Section V19/P144–V19/P145Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V19/P144–V19/P145)
Orijinal Metin (AR)أما قوله : { قال ياءادم إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين } فاعلم أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله : { قال ياءادم إبليس } أي قال الله تعالى له يا إبليس وهذا يقتضي أنه تعالى تكلم معه ، فعند هذا قال / بعض المتكلمين : إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس على لسان بعض رسله ، إلا أن هذا ضعيف ، لأن إبليس قال في الجواب : { لم أكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال } فقوله : { خلقته } خطاب الحضور لا خطاب الغيبة ، وظاهره يقتضي أن الله تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة وأن إبليس تكلم مع الله تعالى بغير واسطة ، وكيف يعقل هذا مع أن مكالمة الله تعالى بغير واسطة من أعظم المناصب وأشرف المراتب ، فكيف يعقل حصوله لرأس الكفرة ورئيسهم ، ولعل الجواب عنه أن مكالمة الله تعالى إنما تكون منصبا عاليا إذا كان على سبيل الإكرام والإعظام ، فأما إذا كان على سبيل الإهانة والإذلال فلا ، وقوله : { لم أكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون } فيه بحثان : البحث الأول : اللام في قوله : { لاسجد } لتأكيد النفي ، ومعناه : لا يصح مني أن أسجد لبشر . البحث الثاني : معنى هذا الكلام أن كونه بشرا يشعر بكونه جسما كثيفا وهو كان روحانيا لطيفا ، فالتفرقة حاصلة بينهما في الحال من هذا الوجه . كأنه يقول : البشر جسماني كثيف له بشرة ، وأنا روحاني لطيف ، والجسماني الكثيف أدون حالا من الروحاني اللطيف ، والأدون كيف يكون مسجودا للأعلى ، وأيضا أن آدم مخلوق من صلصال تولد من حمأ مسنون ، فهذا الأصل في غاية الدناءة وأصل إبليس هو النار وهي أشرف العناصر ، فكان أصل إبليس أشرف من أصل آدم فوجب أن يكون إبليس أشرف من آدم ، والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدون ، فالكلام الأول إشارة إلى الفرق الحاصل بسبب البشرية والروحانية ، وهو فرق حاصل في الحال والكلام الثاني إشارة إلى الفرق الحاصل بحسب العنصر والأصل ، فهذا مجموع شبهة إبليس وقوله تعالى : { قال فاخرج منها فإنك رجيم } فهذا ليس جوابا عن تلك الشبهة على سبيل التصريح ، ولكنه جواب عنها على سبيل التنبيه . وتقريره أن الذي قاله الله تعالى نص ، والذي قاله إبليس قياس ، ومن عارض النص بالقياس كان رجيما ملعونا . وتمام الكلام في هذا المعنى ذكرناه مستقصى في سورة الأعراف ، وقوله : { فاخرج منها } قيل المراد من جنة عدن ، وقيل من السموات ، وقيل من زمرة الملائكة ، وتمام هذا الكلام مع تفسير الرجيم قد سبق ذكره في سورة الأعراف وقوله : { وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين } قال ابن عباس يريد يوم الجزاء حيث يجازي العباد بأعمالهم مثل قوله : { مالك يوم الدين } ( الفاتحة : 4 ) . فإن قيل : كلمة ( إلى ) تفيد انتهاء الغاية فهذا يشعر بأن اللعن لا يحصل إلا إلى يوم القيامة ، وعند قيام القيامة يزول اللعن . أجابوا عنه من وجوه : الأول : المراد منه التأبيد ، وذكر القيامة أبعد غاية يذكرها الناس / في كلامهم كقولهم : { ما دامت السماوات والارض } ( هود : 107 ) في التأبيد . والثاني : أنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدين من غير أن يعذب فإذا جاء ذلك اليوم عذب عذابا ينسى اللعن معه فيصير اللعن حينئذ كالزائل بسبب أن شدة العذاب تذهل عنه . ! 7 < { قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال رب بمآ أغويتنى لأزينن لهم فى الا رض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط على مستقيم } > 7 <
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)أما قوله : { قال ياءادم إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين } فاعلم أنهم أجمعوا على أن المراد من قوله : { قال ياءادم إبليس } أي قال الله تعالى له يا إبليس وهذا يقتضي أنه تعالى تكلم معه ، فعند هذا قال / بعض المتكلمين : إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس على لسان بعض رسله ، إلا أن هذا ضعيف ، لأن إبليس قال في الجواب : { لم أكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال } فقوله : { خلقته } خطاب الحضور لا خطاب الغيبة ، وظاهره يقتضي أن الله تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة وأن إبليس تكلم مع الله تعالى بغير واسطة ، وكيف يعقل هذا مع أن مكالمة الله تعالى بغير واسطة من أعظم المناصب وأشرف المراتب ، فكيف يعقل حصوله لرأس الكفرة ورئيسهم ، ولعل الجواب عنه أن مكالمة الله تعالى إنما تكون منصبا عاليا إذا كان على سبيل الإكرام والإعظام ، فأما إذا كان على سبيل الإهانة والإذلال فلا ، وقوله : { لم أكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون } فيه بحثان : البحث الأول : اللام في قوله : { لاسجد } لتأكيد النفي ، ومعناه : لا يصح مني أن أسجد لبشر . البحث الثاني : معنى هذا الكلام أن كونه بشرا يشعر بكونه جسما كثيفا وهو كان روحانيا لطيفا ، فالتفرقة حاصلة بينهما في الحال من هذا الوجه . كأنه يقول : البشر جسماني كثيف له بشرة ، وأنا روحاني لطيف ، والجسماني الكثيف أدون حالا من الروحاني اللطيف ، والأدون كيف يكون مسجودا للأعلى ، وأيضا أن آدم مخلوق من صلصال تولد من حمأ مسنون ، فهذا الأصل في غاية الدناءة وأصل إبليس هو النار وهي أشرف العناصر ، فكان أصل إبليس أشرف من أصل آدم فوجب أن يكون إبليس أشرف من آدم ، والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدون ، فالكلام الأول إشارة إلى الفرق الحاصل بسبب البشرية والروحانية ، وهو فرق حاصل في الحال والكلام الثاني إشارة إلى الفرق الحاصل بحسب العنصر والأصل ، فهذا مجموع شبهة إبليس وقوله تعالى : { قال فاخرج منها فإنك رجيم } فهذا ليس جوابا عن تلك الشبهة على سبيل التصريح ، ولكنه جواب عنها على سبيل التنبيه . وتقريره أن الذي قاله الله تعالى نص ، والذي قاله إبليس قياس ، ومن عارض النص بالقياس كان رجيما ملعونا . وتمام الكلام في هذا المعنى ذكرناه مستقصى في سورة الأعراف ، وقوله : { فاخرج منها } قيل المراد من جنة عدن ، وقيل من السموات ، وقيل من زمرة الملائكة ، وتمام هذا الكلام مع تفسير الرجيم قد سبق ذكره في سورة الأعراف وقوله : { وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين } قال ابن عباس يريد يوم الجزاء حيث يجازي العباد بأعمالهم مثل قوله : { مالك يوم الدين } ( الفاتحة : 4 ) . فإن قيل : كلمة ( إلى ) تفيد انتهاء الغاية فهذا يشعر بأن اللعن لا يحصل إلا إلى يوم القيامة ، وعند قيام القيامة يزول اللعن . أجابوا عنه من وجوه : الأول : المراد منه التأبيد ، وذكر القيامة أبعد غاية يذكرها الناس / في كلامهم كقولهم : { ما دامت السماوات والارض } ( هود : 107 ) في التأبيد . والثاني : أنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدين من غير أن يعذب فإذا جاء ذلك اليوم عذب عذابا ينسى اللعن معه فيصير اللعن حينئذ كالزائل بسبب أن شدة العذاب تذهل عنه . ! 7 < { قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال رب بمآ أغويتنى لأزينن لهم فى الا رض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط على مستقيم } > 7 <
Section V19/P145–V19/P146Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V19/P145–V19/P146)
Orijinal Metin (AR)الحجر : ( 36 - 41 ) قال رب فأنظرني . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : { فأنظرنى } متعلق بما تقدم والتقدير : إذا جعلتني رجيما ملعونا إلى يوم الدين فأنظرني فطلب الإبقاء من الله تعالى عند اليأس من الآخرة إلى وقت قيام القيامة . لأن قوله : { إلى يوم يبعثون } المراد منه يوم البعث والنشور وهو يوم القايمة ، وقوله : { فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } اعلم أن إبليس استنظر إلى يوم البعث والقيامة ، وغرضه منه أن لا يموت لأنه إذا كان لا يموت قبل يوم القيامة ، وظاهره أن بعد قيام القيامة لا يموت أحد فحينئذ يلزم منه أن لا يموت ألبتة . ثم إنه تعالى منعه عن هذا المطلوب وقال : { إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } واختلفوا في المراد منه على وجوه : أحدها : أن المراد من يوم الوقت المعلوم وقت النفخة الأولى حين يموت كل الخلائق ، وإنما سمي هذا الوقت بالوقت المعلوم لأن من المعلوم أن يموت كل الخلائق فيه . وقيل : إنما سماه الله تعالى بهذا الاسم ، لأن العالم بذلك الوقت هو الله تعالى لا غير كما قال تعالى : { إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو } ( الأعراف : 187 ) وقال : { إن الله عنده علم الساعة } ( لقمان : 34 ) . وثانيها : أن المراد من يوم الوقت المعلوم هو الذي ذكره إبليس وهو قوله : { إلى يوم يبعثون } وإنما سماه تعالى بيوم الوقت المعلوم ؟ لأن إبليس لما عينه وأشار إليه بعينه صار ذلك كالمعلوم . / فإن قيل : لما أجابه الله تعالى إلى مطلوبه لزم أن لا يموت إلى وقت قيام الساعة وبعد قيام القيامة لا يموت أيضا ، فيلزم أن يندفع عنه الموت بالكلية . قلنا : يحمل قوله : { إلى يوم يبعثون } إلى ما يكون قريبا منه . والوقت الذي يموت فيه كل المكلفين قريب من يوم البعث ، وعلى هذا الوجه فيرجع حاصل هذا الكلام إلى الوجه الأول . وثالثها : أن المراد بيوم الوقت المعلوم يوم لا يعلمه إلا الله تعالى ، وليس المراد منه يوم القيامة . فإن قيل : إنه لا يجوز أن يعلم المكلف متى يموت ، لأن فيه إغراء بالمعاصي ، وذلك لا يجوز على الله تعالى . أجيب عنه بأن هذا الإلزام إنما يتوجه إذا كان وقت قيام القيامة معلوما للمكلف . فأما إذا علم أنه تعالى أمهله إلى وقت قيام القيامة إلا أنه تعالى ما أعلمه الوقت الذي تقوم القيامة فيه فلم يلزم منه الإغراء بالمعاصي . وأجيب عن هذا الجواب بأنه وإن لم يعلم الوقت الذي فيه تقوم القيامة على التعيين إلا أنه علم في الجملة أن من وقت خلقة آدم عليه الصلاة والسلام إلى وقت قيام القيامة مدة طويلة فكأنه قد علم أنه لا يموت في تلك المدة الطويلة . أما قوله تعالى : { قال رب بمآ أغويتنى لازينن لهم فى الارض ولاغوينهم أجمعين } ففيه بحثان :
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)الحجر : ( 36 - 41 ) قال رب فأنظرني . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : { فأنظرنى } متعلق بما تقدم والتقدير : إذا جعلتني رجيما ملعونا إلى يوم الدين فأنظرني فطلب الإبقاء من الله تعالى عند اليأس من الآخرة إلى وقت قيام القيامة . لأن قوله : { إلى يوم يبعثون } المراد منه يوم البعث والنشور وهو يوم القايمة ، وقوله : { فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } اعلم أن إبليس استنظر إلى يوم البعث والقيامة ، وغرضه منه أن لا يموت لأنه إذا كان لا يموت قبل يوم القيامة ، وظاهره أن بعد قيام القيامة لا يموت أحد فحينئذ يلزم منه أن لا يموت ألبتة . ثم إنه تعالى منعه عن هذا المطلوب وقال : { إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } واختلفوا في المراد منه على وجوه : أحدها : أن المراد من يوم الوقت المعلوم وقت النفخة الأولى حين يموت كل الخلائق ، وإنما سمي هذا الوقت بالوقت المعلوم لأن من المعلوم أن يموت كل الخلائق فيه . وقيل : إنما سماه الله تعالى بهذا الاسم ، لأن العالم بذلك الوقت هو الله تعالى لا غير كما قال تعالى : { إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو } ( الأعراف : 187 ) وقال : { إن الله عنده علم الساعة } ( لقمان : 34 ) . وثانيها : أن المراد من يوم الوقت المعلوم هو الذي ذكره إبليس وهو قوله : { إلى يوم يبعثون } وإنما سماه تعالى بيوم الوقت المعلوم ؟ لأن إبليس لما عينه وأشار إليه بعينه صار ذلك كالمعلوم . / فإن قيل : لما أجابه الله تعالى إلى مطلوبه لزم أن لا يموت إلى وقت قيام الساعة وبعد قيام القيامة لا يموت أيضا ، فيلزم أن يندفع عنه الموت بالكلية . قلنا : يحمل قوله : { إلى يوم يبعثون } إلى ما يكون قريبا منه . والوقت الذي يموت فيه كل المكلفين قريب من يوم البعث ، وعلى هذا الوجه فيرجع حاصل هذا الكلام إلى الوجه الأول . وثالثها : أن المراد بيوم الوقت المعلوم يوم لا يعلمه إلا الله تعالى ، وليس المراد منه يوم القيامة . فإن قيل : إنه لا يجوز أن يعلم المكلف متى يموت ، لأن فيه إغراء بالمعاصي ، وذلك لا يجوز على الله تعالى . أجيب عنه بأن هذا الإلزام إنما يتوجه إذا كان وقت قيام القيامة معلوما للمكلف . فأما إذا علم أنه تعالى أمهله إلى وقت قيام القيامة إلا أنه تعالى ما أعلمه الوقت الذي تقوم القيامة فيه فلم يلزم منه الإغراء بالمعاصي . وأجيب عن هذا الجواب بأنه وإن لم يعلم الوقت الذي فيه تقوم القيامة على التعيين إلا أنه علم في الجملة أن من وقت خلقة آدم عليه الصلاة والسلام إلى وقت قيام القيامة مدة طويلة فكأنه قد علم أنه لا يموت في تلك المدة الطويلة . أما قوله تعالى : { قال رب بمآ أغويتنى لازينن لهم فى الارض ولاغوينهم أجمعين } ففيه بحثان :
Section V19/P146–V19/P147Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V19/P146–V19/P147)
Orijinal Metin (AR)البحث الأول : الباء في { بمآ أغويتنى } للقسم وما مصدرية ، وجواب القسم لأزينن . والمعنى أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم ، ونظيره قوله تعالى : { فبعزتك لاغوينهم أجمعين } ( ص: 82 ) إلا أنه في ذلك الموضع أقسم بعزة الله / وهي من صفات الذات ، وفي قوله : { بمآ أغويتنى } أقسم بإغواء الله وهو من صفات الأفعال . والفقهاء قالوا : القسم بصفات الذات صحيح ، أما بصفات الأفعال فقد اختلفوا فيه . ونقل الواحدي عن قوم آخرين أنهم قالوا : الباء ههنا بمعنى السبب ، أي بسبب كوني غاويا لأزينن كقول القائل ، أقسم فلان بمعصيته ليدخلن النار ، وبطاعته ليدخلن الجنة . البحث الثاني : اعلم أن أصحابنا قد احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى قد يريد خلق الكفر في الكافر ويصده عن الدين ويغويه عن الحق من وجوه : الأول : أن إبليس استمهل وطلب البقاء إلى قيام القيامة مع أنه صرح بأنه إنما يطلب هذا الإمهال والإبقاء لإغواء بني آدم وإضلالهم وأنه تعالى أمهله وأجابه إلى هذا المطلوب ، ولو كان تعالى يراعي مصالح المكلفين في الدين لما أمهله هذا الزمان الطويل ، ولما مكنه من الإغواء والإضلال والوسوسة . الثاني : أن أكابر الأنبياء والأولياء مجدون ومجتهدون في إرشاد الخلق إلى الدين الحق ، وأن إبليس ورهطه وشيعته مجدون / ومجتهدون في الضلال والإغواء ، فلو كان مراد الله تعالى هو الإرشاد والهداية لكان من الواجب إبقاء المرشدين والمحققين وإهلاك المضلين والمغوين ، وحيث فعل بالضد منه ، علمنا أنه أراد بهم الخذلان والكفر . الثالث : أنه تعالى لما أعلمه بأنه يموت على الكفر وأنه ملعون إلى يوم الدين كان ذلك إغراء له بالكفر والقبيح ، لأنه أيس عن المغفرة والفوز بالجنة يجترىء حينئذ على أنواع المعاصي والكفر . الرابع : أنه لما سأل الله تعالى هذا العمر الطويل ، مع أنه تعالى علم منه أنه لا يستفيد من هذا العمر الطويل إلا زيادة الكفر والمعصية ، وبسبب تلك الزيادة يزداد استحقاقه لأنواع العذاب الشديد كان هذا الإمهال سببا لمزيد عذابه ، وذلك يدل على أنه تعالى أراد به أن يزداد عذابه وعقابه . الخامس : أنه صرح بأن الله أغواه فقال : { رب بمآ أغويتنى } وذلك تصريح بأن الله تعالى أغواه لا يقال : هذا كلام إبليس وهو ليس بحجة ، وأيضا فهو معارض بقول إبليس : { فبعزتك لاغوينهم أجمعين } فأضاف الإغواء إلى نفسه ، لأنا نقول . أما الجواب عن الأول : فهو أنه لما ذكر هذا الكلام فإن الله تعالى ما أنكره عليه وذلك يدل على أنه كان صادقا فيما قال . وأما الجواب عن الثاني : فهو أنه قال في هذه الآية : { رب بمآ أغويتنى لازينن لهم } فالمراد ههنا من قوله : { لازينن لهم } هو المراد من قوله في تلك الآية : { لاغوينهم أجمعين } إلا أنه بين في هذه الآية أنه إنما أمكنه أن يزين لهم الأباطيل لأجل أن الله تعالى أغواه قبل ذلك ، وعلى هذا التقدير فقد زال التناقض ويتأكد هذا بما ذكره الله تعالى حكاية عن الشياطين في سورة القصص : { هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا } ( القصص : 63 ) .
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)البحث الأول : الباء في { بمآ أغويتنى } للقسم وما مصدرية ، وجواب القسم لأزينن . والمعنى أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم ، ونظيره قوله تعالى : { فبعزتك لاغوينهم أجمعين } ( ص: 82 ) إلا أنه في ذلك الموضع أقسم بعزة الله / وهي من صفات الذات ، وفي قوله : { بمآ أغويتنى } أقسم بإغواء الله وهو من صفات الأفعال . والفقهاء قالوا : القسم بصفات الذات صحيح ، أما بصفات الأفعال فقد اختلفوا فيه . ونقل الواحدي عن قوم آخرين أنهم قالوا : الباء ههنا بمعنى السبب ، أي بسبب كوني غاويا لأزينن كقول القائل ، أقسم فلان بمعصيته ليدخلن النار ، وبطاعته ليدخلن الجنة . البحث الثاني : اعلم أن أصحابنا قد احتجوا بهذه الآية على أنه تعالى قد يريد خلق الكفر في الكافر ويصده عن الدين ويغويه عن الحق من وجوه : الأول : أن إبليس استمهل وطلب البقاء إلى قيام القيامة مع أنه صرح بأنه إنما يطلب هذا الإمهال والإبقاء لإغواء بني آدم وإضلالهم وأنه تعالى أمهله وأجابه إلى هذا المطلوب ، ولو كان تعالى يراعي مصالح المكلفين في الدين لما أمهله هذا الزمان الطويل ، ولما مكنه من الإغواء والإضلال والوسوسة . الثاني : أن أكابر الأنبياء والأولياء مجدون ومجتهدون في إرشاد الخلق إلى الدين الحق ، وأن إبليس ورهطه وشيعته مجدون / ومجتهدون في الضلال والإغواء ، فلو كان مراد الله تعالى هو الإرشاد والهداية لكان من الواجب إبقاء المرشدين والمحققين وإهلاك المضلين والمغوين ، وحيث فعل بالضد منه ، علمنا أنه أراد بهم الخذلان والكفر . الثالث : أنه تعالى لما أعلمه بأنه يموت على الكفر وأنه ملعون إلى يوم الدين كان ذلك إغراء له بالكفر والقبيح ، لأنه أيس عن المغفرة والفوز بالجنة يجترىء حينئذ على أنواع المعاصي والكفر . الرابع : أنه لما سأل الله تعالى هذا العمر الطويل ، مع أنه تعالى علم منه أنه لا يستفيد من هذا العمر الطويل إلا زيادة الكفر والمعصية ، وبسبب تلك الزيادة يزداد استحقاقه لأنواع العذاب الشديد كان هذا الإمهال سببا لمزيد عذابه ، وذلك يدل على أنه تعالى أراد به أن يزداد عذابه وعقابه . الخامس : أنه صرح بأن الله أغواه فقال : { رب بمآ أغويتنى } وذلك تصريح بأن الله تعالى أغواه لا يقال : هذا كلام إبليس وهو ليس بحجة ، وأيضا فهو معارض بقول إبليس : { فبعزتك لاغوينهم أجمعين } فأضاف الإغواء إلى نفسه ، لأنا نقول . أما الجواب عن الأول : فهو أنه لما ذكر هذا الكلام فإن الله تعالى ما أنكره عليه وذلك يدل على أنه كان صادقا فيما قال . وأما الجواب عن الثاني : فهو أنه قال في هذه الآية : { رب بمآ أغويتنى لازينن لهم } فالمراد ههنا من قوله : { لازينن لهم } هو المراد من قوله في تلك الآية : { لاغوينهم أجمعين } إلا أنه بين في هذه الآية أنه إنما أمكنه أن يزين لهم الأباطيل لأجل أن الله تعالى أغواه قبل ذلك ، وعلى هذا التقدير فقد زال التناقض ويتأكد هذا بما ذكره الله تعالى حكاية عن الشياطين في سورة القصص : { هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا } ( القصص : 63 ) .
Section V19/P147–V19/P148Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V19/P147–V19/P148)
Orijinal Metin (AR)السؤال السادس : أنه اقل : { رب بمآ أغويتنى } وهذا اعتراف بأن الله تعالى أغواه فنقول : إما أن يقال : إنه كان قد عرف بأن الله تعالى أغواه ، أو ما عرف ذلك ، فإن كان قد عرف بأن الله تعالى أغواه امتنع كونه غاويا لأنه إنما يعرف أن الله تعالى أغواه إذا عرف أن الذي هو عليه جهل وباطل ، ومن عرف ذلك امتنع بقاؤه على الجهل والضلالة ، وأما إن قلنا : بأنه ما عرف أن الله أغواه فكيف أمكنه أن يقول : { رب بمآ أغويتنى } فهذا مجموع السؤالات الواردة في هذه الآية . أما الإشكال الأول : فللمعتزلة فيه طريقان : الطريق الأول : وهو طريق الجبائي أنه تعالى إنما أمهل إبليس تلك المدة الطويلة ، لأنه تعالى علم أنه لا يتفاوت أحوال الناس بسبب وسوسته ، فبتقدير أن لا يوجد إبليس ولا وسوسته / فإن ذلك الكافر / والعاصي كان يأتي بذلك الكفر والمعصية ، فلما كان الأمر كذلك ، لا جرم أمهله هذه المدة . الطريق الثاني : وهو طريق أبي هاشم أنه لا يبعد أن يقال : إنه تعالى علم أن أقواما يقعون بسبب وسوسته في الكفر والمعصية ، إلا أن وسوسته ما كانت موجبة لذلك الكفر والمعصية ، بل الكافر والعاصي بسبب اختياره اختار ذلك الكفر وتلك المعصية ، أقصى ما في الباب أن يقال : الاحتراز عن القبائح حال عدم الوسوسة أسهل منه حال وجودها ، إلا أن على هذا التقدير تصير وسوسته سببا لزيادة المشقة في أداء الطاعات ، وذلك لا يمنع الحكيم من فعله ، كما أن إنزال المشاق وإنزال المتشابهات صار سببا لمزيد الشبهات ، ومع ذلك فلم يمتنع فعله فكذا ههنا ، وهذان الطريقان هما بعينهما الجواب عن السؤال الثاني . وأما السؤال الثالث : وهو أن إعلامه بأنه يموت على الكفر يحمله على الجرأة على المعاصي والإكثار منها ، فجوابه أن هذا إنما يلزم إذا كان علم إبليس بموته على الكفر يحمله على الزيادة في المعاصي أما إذا علم الله تعالى من حاله أن ذلك لايوجب التفاوت ألبتة ، فالسؤال زائل ، وهذا بعينه هو الجواب عن السؤال الرابع . وأما السؤال الخامس : وهو أن إبليس صرح بأن الله تعالى أغواه وأضله عن الدين ، فقد أجابوا عنه بأنه ليس المراد ذلك بل فيه وجوه أخرى : أحدها : المراد بما خيبتني من رحمتك لأخيبنهم بالدعاء إلى معصيتك . وثانيها ؛ المراد كما أضللتني عن طريق الجنة أضلهم أنا أيضا عنه بالدعاء إلى المعصية . وثالثها : أن يكون المراد بالإغواء الأول الخيبة ، وبالثاني الإضلال . ورابعها : أن المراد بإغواء الله تعالى إياه هو أنه أمره بالسجود لآدم فأفضى ذلك إلى غيه ، يعني أنه حصل ذلك الغي عقيبه باختيار إبليس ، فأما أن يقال : إن ذلك الأمر صار موجبا لذاته لحصول ذلك الغي ، فمعلوم أنه ليس الأمر كذلك ، هذا جملة كلام القوم في هذا الباب وكله ضعيف ، أما قوله إنه لا يتفاوت الحال بسبب وسوسة إبليس فنقول : هذا باطل ، ويدل عليه القرآن والبرهان ، أما القرآن فقوله تعالى : { فأزلهما الشيطان } ( البقرة : 36 ) فأضاف تلك الزلة إلى الشيطان ، وقال : { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } ( طه : 117 ) فأضاف الإخراج إليه ، وقال موسى عليه السلام : { هاذا من عمل الشيطان } ( القصص : 15 ) وكل ذلك يدل على أن لعمل الشيطان في تلك الأفعال أثرا ، وأما البرهان فلأن بداية العقول شاهدة بأنه ليس حال من ابتلى بمجالسة شخص يرغبه أبدا في القبائح . وينفره عن الخيرات ، مثل شخص كان حاله بالضد منه ، والعلم بهذا التفاوت ضروري . وأما قوله إن وجوده يصير سببا لزيادة المشقة في الطاعة / فنقول : تأثير زيادة المشقة إنما هو في كثرة الثواب على أحد التقديرين ، وفي الإلقاء في العذاب الشديد على التقدير الثاني وهو التقدير الأكثر الأغلب ، وكل من يراعي المصالح ، فإن رعاية هذا التقدير الثاني أولى عنده من رعاية التقدير الأول لأن دفع الضرر العظيم أولى من السعي في طلب النفع الزائد الذي لا حاجة إلى حصوله أصلا ، ولما اندفع هذان الجوابان عن هذا السؤال قويت سائر الوجوه المذكورة ، وأما قوله : المراد من قوله : { رب بمآ أغويتنى } الخيبة عن الرحمة أو الإضلال عن طريق الجنة فنقول : كل هذا بعيد ، لأنه هو الذي خيب نفسه عن الرحمة وهو الذي أضل نفسه عن طريق الجنة ، لأنه لما أقدم على الكفر باختياره فقد خيب نفسه عن الرحمة ، وأضل نفسه عن طريق الجنة فكيف يحسن إضافته إلى الله تعالى فثبت أن الإشكالات لازمة وأن أجوبتهم ضعيفة . والله أعلم .
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)السؤال السادس : أنه اقل : { رب بمآ أغويتنى } وهذا اعتراف بأن الله تعالى أغواه فنقول : إما أن يقال : إنه كان قد عرف بأن الله تعالى أغواه ، أو ما عرف ذلك ، فإن كان قد عرف بأن الله تعالى أغواه امتنع كونه غاويا لأنه إنما يعرف أن الله تعالى أغواه إذا عرف أن الذي هو عليه جهل وباطل ، ومن عرف ذلك امتنع بقاؤه على الجهل والضلالة ، وأما إن قلنا : بأنه ما عرف أن الله أغواه فكيف أمكنه أن يقول : { رب بمآ أغويتنى } فهذا مجموع السؤالات الواردة في هذه الآية . أما الإشكال الأول : فللمعتزلة فيه طريقان : الطريق الأول : وهو طريق الجبائي أنه تعالى إنما أمهل إبليس تلك المدة الطويلة ، لأنه تعالى علم أنه لا يتفاوت أحوال الناس بسبب وسوسته ، فبتقدير أن لا يوجد إبليس ولا وسوسته / فإن ذلك الكافر / والعاصي كان يأتي بذلك الكفر والمعصية ، فلما كان الأمر كذلك ، لا جرم أمهله هذه المدة . الطريق الثاني : وهو طريق أبي هاشم أنه لا يبعد أن يقال : إنه تعالى علم أن أقواما يقعون بسبب وسوسته في الكفر والمعصية ، إلا أن وسوسته ما كانت موجبة لذلك الكفر والمعصية ، بل الكافر والعاصي بسبب اختياره اختار ذلك الكفر وتلك المعصية ، أقصى ما في الباب أن يقال : الاحتراز عن القبائح حال عدم الوسوسة أسهل منه حال وجودها ، إلا أن على هذا التقدير تصير وسوسته سببا لزيادة المشقة في أداء الطاعات ، وذلك لا يمنع الحكيم من فعله ، كما أن إنزال المشاق وإنزال المتشابهات صار سببا لمزيد الشبهات ، ومع ذلك فلم يمتنع فعله فكذا ههنا ، وهذان الطريقان هما بعينهما الجواب عن السؤال الثاني . وأما السؤال الثالث : وهو أن إعلامه بأنه يموت على الكفر يحمله على الجرأة على المعاصي والإكثار منها ، فجوابه أن هذا إنما يلزم إذا كان علم إبليس بموته على الكفر يحمله على الزيادة في المعاصي أما إذا علم الله تعالى من حاله أن ذلك لايوجب التفاوت ألبتة ، فالسؤال زائل ، وهذا بعينه هو الجواب عن السؤال الرابع . وأما السؤال الخامس : وهو أن إبليس صرح بأن الله تعالى أغواه وأضله عن الدين ، فقد أجابوا عنه بأنه ليس المراد ذلك بل فيه وجوه أخرى : أحدها : المراد بما خيبتني من رحمتك لأخيبنهم بالدعاء إلى معصيتك . وثانيها ؛ المراد كما أضللتني عن طريق الجنة أضلهم أنا أيضا عنه بالدعاء إلى المعصية . وثالثها : أن يكون المراد بالإغواء الأول الخيبة ، وبالثاني الإضلال . ورابعها : أن المراد بإغواء الله تعالى إياه هو أنه أمره بالسجود لآدم فأفضى ذلك إلى غيه ، يعني أنه حصل ذلك الغي عقيبه باختيار إبليس ، فأما أن يقال : إن ذلك الأمر صار موجبا لذاته لحصول ذلك الغي ، فمعلوم أنه ليس الأمر كذلك ، هذا جملة كلام القوم في هذا الباب وكله ضعيف ، أما قوله إنه لا يتفاوت الحال بسبب وسوسة إبليس فنقول : هذا باطل ، ويدل عليه القرآن والبرهان ، أما القرآن فقوله تعالى : { فأزلهما الشيطان } ( البقرة : 36 ) فأضاف تلك الزلة إلى الشيطان ، وقال : { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } ( طه : 117 ) فأضاف الإخراج إليه ، وقال موسى عليه السلام : { هاذا من عمل الشيطان } ( القصص : 15 ) وكل ذلك يدل على أن لعمل الشيطان في تلك الأفعال أثرا ، وأما البرهان فلأن بداية العقول شاهدة بأنه ليس حال من ابتلى بمجالسة شخص يرغبه أبدا في القبائح . وينفره عن الخيرات ، مثل شخص كان حاله بالضد منه ، والعلم بهذا التفاوت ضروري . وأما قوله إن وجوده يصير سببا لزيادة المشقة في الطاعة / فنقول : تأثير زيادة المشقة إنما هو في كثرة الثواب على أحد التقديرين ، وفي الإلقاء في العذاب الشديد على التقدير الثاني وهو التقدير الأكثر الأغلب ، وكل من يراعي المصالح ، فإن رعاية هذا التقدير الثاني أولى عنده من رعاية التقدير الأول لأن دفع الضرر العظيم أولى من السعي في طلب النفع الزائد الذي لا حاجة إلى حصوله أصلا ، ولما اندفع هذان الجوابان عن هذا السؤال قويت سائر الوجوه المذكورة ، وأما قوله : المراد من قوله : { رب بمآ أغويتنى } الخيبة عن الرحمة أو الإضلال عن طريق الجنة فنقول : كل هذا بعيد ، لأنه هو الذي خيب نفسه عن الرحمة وهو الذي أضل نفسه عن طريق الجنة ، لأنه لما أقدم على الكفر باختياره فقد خيب نفسه عن الرحمة ، وأضل نفسه عن طريق الجنة فكيف يحسن إضافته إلى الله تعالى فثبت أن الإشكالات لازمة وأن أجوبتهم ضعيفة . والله أعلم .
Section V19/P148–V19/P150Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V19/P148–V19/P150)
Orijinal Metin (AR)وأما قوله : { إلا عبادك منهم المخلصين } ففيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن إبليس استثنى المخلصين ، لأنه علم أن كيده لا يعمل فيهم ، ولا يقبلون منه ، وذكرت في مجلس التذكير أن الذي حمل إبليس على ذكر هذا الإستثناء أن لا يصير كاذبا في دعواه فلما احترز إبليس عن الكذب علمنا أن الكذب في غاية الخساسة . المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو : { المخلصين } بكسر اللام في كل القرآن ، والباقون بفتح اللام . وجه القراءة الأولى أنهم الذين أخلصوا دينهم وعبادتهم عن كل شائب يناقض الإيمان والتوحيد ، ومن فتح اللام فمعناه : الذين أخلصهم الله بالهداية والإيمان ، والتوفيق ، والعصمة ، وهذه القراءة تدل على أن الإخلاص والإيمان ليس إلا من الله تعالى . المسألة الثالثة : الإخلاص جعل الشيء خالصا عن شائبة الغير فنقول : كل من أتى بعمل فإما أن يكون قد أتى به لله فقط أو لغير الله فقط ، أو لمجموع الأمرين ، وعلى هذا التقدير الثالث فإما أن يكون طلب رضوان الله راجحا أو مرجوحا أو معادلا ، والتقدير الرابع أنيأتي به لا لغرض أصلا وهذا محال ، لأن الفعل بدون الداعية محال . أما الأول : فهو الإخلاص في حق الله تعالى ، لأن الحامل له على ذلك الفعل طلب رضوان الله ، وما جعل هذه الداعية مشوبة بداعية أخرى بل بقيت خالصة عن شوائب الغير ، فهذا هو الإخلاص . وأما الثاني : وهو الإخلاص في حق غير الله ، فظاهر أن هذا لا يكون إخلاصا في حق الله تعالى . وأما الثالث : وهو أن يشتمل على الجهتين إلا أن جانب الله يكون راجحا ، فهذا يرجى أن يكون من المخلصين ، لأن المثل يقابله المثل . فيبقى القدر الزائد خالصا عن الشوب . وأما الرابع والخامس : فظاهر أنه ليس من المخلصين في حق الله تعالى ، والحاصل أن القسم الأول : إخلاص في حق الله تعالى قطعا . والقسم الثاني : يرجى من فضل الله أن يجعله من قسم الإخلاص وأما سائر الأقسام فهو خارج عن الإخلاص قطعا والله أعلم . أما قوله تعالى : { قال هذا صراط على مستقيم } ففيه وجوه : الأول : أن إبليس لما قال : { إلا عبادك منهم المخلصين } فلفظ المخلص يدل على الإخلاص ، فقوله هذا عائد إلى الإخلاص ، والمعنى : أن الإخلاص طريق علي وإلي ، أي أنه يؤدي إلى كرامتي وثوابي ، وقال الحسن : معناه هذا صراط إلي مستقيم ، وقال آخرون : هذا صراط من مر عليه ، فكأنه مر علي وعلى رضواني وكرامتي وهو كما يقال : طريقك علي . الثاني : أن الإخلاص طريق العبودية فقوله : { هذا صراط على مستقيم } أي هذا الطريق في العبودية طريق علي مستقيم . الثالث : قال بعضهم : لما ذكر إبليس أنه يغوي بني آدم إلا من عصمه الله بتوفيقه تضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى الله تعالى وإلى إرادته فقال تعالى : { هذا صراط على } أي تفويض الأمور إلى إرادتي ومشيئتي طريق علي مستقيم . الرابع : معناه : هذا صراط علي تقريره وتأكيده ، وهو مستقيم حق وصدق ، وقرأ يعقوب : { صراط على } بالرفع والتنوين على أنه صفة لقوله : { صراط } أي هو علي بمعنى أنه رفيع مستقيم لا عوج فيه . قال الواحدي : معناه أن طريق التفويض إلى الله تعالى والإيمان بقضاء الله طريق رفيع مستقيم . ! 7 < { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم } > 7 < الحجر : ( 42 - 44 ) إن عبادي ليس . . . . . > >
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)وأما قوله : { إلا عبادك منهم المخلصين } ففيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن إبليس استثنى المخلصين ، لأنه علم أن كيده لا يعمل فيهم ، ولا يقبلون منه ، وذكرت في مجلس التذكير أن الذي حمل إبليس على ذكر هذا الإستثناء أن لا يصير كاذبا في دعواه فلما احترز إبليس عن الكذب علمنا أن الكذب في غاية الخساسة . المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو : { المخلصين } بكسر اللام في كل القرآن ، والباقون بفتح اللام . وجه القراءة الأولى أنهم الذين أخلصوا دينهم وعبادتهم عن كل شائب يناقض الإيمان والتوحيد ، ومن فتح اللام فمعناه : الذين أخلصهم الله بالهداية والإيمان ، والتوفيق ، والعصمة ، وهذه القراءة تدل على أن الإخلاص والإيمان ليس إلا من الله تعالى . المسألة الثالثة : الإخلاص جعل الشيء خالصا عن شائبة الغير فنقول : كل من أتى بعمل فإما أن يكون قد أتى به لله فقط أو لغير الله فقط ، أو لمجموع الأمرين ، وعلى هذا التقدير الثالث فإما أن يكون طلب رضوان الله راجحا أو مرجوحا أو معادلا ، والتقدير الرابع أنيأتي به لا لغرض أصلا وهذا محال ، لأن الفعل بدون الداعية محال . أما الأول : فهو الإخلاص في حق الله تعالى ، لأن الحامل له على ذلك الفعل طلب رضوان الله ، وما جعل هذه الداعية مشوبة بداعية أخرى بل بقيت خالصة عن شوائب الغير ، فهذا هو الإخلاص . وأما الثاني : وهو الإخلاص في حق غير الله ، فظاهر أن هذا لا يكون إخلاصا في حق الله تعالى . وأما الثالث : وهو أن يشتمل على الجهتين إلا أن جانب الله يكون راجحا ، فهذا يرجى أن يكون من المخلصين ، لأن المثل يقابله المثل . فيبقى القدر الزائد خالصا عن الشوب . وأما الرابع والخامس : فظاهر أنه ليس من المخلصين في حق الله تعالى ، والحاصل أن القسم الأول : إخلاص في حق الله تعالى قطعا . والقسم الثاني : يرجى من فضل الله أن يجعله من قسم الإخلاص وأما سائر الأقسام فهو خارج عن الإخلاص قطعا والله أعلم . أما قوله تعالى : { قال هذا صراط على مستقيم } ففيه وجوه : الأول : أن إبليس لما قال : { إلا عبادك منهم المخلصين } فلفظ المخلص يدل على الإخلاص ، فقوله هذا عائد إلى الإخلاص ، والمعنى : أن الإخلاص طريق علي وإلي ، أي أنه يؤدي إلى كرامتي وثوابي ، وقال الحسن : معناه هذا صراط إلي مستقيم ، وقال آخرون : هذا صراط من مر عليه ، فكأنه مر علي وعلى رضواني وكرامتي وهو كما يقال : طريقك علي . الثاني : أن الإخلاص طريق العبودية فقوله : { هذا صراط على مستقيم } أي هذا الطريق في العبودية طريق علي مستقيم . الثالث : قال بعضهم : لما ذكر إبليس أنه يغوي بني آدم إلا من عصمه الله بتوفيقه تضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى الله تعالى وإلى إرادته فقال تعالى : { هذا صراط على } أي تفويض الأمور إلى إرادتي ومشيئتي طريق علي مستقيم . الرابع : معناه : هذا صراط علي تقريره وتأكيده ، وهو مستقيم حق وصدق ، وقرأ يعقوب : { صراط على } بالرفع والتنوين على أنه صفة لقوله : { صراط } أي هو علي بمعنى أنه رفيع مستقيم لا عوج فيه . قال الواحدي : معناه أن طريق التفويض إلى الله تعالى والإيمان بقضاء الله طريق رفيع مستقيم . ! 7 < { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم } > 7 < الحجر : ( 42 - 44 ) إن عبادي ليس . . . . . > >
Section V19/P150Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V19/P150)
Orijinal Metin (AR)اعلم أن إبليس لما قال : { لازينن لهم فى الارض ولاغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } أوهم هذا الكلام أن له سلطانا على عباد الله الذين يكونون من المخلصين ، فبين تعالى في هذه الآية أنه ليس له سلطان على أحد من عبيد الله سواء كانوا مخلصين أو لم يكونوا مخلصين ، بل من اتبع منهم / إبليس باختياره صار متبعا له ، ولكن حصول تلك المتابعة أيضا ليس لأجل أن إبليس يقهره على تلك المتابعة أو يجبره عليها والحاصل في هذا القول : أن إبليس أوهم أن له على بعض عباد الله سلطانا ، فبين تعالى كذبه فيه ، وذكر أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلا ، ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عن إبليس أنه قال : { وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى } ( إبراهيم : 22 ) وقال تعالى في آية أخرى : { إنه ليس له سلطان على الذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون } ( النحل : 99 ، 100 ) قال الجبائي : هذه الآية تدل على بطلان قول من زعم أن الشيطان والجن يمكنهم صرع الناس وإزالة عقولهم كما يقوله العامة ، وربما نسبوا ذلك إلى السحرة قال وذلك خلاف ما نص الله تعالى عليه ، وفي الآية قول آخر ، وهو أن إبليس لما قال : { إلا عبادك منهم المخلصين } ( الحجر : 40 ) فذكر أنه لا يقدر على إغواء المخلصين صدقه الله في هذا الاستثناء فقال : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } فلهذا قال الكلبي : العباد المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس . واعلم أن على القول الأول يمكن أن يكون قوله : { إلا من اتبعك } استثناء ، لأن المعنى : أن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين فإن لك عليهم سلطانا بسبب كونهم منقادين لك في الأمر والنهي . وأما على القول الثاني فيمتنع أن يكون استثناء ، بل تكون لفظة ( إلا ) بمعنى لكن ، وقوله : { إن جهنم لموعدهم أجمعين } قال ابن عباس : يريد إبليس وأشياعه ، ومن اتبعه من الغاوين . ثم قال تعالى : { لها سبعة أبواب } وفيه قولان : القول الأول : إنها سبع طبقات : بعضها فوق البعض وتسمى تلك الطبقات بالدركات ، ويدل على كونها كذلك قوله تعالى : { إن المنافقين فى الدرك الاسفل من النار } ( النساء : 145 ) . والقول الثاني : إن قرار جهنم مقسوم سبعة أقسام : ولكل قسم باب ، وعن ابن جريج : أولها : جهنم . ثم لظى . ثم الحطمة . ثم السعير . ثم سقر . ثم الجحيم . ثم الهاوية . قال الضحاك : الطبقة الأولى : فيها أهل التوحيد يعذبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون . والثانية : لليهود . والثالثة : للنصارى . والرابعة : للصابئين . والخامسة : للمجوس . والسادسة : للمشركين . والسابعة : للمنافقين . وقوله : { لكل باب منهم جزء مقسوم } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ عاصم في رواية أبي بكر : { جزء مقسوم } والباقون ( جز ) بتخفيف الزاي . وقرأ الزهري : ( جز ) بالتشديد ، كأنه حذف الهمزة وألقى حركتها على الزاي ، كقولك : خب / في خبء / ثم وقف عليه بالتشديد .
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)اعلم أن إبليس لما قال : { لازينن لهم فى الارض ولاغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } أوهم هذا الكلام أن له سلطانا على عباد الله الذين يكونون من المخلصين ، فبين تعالى في هذه الآية أنه ليس له سلطان على أحد من عبيد الله سواء كانوا مخلصين أو لم يكونوا مخلصين ، بل من اتبع منهم / إبليس باختياره صار متبعا له ، ولكن حصول تلك المتابعة أيضا ليس لأجل أن إبليس يقهره على تلك المتابعة أو يجبره عليها والحاصل في هذا القول : أن إبليس أوهم أن له على بعض عباد الله سلطانا ، فبين تعالى كذبه فيه ، وذكر أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلا ، ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عن إبليس أنه قال : { وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى } ( إبراهيم : 22 ) وقال تعالى في آية أخرى : { إنه ليس له سلطان على الذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون } ( النحل : 99 ، 100 ) قال الجبائي : هذه الآية تدل على بطلان قول من زعم أن الشيطان والجن يمكنهم صرع الناس وإزالة عقولهم كما يقوله العامة ، وربما نسبوا ذلك إلى السحرة قال وذلك خلاف ما نص الله تعالى عليه ، وفي الآية قول آخر ، وهو أن إبليس لما قال : { إلا عبادك منهم المخلصين } ( الحجر : 40 ) فذكر أنه لا يقدر على إغواء المخلصين صدقه الله في هذا الاستثناء فقال : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } فلهذا قال الكلبي : العباد المذكورون في هذه الآية هم الذين استثناهم إبليس . واعلم أن على القول الأول يمكن أن يكون قوله : { إلا من اتبعك } استثناء ، لأن المعنى : أن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين فإن لك عليهم سلطانا بسبب كونهم منقادين لك في الأمر والنهي . وأما على القول الثاني فيمتنع أن يكون استثناء ، بل تكون لفظة ( إلا ) بمعنى لكن ، وقوله : { إن جهنم لموعدهم أجمعين } قال ابن عباس : يريد إبليس وأشياعه ، ومن اتبعه من الغاوين . ثم قال تعالى : { لها سبعة أبواب } وفيه قولان : القول الأول : إنها سبع طبقات : بعضها فوق البعض وتسمى تلك الطبقات بالدركات ، ويدل على كونها كذلك قوله تعالى : { إن المنافقين فى الدرك الاسفل من النار } ( النساء : 145 ) . والقول الثاني : إن قرار جهنم مقسوم سبعة أقسام : ولكل قسم باب ، وعن ابن جريج : أولها : جهنم . ثم لظى . ثم الحطمة . ثم السعير . ثم سقر . ثم الجحيم . ثم الهاوية . قال الضحاك : الطبقة الأولى : فيها أهل التوحيد يعذبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون . والثانية : لليهود . والثالثة : للنصارى . والرابعة : للصابئين . والخامسة : للمجوس . والسادسة : للمشركين . والسابعة : للمنافقين . وقوله : { لكل باب منهم جزء مقسوم } وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ عاصم في رواية أبي بكر : { جزء مقسوم } والباقون ( جز ) بتخفيف الزاي . وقرأ الزهري : ( جز ) بالتشديد ، كأنه حذف الهمزة وألقى حركتها على الزاي ، كقولك : خب / في خبء / ثم وقف عليه بالتشديد .
Section V19/P150–V19/P151Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V19/P150–V19/P151)
Orijinal Metin (AR)المسألة الثانية : الجزء بعض الشيء ، والجمع الأجزاء ، وجزأته جعلته أجزاء . والمعنى : أنه تعالى يجزي أتباع إبليس إجزاء ، بمعنى أنه يجعلهم أقساما وفرقا ، ويدخل في كل قسم من أقسام جهنم طائفة من هؤلاء الطوائف . والسبب فيه أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ والخفة ، فلا جرم صارت مراتب العذاب والعقاب مختلفة بالغلظ والخفة ، والله أعلم . ! 7 < { إن المتقين فى جنات وعيون ادخلوها بسلام ءامنين ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين } > 7 < الحجر : ( 45 - 48 ) إن المتقين في . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل العقاب أتبعه بصفة أهل الثواب ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في قوله : { إن المتقين } قولان : القول الأول : قال الجبائي وجمهور المعتزلة : القائلون بالوعيد المراد بالمتقين هم الذين اتقوا جميع المعاصي . قالوا : لأنه اسم مدح فلا يتناول إلا من يكون كذلك . والقول الثاني : وهو قول جمهور الصحابة والتابعين ، وهو المنقول عن ابن عباس أن المراد الذين اتقوا الشرك بالله تعالى والكفر به . وأقول : هذا القول هو الحق الصحيح ، والذي يدل عليه هو أن المتقى هو الآتي بالتقوى مرة واحدة ، كما أن الضارب هو الآتي بالضرب مرة واحدة ، والقاتل هو الآتي بالقتل مرة واحدة ، فكما أنه ليس من شرط الوصف كونه ضاربا وقاتلا كونه آتيا بجميع أنواع الضرب والقتل ، فكذلك ليس من شرط صدق الوصف بكونه متقيا كونه آتيا بجميع أنواع التقوى ، والذي يقوي هذا الكلام أن الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يكون آتيا بالتقوى ، لأن كل فرد من أفراد الماهية فإنه يجب كونه مشتملا على تلك الماهية ، فالآتي بالتقوى يجب أن يكون متقيا ، فثبت أن الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يصدق عليه كونه متقيا ، ولهذا التحقيق اتفق المفسرون على أن ظاهر الأمر لا يفيد التكرار . إذا ثبت هذا فنقول : ظاهر قوله : { إن المتقين فى جنات وعيون } يقتضي حصول الجنات والعيون / لكل من اتقى عن شيء واحد ، إلا أن الأمة مجمعة على أن التقوى عن الكفر شرط في حصول هذا الحكم ، وأيضا فإن هذه الآية وردت عقيب قول إبليس : { إلا عبادك منهم المخلصين } ( الحجر : 40 ) وعقيب قول الله تعالى : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان } ( الحجر : 42 ) فلأجل هذه الدلائل اعتبرنا الإيمان في هذا الحكم فوجب أن لا يزيد فيه قيد آخر ، لأن تخصيص العام لما كان بخلاف الظاهر فكلما كان التخصيص أقل كان أوفق لمقتضى الأصل والظاهر ، فثبت أن قوله : { إن المتقين فى جنات وعيون } يتناول جميع القائلين بلا إله إلا الله محمد رسول الله قولا واعتقادا سواء كانوا من أهل الطاعة أو من أهل المعصية وهذا تقرير بين ، وكلام ظاهر .
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الثانية : الجزء بعض الشيء ، والجمع الأجزاء ، وجزأته جعلته أجزاء . والمعنى : أنه تعالى يجزي أتباع إبليس إجزاء ، بمعنى أنه يجعلهم أقساما وفرقا ، ويدخل في كل قسم من أقسام جهنم طائفة من هؤلاء الطوائف . والسبب فيه أن مراتب الكفر مختلفة بالغلظ والخفة ، فلا جرم صارت مراتب العذاب والعقاب مختلفة بالغلظ والخفة ، والله أعلم . ! 7 < { إن المتقين فى جنات وعيون ادخلوها بسلام ءامنين ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين } > 7 < الحجر : ( 45 - 48 ) إن المتقين في . . . . . > > اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل العقاب أتبعه بصفة أهل الثواب ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في قوله : { إن المتقين } قولان : القول الأول : قال الجبائي وجمهور المعتزلة : القائلون بالوعيد المراد بالمتقين هم الذين اتقوا جميع المعاصي . قالوا : لأنه اسم مدح فلا يتناول إلا من يكون كذلك . والقول الثاني : وهو قول جمهور الصحابة والتابعين ، وهو المنقول عن ابن عباس أن المراد الذين اتقوا الشرك بالله تعالى والكفر به . وأقول : هذا القول هو الحق الصحيح ، والذي يدل عليه هو أن المتقى هو الآتي بالتقوى مرة واحدة ، كما أن الضارب هو الآتي بالضرب مرة واحدة ، والقاتل هو الآتي بالقتل مرة واحدة ، فكما أنه ليس من شرط الوصف كونه ضاربا وقاتلا كونه آتيا بجميع أنواع الضرب والقتل ، فكذلك ليس من شرط صدق الوصف بكونه متقيا كونه آتيا بجميع أنواع التقوى ، والذي يقوي هذا الكلام أن الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يكون آتيا بالتقوى ، لأن كل فرد من أفراد الماهية فإنه يجب كونه مشتملا على تلك الماهية ، فالآتي بالتقوى يجب أن يكون متقيا ، فثبت أن الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يصدق عليه كونه متقيا ، ولهذا التحقيق اتفق المفسرون على أن ظاهر الأمر لا يفيد التكرار . إذا ثبت هذا فنقول : ظاهر قوله : { إن المتقين فى جنات وعيون } يقتضي حصول الجنات والعيون / لكل من اتقى عن شيء واحد ، إلا أن الأمة مجمعة على أن التقوى عن الكفر شرط في حصول هذا الحكم ، وأيضا فإن هذه الآية وردت عقيب قول إبليس : { إلا عبادك منهم المخلصين } ( الحجر : 40 ) وعقيب قول الله تعالى : { إن عبادى ليس لك عليهم سلطان } ( الحجر : 42 ) فلأجل هذه الدلائل اعتبرنا الإيمان في هذا الحكم فوجب أن لا يزيد فيه قيد آخر ، لأن تخصيص العام لما كان بخلاف الظاهر فكلما كان التخصيص أقل كان أوفق لمقتضى الأصل والظاهر ، فثبت أن قوله : { إن المتقين فى جنات وعيون } يتناول جميع القائلين بلا إله إلا الله محمد رسول الله قولا واعتقادا سواء كانوا من أهل الطاعة أو من أهل المعصية وهذا تقرير بين ، وكلام ظاهر .
Section V19/P151–V19/P153Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V19/P151–V19/P153)
Orijinal Metin (AR)المسألة الثانية : قوله تعالى : { فى جنات وعيون } أما الجنات فأربعة لقوله تعالى : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ( الرحمن : 46 ) ثم قال : { ومن دونهما جنتان } ( الرحمن : 46 ) فيكون المجموع أربعة وقوله : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } يؤكد ما قلناه ، لأن من آمن بالله لا ينفك قلبه عن الخوف من الله تعالى وقوله : { ولمن خاف } يكفي في صدقه حصول هذا الخوف مرة واحدة ، وأما العيون فيحتمل أن يكون المراد منها ما ذكر الله تعالى في قوله : { مثل الجنة التى وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من } ( محمد : 15 ) ويحتمل أن يكون المراد من هذه العيون ينابيع مغايرة لتلك الأنهار . فإن قيل : أتقولون إن كل واحد من المتقين يختص بعيون ، أو تجري تلك العيون من بعض إلى بعض قيل : لا يمتنع كل واحد من الوجهين فيجوز أن يختص كل أحد بعين وينتفع به كل من في خدمته من الحور والولدان / ويكون ذلك على قدر حاجتهم وعلى حسب شهواتهم ، ويحتمل أن يكون يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون عن الحقد والحسد وقوله : { ادخلوها بسلام ءامنين } يحتمل أن القائل لقوله : { ادخلوها } هو الله تعالى وأن يكون ذلك القائل بعض ملائكته ، وفيه سؤال لأنه تعالى حكم قبل هذه الآية بأنهم في جنات وعيون ، وإذا كانوا فيها فكيف يمكن أن يقال لهم : { ادخلوها } . والجواب عنه من وجهين : الأول : لعل المراد به قيل لهم قبل دخولهم فيها : { ادخلوها بسلام } . الثاني : لعل المراد لما ملكوا جنات كثيرة فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ادخلوها وقوله : { ادخلوها بسلام ءامنين } المراد ادخلوا الجنة مع السلامة من كل الآفات في الحال ومع القطع ببقاء هذه السلامة ، والأمن من زوالها . ثم قال تعالى : { ونزعنا ما فى صدورهم من غل } والغل الحقد الكامن في القلب وهو مأخوذ / من قولهم : أغل في جوفه وتغلغل ، أي إن كان لأحدهم في الدنيا غل على آخر نزع الله ذلك من قلوبهم وطيب نفوسهم ، وعن علي عليه السلام أنه قال : أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم ، وحكى عن الحرث بن الأعور أنه كان جالسا عند علي عليه السلام إذ دخل زكريا بن طلحة فقال له علي : مرحبا بك يا ابن أخي ، أما والله إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك ممن قال الله تعالى في حقهم : { ونزعنا ما فى صدورهم من غل } فقال الحرث : كلا بل الله أعدل من أن يجعلك وطلحة في مكان واحد . قال عليه السلام : فلمن هذه الآية ؟ لا أم لك يا أعور ، وروي أن المؤمنين يحبسون على باب الجنة فيقتص لبعضهم من بعض ، ثم يؤمر بهم إلى الجنة . وقد نقى الله قلوبهم من الغل والغش ، والحقد والحسد ، وقوله : { إخوانا } نصب على الحال وليس المراد الأخوة في النسب بل المراد الأخوة في المودة والمخالصة كما قال : { الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ( الزخرف : 67 ) وقوله : { على سرر متقابلين } السرير معروف والجمع أسرة وسرر قال أبو عبيدة يقال : سرر وسرر بفتح الراء وكذا كل فعيل من المضاعف فإن جمعه فعل وفعل نحو : سرر وسرر ، وجدد وجدد قال المفضل : بعض تميم وكلب يفتحون ، لأنهم يستثقلون ضمتين متواليتين في حرفين من جنس واحد ، وقال بعض أهل المعاني : السرير مجلس رفيع مهيأ للسرور وهو مأخوذ منه لأنه مجلس سرور . قال الليث : وسرير العيش مستقره الذي اطمأن إليه في حال سروره وفرحه قال ابن عباس : يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت ، والسرير مثل ما بين صنعاء إلى الجابية ، وقوله : { متقابلين } التقابل التواجه ، وهو نقيض التدابر ، ولا شك أن المواجهة أشرف الأحوال وقوله : { لا يمسهم فيها نصب } النصب الإعياء والتعب أي لا ينالهم فيها تعب : { وما هم منها بمخرجين } والمراد به كونه خلودا بلا زوال وبقاء بلا فناء ، وكمالا بلا نقصان ، وفوزا بلا حرمان .
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)المسألة الثانية : قوله تعالى : { فى جنات وعيون } أما الجنات فأربعة لقوله تعالى : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ( الرحمن : 46 ) ثم قال : { ومن دونهما جنتان } ( الرحمن : 46 ) فيكون المجموع أربعة وقوله : { ولمن خاف مقام ربه جنتان } يؤكد ما قلناه ، لأن من آمن بالله لا ينفك قلبه عن الخوف من الله تعالى وقوله : { ولمن خاف } يكفي في صدقه حصول هذا الخوف مرة واحدة ، وأما العيون فيحتمل أن يكون المراد منها ما ذكر الله تعالى في قوله : { مثل الجنة التى وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من } ( محمد : 15 ) ويحتمل أن يكون المراد من هذه العيون ينابيع مغايرة لتلك الأنهار . فإن قيل : أتقولون إن كل واحد من المتقين يختص بعيون ، أو تجري تلك العيون من بعض إلى بعض قيل : لا يمتنع كل واحد من الوجهين فيجوز أن يختص كل أحد بعين وينتفع به كل من في خدمته من الحور والولدان / ويكون ذلك على قدر حاجتهم وعلى حسب شهواتهم ، ويحتمل أن يكون يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم مطهرون عن الحقد والحسد وقوله : { ادخلوها بسلام ءامنين } يحتمل أن القائل لقوله : { ادخلوها } هو الله تعالى وأن يكون ذلك القائل بعض ملائكته ، وفيه سؤال لأنه تعالى حكم قبل هذه الآية بأنهم في جنات وعيون ، وإذا كانوا فيها فكيف يمكن أن يقال لهم : { ادخلوها } . والجواب عنه من وجهين : الأول : لعل المراد به قيل لهم قبل دخولهم فيها : { ادخلوها بسلام } . الثاني : لعل المراد لما ملكوا جنات كثيرة فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم ادخلوها وقوله : { ادخلوها بسلام ءامنين } المراد ادخلوا الجنة مع السلامة من كل الآفات في الحال ومع القطع ببقاء هذه السلامة ، والأمن من زوالها . ثم قال تعالى : { ونزعنا ما فى صدورهم من غل } والغل الحقد الكامن في القلب وهو مأخوذ / من قولهم : أغل في جوفه وتغلغل ، أي إن كان لأحدهم في الدنيا غل على آخر نزع الله ذلك من قلوبهم وطيب نفوسهم ، وعن علي عليه السلام أنه قال : أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم ، وحكى عن الحرث بن الأعور أنه كان جالسا عند علي عليه السلام إذ دخل زكريا بن طلحة فقال له علي : مرحبا بك يا ابن أخي ، أما والله إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك ممن قال الله تعالى في حقهم : { ونزعنا ما فى صدورهم من غل } فقال الحرث : كلا بل الله أعدل من أن يجعلك وطلحة في مكان واحد . قال عليه السلام : فلمن هذه الآية ؟ لا أم لك يا أعور ، وروي أن المؤمنين يحبسون على باب الجنة فيقتص لبعضهم من بعض ، ثم يؤمر بهم إلى الجنة . وقد نقى الله قلوبهم من الغل والغش ، والحقد والحسد ، وقوله : { إخوانا } نصب على الحال وليس المراد الأخوة في النسب بل المراد الأخوة في المودة والمخالصة كما قال : { الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ( الزخرف : 67 ) وقوله : { على سرر متقابلين } السرير معروف والجمع أسرة وسرر قال أبو عبيدة يقال : سرر وسرر بفتح الراء وكذا كل فعيل من المضاعف فإن جمعه فعل وفعل نحو : سرر وسرر ، وجدد وجدد قال المفضل : بعض تميم وكلب يفتحون ، لأنهم يستثقلون ضمتين متواليتين في حرفين من جنس واحد ، وقال بعض أهل المعاني : السرير مجلس رفيع مهيأ للسرور وهو مأخوذ منه لأنه مجلس سرور . قال الليث : وسرير العيش مستقره الذي اطمأن إليه في حال سروره وفرحه قال ابن عباس : يريد على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت ، والسرير مثل ما بين صنعاء إلى الجابية ، وقوله : { متقابلين } التقابل التواجه ، وهو نقيض التدابر ، ولا شك أن المواجهة أشرف الأحوال وقوله : { لا يمسهم فيها نصب } النصب الإعياء والتعب أي لا ينالهم فيها تعب : { وما هم منها بمخرجين } والمراد به كونه خلودا بلا زوال وبقاء بلا فناء ، وكمالا بلا نقصان ، وفوزا بلا حرمان .
Section V19/P153Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V19/P153)
Orijinal Metin (AR)واعلم أن للثواب أربع شرائط : وهي أن تكون منافع مقرونة بالتعظيم خالصة عن الشوائب دائمة . أما القيد الأول : وهو كونها منفعة فإليه الإشارة بقوله : { إن المتقين فى جنات وعيون } . وأما القيد الثاني : وهو كونها مقرونة بالتعظيم فإليه الإشارة بقوله : { ادخلوها بسلام ءامنين } لأن الله سبحانه إذا قال لعبيده هذا الكلام أشعر ذلك بنهاية التعظيم وغاية الإجلال . وأما القيد الثالث : وهو كون تلك المنافع خالصة عن شوائب الضرر ، فاعلم أن المضار إما أن تكون روحانية ، وإما أن تكون جسمانية ، أما المضار الروحانية فهي الحقد ، والحسد ، والغل / والغضب ، وأما المضار الجسمانية فكالإعياء والتعب فقوله : { ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين } إشارة إلى نفي المضار الروحانية وقوله : { لا يمسهم فيها نصب } إشارة إلى نفي المضار الجسمانية . وأما القيد الرابع : وهو كون تلك المنافع دائمة آمنة من الزوال فإليه الإشارة بقوله : { وما هم منها بمخرجين } فهذا ترتيب حسن معقول بناء على القيود الأربعة المعتبرة في ماهية الثواب ولحكماء الإسلام في هذه الآية مقال ، فإنهم قالوا : المراد من قوله : { ونزعنا ما فى صدورهم من غل } إشارة إلى أن الأرواح القدسية النطقية نقية مطهرة عن علائق القوى الشهوانية والغضبية ، مبرأة عن حوادث الوهم والخيال ، وقوله : { إخوانا على سرر متقابلين } معناه أن تلك النفوس لما صارت صافية عن كدورات عالم الأجسام ونوازع الخيال والأوهام ، ووقع عليها أنوار عالم الكبرياء والجلال فأشرقت بتلك الأنوار الإلهية ، وتلألأت بتلك الأضواء الصمدية ، فكل نور فاض على واحد منها انعكس منه على الآخر مثل المزايا المتقابلة المتحاذية ، فلكونها بهذه الصفة وقع التعبير عنها بقوله : { إخوانا على سرر متقابلين } والله أعلم . ! 7 < { نبىء عبادى أنى أنا الغفور الرحيم وأن عذابى هو العذاب الا ليم } > 7 < الحجر : ( 49 - 50 ) نبئ عبادي أني . . . . . > > في الآية مسألتان : المسألة الأولى : أثبتت الهمزة الساكنة في ( نبىء ) صورة ، وما أثبتت في قوله : { دفء } لأن ما قبلها ساكن فهي تحذف كثيرا وتلقى حركتها على الساكن قبلها ، ف ( نبىء ) في الخط على تحقيق الهمزة ، وليس قبل همزة ( نبىء ) ساكن فاجرؤها على قياس الأصل : المسألة الثانية : اعلم أن عباد الله قسمان : منهم من يكون متقيا ، ومنهم من لا يكون كذلك ، فلما ذكر الله تعالى أحوال المتقين في الآية المتقدمة ، ذكر أحوال غير المتقين في هذه الآية فقال : { بمخرجين نبىء عبادى } .
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)واعلم أن للثواب أربع شرائط : وهي أن تكون منافع مقرونة بالتعظيم خالصة عن الشوائب دائمة . أما القيد الأول : وهو كونها منفعة فإليه الإشارة بقوله : { إن المتقين فى جنات وعيون } . وأما القيد الثاني : وهو كونها مقرونة بالتعظيم فإليه الإشارة بقوله : { ادخلوها بسلام ءامنين } لأن الله سبحانه إذا قال لعبيده هذا الكلام أشعر ذلك بنهاية التعظيم وغاية الإجلال . وأما القيد الثالث : وهو كون تلك المنافع خالصة عن شوائب الضرر ، فاعلم أن المضار إما أن تكون روحانية ، وإما أن تكون جسمانية ، أما المضار الروحانية فهي الحقد ، والحسد ، والغل / والغضب ، وأما المضار الجسمانية فكالإعياء والتعب فقوله : { ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين } إشارة إلى نفي المضار الروحانية وقوله : { لا يمسهم فيها نصب } إشارة إلى نفي المضار الجسمانية . وأما القيد الرابع : وهو كون تلك المنافع دائمة آمنة من الزوال فإليه الإشارة بقوله : { وما هم منها بمخرجين } فهذا ترتيب حسن معقول بناء على القيود الأربعة المعتبرة في ماهية الثواب ولحكماء الإسلام في هذه الآية مقال ، فإنهم قالوا : المراد من قوله : { ونزعنا ما فى صدورهم من غل } إشارة إلى أن الأرواح القدسية النطقية نقية مطهرة عن علائق القوى الشهوانية والغضبية ، مبرأة عن حوادث الوهم والخيال ، وقوله : { إخوانا على سرر متقابلين } معناه أن تلك النفوس لما صارت صافية عن كدورات عالم الأجسام ونوازع الخيال والأوهام ، ووقع عليها أنوار عالم الكبرياء والجلال فأشرقت بتلك الأنوار الإلهية ، وتلألأت بتلك الأضواء الصمدية ، فكل نور فاض على واحد منها انعكس منه على الآخر مثل المزايا المتقابلة المتحاذية ، فلكونها بهذه الصفة وقع التعبير عنها بقوله : { إخوانا على سرر متقابلين } والله أعلم . ! 7 < { نبىء عبادى أنى أنا الغفور الرحيم وأن عذابى هو العذاب الا ليم } > 7 < الحجر : ( 49 - 50 ) نبئ عبادي أني . . . . . > > في الآية مسألتان : المسألة الأولى : أثبتت الهمزة الساكنة في ( نبىء ) صورة ، وما أثبتت في قوله : { دفء } لأن ما قبلها ساكن فهي تحذف كثيرا وتلقى حركتها على الساكن قبلها ، ف ( نبىء ) في الخط على تحقيق الهمزة ، وليس قبل همزة ( نبىء ) ساكن فاجرؤها على قياس الأصل : المسألة الثانية : اعلم أن عباد الله قسمان : منهم من يكون متقيا ، ومنهم من لا يكون كذلك ، فلما ذكر الله تعالى أحوال المتقين في الآية المتقدمة ، ذكر أحوال غير المتقين في هذه الآية فقال : { بمخرجين نبىء عبادى } .
Section V19/P153–V19/P155Fahreddin Râzî — Mefâtîhu'l-Gayb (s. V19/P153–V19/P155)
Orijinal Metin (AR)واعلم أنه ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، فههنا وصفهم بكونهم عبادا له ، ثم أثبت عقيب ذكر هذا الوصف الحكم بكونه غفورا رحيما ، فهذا يدل على أن كل من اعترف بالعبودية ظهر في حقه كونه الله غفورا رحيما ومن أنكر ذلك كان مستوجبا للعقاب الأليم . وفي الآية لطائف : أحدها : أنه أضاف العباد إلى نفسه بقوله : { عبادى } وهذا تشيف عظيم . ألا ترى أنه لما أراد أن يشرف محمدا / صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج لم يزد على قوله : { سبحان الذى أسرى بعبده } ( الإسراء : 1 ) . وثانيها : أنه لما ذكر الرحمة والمغفرة بالغ في التأكيد بألفاظ ثلاثة : أولها : قوله : { إنى } . وثانيها : قوله : { أنا } . وثالثها : ادخال حرف الألف واللام على قوله : { الغفور الرحيم } ولما ذكر العذاب لم يقل أني أنا المعذب وما وصف نفسه بذلك بل قال : { وأن عذابى هو العذاب الاليم } . وثالثها : أنه أمر رسوله أن يبلغ إليهم هذا المعنى فكأنه أشهد رسوله على نفسه في التزام المغفرة والرحمة . ورابعها : أنه لما قال : { نبىء عبادى } كان معناه نبىء كل من كان معترفا بعبوديتي ، وهذا كما يدخل فيه المؤمن المطيع ، فكذلك يدخل فيه المؤمن العاصي ، وكل ذلك يدل على تغليب جانب الرحمة من الله تعالى . وعن قتادة قال : بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لو يعلم العبد قدر عفو الله تعالى ما تورع من حرام ، ولو علم قدر عقابه لبخع نفسه ) أي قتلها وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر بنفر من أصحابه ، وهم يضحكون فقال : ( أتضحكون والنار بين أيديكم ) فنزل قوله : { نبىء عبادى أنى أنا الغفور الرحيم } والله أعلم . ! 7 < { ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم قال أبشرتمونى على أن مسنى الكبر فبم تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون } > 7 < الحجر : ( 51 - 56 ) ونبئهم عن ضيف . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير أمر النبوة ثم أردفه بذكر دلائل التوحيد ، ثم ذكر عقيبه أحوال القيامة وصفة الأشقياء والسعداء ، أتبعه بذكر قصص الأنبياء عليهم السلام ليكون سماعها مرغبا في الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأنبياء ، ومحذرا عن المعصية لاستحقاق دركات الأشقياء ، فبدأ أولا بقصة إبراهيم عليه السلام ، والضمير في قوله : { ونبئهم } راجع إلى قوله : { عبادى } والتقدير : ونبىء عبادي عن ضيف إبراهيم ، يقال : أنبأت القوم إنباء ونبأتهم تنبئة إذا / أخبرتهم وذكر تعالى في الآية أن ضيف إبراهيم عليه السلام بشروه بالولد بعد الكبر . وبانجاء المؤمنين من قوم لوط من العذاب وأخبروه أيضا بأنه تعالى سيعذب الكفار من قوم لوط بعذاب الاستئصال ، وكل ذلك يقوي ما ذكره من أنه غفور رحيم للمؤمنين ، وأن عذابه عذاب أليم في حق الكفار . المسألة الثانية : الضيف في الأصل مصدر ضاف يضيف إذا أتى إنسانا لطلب القرى ، ثم سمى به ، ولذلك وحد في اللفظ وهم جماعة . فإن قيل : كيف سماهم ضيفا مع امتناعهم عن الأكل ؟
Français Tercümesi (Ehl-i Sünnet)واعلم أنه ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، فههنا وصفهم بكونهم عبادا له ، ثم أثبت عقيب ذكر هذا الوصف الحكم بكونه غفورا رحيما ، فهذا يدل على أن كل من اعترف بالعبودية ظهر في حقه كونه الله غفورا رحيما ومن أنكر ذلك كان مستوجبا للعقاب الأليم . وفي الآية لطائف : أحدها : أنه أضاف العباد إلى نفسه بقوله : { عبادى } وهذا تشيف عظيم . ألا ترى أنه لما أراد أن يشرف محمدا / صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج لم يزد على قوله : { سبحان الذى أسرى بعبده } ( الإسراء : 1 ) . وثانيها : أنه لما ذكر الرحمة والمغفرة بالغ في التأكيد بألفاظ ثلاثة : أولها : قوله : { إنى } . وثانيها : قوله : { أنا } . وثالثها : ادخال حرف الألف واللام على قوله : { الغفور الرحيم } ولما ذكر العذاب لم يقل أني أنا المعذب وما وصف نفسه بذلك بل قال : { وأن عذابى هو العذاب الاليم } . وثالثها : أنه أمر رسوله أن يبلغ إليهم هذا المعنى فكأنه أشهد رسوله على نفسه في التزام المغفرة والرحمة . ورابعها : أنه لما قال : { نبىء عبادى } كان معناه نبىء كل من كان معترفا بعبوديتي ، وهذا كما يدخل فيه المؤمن المطيع ، فكذلك يدخل فيه المؤمن العاصي ، وكل ذلك يدل على تغليب جانب الرحمة من الله تعالى . وعن قتادة قال : بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لو يعلم العبد قدر عفو الله تعالى ما تورع من حرام ، ولو علم قدر عقابه لبخع نفسه ) أي قتلها وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر بنفر من أصحابه ، وهم يضحكون فقال : ( أتضحكون والنار بين أيديكم ) فنزل قوله : { نبىء عبادى أنى أنا الغفور الرحيم } والله أعلم . ! 7 < { ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم قال أبشرتمونى على أن مسنى الكبر فبم تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون } > 7 < الحجر : ( 51 - 56 ) ونبئهم عن ضيف . . . . . > > في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير أمر النبوة ثم أردفه بذكر دلائل التوحيد ، ثم ذكر عقيبه أحوال القيامة وصفة الأشقياء والسعداء ، أتبعه بذكر قصص الأنبياء عليهم السلام ليكون سماعها مرغبا في الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأنبياء ، ومحذرا عن المعصية لاستحقاق دركات الأشقياء ، فبدأ أولا بقصة إبراهيم عليه السلام ، والضمير في قوله : { ونبئهم } راجع إلى قوله : { عبادى } والتقدير : ونبىء عبادي عن ضيف إبراهيم ، يقال : أنبأت القوم إنباء ونبأتهم تنبئة إذا / أخبرتهم وذكر تعالى في الآية أن ضيف إبراهيم عليه السلام بشروه بالولد بعد الكبر . وبانجاء المؤمنين من قوم لوط من العذاب وأخبروه أيضا بأنه تعالى سيعذب الكفار من قوم لوط بعذاب الاستئصال ، وكل ذلك يقوي ما ذكره من أنه غفور رحيم للمؤمنين ، وأن عذابه عذاب أليم في حق الكفار . المسألة الثانية : الضيف في الأصل مصدر ضاف يضيف إذا أتى إنسانا لطلب القرى ، ثم سمى به ، ولذلك وحد في اللفظ وهم جماعة . فإن قيل : كيف سماهم ضيفا مع امتناعهم عن الأكل ؟