لم تؤد ، وعن أبي هريرة كل صفراء أو بيضاء أوكى عليها صاحبها فهي كنز . وعن أبي الدرداء أنه كان إذا رأى أن العسير تقدم بالمال صعد على موضع مرتفع ويقول جاءت القطار تحمل النار وبشر الكنازين بكى في الجباه والجنوب والظهور والبطون . والرابع : أنه تعالى إنما خلق الأموال ليتوسل بها إلى دفع الحاجات ، فإذا حصل للإنسان قدر ما يدفع به حاجته ثم جمع الأموال الزائدة عليه فهو لا ينتفع بها لكونها زائدة على قدر حاجته ومنعها من الغير الذي يمكنه أن يدفع حاجته بها ، فكان هذا الإنسان بهذا المنع مانعا من ظهور حكمته ومانعا من وصول إحسان الله إلى عبيده . واعلم أن الطريق الحق أن يقال الأولى أن لا يجمع الرجل الطالب للدين المال الكثير ، إلا أنه لم يمنع عنه في ظاهر الشرع ، فالأول محمول على التقوى والثاني على ظاهر الفتوى / أما بيان أن الأولى الاحتراز عن طلب المال الكثير فبوجوه :

Section V16/P036–V16/P037Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V16/P036–V16/P037)
Orijinal Metin (AR)

الوجه الأول : أن الإنسان إذا أحب شيئا فكلما كان وصوله إليه أكثر والتذاذه بوجدانه أكثر ، كان حبه له أشد وميله أقوى . فالإنسان إذا كان فقيرا فكأنه لم يذق لذة الانتفاع بالمال وكأنه غافل عن تلك اللذة ، فإذا ملك القليل من المال وجد بقدره اللذة ، فصار ميله أشد ، فكلما صارت أمواله أزيد ، كان التذاذه به أكثر وكان حرصه في طلبه وميله إلى تحصيله أشد ، فثبت أن تكثير المال سبب لتكثير الحرص في الطلب ، فالحرص متعب للروح والنفس والقلب وضرره شديد ، فوجب على العاقل أن يحترز عن الإضرار بالنفس . وأيضا قد بينا أنه كلما كان المال أكثر كان الحرص أشد ، فلو قدرنا أنه كان ينتهي طلب المال إلى حد ينقطع عنده الطلب ويزول الحرص ، لقد كان الأنسان يسعى في الوصول إلى ذلك الحد . أما لما ثبت بالدليل أنه كلما كان تملك الأموال أكثر كان الضرر الناشىء من الحرص أكبر ، وأنه لا نهاية لهذا الضرر ولهذا الطلب ، فوجب على الإنسان أن يتركه في أول الأمر كما قال : رأى الأمر يفضي إلى آخر فيصير آخره أولا والوجه الثاني : أن كسب المال شاق شديد ، وحفظه بعد حصوله أشد وأشق وأصعب ، فيبقى الإنسان طول عمره تارة في طلب التحصيل ، وأخرى في تعب الحفظ ، ثم إنه لا ينتفع بها إلا بالقليل وبالآخر يتركها مع الحسرات والزفرات ، وذلك هو الخسران المبين . والوجه الثالث : أن كثرة المال والجاه ثورت الطغيان ، كما قال تعالى : { إن الإنسان ليطغى أن رءاه استغنى } ( العلق : 6 ، 7 ) والطغيان يمنع من وصول العبد إلى مقام رضوان الرحمن ، ويوقعه في الخسران والخذلان . الوجه الرابع : أنه تعالى أوجب الزكاة وذلك سعي في تنقيص المال ، ولو كان تكثيره فضيلة لما سعى الشرع في تنقيصه . فإن قيل : لم قال عليه السلام : ( اليد العليا خير من اليد السفلى ) . قلنا : اليد العليا إنما أفادته صفة الخيرية ، لأنه أعطى ذلك القليل ، فبسبب أنه حصل في ماله ذلك النقصان القليلة حصلت له الخيرية ، وبسبب أنه حصل للفقير تلك الزيادة القليل حصلت المرجوحية . المسألة الثالثة : جاءت الأخبار الكثيرة في وعيد مانعي الزكاة ، أما منع زكاة النقود فقوله في هذه الآية : { يوم يحمى عليها فى نار جهنم } وأما منع زكاة المواشي فما روي في الحديث أنه تعالى يعذب أصحاب المواشي إذا لم يؤدوا زكاتها بأن يسوق إليه تلك المواشي كأعظم ما تكون في أجسامها فتمر على أربابها فتطؤهم بأظلافها وتنطحهم بقرونها كلما نفدت أخراها عادت إليهم أولاها فلا يزال كذلك حتى يفرغ الناس من الحساب . المسألة الرابعة : الصحيح عندنا وجوب الزكاة في الحلي ، والدليل عليه قوله تعالى : { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } . فإن قيل : هذا الوعيد إنما يتناول الرجال لا النساء .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

الوجه الأول : أن الإنسان إذا أحب شيئا فكلما كان وصوله إليه أكثر والتذاذه بوجدانه أكثر ، كان حبه له أشد وميله أقوى . فالإنسان إذا كان فقيرا فكأنه لم يذق لذة الانتفاع بالمال وكأنه غافل عن تلك اللذة ، فإذا ملك القليل من المال وجد بقدره اللذة ، فصار ميله أشد ، فكلما صارت أمواله أزيد ، كان التذاذه به أكثر وكان حرصه في طلبه وميله إلى تحصيله أشد ، فثبت أن تكثير المال سبب لتكثير الحرص في الطلب ، فالحرص متعب للروح والنفس والقلب وضرره شديد ، فوجب على العاقل أن يحترز عن الإضرار بالنفس . وأيضا قد بينا أنه كلما كان المال أكثر كان الحرص أشد ، فلو قدرنا أنه كان ينتهي طلب المال إلى حد ينقطع عنده الطلب ويزول الحرص ، لقد كان الأنسان يسعى في الوصول إلى ذلك الحد . أما لما ثبت بالدليل أنه كلما كان تملك الأموال أكثر كان الضرر الناشىء من الحرص أكبر ، وأنه لا نهاية لهذا الضرر ولهذا الطلب ، فوجب على الإنسان أن يتركه في أول الأمر كما قال : رأى الأمر يفضي إلى آخر فيصير آخره أولا والوجه الثاني : أن كسب المال شاق شديد ، وحفظه بعد حصوله أشد وأشق وأصعب ، فيبقى الإنسان طول عمره تارة في طلب التحصيل ، وأخرى في تعب الحفظ ، ثم إنه لا ينتفع بها إلا بالقليل وبالآخر يتركها مع الحسرات والزفرات ، وذلك هو الخسران المبين . والوجه الثالث : أن كثرة المال والجاه ثورت الطغيان ، كما قال تعالى : { إن الإنسان ليطغى أن رءاه استغنى } ( العلق : 6 ، 7 ) والطغيان يمنع من وصول العبد إلى مقام رضوان الرحمن ، ويوقعه في الخسران والخذلان . الوجه الرابع : أنه تعالى أوجب الزكاة وذلك سعي في تنقيص المال ، ولو كان تكثيره فضيلة لما سعى الشرع في تنقيصه . فإن قيل : لم قال عليه السلام : ( اليد العليا خير من اليد السفلى ) . قلنا : اليد العليا إنما أفادته صفة الخيرية ، لأنه أعطى ذلك القليل ، فبسبب أنه حصل في ماله ذلك النقصان القليلة حصلت له الخيرية ، وبسبب أنه حصل للفقير تلك الزيادة القليل حصلت المرجوحية . المسألة الثالثة : جاءت الأخبار الكثيرة في وعيد مانعي الزكاة ، أما منع زكاة النقود فقوله في هذه الآية : { يوم يحمى عليها فى نار جهنم } وأما منع زكاة المواشي فما روي في الحديث أنه تعالى يعذب أصحاب المواشي إذا لم يؤدوا زكاتها بأن يسوق إليه تلك المواشي كأعظم ما تكون في أجسامها فتمر على أربابها فتطؤهم بأظلافها وتنطحهم بقرونها كلما نفدت أخراها عادت إليهم أولاها فلا يزال كذلك حتى يفرغ الناس من الحساب . المسألة الرابعة : الصحيح عندنا وجوب الزكاة في الحلي ، والدليل عليه قوله تعالى : { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } . فإن قيل : هذا الوعيد إنما يتناول الرجال لا النساء .

Section V16/P037–V16/P038Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V16/P037–V16/P038)
Orijinal Metin (AR)

قلنا : نتكلم في الرجل الذي اتخذ الحلي لنسائه ، وأيضا ترتيب هذا الوعيد على جمع الذهب والفضة حكم مرتب على وصف يناسبه ، وهو أن جمع ذلك المال يمنعه من صرفه إلى المحتاجين مع أنه لا حاجة إليه ، إذ لو احتاج إلى إنفاقه لما قدر على جمعه ، وإقدام غير المحتاج على منع المال من المحتاج يناسب أن يمنع منه ، فثبت أن هذا الوعيد مرتب على وصف يناسبه ، والحكم المذكور عقيب وصف يناسبه يجب كونه معللا به ، فثبت أن هذا الوعيد لذلك الجمع ، فأينما حصل ذلك الوصف وجب أن يحصل معه ذلك الوعيد ، وأيضا أن العمومات الواردة في إيجاب الزكاة موجودة في الحلي المباح قال عليه السلام : ( هاتوا ربع عشر أموالكم ) وقال : ( في الرقة ربع العشر ) وقال : ( يا علي عليك زكاة ، فإذا ملكت عشرين مثقالا ، فأخرج نصف مثقال ) وقال : ( ليس في المال حق سوى الزكاة وقال لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ) فهذه الآية مع جميع هذه الأخبار توجب الزكاة في الحلي المباح ، ثم نقول ولم يوجد لهذا الدليل معارض من الكتاب ، وهو ظاهر لأنه ليس في القرآن ما يدل على أنه زكاة في الحلي المباح ، ولم يوجد في الأخبار أيضا معارض إلا أن / أصحابنا نقلوا فيه خبرا ، وهو قوله عليه السلام : ( لا زكاة في الحلي المباح ) إلا أن أبا عيسى الترمذي قال : لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلي خبر صحيح ، وأيضا بتقدير أن يصح هذا الخبر فنحمله على اللآلىء لأنه قال : لا زكاة في الحلي ، ولفظ الحلي مفرد محلى بالألف واللام ، وقد دللنا على أنه لو كان هناك معهود سابق ، وجب انصرافه إليه والمعهود في القرآن في لفظ الحلي اللآلىء . قال تعالى : { وتستخرجوا منه حلية تلبسونها } ( النحل : 14 ) وإذا كان كذلك انصرف لفظ الحلي إلى اللآلىء ، فسقطت دلالته ، وأيضا الاحتياط في القول بوجوب الزكاة ، وأيضا لا يمكن معارضة هذا النص بالقياس ، لأن النص خير من القياس . فثبت أن الحق ما ذكرناه . المسألة الخامسة : أنه تعالى ذكر شيئين وهما الذهب والفضة . ثم قال : { ولا ينفقونها } وفيه وجهان : الأول : أن الضمير عائد إلى المعنى من وجوه : أحدها : أن كل واحد منهما جملة وآنية دنانير ودراهم ، فهو كقوله تعالى : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } ( الحجرات : 9 ) وثانيها : أن يكون التقدير ، ولا ينفقون الكنوز . وثالثها : قال الزجاج : التقدير : ولا ينفقون تلك الأموال . الوجه الثاني : أن يكون الضمير عائدا إلى اللفظ وفيه وجوه : أحدها : أن يكون التقدير ولا ينفقون الفضة ، وحذف الذهب لأنه داخل في الفضة من حيث إنهما معا يشتركان في ثمنية الأشياء ، وفي كونهما جوهرين شريفين ، وفي كونهما مقصودين بالكنز ، فلما كانا متشاركين في أكثر الصفات كان ذكر أحدهما مغنيا عن ذكر الآخر . وثانيها : أن ذكر أحدهما قد يغني عن الآخر كقوله تعالى : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } ( الجمعة : 11 ) جعل الضمير للتجارة . وقال : { ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا } ( النساء : 112 ) فجعل الضمير للإثم . وثالثها : أن يكون التقدير : ولا ينفقونها والذهب كذلك كما أن معنى قوله : وإني وقيار بها لغريب أي وقيا كذلك . فإن قيل : ما السبب في أن خصا بالذكر من بين سائر الأموال ؟ قلنا : لأنهما الأصل المعتبر في الأموال وهما اللذان يقصدان بالكنز .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

قلنا : نتكلم في الرجل الذي اتخذ الحلي لنسائه ، وأيضا ترتيب هذا الوعيد على جمع الذهب والفضة حكم مرتب على وصف يناسبه ، وهو أن جمع ذلك المال يمنعه من صرفه إلى المحتاجين مع أنه لا حاجة إليه ، إذ لو احتاج إلى إنفاقه لما قدر على جمعه ، وإقدام غير المحتاج على منع المال من المحتاج يناسب أن يمنع منه ، فثبت أن هذا الوعيد مرتب على وصف يناسبه ، والحكم المذكور عقيب وصف يناسبه يجب كونه معللا به ، فثبت أن هذا الوعيد لذلك الجمع ، فأينما حصل ذلك الوصف وجب أن يحصل معه ذلك الوعيد ، وأيضا أن العمومات الواردة في إيجاب الزكاة موجودة في الحلي المباح قال عليه السلام : ( هاتوا ربع عشر أموالكم ) وقال : ( في الرقة ربع العشر ) وقال : ( يا علي عليك زكاة ، فإذا ملكت عشرين مثقالا ، فأخرج نصف مثقال ) وقال : ( ليس في المال حق سوى الزكاة وقال لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ) فهذه الآية مع جميع هذه الأخبار توجب الزكاة في الحلي المباح ، ثم نقول ولم يوجد لهذا الدليل معارض من الكتاب ، وهو ظاهر لأنه ليس في القرآن ما يدل على أنه زكاة في الحلي المباح ، ولم يوجد في الأخبار أيضا معارض إلا أن / أصحابنا نقلوا فيه خبرا ، وهو قوله عليه السلام : ( لا زكاة في الحلي المباح ) إلا أن أبا عيسى الترمذي قال : لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلي خبر صحيح ، وأيضا بتقدير أن يصح هذا الخبر فنحمله على اللآلىء لأنه قال : لا زكاة في الحلي ، ولفظ الحلي مفرد محلى بالألف واللام ، وقد دللنا على أنه لو كان هناك معهود سابق ، وجب انصرافه إليه والمعهود في القرآن في لفظ الحلي اللآلىء . قال تعالى : { وتستخرجوا منه حلية تلبسونها } ( النحل : 14 ) وإذا كان كذلك انصرف لفظ الحلي إلى اللآلىء ، فسقطت دلالته ، وأيضا الاحتياط في القول بوجوب الزكاة ، وأيضا لا يمكن معارضة هذا النص بالقياس ، لأن النص خير من القياس . فثبت أن الحق ما ذكرناه . المسألة الخامسة : أنه تعالى ذكر شيئين وهما الذهب والفضة . ثم قال : { ولا ينفقونها } وفيه وجهان : الأول : أن الضمير عائد إلى المعنى من وجوه : أحدها : أن كل واحد منهما جملة وآنية دنانير ودراهم ، فهو كقوله تعالى : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } ( الحجرات : 9 ) وثانيها : أن يكون التقدير ، ولا ينفقون الكنوز . وثالثها : قال الزجاج : التقدير : ولا ينفقون تلك الأموال . الوجه الثاني : أن يكون الضمير عائدا إلى اللفظ وفيه وجوه : أحدها : أن يكون التقدير ولا ينفقون الفضة ، وحذف الذهب لأنه داخل في الفضة من حيث إنهما معا يشتركان في ثمنية الأشياء ، وفي كونهما جوهرين شريفين ، وفي كونهما مقصودين بالكنز ، فلما كانا متشاركين في أكثر الصفات كان ذكر أحدهما مغنيا عن ذكر الآخر . وثانيها : أن ذكر أحدهما قد يغني عن الآخر كقوله تعالى : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } ( الجمعة : 11 ) جعل الضمير للتجارة . وقال : { ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا } ( النساء : 112 ) فجعل الضمير للإثم . وثالثها : أن يكون التقدير : ولا ينفقونها والذهب كذلك كما أن معنى قوله : وإني وقيار بها لغريب أي وقيا كذلك . فإن قيل : ما السبب في أن خصا بالذكر من بين سائر الأموال ؟ قلنا : لأنهما الأصل المعتبر في الأموال وهما اللذان يقصدان بالكنز .

Section V16/P038–V16/P039Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V16/P038–V16/P039)
Orijinal Metin (AR)

واعلم أنه تعالى لما ذكر الذين يكنزون الذهب والفضة . قال : { فبشرهم بعذاب أليم } أي فأخبرهم على سبيل التهكم لأن الذين يكنزون الذهب والفضة إنما يكنزونهما ليتوسلوا بهما إلى تحصيل الفرج يوم الحاجة . فقيل هذا هو الفرج كما يقال تحيتهم ليس إلا الضرب وإكرامهم ليس / إلا الشتم ، وأيضا فالبشارة عن الخير الذي يؤثر في القلب ، فيتغير بسببه لون بشرة الوجه ، وهذا يتناول ما إذا تغيرت البشرة بسبب الفرح أو بسبب الغم . ثم قال تعالى : { يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم } هذا ما كنزتم لأنفسكم ، وفي قراءة أبي { وبطونهم } وفيه سؤالات : السؤال الأول : لا يقال أحميت على الحديد ، بل يقال : أحميت الحديد فما الفائدة في قوله : { أليم يوم يحمى عليها } . والجواب : ليس المراد أن تلك الأموال تحمى على النار ، بل المراد أن النار تحمى على تلك الأموال التي هي الذهب والفضة ، أي يوقد عليها نار ذات حمى وحر شديد ، وهو مأخوذ من قوله : { نار حامية } ولو قيل يوم تحمى لم يفد هذه الفائدة . فإن قالوا : لما كان المراد يوم تحمى النار عليها ، فلم ذكر الفعل ؟ فلنا : لأن النار تأنيثها لفظي ، والفعل غير مسند في الظاهر إليه ، بل إلى قوله : { عليها } فلا جرم حسن التذكير والتأنيث وعن ابن عامر أنه قرأ { تحمى } بالتاء . السؤال الثاني : ما الناصب لقوله : { لاي يوم } . الجواب : التقدير فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها . السؤال الثالث : لم خصت هذه الأعضاء ؟ والجواب لوجوه : أحدها : أن المقصود من كسب الأموال حصول فرح في القلب يظهر أثره في الوجوه ، وحصول شبع ينتفخ بسببه الجنبان ، ولبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم ، فلما طلبوا تزين هذه الأعضاء الثلاثة ، لا جرم حصل الكي على الجباه والجنوب والظهور . وثانيها : أن هذه الأعضاء الثلاثة مجوفة ، قد حصل في داخلها آلات ضعيفة يعظم تألمها بسبب وصول أدنى أثر إليها بخلاف سائر الأعضاء . وثالثها : قال أبو بكر الوراق : خصت هذه المواضع بالذكر لأن صاحب المال إذا رأى الفقير بجنبه تباعد عنه وولى ظهره . ورابعها : أن المعنى أنهم يكوون على الجهات الأربع ، إما من مقدمه فعلى الجبهة ، وإما من خلفه فعلى الظهور ، وإما من يمينه ويساره فعلى الجنبين . وخامسها : أن ألطف أعضاء الإنسان جبينه والعضو المتوسط في اللطافة والصلابة جنبه ، والعضو الذي هو أصلب أعضاء الإنسان ظهره ، فبين تعالى أن هذه الأقسام الثلاثة من أعضائه تصير مغمورة في الكي ، والغرض منه التنبيه على أن ذلك الكي يحصل في تلك الأعضاء . وسادسها : أن كمال حال بدن الإنسان في جماله وقوته . أما الجمال فمحله الوجه ، وأعز الأعضاء في الوجه الجبهة ، فإذا وقع الكي / في الجبهة ، فقد زال الجمال بالكلية ، وأما القوة فمحلها الظهر والجنبان ، فإذا حصل الكي عليها فقد زالت القوة عن البدن ، فالحاصل : أن حصول الكي في هذه الأعضاء الثلاثة يوجب زوال الجمال وزوال القوة ، والإنسان إنما طلب المال لحصول الجمال ولحصول القوة . السؤال الرابع : الذي يجعل كيا على بدن الإنسان هو كل ذلك المال أو القدر الواجب من الزكاة . والجواب : مقتضى الآية : الكل لأنه لما يخرج منه لم يكن الحق منه جزءا معينا ، بل لا جزء إلا والحق متعلق به ، فوجب أن يعذبه الله بكل الأجزاء .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

واعلم أنه تعالى لما ذكر الذين يكنزون الذهب والفضة . قال : { فبشرهم بعذاب أليم } أي فأخبرهم على سبيل التهكم لأن الذين يكنزون الذهب والفضة إنما يكنزونهما ليتوسلوا بهما إلى تحصيل الفرج يوم الحاجة . فقيل هذا هو الفرج كما يقال تحيتهم ليس إلا الضرب وإكرامهم ليس / إلا الشتم ، وأيضا فالبشارة عن الخير الذي يؤثر في القلب ، فيتغير بسببه لون بشرة الوجه ، وهذا يتناول ما إذا تغيرت البشرة بسبب الفرح أو بسبب الغم . ثم قال تعالى : { يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم } هذا ما كنزتم لأنفسكم ، وفي قراءة أبي { وبطونهم } وفيه سؤالات : السؤال الأول : لا يقال أحميت على الحديد ، بل يقال : أحميت الحديد فما الفائدة في قوله : { أليم يوم يحمى عليها } . والجواب : ليس المراد أن تلك الأموال تحمى على النار ، بل المراد أن النار تحمى على تلك الأموال التي هي الذهب والفضة ، أي يوقد عليها نار ذات حمى وحر شديد ، وهو مأخوذ من قوله : { نار حامية } ولو قيل يوم تحمى لم يفد هذه الفائدة . فإن قالوا : لما كان المراد يوم تحمى النار عليها ، فلم ذكر الفعل ؟ فلنا : لأن النار تأنيثها لفظي ، والفعل غير مسند في الظاهر إليه ، بل إلى قوله : { عليها } فلا جرم حسن التذكير والتأنيث وعن ابن عامر أنه قرأ { تحمى } بالتاء . السؤال الثاني : ما الناصب لقوله : { لاي يوم } . الجواب : التقدير فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها . السؤال الثالث : لم خصت هذه الأعضاء ؟ والجواب لوجوه : أحدها : أن المقصود من كسب الأموال حصول فرح في القلب يظهر أثره في الوجوه ، وحصول شبع ينتفخ بسببه الجنبان ، ولبس ثياب فاخرة يطرحونها على ظهورهم ، فلما طلبوا تزين هذه الأعضاء الثلاثة ، لا جرم حصل الكي على الجباه والجنوب والظهور . وثانيها : أن هذه الأعضاء الثلاثة مجوفة ، قد حصل في داخلها آلات ضعيفة يعظم تألمها بسبب وصول أدنى أثر إليها بخلاف سائر الأعضاء . وثالثها : قال أبو بكر الوراق : خصت هذه المواضع بالذكر لأن صاحب المال إذا رأى الفقير بجنبه تباعد عنه وولى ظهره . ورابعها : أن المعنى أنهم يكوون على الجهات الأربع ، إما من مقدمه فعلى الجبهة ، وإما من خلفه فعلى الظهور ، وإما من يمينه ويساره فعلى الجنبين . وخامسها : أن ألطف أعضاء الإنسان جبينه والعضو المتوسط في اللطافة والصلابة جنبه ، والعضو الذي هو أصلب أعضاء الإنسان ظهره ، فبين تعالى أن هذه الأقسام الثلاثة من أعضائه تصير مغمورة في الكي ، والغرض منه التنبيه على أن ذلك الكي يحصل في تلك الأعضاء . وسادسها : أن كمال حال بدن الإنسان في جماله وقوته . أما الجمال فمحله الوجه ، وأعز الأعضاء في الوجه الجبهة ، فإذا وقع الكي / في الجبهة ، فقد زال الجمال بالكلية ، وأما القوة فمحلها الظهر والجنبان ، فإذا حصل الكي عليها فقد زالت القوة عن البدن ، فالحاصل : أن حصول الكي في هذه الأعضاء الثلاثة يوجب زوال الجمال وزوال القوة ، والإنسان إنما طلب المال لحصول الجمال ولحصول القوة . السؤال الرابع : الذي يجعل كيا على بدن الإنسان هو كل ذلك المال أو القدر الواجب من الزكاة . والجواب : مقتضى الآية : الكل لأنه لما يخرج منه لم يكن الحق منه جزءا معينا ، بل لا جزء إلا والحق متعلق به ، فوجب أن يعذبه الله بكل الأجزاء .

Section V16/P039–V16/P040Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V16/P039–V16/P040)
Orijinal Metin (AR)

ثم إنه تعالى قال : { هاذا ما كنزتم لانفسكم } والتقدير : فيقال لهم : هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا والغرض منه تعظيم الوعيد ، لأنهم إذا عاينوا ما يعذبون به من درهم أو من دينار أو من صفيحة معمولة منهما أو من أحدهما جوزوا فيه أن يكون عن الحق الذي منعه وجوزوا خلاف ذلك ، فعظم الله تبكيتهم بأن يقال لهم هذا ما كنزتم لأنفسكم لم تأثروا به رضا ربكم ولا قصدتم بالإنفاق منه نفع أنفسكم والخلاص به من عقاب ربكم فصرتم كأنكم ادخرتموه ليجعل عقابا لكم على ما تشاهدونه ، ثم يقول تعالى : { فذوقوا ما كنتم تكنزون } ومعناه لم تصرفوه لمنافع دينكم ودنياكم على ما أمركم الله به { فذوقوا } وبال ذلك به لا بغيره . ! 7 < { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والا رض منهآ أربعة حرم ذالك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة واعلموا أن الله مع المتقين } . > 7 ! < < التوبة : ( 36 ) إن عدة الشهور . . . . . > > اعلم أن هذا شرح النوع الثالث من قبائح أعمال اليهود والنصارى والمشركين ، وهو إقدامهم على السعي في تغييرهم أحكام الله ، وذلك لأنه تعالى لما حكم في كل وقت بحكم خاص ، فإذا غيروا تلك الأحكام بسبب النسىء فحينئذ كان ذلك سعيا منهم في تغيير حكم السنة بحسب أهوائهم وآرائهم فكان ذلك زيادة في كفرهم وحسرتهم ، وفي الآية مسائل : / المسألة الأولى : اعلم أن السنة عند العرب ؛ عبارة عن اثني عشر شهرا من الشهور القمرية ، والدليل عليه هذه الآية وأيضا قوله تعالى : { هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب } ( يونس : 5 ) فجعل تقدير القمر بالمنازل علة للسنين والحساب ، وذلك إنما يصح إذا كانت السنة معلقة بسير القمر ، وأيضا قال تعالى : { يسئلونك عن الاهلة قل هى مواقيت للناس والحج } ( البقرة : 189 ) وعند سائر الطوائف : عبارة عن المدة التي تدور الشمس فيها دورة تامة ، والسنة القمرية أقل من السنة الشمسية بمقدار معلوم ، وبسبب ذلك النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل ، فيكون الحج واقعا في الشتاء مرة ، وفي الصيف أخرى ، وكان يشق الأمر عليهم بهذا السبب ، وأيضا إذا حضروا الحج حضروا للتجارة ، فربما كان ذلك الوقت غير موافق لحضور التجارات من الأطراف ، وكان يخل أسباب تجاراتهم بهذا السبب ، فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة على ما هو معلوم في علم الزيجات ، واعتبروا السنة الشمسية ، وعند ذلك بقي زمان الحج مختصا بوقت واحد معين موافق لمصلحتهم وانتفعوا بتجاراتهم ومصالحهم ، فهذا النسىء وإن كان سببا لحصول المصالح الدنيوية ، إلا أنه لزم منه تغير حكم الله تعالى ، لأنه تعالى لما خص الحج بأشهر معلومة على التعيين ، وكان بسبب ذلك النسىء ، يقع في سائر الشهور تغير حكم الله وتكليفه . فالحاصل : أنهم لرعاية مصالحهم في الدنيا سعوا في تغيير أحكام الله وإبطال تكليفه ، فلهذا المعنى استوجبوا الذم العظيم في هذه الآية . واعلم أن السنة الشمسية لما كانت زائدة على السنة القمرية جمعوا تلك الزيادة ، فإذا بلغ مقدارها إلى شهر جعلوا تلك السنة ثلاثة عشر شهرا ، فأنكر الله تعالى ذلك عليهم وقال : إن حكم الله أن تكون السنة اثني عشر شهرا لا أقل ولا أزيد ، وتحكمهم على بعض السنين ، أنه صار ثلاثة عشر شهرا حكم واقع على خلاف حكم الله تعالى ، ويوجب تغيير تكاليف الله تعالى ، وكل ذلك على خلاف الدين .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

ثم إنه تعالى قال : { هاذا ما كنزتم لانفسكم } والتقدير : فيقال لهم : هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا والغرض منه تعظيم الوعيد ، لأنهم إذا عاينوا ما يعذبون به من درهم أو من دينار أو من صفيحة معمولة منهما أو من أحدهما جوزوا فيه أن يكون عن الحق الذي منعه وجوزوا خلاف ذلك ، فعظم الله تبكيتهم بأن يقال لهم هذا ما كنزتم لأنفسكم لم تأثروا به رضا ربكم ولا قصدتم بالإنفاق منه نفع أنفسكم والخلاص به من عقاب ربكم فصرتم كأنكم ادخرتموه ليجعل عقابا لكم على ما تشاهدونه ، ثم يقول تعالى : { فذوقوا ما كنتم تكنزون } ومعناه لم تصرفوه لمنافع دينكم ودنياكم على ما أمركم الله به { فذوقوا } وبال ذلك به لا بغيره . ! 7 < { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والا رض منهآ أربعة حرم ذالك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة واعلموا أن الله مع المتقين } . > 7 ! < < التوبة : ( 36 ) إن عدة الشهور . . . . . > > اعلم أن هذا شرح النوع الثالث من قبائح أعمال اليهود والنصارى والمشركين ، وهو إقدامهم على السعي في تغييرهم أحكام الله ، وذلك لأنه تعالى لما حكم في كل وقت بحكم خاص ، فإذا غيروا تلك الأحكام بسبب النسىء فحينئذ كان ذلك سعيا منهم في تغيير حكم السنة بحسب أهوائهم وآرائهم فكان ذلك زيادة في كفرهم وحسرتهم ، وفي الآية مسائل : / المسألة الأولى : اعلم أن السنة عند العرب ؛ عبارة عن اثني عشر شهرا من الشهور القمرية ، والدليل عليه هذه الآية وأيضا قوله تعالى : { هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب } ( يونس : 5 ) فجعل تقدير القمر بالمنازل علة للسنين والحساب ، وذلك إنما يصح إذا كانت السنة معلقة بسير القمر ، وأيضا قال تعالى : { يسئلونك عن الاهلة قل هى مواقيت للناس والحج } ( البقرة : 189 ) وعند سائر الطوائف : عبارة عن المدة التي تدور الشمس فيها دورة تامة ، والسنة القمرية أقل من السنة الشمسية بمقدار معلوم ، وبسبب ذلك النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل إلى فصل ، فيكون الحج واقعا في الشتاء مرة ، وفي الصيف أخرى ، وكان يشق الأمر عليهم بهذا السبب ، وأيضا إذا حضروا الحج حضروا للتجارة ، فربما كان ذلك الوقت غير موافق لحضور التجارات من الأطراف ، وكان يخل أسباب تجاراتهم بهذا السبب ، فلهذا السبب أقدموا على عمل الكبيسة على ما هو معلوم في علم الزيجات ، واعتبروا السنة الشمسية ، وعند ذلك بقي زمان الحج مختصا بوقت واحد معين موافق لمصلحتهم وانتفعوا بتجاراتهم ومصالحهم ، فهذا النسىء وإن كان سببا لحصول المصالح الدنيوية ، إلا أنه لزم منه تغير حكم الله تعالى ، لأنه تعالى لما خص الحج بأشهر معلومة على التعيين ، وكان بسبب ذلك النسىء ، يقع في سائر الشهور تغير حكم الله وتكليفه . فالحاصل : أنهم لرعاية مصالحهم في الدنيا سعوا في تغيير أحكام الله وإبطال تكليفه ، فلهذا المعنى استوجبوا الذم العظيم في هذه الآية . واعلم أن السنة الشمسية لما كانت زائدة على السنة القمرية جمعوا تلك الزيادة ، فإذا بلغ مقدارها إلى شهر جعلوا تلك السنة ثلاثة عشر شهرا ، فأنكر الله تعالى ذلك عليهم وقال : إن حكم الله أن تكون السنة اثني عشر شهرا لا أقل ولا أزيد ، وتحكمهم على بعض السنين ، أنه صار ثلاثة عشر شهرا حكم واقع على خلاف حكم الله تعالى ، ويوجب تغيير تكاليف الله تعالى ، وكل ذلك على خلاف الدين .

Section V16/P040–V16/P041Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V16/P040–V16/P041)
Orijinal Metin (AR)

واعلم أن مذهب العرب من الزمان الأول أن تكون السنة قمرية لا شمسية ، وهذا حكم تورثوه عن إبراهيم وإسمعيل عليهما الصلاة والسلام . فأما عند اليهود والنصارى ، فليس كذلك . ثم إن بعض العرب تعلم صفة الكبيسة من اليهود والنصارى ، فأظهر ذلك في بلاد العرب . المسألة الثانية : قال أبو علي الفارسي : لا يجوز أن يتعلق قوله في كتاب الله بقوله : { عدة } لأنه يقتضي الفصل بين الصلة والموصول بالخبر الذي هو قوله : { الله اثنا عشر شهرا } وأنه لا يجوز . وأقول في إعراب هذه الآية وجوه : الأول : أن نقول قوله : { عدة الشهور } مبتدأ وقوله : / { اثنا عشر شهرا } خبر . وقوله : { عند الله } في كتاب الله { يوم خلق السماوات والارض } ظروف أبدل البعض من البعض ، والتقدير : إن عدة الشهور اثنا عشر شهرا عند الله في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض . والفائدة في ذكر هذه الإبدالات المتوالية تقرير أن ذلك العدد واجب متقرر في علم الله ، وفي كتاب الله من أول ما خلق الله تعالى العالم . الثاني : أن يكون قوله تعالى : { فى كتاب الله } متعلقا بمحذوف يكون صفة للخبر . تقديره : اثنا عشر شهرا مثبتة في كتاب الله ، ثم لا يجوز أن يكون المراد بهذا الكتاب كتاب من الكتب ، لأنه متعلق بقوله : { يوم خلق السماوات والارض منها أربعة حرم } وأسماء الأعيان لا تتعلق بالظروف ، فلا تقول : غلامك يوم الجمعة ، بل الكتاب ههنا مصدر . والتقدير : إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله ، أي في حكمه الواقع يوم خلق السموات . والثالث : أن يكون الكتاب اسما . وقوله : { يوم خلق السماوات } متعلق بفعل محذوف . والتقدير : إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا مكتوبا في كتاب الله كتبه يوم خلق السموات والأرض . المسألة الثالثة : في تفسير أحكام الآية : { إن عدة الشهور عند الله } أي في علمه { اثنا عشر شهرا في كتاب الله } وفي تفسير كتاب الله وجوه : الأول : قال ابن عباس : إن اللوح المحفوظ الذي كتب فيه أحوال مخلوقاته بأسرها على التفصيل ، وهو الأصل للكتب التي أنزلها الله على جميع الأنبياء عليهم السلام . الثاني : قال بعضهم : المراد من الكتاب القرآن ، وقد ذكرنا آيات تدل على أن السنة المعتبرة في دين محمد صلى الله عليه وسلم هي السنة القمرية وإذا كان كذلك كان هذا الحكم مكتوبا في القرآن . الثالث : قال أبو مسلم : { فى كتاب الله } أي فيما أوجبه وحكم به ، والكتاب في هذا الموضع هو الحكم والإيجاب ، كقوله تعالى : { كتب عليكم القتال } ( البقرة : 216 ) { كتب عليكم القصاص } ( البقرة : 178 ) { كتب ربكم على نفسه الرحمة } ( الأنعام : 54 ) قال القاضي : هذا الوجه بعيد ، لأنه تعالى جعل الكتاب في هذه الآية كالظرف ، وإذا حمل الكتاب على الحساب لم يستقم ذلك إلا على طريق المجاز ، ويمكن أن يجاب عنه : بأنه وإن كان مجازا ، إلا أنه مجاز متعارف . يقال : إن الأمر كذا وكذا في حساب فلان وفي حكمه . وأما قوله : { يوم خلق السماوات والارض } فقد ذكرنا في المسألة الثانية وجوها فيما يتعلق به والأقرب ما ذكرناه في الوجه الثالث ، وهو أن يكون المراد أنه كتب هذا الحكم وحكم به يوم خلق السموات والأرض ، والمقصود بيان أن هذا الحكم حكم محكوم به من أول خلق العالم ، وذلك يدل على المبالغة والتأكيد .

Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)

واعلم أن مذهب العرب من الزمان الأول أن تكون السنة قمرية لا شمسية ، وهذا حكم تورثوه عن إبراهيم وإسمعيل عليهما الصلاة والسلام . فأما عند اليهود والنصارى ، فليس كذلك . ثم إن بعض العرب تعلم صفة الكبيسة من اليهود والنصارى ، فأظهر ذلك في بلاد العرب . المسألة الثانية : قال أبو علي الفارسي : لا يجوز أن يتعلق قوله في كتاب الله بقوله : { عدة } لأنه يقتضي الفصل بين الصلة والموصول بالخبر الذي هو قوله : { الله اثنا عشر شهرا } وأنه لا يجوز . وأقول في إعراب هذه الآية وجوه : الأول : أن نقول قوله : { عدة الشهور } مبتدأ وقوله : / { اثنا عشر شهرا } خبر . وقوله : { عند الله } في كتاب الله { يوم خلق السماوات والارض } ظروف أبدل البعض من البعض ، والتقدير : إن عدة الشهور اثنا عشر شهرا عند الله في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض . والفائدة في ذكر هذه الإبدالات المتوالية تقرير أن ذلك العدد واجب متقرر في علم الله ، وفي كتاب الله من أول ما خلق الله تعالى العالم . الثاني : أن يكون قوله تعالى : { فى كتاب الله } متعلقا بمحذوف يكون صفة للخبر . تقديره : اثنا عشر شهرا مثبتة في كتاب الله ، ثم لا يجوز أن يكون المراد بهذا الكتاب كتاب من الكتب ، لأنه متعلق بقوله : { يوم خلق السماوات والارض منها أربعة حرم } وأسماء الأعيان لا تتعلق بالظروف ، فلا تقول : غلامك يوم الجمعة ، بل الكتاب ههنا مصدر . والتقدير : إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله ، أي في حكمه الواقع يوم خلق السموات . والثالث : أن يكون الكتاب اسما . وقوله : { يوم خلق السماوات } متعلق بفعل محذوف . والتقدير : إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا مكتوبا في كتاب الله كتبه يوم خلق السموات والأرض . المسألة الثالثة : في تفسير أحكام الآية : { إن عدة الشهور عند الله } أي في علمه { اثنا عشر شهرا في كتاب الله } وفي تفسير كتاب الله وجوه : الأول : قال ابن عباس : إن اللوح المحفوظ الذي كتب فيه أحوال مخلوقاته بأسرها على التفصيل ، وهو الأصل للكتب التي أنزلها الله على جميع الأنبياء عليهم السلام . الثاني : قال بعضهم : المراد من الكتاب القرآن ، وقد ذكرنا آيات تدل على أن السنة المعتبرة في دين محمد صلى الله عليه وسلم هي السنة القمرية وإذا كان كذلك كان هذا الحكم مكتوبا في القرآن . الثالث : قال أبو مسلم : { فى كتاب الله } أي فيما أوجبه وحكم به ، والكتاب في هذا الموضع هو الحكم والإيجاب ، كقوله تعالى : { كتب عليكم القتال } ( البقرة : 216 ) { كتب عليكم القصاص } ( البقرة : 178 ) { كتب ربكم على نفسه الرحمة } ( الأنعام : 54 ) قال القاضي : هذا الوجه بعيد ، لأنه تعالى جعل الكتاب في هذه الآية كالظرف ، وإذا حمل الكتاب على الحساب لم يستقم ذلك إلا على طريق المجاز ، ويمكن أن يجاب عنه : بأنه وإن كان مجازا ، إلا أنه مجاز متعارف . يقال : إن الأمر كذا وكذا في حساب فلان وفي حكمه . وأما قوله : { يوم خلق السماوات والارض } فقد ذكرنا في المسألة الثانية وجوها فيما يتعلق به والأقرب ما ذكرناه في الوجه الثالث ، وهو أن يكون المراد أنه كتب هذا الحكم وحكم به يوم خلق السموات والأرض ، والمقصود بيان أن هذا الحكم حكم محكوم به من أول خلق العالم ، وذلك يدل على المبالغة والتأكيد .

%0
10 Section

Questions